الفوز الكبير الذي حققه الحزب الديمقراطي على الحزب الجمهوري في انتخابات التجديد النصفي لمجلسي النواب والشيوخ، والتي ظهرت نتائجها اليوم 11 نوفمبر، وهو الفوز الذي أُطلق عليه اسم (الموجة الزرقاء) -حتى وإن كان ترامب سيبقى على رأس السلطة لعامين قادمين دون سند من الكونجرس- يرسل مؤشرات تغيير في السياسة الداخلية والخارجية يجب علينا التوقف عندها، دون المراهنة على تغيرات دراماتيكية جراء هذا التحول، وخصوصاً خلال السنتين القادمتين. وأهم ما جاء على مستوى التقييم العام:
- متانة الديمقراطية في أمريكا والغرب عموماً، حيث تكون للشعب الكلمة الأخيرة دائماً.
- وسائط التواصل التي أتقن ترامب توظيفها -حيث كان دائم الحضور فيها ومارس من خلالها الإرهاب النفسي والفكري ضد معارضيه- لم تسعفه في الانتخابات التي أظهرت أن هذه الوسائط لا تصنع أبطالاً حقيقيين، وقد يتأثر بها عامة الناس مؤقتاً ولكنها لا تغير قناعات الناس أو تزيف وعيهم دائماً.
- تعود أسباب انفضاض غالبية المصوتين عن ترامب والحزب الجمهوري إلى تردي الأوضاع الاقتصادية للمواطن الأمريكي، وليس بسبب السياسة الخارجية، إلا في حدود مدى تأثير تلك السياسة على الوضع الاقتصادي الداخلي، كما هو الأمر بالنسبة للحرب على إيران.
- كان للمبالغة في انسياق ترامب وراء نتنياهو وحروبه ولو على حساب المصالح الاستراتيجية الأمريكية دور في ردة فعل الشعب الأمريكي وهو ما سيغير قي العلاقات الاستراتيجية المستقبلية بين البلدين.
- تراجع النزعة العنصرية والصعود الواضح للقوى التقدمية اليسارية والمعتدلة، والتي شكلت ما يشبه الائتلاف ضد ترامب وفلسفة (الماغا) العنصرية.
- خسارة ترامب -المحسوب عالميا على التيار اليميني- ستؤثر سلباً على الأحزاب والتيارات اليمينية الصاعدة في أوروبا.
- إعادة تصويب العلاقة مع أوروبا ومع الأمم المتحدة والمنتظم الدولي، مما سينعكس على السياسة والتعامل الأمريكي الأوروبي المشترك تجاه ملف أوكرانيا، وكذلك في الموقف تجاه الصين وروسيا، وعلاقة واشنطن بحلف شمال الأطلسي (الناتو).
- ستبقى يد ترامب طليقة نسبياً في ممارسة السياسة الخارجية من منطلق صلاحياته الرئاسية حسب الدستور، وبالتالي لا يمكن استبعاد إقدامه على مغامرة خارجية ما -خصوصاً تجاه إيران- بهدف تحسين صورته السياسية .
- قوة تأثير الأمريكيين ذوي الأصول العربية والإسلامية في أمريكا، وتنامي قدرتها على فرض حضورها في الخارطة السياسية، وهو حضور لا يقل عن حضور اللوبيات الصهيونية واليهودية بل تفوق عليها.
- تعتبر نتائج الانتخابات بشكل ما انتصاراً للرواية وعدالة القضية الفلسطينية؛ حيث فاز أشخاص في الكونجرس سبق وأن أعلنوا دعمهم للشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره الوطني، وأدانوا حرب الإبادة على غزة، وبعضهم زار القطاع، وهو ما سيؤثر مع مرور الوقت على مواقف دول وشعوب أخرى ما زالت معادية للحق الفلسطيني، وعلى الدعم الذي تقدمه واشنطن لإسرائيل.
أما تداعيات الانتخابات على السياسة الخارجية تجاه قضايا الشرق الأوسط، فيمكن توقع واستبصار ما يلي:
- بالنسبة للملف الإيراني: من الواضح أن هذه النتائج تعتبر انتصاراً غير مباشر لإيران -ما لم يجرِ نتنياهو ترامب إلى مواجهة جديدة خلال المرحلة الانتقالية- من حيث إبعاد شبح الانهيار الداخلي للنظام، وقدرتهم على الصمود في الحرب إلى حين موعد الانتخابات الأمريكية. وقد يتم استحضار الاتفاق النووي لعام 2015 مع بعض التعديلات، دون التخلي عن المطلب الأساسي بمنع إيران من امتلاك السلاح النووي واستمرار سياسة الاحتواء.
- بالنسبة للقضية الفلسطينية: من المعروف أنه لا توجد خلافات استراتيجية بين الحزبين حول دعم إسرائيل وضمان استمرارها كالقوة الأولى في الشرق الأوسط، وحتى في تأييدهما للحرب على غزة والموقف الرافض لقيام دولة فلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية. ونُذكر هنا أن هذه الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023 جرت في ظل حكم بايدن والحزب الديمقراطي، واستمر الدعم المطلق لها ومدها بالسلاح وإرسال الأساطيل للمنطقة حتى استلام ترامب السلطة في يناير 2025؛ ليواصل بدوره الوقوف إلى جانب إسرائيل في حروبها على الجبهتين الجنوبية والشمالية.ومع ذلك، من المتوقع أن يؤدي فوز الديمقراطيين في هذه الانتخابات -وإن استمر تفوقهم بعد عامين في الانتخابات القادمة- إلى إعادة النظر في مبادرة ترامب تجاه قطاع غزة، حتى وإن حصنها بقرار من مجلس الأمن. كما سيعمل الديمقراطيون على كبح جماح عنف المستوطنين في الضفة الغربية دون إحداث تغيير جذري في موقفهم من الاستيطان، بالإضافة إلى احتمالية دعمهم للسلطة الفلسطينية والضغط على إسرائيل لإعادة أموال المقاصة.
- هناك قضايا إقليمية أخرى قد تشهد تحولاً نسبياً في المقاربة الأمريكية، ومنها على سبيل المثال: ملف الصحراء المغربية، الملف اللبناني، والموقف من تيارات الإسلام السياسي، حيث يُعد الجمهوريون من أنصار سياسة (الفوضى الخلاقة) في الشرق الأوسط.
Ibrahemibrach1@gmail.com



















