(الكوفيون) : جدل كبير في المغرب حول التطبيع

20 سبتمبر 2026آخر تحديث :
(الكوفيون) : جدل كبير في المغرب حول التطبيع

شهدت مدينة نيويورك، في 16 سبتمبر 2026، قمة دبلوماسية ثلاثية أسفرت عن اتفاق رسمي بين وزير الخارجية المغربي، ووزير خارجية إسرائيل، ومندوب أمريكا في الأمم المتحدة، لرفع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى “سفارات كاملة” وتبادل السفراء، بعد أن كانت العلاقات بينهما تقتصر على مكاتب اتصال.وكان من الممكن أن يمر الموضوع بهدوء، ولا سيما أن بين البلدين علاقات سابقة، ولكن ما جدد النقاش والجدل حول التطبيع أن اتفاق رفع مستوى التمثيل جاء متزامناً مع الانتخابات التشريعية التي ستُجرى بعد أيام وهي انتخابات تتميز بحدة الخلافات الحزبية والتنافس الشديد والاتهامات المتبادلة وظهور مصطلحات جديدة كمها مصطلح (الكوفيون).

فبقصد السخرية والاستهزاء، يُطلق بعض المؤيدين للتطبيع مع إسرائيل في المغرب اسم (الكوفيون) على مناصري القضية الفلسطينية، نسبةً إلى الكوفية الفلسطينية التي يتوشحون بها في مسيراتهم ووقفاتهم الاحتجاجية. ويُتَّهم هؤلاء باستغلال القضية الفلسطينية لأغراض انتخابية وحزبية، كما يُتهمون بالاصطفاف إلى جانب خصوم بلدهم.

وللأسف، فإن إقحام القضية الفلسطينية في الحملات الانتخابية يسيء أحياناً لفلسطين؛ لأن الغالبية العظمى من الشعب المغربي تقف مع عدالة القضية الفلسطينية وضد الممارسات العنصرية والإرهابية لإسرائيل. وللدولة المغربية، وجلالة الملك الحالي ومن سبقه، مواقف تاريخية مشرفة في دعم شعب فلسطين؛ حيث زار المغفور له الملك محمد الخامس مدينة القدس في يناير عام 1960، وصلى في المسجد الأقصى، وزار حي المغاربة الذي يسكنه أحفاد المغاربة الذين قاتلوا إلى جانب صلاح الدين الأيوبي لتحرير القدس عام 1187 م، كما جال في المخيمات الفلسطينية في الأردن. وفي عام 1973، وأثناء حرب أكتوبر على الجبهتين المصرية والسورية، أرسل المغفور له الملك الحسن الثاني قوات مغربية بقيادة الجنرال الصفريوي، قاتلت ببسالة على الجبهة السورية واستشهد عدد من عناصرها. وفي عام 1974، احتضنت الرباط القمة العربية التي اعترفت بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني. وفي عام 1979، أُسندت رئاسة لجنة القدس المنبثقة عن المؤتمر الإسلامي للمغرب، وترأسها المغفور له الملك الحسن الثاني، ومن بعده جلالة الملك الحالي محمد السادس، حيث ما زال المغرب يرسل المساعدات لأهالي القدس ولقطاع غزة.

صحيح أن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي بين المغرب وإسرائيل إلى درجة تبادل السفراء جاء في وقت حرج تمر به القضية الفلسطينية؛ مما أثار انتقادات وتساؤلات عند كثير من المغاربة نظراً لعمق العلاقة بين الطرفين الفلسطيني والمغربي وهو أمر مفهوم في بلد ديمقراطي . وحتى وإن تزامن رفع مستوى التطبيع مع الحملات الانتخابية، وما يقال عن توظيف الموضوع كورقة انتخابية، إلا أن مؤيدي التطبيع والذين تُحترم وجهة نظرهم قد يكون جانبهم الصواب باعتبارهم كل من يؤيد الفلسطينيين معادياً لدولته المغربية؛ لأنهم بذلك وكأنهم يقولون إن غالبية المغاربة من غير “الكوفيين” ليسوا مع الشعب الفلسطيني. كما أن استعمالهم للفظ “الكوفيين” كنوع من السخرية يتجاهل أن الكوفية أصبحت رمزاً للحرية والنضال ضد الاستعمار في كل العالم، وطالما توشح بها سياسيون وقادة أحزاب وحتى رؤساء حكومات ومواطنون مغاربة، وكان الملك الحسن الثاني يلتقي بالراحل أبو عمار وهو متشح بكوفيته. والمستهجن هو هذه السخرية من الكوفية في الوقت الذي يشهد فيه العالم، حتى في الغرب، مسيرات ومظاهرات يتشح أغلب المشاركين فيها بالكوفية الفلسطينية، بما في ذلك يهود مناهضون للصهيونية.

سبق أن كتبنا مع بداية الموجة الحالية من التطبيع، وبعد أن طبع المغرب عام ٢٠٢٠: (طَبِّعوا إن شئتم، ولكن ليس على حساب القضية الفلسطينية)، من منطلق أن قرار التطبيع قرار دولة وقرار سيادي قد تفرضه ظروف قاهرة لحسابات معينة تتعلق بالمصالح القومية العليا للبلاد ، ولكن التطبيع الرسمي لا يلزم بالضرورة الشعوب لتغيير هويتها وقناعاتها الفكرية التي تراكمت عبر السنين.

Ibrahemibrach1@gmail.com

الاخبار العاجلة
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق