العقل النقلي لا يبدع حتى في تجارب حركات التحرر الوطني

6 أغسطس 2026آخر تحديث :
العقل النقلي لا يبدع حتى في تجارب حركات التحرر الوطني

هناك إشكالية بنيوية عميقة في الفكر السياسي والاجتماعي العربي وهي ثنائية العقل النقلي” في مواجهة “العقل الإبداعي حيث إن من أهم المظاهر السلبية للعقل العربي -وخصوصاً السياسي- أنه عقل نقلي وليس إبداعياً، بمعنى استسهاله التقليد إما عما يُسمى “السلف الصالح” “الاستنساخ التاريخي” حيث يؤدي إسقاط تجارب تاريخية جاهزة على واقع مغاير إلى قراءة مشوهة للواقع ،أو تقليد الغرب والشعوب الأخرى، بدلاً من أن يبذل جهداً في الإبداع والتميز عن الآخرين، بإبداع وتطوير قيمه وثقافته وحضارته الخاصة به، والمنافسة للآخرين.

هذا العقل النقلي نجده في مناهج التعليم، وفي ثقافتنا، وطرق معيشتنا وفي كيفية إدارة الدولة والسلطة، حيث كل شيء تكرار للماضي وتشبّه بالسلف الصالح أو الأموات، أو منقول عن تجارب الآخرين. وهو يعبر عن انعدام الثقة بالذات، والنظر إلى الآخر كقدوة يجب الاحتذاء بها.

هذا العقل النقلي كان سببا في فشل التجارب التنموية الشاملة سواء في الاقتصاد أو السياسة والانتقال الديمقراطي .حيث حاول البعض تقليد النموذج الغربي الليبرالي وكانت النتيجة إما الفشل التام أو نماذج مشوهة من الرأسمالية والليبرالية، وحاول آخرون تقليد تجارب الدول الاشتراكية ونظرياتها الماركسية متجاهلين التحولات التي طرأت على تغير قوى الإنتاج ومصادر الدخل وعلاقة القوى العاملة بالسلطة والدولة وتغير أشكال هيمنة الدولة وعلاقة الدولة بالهيمنة الإمبريالية العالمية ولذلك فشل اليسار العربي وفشلت أنظمته ، وهناك نموذج ثالث ادعى أنه النموذج الإسلامي الذي سيحكم (بما أنزل الله) متجاهلا بأن الله لا علاقة له بإدارة الحياة السياسية والحكم السياسي وكانت النتيجة أنظمة حكم ومجتمعات أكثر تخلفا من بقية النماذج .

ولأنه عقل نقلي يهتم بالشكليات والشعارات وليس بالجوهر والإنجاز ويستسهل النقل فلم يحاول إبداع نماذج تنموية تدمج بين الأصالة والمعاصرة أو تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المجتمعات كما حدث بالنسبة لليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة الخ.

لم يقتصر الأمر على كيفية تدبير أمور الدولة والسلطة في الدول العربية بل تجاوزه لتجربة الحركة الوطنية التحررية وفي هذا السياق، يأتي التعامل والنظر إلى حركة التحرر الفلسطينية أو المقاومة الفلسطينية بنسختها الفتحاوية الأولى أو بنسخها الحمساوية؛ حيث تُقارن الحالة الفلسطينية بحالة فيتنام أو الجزائر ومحاولة قياس كفاءة المقاومة بمقدار شبهها بالماضي وبتجارب الشعوب الأخرى، وتصبح الثورة في هذه البلدان هي النموذج الذي يجب أن تسير عليه الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، دون الأخذ بعين الاعتبار الخصوصية التي تتمتع بها كل تجربة؛ سواء من حيث الزمان، أو الجغرافيا، أو تحولات النظام الدولي، أو طبيعة الاحتلال في كل دولة وأهدافه.

ومن هنا، يتم الحكم على التجربة النضالية الفلسطينية فشلاً أو نجاحاً بمدى تشبُّهها واستنساخها للتجربتين الفيتنامية والجزائرية، وحتى تجربة جنوب إفريقيا في تجاهل أن نجاح تلك الحركات كان وليد شروطها الذاتية والموضوعية الخاصة. وتتحمل حركات المقاومة الفلسطينية جزءا كبيرا من المسؤولية لأنها حاولت تقليد الآخرين دون الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الصراع مع العدو وانساقت وراء هوس الجماهير وإعجابها بالعمل العسكري والاستشهادي دون حسابات موازين القوى وتعقيدات الصراع .

فمثلاً، كانت فيتنام مقسمة إلى شمالية وعاصمتها هانوي (حيث النظام الثوري)، وجنوبية وعاصمتها سايجون (الخاضعة للنفوذ الأمريكي)، وكانت الثورة الفيتنامية تجد الدعم والإسناد من دول الجوار ومن غالبية دول العالم، وخصوصاً الصين والاتحاد السوفيتي، بل وحتى داخل الولايات المتحدة نفسها كان لها مؤيدون وأنصار. وفي الجزائر، كان الاستعمار كلاسيكياً وصل لمنتهاه مع تبني الأمم المتحدة سياسة تصفية الاستعمار، وكانت الجزائر محاطة بدول تدعم الثورة، وحتى داخل فرنسا كانت هناك مظاهرات للفرنسيين المطالبين بإنهاء احتلال الجزائر، حتى إن الرئيس الفرنسي ديغول نفسه قرر وضع حد لاحتلالها وتم توقيع اتفاقية إيفيان في مارس 1962 بين فرنسا والحكومة الجزائرية المؤقتة ممثلة لجبهة التحرير الجزائرية .

أما في فلسطين فالصراع يتميز بوجود احتلال استيطاني إجلائي، حيث المستعمر ليس جيشاً جاء من بلاد بعيدة، بل ملايين اليهود الذين يؤمنون بأن فلسطين لهم، ويدعمهم في مزاعمهم تيار ديني مسيحي وغالبية دول الغرب، بالإضافة إلى العلاقة الوثيقة مع واشنطن التي تقاتل معهم وتخوض حروبهم. كما أن الشعب الفلسطيني مشتت في مناطق منفصلة جغرافياً، وتحيط بفلسطين أنظمة عربية إما مطبّعة لعلاقاتها مع إسرائيل، أو غير مستعدة لخوض حرب إلى جانب الفلسطينيين أو مدهم بالسلاح؛ هذا ناهيك عن عجز المجتمع الدولي، وتوحد الإسرائيليين ووقوفهم إلى جانب دولتهم وحكومتهم.

  • هذا لا يعني نهاية مرحلة التحرر، فالاحتلال الإسرائيلي ما زال قائماً باعتراف الأمم المتحدة، وحيثما يكون الاحتلال يكون الحق في المقاومة. ولكن على الشعب الفلسطيني إبداع وسائل نضالية جديدة تتناسب مع خصوصية الصراع على أرض فلسطين؛ ومنها صياغة استراتيجيات تواجه تفوق القوة التكنولوجية والعسكرية الإسرائيلية، بالتركيز على استنزاف طويل الأمد لا يعتمد على الحسم العسكري التقليدي البحتـ وتعزيز صمود الشعب على أرضه وصمود الشعب أهم عناصر المقاومة لمواجهة الدولة اليهودية ومشاريع التهجير. Ibrahemibrach1@gmail .com
الاخبار العاجلة
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق