في زمن الثورة والعطاء والانتماء الحقيقي للوطن، كان كل من يريد خدمة الوطن، أو حتى التميز والشهرة، يقوم بأعمال مقاومة للاحتلال، أو يشارك في مظاهرة أو مسيرة ولو كانت سلمية، أو يساهم في أعمال تطوعية لخدمة الجماهير، أو يقدم تبرعات مالية للثورة وللمحتاجين من أبناء الشعب، أو يعبر عن ذلك من خلال عمل إبداعي وطني كالشعر، والرسم، والموسيقى، والسينما، والرواية، وحتى المقالات والدراسات الجادة والهادفة،وفي أغلب الحالات لم يكن الهدف تحقيق مقابل مادي.
هذا المفهوم للعطاء، الذي يعبر عن مستلزمات وشروط الانتماء للوطن، قد تغير اليوم، ولم تعد تتمسك به وتطبقه إلا قلة، وخصوصاً من النخب السياسية والثقافية. فاليوم كل شيء يقيم بالمال وما يحققه من مصلحة شخصية ،صحيح أن ظروف الحياة ومتطلبات المعيشة تغيرت ولكن أيضا النفوس تغيرت ومفهوم الوطن والانتماء تغير.
حتى من يُفترض أنهم قادة سياسيون وعسكريون في الفصائل، وكتاب وقادة مؤسسات مجتمع مدني أصبح لا عمل لهم إلا تسجيل فيديوهات ومقابلات والظهور الإعلامي -بعد أن فشلوا في كل المجالات السابقة من العطاء وعاث بعضهم فساداً في السلطة وفي مؤسسات المجتمع المدني، ولأنهم يريدون التغطية على فسادهم وعجزهم والبقاء في المشهد، وبحثاً من بعضهم عن كسب مادي- لجأوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا)، وصناعة “البودكاست” والفيديوهات؛ ليقولوا من خلالها أي كلام، حتى وإن كان فارغ المضمون ومكشوفاً للجمهور، أو ليدلوا بتصريحات معارضة لقادتهم، معتقدين أن كلامهم مهم لمجرد أنه صادر عنهم وفيه القول الفصل. وللأسف، أصبحت بعض هذه الشخصيات ،من كثرة ظهورها الإعلامي عبر تسجيلات قد تشرف على إنتاجها وإخراجها ونشرها مراكز مشبوهة ،تستقطب اهتمام البعض من الذين يبحثون عن التسلية والأكثر منهم فشلا وتفاهة.
هذا لا يعني التقليل من أهمية دور “السوشيال ميديا” والفضائيات وكل المجال السيبراني في هذا الزمان، وخصوصاً في مجال توجيه الرأي العام وتعبئته، والترويج لثقافة الأمة وقيمها. ولكن، في ظل الحالة العربية والفلسطينية المتردية، وضبابية الهوية والثقافة الوطنية، بل والتشكيك فيها، وضعف الدولة والسلطة الرقابية على ما يتم نشره، يصبح هذا المجال مصدر خطر على الشعب والقضية الوطنية، ويزيد من حالة الضياع والتوهان التي تعيشها الجماهير.
،Ibrahemibrach1@gmail.com















