لماذا انتخابات إن لم تؤدي لتشكييل حكومة توافقية

30 يناير 2006آخر تحديث : السبت 26 سبتمبر 2020 - 4:44 مساءً
لماذا انتخابات إن لم تؤدي لتشكييل حكومة توافقية

د/إبراهيم أبراش

لماذا انتخابات إذن إن لم تؤد لحكومة ائتلافية؟


لا يسعنا إلا أن ننوه  بنجاح الفلسطينيين بإجراء الانتخابات بطريقة حضارية مع أنها كانت تنافس بين قوى مسلحة أكثر مما هي تنافس بين أحزاب ذات ب‏رامج ، أيضا نهنئ حركة حماس بهذا الفوز ، فما دمنا قبلنا بالممارسة الانتخابية والاحتكام إلى الجمهور فعلينا أن نقبل بالنتائج وبإرادة الجمهور ، ولكن الإرباك الداخلي والدولي الذي نتج عن فوز حماس  يستحق وقفة لتحليل هادئ وموضوعي لما جرى ، وتلمس السبل الكفيلة باستكمال مسلسل إصلاح النظام السياسي الفلسطيني وتجنب أزمة لن يستفيد منها إلا الأعداء .

منذ أن أصبحت الانتخابات استحقاق منصوص عليه باتفاق أوسلو وبخطة خارطة الطريق ، انتابنا توجس من حقيقة هذا الإصرار الأمريكي والأوروبي مع عدم الممانعة الإسرائيلية ، فهل الأمريكيون حريصون بالفعل على أن نصبح مجتمعاً ديمقراطياً ونمارس حقنا بحرية التعبير والرأي  وتجسيد مبادئ  إرادة الأمة والسيادة وحق الشعب بتقرير مصيره ؟ وهل الإسرائيليون الذين يحتلون الوطن ويستولون على الأرض ويقتلون البشر حريصون على الشعب الفلسطيني وحريته ؟ .هذا الإصرار الخارجي على الانتخابات دفعنا للكتابة والحديث أكثر من مرة عن وجود مراهنتين على الانتخابات ، مراهنة وطنية فلسطينية تريد أن توظف الانتخابات كآلية لإخراج النظام السياسي من مأزقه وذلك بالتوصل لتشكيل حكومة ائتلافية عبر الانتخابات حيث فشلت عشرات جولات الحوارات من التوصل لقيادة أو حكومة وحدة وطنية ، وبالمقابل وجود مراهنة خارجية ،أ مريكية وإسرائيلية خصوصاً لجعل الانتخابات مصيدة للفلسطينيين تبعدهم عن مقارعة الاحتلال ليتصارعوا ويتنافسوا حول المناصب والمواقع في سلطة هي سلطة حكم ذاتي هزيلة وتعيش على المساعدات والهبات الخارجية ، وكنا نراهن على قدرة الفلسطينيين على كسب الرهان الوطني .

وحتى نكسب هذا التحدي الديمقراطي طالبنا بضرورة مباشرة حوار وطني يسبق الانتخابات التشريعية ، هدفه التقريب بين البرامج والمواقف والتوصل لمرجعيات وثوابت وطنية ويكون الاختلاف داخلها وليس عليها ، من منطلق أن الانتخابات كآلية لتداول السلطة لن يكتب لها النجاح إن كانت تنافساً بين استراتيجيات متناقضة ، لأن ذلك سيصعب من إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية بل قد يؤدي لأن يثار الفائزون من المنهزمين وعدم اعتراف المنهزمين بالهزيمة وبالتالي الارتداد على العملية الديمقراطية برمتها ، وللأسف جرت الانتخابات دون الاتفاق على ثوابت ومرجعيات وطنية ، ولكن في ظل صفقة دولية بعيداً عن الجمهور – سنتحدث عنها في مقال قادم – وجرى ما نشاهده اليوم ، المنهزم بالانتخابات مأزوم بهزيمته والمنتصر مأزوم بنصره .

لا شك أنها ضربة قوية لحركة فتح ولقوى اليسار ولمن طرحوا أنفسهم كتيار ثالث ، ولكن المصلحة الوطنية وروح الديمقراطية تحتم على الجميع تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية ، فحركة حماس حركة شعبية ولها جمهورها واختارها الشعب بحرية ، ليس بالضرورة إيماناً ببرنامجها ولكن رغبة بالتغيير وتطلعاً إلى التخلص من سلطة عمَّها الفساد والفوضى وحُملت حركة فتح مسؤولية ذلك ، الديمقراطية لم تشرع الانتخابات كآلية لاستبدال استبداد باستبداد بل للانتقال من نظام الحزب الواحد إلى التعددية ، الديمقراطية تقوم على مبدأ الاعتراف بالآخر والمشاركة بالقرار. وفي الحالة الفلسطينية إن لم تؤد الانتخابات لتشكيل حكومة وحدة وطنية أو ائتلافية فما الفائدة منها؟

ومع كامل تفهمنا لما أصاب حركة فتح من صدمة هي تتحمل المسؤولية عنها ، فإن المصلحة الوطنية تتطلب أن تشارك حركة فتح في الحكومة الجديدة ، ولكن ليس في ظل البرنامج الانتخابي لحماس وإستراتيجيتها قبل الانتخابات ، بل في سياق سياسة الالتقاء وسط الطريق ، فحركة فتح لها تجاوزاتها وأخطاؤها ، وحركة حماس لها أخطاؤها وعليها أن تعيد النظر بكثير من شعاراتها وممارساتها وهي بدأت ذلك حتى قبل أن تبدأ الانتخابات ، وعلى حركة حماس أن تتحلى بالصراحة والواقعية وأن لا تتلكأ كثيرا في النزول من فوق الشجرة  ، فالواقع عنيد والحقيقة جلية بأنه لا يمكن للعالم – وهو محق حسب مبادئ وأصول القانون الدولي والأعراف الدولية – أن يعترف ويدعم حكومة تطالب بالقضاء على دولة هي عضو بالأمم المتحدة وتعترف بها غالبية الدول العربية .

أيضا من المشروع التفكير بحكومة تكنوقراط من خارج المجلس التشريعي ، ولكن هذا لن يحل المشكل كلياً لأن الحكومة وقراراتها ستحال للمجلس وبالتالي في ظل عدم وجود تتفاهم على ثوابت ومرجعيات بين الفصيلين الكبيرين ستكون حكومة مشلولة . ونتمنى قبل أن تبدأ تدخلات خارجية تفرض على رموز من حركة فتح الذين يتبنون مشروع التسوية ويتعهدونه ليشاركوا في حكومة تشارك فيها حماس بعد أن تغير هذه الأخيرة مواقفها لتصبح  متماشية مع التعهدات والالتزامات الدولية ، أن تباشر كل القوى السياسية حواراً لصيغة من الشراكة داخل المجلس التشريعي تمهد الطريق لحكومة وحدة وطنية ، حركة حماس لا يمكنها في الوقت الحالي تشكيل حكومة بدون حركة فتح ، وفتح لا يمكنها أن تكون خارج السلطة وخارج الحكومة .

30‏/1‏/2006

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق