وزير الثقافة ينتقد تحولَ العديد من المراكز الثقافية إلى مشاريع تجارية

2020-09-05T09:37:19+02:00
في الصحافة
22 فبراير 2007آخر تحديث : السبت 5 سبتمبر 2020 - 9:37 صباحًا

د. إبراهيم أبراش: أحداث غزة جرّت الكثير من المثقفين إلى مستنقعها 
عانينا طويلاً من عدم الفصل بين استراتيجية عمل الوزارة وشخص الوزير
الكثير من النشاطات الثقافية لا تخضع لرقابة الوزارة وقد تخدم أجندات خارجية
صندوق الثقافة الفلسطيني والمسرح القومي من أولوياتنا
سنعيد الروحَ إلى بعض المجلات التي تعثرت أو أغلقت لأسباب مالية
“القدس عاصمة للثقافة العربية” تحد كبير ولا وقتَ لدينا للانتظار
حاوره يوسف الشايب

كنا ولا نزال نعاني من الاحتلال، ومؤخراً بتنا نعاني من الاقتتال الداخلي، الذي نتجَت عنه سيطرةُ حركة حماس عسكرياً على غزة، وبالتالي انفصال القطاع عن الضفة الغربية .. في ظروف كهذه، عادة لا تهتم الحكومات بالثقافة؟
لا شك في أن المرحلة الآن صعبة للغاية، فقد أضيف إلى هم الاحتلال، هم انقسام ما تبقى من الوطن، أو مشروع الدولة، وهذا فرض تحديات كبيرة على الحكومة ككل، وكل وزارة في مجال تخصصها، بما في ذلك وزارة الثقافة، التي عليها، كغيرها، البحث عن آليات للعمل في ظل الاحتلال، وانفصال القطاع عن الضفة، لا سيما في ظل وجود ثقافتين منفصلتين، فمنذ توقيع اتفاقية أوسلو، وقبل ذلك، وحتى وصول حركة حماس إلى السلطة، تكرست ثقافةٌ مغايرة لثقافة منظمة التحرير وفصائلها، تقودها “حماس”، وتكمن خطورتها في ارتباطاتها الخارجية، فهي تحاول أن تتموقع خارج الإطار الوطني، وفي إطار أشمل يضم فروع حركة الإخوان المسلمين، أو حتى الجماعات الإسلامية في العالم كله .. وجود ثقافتين، لكل منهما مشروعها السياسي، يعزز الانقسام في نمط التفكير، ورؤية الفلسطينيين للأمور، وهذا الخطر الثقافي السياسي لا يقل عن خطر الاحتلال، فلا يمكن التأسيس لمشروع وطني يجمع الكل الفلسطيني، ما دامت ثمة جهات أو قوى سياسية، مرتبطة ثقافياً، وأيديولوجيا، بمركز خارج الوطن.
ما التحدي الذي تواجهه وزارة الثقافة إزاء ذلك؟
الكيفية التي من خلالها نعزز ثقافة وطنية تتسع للجميع، ويكون قرارها وطنياً، وليس مرتبطاً بالخارج.
هل هناك آلية واضحة لتحقيق ذلك؟
نحن الآن نُعد تصوراً استراتيجياً في وزارة الثقافة، تحت عنوان أساسي هو “في ثقافتنا الوطنية متسع للجميع”، بمعنى أننا سنعمل على توحيد ما فرقته السياسة، فإن كان أفراد المجتمع انقسموا سياسياً أو أيديولوجيا، فيمكن للثقافة الوطنية (ثقافة الكل الوطني) توحيدهم، وهي لا تعترف بالخصوصيات الأيديولوجية، وهي مفتوحة لجميع من يغلّب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية، أو الانتماءات الخارجية.
لكن كيف لكم تحقيق ذلك في غزة، و”حماس” لا تعترف بهكذا خط ثقافي، كما أنه لا سيطرة لكم كسلطة على أرض الواقع هناك؟
أحداث غزة، للأسف، جرّت كثيراً من المثقفين إلى مستنقعها، فطغت الثقافة الحزبية على الكثير منهم، وبات منتمياً لثقافة حزبه وارتباطاته .. الصعوبة كبيرة جداً لتحقيق ذلك، لكن ذلك قد يحدث عبر تسامي المثقف الفلسطيني فوق انتمائه الحزبي الضيق .. علينا أن ندفع بهذا الاتجاه .. ارتباط جزء كبير من المثقفين للانتماء الحزبي طغى على انتمائهم للثقافة الوطنية، وهذا يجعل مهمتنا صعبة، وخاصة في قطاع غزة.
هناك من يتحدث عن “قمع ثقافي” في غزة، ولعل المشاهد التي بثتها الفضائيات لهجوم عناصر في القوة التنفيذية التابعة لـ “حماس” على حفلات زفاف، كون جمهورها يغني أغنيات وطنية شكلت ولا تزال أساساً حيوياً في الهوية الثقافية الفلسطينية، أكبر دليل على ذلك .. كيف تنظرون إلى ذلك؟
مجمل الممارسات التي تنتهجها حركة حماس في قطاع غزة، لا تضر فقط بالمشروع السياسي الفلسطيني، بل بالثقافة الفلسطينية أيضاً، بكل رموزها من العلَم، والأغنيات الوطنية، والفلكلورية والتراثية .. عندما تقمع أية محاولات للتعبير عن الهوية الثقافية الوطنية، لاعتبارات سياسية فالأمر في غاية الخطورة، وهذا يزيد من صعوبة مهمتنا في قطاع غزة، والتي تتمحور حول الكيفية التي من خلالها نتيح لكل أبناء القطاع، كغيرهم من أبناء الوطن، التعبيرَ بحرية عن ثقافتهم، وحريتهم.
هل هذا ممكن؟
هناك صعوبات، لكنه ممكن، فما تقوم به حركة حماس من اقتحام للأعراس، ومحاولة منع كل من يعبر عن الثقافة الوطنية، يجد مقاومة شعبية، وهذا يعني أن الشعب الفلسطيني لا يزال متمسكاً بثقافته الوطنية، ويرفض هذه الممارسات، وبالتالي الأمل ليس مفقوداً .. ما تقوم به “حماس” لا يتعارض فقط مع الثقافة الوطنية المتراكمة عبر العقود الماضية، بل حتى يتناقض مع ثقافة الديمقراطية التي أوصلت حركة حماس إلى السلطة، فلا احترامَ لرأي الآخر، أو حرية التعبير، رغم أنها هي الثقافة التي أوصلت “حماس” إلى السلطة .. “حماس” انقلبت على الديمقراطية، واتجهت نحو فرض لونها السياسي بالقوة.. التحديات كبيرة، وما زلنا في مرحلة التفكير، خاصة مع طزاجة الانقلاب نسبياً، ونراهن على نشاط مؤسسات المجتمع المدني في قطاع غزة، والتي تقاوم الثقافة التي تحاول حركة حماس تعميمها، عبر العديد من الأنشطة الثقافية، وإن كانت محدودة، وتمارس بحذر .. هناك محاولات جادة لتفعيل هذا الاتجاه، ما يؤكد أن روح المقاومة والتحدي للمشروع الذي تقوده “حماس” موجود، وسيتعاظم مع الوقت.
لنعُد إلى هموم وزارة الثقافة .. على مدار السنوات الماضية، ومنذ تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية، كانت ولا تزال موازنة وزارة الثقافة الأقل من بين الموازنات، ما جعل الوزارةَ عاجزةً عن تحقيق إنجازات تذكر .. أين أنتم من ذلك في هذه الحكومة؟
لا أنكر أن موازنة وزارة الثقافة من أقل الموازنات بين الوزارات الفلسطينية، وربما السبب وراء ذلك يعود إلى عدم إدراك أصحاب القرار لأهمية ودور الثقافة في المجتمع الفلسطيني .. أعتقد لو كان ثمة اهتمام بوزارة الثقافة، وفهم حقيقي لأهمية دور الثقافة في حياتنا، لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، فلو كان ثمة إدراك بأن الثقافة هي الحصانة للمشروع الوطني في مواجهة ثقافات أخرى تضر بالمشروع الوطني، لما انهار هذا المشروع في قطاع غزة .. غياب دور الثقافة، وعدم الاهتمام فيها، جعل المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة “هشّاً من الناحية الثقافية”، وبالتالي من السهل أن يقعَ في شرَك إغراءات أية ثقافة واردة.
كان لدينا خلل كبير جداً في هذا الاتجاه .. لم يكن ثمة اهتمام بمفهوم ودور الثقافة، وبالتالي تم التعامل مع الوزارة، للأسف، على اعتبار أنهم مجموعة من الموظفين الذين يتقاضون رواتبَ دون عمل جدي، ولم ترقَ الأمور لتتجاوز تنظيم وتغطية بعض الأنشطة الجزئية، فلم تؤخذ الأمور بمفهومها الشمولي، عبر رؤية واضحة ترتبط عضوياً بالمشروع الوطني الفلسطيني .. عدم الاهتمام المادي بالثقافة، عبر الوزارة، وغيرها، سهّل المهمة أمام حركة حماس لتسيطرَ على القطاع، كما سبق أن سهل تسلل الاحتلال بيننا، عبر جواسيسه، وهم في الأساس أناسٌ غير محصنين بالثقافة الوطنية .. هذه الحصانة يفترض أنها من اختصاص الوزارة، التي هي المسؤولة عن الثقافة الفلسطينية.
وكيف نخرج من ذلك؟
عبر العمل على توسعة وتطوير الكثير من المراكز الثقافية الفلسطينية، وخاصة تلك العاملة في الريف الفلسطيني، على إنشاء مراكز جديدة، تنطلق من مبدأ “الكل الوطني”، وليس من منطلقات حزبية.
لكن هل ستخصِص حكومةُ د. سلام فياض الموازنات اللازمة لذلك، أم أنه كسابقيه لن يعير الثقافةَ ووزارتها الاهتمام الكافي؟
من حيث المبدأ، من الواضح أن د. سلام فياض، يدرك جيداً خطورة المرحلة، ويعمل وفق ذلك، لكن المهمة الأساسية هنا مهمتنا نحن في وزارة الثقافة، عبر تقديم رؤية واستراتيجية واضحة عما نريد .. نحن الآن في مرحلة إعداد هذه الاستراتيجية قصيرة المدى، والتي نريد من خلالها تأسيسَ أكبر عدد ممكن من المراكز الثقافية في كل مكان، فالكثير من المناطق بحاجة لهكذا مراكز، تنشر ثقافةً مغايرةً لما تنشره بعض الجماعات المؤدلجة.
هناك مئات المراكز الثقافية المسجلة في الأراضي الفلسطينية، والتي في مجملها لا تعمل، أو تعمل تحت لافتة “مركز ثقافي” في حين تمارسُ أعمالاًَ أخرى كتصفيف الشعر، أو التجميل، أو حتى كمخبز .. أين الرقابة على ما يحدث في هذه المراكز؟
كان هذا أحد محاور نقاشنا في وزارة الثقافة، مؤخراً، وتحدثنا طويلاً حول دور الوزارة في الرقابة على المراكز الثقافية .. مشكلة المراكز الثقافية جزء من مشكلة عامة تتعلق بجميع المؤسسات غير الحكومية، التي انتشرت بشكل هائل خلال السنوات الماضية، بعضها لا تخرج عن إطار كونها مجرد عنوان لتلقي المنح غير المقرونة بالعمل، وبعضها تُستغَل لأعمال غير التي رُخصت من أجلها، في حين أن بعض “تجار السياسة والثقافة” حولوا هذه المؤسسات إلى مشاريعَ تجارية تخدم مصالحهم، ومصالح أفراد أسرهم .. المشكلة هنا ليست مشكلة وزارة الثقافة، بقدر ما هي مشكلة الأجهزة الرقابية في السلطة الوطنية الفلسطينية، بما فيها وزارة الداخلية .. ربما أيضاً، الدول المانحة أرادت تعزيز هذه الحالة الانفلاتية في المؤسسات غير الحكومية، ومن ضمنها المؤسسات والمراكز الثقافية، التي تعمَد إلى تقويتها على حساب السلطة، ما خلق، في الكثير من الأحيان حالةً من الفصام بين مؤسسات المجتمع المدني، والسلطة، رغم أنه، وفي الوضع الطبيعي، يجب أن تكونَ العلاقة بين الطرفين تكاملية، وتصب في مصلحة المشروع الوطني الفلسطيني .. هذه المؤسسات تتلقى تمويلاً مباشراً من مصادر خارجية، دون رقابة رسمية، يجعلها تتحرر من أية تبعات قد تترتب على هكذا رقابة، علاوة على العوائق السياسية، فالعديد من هذه المراكز تتبع أحزاباًَ سياسية، وليس من السهل ممارسة دور الرقابة عليها، دون إشكالات مع مراكز القوى السياسية .. الكثير من هذه المراكز إما تعمل وفق أجندة حزبية، أو تحولت إلى مشاريع تجارية .. نحن في وزارة الثقافة لا يمكن لنا وحدنا القيام بذلك، دون دعم من وزارة الداخلية.
وزارة الثقافة كانت من بين المؤسسات القليلة التي أعدت استراتيجية وطنية شاملة .. ماذا عن هذه الاستراتيجية؟
كنتُ من بين المشاركين في إعدادها، وهي استراتيجية بعيدة المدى، وفيها شيء من العمومية، لكنها ستكون الأساس في بناء استراتيجيات قصيرة ومتوسطة المدى.. تعاقُب الوزارات بشكل متسارع في العامين الأخيرين، ومنها حكومة حماس، بما تحمله من ثقافة مغايرة، عرقلَ تفعيلَ هذه الاستراتيجية، ولم يتِح الفرصةَ للوزراء للعمل في إطار الاستراتيجية، لكنه لا يخلي ساحة أي وزير كان من المسؤولية، فليس من المفترض ربط استراتيجية عمل الوزارة بشخص الوزير .. نحن نعاني من مشكلة في وزارة الثقافة، والوزارات الأخرى، تتعلق بعدم الفصل بين استراتيجية عمل الوزارة وشخص الوزير .. بالنسبة لي لن أبدأ من نقطة الصفر، وسأُراكِم على ما سبق، وبالتالي فإن هذه الاستراتيجية هي الإطار العام الذي نسير تبعاً له، لكننا نسعى لإعداد استراتيجية قصيرة المدى، تكون صالحةً للتنفيذ، بغض النظر عن شخص الوزير.
تتذمر المراكزُ والمؤسسات الثقافية خارجَ رام الله، من تمركز الحراك الثقافي في المدينة التي تحولت لعاصمة الثقافة الفلسطينية، بمقابل تهميش المدن الأخرى ثقافياً .. ما رأيك؟
حين تسلمتُ الوزارة، لاحظتُ أمرين، أولهما أن ثمة حراكاً ثقافياً نشطاً في رام الله، وهذا شيء إيجابي، لكنه بعيد عن إشراف ورقابة وزارة الثقافة، وبالتالي فإننا لا يمكن لنا أن نضمنَ مدى توافق هذه النشاطات مع مفهوم الثقافة الوطنية، طالما لم تكن صادرة، أو على الأقل تحت إشراف الوزارة، فليس بالضرورة أن يخدم كل عمل ثقافي الثقافة الوطنية، فالكثير من الأنشطة قد تسيء للثقافة الوطنية، وتعزز ثقافات فرعية أو مضادة، سواء أكانت حزبية أو فصائلية، أو مرتبطة بتصور للثقافة مستمد من الخارج، عبر خضوعه لشروط الممول .. هذا لا يعني أننا منغلقون على العالم والثقافات الأخرى، لكن الأولوية للثقافة الوطنية.
الأمر الثاني، هو أن العملَ الثقافيَ يتمركز في رام الله، ومن خلال جولتنا في المدن والقرى الأخرى، لمسنا أن ثمة تعطشاً كبيراً لدى المواطنين في تلك الأماكن، لفعاليات فنية وثقافية، ومن هنا قررنا البدءَ بإعداد خطة لدعم المراكز الثقافية في المدن والقرى خارج رام الله، علاوة على دعم المبدعين في تلك المناطق، ممن لا يجدون أي دعم مالي أو معنوي، والاعتراف بهم وبأهمية ما يقدمونه للثقافة الوطنية.
البعض يرى أن انتشارَ الفلتان الأمني والفوضى في العديد من المحافظات في الضفة الغربية قد يحول دون نجاح أي نوع من التنمية الثقافية؟
لا شك أن العاملَ السياسي، أحد معيقات عمل الوزارة، فلا يمكن أن ننظم نشاطاً ما بإشراف وزارة الثقافة، أو جهة أخرى في السلطة، دون أن تجد من يصدر أحكاماً مسبقة تحمل الكثير من النقد، والمعارضة، دون التركيز على جدوى هذا العمل .. للأسف السياسي يطغى على الثقافي، لكن يمكن الخروج من هذا المأزق بالتركيز على العمل النشاطي الموحد، ذي الصبغة الثقافية الوطنية.. لا بد أن نجتهدَ بالتركيز على الثقافي أكثر من السياسي، وفي حال تعذر على وزارة الثقافة القيام بأعمال مباشرة في منطقة ما، فيمكن دعم المبدعين في تلك المنطقة، وهذا يفي بالغرض.. إذا أنجز أحد المبدعين، بدعم من الوزارة، مشروعاً ناجحاً، فإنه يشجع الآخرين على العمل والاجتهاد ثقافياً.. بالنسبة للفلتان الأمني، هو بالتأكيد يؤثر سلباً على الحياة الثقافية، كغيرها، وهناك خطة حكومية واضحة للقضاء على هذه الظاهرة.
هل هذا يعني أن ثمة إهمالاً بحق المراكز الثقافية خارج رام الله في السابق؟
يمكن أن نسميه إهمالاً، ويمكن أن نقولَ إن الحالة السياسية لم تكن تسمح بالتواصل، بين الوزارة والمراكز، وبينها وبين المبدعين، وإن أردنا تصحيحَ الحركة الثقافية، علينا أن نبدأ بالقرى والمناطق النائية، وأن ننطلق مع الأطفال، عبر تدعيم المكتبات الخاصة بهم، وتنظيم أنشطة مخصصة للطفل .. قد لا نلمسُ مردود ذلك إلا على المدى البعيد، لكن الاستثمار في الأطفال يبدو أكثرَ نجاحاً، فالكبار، في الغالب، متمترسون حول قناعاتهم، ومتخندقون حول رؤيتهم وأيديولوجياتهم، على عكس الأطفال.
حقق المثقف والأديب والفنان الفلسطيني منجزات عالمية كبيرة، على أكثر من صعيد، كيف يمكن المراكمة على ذلك؟
أي مبدع فلسطيني داخلَ الوطن أو خارجه، يتألق في منتجه الثقافي الفلسطيني، يحقق بذلك إنجازاً وطنياً، فهو يحمل رسالة إلى العالم مفادها أن الفلسطينيين مبدعون، وقادرون على العطاء والمنافسة .. في الحقيقة هناك نوع من الإهمال تجاه المراكمة على هذه الإبداعات، وربما إمكانات وزارة الثقافة المتواضعة تلعب دوراً في هذا المجال، لكن يوجد ما نفعله هنا إن أردنا .. قبل يومين هاتفتني إحداهن، طارحة فكرةَ تكريم الشاعر الفلسطيني الكبير هارون هاشم رشيد، الذي لم يكرّم في وطنه بعد، وعرضت تمويل التكريم، على أن نكون نحن المبادرين إلى الحدث .. هناك ما يمكن فعله، وسنقوم بما يمكننا في هذا الاتجاه، فالدعمُ المعنوي للمبدع مهم للغاية، وفي بعض الحالات يفوق تأثيرُه الدعم المادي له.
هناك أفكار ومشاريع ثقافية مهمة تبدو معطلة منذ زمن، منها صندوق الثقافة الفلسطيني، والمسرح القومي، وغيرها .. أين أنتم من كل هذه المشاريع؟
بالنسبة للمسرح القومي وصندوق الثقافة، هي أفكار سابقة، ولم تخرج عن إطار كونها أفكاراً، وربما كانت بعض الخطوات الأولية في هذا المجال، ما نسعى إليه في الفترة المقبلة، العمل على وضع هذه الأفكار موضع التطبيق .. المسرح القومي مهم لدعم الحركة المسرحية الفلسطينية، خاصة أن المسرحيين في فلسطين لا يملكون الإمكانات اللازمة لتفجير طاقاتهم الكامنة، رغم تحقيق إنجازات مهمة على الصعيد العربي، وربما العالمي، كما يمكن له أن يصب في تدعيم الثقافة الوطنية .. هذا مطلب، وهو من ضمن أولوياتنا في الاستراتيجية قصيرة المدى للوزارة، وهذا يتطلب تنسيقاً مع الجهات ذات العلاقة، خاصة وزارة المالية التي عليها أن تُخصصَ الموازنات لذلك.
بالنسبة للصندوق، قدمت ورقة أولية في هذا الإطار، وتمت مناقشتها، وقد يتم الانتهاء من الصيغة النهائية له الأسبوع المقبل، وفي حال إقرارها، وصدور مرسوم رئاسي بتأسيسه سنبحث عن الجهات الداعمة له، ووسائل تمويله .. في حال وجود هكذا صندوق فإنه سيكون الداعمَ الأكبر للحركة الثقافية الفلسطينية، وخاصة في الريف، والمناطق النائية والمهمشة، وحتى في رام الله، وغيرها من المدن، ونبذل كل الجهد لإنجازه وترجمته واقعياً في أقرب فرصة، ولا أعتقد أننا سنجد صعوبةً في الحصول على موافقة الرئيس محمود عباس لإنجازه، كونه مهتماً بتفعيل الحركة الثقافية الفلسطينية، وداعماً كبيراً لها.
كثيراً ما تتحدثون في الحكومة الحالية عن الشفافية في العمل، هل من الممكن أن يُفضي ذلك إلى فتح الكثير من الملفات القديمة التي ربما يتكشف عنها الكثير من المعلومات بخصوص ما يشاع عن فساد في الوزارات، ومن بينها وزارة الثقافة، على مدى السنين الماضية؟
لا أعتقد أنه من المجدي العمل على فتح هكذا ملفات، وهذه ليست مهمتنا كوزراء، بل إنها تحتاج إلى قرار سياسي، خاصة أنها قد تفضح “الكبير والصغير” .. فتح هذه الملفات يحتاج إلى قدرة على تحمل مسؤولية هكذا خطوة، فليس بالأمر الهين أن نفتحَ معاركَ مع أشخاص لهم وزنهم في السلطة، علاوة على صعوبة إثبات وتثبيت هكذا شبهات .. الكثير من الملفات التي تم فتحها في السابق، جرى “لفلفتها” والتغطية عليها، لعدم الدخول في مواجهات مع “رجال الدولة”.
المهم في هذا الوقت، وبالنسبة للحكومة الحالية، العمل على التأسيس لمرحلة جديدة، فيها وضوح وشفافية على المستوى المالي، والمهني.
هناك مجلات ثقافية فلسطينية عريقة أُغلقت أو تعثرت في الفترة الأخيرة لأسباب مالية، وبعضها كان يتقاضى مخصصات من وزارة المالية .. هل هناك رؤية لدى الوزارة لإعادة الروح لهكذا مجلات؟
أنا على يقين أن هكذا مجلات لا يمكن لها أن تستمر دون دعم السلطة، ففي حقبة التطور التكنولوجي لا يمكن لأية مطبوعة ثقافية أن تستمر بالاعتماد على مبيعاتها .. تعثر أو إغلاق بعض هذه المجلات أمر خطير جداً، خاصة أنها تنقل الثقافة الفلسطينية إلى العالم، فهي أداة من أدوات الحفاظ على الثقافة الوطنية وتطويرها، وهنا لا بد من العمل على انتقاء بعض هذه المجلات، التي تحقق الأهدافَ السابقة، والعمل على دعمها، وإعادة الحياة إليها، ولو عبر طبعات شعبية، ذات تكاليف منخفضة.. سنبحث ذلك في أقرب فرصة.
أخيراً .. القدس عاصمة للثقافة العربية في العام 2009، ما هي التحضيرات، وماذا عن المخاوف من تعرض هكذا مشروع ثقافي كبير للاحتكار الحزبي أو المؤسساتي؟
هذا المشروع جاء بقرار عربي، وعلنا نكون على قدر التحدي، عبر تحويل كل مدينة فلسطينية أو عربية إلى القدس، خاصة مع العراقيل الإسرائيلية المتوقعة بخصوص تنظيم فعاليات فنية وثقافية داخلَ حدود المدينة المقدسة .. لا يمكننا التراجع، ولا نملك الوقت، وبالتالي علينا تكثيفَ العمل لإنجاح هذه التظاهرة الثقافية المهمة، مع أخذ جميع المخاوف والتحفظات بعين الاعتبار، فاختيار القدس عاصمةًَ ثقافية للعرب، له بعد سياسي يضاف إلى بعده الثقافي، خاصة ما يتعلق بإعادة القدس إلى الحاضنة العربية، باعتبارها عاصمةً للثقافة العربية، علاوةً على كونها عاصمةً للدولة الفلسطينية المستقلة.
ونظراً لأهمية الموضوع تم تشكيل لجنة مركزية، برئاسة الرئيس محمود عباس، تعمل على استقطاب جميع المؤسسات الثقافية والفنية والمبدعين الفلسطينيين في الداخل والخارج .. اللجنة الحالية لجنة تحضيرية، ولا يمكن أن ترضي الجميع، لكنني أدركُ أنها تعمل لاستيعاب الجميع في هذه التظاهرة المهمة، وهذا يتطلب التنسيقَ مع وزراء الثقافة العرب، وسفاراتنا في الخارج، والمبدعين في الجاليات الفلسطينية في الخارج.
صحيح أن الوقتَ يدهمنا، وأننا كنا بحاجة لمزيد منه للتحضير للتظاهرة كما يجب، لكن علينا أن نكونَ على مستوى التحدي.
وفيما يتعلق بالمخاوف تجاه احتكار هذه التظاهرة على مستوى حزبي، أو مؤسساتي، فكان ثمة حديث في وسائل الإعلام حول ذلك، وهذا أمر إيجابي، ومن شأنه أن يوصلَ رسالةً إلى القائمين على اللجنة الخاصة بالتظاهرة، تضعهم في صورة هذه المخاوف.
ماذا عن تمويل هذه التظاهرة؟
بالحقيقة لا علمَ لي بخصوص التمويل، وإن كان تم تأمين المبالغ اللازمة لذلك، وهي كبيرة، كل ما أعرفه أن الأردن أبدت اهتماماً كبيراً باختيار القدس عاصمةً للثقافة العربية، ورصدت مبلغَ مليون دولار، منذ اليوم الأول .. هذه القضية يجب أن تكونَ على سُلم أولويات الرئاسة والحكومة، وعلينا ألا ننتظر الجهات الممولة، وسنتابع الأمر في الأيام القادمة .. الأمر ليس بيدنا، فأنا كوزير للثقافة عضو في هذه اللجنة، وتوكل لي مهمةُ التنسيق مع وزراء الثقافة العرب، والعمل جارٍ في هذا الاتجاه.

المصدرجريدة الأيام
رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق