مقتطفات
الرئيسية / التراث الشعبي الفلسطيني / المواسم الشعبية الفلسطينية

المواسم الشعبية الفلسطينية

ابتدع القائد صلاح الدين الأيوبي لأول مرة في تاريخ فلسطين ظاهرة “المواسم” الدينية موزعاً إياها توزيعاً جغرافياً، في زمن محدد يقع بين أواخر شهر آذار (مارس) وحتى نهاية شهر نيسان (إبريل) من كل عام؛ فجعل لكل مدينة رئيسية موسماً خاصاً بها يجمع أبناءها وأبناء من حولها من القرى؛ بحيث تُغطي هذه المواسم أرض فلسطين بكاملها في زمن محدد يقع بين أواخر شهر مارس وحتى نهاية شهر أبريل من كل عام، وهي فترة قدوم الفرنجة المسيحيين من خارج فلسطين لزيارة الأماكن المقدسة؛ لكي يجدوا البلاد في حالة استنفار كامل بكل قواهم يتبارون ويتبارز  فرسانهم في هذا الموسم، حتى إذا ما فكر الفرنجة في استغلال زيارتهم للعدوان، هب المحتفلون بالمواسم ضدهم، وتلك كانت الغاية العسكرية في ذهن صلاح الدين من هذه “المواسم”.

وكان “موسم النبي موسى” لمدينة القدس وما حولها بعد تحريرها عام 1187م؛ وموسم النبي صالح خاص بمدينة الرملة وقراها، أما موسم النبي روبين فكانت قاعدته مدينة يافا، في حين جعل لبدو النقب وشرق غزة “موسم المنطار” وخص مدينة غزة الفوقية بموسم خاص بها أطلق عليه “موسم دير الروم” يحتفل به أبناء غزة بالقرب من بابها الجنوبي “باب دير الروم” الذي يطلق عليه عامة الشعب “موسم الداروم” أو الدارون خاصة بعد أن ظفر بمدينة غزة وعسقلان ودير الروم (دير البلح) وفق اتفاقية صلح الرملة عام 1192م.

وكانت الاحتفالات في تلك المواسم تبدأ بالمناداة مباشرة بعد صلاة الجمعة، لتبدأ مواكب المحتفلين بالوصول من مختلف مناطق فلسطين إلى نقاط التجمع (التي كانت تسمى بالمقامات)، مع رفع الأعلام والرايات الإسلامية، وسط الأهازيج، وزغاريد النساء.

موسم النبي موسى:

يقع مقام النبي موسى، الذي أوجده صلاح الدين الأيوبي وأنشأ عليه الظاهر بيبرس سنة 668هـ/1269م البناء، إلى الجنوب من أريحا بـ 8 كم، ويبعد عن القدس 28 كم باتجاه الشرق، ويعتبر من أهم مقامات فلسطين؛ بسبب ضخامة أبنيته وتاريخه القديم، وشهرته الواسعة، ودوره في تاريخ فلسطين الحديث.

ويتجلى في هذا المقام فن العمارة الإسلامية في أروع صورها؛ فهو بناء ضخم من طابقين تعلوه قباب على النمط المملوكي، كما يحيط به سور له خمسة أبواب كلها مغلقة باستثناء الباب الغربي. وتبلغ مساحة سطح المقام داخل الأسوار حوالي أربعة دونمات ونصف (4500 متر مربع).  ويتوسط المقام فناء مكشوف مكون من ساحات ثلاثة، تبلغ مساحة أكبرها 330 مترًا مربعًا، وتوجد في وسطها بئر عميقة لجمع المياه، ولها بابان.  ويحيط عدد كبير من الغرف بالساحات، ويبلغ عددها حوالي 120 غرفة، إلى جانب مسجد صغير مساحته 250 مترًا مربعًا، تقابله مئذنة قصيرة من الشمال. والمسجد مقسوم إلى قسمين يفصل بينهما جدار عريض فيه شباك مفتوح، القسم الشرقي للرجال والغربي للنساء، ويضم مسجد الرجال محرابًا مزججًا ومنبرًا أخضر اللون، وعلى يمين مدخله الرئيسي مباشرة باب يقود إلى غرفة صغيرة تعلوها قبة في وسطها قبر مغطى بالقماش الأخضر؛ وتوجد في الجهة الشمالية الشرقية خارج السور مقبرة، وبجوار المقام إلى الجنوب الشرقي يقع مقام صغير هو مقام الست عائشة، وإلى الجنوب الغربي يقع مقام الراعي.

ولا يوجد لهذا المبنى أية علاقة تاريخية بالنبي موسى عليه السلام، إذ إن الثابت تاريخيًا أن النبي موسى قد توفي ودفن في التيه، ولم يحضر إلى فلسطين.

يبدأ موسم النبي موسى  قبل موعده المقرر (في الأسبوع الثالث من شهر نيسان) بأسبوع، وكانوا يسمونه “جمعة المناداة”؛ أي يوم الجمعة الذي يوجه النداء فيه إلى المواطنين استعدادا للنزول إلى مقام النبي موسى بجوار أريحا، ويتم النداء في القدس مباشرة بعد صلاة الجمعة من شهر نيسان، من قاعة المحكمة الشرعية في باب السلسلة، بحضور قاضي ومأمور أوقاف القدس الشريف والعلماء والوجهاء؛ وكان على جميع سكان القدس أن يجهزوا أنفسهم لاستقبال الضيوف ويتم الاستعداد لإحضار الطبول ودق الكاسات وإحضار البيارق، وكانت هناك عدة بيارق لآل الحسيني والعلمي والقزاز؛ ويمتاز بيرق كل عائلة بلون خاص، ويكتب عليه بعض الآيات القرآنية، ومنها اللون الأخضر ومكتوب عليه “لا إله الا الله”؛ أما الكاسات فهي تشبه الصحون المجّورة من النحاس يحملها دقاق الكاس ويضربهما ببعضهما البعض بنغمات موسيقية مع دق الطبل، بحيث تخرج نغمات متناسقة يتمايل على صوتها الموكب السائر وراء البيرق، ويضم عددًا من حملة البيارق، ويردد الموكب الأهازيج الدينية والوطنية، ويتوجهون نحو “دار البيرق” في البلدة القديمة في القدس؛ وكانت دار الحاج أمين الحسيني دارا للبيرق حتى خروجه عام 1937 إلى ساحة الحرم الشريف، وكانت النساء يشاركن في هذه المناسبة باطلاق الزغاريد تحية للجماهير أو يرششن ماء الورد أو الملبس على الموكب.  وتبقى مواكب القدس في ساحة الحرم؛ وتشارك وفود قرى القدس المجاورة في هذه التجمعات بإحضار البيارق ومنها: لفتا، والمالحة، وبيت صفافا، وقالونيا والقرى الشمالية: عناتا، وحزما، وجبع، والرام، وسلوان، وأبو ديس، والعيزرية.  وتبدأ الدلعونا والدبكات الشعبية والصحجات، ويدخل موكب الخليل ويردد: “نحنا الخلاليلة دوبنا لفينا، في صخرة الله والحرم صلينا”.

ويحضر وفد نابلس مثل باقي الوفود، ويتوقف في شرفة القدس، ويقابل بترحيب الجماهير التي تصطف لاستقبالهم وينشدون ويرددون: “نحنا ولاد جبل النار شوكة بحلق الاستعمار”.

بعد وصول وفدي نابلس والخليل في يومين مختلفين تبدأ بهجة موسم النبي موسى.  كانت عائلات القدس ومختلف الوفود تقضي طوال النهار في ساحة الحرم القدسي يحضرون فيها الطعام والشراب وتفترش الساحات الخضراء الكبيرة، ويحضرون معهم الكبة، والفلافل، والجبنبة؛ ويشترون “الكبدة واللية” من اللحامين والباعة المتجولين؛ ويوم الجمعة تكتمل الوفود وتبدأ بالتوجه نحو باب الأسباط للنزول إلى مقام النبي موسى.

جمعة البداية “جمعة النزلة” فبعد صلاة الجمعة كانوا يحضرون راية النبي موسى من بيت آل الحسيني الكائن غرب الحرم القدسي، ويسير الموكب بها في جمع عظيم من الناس يتقدمهم المفتي مع لفيف من العلماء والوجهاء، ويودع الناس هذا الموكب من على الشرفات والساحات والحدائق.

وعلى الطريق إلى المقام، تستقبل القرى الوفود بالترحاب والذبائح، وينضم بعض أهلها إلى زوار النبي موسى، وتتعاظم الحماسة كلما اقتربت الوفود من المقام المقدس، وقد كانوا في الماضي لا يكتفون بقرع الطبول والرقص بالسيوف والتروس؛ بل يطلقون الرصاص في الهواء في ذروة الحماسة والاحتفال. ولدى وصول الوفود كانت النساء تزغرد، ويبدأ الغناء والعزف وتقام حلقات الدبكات الشعبية.

كانت الأعمال الخاصة بهذا الموسم منظمة بصورة دقيقة؛ فقد كانت عائلتا الحسيني ويونس تتوليان الطبخ للزوار مرتين في اليوم؛ بينما كانت عائلة قليبو مكلفة بحمل الرايات؛ أما المؤذنون فمن عائلة “بزبزة” الذين يتولون أيضًا إضاءة المقام.

وفي هذا الموسم كانت تذبح الذبائح والنذور، ويختن الصبية، وتؤدى المراسم الدينية على اختلافها من موالد وصلوات وتقام الالعاب المختلفة كسباق الخيل ويتبارى الرجال بالسيوف والتروس وكان الأولاد يتجمعون حول القراقوز “المهرج” ليستمتعوا ببهلوانياته.

وبعد انقضاء أسبوع الزيارة؛ يختم هذا الموسم يوم “خميس الشيل” ويعود الناس إلى القدس في موكب احتفالي مثلما كان في البداية، ويعاد علم النبي موسى إلى آل الحسيني ليحتفظوا به حتى الموسم القادم، ويقضي الزوار العائدون ليلتهم في رحاب الاقصى في القدس، وبعد صلاة الجمعة في اليوم التالي يعودون إلى ديارهم.

وقد ظلت الشعائر والاحتفالات الدينية تقام في موقع مقام النبي موسى منذ التحرير الأيوبي للقدس رغم أن بريطانيا حاولت إلغاء هذه المناسبة؛ فقد كانت وفود القرى والمدن تتسابق وتتنافس في الوصول إلى القدس ثم الخروج إلى مقام النبي موسى والعودة منه.

بعد عام  1948م توقفت الاحتفالات مؤقتا بسبب ظروف الحرب العربية الإسرائيلية في ذلك الوقت، ثم عادت مرة أخرى في الخمسينيات وحتى حرب حزيران عام 1967، حين قامت سلطات الاحتلال الإسرائيلي بمنع هذه الاحتفالات الدينية الإسلامية، إلى أن تم توقيع “اتفاقية اوسلو” التي احتوت على بند خاص ينص على إعادة إقامة وتنظيم الاحتفالات في موقع النبي موسى.

فبعد قدوم السلطة الفلسطينية إلى منطقة أريحا عام 1994م؛ سمحت سلطات الاحتلال للفلسطينيين باستخدام ممر ضيق لموقع المقام.

ورغم الوجود العسكري الإسرائيلي المكثف في المناطق القريبة من المقام، والمعلنة إسرائيليا مناطق عسكرية ومناطق تدريب- تداعت مؤسسات أهلية ورسمية لأحياء موسم النبي موسى كما كان يحدث منذ تحرير القدس على يد صلاح الدين الأيوبي قبل 900 عام، ولكنها بقيت احتفالات متواضعة، لم تأخذ الطابع الوطني الجماهيري، ولم يكن فيها مواكب تأتى من المدن وتتجمع في القدس وتسير نحو موقع المقام؛ بسبب حصار القدس ومنع المواطنين الفلسطينيين من دخولها، ولم يكن المواطنون أياما في المقام كما كان يحدث سابقًا، ولكنه كان تعبيرًا رمزيًا عن التمسك بإحياء احتفالات النبي موسى.

موسم النبي الصالح في رام الله:

تضاربت الظنون حول مكان مقام النبي صالح؛ حيث قيل أنه في قرية النبي صالح في فلسطين؛ كما قيل أنه في مدينة الرملة الفلسطينية؛ إضافة إلى مناطق متعددة في المملكة العربية السعودية وغيرها. ويوجد مقام باسم “مقام النبي صالح” في قرية النبي صالح في رام الله؛ حيث أخذت القرية اسمها منه؛ إذ يُظن أن النبي صالح عليه السلام توفي في هذه القرية؛ لوجود قبر في داخل المقام.

ويقام في القرية موسم النبي صالح في كل عام ابتداء من عام 1996، إلا أن هذا التقليد السنوي توقف عام 2000 بسبب إجراءات الاحتلال وحصاره؛ حيث أقام الاحتلال على مدخل القرية حاجزًا قيد حركة الزوار.

وفي هذه الفعاليات كانت تشارك فرق غنائية وشعبية فلسطينية من فلسطين الداخل 1948 ومن الضفة الغربية وفنانون فلسطينيون وأردنيون ومسؤولون رفيعو المستوى، ودبلوماسيون؛ وكانت تقدم عروض مسرحية ووطنية وفكاهية، وكانت تقام أسواق في ساحات القرية تقدم الحلويات والأعمال الفنية وغيرها، وكانت تشرف وزارة الثقافة في الحكومة الفلسطينية ومؤسسات مختلفة على هذا الموسم وترعاه بشكل سنوي .

موسم النبي صالح في الرملة:

يأتي الناس من جميع أنحاء فلسطين إلى المقام في الرملة؛ وقبل بزوغ الشمس يشدون الرحال، مشيا على الأقدام أو ركوبا على الحمير والجمال، أو في عربات الخيول؛ وتعقد حلقات التعارف والأكل الجماعي، ويأتي أصحاب الطرق الصوفية حاملين الرايات والأعلام.  وتعقد الأسواق حول المقام وتقام الاحتفالات ويتفرج الناس على إبداعات بعض الشيوخ الخارقة وهم يضربون أجسادهم بالسيوف، ويشتري الأطفال الطبلات والألعاب والمزامير وقلائد الخرز وحلاوة القدوم وأكواب والخروب والسوس وغيرها.

وبعد صلاة يوم الجمعة المسماة بـ “الجمعة الحامية” يصطف الكشافة والشبان يحملون الاعلام في موكب من الجامع الكبير إلى مقام النبي صالح؛ حيث تلقى الخطب التي تناسب الموقف.  وبانتهاء يوم الجمعة الحامية ينتهي الموسم، وتقدم أثناء الموسم الحلوى المشهورة (حلاوة النبي صالح).

كان الأيوبيون أول من بدأ باحياء هذه المناسبة، وقد بدأ بها صلاح الدين الأيوبي كي يكون المسلمون على أهبة الاستعداد للدفاع عن ثغر الدولة الإسلامية، وكان موعده يوم جمعة العليمات أو الجمعة العظيمة التي يقدسها المسيحيون ويحتفلون بها، وكان الاحتفال يبدأ في يوم “خميس الأموات” أو خميس البيض الذي يقع قبل عيد الفصح.  ويسمى الأسبوع الذي يلي “سبت النور” من كل عام باسم “أسبوع النبي صالح”.

موسم “النبي روبين”:

لقد كان هذا الموسم أعظم المواسم الفلسطينية حشدًا للناس وأطولها مدة؛ فقد كان زائروه أكثر من زائرو موسم النبي موسى.  وكان يعقد عند نهر النبي روبين الذي لا يبعد عن شاطيء البحر سوى ثلاثة كيلومترات ولا يرتفع عن مستواه سوى عشرة أمتار.

وتقع قرية النبي روبين على بُعد 14 كم غرب الرملة، و15 كم جنوب يافا، على الضفة الجنوبية لنهر روبين، الذي يسمى أيضاً “وادي الصرار” و”سيل سوريك”، ويصب في البحر الأبيض المتوسط جنوب يافا. وغالبية أراضيها كانت تأخذ أشكال الكثبان الرملية، وتبلغ مساحتها حوالي 31 ألف دونم.

وكانت القرية مركزاً تجارياً للعرب وللصليبيين، وأقيم فيها سنة 1184م موسمٌ تجاريٌ يقبل عليه تجار الشام ويحضرون معهم العبيد، ويتبادلون بالبيع والشراء الخيل الفارسية والكردية والأسلحة اليمنية والهندية.  وقد استمرت المواسم التجارية إلى سنة 1200م؛ عندما بدأت الحملات الصليبية.

وفي القرية مقام سيدنا روبين ابن سيدنا يعقوب عليهما السلام. أما بناء المسجد والمقام؛ ففيه أقوال عديدة؛ إذ تذكر بعض المراجع أن الشيخ شهاب الدين بن أرسلان بنى المقام سنة 844هـ؛ بينما تفيد مراجع أخرى أن حاكم القدس المملوكي (تمراز المؤيدي) هو الذي بنى المسجد والمقام في أوائل القرن الخامس عشر الميلادي (بين 1436م و1437م).  وقد كتب عنه القاضي مجير الدين سنة 1495م: “أنّه قبر سيدنا روبين”؛ أما وليد الخالدي فيشير أن المقام بني على أرض أقيم عليها معبد كنعاني، وأن المواسم الاحتفالية في النبي روبين يعود تاريخها إلى الكنعانيين.

وكان الموسم يبدأ عند ظهور أول هلال في شهر آب، ويستمر شهرًا كاملًا؛ وكانت تقام خيام في السهل المحيط بالمقام، ولا سيما عند الجانب الشمالي الغربي.  وكانت الجمال تشاهد وهي آتية بعائلات تحمل معها جميع أوانيها ولوازمها لقضاء أيام الموسم؛ فيما يعتبره الفلسطينيون إجازة؛ بل “شطحة” سعيدة ممتعة؛ فيروى عن نساء يافا قول الواحدة منهن لزوجها في الالحاح عليه للمشاركة في هذا الموسم: “يا بِتْروبِنّي يا بتطلقني”.

ولا حاجة للتذكير بأن الصلوات والمراسم الدينية لم تكن تستغرق الا جزءاً يسيراً من وقت الناس؛ ما كان يتيح لهم متسعا من الوقت لممارسة الألعاب وركوب الأراجيح وذبح الذبائح في مهرجان حافل يشترك فيه المسلمون والمسيحيون دون تمييز.

ومنذ القرن السابع عشر الميلادي، كان يؤم المقام سكان يافا واللد والرملة والقرى المحيطة بها صيفاً (في آب وأيلول) من كل سنة؛ حيث تُنْصَبُ الخيام والمعرشات، ويزورون المقام، ويؤدون الصلاة في المسجد الملاصق له.

وتقوم إدارة الأوقاف بتأمين الماء اللازم. كما أن الموسم كان فرصة للسقائين لنقل الماء للزائرين وبيعه لهم.

وكانت تقام المسارح والأراجيح وسباقات الخيل إضافة إلى نشاطات أدبية وفنية متعددة. وكانت تقام حلقات المصارعة حيث يتقدم أحد المصارعين من إحدى القرى ويتحدّى المصارعين من القرى الأخرى؛ ويعقد الحضور مراهنات على الفائز.

وكان يحضر الموسم في بعض السنين شخصيات سياسية وفنية وإعلامية.  وكان الموسم فرصة لبعض العائلات للاجتماع للزفاف والطهور وحلاقة شعر الأولاد لأول مرة. ويقوم بعض الباعة ببيع حلاوة صلبة نوعاً ما، بيضاء اللون وطيبة الطعم.

ولعل موسم النبي روبين كان قد بدأ بنمط آخر في القرن الثالث عشر الميلادي خلال فترة حكم المماليك الذين أقاموا جامعاً ونقاط مراقبة متعددة على طول الساحل خوفاً من تجدد الحملات الصليبية.

وكان يصل عدد من يؤم الموسم سنوياً إلى ثلاثين ألفاً. لكن هذا “الكرنفال” السنوي أقلق الإنجليز فمنعوا إقامته من سنة 1936 – 1939م خوفاً من أن تتحول هذه الحشود إلى تجمع يقاوم الانتداب.

موسم المنطار في غزة:

يقع “تل المنطار” إلى الشرق من مركز مدينة غزة التلِّية القديمة (فوق المدينة) بنحو كيلومترين ونصف تقريباً، وهي عبارة عن أراضٍ سهلية منخفضة تبدو وكأنها واد قديم قد هجرته المياه، متميزة بخصوبتها وكثرة بساتينها التابعة لحي الشجاعية.

ويرتفع “تل المنطار” نحو تسعين مترًا فوق مستوى البحر، ليحتل بالتالي المرتبة الأولى من حيث الارتفاع على سلسلة التلال التي تحف القطاع قاطبة من جهة الشرق، ممتدة من شماله حتى أقصى جنوبه، مكونة نقاطاً دفاعية صلبة أشبه بأبراج مراقبة طبيعية تنذر بقدوم أي غازٍ قادم من جهة الشرق لمدن القطاع عامة ولمدينة غزة على وجه الخصوص.

واللافت للنظر هنا أن “تل المنطار” حظي بهذه المكانة في المدينة، وأصبح موضعاً ومركزاً “لموسم”؛ فقد أصبحت له ذاتيته المستقلة عن مدينة غزة الفوقية التي هدم الصليبيون سورها إبان الحروب الصليبية. وأصبح “تل المنطار” علماً تلتف حوله جميع القبائل العربية، التي عززها القائد صلاح الدين بجنده من قبائل التركمان والأكراد والخوارزمية، وأقطعها الأراضي الواقعة إلى الشرق من غزة، وبخاصة تلك الواقعة بينها وبين “تل المنطار” لتصبح النواة لتأسيس “حي الشجاعية” بقسيمه “التركمان” و”جْدَيدة الأكراد” (الجديدة)؛ التي سميت بهذه الأسماء نسبة لتلك القبائل الداعمة لصلاح الدين، ولما أصبح لها من مكانة ديمغرافية وهيبة لا يستهان بها.  وكانت هذه القبائل تحتشد جميعاً بفرسانها يوم “موسم المنطار” في يوم الخميس السابق ليوم عيد الفصح من كل عام

عن admin