وماذا بعد ؟

10 يناير 2017آخر تحديث : الأحد 30 أغسطس 2020 - 6:48 مساءً
وماذا بعد ؟
ابراهيم ابراش

لا يحتاج الأمر لتهديد من نائب وزير الدفاع الإسرائيلي بمحرقة للفلسطينيين في قطاع غزة لندرك ويدرك العالم حقيقة دولة إسرائيل، فتاريخ إسرائيل مع شعبنا والشعوب العربية هو جرائم وحرائق متواصلة منذ مجزرة دير ياسين مرورا بمذبحة مدرسة بحر البقر ومجزرة قانا إلى المجازر اليومية في قطاع غزة والضفة.المجازر والحرائق بحق الشعوب على يد محتليها لا تقاس فقط بعدد الضحايا بالمجزرة الواحدة بل بوجود إرادة القتل والتدمير والإحراق لدى العدو، ولأننا نعترف بان إسرائيل على درجة من الذكاء والإدراك لأهمية الرأي العام العالمي ولتأثير الإعلام في مواقف الدول والشعوب، فإنها تجزئ جرائمها لتمر دون كثير من الضجيج، أيضا تحاول التخفيف من وطأة جرائمها بالزعم بأنها عمليات موجهة ضد مطلقي الصواريخ أو ضد مقاتلي هذا التنظيم أو ذاك فيما هي تستهدف كل الشعب وإرادة الصمود عنده.
كل يوم يمر إلا وترسخ القناعة بأن إسرائيل لا تريد سلاما ولم تعد شريكا للسلام مع الفلسطينيين بل هي دولة احتلال ومن أسوء أشكال الاحتلال عبر التاريخ الإنساني، حتى يد السلام التي مدها فلسطينيو التسوية السلمية من خلال الاتفاقات الموقعة ومدها عرب التسوية السلمية من خلال المبادرة العربية، فإن إسرائيل تسعى لقطعها أو تحويلها ليد مذلة واستجداء وليس ليد سلام وعيش مشترك، لقد استغلت إسرائيل خطاب السلام الفلسطيني والعربي لتتلاعب بالوقت، لتفرض مزيدا من الأمر الواقع بالاستيطان ولتعزز مواقعها دوليا، والأخطر من ذلك استغلالها لتيار السلام العربي والفلسطيني لخلق حالة من الشرخ والتصدع داخل الصف الفلسطيني والعربي ما بين تيار يقول بأنه تيار ممانعة ومقاومة وتيار يقول بأنه تيار سلام، وكأن هناك تناقضا ما بين السلام من جانب والممانعة والمقاومة من جانب آخر، أو أن السلام نقيض المقاومة وعلى دعاة السلام التخلي عن المقاومة نهائيا، أو أن المقاومة نقيض للسلام وكأن المقاومة مجرد قتل من اجل القتل وليست مشروع سلام مشرف،وفي حقيقة الأمر فإن جزءا من المشكلة تكمن عند الفلسطينيين الذين لم يتفقوا على استراتيجية وطنية لا حول المقاومة ولا حول السلام، أو استراتيجية تجمع ما بين المقاومة والسلام حيث لا تناقض بينهما.
ما يجري في غزة مجزرة ومحرقة بكل ما تعنيه الكلمة، ولكنها ليست أول مجزرة ولن تكون أخر مجزرة فما دام السلام مفقودا وما دام الشعب الفلسطيني متمسكا بحقوقه الوطنية سيستمر العدوان الإسرائيلي وجرائمه ستتواصل- مع إعادة التأكيد على أن المجزرة الحقيقية هي التي تجري بصمت في الضفة وخصوصا بالقدس ، ونقصد بها المجزرة ضد الأرض من خلال عمليات الاستيطان المتواصلة، وإسرائيل نقلت المعركة لغزة لتخفي ما يجري في الضفة والقدس-.

لا نريد أن نتسابق في توصيف الحدث ،مجزرة أم جريمة أم عدوان الخ؟.أي كان هذا الفعل المجرم فالسؤال هو ما العمل وماذا بعد؟ ولماذا لم نتعلم من تجاربنا السابقة ومن المجازر الإسرائيلية السابقة والتي كانت تحت نفس الذرائع – قبل ثلاث سنوات تقريبا قامت إسرائيل بمجزرة شبيهة في شمال القطاع بحجة إطلاق الصواريخ وسقط آنذاك حوالي 150 شهيدا خلال أسبوعين – سؤال طرحناه بعد كل عدوان ومجزرة صهيونية، وطرحناه بعد كل جولة من جولات الاقتتال الداخلي.فهل يكفي أن نناشد العالم بالوقوف لجانبنا ونناشد الأمة العربية بالتحرك ؟وكيف سيكون الوقوف والتحرك ونحن ندرك واقع حال العالم وواقع حال العرب والمسلمين.
كل متتبع للأحداث سيلاحظ التراجع المهول للقضية الفلسطينية سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي، بحيث لم تعد على سلم الاهتمامات لا دوليا ولا عربيا ولا إسلاميا، هذه القوى التي نناشدها الوقوف لجانبنا لم تعد ترى بإسرائيل مصدر التهديد للسلام العالمي ولا الإقليمي،ولم تعد إسرائيل مشكلة العرب الأولى أو مصدر تهديد الأمة…بل أصبحت مشكلة العرب هي الاستقرار داخل كل دولة وقدرتها على مواجهة الأخطار الداخلية سواء من الجماعات المسلحة أو الفقر وتردي الاقتصاد، والإسلام السياسي يعتبر الجهاد في أفغانستان أو باكستان والعراق أهم من الجهاد في فلسطين، وبالتالي يجب ألا ننتظر أن تكون ردود الفعل العربية والإسلامية إلا صمتا رسميا يضفون عليه طابع الحكمة والتروي ! أو التجاوب الخجول من خلال إسناد الأمر لفضائياتهم لتخدير وتهدئة الجماهير بصور أشلاء أطفالنا وعويل نسائنا ومقابلات لسياسيين يلعنون إسرائيل أمريكا التي تربض سفاراتها أو قواعدها العسكرية على مرمى حجر من مقر الفضائيات التي تبث اللعنات، وإن تقدمت مواقف هذه الدول فسيتعاملون مع القضية كقضية إنسانية، قضية جموع بشرية محاصرة وجائعة فيرسلون هبات ومساعدات غذائية وطبية أو ملايين بالكاد تبقي الشعب على قيد الحياة.

ولكن…لماذا نلوم العالم الخارجي، عربا كان أم عجما، حتى وإن كان متواطئا؟ ومتى كانت الدول والمجتمعات تُسبق مصالح الغير على مصالحها حتى وإن كان هذا الغير قريبا أو جارا أو شريكا بالمعتقد والدين والايديبوجيه؟تاريخ البشرية هو تاريخ مصالح حتى وإن تسربلت بلباس الدين والايديلوجيا.ولنسأل المنتقدين للموقف الرسمي العربي والمناشدين للجماهير العربية والإسلامية بالتحرك، ما الذي ينتظرونه من هؤلاء؟فلنفترض أن المظاهرات خرجت في كل العواصم العربية والإسلامية منددة بمجزرة غزة، والتصريحات المنددة دوت على لسان كل زعيم ومسئول عربي وإسلامي… فماذا بعد ؟هل سترسل هذه الدول جيوشها لمواجهة جيش الاحتلال الإسرائيلي ؟يقينا لن تفعل. هل سترسل سلاحا للمدافعين عن غزة؟يقينا لن يحصل؟هل ستقطع علاقاتها واتصالاتها مع إسرائيل وأمريكا؟يقينا لن يحصل، فهي لم تفعلها ردا على تهويد وضياع القدس فكيف ستفعلها ردا على العدوان على غزة؟.إذن ماذا نريد منهم أن يفعلوا ؟هل هو الدعم المالي ؟أعتقد ذلك .هل هو الدعم السياسي ؟أعتقد ذلك .ولكن بالتأكيد ستحصل مشكلة..، لمن الدعم المالي والسياسي في ظل الصراع الفلسطيني الداخلي ؟لحكومة الأمر الواقع في غزة أم للسلطة ولمنظمة التحرير وحكومة فياض في الضفة؟ سيكون أمر مخجل أن تذهب كل هذه الضحايا والمعاناة من اجل المال أو إضفاء شرعية على سلطة وحكومة طرف لتقويته على حساب الطرف الآخر. .إن كنت مخطئا فأرجو من عاقل أن يهديني على طريق الصواب ويقول لي ما هو المنتظر من العرب والمسلمين والعجم في ظل الواقع الفلسطيني المنقسم على ذاته والمتصارع مع ذاته والفاقد للرؤية والهدف المشترك؟.
نخلص للقول بأن العالم لن يقف إلى جانبنا إلا إذا عرف ما الذي نريده بالضبط، العالم لن يقف لجانبنا سياسيا إلا إذا حددنا ما هي علاقتنا بإسرائيل، هل هي دولة احتلال ونحن شعب خاضع للاحتلال ؟أم أن إسرائيل شريك معنا بالسلام والمطلوب دعم العملية السلمية ؟العالم لن يدعمنا إلا إذا كان لنا عنوان واحد وقيادة واحدة وهدف واحد؟وحيث أننا لم نتعلم من المجازر الصهيونية السابقة فلن نتعلم من هذا الهولكست الجديد حيث سينسى العالم آلام هذه المجزرة بعد أيام.
حكمة كانت، إعلان الرئيس أبو مازن وقف المفاوضات –حتى وإن كان مجرد تعليق لها-وستكون حكمة وليس تخاذلا أن تعلن حركة حماس وقف إطلاق الصواريخ- وليس التخلي عن المقاومة التي لم يتخل عنها أي فصيل فلسطيني- ثم يجلس الطرفان لحوار جاد ليس فقط على لمن ستكون السلطة في غزة؟ بل للاتفاق على الثوابت والمرجعيات واستراتيجية العمل الوطني .دون ذلك فلننتظر مذبحة جديدة ومستوطنات جديدة .

6-3-2008

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق