المجتمع المدني الفلسطيني من الثورة إلى تحديات تأسيس دولة

2020-08-30T18:50:16+02:00
دراسات وأبحاث
16 ديسمبر 2016آخر تحديث : الأحد 30 أغسطس 2020 - 6:50 مساءً
المجتمع المدني الفلسطيني من الثورة إلى تحديات تأسيس دولة

المجتمع المدني الفلسطيني :من الثورة إلى الدولة ،مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 6 ،شباط 2001.

د. إبراهيم ابراش*

مقدمة
كثيرة هي المصطلحات التي يعج بها الخطاب السياسي العربي والتي تتردد كل يوم وتشكل حيزاً كبيراً من هذا الخطاب، ولكن دون أن تكون متأصلة لا في ثقافتنا ولا في وعينا السياسي، مصطلحات أقحمت إقحاماً وجاءت مستوردة مثلها مثل ما استوردنا من أيديولوجيات وأفكار وسلع وعلوم وتكنولوجيا، ومن هذه المصطلحات المجتمع المدني والمنظمات الأهلية وحقوق الإنسان والديمقراطية ودولة الحق والقانون.. الخ.

ليس العيب في هذه المصطلحات وما تحيل إليه من دلالات وما تنتمي إليه من منظومات فكرية أو نظم سياسية، بل العيب في من يستورد هذه المصطلحات ويتعامل معها وكأنها سلع قابلة للاستيراد والتصدير وأنها صالحة لكل زمان ومكان، دون محاولة لإعمال العقل لتبيئة هذه المصطلحات والمنظومات الفكرية التي تحيل إليها لتصبح مناسبة للخصوصيات التاريخية والموضوعية بما فيها الثقافية للمجتمع المستورِد لها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لا شك أن كثيرين يقولون بعالمية الفكر وعالمية القيم والنظم السياسية ما دام ثبتت صلاحيتها ونجاحها في الدول المتقدمة، وبالتالي يقولون إن لحقوق الإنسان والمجتمع المدني والديمقراطية الخ، تعريفاً واحداً، وإن ممارستها يجب أن تكون واحدة في جميع البلدان ونموذجها المثالي هو النموذج الغربي(1)، وهؤلاء يؤولون المقاربات التي تتحدث عن خصوصيات ثقافية ومجتمعية تبرر تعدد المفاهيم وتعدد الممارسات بالنسبة للمصطلحات المشار إليها وما شابهها، بأنها محاولة لإفراغ هذه المبادئ من دلالتها الحقيقية، وبالتالي التهرب من دفع استحقاقاتها.هذا القول لا يخلو من صحة في حالة واحدة وهي توفر عنصر سوء النية عند من يتعامل مع هذه المبادئ من مستورديها بحيث يسعى هؤلاء لتوظيف هذه القيم والمبادئ إلى أيديولوجيا يخدرون بها الجماهير ويسحبون بها البساط من تحت أقدام دعاة التقدم والتحديث السياسي الحقيقيين.(2) إلا أنه من حيث المبدأ ومما هو علمي من منظور علم الاجتماع السياسي أن أية نظرية سياسية وأي مصطلح أو مفهوم سياسي، وأي فكر سياسي بشكل عام، لا يأخذ مصداقيته ولا يصبح علمياً إلا لأنه وليد بيئة اجتماعية وثقافية محددة أو معبر عنها، إنه نتاج لشروط تاريخية وموضوعية، وتغير هذه الشروط يُفقد الفكر وما يرتبط به من ممارسة علميته وبالتالي عالميته، لأنه يتحول إلى فكر منفصل عن الواقع.

إذا كان المجتمع المدني، لغة واصطلاحاً، عرف تحولات في المنظومة الفكرية التي أنتجته، فإن موضوع المجتمع المدني العربي أصبح إشكالية، حيث أضيف إلى عدم التحديد الدقيق للمصطلح، تباين المجتمعات العربية من حيث كونها التربة إلى سيُزرع فيها هذا المصطلح. فهل المجتمع المدني فكر وممارسة كما عُرف في الغرب، حيث ولِد وترعرع واخذ دلالاته عبر تاريخ الغرب، هو نفسه المجتمع المدني الذي يتحدث عنه المثقفون العرب ويرومون تكوينه في مجتمعاتهم؟ وهل يتفق المثقفون والسياسيون العرب على تصور واحد للمجتمع المدني؟ وهل يمكن الحديث عن مجتمع مدني عربي بالمطلق أم عن مجتمعات مدنية عربية تختلف باختلاف درجة التحديث السياسي ومدى التقدم في مجال الديمقراطية في كل دولة عربية ؟ وأخيرا وهو صلب موضوعنا، إذا كان يجوز الحديث عن مجتمع مدني عربي فما هو حال المجتمع المدني الفلسطيني؟ وما هي القواسم المشتركة ما بين إرهاصات تشكل المجتمع المدني العربي قبل الاستقلال وتشكل المجتمع المدني الفلسطيني والفلسطينيون على أبواب إقامة دولتهم؟.

مقاربة مفهومية للمجتمع المدني وبعض المقاربات الفكرية العربية في هذا الشأن.

لا يسمح المجال بالرجوع إلى البدايات الأولى لظهور المجتمع المدني واقعاً وتداوله مفهوماً، ولكن يمكن الإشارة إلى أن بدايات تداول مفهوم المصطلح المدني كان في الغرب وتحديداً مع منظري العقد الاجتماعي – توماس هوبس وجون لوك وجان جاك روسو ومنتسكيو – وفي بداية تداوله مع توماس هوبس كان يعني الدولة، فالمجتمع المدني كان النقيض لمجتمع ما قبل الدولة، أي لحياة شريعة الغاب، ولكن مع مرور الوقت ومع التمايز الذي بدأ يظهر بين الدولة كجهاز سياسي والمجتمع كفعاليات ومصالح، بدأ مفهوم المجتمع المدني ينحو إلى الدلالة عما يميز فعاليات المجتمع عن السلطة السياسية.وعلى هذا الأساس يعرف برتراند بادي في كتابه sociologie politique المجتمع المدني بأنه “كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل أو توسط الدولة”.(3)

إن النقطة المهمة في هذا السياق هي أن المجتمع المدني تصاحب مع أو نتيجة لتأسيس الديمقراطية والثورات السياسية والصناعية والعلمية والدينية، وهو رديف لحرية التعبير والتنظيم، وإنه غالباً تأسس بالتدريج من أسفل، من المجتمع وفرض نفسه على الدولة بفعل نضالات متواصلة، سلمية وصدامية.

وهكذا يمكن القول إن المجتمع المدني هو بنية وعلاقات ومؤسسات يؤسسها الأفراد بـ(استقلالية )عن الدولة أو السلطة السياسية وهو المعنى الأصح، وهو بهذا المعنى لا ينفصل عن حركة المجتمع الحديث وتطوره، وما يستجد من تطورات على علاقات أطرافه مع بعضها البعض وعلاقته بمجمله بالمجتمع السياسي. كما أنه مفهومياً يتأثر بالموجات الفكرية المتسارعة وبتجديد الفكر الديمقراطي لمقولاته، لكل ذلك فإن مفهوم المجتمع المدني لابد وأن يتكيف مع هذه المستجدات، وهكذا فإن المفهوم في السسيولوجيا السياسية اليوم يستعمل بمعان لا تتفق تماماً مع ما جاء به رواده الأوائل، سواء رواد النظرية التعاقدية، أو “هيغل” أو “الماركسيون”، ومع ذلك يمكن أن نستخلص من الخطاب السياسي المعاصر الدلالات التالية للمجتمع المدني:

– المجتمع المدني هو تلك الفعاليات – علاقات ومؤسسات وثقافة – الاجتماعية والسياسية التي تمكن المواطنين من مراقبة تصرفات الدولة والتدخل عندما تعارض هذه التصرفات مصالح وحقوق المواطنين.

ـ المجتمع المدني هو تنظيمات المجتمع المعبرة عن المطالب والمصالح والثقافة السائدة والتي قد تكون في حالة مصالحة مع السلطة السياسية أو في تعارض معها.

ـ المجتمع المدني هو كل المؤسسات والأنشطة المنظمة التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل مباشر من الحكومة.

غالبية التعريفات المتداولة حديثاً حول المجتمع المدني تسير في هذا الاتجاه، ونلاحظ على هذه التعريفات أنها تركز على استقلالية ـ إلى حد ما ـ المجتمع المدني عن السلطة السياسية، وهكذا أصبح المفهوم في الأدبيات السياسية المعاصرة ـ وهي أدبيات ليبرالية في غالبيتها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية ـ تتجه لإحالة مفهوم المجتمع المدني إلى تلك الاستقلالية التي يتمتع بها الأفراد عن الدولة سواء على مستوى تشكيل الأحزاب أو الانخراط في النقابات أو ممارسة حق التجمع والتظاهر وكل سبل الاحتجاج السلمية وكل ذلك في إطار القانون. وهذا يعني أنه تم تجاوز الحديث عن العلاقة المباشرة بين المواطن والدولة وتجاوز الهيمنة المطلقة للسياسي على الاجتماعي، وأصبح الحديث يدور عن علاقة غير مباشرة أو علاقة جدلية، حيث تتوسط بين الطرفين تنظيمات المجتمع المدني من أحزاب(4) وهيئات وجمعيات ونقابات، دون أن يعني الأمر بطبيعة الحال قطيعة بين الطرفين، فالدولة أو السلطة السياسية يبقى لها دور الهيمنة لأنها دون هذا الدور لا تستطيع أن تقوم بوظيفتها السياسية والحقوقية، كما أن مؤسسات المجتمع المدني تبقى مقيدة بشبكة من القوانين والضوابط التي تحددها الدولة وإلا سيتحول المجتمع المدني إلى دولة داخل الدولة.

المجتمع المدني العربي ـ تداوله مفهوماً سبق تأسيسه فعلياً ـ

كما سبقت الإشارة فإن تداول مفهوم المجتمع المدني في الغرب جاء لاحقاً لوجوده الفعلي، بمعنى أنه وجِدت المؤسسات (المستقلة)(5) عن السلطة السياسية للدولة من أحزاب ونقابات وتجمعات ثم أطلق على هذه الفعاليات الاجتماعية اسم المجتمع المدني، أما في مجتمعاتنا العربية ـ والثالثية عموماً ـ فقد تم التفكير بالمجتمع مدني في سياق المشروع الحداثي الساعي لتأسيس الديمقراطية، فهو وجد كفكرة ومشروع ثم تم البحث عن كيفية خلقه أو البحث عنه إن كان هناك ما يدل على وجوده.

وهكذا نلاحظ أنه في الوقت الذي هدأ فيه النقاش الفكري حول مفهوم المجتمع المدني في الغرب، حتى بات التطرق إليه أمراً نادراً، تزاحمت الكتابات والتنظيرات حول المجتمع المدني في دول العالم الثالث بما فيها المجتمعات العربية، حيث أن الحديث عن المجتمع المدني في هذه المجتمعات تَصاحَب مع التحركات التي تعرفها هذه المجتمعات نحو الديمقراطية والتخلص من إرث النظم التسلطية التيوقراطية والدكتاتورية. بحيث أصبح مفهوم المجتمع المدني اللازمة الضرورية في أي طرح سياسي يعالج مشكلة الديمقراطية في هذه البلدان. ونعتقد أن الأمر لا يخص البلدان العربية فقط بل إن تلازم الديمقراطية والمجتمع المدني هو قانون عالمي إن صح التعبير، فإذا كانت الديمقراطية تعني المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياة الفرد ومصيره، فكيف يمكنها أن تكون دون المجتمع المدني، فالمجتمع المدني هو المقصود بالمشاركة؟. ومع ذلك فكما تباينت المواقف والتصورات حول مدى وجود ديمقراطية في الدول العربية، ما بين قائل بوجودها وقائل بأن ما يوجد هي ديمقراطية مشوهة وشكلية وقائل بأن هناك إنجازات لا تنكر نحو الديمقراطية، كذلك الأمر مع المجتمع المدني، حيث تلازم القول بوجود المجتمع المدني من عدمه مع القول بوجود ديمقراطية من عدمه، بالإضافة إلى ذلك فإن مفهوم المجتمع المدني عرف تعويماً وتسطيحاً في مجال استخدامه في العالم العربي، ولا يعود هذا الأمر فقط لكونه مفهوماً مستورداً وبالتالي جديداً على الفضاء الفكري العربي، بل يعود أيضاً لأن المثقفين السياسيين أصبحوا يوظفون مقولة المجتمع العربي انطلاقاً من براغماتية سياسية، فمن يتفق مع الحركة السياسية السائدة في بلده ويضفي عليها حكم قيمة إيجابي، يقول بوجود مجتمع مدني ويطلق صفة المجتمع المدني على تشكلات وعلاقات قد تؤسسها الدولة أو تكون تعبيراً عن بنيات تقليدية كالقبيلة والطائفة، ومن يقف موقف المعارضة من النظام السياسي القائم ومن توجهاته الرامية إلى إحداث تغيرات ذات مظهر ديمقراطي ينفي صفة المجتمع المدني عن التشكلات المدنية التي يؤسسها النظام مباشرة أو يدعمها أو التي تولد من المجتمع ولكنها لا تعارض النظام القائم، بل ينفونها حتى عن مؤسسات مجتمع مدني حقيقي، وهؤلاء الآخرون لا يعترفون بوجود مجتمع مدني إلا في ظل وجود ديمقراطية حقيقية وفي ظل تحولات جذرية تكون بمثابة القطيعة مع النظام القائم.

يرى المفكر السوري برهان غليون أن الصعوبة الكبرى التي تواجه الكتابة حول المجتمع المدني العربي تكمن في انعدام التحديدات الدقيقة للمصطلح، وهو يرى أن مقاربة المجتمع المدني في العالم العربي تتطلب تحرير المفهوم من اختلاطات ثلاث:

الأول: وهو الغالب الذي يجعل من المجتمع المدني رصيد قيم الحرية والتحرر وبالتالي يضعه في مواجهة السلطة والدولة وهما بداهة في العالم العربي تتميزان بالتسلط.

الثاني: ينبع من مطابقة مفهوم المجتمع المدني مع مفهوم الشأن الخاص المتعلق بالفرد وحريته وحياته الشخصية مقابل الشأن العام والدولة التي تهتم بالأمور الوطنية.

الثالث: هو الذي يضع مفهوم المجتمع المدني في تقابل مفهوم المجتمع الأهلي، فإذا كان هذا الأخير يشمل البنى التقليدية من دينية وقبلية وجهوية، فإن المجتمع المدني يتطابق مع البنى والتنظيمات الحديثة من حزبية ونقابية وتنظيمات نسائية وطلابية.. الخ.(6)

ومن هنا يرى برهان غليون أن المجتمع المدني هو مفهوم مجرد وليس واقعاً عملياً اختبارياً قائماً بذاته، أي ليس شيئاً جاهزاً، فالمجتمع المدني لا يمكن أن يُفهم كحقيقة تجريبية بالانفصال عن الدولة والتطورات العامة للمجتمع، وبالتالي لا يخلو أي مجتمع بشري من تنظيم مدني أو مجتمع مدني وإلا كان هذا المجتمع همجياً. هذه المقاربة التي أتى بها “غليون” تنحو إلى القول بتاريخية المجتمع المدني العربي والإسلامي حتى إنه يذهب إلى القول أنه لا يمكن تصور نشوء الدولة العربية الإسلامية الأولى من دون وجود البنى الاجتماعية المدنية التي سندت الإسلام في بناء سلطته المركزية على أسس عقائدية.

ويقترب تصور برهان غليون من تصور “هيغل” في نقطة أساسية وهي عدم استقلالية المجتمع المدني عن الدولة استقلالاً تاماً، وهي العلاقة التي تقوم على الصراع والتكامل، بحيث لا يستغني أحدهما عن الآخر، “إن السياسة لا تحتاج كي تقوم إلى إلغاء البنى المدنية ما قبل الدولة، ولكنها بما تقدمه من مبادئ أسمى ومؤسسات أكثر فاعلية تتيح توحيد هذه البنى المدنية وجمعها تحت رايتها، وهي لا تتقدم كسياسة، أي كحالة أشمل إلا بقدر ما تنجح في معالجة تناقضات المؤسسات المدنية وتعمل على عقلنتها ووضعها في سياق ومنطق جديد هو المنطق الوطني الشامل، ولذلك لا قيمة للسياسة إلا إذا ارتبطت بهذا المجتمع المدني بمعنيين: أخذاً وعطاءً، إنها لا تستطيع أن تبقى إلا بقدر ما يستمر المجتمع المدني في خلق العصبيات والقيم والبنى اللاسياسية الأولى، الأسرة والفرد والعقيدة والعادة.. الخ، ولا يستطيع هذا المجتمع أن يحفظ توازنه وينظم نفسه في مرحلته المتقدمة، إلا بقدر ما تستمر الدولة وتنجح في معالجة التناقضات التي تنجم عن صراعاته الطبيعية”.(7)

في مقابل هذا الرأي الذي يعتبر المجتمع المدني انعكاساً لواقع المجتمع وتفاعلاته، يأتي موقف المفكر المغربي “محمد عابد الجابري” الذي يعبر عن موقف متشائم تجاه المجتمع المدني في الوطن العربي، لأنه يربط وجود المجتمع المدني بالديمقراطية، فعدم ترسخ هذه الأخيرة في المجتمع العربي يعني غياب المجتمع المدني. والديمقراطية التي يقصدها ليست الديمقراطية الشكلية التي تعرفها بعض البلدان العربية، بل يقصد بها ذلك النوع من العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، بين الدولة والشعب، ونموذجها هو القائم في أوربا الغربية وأمريكا الشمالية. إنها العلاقة المبنية على تداول السلطة السياسية على أساس الأغلبية الانتخابية التي يفرزها التعبير الديمقراطي الحر من خلال التنافس الحزبي في إطار احترام حقوق المواطن السياسية منها على وجه الخصوص.(8) وبالتالي فإن المجتمع المدني الذي يعترف به “الجابري” هو المجتمع الذي يمارس فيه الحكم على أساس أغلبية سياسية حزبية وتحترم فيه حقوق المواطن السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية في حدها الأدنى على الأقل، إنه بعبارة أخرى المجتمع الذي تقوم فيه “دولة المؤسسات” بالمعنى الحديث لـ ” المؤسسة”، البرلمان، القضاء المستقل، الأحزاب، النقابات والجمعيات.. الخ.

فـ “الجابري” يتحفظ على ما تعرفه البلدان العربية من مظاهر الحداثة ومن أشكال الديمقراطية بالرغم من اعترافه أن رياح الديمقراطية بدأت تهب على العالم العربي (9)، لأنه يرى أن بنى الدولة الحديثة قد أقحمت إقحاماً في معظم الأقطار العربية، وما تعرفه هذه البلدان من مؤسسات وأحزاب وبرلمانات ونقابات وجمعيات ما هي إلا أشكال مشوهة لما تعرفه المجتمعات الغربية الديمقراطية. فبينما مؤسسات المجتمع المدني في الغرب نشأت بفعل تطور داخلي وبموازاة مع نشوء وتطور هذه الدولة نفسها، الأمر الذي نتج عنه قيام مجتمع مدني مستقل عن المجتمع السياسي ـ الدولة ـ مجتمع قوامه مؤسسات اقتصادية وثقافية، بينما حدث هذا في الغرب الديمقراطي نجد أن بنى الدولة الحديثة في الأقطار العربية قد غرستها الدول الاستعمارية غرسا وبالقوة أحياناً.

وحيث أن هذه الدولة العربية الحديثة ليست نابعة من المجتمع ولا تعبر عن نضج حقيقي لمكوناته، فإنها تلجأ إلى استعمال وسائل العنف المشروع وغير المشروع وتسخر كل أدواتها لتمتين سيادتها، وهي في سبيل ذلك لا تتورع عن اختراق المجتمع المدني الجنيني، وذلك بخلق أحزابها السياسية ونقاباتها وجمعياتها.

وبالنسبة للمفكر التونسي “الطاهر لبيب” فهو يميز ما بين المجتمع المدني ـ أو المؤشرات الموضوعية الدالة عليه ـ من جهة ومفهوم المجتمع المدني أي البناء المفاهيمي الفكري الذي يعبر عن هذا الواقع، فالتاريخ العربي الإسلامي عرف حركات وعلاقات اجتماعية سياسية ودينية داخلة في علاقات ضدية مع السلطة السياسية القائمة، سواء حركة القرامطة أو الخوارج أو حركات التحرر ضد الاستعمار أو ضد الأنظمة الاستبدادية، إلا أن هذه الحركات لم تجعل من الحرية المدنية مسألة مركزية لها، ولم تراكم إنجازات على مستوى الواقع، ربما لأن المجتمع العربي الإسلامي آنذاك لم يكن مهيئاً لتحقيق هذا المطلب الاجتماعي/السياسي، ذلك أن براديغم الطاعة هو الذي ساد كإيديولوجيا، والاستبداد السياسي هو الذي تراكم. وهو يرى أن الحركات السياسية، النقابية والفكرية والتي هي إرهاصات أو شروط تكون مجتمع مدني، كانت في عهد الاستعمار أكثر تنوعاً ونشاطاً مما أصبحت عليه بعد الاستقلال وهذه ظاهرة عرفتها كل البلدان التي استعمرت سابقاً، بما فيها البلدان العربية، إلا أن مطلب التحرر من الاستعمار طغى على غيره من المطالب ولم تهتم هذه الحركات إلا قليلاً بقضايا الديمقراطية والحقوق المدنية للأفراد، حيث كانت جل المطالبات متجهة ضد المستعمر. إن “الطاهر لبيب” لا يفصل بين المجتمع المدني والديمقراطي وبينه وبين الحرية، فالمجتمع العربي لم يعرف الحرية بمعناها السياسي إلا مع الحملة الفرنسية 1798، ولم يعرف الديمقراطية إلا كمطلب لبرالي وخصوصاً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، أما على مستوى استعمال المفهوم، فالطاهر لبيب يرى “أن مفهوم المجتمع المدني عندنا بلا تاريخ، وهذا مأتى الحرج العلمي في استعماله، إن الاستعمال “الطارئ” يعبر عن حالة طوارئ في الفكر العربي ولا يحيل في كل الصور إلى ممارسة تم تنظيرها ولا إلى تنظير واقع تمت ممارسته، إنه سابق للظواهر التي يريد الإحالة إليها، لقد طاف متسيّساً وراج رواجاً سريعاً بفعل توظيفه وقبل أن يتقيد بمعنى أو استعمال”(10).

ونعتقد أخيرا أن تاريخ المجتمع المدني العربي هو جزء من تاريخ نضال الشعوب العربية ضد الاستبداد والقهر، وحيث إن طبيعة الدولة العربية من حيث نظامها السياسي وتشكلاتها الاجتماعية وعلاقاتها الخارجية، يبرز لنا حالة الغربة التي تعيشها الدولة عن المجتمع والعكس صحيح، وافتقادها غالباً للشرعية والمشروعية، بالإضافة إلى حضورها السلطوي القاهر في كل شئ، فإن علاقة الدولة ـ السلطة السياسية ـ بالمجتمع كانت غالباً علاقة صراع أو سعي إلى الهيمنة، وهذا الصراع ـ علاقات الضدية ـ لم تكن أطرافه السلطة من جانب وقوى اجتماعية وسياسية ودينية واقتصادية من جانب آخر، تَرفع بشكل واضح وخصوصاً الطرف الثاني شعار تأسيس المجتمع المدني، لأن مفهوم المجتمع المدني كما أشرنا مفهوم غربي يعبر عن نوع الثقافة السياسية والنظام السياسي السائدين في الغرب. ومع ذلك فإن المطالب الاجتماعية في سياق التحديث السياسي والنضال الديمقراطي كانت تعمل على تأسيس أو تفعيل مجتمع مدني، وعليه يمكن أن تصنف الحركات والجمعيات والأحزاب الموجودة اليوم في الدول العربية كمؤسسات مجتمع مدني بقدر ما تكون معارضة لاستبداد الدولة وتسلطها، وبقدر ما ترفع من شعارات الحرية والاستقلال.

ومن جهة أخرى فإننا نعتقد أن الحديث عن وجود مجتمع مدني عربي أو عدم وجوده أو التساؤل حول تاريخ نشوئه هي أمور متجاوزة، لأن المجتمع المدني لا يؤسس بقرار في لحظة زمنية معينة ومتفق عليها، فتاريخه هو تاريخ النضال لأجل الحرية المدنية والديمقراطية، وحيث إن الديمقراطية هي مراكمة إنجازات حداثية سياسية واقتصادية واجتماعية عبر الزمن، إنجازات تحصل بالنضال ومقاومة السلطة أحياناً وبالتفاهم والالتقاء معها في منتصف الطريق إن كان ذلك ممكناً، فكذا الأمر مع المجتمع المدني، إنه مراكمة إنجازات عبر الزمن وعبر النضالات، وحتى النقاش الذي يدور في مجتمع عربي ما حول وجود أو عدم وجود مجتمع مدني هو بحد ذاته مساهمة في تأسيس مجتمع مدني أو إرهاص دال عليه.

ولكن مما لاشك فيه أن وجود مجتمع مدني ـ بمعنى التشكلات التضامنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يؤسسها الأفراد باعتبارهم ذوات مدافعة عن مصالح وفعالية هذا المجتمع واستقلاله ولو نسبيا عن الدولة ـ هو شرط ضروري من أجل الديمقراطية وإقامة دولة القانون، وإن المجتمع العربي يشهد ولادة ـ قيصرية في غالب الأحيان ـ لنوع من المجتمع المدني والمجتمع المدني المضاد في نفس الوقت. بمعنى أن قوى التحرر والديمقراطية تسعى لتأسيس مجتمع مدني في مواجهة تسلط السلطة السياسية أو رفضها الاعتراف بمن يخالفها من فعاليات المجتمع. ولكن السلطة وحيث إنها لا تستطيع مقاومة أو إلغاء هذا المجتمع المدني ـ نظراً لاستحقاقات خارجية تدفع في اتجاه تبني الديمقراطية والحريات السياسية، وكذا بفعل التحولات الإيجابية الدالة على نضج المجتمع العربي والتي تهدد السكونية السياسية السائدة ـ فإنها تعمل على تأسيس مجتمعها (المدني) الخاص بها: أحزاب سلطة، جمعيات سلطة، نواد سلطة، بل أن الزعيم رئيساً كان أو ملكاً يوظف شخصيته الكارزماتية وشعبيته لتأسيس (مجتمع مدني) خاص به، والسلطة السياسية تحاول من خلال ذلك أن تسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب الشعبية وفعاليات المجتمع المدني الأخرى المعارضة للنظام و ركوب موجة الديمقراطية والوطنية، إن لم تنصب نفسها قائدة التحول الديمقراطي. وإن لم تستطع أو أصبحت التحولات الديمقراطية متجاوزة لها ومهددة لمصالحها، فإنها تحاول الحد من هذه التحولات بدفع (مجتمعها المدني) لمواجهة المجتمع المدني الشعبي الحقيقي، وتصبح هي بمثابة الحكم وتتدخل بحزم باسم حماية المجتمع من الحرب الأهلية أو الفوضى وباسم المصلحة الوطنية، والتي هي في هذه الحالة ما هي إلا مصلحة النخبة الحاكمة!.

ومفيد القول إن مجتمعاتنا ـ بنيتها الاجتماعية والسياسية والدينية ـ ليست هي مجتمعات الغرب والشروط التاريخية لمجتمعاتنا ليست هي تلك التي عرفها الغرب، وعليه فلا ينتظر أن تكون نظمنا السياسية صورة طبق الأصل لما هو معروف في الغرب. نعم نريد ديمقراطية ومجتمع مدني وازدهار اقتصادي.. الخ. ولكن يجب أن نؤسسها نحن بعقلانيتنا وبإمكاناتنا الخاصة لا أن نستوردها ونقحمها على مجتمعنا. إن المراقب للحياة السياسية في مجتمعاتنا سيلاحظ تعدد الجمعيات والنوادي ودور الثقافة ومنظمات حقوق الإنسان التي وإن كان بعضها من خلق الدولة فإن العديد منها ملاذ يلجأ إليه مثقفون وسياسيون ومهمّشون ومن يشعر بالاغتراب في وطنه، بعيداً عن التنظيمات الرسمية ـ حكومية كانت أو معارضة ـ وهذا ملموس في نشاط الجماعات الإسلامية داخل هذه الجمعيات وكذا الدور الثقافية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية التي بدأ دورها في السنوات الأخيرة يتزايد، وأحياناً تفوق مؤسسات المجتمع المدني الحقيقية في مواجهتها لخروقات السلطة.

أيضاً يمكن أن نتساءل لماذا لا نعتبر ما تقوم به بعض الأنظمة العربية التي استقرت على خيار الديمقراطية، من دعم لتأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات هو إسهام منها في خلق (مجتمع مدني) وتفعيله ما دامت الظروف العامة للمجتمع ـ انتشار الأمية، الجهل، الفقر، ضعف الوعي السياسي ـ لا تساعد كثيراً على تسريع عملية تأسيس المجتمع المدني؟ وحتى مع افتراض سوء النية عند الدولة بالزعم أنها تؤسس مجتمعها المدني خوفاً من أن يُفرض عليها المجتمع المدني الحقيقي الذي تلوح بوادر تأسيسه، لماذا لا تستغل القوى الحية في المجتمع هذه البادرة من الدولة وتجيرها بما يخدم الديمقراطية وتفعيل المجتمع المدني الحقيقي؟. ولماذا لا نأخذ بتصور “هيغل” حول المجتمع المدني حيث رأى أنه في بعض اللحظات التاريخية يصبح إشراف الدولة على المجتمع المدني ضرورة لا بد منها، ولكن لحين؟. وقد أثبتت التجربة في أكثر من دولة ثالثية أن غياب إشراف الدولة عن مؤسسات المجتمع المدني يودي إلى تمزق المجتمع المدني وتصادمه مع بعضه البعض وبالتالي قد يؤدي إلى حرب أهلية، وقد ثبت أيضا أن الديمقراطية لا تقوم إلا حيث تكون الدولة قوية.

إن كل ملم بمؤسسات المجتمع المدني، يعرف أن تأسيسها واستمراريتها وقيامها بواجباتها يحتاج إلى تمويل ومراقبة ومرجعية يقوم عليها، والمجتمع الأهلي العربي في غالبيته لا يتوفر على أموال كافية ولا على قدرات تنظيمية، أضف إلى ذلك أن الفئة الاجتماعية العربية المؤهلة لقيادة المجتمع المدني ـ البرجوازية أو المثقفون ـ هي أميل إلى طلب السلطة مباشرة عن طريق الثورة أو الانقلابات من النضال طويل المدى في إطار المجتمع المدني.

إن نظرة على الواقع الراهن للمجتمع المدني في العالم العربي تكشف لنا حالة أو أكثر من تمظهرات المجتمع المدني:

الأولى: مؤسسات مجتمع مدني هشة وضعيفة لا تأثير لها أو فعالية ويمكن أن تزول بعد فترة قصيرة من ظهورها.

ثانيا: مؤسسات مجتمع مدني تمول وتُشجع من جهات أجنبية ـ كمنظمات حقوق الإنسان ـ مما يجعلها عرضة للملاحقة من الدولة واتهامها بالخيانة أحياناً، وخصوصاً إذا اقتصر نشاط هذه المنظمات على الدفاع عن حقوق الأقليات [طائفية أو عرقية].

ثالثا: مؤسسات مجتمع مدني تؤسسها الدولة و أصحاب النفوذ والجاه، وهؤلاء الآخرون هم بشكل أو بآخر أقرب إلى السلطة من قربهم للمجتمع المدني الحقيقي، لأن حرصهم على مصالحهم ونفوذهم وتطلعهم للسلطة، يدفعهم لدفع مؤسسات المجتمع المدني للخضوع لإشراف الدولة ورقابتها أو العمل بما لا يتعارض مع سياستها.

رابعا: مؤسسات مجتمع مدني حقيقي ولكنها محاصرة وتواجهها تحديات سواء من طرف الدولة أو من طرف بنية المجتمع وثقافته، وهذا المجتمع المدني هو الذي تراهن عليه الجماهير ليكون الأرضية المحتضنة للديمقراطية.

إن مقاربة إشكالية المجتمع المدني في الدول العربية تستدعي تجاوز الدوران حول التساؤل: هل يوجد مجتمع مدني أولا يوجد؟ فهذا السؤال لا يختزل الإشكالية ولا يعبر عنها وهو غير دقيق علمياً، لأنه يُؤسس على فرضية انتفاء التباينات بين المجتمعات ويفترض وجود نموذج مثالي وجاهز للمجتمع المدني ما علينا إلا أن نقارن ما عندنا بهذا النموذج المثالي، كما أنه يفترض عدم وجود مجتمع مدني بالمطلق. ونعتقد أن المقاربة العلمية للموضوع يجب أن تهتم بالتساؤل حول شكل وبنية المجتمع المدني؟ وطبيعة علاقته بالدولة؟ ومدى توفر مؤشرات تمأسسه؟ وكيف

يمكن تفعيله؟. وفي هذا السياق يمكن التأكيد مجدداً أن إرهاصات تشكل مجتمع مدني تعود إلى بدايات ظهور الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، إلا أن خصوصية الدولة العربية ومركزية السلطة ومتطلبات مرحلة النضال جعل هذا المجتمع يدور حول الدولة، يقترب منها أحياناً حتى تنمحي شخصيته، وأحياناً يبتعد عنها ويتصادم معها حتى يبدو الأمر وكأنه قطيعة بين الطرفين.

و يمكن القول إن علاقة المجتمع المدني في العالم العربي بالدولة تشبه علاقة المراهق بأسرته، فهو وإن شب عن الطوق وأصبح قادراً على تدبير بعض أموره وبلورة شخصية متميزة فإنه يبقى دون مرحلة البلوغ الكاملة التي تؤهله ليؤسس شخصية خاصة به ومستقلة، وكذا المجتمع المدني العربي، لقد ولد وبدأ ينمو ويترعرع بل ويملك الجرأة أحياناً ليرفع صوته في وجه الدولة إلا أنه يبقى تحت رعايتها، إنه يخضع لمراقبة دائمة من الدولة خوفا منه وخوفاً عليه في نفس الوقت.

