تكثُر تصريحات الرئيس ترامب المستفزة، والمتناقضة، والمبهمة أحياناً، ولكن فيما يتعلق بالحرب على إيران، كان الخطأ الأكبر عندما هدد بمسح الحضارة الإيرانية عن وجه الأرض.
فهذا التصريح استنفر مشاعر الإيرانيين كافة، بما في ذلك المعارضون للنظام، كما كشف زيف ادعاءات ترامب عندما تحدث عن عظمة الشعب الإيراني وحرصه عليه؛ فكيف يكون ذلك وهو يهدد بمسح حضارته من وجه الأرض؟! إذ لا يقبل أي إيراني أن تُدمر حضارته الضاربة في عمق التاريخ لآلاف السنين، ولذا زادت شعبية النظام وإن كان قمعياً داخليا وعدوانيا على دول الجوار العربي. وبدلاً من المعادلة التي أراد ترامب ونتنياهو ترويجها (الشعب في مواجهة نظام قمعي)، تحولت إلى (الأمة في مواجهة تهديد وجودي خارجي).
هذا السلوك للشعب الإيراني، حتى وإن كان مؤقتاً وغير مضمون الاستمرارية، ينسجم مع نظرية في علم الاجتماع السياسي تسمى (نظرية تجاوز الصراعات)وضع أسسها عالم الاجتماع الألماني جورج زمبل وتسمى اليوم ظاهرة “الالتفاف حول العلم” (Rally ’round the flag effect ؛ مفادها أنه عندما يتعرض أي شعب لخطر خارجي يهدد وجوده القومي، فإنه يتجاوز خلافاته الداخلية ويتوحد في مواجهة العدو الخارجي. وهذا ما نلمسه حتى في حالة دولة الكيان الصهيونيفي حربه الأخيرة وكل حروبه السابقة.
وهناك كتاب للفرنسي غستاف لوبون اسمه(سيكولوجية الجماهير) يحلل السلوك النفسي الجمعي للجماهير بشكل عام كما يتطرق لسيكولوجية الجماهير المقهورة ،ومع أن الكتاب قديم إذ تعود طبعته الأولى لعام 1895إلا أنه ما زال صالحا لتحليل السلوك الجمعي في الحالة العربية تحديدا.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، فإن نتنياهو وحكومته هددوا بالقضاء على الشعب الفلسطيني، بل أنكروا الوجود التاريخي للفلسطينيين في أرضهم، ومع ذلك لم يتوحد الشعب الفلسطيني لمواجهة هذا الخطر الذي يهدد وجودهم الوطني. أيضاً، عندما هدد نتنياهو وحكومته اليمينية بإقامة “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات، وعرض أمام العالم خريطة تُظهر حدود هذه الدولة، وتفوه هو وقادة حكومته العنصرية بكل البذاءات ضد العرب والمسلمين، لم يتحرك العرب ولو في سياق دعوة لقمة -أو ما هو دونها- لمناقشة هذا التهديد.
أما في الحالة العربية فإن كل القوانين والنظريات في العلوم الاجتماعية لا تجد لها مكانا للتطبيق وما يُطبق منها يحدث بطريقة مشوهة: الديمقراطية، الليبرالية، الاشتراكية، القومية، الوطنية ، حقوق الإنسان الخ وكأن العرب ما زالوا في مرحلة البحث عن هوية وانتماء.
للأسف، فغالبية الشعوب العربية لم تترسخ عندهم (الدولة) كحاضنة للكل الوطني تسمو على الأحزاب والخلافات السياسية وتستحق التضحية من أجلها، كما أن فكرة الأمة كإطار جمعي يجسد الهوية والثقافة والتاريخ المشترك بقيت مجرد أيديولوجيا منفصلة عن الواقع.




















