على إثر العملية الإرهابية التي استهدفت كنيسة “حمود” في الكرك بالأردن يوم 23 أكتوبر، وأدت إلى وفاة 9 مواطنين مسيحيين وجرح العشرات منهم أثناء تشييع جنازة، قالت الجهات الرسمية الأردنية إن من قام بهذه العملية أشخاص ينتمون لجماعات إرهابية تكفيرية. وفي اعتقادي، فإن هذه الإحالة للجماعات التكفيرية ليست دقيقة، والصحيح أن الثقافة التكفيرية والتجهيلية هي المسؤولة عن مثل هذه العمليات الإرهابية، وهي ثقافة تنتشر في الأردن وبلدان أخرى. ومن ينشرها ويغذيها ليست هذه الجماعات التكفيرية ذات الحضور الإعلامي المحدود فقط، بل كل جماعات الإسلام السياسي، وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين ذات الحضور الكبير في الأردن، وكذلك مساجد ورجال دين وفضائيات، وحتى في المدارس.
إن القضاء على هذه الجماعات التكفيرية لن ينهي ظاهرة الإرهاب؛ إذ ستنشأ جماعات أخرى ما دام الفكر والثقافة التكفيرية والتجهيلية مستمرة ويتم توظيفها من طرف جهات خارجية لا تريد خيرا للأردن، كما تسيء للإسلام الحقيقي الذي هو دين تسامح وتعايش بين الأديان. والمسيحيون المستهدفون في الأردن كانوا في البلاد حتى قبل ظهور الإسلام، وشاركوا في حماية الأردن وبناء الدولة الأردنية؛ وبالتالي كان المطلوب وما زال هو القضاء على منابع الفكر التكفيري، وليس فقط القضاء على جماعات تكفيرية تتوالد باستمرار.
لقد تساهلت الحكومة الأردنية مع مروجي ثقافة التكفير الرائجة في الشارع وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تعتبر غير المسلمين كفرة وتحرم السلام عليهم أو معايدتهم، والتي تعظم من شأن كل من يحمل السلاح ويقاتل حتى لو كانوا مسلمين مثلهم، وتصف القتلة بالمجاهدين والشهداء، والضحايا بالكفرة والمرتدين. وسكتت السلطات الأردنية على تمدد وتوغل جماعة الإخوان المسلمين في كل مناحي الحياة، وما يقومون به من مسيرات ومظاهرات واعتصامات تحت الاسم المضلل “مساندة المقاومة في غزة” وخصوصا حركة حماس، وتكفير وتخوين كل من يقف ضد حركة حماس؛ وهم في الحقيقة لا يدافعون عن الشعب الفلسطيني والمقاومة، بل عن حركة حماس “الإخوانجية” التابعة لهم، كما يوظفون القضية الفلسطينية ليستعرضوا قوتهم وحضورهم في الشارع لإرهاب خصومهم السياسيين بها. وسكتت السلطات الأردنية كذلك على سياسيين وشخصيات عامة وظفت الخطاب الديني التجهيلي لاستقطاب أصوات العامة أثناء الانتخابات، وحتى بعد وصولهم للبرلمان ومواقع قيادية في الدولة استمروا في النهج ذاته والخطاب التجهيلي نفسه الذي يسيء للإسلام الحقيقي وللدولة.
إن المسببين الرئيسيين لعملية الكرك هم جماعة الإخوان المسلمين ومن يتبنى فكرهم وما تنشره من ثقافة تكفيرية وتجهيلية؛ حيث الجريمة ليست الأداة فقط أو الفاعل، بل الفكرة الدافعة للقتل. وفي أبريل 2025، اكتشفت السلطات الأردنية مخزن سلاح يحتوي على صواريخ قصيرة المدى، وقالت السلطات إنها للاستعمال داخل المملكة، ومع ذلك لم تتخذ ضدهم إجراءات قاسية من اعتقالات ومحاكمات، وكان جيدا أنه تم مؤخرا حظر الجماعة .
ولنا أن نتساءل: لماذا هذا الحضور الكبير لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن دون غيرها من البلدان العربية؟ قد يكون الجواب الذي يتبادر إلى الذهن أن النظام يصمت عن نشاط الإخوان للتغطية أو الموازنة مع علاقاته مع إسرائيل وتواجد قواعد وقوات أمريكية في البلاد -وهذا يحدث في دول عربية أخرى مطبعة مع إسرائيل- ولكن ليس هذا السبب الرئيس. وللتعمق أكثر في فهم ما يجري في الأردن، نُذكّر بأن واشنطن ودولاً أخرى كانت تقف وراء صناعة وتمويل جماعات الإسلام السياسي مثل القاعدة وداعش وجماعة الإخوان المسلمين، في سياق سياسة تهدف لنشر الفوضى والحرب الأهلية وتشويه الإسلام الحقيقي، وهذا ما لاحظناه خلال سنوات ما سمي “الربيع العربي” ودور هذه الجماعات في حرف مسار التحركات الشعبية العفوية في بدايتها وركوب موجتها للسيطرة على السلطة وزرع الفتنة. يُضاف إلى ذلك دور إسرائيل في صناعة حركة حماس وتمكينها من السيطرة على قطاع غزة عام 2007، وتسهيل سيطرتها بدخول الأموال القطرية لحماس، واعتراف نتنياهو نفسه بأن وجود حركة حماس يحقق مصلحة استراتيجية لإسرائيل.
بالعودة للأردن، نجزم أن لإسرائيل وأمريكا ودولاً أخرى دور في تعزيز تواجد الإخوان وجماعات تكفيرية أخرى في الأردن لنشر الفوضى وإضعاف الدولة، وربما سيطرة الإخوان على النظام أو أن يكون لهم كلمة نافذة، بما يجعل الدولة ضعيفة في مواجهة مخطط “الوطن البديل” للفلسطينيين، أو هجرة فلسطينيي الضفة لها، وهو مخطط قديم لمح له مؤخرا مسؤولون إسرائيليون وخصوصًا “أفيغدور ليبرمان”. وما يجري في الضفة في السنوات الأخيرة من توسيع الاستيطان وتدمير المخيمات وتهجير سكانها، وما يجري في مدينة الخليل من تدمير وتهجير لسكانها بعد عملية عسكرية تبنتها وباركتها حركة حماس يعزز هذا الطرح. والحركة الصهيونية عموما -وليس فقط الحكومة اليمينية برئاسة نتنياهو- تدرك أن الدولة اليهودية الخالصة لن تقوم ما دام يوجد ما بين البحر والنهر حوالي 7 ملايين فلسطيني، وما دامت الضفة الغربية تحديدا، والتي يطلقون عليها (يهودا والسامرة)، ليست خاضعة بالكامل لهم.
Ibrahemibrach1@gmail.com
















