27 سبتمبر 2026آخر تحديث :

مقاربة للتجربة الديمقراطية المغربية على ضوء الانتخابات التشريعية الأخيرة

في عام 2001 صدر لي كتاب عن منشورات الزمن في مدينة الرباط بعنوان: (الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق:مقاربة للتجربة الديمقراطية في المغرب) رصدت فيه خصوصية التجربة الديمقراطية في المغرب موظفا نظريات ومقاربات علم الاجتماع السياسي، واليوم وبعد مرور ربع قرن أعود لتسليط الضوء على ما وصلت إليه هذه التجربة في ضوء الانتخابات التشريعية الأخيرة التي جرت في الثالث والعشرين من سبتمبر الحالي وشارك فيها حوالي سبعة وعشرون حزباً.

وتأتي هذه الانتخابات في سياق مسار متواصل للانتقال الديمقراطي بدأ مع أول انتخابات تشريعية جرت في مايو 1963، بعد حوالي سبع سنوات من نيل الاستقلال عام 1956، وبعد أشهر قليلة من المصادقة على أول دستور للمملكة في ديسمبر 1962.

لم يخلُ هذا المسار للانتقال والتحول الديمقراطي من اضطرابات وتمردات ضد النظام؛ مثل المحاولتين الانقلابيتين في بداية السبعينيات، والانتفاضات والمظاهرات الشعبية في أكثر من مدينة وجهة خلال الثمانينيات والتسعينيات، واحتجاجات عام 2011 خلال موجة ما يسمى “الربيع العربي”، انتهاءً بمظاهرات GZ العام الماضي.

إلا أن كل هذه الأحداث التي واجهها النظام تارة بالقوة المسلحة والاعتقالات بل والمبالغة فيها وأخرى بالحوار والتوافق، لم تعق المسار الديمقراطي، حيث سجل المغرب تجربة ديمقراطية متميزة بل كان أنجح تجارب الانتقال الديمقراطي في المنطقة العربية .

هذا لا يعني أن المغرب حقق ديمقراطية كاملة يمكن تشبيهها بالديمقراطيات الغربية، بل هي ديمقراطية أبوية وموجهة، تحقق تراكم إنجازات تتناسب مع خصوصية المغرب كدولة إسلامية، على رأسها أمير مؤمنين. كما واجه المغرب بعد استقلاله تحديات كبرى؛ مثل حرب الرمال مع الجزائر عام 1963، والجهود المستمرة للحفاظ على وحدته الترابية وتثبيت مغربية الصحراء الممتدة منذ عام 1974.

ضمن هذا السياق التاريخي، يمكن مقاربة الانتخابات التشريعية الحالية وأسباب تراجع نسبة المشاركة فيها.

فالنسبة لتراجعُ نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية إلى حوالي 38% من المسجلين رسمياً لا تعد هذه ظاهرةً خاصةً بالمغرب وحده، بل تمتدُّ إلى غالبية الدول العربية التي توجد بها تعددية حزبية وسياسية وانتخابات تشريعية؛ مثل مصر، والجزائر، والكويت، بل وحتى خارج العالم العربي.

هذا العزوف عن المشاركة، وخصوصاً من الشباب، يرجع إلى عدة أسباب مركبة: سياسية، واجتماعية، واقتصادية، ونفسية؛ بعضها عام حيث نلمسها في كثير من الدول، وهذه تعود لأحد السببين التاليين:

1-الثقة الكاملة بالنظام السياسي وأحزابه؛ مما يخلق طمأنينة عند شريحة واسعة من الجمهور بأن أوضاعهم المعيشية لن تتغير إلى الأسوأ بغض النظر عن الحزب أو الأحزاب الفائزة في الانتخابات، وربما ستكون أفضل، وهو ما كان يحصل في الديمقراطيات الغربية قبل صعود اليمين المتطرف.

2-انعدام الثقة بالنظام السياسي وأحزابه، والاعتقاد بأن الانتخابات مجرد لعبة يشارك فيها النظام والأحزاب للظهور كنظام ديمقراطي وتقاسم منافع السلطة.

في التجربة الانتخابية المغربية هناك وضع معقد؛ فهناك الثقة في النظام (أو ما يُعرف بالدولة العميقة أو المخزن)، وانعدام الثقة في الأحزاب السياسية.

وبشكل عام، يمكن إبداء الملاحظات التالية على الديمقراطيةالمغربيةوالانتخابات التشريعية الأخيرة، وضعف تأثير الأحزاب في رسم السياسات العامة:

1-تصدر حزب الأصالة والمعاصرة للمشهد السياسي حيث حصل على أعلى الأصوات وضمن97مقعداً في البرلمان، وهو الحزب الأقرب للقصر وتأسس عام2008،وترأسهفؤاد عالي الهمةالذي يشغل منصب مستشار الملك محمدالسادس.

2-حدة المنافسة وتوتر الخطاب السياسي خلال الحملة الانتخابية، وخصوصاً مع توظيف الخطاب الديني، ودخول العلاقةمعإسرائيل والتطبيع في الحملات الانتخابية.

3-استمرار تراجع قوى اليسار مقابل تقدمللقوىالليبرالية والمحافظة؛ حتى إن حزب العدالة والتنمية(الإسلامي)تقدم على الحزب الاشتراكيبـ26مقعداً، وعلى حزب التقدم والاشتراكيةبـ19مقعداً.

4-استعادة حزب العدالة والتنمية لمكانته في المشهد السياسي بحصوله على54مقعداً بعد أن كانله13مقعداًفقط في البرلمان السابق، ويعود ذلك إلى توظيف الخطاب الديني وموقفه المؤيد للشعب الفلسطيني والمناهض للتطبيع، ولأن جزءاً مهماً من الشعب-الذي حجب الثقة عنه في الانتخابات السابقة محملاً إياه مسؤولية تراجع الوضع الاقتصادي-وجد أن سياسات من جاؤوا بعده في الحكومة فاقمت الوضع بدلاً من حله.

5- مع أنها انتخابات لممثلي الشعب، حيث المنتخَبون لعضوية البرلمان يفترض أنهم يمثلون الشعب ويعبرون عن إرادته، والبرلمان هو أعلى السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، إلا أن الجميع يعلم أن من ينتخبهم الشعب ليسوا هم من سيحكم كما تقول الديمقراطية التقليدية “حكم الشعب بالشعب”، بل القرار في مكان آخر وهو المؤسسة الملكية، والتي لا تتغيَّر بنتيجة الانتخابات التشريعية.

6- تراجع التمايز الفكري والأيديولوجي بين الأحزاب التاريخية: فلم تعد هذه الأحزاب وخصوصاً الكبرى تتمايز على أساسٍ أيديولوجيٍّ أو فكريٍّ ولم يعد هناك فرق بين أحزاب يمينّية محافظِة وأحزاب يساريّة تقدّميّة، أو ببرامج سياسية ذات مضامين اجتماعيّة وفكريّة واقتصاديّة تخص البلاد؛ إلا لقلة من الأحزاب، مثلا حزب العدالة والتنمية تميز بخطابه الديني وموقفه من إسرائيل والتطبيع ،أيضا تحالف اليسار أحتفظ بمقاربته اليسارية للوضع في البلاد.

7- غياب التنافس الحقيقي على (السلطة): لا يوجد تنافس أو صراع على السلطة باعتبارها المقرر الأعلى والمرجعية العليا للشعب والدولة، بل كلُّ الأحزاب تتسابق للوصول إلى المجلس التشريعي أو البرلمان، وتداولِ المنافع التي تمنحها لها السلطة وهي الدولة العميقة الثابتة والراسخة؛ فالانتخابات لا تُحدث تداولاً حقيقياً على السلطة، بل تداولاً على الاستفادة من منافع السُّلطة، وهذا هو الحال في كل التجارب الانتخابية العربية.

8- غياب التغيير الاستراتيجي: لم يلمس الشعب تغييراً حقيقياً في الخيارات والسياسات الاستراتيجية للدولة بعد كلِّ انتخابات بالرغم من تغير الحكومات والأحزاب الفائزة.

9- إنَّ كلَّ الأحزاب التي تشارك في الانتخابات هي (أحزاب سلطة)، ولا توجد معارضة حقيقية للنظام وإنما معارضة للحكومة فقط. ومن يعارض النظام لم يشارك في الانتخابات مثلا جماعة العدل والإحسان ذات التوجه الإسلامي وجماعة النهج الديمقراطي اليسارية الراديكالية.

10- الأحزاب الجديدة التي ظهرت قبيل الانتخابات كانت ذات حضور شعبي محدود ولم تستطع منافسة الأحزاب القديمة وحصل بعضها على مقعدين وأخرى على مقعد واحد ،ومن هذه الأحزاب الجديدة: حزب الإنصاف ،جبهة القوى الديمقراطية، حزب الديمقراطيين الجديد، حزب الوحدة والديمقراطية، والشَّعب قد جرَّب كلَّ الأحزاب القديمة ولمس ما تريده وقدرتها على التغيير.

11- الهاجس الأمني ومحورية الدولة العميقة: بسبب المخاوف الأمنية والاضطرابات في المنطقة كافَّة، أصبحت غالبية الشعب تشعر بأنَّ الجهة الوحيدة القادرة والضامنة لحماية الدولة وضمان أمنها القومي هي الدولة العميقة، ممثلةً في المؤسسة الملكية و الجيش؛ فهم الأقدر على فهم هذه التحديات ووضع الاستراتيجيات الوطنية لمواجهتها، مستفيدين من خبرتهم وعلاقاتهم الدولية.

12- الإجماع حول المؤسسات السيادية الثابتة مقابل جدل الأحزاب: في الوقت الذي تعد فيه الأحزاب محل جدل ونقاش وبينها خلافات وصراعات -مما يفقد أيّاً منها صفة تمثيل كل الشعب أو الأغلبية- فإن المؤسسة الملكية في الحالة المغربية تحظى بقبول وتأييد كل الشعب. ونفس الأمر في مصر مثلاً، فالشعب يثق بالجيش ومؤسسة الرئاسة أكثر من الأحزاب.

13- ثبات التوازنات الكبرى: لم تغير الانتخابات التشريعية التوازنات الاجتماعية والاقتصادية، ولا يبدو أنها ستغير في السياسات والخيارات الكبرى كثيرا في مجال السياسة الخارجية أو التوجهات المالية والاقتصادية.

14- كان لإعلان عن رفع مستوى التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل والكيفية التي تم بها الإعلان دور في تراجع نسبة المشاركة وتراجع الحزب الحاكم.

في الخاتمة ، فإن ما هو إيجابي في تجربة الانتقال الديمقراطي في المغرب إنها توافقية تحظى برضا الأطراف الثلاثة: غالبية الشعب والمؤسسة الملكية والأحزاب كما إنها حققت استقرارا سياسيا يمتد لأكثر من ستة عقود.

Ibrahemibrach1@gmail.com

الاخبار العاجلة
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق