طالما كتبنا مطالبين بإعمال العقل في التعامل مع القضية الفلسطينية، وعدم الاقتصار على الشعارات والعواطف والإيديولوجيات الوهمية ، وتديين القضية أو أسلمتها كما كان سابقاً مع (تعريب) القضية؛ عندما تم إخضِاعها لأيديولوجيات (قومية) وتاهت بين صراعات أنظمة وحركات (قومية) ،وفي الحالتين أدت هذه الأيديولوجيات وخصوصا مع الأيديولوجيا الإسلامية لتفكيك وإضعاف الرابطة الوطنية وتعزيز الانقسام خصوصاً ما بين أحزاب (وطنية) وأخرى (قومية) وثالثة (إسلامية) وأصبحت هذه الأيديولوجيات عبئاً على القضية وليس عوناً لها .
العواطف والشعارات والأيديولوجيات المنفصلة عن الواقع قد تكون عاملاً مساعداً ينفع للحشد والتعبئة، ولكنهما لا تؤسسان لاستراتيجية عمل لمواجهة تهديد وجودي كالتهديد الصهيوني. كما أن أسلمة القضية أو تديينها قد يُخرجها عن سياقها الوطني، ويحولها إلى ورقة تتلاعب بها أحزاب وجماعات أدلجت الدين الإسلامي لخدمة مصالح حزبية وأجندات خارجية؛ خصوصاً في عالم إسلامي متصارع وغير متفق على (قدسية القدس) ومفهوم البُعد الإسلامي للقضية الفلسطينية، حيث تعترف عديد من الدول الإسلامية بإسرائيل، وتربطها بها علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية بالرغم مما تمارسه من جرائم في قطاع غزة والضفة. حتى إن جماعات الإسلام السياسي (الجهادية) كالقاعدة وداعش والنصرة وجماعة الإخوان المسلمين، ذهبت لتقاتل في كثير من دول العالم إلا في فلسطين، في حين تقاتل حركتا حماس والجهاد الإسلامي عما تسميانه (العقيدة) وكأن لهما عقيدة غير عقيدة أهل البلد وكل المسلمين، وليس من أجل تحرير فلسطين.
قد يقول قائل إن المشروع الإسرائيلي الصهيوني اليهودي يقوم على الدين، وإن حكومة نتنياهو يمينية دينية متطرفة، وهذا كلام صحيح ولكن الفرق أن الحكومة الصهيونية اليهودية وظفت ووحدت غالبية يهود العالم لصالح دولة إسرائيل، أما الإسلام السياسي فهو يعادي الدولة الوطنية ولا يعترف بالوطنية، ومستعد للتضحية بهما لصالح مشروع وهمي يسمى (المشروع الإسلامي).
إن المطلوب ليس فك الارتباط بين القضية الفلسطينية ومحيطها العربي والإسلامي وخصوصاً في ظل الاختلال الكبير في موازين القوى مع العدو الصهيوني المعادي للوطنية الفلسطينية والقومية العربية والأمة الإسلامية، بل عقلنة هذه العلاقة وتصويبها، وتحريرها من التوظيف الأيديولوجي لخدمة أحزاب وأنظمة؛ مما يخلق عداوات ويفكك الثقة القائمة بين شعب فلسطين وقطاعات واسعة من الشعوب العربية والإسلامية التي لا تتوافق مع السياسات الداخلية لهذه الأحزاب والأنظمة الأيديولوجية.
Ibrahemibrach1@gmail.com



















