ثلاث سنوات مرت على ما سُمي (طوفان الأقصى)، ولم يتوقف الجدل عما إذا كان تصرفاً منفرداً من السنوار وحركة حماس، أم أن نتنياهو كان على علم به واستدرج حماس للقيام به للهروب من مشاكله الداخلية؟ ولكن ما لم يتطرق إليه المحللون والمتابعون لهذا الطوفان وتداعياته، هو أن كل ما جرى كان جزءاً من مخطط أكبر بكثير من حماس وغزة، ويتجاوز حتى الوضع الداخلي في إسرائيل، وكل ما قيل عن الطوفان كان ذرا للرماد في العيون وإخفاء ما هو أكثر خطورة.
كل ما جرى في منطقة الشرق الأوسط بعد السابع من أكتوبر 2023 من حروب على كل الجبهات وصراعات تشارك فيها واشنطن وإسرائيل، لا يخرج عن سياق استكمال مخطط “الشرق الأوسط الجديد”. ومع أن ترامب ونتنياهو هما أكثر المتحدثين الآن عن هذا المشروع، فإنه يمثل استراتيجية أمريكية ثابتة وسابقة على وجود ترامب.
وهنا نذكر بأن أول حديث رسمي وعلني عن الشرق الأوسط الجديد والكبير كان في عهد الرئيس الجمهوري جورج بوش ووزيرة خارجيته كونداليزا رايس عام 2005 التي تبنت مصطلح وفكرة (الفوضى الخلاقة) ولم يكن احتلال العراق عام 2003 ببعيد عن هذا المخطط. ثم جاء الرئيس الديمقراطي أوباما ليستكمل سياسة (الفوضى الخلاقة) لإعادة ترتيب المنطقة موظفاَ خطاباً مسالماَ ظاهرياً تجاه دول المنطقة كما حاول تمريره في خطابه في جامعة القاهرة في الرابع من يونيو 2009 ، وباشر عملياً تنفيذ هذا المخطط بطريقة خبيثة من خلال ما أطلق عليه مسمى (الربيع العربي) نهاية عام 2010 وبداية عام 2011.
حقق هذا المخطط بعض أهدافه بالتعاون مع جماعات الإسلام السياسي التي صُنعت لهذا الغرض، وخُلقت الفوضى والحرب الأهلية في بعض الدول وقُسّمت أخرى. وما جرى ويجري مع سوريا والحرب مع إيران وحزب الله والحوثي وفي فلسطين دون حسم أي حرب في أية جبهة وتوسع الصراع إلى اليمن وباب المندب واستهداف العربية السعودية والتواجد الإسرائيلي في دولة أرض الصومال بالإضافة إلى التطبيع مع إسرائيل و(السلام الإبراهيمي)… لا يخرج عن إطار هذه الاستراتيجية الأمريكية .
ما يقوم به ترامب ونتنياهو اليوم هو استكمال للمخطط الذي وُضعت أسسه في زمن سابق عليهما، والبناء عليه بخطاب وأدوات وتكتيكات جديدة، لا تخرج عن ثلاثة ركائز أساسية وثابتة لهذا المخطط والرؤية الاستراتيجية المشتركة لواشنطن وتل أبيب وهي:
1- ثبات العلاقات الاستراتيجية بين تل أبيب وواشنطن بالرغم من تعاقب الرؤساء في كلا البلدين ،وكل ما يقال بين الفينة والأخرى عن وجود خلافات بين الإدارتين هي مجرد اختلافات آنية وفرعية في وجهات النظر حول طريقة تنفيذ هذه الاستراتيجية وليس حول الهدف النهائي لها.
2- استمرار السيطرة والهيمنة على المنطقة وعدم السماح لأي دولة إقليمية أو دولية بأن تنافسهما على خيرات المنطقة وموقعها الاستراتيجي.
3- الثبات على موقفهما الرافض لقيام دولة فلسطينية مستقلة والجهود الفلسطينية بهذا الشأن سواء من خلال التسوية السياسية وتطبيق القرارات الدولية بهذا الشأن أو من خلال حق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال. وهذا ما نلمسه من خلال نهج واشنطن في التعامل مع منظمة التحرير الفلسطينية التي اعترفت بإسرائيل ووقعت معها اتفاق أوسلو برعاية أمريكية ،أو التعامل مع حركة حماس وفصائل المقاومة.
والسؤال الذي يفرض نفسه: ما علاقة هذه العودة القوية لهذا المشروع بعد السابع من أكتوبر2023 ؟ وهل بالفعل كانت واشنطن وتل أبيب في حالة دفاع عن النفس في مواجهة النووي الإيراني، وإرهاب أذرع إيران المزعوم، والفصائل الفلسطينية؟ وهل بالفعل إن الولايات المتحدة الأمريكية -الدولة الأقوى في العالم- وإسرائيل -الدولة الأقوى في الشرق الأوسط- غير قادرتين على حسم الحرب في كل هذه الجبهات؟
قبل الإجابة عن هذين السؤالين،كانتمؤشراتٌكثيرةٌ تؤكد أنردةَالفعل الإسرائيلية الأمريكيةعلى السابع من أكتوبر كانت تفوقكثيراًالرد على ما جرى في غلاف غزة من قتل وأسرلآلافِالإسرائيليين، ولم يكن ما جرى يستدعي إعلان واشنطن وإسرائيل حالة الحرب على حركة حماس التي ترعرعتوطورت قدراتها العسكريةتحت أنظارإسرائيلطوال17سنةً، ولا يبررحشد وإرسال واشنطن الأساطيل والجيوش للشرق الأوسط، وتدخل ترامبشخصياًلوقف إطلاق النار في القطاع، وتشكيل مجلس سلام وإرسال قوات دوليةوصدور قرار أممي خاص بغزة، وتدخلتونيبلير وكوشنرفي الموضوعمع حديث عن التهجير من القطاع وتحويل القطاعلمحميةٍ أمريكيةٍوبناء غزة الجديدة، وعودة الحديث عن نفط وغاز غزة وقناةبن غوريونالتي ستربط إيلات بالبحر المتوسط وتمر بمحاذاة قطاع غزةالخ واستمرار الحرب على كل الجبهات حتى الآن.
بالنسبة للإجابة عن السؤال الأول، فإن مجريات الحرب وتداعياتها تؤكد أن هاتين الدولتين كانتا تبحثان عن حرب كبرى؛ لتستكملا ما جرى في سنوات (الربيع العربي) بداية العقد الماضي، عندما رأتا أن فوضى (الربيع العربي) السابقة لم تحقق كل أهدافهما في صناعة “الشرق الأوسط الجديد”، ولم تكن حجة النووي الإيراني كافية لتبرير هذه الحروب وكان لا بد من عمل عنيف يصدم ويثير الرأي العام ويُظهر وكأن إسرائيل مهددة بوجودها وأن واشنطن تتدخل لحماية إسرائيل من خطر الزوال، فكان “طوفان الأقصى” الذي قامت به حركة حماس.
في الحالتين، كانت واشنطن تعلم أن إيران لا تملك سلاحاً نووياً، وحتى إن امتلكته فليست من الغباء بحيث تستعمله ضد دول نووية، سواء كانت إسرائيل أو واشنطن. كما أن نتنياهو كان يعرف مسبقاً بأن حركة حماس ستقوم بالهجوم على غلاف غزة، بل استدرج الحركة لتقوم بهذا العمل وقد كشفت تقارير صحفية إسرائيلية وأمريكية معرفة نتنياهو بما ستقوم به حركة حماس.
وكان هدف الطرفين -الأمريكي والإسرائيلي- ليس فقط القضاء على المشروع النووي الإيراني المزعوم أو القضاء على حركة حماس، بل توظيف هذين الخطرين المزعومين لتغيير جيواستراتيجية الشرق الأوسط كلياً بما في ذلك أللسيطرة على خطوط الملاحة والمنافذ البحريةفي سياق الصراع مع روسيا والصين، وإقامة إسرائيل الكبرى وهذا ما كرره ترامب عندما قال إن إسرائيل صغيرة ويجب أن تتوسع ونتنياهو الذي عرض خريطة لـ “إسرائيل الكبرى” تشمل أراضي عدة دول عربية.
أما بالنسبة لاستمرار الحروب دون حسم طوال هذه السنوات، فليس لعدم قدرة واشنطن وتل أبيب على الحسم، بل لرغبتهما في إطالة أمد الحرب بل وتوسيعها؛ كما جرى في باب المندب، واستهداف السعودية، واستمرار استباحة سوريا من طرف إسرائيل وتركيا بالرغم من سقوط نظام الأسد، حتى يتم مزيد من تفكيك هذه الدول وقيام حرب أهلية داخلية أو حرب ما بين دول المنطقة، مثلما تحاول واشنطن جر دول الخليج للحرب ضد إيران أيضا حتى تستكمل إسرائيل ضم الضفة الغربية وتصفية القضية الفلسطينية.
Ibrahemibrach1@gmail.com



















