لو بُعث بلفور وقادة الصهيونية الأوائل اليوم، لأصابتهم الصدمة والذهول أمام واقعٍ ديموغرافي وسياسي نسف كل فرضياتهم وخططهم الاستعمارية التي بنوها قبل قرن.
فماذا سيقول بلفور الذي وعد عام 1917 بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، مغيباً اسم “الفلسطينيين” ووصفهم بـ “الأقليات” و”الطوائف غير اليهودية” التي تملك حقوقاً مدنية ودينية فقط دون سياسية! واليوم يفرض شعب فلسطين نفسه كشعب يملك حقوقاً سياسية وطنية ويشكلون غالبية سكان فلسطين.
وماذا سيقول قادة الصهاينة الأوائل مثل جابوتنسكي الذي قال بنظرية “الجدار الحديدي”، ومفادها أنه من خلال مزيد من القتل والتضييق على حياة الفلسطينيين سيضطرون للخنوع وترك فلسطين، واليوم إسرائيل هي المحاصرة سياسياً ونفسياً والفلسطينيون ثابتون على أرضهم. وبن غوريون، وغولدا مائير اللذين زعما أن فلسطين «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض»، وزعما أن الكبار من الفلسطينيين سيموتون والصغار سينسون! واليوم، يفوق عدد الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية عدد اليهود، أي إنهم يشكلون الأغلبية، كما أن عددهم الإجمالي عبر العالم يعادل عدد اليهود في العالم كله. ولم تعد قضيتهم اليوم مجرد قضية إنسانية أو حقوق مدنية وثقافية، بل أصبحت قضية سياسية بامتياز، إذ تعترف 160 دولة بحقهم في تقرير مصيرهم السياسي، وحقهم في إقامة دولة مستقلة في فلسطين.
من يقاوم الاحتلال اليوم، ويصمد على الأرض مواجهاً له بكل الوسائل، هم أولئك الصغار الذين قال قادة الصهاينة إنهم سينسون؛ وذلك بالرغم من كل ما مارسه الكيان الصهيوني من قتل، واعتقال، وتدمير، وتهجير داخلي، ومن اختراق للمحيط العربي عبر التطبيع والاحتلال. واليوم، تسود الرواية الفلسطينية وتتفوق على الرواية الصهيونية حتى في الغرب، وفي بريطانيا نفسها التي منحت وعد بلفور حيث تتواصل المظاهرات هاتفة “الحرية لفلسطين” و منددة بالممارسات الإسرائيلية وبحق الفلسطينيين بدولة مستقلة وكأنهم يعتذرون عن وعد بلفور .
الفضل كل الفضل في تبديد قيمة وعد بلفور، وإسقاط كل رهانات قادة الصهاينة القدامى والحاليين، يعود إلى صمود شعبنا على أرضه في أراضي 48، والضفة الغربية والقدس، وقطاع غزة، وثبات الشعب كله وتمسكه بحق العودة وبثوابته الوطنية.
Ibrahemibrach1@gmail.com

