المجتمع المدني في فلسطين ـ مجتمع مدني ولِدَ في رحم حركة تحرر وطني ـ

إذا كانت تساؤلات عميقة تنتصب أمام الباحث في المجتمع المدني في دول العالم العربي نظراً لخصوصية الدولة العربية التي هي غالباً مُقحمة على المجتمع ومفروضة عليه، ونظراً لخصوصية مجتمعات هذه الدول عن المجتمعات الغربية التي ظهر فيها المجتمع المدني وتم تأصيل مفهومه، فكيف الحال بالنسبة للباحث في المجتمع المدني في فلسطين التي تعيش خصوصية داخل الخصوصية العربية؟.

لاشك هنا أن المقاييس المتبعة في التعرف على وجود مجتمع مدني في بلد ما، لن تسعفنا كثيراً في الحالة الفلسطينية، لأنه إذا اعتبرنا المجتمع المدني يعني تلمس نقاط تمفصل المدني أو الاجتماعي عما هو سياسي، أو ما هو عام ـ الدولة ـ عما هو خاص ـ العلاقات والتنظيمات التي يؤسسها الأفراد للتعبير عن مطالبهم والدفاع عنها ـ، فإنه في الحالة الفلسطينية يتداخل العام مع الخاص والسياسي مع المدني، نظرا لأن الشعب الفلسطيني ومنذ أمد بعيد وحتى اليوم(11) يعيش تحت الاحتلال، وبالتالي لم يعرف دولة وسلطة يمكن في مواجهتها بلورة مجتمع مدني، فالسلطة القائمة هي دوما سلطة احتلال.

وهكذا تداخل ما هو سياسي بما هو مدني في التجربة السياسية الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني بكل فئاته ومستوياته، انتظم في حركة جماهيرية واحدة، قيادة سياسية، شعب، نقابات، أحزاب وجمعيات، لمواجهة القوات المحتلة. الجميع لهم هدف واحد هو مواجهة الاحتلال وليس مواجهة بعضهم بعضاً، وهنا نلاحظ خصوصية المجتمع المدني الفلسطيني سواء من حيث تكوينه أو من حيث وظيفته، فهو مجتمع ولد في خضم مقاومة الاستعمار البريطاني أولا والصهيوني ثانياً، وولادته لم تكن في إطار حركة مطلبية اقتصادية أو اجتماعية بل في إطار حركة جماهيرية سياسية نضالية تسعى للاستقلال والحرية وإبراز الهوية الوطنية والحفاظ عليها، وبالتالي فإن المطلب الأساسي لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني هو تأسيس المجتمع السياسي الوطني ـ دولة وسلطة وطنية ـ، بالإضافة إلي ذلك عاش نصف الشعب الفلسطيني ـ ومازال ـ خارج أرض الوطن وتربطه علاقة خاصة وشائكة مع الدول التي يعيش فيها، وهو الأمر الذي يجعل لمفهوم المجتمع الفلسطيني دلالة رمزية أكثر مما هي سسيولوجية، وهذه خاصية لا نجدها في تجارب الشعوب الأخرى.

إن المؤسسات المتعارف عليها كمكونات للمجتمع المدني كانت حاضرة وبكثافة في المجتمع الفلسطيني إلا أن وظيفتها غير وظيفة مثيلاتها في البلدان الأخرى، فغياب دولة فلسطينية غير من وظيفة (المجتمع المدني) الفلسطيني وجعلها تصب في اتجاه إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية والحفاظ عليها وإعادة تأسيس الدولة، فالمجتمع المدني في هذه الحالة هو المؤسس للدولة وللسلطة السياسية وليس العكس وبالتالي يستحق تسمية المجتمع المدني/السياسي، وليس المجتمع المدني المفارق للسياسي.

ومع ذلك فقد مر المجتمع المدني الفلسطيني بعدة مراحل هي المنعطفات التي عرفتها القضية الفلسطينية، ويمكن رصد أربع مراحل في سياق تطور المجتمع المدني الفلسطيني:

المرحلة الأولى: ما قبل نكبة 1948:

واجه الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة خطراً مزدوجاً تمثل في الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية، حيث تواكب الاحتلال مع سياسية الحركة الصهيونية للاستيلاء على الأرض وتهويدها وكذا تهويد العمل ومحاولة نفي كل صفة وطنية عربية إسلامية عن فلسطين، وقد ترتب على ذلك أن كل فئات الشعب الفلسطيني تضررت من هذا الخطر المزدوج، الجميع وحدتهم المعاناة وضرورة مقاومة الاحتلال والتصدي لمحاولات الحركة الصهيونية الاستيلاء على أرض فلسطين. ومن هنا وضع الفلسطينيون على سلم اهتماماتهم تحقيق الاستقلال وليس مجرد تحقيق مكاسب اقتصادية أو اجتماعية. وقد عرفت هذه المرحلة تعاظماً في تأسيس الأحزاب والنوادي والجمعيات، بالإضافة إلى انتفاضات وهبات وثورات، إلا أن هذا النهوض وهذه الحيوية في المجتمع المدني لم يكونا في مواجهة سلطة وطنية، بل في مواجهة قوات الاحتلال، وبالتالي زالت الفوارق بين ما هو سياسي وما هو مدني اجتماعي.

كانت جميع برامج وأدبيات الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات التي ظهرت في تلك الفترة تتفق على هدف واحد هو مقاومة الحركة الصهيونية والانتداب البريطاني وتحقيق الاستقلال الوطني، هذا لا يعني الغياب الكلي لأنشطة ذات طبيعة مدنية، حيث عرف المجتمع الفلسطيني في بعض المراحل توتراً في العلاقة بين القيادة السياسية التقليدية ومؤسسات تُنسب إلى المجتمع المدني، إلا أن هذه الخلافات كانت على قاعدة المصلحة الوطنية وحول كيفية مواجهة العدو المشترك، وليس على قاعدة تقاسم غنائم السلطة أو من أجل الوصول إلى السلطة.

إن الملاحظ على غالبية مؤسسات المجتمع المدني/السياسي التي عرفتها فلسطين في تلك المرحلة أنها أسست ضداً عن رغبات قوات الاحتلال(12)، حيث إن قوانين الانتداب لم تسمح للفلسطينيين بتنظيم أنفسهم سياسياً واجتماعياً إلا بالشكل الذي يخدم مصالح الاستعمار، وبالتالي فقد طغى العمل السري على غالبية نشاط مؤسسات المجتمع المدني، ومن جهة أخرى وتحايلاً على قوانين الاحتلال أخذت مؤسسات المجتمع المدني طابعاً أهلياً أو تقليدياً، حيث لعبت العلاقات العائلية والعشائرية والطائفية دوراً في هيكلة مؤسسات المجتمع المدني، كما يلاحظ نخبوية مؤسسات المجتمع المدني حيث لعبت العائلات المشهورة والمنتمية إلى الطبقة الإقطاعية والبرجوازية دوراً في تشكيل مؤسسات المجتمع المدني وقيادتها. وسنكتفي هنا بذكر أسماء هذه المؤسسات حسب تاريخ ظهورها (13)، مع الإشارة إلى أنه في ذلك الوقت لم يكن يطلق عليها مؤسسات مجتمع مدني بل إن هذا المصطلح لم يكن مستعملا آنذاك لا في فلسطين ولا في بقية البلدان العربية.

“المؤتمر العربي الفلسطيني 1918، الجمعيات الإسلامية ـ المسيحية 1918، الجمعية الفدائية 1919، الجمعية العربية الفلسطينية 1920، الحزب الوطني 1923، حزب الزراع 1923، جمعية تعاون القرى 1929، حزب الأهالي 1925، الحزب الحر الفلسطيني 1927، المجلس الإسلامي الأعلى 1922، جمعيات الشباب المسلمين 1928، المؤتمر النسائي العربي 1929، مؤتمر البرجوازية العربية 1929، مؤتمر الطلبة 1930، المؤتمر الإسلامي العام 1931، مؤتمر الشباب العربي الفلسطيني 1932، حزب الاستقلال 1932، حزب الدفاع الوطني 1934، الحزب العربي الفلسطيني 1935، حزب الإصلاح 1935، حزب الكتلة الوطنية 1935، اللجنة العربية العليا 1936، النادي الخيري لعمال سكك الحديد 1923، جمعية العمال العربية الفلسطينية 1925، مؤتمر العمال العرب 1930، جمعية العمال العرب، اتحاد جمعيات ونقابات العمال العرب 1942، اتحاد العمال العرب 1945.

المرحلة الثانية: 1948 ـ 1965 ـ مرحلة التيه الوطني ـ

أدى الاحتلال الصهيوني لفلسطين عام 1948، إلى إضفاء خصوصيات جديدة على واقع حال الشعب الفلسطيني بالإضافة إلى خصوصيته الأولى، وتكمن الخصوصية الجديدة في تقطيع أوصال المجتمع الفلسطيني وبعثرته في مواقع جغرافية متباعدة، فبالإضافة إلى من بقي من الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال، وجدت تجمعات فلسطينية في دول عربية تخضع لسلطة غير فلسطينية، وأهمها في الضفة الغربية وغزة وسوريا ولبنان والعراق.

مما لا شك فيه أن حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال الصهيوني ليست على شاكلة حياتهم تحت الحكم العربي، ومع ذلك فقد غاب عنصر التنظيم المدني الوطني عن المجتمع الفلسطيني، إما قهراً كما جرى في فلسطين المحتلة، أو تحت شعارات وأيديولوجيات قومية وأممية واعتبارات أمنية كما جرى في سوريا ولبنان والأردن ومصر والعراق، واضطرت مؤسسات المجتمع المدني التي ظهرت قبل 1948 إلى تجميد نشاطها أو انحلت تلقائياً لغياب القاعدة المجتمعية الفلسطينية الأساسية لوجودها.

كانت الفترة ما بين 1948 إلى 1965 مرحلة قاسية على الفلسطينيين(14)، وعرفت الحركة الوطنية الفلسطينية حالة من الجمود، السياسي والاجتماعي بحيث لم يلحظ ما يدل على وجود مجتمع مدني مستقل أو حركة وطنية فلسطينية مستقلة، ما عدا ما سُمح به للفلسطينيين من مشاركة في تنظيمات سياسية أو نقابية في بعض البلدان العربية، كالأردن ـ التي ضمت إليها الضفة الغربية وحمل الفلسطينيون الجنسية الأردنية ـ وسوريا والعراق من منطلقات قومية. ومع ذلك شهدت نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات نهوض الوطنية الفلسطينية بفعل الدور النشط للفلسطينيين المنضوين داخل الأحزاب القومية، وكذا ظهور جريدة “فلسطيننا ” التي كانت تصدرها “فتح” قبل أن تعلن عن نفسها رسميا. ولكن وحيث أن الوضع العربي لم يكن يسمح بعد بعمل فلسطيني سياسي مستقل، فقد مارس الفلسطينيون نشاطهم السياسي من خلال اتحادات وتنظيمات شعبية نقابية، فتأسس في عام 1959 الاتحاد العام لطلبة فلسطين وفي عام 1963 تأسس الاتحاد العام لعمال فلسطين وفي عام 1965 تأسس الاتحاد العام للمرأة. واستمر الوضع هكذا حتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 ثم انطلاق الثورة الفلسطينية المسلحة عام 1965 وما جاءت به من مستجدات.

المرحلة الثالثة: من 1964 إلى قيام الحكم الذاتي 1994.

تميزت هذه المرحلة باستعادة الحركة الوطنية الفلسطينية لحيويتها، ذلك أن تيقظ الشعور الوطني الفلسطيني، وانطلاق الثورة الفلسطينية المسلحة والهزيمة العربية في حرب 67، كل ذلك أعاد الحيوية للمجتمع الفلسطيني، ودفع بحركته الوطنية التي تمثلها م.ت.ف. إلى تعزيز علاقتها بالمجتمع الفلسطيني في أرض الشتات ووضعه تحت إشرافها، ومن هنا سعت م. ت. ف إلى تأسيس وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني بما يعزز الشخصية الوطنية الفلسطينية في مواجهة محاولات التشويه والإلغاء التي كانت تتعرض لها، ولاستقطاب قطاعات المجتمع الفلسطيني المختلفة، لتصب في مواجهة العدو الصهيوني.

وهكذا عرفت هذه المرحلة بروز العشرات من الأحزاب والتنظيمات السياسية، وكذا النقابات والجمعيات والنوادي، إلا أن استعادة المجتمع المدني لحيويته لم يأت في سياق مواجهة سلطة سياسية فلسطينية أو دولة فلسطينية، بل إن السلطة السياسية الفلسطينية الثورية “م. ت. ف” هي التي أسسته في إطار حركة مقاومة شاملة لتحرير الوطن من الاحتلال، وهكذا نصت القوانين المؤسسة للاتحادات الشعبية بمختلف أنواعها، على أنها قاعدة من قواعد الثورة الفلسطينية، ولم يكن مسموحاً بأن يدخل الفلسطينيون في صراعات جانبية وينسون العدو المشترك.( 15)

لا غرو أن استعادة المجتمع المدني/السياسي الفلسطيني لحيويته بعد 1967، وممارسته النضالية ضد الكيان الصهيوني عزز مواقف م. ت. ف في أرض الغربة وأكسبها احتراماً وتقديراً دفع الدول العربية إلى الاعتراف بالمنظمة ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني وذلك في مؤتمر قمة الرباط 1974، والاعتراف لها بصفة عضو مراقب في هيئة الأمم المتحدة في نفس العام، إلا أن أهم اللحظات التي تجلى فيها المجتمع المدني/السياسي، كانت سنوات الانتفاضة الفلسطينية من 1987 إلى 1994، ففي ظل الانتفاضة العظيمة تجند الشعب الفلسطيني بكل فئاته لتنظيم نفسه في جمعيات ونواد وتنظيمات ضد الاحتلال الصهيوني. وكان الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة قادراً على تنظيم نفسه ومواصلة انتفاضته تحت قيادة مؤسسات المجتمع المدني الثورية لولا تدخلات خارجية ـ لا داع لذكرها هنا ـ إلا أن انتفاضة المجتمع الفلسطيني داخل فلسطين وخارجها دخلت في متاهة جديدة بعد ما سمى بمسلسل السلام وتوقيع اتفاقية أوسلو 1993.

وعلى المستوى الاجتماعي، فقد انتقلت قيادة مؤسسات المجتمع المدني من الشرائح الإقطاعية والبورجوازية وأبناء العائلات إلى عناصر تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة والمتوسطة، وكان للاجئين الفلسطينيين دور في تفعيل المجتمع المدني وقيادته.

إن أهم ما يجب الإشارة إليه في هذه المرحلة هو أن المجتمع هو الذي خلق حركة المقاومة أو الثورة ورفدها بكل قوة وكان أبناؤه هم الوقود الذي مكنها من الاستمرارية والانتشار، وعليه، فإن النخبة السياسية الفلسطينية والسلطة الوطنية خصوصاً، مدينان بوجودهما للمجتمع، فهل كانت ممارسات السلطة الوطنية بعد أوسلو تعبر عن اعتراف بالجميل؟ وما هو شكل العلاقة بين الطرفين عندما تحول الثوار إلى رجال سلطة؟.

المرحلة الرابعة: ما بعد اتفاقية أوسلو وقيام الحكم الذاتي:

بدخول م. ت. ف مسلسل التسوية وتوقيعها اتفاقية أوسلو وبداية الحكم الذاتي الفلسطيني في مناطق من الضفة الغربية وقطاع غزة، عرف المجتمع الفلسطيني، والمجتمع المدني/السياسي خصوصاً، تحولاً جذرياً، فالعملية سعت إلى نقل المجتمع الفلسطيني من مرحلة الثورة والنضال إلى مرحلة المراهنة على الحلول السلمية وبالتالي إنهاء الثورة وحالة الحرب مع الكيان الصهيوني، مع ما يترتب على ذلك من تغير في وظيفة المؤسسات المدنية والسياسية التي ظهرت في مرحلة الثورة، ونقل مركز قوة حركية المجتمع الفلسطيني من خارج فلسطين إلى داخلها. إلا أن أهم تحول يخص موضوع بحثنا هو بداية ظهور التمايز ما بين مجتمع مدني ومجتمع سياسي، ذلك أن السلطة الوطنية الفلسطينية التي تدير مناطق الحكم الذاتي أصبحت بمثابة (السلطة السياسية) أو مشروع دولة، وبالتالي لها حساباتها وسياساتها وارتباطاتها الناتجة عن مسلسل التسوية، وهي سياسة وارتباطات لا تتفق بالضرورة مع موقف كل الشعب الفلسطيني ومؤسساته المدنية والسياسية.(16)

وهكذا لاحظنا منذ توقيع اتفاقية أوسلو ظهور (مجتمع مدني) حيوي يمارس دور المعارضة في مواجهة السلطة الوطنية الفلسطينية من جهة وقوات الاحتلال من جهة أخرى ويمكن حصر فعاليات المجتمع المدني في هذه المرحلة بما يلي:

1- مؤسسات المجتمع المدني التابعة للمعارضة السياسية ـ حماس والجهاد الإسلامي خصوصا ـ وهذه المؤسسات متعددة: نقابات، جمعيات، اتحادات، مؤسسات دينية، تعليمية وخيرية، ومما يجب التنبيه له في هذا السياق أن أهمية هذا النوع من المجتمع المدني لا تكمن في قوتها التنظيمية والتأسيسية بل في قدرتها التعبوية ذلك أن سنوات الاحتلال علمت الجماعات الإسلامية كيف تحافظ على وجودها وتمارس مهامها بشكل سري (17).

2- مؤسسات المجتمع المدني التي تمارس نشاطها في ظل الاعتراف بشرعية السلطة، وهذه تتفاوت ما بين اتحادات شعبية، وجمعيات ومنظمات لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى شخصيات وطنية لها وزن في الساحة الوطنية، والجزء الأكبر منها هي التي كانت تابعة لـ م. ت. ف وحولت نشاطها إلى نشاط مدني/سياسي. ومن المؤسف أن الاتحادات الشعبية كالاتحاد العام للمعلمين والاتحاد العام للعمال والاتحاد العام للمرأة واتحاد طلبة فلسطين واتحاد الفلاحين واتحاد المهندسين وغيرها من الاتحادات والتنظيمات التي كانت فاعلة قبل توقيع اتفاقية أوسلو، انحلت أو أصيبت بالشلل في مناطق الحكم الذاتي وتحول أمناؤها العامون إلى موظفين سامين في السلطة وبرتب عسكرية!

3- منظمات واتحادات غير حكومية ذات انتماءات وعلاقات متعددة داخلية وخارجية، ويفوق عدد هذه المنظمات في مناطق الحكم الذاتي 2000 منظمة، أهمها منظمات تطوعية ومنظمات حقوقية، ومنظمات ذات صبغة اجتماعية وأخرى ذات طابع ديني.. الخ، وقد كانت هذه المنظمات والاتحادات ذا دور فاعل في دعم نضال الشعب الفلسطيني قبل بداية مسلسل التسوية، حيث كانت المنظمة والتنظيمات الفلسطينية الأخرى تمارس من خلالها مهاماً وتنسج علاقات مع الجماهير كانت ـ المنظمة والتنظيمات ـ عاجزة عن أن تقوم بها بشكل مباشر، إلا أنه بعد دخول المنظمة إلى مناطق الحكم الذاتي، التحقت بعض هذه المنظمات بالسلطة وبعضها تحول إلى مؤسسات مدنية تعارض نهج التسوية.

إن المتتبع لعملية إعادة تأسيس المجتمع المدني في فلسطين وتحديداً داخل مناطق الحكم الذاتي، يلاحظ الصعوبات التي يواجهها الفلسطينيون سواء من طرف الكيان الصهيوني ومحاولات خنقه للطموحات الفلسطينية بإعادة بناء الوطن، أو من طرف استحقاقات اتفاقات أوسلو التي تضع خطوطاً حمراء لا يستطيع الفلسطينيون تجاوزها، كما أن السلطة الفلسطينية تحولت إلى سلطة سياسية لها أهداف ومصالح تتصادم في كثير من الأحيان مع فعاليات المجتمع المدني. ومن جهة أخرى، عادت الانتماءات التقليدية من عائلية وعشائرية تلعب دوراً في الحياة السياسية الفلسطينية بشكل لم يكن معهودا من قبل(18)، فالنخبة السياسية الفلسطينية في ظل الحكم الذاتي والتي تتبوأ مراكز القرار سواء داخل السلطة أو في قيادة المجتمع المدني، تتكون في غالبيتها إما من أبناء العائلات والعشائر الكبيرة، أو من أفراد الاوليغارشية العسكرية التي بدأت تهيمن على الحياة السياسية وتتحكم في اقتصاد مناطق الحكم الذاتي، وفي هذا السياق يمكن القول إن النخبة السياسية الفلسطينية داخل مناطق الحكم الذاتي هي نخبة (عسكرية) أو مهيمن عليها من العسكريين (المناضلون القدامى).

ثالثا: واقع وأفاق المجتمع المدني في مناطق الحكم الفلسطيني.

نحو تأسيس مجتمع مدني فلسطيني مشارك في تأسيس الدولة

نشير في البدء إلى أنه قليلاً ما يروج مصطلح المجتمع المدني في الخطاب السياسي الفلسطيني اليوم، نظراً لأن هذا المصطلح كما سبق الذكر يحيل دائما إلى الديمقراطية كمكون من مكوناتها أو كمؤسس لها، وفي جميع الحالات يتم تداوله في الدول المستقلة وذات السيادة. أما بالنسبة للمجتمع الفلسطيني فبالرغم من وجود مؤسسات سياسية وأحزاب وسلطة إلا أن ذلك لا يرقى لدرجة وجود دولة، كما أن الحركية السياسية التي تشهدها مناطق الحكم الذاتي لا يمكن نسبتها إلى الممارسة الديمقراطية الحقيقية ما دامت السلطة السياسية نفسها فاقدة لحرية اتخاذ القرار السيادي وكل ما يصدر عنها من قرارات يخضع لمراقبة إسرائيلية، بل تحتاج إلى إذن إسرائيلي، ويمكن القول في هذا السياق أنه يوجد في فلسطين وعند الفلسطينيين ديمقراطيين دون ديمقراطية(19).

مما لا شك فيه أن الوضع داخل مناطق الحكم الذاتي ليس هو وضع دولة أو مناطق محررة ولكنه أيضا ليس وضع احتلال بالمطلق، إلا أن هذا لا يمنع من توحيد الجهود من أجل بناء الوطن، وكثيرة هي المجالات التي يمكن للفلسطينيين أن يعملوا ويوظفوا كفاءاتهم وخبراتهم فيها من أجل فلسطين ما دامت الظرفية الراهنة لا تسمح لهم بممارسة حقهم المشروع بالكفاح المسلح ولا إقامة دولة مستقلة. إن العمل من أجل الوطن أوسع بكثير من العمل السياسي بمفهومه التقليدي، إنه من الاتساع بحيث يستوعب كل ممارسة فردية كانت أو جماعية، سياسية أم اقتصادية أم اجتماعية، ومن أهم هذه المجالات أنشطة المجتمع المدني أو ما يطلق عليه في فلسطين المنظمات الأهلية التي أصبح لها وزارة خاصة بها.

لا غرو أنه في الحالة الفلسطينية يفترض أن تتلاقى وتتصارع القوى السياسية والاجتماعية ليس من أجل الفوز بالسلطة أو السيطرة عليها ـ مع أن هذا حق مشروع في مرحلة لاحقة ـ بل من أجل بناء المواطن ثقافياً وسياسياً وتفعيل وتخليق الحياة السياسية والثقافة وتشكيل قوة ضاغطة على السلطة الوطنية تؤثر على مواقفها وتراقب سلوكياتها وتصحح أخطاءها. كما أن المجتمع المدني يقوم بوظيفة جد مهمة وهي بناء الهوية الوطنية الفلسطينية وصقل الثقافة الوطنية، حيث عمل العدو الصهيوني على تشويههما وطمس معالمهما، أيضاً للمجتمع المدني الفلسطيني في هذه المرحلة دور في تخليق الحياة السياسية وبناء المجتمع الديمقراطي، وهو بهذه الوظائف يبلغ رسالة قوية إلى العالم مفادها أن الشعب الفلسطيني شعب حضاري وقادر على تسيير أمور نفسه بنفسه وبالتالي قادر على إقامة دولته المستقلة. كما أن الاشتغال في وعلى المجتمع المدني هو المجال الذي تستطيع المعارضة الفلسطينية والقوى الحية في المجتمع اليوم ـ بعد أن سُدت في وجهها سبل النضال من الخارج، وصَعُب عليها ممارسة النضال العسكري في الداخل ـ أن تبدع فيه وتخدم الوطن في هذه المرحلة بدلا من التمترس في مواقع الرفض العدمي.

إلا أن المجتمع الفلسطيني شهد ظاهرة جديدة لم تعرفها بنفس الدرجة والنوع حركات التحرر الأخرى ألا وهي المنظمات غير الحكومية التي أصبحت تقوم بجزء من مهمات المجتمع المدني وتتداخل معه في كثير من الأحيان وتلعب دوراً في تفعيل وتنشيط الحياة السياسية الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب منا التوقف قليلا عند هذه الظاهرة.

المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية والسلطة: أية علاقة؟
مع بداية الحكم الذاتي في 1994 قام وضع ملتبس لا هو وضع دولة مستقلة ولا هو وضع احتلال حيث وجُدت سلطة سياسية وطنية: مؤسسات وأجهزة أمنية وسجون الخ، وأصبح الشعب يواجه سلطتين سلطة الاحتلال من جهة والسلطة الوطنية من جهة أخرى، بالتأكيد لا يمكن وضع السلطتين في سلة واحدة، ذلك أنه يفترض بأن السلطة الوطنية هي امتداد للحركة الوطنية الفلسطينية أو وريثتها وهي مكسب وطني بالرغم من كل الظروف المحيطة بتشكلها وممارساتها، ولكنها تبقى سلطة تمارس التسلط، تأمر وتنهي، تصدر قوانين وتنفذها، تعتقل وتحاكم، تمنح وتمنع، وهي في كل ذلك مقيدة باتفاقات تفرض استحقاقات يشعر الغالبية من الشعب الفلسطيني أنها مهينة تمس كرامته وحريته. وما زاد العلاقة توتراً ووضع السلطة إحراجاً، غياب قانون فلسطيني وبالتالي غياب دولة القانون، فالسلطة الفلسطينية، وبداخلها المجلس التشريعي، لا تستطيع أن تضع قوانين تعبر عن سيادة وطنية وهو الأمر الذي يدفع السلطة إلى تطبيق حزمة من القوانين ذات السمعة السيئة، كقوانين الانتداب البريطاني أو القوانين المصرية التي كانت تطبق في قطاع غزة أيام الحكم المصري أو قوانين أردنية أو القوانين الإسرائيلية أيام الاحتلال، هذا الوضع يجعل مناطق الحكم الذاتي وكأنها تعيش حالة طوارئ.

في ظل هذه الظروف شعر المجتمع الفلسطيني في مناطق الحكم الذاتي أنه في الوقت الذي عليه واجب مساندة السلطة في عملية إعادة بناء الدولة الفلسطينية وواجب مواجهة مخططات العدو الاستيطانية، عليه في نفس الوقت العمل على تأسيس مجتمع مدني يمكن اللجوء إليه للحد من تسلط السلطة وللتعبير عن مطالبات والدفاع عن مصالح لم تلبها السلطة الفلسطينية وخصوصاً في إطار حقوق الإنسان، بالإضافة إلى ذلك أن قطاعاً من المجتمع يشعر أن مرحلة الثورة لم تنته بعد وأن الواجب الوطني يحتم توجيه كل الجهود لمقاومة الاحتلال الصهيوني بدلا من الانشغال بقضايا ثانوية كالصراع على سلطة لا تملك من السلطة إلا اسمها.

بفعل المدخلات الخارجية للتسوية أستجد عنصر جديد على علاقة السلطة بالمجتمع المدني وهو ظهر ما يعرف بالمنظمات غير الحكومية والتداخل في المهام ما بين المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني. فكلاهما يتكون من التنظيمات والعلاقات التي يؤسسها المواطنون للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أو للدفاع عن قيم إنسانية عالمية بعيداً عن السلطة السياسية أو بالأحرى بعيداً عن سيطرتها أو تدخلها المباشر، إلا أن نقطة الاختلاف بينهما تكمن في الامتداد الخارجي أو العلاقات الخارجية، فإذا كان من شروط قيام مجتمع مدني حقيقي أن يقوم الأفراد لا السلطة بتشكيله وأن يكون مستقلاً عنها وغير تابع لها، فمن المنطقي إذن أن تكون مؤسسات المجتمع المدني ذات طابع وطني أي أن لا تؤسَس بإيحاء خارجي أو تموَل من الخارج حتى لا تصبح أداة في يد مموليها، فللمجتمع المدني وظيفة وطنية خالصة.(20)

أما المنظمات غير الحكومية فيمكن أن نقسمها إلى قسمين: المنظمات غير الحكومية المحلية أو الوطنية وهذه يمكن اعتبارها الاسم الآخر للمجتمع المدني أو هي المجتمع المدني ذاته، وهناك المنظمات غير الحكومية الدولية، وهي وإن كانت تشترك مع منظمات المجتمع المدني في استقلاليتها عن الدولة وفي طبيعة النشاط الذي تقوم به فإنها تختلف معها في أنها امتداد لمنظمات ذات صبغة دولية وأهداف إنسانية عالمية وغالباً ما تتعلق بحقوق الإنسان الأمر الذي يجعلها أكثر إثارة للجدل في دول العالم الثالث حديثة العهد بالديمقراطية. وتُعرف المنظمة غير الحكومية الدولية بأنها: منظمات ذات صفة دولية ولها هدف عام يشمل عدد كبير من الدول ولا يتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وليس لها هدف تجاري أي لا تسعى إلى الربح المادي وأن يكون لها أجهزة علنية ودائمة ومعترف بها من طرف الدولة حيث تمارس نشاطها.

بالرغم مما أشرنا إليه من اختلاف ما بين المنظمات غير الحكومية الدولية والمجتمع المدني إلا أنهما يشتركان في كونهما منظمات يجمعها النضال من أجل الحرية وحقوق الإنسان ومواجهة تعسف الدول، فوجودهما مرتبط بوجود ديمقراطية أو النضال من أجل الديمقراطية، فالدول غير الديمقراطية عدوة لهذه المنظمات ولا تسمح لها بالوجود وإن اضطرت لذلك فهي تضيق الخناق على عملها.(21)

كان ظهور المنظمات غير الحكومية في بداية الأمر نوعاً من التحايل على العدو الصهيوني الذي كان يمنع تشكل أي تجمعات تضامنية فلسطينية، وتزايد عددها ونشاطها في مرحلة ثانية عندما تحولت م. ت. ف داخل فلسطين إلى سلطة سياسية، حيث وجدت قوى المعارضة الفلسطينية التي أُبعِدت أو أبعَدت نفسها عن السلطة ومؤسساتها في هذه المنظمات مجالاً للعمل السياسي بستار اجتماعي وحقوقي، إلى هنا يبقى الأمر مفهوماً ومقبولاً، إلا أن الوضع تغير وأخذ منحىً مغايراً عندما أخذت أطراف خارجية وخصوصاً المنظمات غير الحكومية الدولية والدول المانحة، تمول وتدعم ما يفترض أنها مؤسسات المجتمع المدني، هذه الأخيرة التي أصبحت تستقطب أعداداً متزايدة من النخبة السياسية والمثقفة وتدفع لهم رواتب وحوافز مادية جد مرتفعة، مما أدى إلى تسابق أفراد النخبة على الانخراط في هذه المنظمات تحت شعار الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني أو تنشيط مجال البحث العلمي، ومن هنا لاحظنا كثرة عدد المنظمات الحقوقية ومراكز البحوث والدراسات والنوادي والجمعيات في مناطق الحكم الذاتي حيث يفوق عددها عدد نظيراتها في أي دولة عربية وهو الأمر الذي أدى إلى تنافسها وتسابقها على كشف أي تصرف لأجهزة السلطة يستشف منه أنه يمثل انتهاكا لحقوق الإنسان.

لا نقصد من كلامنا التشكيك بالمنظمات غير الحكومية أو الزعم أن ملف حقوق الإنسان في مناطق الحكم الذاتي ناصع البياض، ولكننا نرى أن هناك قوى خارجية تلعب لعبة خطيرة توظف فيها البعض من السلطة والبعض من المنظمات غير الحكومية. هذه اللعبة الخطرة إن كان من ضمن أهدافها افتعال مواجهة ما بين المجتمع المدني الفلسطيني والسلطة الفلسطينية بحيث ينشغل كل طرف بالأخر وينسى الجميع العدو المشترك الذي ليس فقط المنتهك الرئيس لحقوق الإنسان الفلسطيني بل أيضاً محتل الأرض ومدنس المقدسات. و ليس هذا هو الهدف الوحيد بل هناك هدف لا يقل خطورة يتمثل في خلق فجوة كبيرة ما بين النخبة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وإفراغ المجتمع الفلسطيني وحركته الوطنية من الفعاليات النشطة والنابغة إما بإدماجهم في السلطة ومنحهم مواقع ورواتب متميزة أو باستقطابهم في منظمات غير حكومية حقوقية أو غير حقوقية وفي مراكز بحوث ودراسات تنبت كل يوم وكأن القضية الفلسطينية غامضة لا يعرف فيها الحق من الباطل وبالتالي تحتاج إلى مراكز بحث ودراسة!

ودون التشكيك بذوي النوايا الحسنة من الجانبين، نقول إن عملية إفساد وارتشاء كبيرة تجري للنخبة الفلسطينية لتنشغل هذه الأخيرة بمصالحها المادية وامتيازاتها ولتدخل في مواجهة مع بعضها البعض على اقتسام كعكة المنح والمساعدات الأجنبية وللاستغلال البشع لما تبقى من رصيد ثوري لبيعه للولايات المتحدة وإسرائيل أو لهذا النظام العربي أو ذاك بهدف الاغتناء السريع، بينما غالبية الشعب الفلسطيني تتضور جوعاً والعدو يستوطن مزيداً من الأرض ويفرض مزيداً من سياسية الأمر الواقع.

إن معالم نجاح هذا المخطط أصبحت جلية ذلك أن كل زائر لمناطق الحكم الذاتي يلمس انقسام المجتمع الفلسطيني إلى نخبة ـ أقلية ـ مرفهة من جهة، وغالبية الشعب حيث الفقر والبطالة التي تقدر نسبتها بأربعين بالمائة من جهة أخرى. لقد أدى هذا إلى إخراج عدد كبير من المثقفين والنشطين سياسياً من ساحة العمل الشعبي والوطني، إما بانكفاء واغتراب بعضهم داخل الوطن نتيجة إصابتهم بالإحباط، وإما بتحول البعض إلى نخبة مرفهة تتعارض مصالحها مع أي توجه نضالي ضد العدو، نخبة مصلحتها في إبقاء الأمور على حالها وكبح أي تحركات احتجاجية أو نضالية، كما أدى هذا الوضع بالمقابل إلى تحويل الجماهير الشعبية إلى جموع جائعة ومحبطة واقعة ما بين مطرقة الاحتلال وسندان الفقر والجوع. ولكن لعلاقة السلطة بالمعارضة و بالمجتمع المدني وجه أخر يرتبط بخصوصية القضية الفلسطينية، حيث أن البعدين القومي والديني للقضية يفرضان إيجاد نوع من التعاون ما بين الفلسطينيين ـ سلطة ومجتمع مدني ـ والعالميٍنٍ العربي والإسلامي، فكيف يمكن أن نتحدث عن البعد القومي والمسؤولية العربية دون تنسيق ما بين التنظيمات الفلسطينية ذات الخطاب القومي وأنظمة عربية ترفع شعارات القومية أو تبدي استعدادها لمساعدة الفلسطينيين من منطلق الحس القومي؟ وكيف يمكن الحديث عن البعد الإسلامي والمسؤولية الإسلامية دون تنسيق مع الدول والمنظمات الإسلامية وقبول دعمها المادي والمعنوي؟ بالإضافة إلى أن تردي الأوضاع الاقتصادية لمناطق الحكم الذاتي وسياسة الأرض المحروقة التي تمارسها إسرائيل تجعل قدرة المجتمع المدني الفلسطيني على النهوض اعتماداً على قدراته الذاتية أمراً صعباً.

إنه لأمر شائك ومعقد ولا شك أن تتحدث السلطة الفلسطينية عن المسؤولية القومية والإسلامية والدولية وفي نفس الوقت تطلب من المعارضة ومن مؤسسات المجتمع المدني الالتزام بما وقعت السلطة من اتفاقات مع إسرائيل وواقع حال هذه الاتفاقات يتناقض كليا مع الأبعاد الثلاثة المشار إليها، بل إن إسرائيل تبذل كل جهدها لفصل القضية الفلسطينية عن محيطها العربي والإسلامي وإسقاط أي بعد دولي لها، ولكن في نفس الوقت يمكن التساؤل هل الداعمون والممولون لقوى المعارضة الفلسطينية بما فيها مؤسسات المجتمع المدني، من العرب والمسلمين يتوفرون على نوايا صادقة في تصرفهم أم إنهم مدفوعون بأغراض سياسية خاصة بهم؟.

لا غرو أن تمارس السلطة الفلسطينية حقوقها السلطوية على المجتمع الفلسطيني لأن لا دولة أو كيان سياسيي ولا سلطة دون تسلط(22)، ولكن عليها في نفس الوقت أن تقوم بما يمليه عليها واجبها كوريثة لحركة التحرر الوطني وكمشروع لدولة ديمقراطية عصرية، وذلك بأن تحترم إنسانية وكرامة المواطن الفلسطيني وأن تعطي الأولوية لتحقيق الاستقلال الفلسطيني على الخضوع لابتزاز الكيان الصهيوني، ومن جهة أخرى على العاملين في مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية منها أن يضعوا نصب أعينهم المصلحة الوطنية لا ما تطلبه منهم الجهات الأجنبية الممولة. فهذه الأخيرة لا تهدف بالضرورة لخدمة المصلحة الوطنية أو الاهتمام بالوضع الحقوقي في مناطق الحكم الذاتي من منطلق الغيرة على الإنسان الفلسطيني، بل لأهداف أخرى، كما أن على هذه المنظمات أن لا تنسى أن الانتهاك الرئيس لحقوق الفلسطينيين لا يأت من السلطة الفلسطينية بل من إسرائيل، الأمر الذي يعيدنا إلى نقطة البدء بالتذكير أن فلسطين لم تستقل بعد، الأمر الذي يتطلب بدوره إيجاد صيغة لتوحيد جهود المجتمع المدني والسلطة لمواجهة العدو المشترك دون تجاهل حقوق الإنسان الفلسطيني داخل مناطق الحكم الذاتي لأنه عندما تُنتهك حقوق الإنسان وتُصادر حريته داخل وطنه وعلى يد مواطنيه لا يستطيع أن يطالب بحقوقه وحريته في مواجهة الآخرين.

انتفاضة الأقصى تكشف هشاشة السلطة وهشاشة المجتمع المدني

فيما كان السلطة والمعارضة ومؤسسات المجتمع المدني تتصارع على السلطة وامتيازاتها وفيما كان كل طرف يكيل الاتهامات للآخر محاولاً تسجيل نقطة لصالحة، متناسين العدو المشترك وكون الشعب الفلسطيني ما زال تحت الاحتلال، جاءت انتفاضة الأقصى بكل ما لها وعليها، لتكشف ليس فقط مأزق السلطة ومراهناتها المريحة على وعود السلام الأمريكي، بل وتكشف أيضا هشاشة ومأزق المجتمع المدني وقوى المعارضة السياسية. لقد أظهرت الانتفاضة كم هي بعيدة الهوة ما بين الشعب ونخبته السياسية، كشفت أن السلطة لا تستطيع أن تحمي الشعب من التسلط الصهيوني وأن المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني قوتهما تكمن في حناجرهم وتطرف شعاراتهم ومواقفهم اللفظية أكثر مما تكمن في قوة فعلهم في الواقع. لقد كشفت الانتفاضة أن النخبة السياسية الفلسطينية ليست في مستوى الحدث وخطورة المرحلة، حيث أربكت الانتفاضة الطرفين وجعلتهما يلهثان وراء الحدث، إما خوفاً من الانتفاضة على مصالحهم وسياساتهم أو لمحاولة ركوب الموجة وتجيير الانتفاضة كل لمصلحته. وتساءل الناس أين أجهزة السلطة ومؤسساتها؟ وتساءلوا أين مؤسسات المجتمع المدني التي كانت تملأ الدنيا زعيقاً عندما يمس مواطن بأذى من السلطة، فيما هي اليوم صامتة والعدو يقتل ويجوع ويشرد الشعب؟ أين قوى المعارضة الفلسطينية التي كانت تهدد السلطة والكيان الصهيوني؟ وماذا تفعل بعد أربعة أشهر من الانتفاضة؟.

لقد كشفت الانتفاضة أن السلطة والمعارضة ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني لم يكونوا واضعين ضمن اجندتهم عودة المواجهة العنيفة مع العدو، ومن يزعم منهم أنه كان يعرف أن الأمور ستصل إلى هذه المرحلة، فإن ممارسته في الواقع لا تدل على استعداده لتحمل استحقاقات المرحلة. انتفاضة الأقصى تؤكد مجدداً ضرورة إعادة النظر في العلاقة ما بين السلطة والمجتمع المدني، وتأسيس هذه العلاقة ليس على قاعدة أننا نعيش مرحلة الاستقلال الوطني بل على قاعدة أننا ما زلنا في أوج مرحلة التصادم والصراع مع العدو، وأن خطاب السلام الذي خلق حالة استرخاء عند قطاع كبير من الشعب هو خطاب زائف، والعدو لا يمكنه أن يقدم لنا دولة على طبق من الفضة. الانتفاضة أبانت أن آفاق حل الصراع مع العدو ما زالت بعيدة وأن الذي تغير ليس طبيعة الصراع بل أدواته، مما يحتم أن تبحث السلطة عن الشعب ليحميها وتحميه وأن تبحث معناه أن تعيد الاعتبار لمؤسسات المجتمع المدني، ليس كشيء معارض للسلطة بل كشيء رافد لها ومكمل كما كان عليه الحال في مرحلة الثورة. وفي نفس الوقت لا يجوز للمعارضة ولمؤسسات المجتمع المدني التي تدور في فلكها أن تزعم أنها أفضل حالاً من السلطة. ويجب أن لا يتبادر لذهن أحد أننا نقصد إلحاق المجتمع المدني بالسلطة بحالتها الراهنة، بل المقصود إعادة النظر في طبيعة العلاقة بينهما وفي بنية وبرامج وأولويات كل منهما في نفس الوقت. كانت الانتفاضة اختباراً للطرفين وللأسف أثبت الاختبار أنهما ليسا في مستوى عظمة الشعب وعدالة القضية.

الخاتمة
ليس المقصود مما سبق تجاهل التغيرات التي حدثت منذ توقيع اتفاقات أوسلو، سواء لجهة وجود سلطة وطنية فلسطينية يجب أن تُحترم ويُحافظ عليها مع نقد ممارساتها، أو من جهة وجود مؤسسات مجتمع مدني اكتسبت نضج ووعي ديمقراطي ووضع مؤسساتي بكل ما بها من ثغرات، إن وضعاً جديداً فرض نفسه منذ أوسلو وإن كان به كثير من السلبيات، فإيجابياته لا تخفى وأهمها النضج الفكري والثقافي عند المجتمع الفلسطيني وانتشار قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والقدرة على التنظيم وخلق مؤسسات مدنية وسياسية. المأزق الذي تمر به القضية اليوم تتحمل مسئوليته السلطة والمعارضة ومؤسسات المجتمع المدني، والخروج من المأزق يجب أن يكون بجهد مشترك من الجميع.

المجتمع المدني الفلسطيني أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها والسلطة الفلسطينية أصبحت حقيقة لا يمكن تجاهلها، وحيث أن أحدهما لا يستطيع إقصاء الآخر ولا يجب عليه فعل ذلك، فالحل هو ميثاق شرف وطني يحدد الثوابت التي لا يجوز الاختلاف عليها ونقاط الاختلاف التي يمكن تعدد الاجتهاد بشأنها، وأهم الثوابت التي يجب الإجماع عليها هو وجود عدو مشترك، والديمقراطية كنظام للحكم والممارسة السياسية والحرية كفضاء يتيح للجميع التعبير عن رأيه دون عائق.

نخلص مما سبق إلى وجود قاسم مشترك ما بين الإرهاصات الأولى لتأسيس المجتمع المدني العربي قبل الاستقلال، وسيرورة تشكل المجتمع المدني الفلسطيني، فكلاهما ولد في رحم حركة التحرير الوطنية وكلاهما كان يناضل ضد الاستعمار ويسبق المصلحة الوطنية على المصلحة الفئوية أو الاقتصادية. ولكن ما يفرقهما أنه في الحالة الأولى أنتقل المجتمع من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال مباشرة، أما في الحالة الفلسطينية فما بين الاحتلال والاستقلال جاءت مرحلة الحكم الذاتي المحدود وهي مرحلة ضبابية على كل المستويات، فلا السلطة الفلسطينية سلطة سياسية بمعنى الكلمة ولا المجتمع المدني مجتمع مدني بمعنى الكلمة، وهذا ما يعطي للتجربة الفلسطينية الخصوصية المشار إليها.

الهوامش

1 ـ ومن هؤلاء وحيد عبد المجيد الذي يقول: “ليس ثمة غير نموذج واحد للديمقراطية في عالم اليوم يجد أسسه النظرية والتجريبية في الديمقراطيات الغربية الليبرالية”. وحيد عبد المجيد، الديمقراطية في الوطن العربي، المستقبل العربي، عدد 138 أغسطس 90 ص82.

2 ـ تعزز شواهد متعددة تخوفات الرافضين للقول بالخصوصية، حيث باسم الخصوصية الدينية أو القومية أو الثورية، صودرت حريات الناس واعتُقل الأحرار ودعاة الديمقراطية، وباسم الخصوصية خضعت المجتمعات العربية ولعقود لأنظمة مستبدة، استبداداً تقليدياً أو ثورياً أو استبداداً دينياً، ولكن ذلك لا ينفي علمياً وجود خصوصيات ثقافية والمفكر الأمريكي صمويل هنتنغتون أشار إلى ذلك في كتابه صراع الحضارات، والمدير العام السابق لليونسكو أشار إلى تعدد المداخل للديمقراطية انطلاقا من تعدد الثقافات.

3 ـ -B.Bertrand ,Socilogie politique (paris:presses universitaies de France ;1997) p.105 ولمزيد من التفاصيل حول تعريف المجتمع المدني وتاريخه واهم الاجتهادات العربية في شأنه: المجتمع المدني في الوطن العربي، ندوة نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت:1992.

4 ـ لا يتفق المختصون حول موقع الأحزاب السياسية، هل هي من المجتمع المدني أم من المجتمع السياسي. فكثير منهم لا يعتبرون الأحزاب من مشتملات المجتمع المدني.والموضوع هو محل نقاش، ذلك أن الأحزاب السياسية هي الأكثر فعالية و تنظيماً للمجتمع والأكثر تعبيراً عن مطالبه في مواجهة السلطة، ما دام الحزب خارج السلطة، ونلمس هذا الدور جلياً في الدول حديثة العهد بالديمقراطية والتحديث السياسي، حيث تكون الأحزاب أكثر تنظيمات المجتمع المدني فعالية بل هي المؤسسة في كثير من الأحيان لمؤسسات المجتمع المدني الأخرى كالنقابات والجمعيات والنوادي الخ. وكون الأحزاب تتناوب على السلطة أو تسعى لها لا يمنع من القول بأهميتها كمكون من مكونات المجتمع المدني، فحيث أنها تعرف أن وجودها في السلطة أمر مؤقت يجعلها لا تقطع مع المجتمع المدني بل تحافظ على وجودها فيه إن لم يكن من خلال القواعد الحزبية فمن خلال نقابات وجمعيات تابعة لها.

5 ـ حتى دون الحاجة إلى وضع كلمة مستقلة الملحقة بكلمة مؤسسات المجتمع المدني العربي بين قوسين، فعلى القارئ أن يأخذ بعين الاعتبار أن ثقل وطأة الدولة العربية وتغلغلها في شرايين المجتمع وحضورها القوي بدأ من الأسرة إلى المدرسة إلى الحزب والنقابة والمسجد والجامعة وارتباط مصدر رزق الناس بالدولة، يجعل الحديث عن استقلالية المجتمع المدني عن الدولة بالمفهوم المتعارف عليه في الغرب أمرا مشكوكا فيه.

6 ـ برهان غليون، المجتمع المدني في الوطن العربي، مرجع سابق ص 734.

7 ـ المصدر نفسه

8 ـ محمد عابد الجابري، إشكالية الديمقراطية والمجتمع المدني في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، عدد 167، يناير 1993. في اتجاه مخالف يذهب وحيد عبد المجيد الذي يفصل ما بين الديمقراطية والمجتمع المدني، فإذا كانت الديمقراطية تتصف بالعالمية فالمجتمع المدني له صفة الخصوصية، ويقول في ذلك:-(إن فكرة المجتمع المدني في الغرب لا مجال لها لدينا، نحن في مجتمع، القيم الدينية فيه قيم جوهرية ولا يمكن بأي حال القفز فوقها أو تحييدها كما هو الحال في المجتمع المدني الغربي، فنحن نتحدث عن المجتمع المدني بشكل تقريبي، أو نأخذ بعض جوانبه، على عكس الحال في النموذج التعددي وآلياته التي تتسم بأن لها طبيعة إنسانية عامة وقابلة للوجود في أي مجتمع، وبالتالي فعندما نتحدث عن قضية الديمقراطية في المجتمع نميزها عن قضية المجتمع المدني ). وحيد عبد المجيد مرجع سابق، ص:118

9 ـ محمد عابد الجابري، المسألة الديمقراطية والأوضاع الراهنة في الوطن العربي، مجلة المستقبل العربي، عدد:157، ص:4.

10 ـ الطاهر لبيب، هل الديمقراطية مطلب اجتماعي ؟ ندوة بيروت. ص 357.

11 ـ وجود سلطة وطنية فلسطينية في مناطق الحكم الذاتي منذ 1994 لا يعني أن هذه السلطة سلطة سياسية بمعنى الكلمة ‘فهي سلطة حكم ذاتي محدود ومقيدة بشروط مفروضة بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل بمعنى انها حتى الان ليست سلطة ذات سيادة على الارض كما انها مقيدة في علاقاتها الخارجية.

12 ـ رغبة من سلطة الانتداب البريطاني بضرب الحركة الوطنية الفلسطينية ومؤسسات المجتمع المدني من نقابات وأحزاب، لجأت إلى خلق أحزاب ونقابات تابعة لها تدخل في مواجهة مع الحركة الوطنية، إلا أن الحس الوطني كان يجهض مثل هذه المحاولات، وهو نفس الأمر الذي قامت به السلطات الصهيونية في الضفة الغربية وقطاع غزة ما بعد 1967.

13 ـ للتعرف على الحياة السياسية والاجتماعية في فلسطين في تلك الفترة يمكن الرجوع إلى:-

-شفيق ارشيدات، فلسطين:تاريخا وعبرة ومصيرا، القاهرة:المؤسسة المصرية العامة للتأليف والنشر، 1968.

-محمد عزة دروزة، القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها:تاريخ وتذكرات وتعليقات، بيروت:المكتبة العصرية، 1960.

-اكرم ازعيتر وثائق الحركة الوطنية الفلسطينية:1918-1939، بيروت مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1984.

-عبد الوهاب الكيالي، الموجز في تاريخ فلسطين الحديث، بيروت:المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1973.

-كامل محمود خلة، فلسطين والانتداب البريطاني، مركز الأبحاث الفلسطيني، بيروت، 1974.

14 ـ حول وضع الفلسطينيين في تلك الفترة يمكن الرجوع الى:-

-حليم بركات وبيتر ضود، النازحون:اقتلاع ونفي، دراسة اجتماعية علمية، بيروت:مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1968.

-شفيق الحوت، الفلسطيني بين التيه والدولة، بيروت:1977.

-صلاح خلف ( أبو اياد )، فلسطيني بلا هوية، الكويت:شركة كاظمة للنشر والترجمة والتوزيع، -د.ت -.

روز ماري صايغ، الفلاحون الفلسطينيون من الاقتلاع الى الثورة، ترجمة خالد عايد، بيروت:مؤسسة الابحاث العربية، 1980.

15 ـ نصت المادة الثامنة من الميثاق الوطني الفلسطيني على أن: -( المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين ولذلك فان التناقضات بين القوى الوطنية الفلسطينية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي فيما بين الصهيونية والاستعمار من جهة وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية، وعلى هذا الأساس فان الجماهير الفلسطينية سواء من كان منها في ارض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفراد جبهة وطنية واحدة لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح).

16 ـ أوجدت اتفاقية أوسلو انقساما حادا داخل الشعب الفلسطيني حيث عارضها قطاع كبير من الشعب وخصوصا المنظمات ذات التوجه الإسلامي، والتخبط الذي يسود ممارسة السلطة الفلسطينية لمهامها وتهرب إسرائيل من التزاماتها، يزيد من شدة الانقسام داخل المجتمع الفلسطيني.

17 ـ شن الكيان الصهيوني حملة شعواء ضد مؤسسات المجتمع المدني والتي يعتبرها البنية التحتية التي تدعم المنظمات المعارضة للتسوية، وطالب السلطة الفلسطينية بتحطيم هذه المؤسسات أو وضعها تحت سيطرة السلطة بما في ذلك المساجد والجمعيات الخيرية ودور الشباب.

18 ـ في محاولة من السلطات الإسرائيلية لضرب الحركة الوطنية والتنظيمات السياسية الفلسطينية، كانت تلجأ إلى تعزيز النعرات العشائرية والعائلية وتقيم صلة مباشرة مع زعماء العشائر وأرباب الأسر الكبيرة، وكثير من الأمور كانت تُحل عن طريق هؤلاء الأخيرين، وعند مجيء السلطة الفلسطينية وبدلا من تفعيل المجتمع المدني على أسس حديثة، سارت على النهج القديم بل أقامت إدارة ترقى إلى درجة وزارة مختصة بالعشائر والقبائل، كما اصبح للعشائر والأسر الكبيرة نصيب عند توزيع المناصب والامتيازات.

19 ـ صدر في بيروت عن مركز دراسات الوحدة العربية كتاب يحمل عنوان ( ديمقراطية دون ديمقراطيين )، وهو عمل جماعي شارك فيه و قدم له غسان سلامة، وتقوم فكرته الأساسية على أن الديمقراطيات في الدول العربية فرضتها إما اعتبارات خارجية أو توازن المصالح وتقسيم الغنائم ما بين القوى السياسية داخل البلد دون أن تكون النخبة السياسية بالضرورة ديمقراطية أو تؤمن بالديمقراطية، فالمصلحة هي الدافع للأخذ بآليات العمل الديمقراطي.في الحالة الفلسطينية يختلف الأمر حيث يوجد ديمقراطيون إلا أن استحقاقات داخلية وخارجية تمنع من تأسيس دولة ديمقراطية.

20 ـ في السنوات الأخيرة أصبح العالم يشهد ظاهرة جديدة وهي أن بعض الأهداف التي يدافع عنها المجتمع المدني، أصبحت قيما وأهدافا عالمية تستدعي تدخل دولي وقد يكون عسكريا أحيانا، وخصوصا ما يتعلق بحقوق الإنسان، الأمر الذي فرض بفعل الواقع إعادة النظر بالمفهوم الوطني الخالص للقضايا التي يدافع عنها المجتمع المدني وخصوصا في دول العالم الثالث.

21 ـ دلالة على الأهمية الدولية التي أصبحت لمؤسسات المجتمع المدني ودورها الفعال في تعزيز الديمقراطية، وما يؤكد تداخل عمل مؤسسات المجتمع المدني مع المنظمات غير الحكومية، وبدعم من الأمم المتحدة وبحضور كوفي عنان، عقد في مونريال بكندا، منتصف ديسمبر 1999، المؤتمر العالمي الأول لجمعيات المجتمع المدني، وحضر المؤتمر 350 مندوب يمثلون المنظمات الغير حكومية في العالم.

22 ـ يقول ابن خلدون في ذلك:-(إن الآدميين بالطبيعة الإنسانية يحتاجون في كل اجتماع إلى وازع وحاكم يزع بعضهم عن بعض، فلا بد أن يكون متغلب عليهم وإلا لا تتم قدرته ).ويقول جورج باللاندييه عن السلطة في كتابه “الانتربولوجيا السياسية “، انه لا يوجد أي مجتمع تحترم فيه القواعد تلقائيا، ومن هنا فإن وظيفة السلطة هي الدفاع عن المجتمع ضد نقائصه الداخلية وضد التهديدات الخارجية أيضا.

رابط مختصر
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق