في الذكرى الثانية والأربعين لانطلاق حركة فتح – فتح الفكرة وفتح التنظيم:أافتراق بعد تلاقي؟ –

25 يناير 2017آخر تحديث : الأحد 30 أغسطس 2020 - 6:48 مساءً
في الذكرى الثانية والأربعين لانطلاق حركة فتح  – فتح الفكرة وفتح التنظيم:أافتراق بعد تلاقي؟ –

في الذكرى الثانية والأربعين لانطلاق حركة فتح
– فتح الفكرة وفتح التنظيم:أافتراق بعد تلاقي؟ –
الحركات والتحولات الكبرى في حياة الشعوب تبدأ بفكرة تسيطر على تفكير شخص أو عدة أشخاص متميزين بتفكيرهم وقدرتهم على قراءة الواقع و التفاعل مع مجريات الأحداث ،وإن كانت الديانات السماوية هي أفكار موحى بها سماويا ،فالأفكار السياسية الكبرى تبدأ بفكرة مستوحاة من وسط المعاناة وتشكل استجابة لتساؤلات واقع مأزوم غالبا.وحركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) بدأت كفكرة ،بسيطة في ظاهرها إن تعاملنا معها كفكرة لحركة تحرر وطني كان العالم الثالث آنذاك يشهد عديدا منها في أسيا وأفريقيا ،ولكنها في العمق فكرة تهدف إلى ما يشبه المستحيل ليس فقط لطبيعة العدو الذي يحتل الوطن وقوة وتشعب علاقاته الخارجية ،بل أيضا لواقع العالم العربي المحيط بالفلسطينيين والذي لم يكن مرحِبا بهذا الوافد الوطني الجديد . حركة فتح بدأت فكرة لعدة أشخاص ثم فكرة وفكر لتنظيم ثم فكرة وطنية ومشروع وطني.

في الذكرى الثانية والأربعين لانطلاق حركة فتح يحتاج الأمر ولا شك لوقفة معمقة لما آل إليه حال هذه الحركة الرائدة،ما أنجزته وما لم تنجزه،قد لا تلام حركة فتح لأنها لم تنجز هدف التحرير ،لا تحرير كل فلسطين ولا قيام دولة في الضفة وغزة ،لأن انجاز هذه المهام مسؤولية كل الشعب وكل قواه السياسية بالإضافة إلى أنها مسؤولية عربية ،وإن كان لا بد من الانتقاد فهو انتقاد لكل الحالة الفلسطينية والتي للأسف لم تكن في يوم من الأيام ،خصوصا خلال العقدين الأخيرين ،موحدة بشكل كامل ضمن إستراتيجية عمل وطني. لا شك أن للحركة إنجازات أهمها،إنها الرائدة في طرح فكرة استنهاض الشعب الفلسطيني وتنظيمه ،وهي صاحبة فكرة الهوية الوطنية والكيانية السياسية ،ولها يعود الفضل في تحويل القضية من قضية لاجئين إلى قضية سياسية ،وفتح هي التي قادت النضال الفلسطيني في ظروف صعبة لأكثر من أربعة قرون وأوصلت القضية لكل بقاع العالم ،ولكن… هل ما زالت فتح قائدة للمشروع الوطني ؟وأي مشروع وطني يجسده واقع تنظيم فتح اليوم ؟وهل ما زالت فتح تمثل الشعب والإرادة الفلسطينية بحكم قيادتها لمنظمة التحرير الفلسطينية ( الممثل الشرعي والوحيد للشعب)؟.
تساؤلات تفرض نفسها ونحن نشاهد الاستعصاء الذي يواجه محاولات استنهاض حركة فتح، في مقابل صعود حركة حماس شعبيا وعسكريا ورسميا من خلال صناديق الانتخابات و استعداد العالم الخارجي للتعامل مع هذه الحقيقة ضمن شروط.ومع إننا نتمنى أن تمر عملية تداول السلطة أو التشارك فيها بسلام وأن تشفع الانتخابات لتسهيل الأمر ،إلا أننا نخشى حدوث عكس ذلك،لأن ما يبدو على السطح وما تريد الأطراف السياسية ترويجه هو أن ثوابت حركة حماس مختلف عن ثوابت حركة فتح ،سواء فيما يتعلق بمفهوم الوطن أو الدولة أو الهوية أو السلام أو العلاقات الخارجية،ولأن هناك أطراف خارجية تريد أن تكون الثوابت والمرجعيات مختلفة .أن يحدث هذا الاختلاف ليصل لدرجة الاقتتال الداخلي لهو أمر غريب ،ما دام الشعب هو الشعب والعدو هو العدو ! وهو الأمر الذي يبرر تساؤل البعض:هل إن الخلاف بين الطرفين خلاف استراتيجي بالفعل أم تكتيكي ؟ ولكن ليس هذا موضوعنا في هذه المقالة.ولنعد لموضوعنا وهو إلى أين هي ذاهبة حركة فتح بعد اثنين وأربعين سنة من انطلاقتها؟.
من حيث المبدأ فأن كل حزب سياسي يسعى للاستمرارية ولكن مصير الشعوب لا يرتبط بمصير الأحزاب والحركات السياسية ولا بمصير القادة، الشعوب ترنو نحو من يجسد ويعبر عن مصالحها وطموحاتها أي نحو الفكرة الوطنية ومن يحملها بأمانة.ما دام الحزب السياسي مؤمنا بالفكرة التي تؤمن بها الجماهير فالناس ستمنح الحزب ثقتها، وستتوطد عرى الثقة والتفاعل إن وجدت قيادات في مستوى نبل الفكرة ،الجماهير لها حساسية تجاه الأفكار والأشخاص ،الجماهير قد تصمت وتصبر و قد تماري وتنافق لحين من الزمن، على أمل التغيير أو تحت قهر الحاجة والمصلحة، لكنها ستغير ولاءها إن شعرت أن الحزب الحاكم لم يعد وفيا للفكرة الوطنية أو أصبح عاجزا عن مجرد إعطاء أمل بإمكانية تحققها.القول بالشرعية التاريخية أو الدينية لا يكفي لكسب ثقة وولاء الناس، والمال والدعم الخارجي لا يصنع قيادة شرعية ولا يطيل من عمر حزب نبذته الجماهير.
فتح كفكرة عظيمة احتاجت لرجال عظماء لتعلن عن انطلاقتها في فاتح يناير 1965،وحتى تستمر في ظل ظروف وتحديات تفاقمت مع مرور الوقت كانت أشد حاجة للحفاظ على عظمة الفكرة وعظمة رجالاتها ،فلا يمكن الحديث عن تنظيم يقود أمة تمر بظروف وتحديات كالتي يمر بها الشعب الفلسطيني ،دون فكرة عظيمة ورجال عظماء ،وعليه يجب التمييز ما بين الفكرة والتنظيم ،ويمكن القول بان فتح(التنظيم) اليوم هو دون مستوى فتح (الفكرة) ،بل يمكن الجزم والقول بان واقع فتح التنظيم يسيء لفتح الفكرة .
من عايش أو تابع مسيرة حركة فتح وخصوصا في عقديها الأولين لمس ان فتح الفكرة لم تستقطب فقط أبناء الحركة المنتمين، بالمفهوم التنظيمي الحركي ،بل استقطبت غالبية أبناء فلسطين في الداخل والخارج واستقطبت الملايين من المؤيدين في أصقاع العالم من غير الفلسطينيين ،فتح الفكرة تعني الانتماء السياسي و الفكري والروحي والإنساني لقضية عادلة ولأشخاص نذروا أنفسهم للقضية ،الانتماء لفتح الفكرة يعني العطاء والبذل دون انتظار مقابل. الانتماء لفتح الفكرة لا يعني أن المنتمين يؤمنون بقدرة الحركة عاجلا على تحرير فلسطين من البحر للنهر أو هزيمة المشروع الصهيوني ،فقادة الحركة الأوائل كانوا واضحين عندما قالوا بان مهام التحرير هي من اختصاص الأجيال القادمة ،وكان أبو عمار يردد دائما مقولة (سيأتي يوم ويرفع شبل من أشبال فلسطين أو زهرة من زهرات فلسطين علم فلسطين على أسوار القدس… )،بل كان الانتماء لفتح الفكرة يؤسس على الثقة بالقائمين على الحركة وبسلوكياتهم ونهجهم النضالي والحياتي وبعدالة القضية،صعوبة تحقيق الهدف الوطني وحتى استحالته لم يكن يُضعف من الانتماء للحركة بل كان يعمق من الانتماء ما دام وراء الحركة رجال عظماء إن لم يحققوا المستحيلات فيستحقون الوقوف لجانبهم والتضحية من اجل المستحيل المشروع(أو المشروع المستحيل)الذي نذروا أنفسهم له، الانتماء كان لفكرة تستحق التضحية حتى وإن كانت تضحية الصبر على المكاره.
أما فتح التنظيم فقد كانت متماهية مع فتح الفكرة خلال السنوات الأولى من عمر الحركة ثم بدأ التدرج بالانزلاق والانفصال ما بين الطرفين ،وتعاظم هذا الانفصال خلال اثني عشر سنة من سلطة أنتجتها تسوية كان من أهم أهداف طرفها الأمريكي /الإسرائيلي، القضاء على فتح الفكرة وتغيير بنية وطبيعة عمل فتح التنظيم ،فبهتت صورة فتح الفكرة وتصدعت وتشوهت بنية فتح التنظيم . أصبحت فتح التنظيم تعني الوظيفة والمصلحة واستغلال وتوظيف التاريخ النضالي للحركة لشرعنة قيادات جديدة ونخب سياسية جديدة منسلخة عن فتح الفكرة . فتح الفكرة أصبحت حنينا للماضي أو انتماء لا يجد إطارا تنظيميا صادقا ونقيا للتفاعل معه . المنتمون لفتح الفكرة من أبناء فتح وغير فتح أولئك الذي ربطوا أنفسهم بحركة فتح وراهنوا عليها باعتبارها العمود الفقري للمشروع الوطني وحصان الرهان لم يكن أمامهم إلا الانكفاء متحسرين محبطين وأحيانا اجبروا على الانسحاب والانكفاء بالتهميش أو بالتهديد،إلا أنهم لم يفقدوا إيمانهم بفتح الفكرة ولم يسلموا بمصادرة الحركة من طرف من يُنصِبون أنفسهم أوصياء عليها . فتح الفكرة قد تعود إن تم إصلاح حال فتح التنظيم، وقد تتجسد الفكرة بحزب أو تنظيم جديد أو قائم بالفعل لأنها فكرة وطنية.الشعب لا يُقيم الأحزاب من خلال ما توحي به أسماؤها فقط بل من خلال مبادئها وسلوكيات قادتها، واهِم مَن يعتقد أن الاسم فقط هو الذي يمنح أو يضفي الشرعية على الحزب أو الحركة،وأكثر وهماً من يعتقد بأن الخارج يمنح شرعية تنوب عن الشرعية الوطنية ،شرعية التوافق الوطني.

1-1-2007

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق