غصن زيتون أبومازن وغصن زيتون أبوعمار

10 يناير 2017آخر تحديث :
غصن زيتون أبومازن وغصن زيتون أبوعمار

كان خطاب الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 28 سبتمبر المنصرم، خطابا سياسيا شاملا عبر من خلاله عن الموقف الفلسطيني الثابت حول القضبة الوطنية وهو الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس وحل عادل لقضية الاجئين ،وكان الرئيس واضحا في رفضه وتنديده للممارسات الإسرائيلية المعيقة للسلام ،ولم يخل خطاب الرئيس من تفاؤل بأن يتحقق السلام خلال أشهر وأن يكون مؤتمر الخريف الموعود محطة مهمة لتحقيق هذا السلام .
إلا أن ما لفت انتباهنا هو استحضار الرئيس أبو مازن للرئيس الراحل أبو عمار من خلال حديثه عن التمسك بغصن الزيتون الذي رفعه الراحل العظيم في خطاب له في الجمعية العامة قبل 33 سنة .ولكن الظروف ليست هي الظروف ولا الزمان هو الزمان ،كما أن غصن زيتون أبو عمار كان نصف الرسالة التي حملها للمجتمع الدولي أما النصف الآخر فهو البندقية ،حيث قال (جئتكم أحمل غصن الزيتون بيد والبندقية بيد ،فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي ) وكانت كلمته تتضمن شيئا من التهديد بأن سقوط الغصن الأخضر يعني المراهنة على ما تحمله اليد الأخرى وهي البندقية ،وبالفعل الإسرائيلون وعدم حزم الموقف الدولي تجاهها أسقط غصن الزيتون بعد أكثر من ثلاثين سنة من المراهنة ،وأضطر أبو عمار للعودة للعمل العسكري وكان شهيد التمسك ليس فقط بالبندقية بل بخيار السلام أيضا ولكنه السلام الذي لا يفرط بالحقوق والثوابت .
كانت قوة موقف الرئيس ابو عمار آنذاك مستمدة من مصادر متعددة :مستمدة من قوة الموقف الدولي الداعم لحركة المقاومة الفلسطينية ،حيث كان الأتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي وحركة التحرر العالمية في حالة تألق وحضور فاعل في الساحة الدولية وحيث حصدت القضية الفلسطينية في الفترة ما بين 1967 و 1974 أكبر عدد من قرارات الشرعية الدولية الداعمة لحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره ،ومستمدة من قوة الموقف العربي الرسمي والشعبي بعد حرب أكتوبر وهي الحرب الوحيدة التي لم تنهزم بها الجيوش العربية ،ومستمدة من قوة حركة المقاومة الفلسطينية حيث كانت العمليات الفدائية متواصلة سواء داخل إسرائيل أو عبر الحدود العربية أو بالخارج وهي عمليات إن لم تكن مهددة لوجود إسرائيل إلا أنها كانت محرجة لها ،وكانت المنجزات السياسية لهذه العمليات أكبر من منجزاتها العسكرية .إلا أن اهم أوراق القوة التي أوصلت الرئيس أبو عمار للأمم المتحدة هي وحدة الموقف الفلسطيني في إطار منظمة التحرير الفلسطينية وما انتجت من حالة شعبية عربية ودولية مؤيدة للفلسطينيين ،وهو الأمر الذي جعل من ابو عمار ناطقا باسم كل الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج بل بشكل ما باسم الفوى التحررية العربية ،دون أن ننسى بطبيعة الحال البرنامج المرحلي لمنظمة التحرير- برنامج النقاط العشر ة- الذي تم تبنيه في نفس العام والذي تضمن تحولا ما نحو الاستعداد للحلول الوسط.
الرئيس أبو مازن ذهب للأمم المتحدة بغصن زيتون بيد وغصن زيتون بيد أخرى مع درجة عالية من التفاؤل بعد أسابيع من التشكيك بالمؤتمر والتردد بحضوره،فهل يعتقد الرئيس أبو مازن بأنه سيحقق بغصن الزيتون ما عجز عن تحقيقه سلفه بتحالف غصن الزيتون والبندقية ؟أم أنه الخوف من شيء ما يُعد للفلسطينيين والمنطقة وبالتالي يريد من خلال المشاركة بمؤتمر الخريف الملتبس إفشال ما يحاك للشعب الفلسطيني أو على الأقل تقليل الأضرار المتوقعة ؟أم أن الرئيس يعتقد أن المؤتمر لن يُعقد في موعده وبالتالي لا داع للرفض حتى لا يتم تحميل الفلسطينيين مسؤولية فشل عقده؟ ولماذا أسقط الرئيس الشطر الثاني من شعار الرئيس ابو عمار ، البندقية؟.

مؤشرات ووقائع عديدة لا تعزز نهج المتفائلين بنجاح المؤتمر في التوصل لحل جذري للصراع ،مؤشرات إسرائيلية كالتصريحات المتوالية من اعلى المستويات تقول بعدم التفاؤل بان المؤتمر سيحل كل القضايا العالقة ،وعدم وضوح الموقف الإسرائيلي من هدف المؤتمر واساس التفاوض والقضايا التي سيتم طرحها ،بالإضافة لتصريح رئيس الوزراء أولمرت بأن الحل النهائي قد يحتاج لعقود – الرئيس أبو مازن يتحدث عن اشهر – ونفس الأمر بالنسبة للتصريحات الامريكي فبإستثناء الحديث المتكرر والمبهم عن حل الدولتين ،لا يوجد أي موقف أمريكي واضح ومحدد عن جدول اعمال المؤتمر والتصور للحل النهائي ،وعندما تقول الإدارة الامريكية بانها تترك مشروع التسوية لاتفاق للفلسطينيين والإسرائيليين دون تدخل خارجي ،فإنها في حقيقة الأمر تعطي الضوء الأخضر لإسرائيل لتفرض على الفلسطينين صيغة تسوية مستمدة من واقع موازين القوى بين الطرفين ،والأخطر من ذلك فإنها تطلق رصاصة الرحمة على المرجعية الدولية وحتى على الاتفاقات الموقعة أيضا على المبادرة العربية للسلام ،وليست التصريحات الصادرة عن الرباعية بأفضل حالا .أما بالنسبة للوقائع على الارض فهي أكثر من أن تحصى، فالعدوان الإسرائيلي متواصل على الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة ،سواء أخذ شكل الاقتحامات والتوغلات اليومية أو الاعتقالات والقتل أو مصادرة الأراضي وتوسيع الاستيطان ،أو تعزيز حالة الفصل بين الضفة وغزة ،والوقائع على المستوى الإقليمي والدولي لا تعمل بالمطلق كحالة ضاغطة على إسرائيل لدفعها للقبول بتسوية عادلة حتى في حدود عدالة الشرعية الدولية العرجاء .
إن كانت كل المؤشرات والوقائع لا تصب في صالح معسكر المتفائلين ،يبقى الاحتمال الثاني وهو أن الرئيس يدرك هذه الحقائق ولكنه يستشعر أو يعلم بان أحداثا خطيرة قادمة في المنطقة وسيطال الفلسطينيين كثير من عواقبها الوخيمة ،ولذا أرتأى أن من المفيد التاكيد على نهج السلام والتسوية وسد الذرائع الإسرائيلية التي تقول بأن الفلسطينيين لا يريدون السلام أو أن مشاكلهم الداخلية تجعلهم غير مهيئين السلام ،والاحتمال الثالث هو شك الرئيس بعقد المؤتمر أصلا ،حيث قد تجري الاحداث الخطيرة قبل الموعد المنشود للمؤتمر .في جميع الاحتمالات ليس من الخطأ الاستعداد للمؤتمر وكأنه سيعقد غدا ما دام الموقف الرسمي الفلسطيني متمسكا بالثوابت ،وما دام لا يوجد هناك طبخات سياسية تجري من وراء ظهورنا ،ونتمنى ألا تكون .
والسؤال هو ،إن كانت كل المؤشرات والوقائع وخصوصا من الجانب الإسرائيلي لا تبشر بقرب التسوية العادلة أو باستعداد إسرائيل للتسوية ،فلماذا رفع الرئيس أبو مازن في الأمم المتحدة غصن الزيتون بدون البندقية ؟أليست المواقف الإسرائيلية تعزز دعوات القائلين بأن المقاومة المسلحة هي الرد الوحيد والمناسب لمواجهة هذا التعنت الإسرائيلي؟.
لا أزعم معرفة كيف يفكر الرئيس أبو مازن ،ولكن يمكن القول بأن للرئيس أبو مازن، وحتى قبل أن يصبح رئيسا، موقفا من حالة المقاومة المسلحة الراهنة في فلسطين ومن ارتباطاتها الخارجية مع االقوى التي تتبنى ذات المنهج ،وهو أن الظروف الإقليمية والدولية وطبيعة موازين القوى بين الفلسطينيين والإسرائيليين لا تسمح بممارسة مقاومة مسلحة تحقق النصر على الإسرائيلين أو حتى أن تكون عاملا مساعدا للعمل السياسي .وجاءت الأحداث الاخيرة في قطاع غزة وما سبقها من تشرذم حركة المقاومة وغياب التنسيق بينها وتحوّل كثير منها لجماعات مسلحة لا تحمل من المقاومة الحقيقية إلا الاسم ،بالإضافة لدخول مؤثرات خارجية على حركات المقاومة ،بل إرتباط بعضها بأجندة خارجية … جاءت كل هذه الأحداث لتجعل الحديث عن المقاومة في الأمم المتحدة وفي ظل تعقيدات الموقف الدولي أمرا لا يخدم القضية الفلسطينية بل يعقدها .
هذا لا يعني بطبيعة الحال المس بالحق بالمقاومة من حيث المبدا – حق المقاومة حق مقدس لا يجوز ولا يحق لأحد أن يتخلى عنه- أو تجاهل أهمية المقاومة السلمية والمدنية بكل أشكالها ،بل يعني أن طبيعة المرحلة وواقع الجماعات المسلحة في فلسطين واستمرار المراهنة على العملية السلمية هو الذي يجعل التلويح بالمقاومة المسلحة في هذا الوقت أمرا غير مفيد .وفي النهاية نتمنى أن يجد هذا الموقف للرئيس أبو مازن ومراهنته المطلقة على الحل السلمي ،آذانا صاغية من إسرائيل وواشنطن والمنتظم الدولي ،وألا يكون مصير غصن زيتونه نفس مصير غصن زيتون أبو عمار ،وإلا لن يبق الفلسطينيون طويلا يرفعون غصن الزيتون فيما الأرض تُنهب منهم شبرا شبرا والشباب يُقتلون واحدا بعد الآخر وحياتهم تتحول لجحيم بسبب الاحتلال ،إن لم يُكتب النجاح لهذا المؤتمر بما يُعيد للفلسطينيين حقوقهم كاملة غير منقوصة ،فعلى الفلسطينيين رد الاعتبار لخيار المقاومة المسلحة ولكن ضمن نظام سياسي جديد واستراتيجية وطنية للمقاومة،إن لم تكن للتحرير فعلى الأقل لرد الكرامة .

10-10-2007

الاخبار العاجلة
هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط "الكوكيز" لمنحك أفضل تجربة ممكنة.
موافق