منذ ظهور جماعات الإسلام السياسي المعاصرة بداية القرن العشرين مع جماعة “الإخوان المسلمين”، والعالمان العربي والإسلامي -وأينما يممت النظر- يشهدان حروباً وصراعات أهلية تحركها هذه الجماعات أو تمثل جزءاً أساسياً فيها. وما سببته حروب هذه الجماعات من أضرار لا يقل عما سببه الاستعمار والحروب مع إسرائيل، دون أن نلمس أي إنجازات لها، لا علمية ولا اقتصادية، بل تدميراً لمقومات نهضة الشعوب ونشراً للتخلف والجهل وثقافة دينية بعيدة كل البعد عن الإسلام الحقيقي. كما لم يصبح الإسلام والمسلمون أقرب إلى الله وللإسلام الحقيقي، بل تم تقسيم المسلمين إلى مؤمنين وكفرة؛ حيث إن من لم يكن من جماعة الإخوان المسلمين يُصنف خارجاً عن الإسلام، ومن لم يكن مع “حزب الله” أو “جند الله” فهو مع “حزب الشيطان”، وينسحب ذلك على آلاف الجماعات التي تحمل مسميات دينية. والملاحظ أن كثيراً من هذه الجماعات هي من صناعة الغرب أو ممولة منه.
كانت أفظع جرائم هذه الجماعات هي ما فعلته بالقضية الفلسطينية؛ فكثيرون حذروا من تحويل الصراع في فلسطين إلى صراع ديني، وكان ذلك مع صعود الحركات (الجهادية) في فلسطين وإضفائها طابعاً دينياً على الصراع مع إسرائيل، بالتزامن مع صعود اليمين الديني في إسرائيل وفي الغرب.
آنذاك، تصدت الحركات الدينية لهذه الأصوات وأصرت على نهجها ومواقفها، زاعمة أن أكثر من ملياري مسلم يقفون إلى جانبها، وأن الزحف الإسلامي قادم لتحرير القدس والمقدسات وكل فلسطين! وقد ثبتت صحة رأي المعارضين لإضفاء طابع ديني على الصراع في فلسطين؛ حيث استطاعت إسرائيل والحركة الصهيونية العالمية تضخيم الخطر الإسلامي وترويج “الإسلاموفوبيا”، والخلط بين المقاومة الفلسطينية المشروعة والإرهاب الذي تمارسه بعض الجماعات الإسلاموية المتطرفة.
قد يقول قائل إن مظاهر التطرف الديني عند اليهود -وخصوصاً بعد صعود الأحزاب اليمينية مع نتنياهو- أكبر مما هو عند المسلمين، وهذا كلام صحيح، ولكن استطاعت دولة الكيان الصهيوني، من خلال توظيف الخطاب الديني وأساطير التوراة، حشد كل يهود العالم والتيارات والأحزاب اليمينية المسيحية في أمريكا والغرب عموماً، وحتى في الهند؛ بينما اقتصر جهد غالبية المسلمين على الشعارات وتوظيف القضية الفلسطينية لحسابات سياسية داخلية. أما الجماعات (الجهادية) فقد ذهبت لتقاتل في كل مكان في العالم إلا في فلسطين، بل ساعد الغرب -وخصوصاً واشنطن- في صناعة جماعات إسلاموية متطرفة.
Ibrahemibrach1@gmail.com
















