ملتقى الثقافة والهوية الوطنية ملتقى الثقافة والهوية الوطنية ملتقى الثقافة والهوية الوطنية

العودة   ملتقى الثقافة والهوية الوطنية > °ˆ~*¤®§(*§ خاص بالدكتور إبراهيم أبراش§*)§®¤*~ˆ° > الكتب
التسجيل التعليمـــات قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 07-04-2008, 10:47 AM
د.إبراهيم أبراش د.إبراهيم أبراش غير متواجد حالياً
مدير عام
 
تاريخ التسجيل: Jun 2008
المشاركات: 601
افتراضي علم الاجتماع السياسي

أ. د. إبراهيم أبراش
الطبعة الثانية
2005


مقدمة
علم الاجتماع السياسي علم حديث نسبيا، بل من أحدث العلوم الاجتماعية ظهورا، حيث لم يُدرس كعلم مستقل وكمادة مستقلة في فرنسا إلا منذ الستينيات من القرن العشرين، وفي المغرب في الثمانينات، الأمر الذي يثير كثيرا من التساؤلات والغموض حول هذا العلم الجديد.
فبعد عقود من استقلالية علم السياسة وجهود علماء السياسة المتواصلة لبلورة مجالهم المعرفي والتنظيري والمؤسساتي الذي يمكّن علم السياسة من الإحاطة العلمية الناجحة لدراسة وفهم الظواهر السياسية، وصل علم السياسة إلى ما يشبه الأزمة التي تعززت بسبب التطورات المتلاحقة في الحقل السياسي وتعدد وتشعب نماذج السلوك السياسي والنظم السياسية بين الدول، وعدم قدرة التنظيرات الجاهزة لعلماء السياسة ولمناهجهم التقليدية على تمثّل هذه النماذج والمتغيرات السياسية، وتقوقعهم حول مزاعم العلمية والعالمية لمقولاتهم وتنظيراتهم والزعم بأنها تتوفر على قدرة شمولية للإحاطة بكل الظواهر السياسية.
إلا أننا نعتقد بأن الأزمة الحقيقية تكمن في تزايد القناعة لدى علماء السياسة بصعوبة فهي الظواهر السياسية والإحاطة بأوالياتها دون الرجوع إلى البنى الاجتماعية التي تتفاعل فيها ومعها هذه الظواهر، فكان لزاما على علماء السياسة العودة مجددا إلى المجتمع وإلى البحث عن أواليات (السياسي) في (الاجتماعي)، ودراسة الظاهرات السياسية ضمن أبعادها الاجتماعية، فكان علم الاجتماع السياسي هو الإجابة العلمية على هذه الأزمة، التي أثيرت في مجال علم السياسة والتي سبق وأن أثيرت قبل ذلك في مجال علم الاجتماع من حيث ادعائه قدرة شمولية على دراسة كل الظواهر الاجتماعية.
فلعقود طويلة وعلماء السياسة الغربيون والشرقيون -نسبة إلى المعسكر الاشتراكي سابقاً- يضفون صبغة الشمولية والعالمية على تنظيراتهم ومقولاتهم السياسية، وينطلقون في تعاملهم مع الظواهر السياسية من منطلقات قانونية ومؤسساتية. وقد تأثر علماء السياسة في دول العالم الثالث بهذه التنظيرات وقاموا بنقلها ومحاولة توظيفها على مجتمعاتهم، فكانت النتيجة فشلا ذريعا في تمثل هذه المشاكل فبالأحرى في إيجاد حلول لها.
فبداهة، إن موطن الخلل لا يكمن في النظريات والتعميمات التي قال بها علماء السياسة في الغرب أو في الشرق، ولكن الخلل يكمن في عدم الأخذ بعين الاعتبار الواقع الاجتماعي الذي أقّحمت عليه هذه النظريات والتعميمات. فمن المعلوم أن أية نظرية أو إيديولوجيا تدعي العلمية إنما تستمد علميتها من كونها صياغة عقلية ناتجة عن ملاحظة واقع اجتماعي/ سياسي ما، قامت بتحليله اعتمادا على قواعد المنهج العلمي، فكانت هذه النظريات هي الخلاصة، بمعنى أن علميتها تكمن في انطلاقها من الواقع وإجابتها عن تساؤلاته وقدرتها علىالدينية.لتكيف مع تحولاته والتعامل مع بنياته العميقة. أما إذا انتزعت هذه النظريات والتعميمات من سياقها الاجتماعي وحاولنا تطبيقها على سياقات اجتماعية/ سياسية مغايرة فلا ضمانة بأنها ستحافظ على علميتها، لأنها ستكون نظريات وإيديولوجيات مغتربة عن الواقع وعاجزة عن الإجابة على تساؤلاته.
إذن يمكن القول إن علم الاجتماع السياسي هو علم السياسة في محاولته تطوير مقولاته ونظرياته ومناهجه ليصبح أكثر قدرة على التعامل مع مجتمعات ذات أوضاع متباينة، ومداناة الظواهر السياسية انطلاقا من الواقع الاجتماعي وليس اعتمادا على تنظيرات مستوردة. هذه الإحالة أو الربط بين السياسي والاجتماعي والذي هو خاصية علم الاجتماع السياسي، يجعل هذا العلم علما مزعجا وخطيرا، يكون الباحث فيه كالسائر وسط حقل ألغام لأنه يكون ملزما بالغوص فيما وراء التمظهرات القانونية والمؤسساتية والتنظير السياسي ليربط هذا السلوك وهذه التمظهرات الخارجية بالمجتمع، بصراعاته وتحالفاته، بقيمه وثقافته، وبأصحاب النفوذ والقوة داخل المجتمع، أو بشكل آخر إنه مطالب بربط الظاهرة السياسية إيجابا أم سلبا بالناس كأفراد عاديين أو نخب سياسية أو أصحاب مصالح اقتصادية أو بالمعتقدات الدينية(1).
وجاءت الأحداث المتسارعة في العقدين الأخيرين والتي خلخلت كثيرا من النظريات والبرادغمات السياسية والاجتماعية، لتؤكد على أهمية علم الاجتماع السياسي، فالعولمة وخصوصا في بعدها الثقافي وما يسمى بظاهرة الإرهاب وعودة الاستعمار مجددا –العراق نموذجاً- وقبل ذلك انهيار المعسكر الاشتراكي بما كان يمثل من نظم سياسية واقتصادية واجتماعية والثورة المعلوماتية الخ، كل هذه الأحداث المتسارعة خلخلت كثيرا مما كانت يعتبر مسلمات، فالمحددات السياسية والاجتماعية لم تعد ذات طابع وطني خالص بل أصبحت المؤثرات الخارجية ذات حضور ضاغط على التحولات الداخلية، وما التدخل الأمريكي في مسألة الديمقراطية والإرهاب إلا دليلا على ذلك.
وكما سنرى لاحقا فإن علم الاجتماع السياسي ليس جديدا في موضوعاته - وإن كان يهتم بموضوعات حديثة - ولكنه جديد في طريقة تناوله لهذه الموضوعات، فمجالات اهتماماته: النظم السياسية، النخب السياسية، البيروقراطية، العنف السياسي والأحزاب الخ، موضوعات سبق وأن دُرست في غالبيتها إما في إطار علم الاجتماع أو في إطار علم السياسة. ولكن الجديد الذي أتى به علم الاجتماع السياسي هو منهج دراسة هذه الموضوعات - كما سنرى.
لقد حاولنا في هذا الكتاب الذي هو الطبعة الثانية –صدرت الطبعة الأولى عن دار الشروق في عمان عام 1999- تناول هذه المادة بالشكل الذي يجعل منها مادة سهلة الفهم والاستيعاب وتعمل على مداناة هذا العلم من الطالب الجامعي الذي يدرسه لأول مرة، وقد اجتهدنا في موضوعات واعتمدنا اعتمادا كبيرا على بعض الكتاب في بعض الموضوعات حيث اقتبسنا أحيانا نصوصا كاملة لأهميتها ولأن هؤلاء اعتمدوا على المراجع الأجنبية الأصلية التي لم نتوفر عليها لقدم عهدها.
وهكذا جمعنا في هذا الكتاب ما بين جانب الابستملوجيا والجانب التاريخي، كما أننا زاوجنا بين تعريف المادة وأكثر المناهج إتباعا في تحصيل معرفتها، مبينين في نفس الوقت الصعوبات التي تواجه الباحث في علم الاجتماع السياسي وهي صعوبات تشاركه فيها العلوم الاجتماعية الأخرى، وهذه الصعوبات تتعلق بطبيعة العلم الاجتماعي من ناحية وبشخص الباحث ومحيطه الاجتماعي من ناحية أخرى.
نرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكون قد وفقنا إلى مبتغانا ألا وهو خدمة المعرفة والدفع بالبحث العلمي الاجتماعي في المجتمع العربي وخصوصا في وطننا فلسطين إلى الأمام.

غزة: مارس 2005






الفصل الأول
مقاربة مفاهيمية حول علم الاجتماع السياسي

كثيرة هي التساؤلات التي يواجهها الباحث في مجال علم الاجتماع السياسي، تساؤلات تضفي على هذا العلم هالة من الغموض والشك والتعقيد، ولكنها تساؤلات مثبتة ومؤكدة لأهمية هذا العلم وضرورته وليست أسئلة نافية له ومشككة بأهميته.
وإن كنا نطرح ويطرح آخرون هذه الأسئلة ومثيلاتها فما ذلك إلا من اجل وضع قاعدة ثابتة أو خلفية مفاهيمية ومعرفية يمكننا على هديها الغوص في موضوعات هذا العلم ونحن على هدى من المجال المعرفي الذي نتعامل معه، ونحن على هدى أيضا من الحدود الفاصلة بينه وبين العلوم الاجتماعية الأخرى المشابهة له و المتداخلة معه في موضوعاته ومناهجه. وإن كان يحدونا طموح نحو وضع تعريف لهذا العلم وحصر مجالاته فهو طموح تمليه ضرورات البحث الأكاديمي ومتطلبات التخصص العلمي، ومهما كانت طبيعة ودقة هذا التعريف فهو يبقى تعريفا إجرائيا مؤقتا، أو كما قال الكس انكلز Alex Inkeles في مقدمة كتابه (مقدمة في علم الاجتماع): "إن تعيين حدود علم من العلوم يعتبر أمرا لازما كل اللزوم كأساس لبدء الاشتغال بهذا العلم، حتى ولو كان هذا التحديد مؤقتا، وحتى ولو أتضح أنه ليس سوى موجه عام على المدى الطويل".
هل علم الاجتماع السياسي فرع من علم الاجتماع العام أم فرع من علم السياسة؟ وبصيغة أخرى هل المدخل لدراسة علم الاجتماع السياسي مدخل اجتماعي أم سياسي؟ وسواء كان هذا أم ذاك فما الحدود الفاصلة بين الظاهرة الاجتماعية التي هي موضوع علم الاجتماع والظاهر السياسية التي هي موضوع علم السياسة ؟ وما الذي يميز علم الاجتماع السياسي عن كل من علم الاجتماع وعلم السياسة ؟ هل هي موضوعاته المتميزة والخاصة به ؟ أم هو منهج تناول هذه الموضوعات ؟. وإذ كان علم الاجتماع السياسي علم مستقل قائم بذاته فهل يتوفر على نظريات وقوانين ومناهج خاصة به تبرر استقلاليته وتميزه؟.
إن تساؤلنا -المشار إليه أعلاه- حول هل أن علم الاجتماع السياسي متفرع عن علم الاجتماع الذي يهتم بدراسة الظواهر الاجتماعية، أم عن علم السياسة الذي يهتم بدراسة الظواهر السياسية، قد يوحي للقارئ وكأن هناك فصلا بين الظواهر الاجتماعية والظواهر السياسية، وأن ما هو اجتماعي مفارق لما هو سياسي والعكس صحيح، وفي واقع الأمر فإن هذا الاستنتاج يوحي به الخلط القائم بين الظواهر الاجتماعية التي هي موضوع العلوم الاجتماعية بشكل عام، والظواهر الاجتماعية التي هي موضوع علم الاجتماع (السوسيولوجيSociology). فالعلوم الاجتماعية تدرس الظواهر الاجتماعية بأبعادها المختلفة، (الاجتماعية بمفهومها الضيق) والسياسية والاقتصادية والتاريخية والأنتربولوجية، أي كل العلاقات والتفاعلات التي تنشأ عن الاجتماع الإنساني، ولكن العلوم الاجتماعية المتخصصة تدرس جوانب أو أبعاد متميزة من هذه الظواهر، وعليه فإن السلوك السياسي هو سلوك اجتماعي أصلا وظاهرة اجتماعية مادام يتعلق بالإنسان وبعلاقة الحاكمين بالمحكومين، ولكنه سلوك يهتم ببعد أو نسق محدد داخل الإطار العام للنسق الاجتماعي ككل، ومن هنا فالقول بأن علم السياسة يدرس الظواهر السياسية لا يعني أن هذه الظواهر شيء مفارق للظواهر الاجتماعية، بل إن متطلبات التخصص الأكاديمي هي التي تملي هذا التمييز بين أبعاد النسق الاجتماعي.
وفي نفس السياق نلاحظ أن مسعى علم الاجتماع ليكون علما عاما ذا قدرة على استيعاب ودراسة مجمل الظواهر الاجتماعية، كما كان يطمح مؤسسه أوغست كونت Auguste comte ثبت أنه طموح مبالغ به أكثر من اللازم، حيث لم يستطع علم الاجتماع أن يحول دون انفلات العديد من الظواهر الاجتماعية من مجال دراسته لتندرج كموضوعات خاصة لعلوم اجتماعية متخصصة، ومنها علم السياسة، إلا انه يبدو وكأنه رباط وثيق لا ينفصم بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي هو الذي حال أيضا دون طموح علم السياسة ليكون علما مستقلا ذا قدرة منهجية ومفاهيمية قادرة على دراسة وفهم الظواهر السياسية باستقلالية عن محيطها الاجتماعي، وعلى الإحاطة بكل الظواهر السياسية في ظل عالم متغير ومجتمعات متباينة.
هناك مبرر قوي لظهور علم الاجتماع السياسي وأسباب مقنعة تجيز لهذا العلم أن يأخذ مكانه بين العلوم الاجتماعية، وأن يحتل مكانه كمادة تدرس في الجامعات، ونرى أن التداخل بين علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي وغموض هذا الأخير إنما مرجعه حداثته كعلم مستقل قائم بذاته، فقد وردت عبارة علم الاجتماع السياسي لأول مرة بشكل رسمي في مرسوم 10 يوليو 1962 في فرنسا،(1) وساهمت أحداث فرنسا عام 1968 في إعطائه دفعة إلى الأمام وكما يقول ليبست lIPEST "إن عام 1968 يمثل نقطة تحول في علم الاجتماع السياسي كفرع عالمي من فروع المعرفة، فالهبة الثورية القائمة على العنف، للقوى الجديدة، لم تؤد إلى تحدي النظريات والنماذج التي ظهرت في الخمسينات والستينات، وإنما فرضت نوعا من إعادة التقييم لأساليب جمع البيانات واستراتيجيات التحليل".(2)
إذا كنا نضع تعريفا أوليا لعلم الاجتماع السياسي بأنه: العلم الذي يدرس الظواهر السياسية ليس اعتمادا على مقولات نظرية مسبقة وليس انطلاقا من التمظهرات القانونية والمؤسساتية بل يدرسها انطلاقا من إطارها الاجتماعي الذي انبثقت منه وتتصدى لمواجهته تطويرا وتغييرا، وانطلاقا من علاقات القوة التي تحكم الفئات الاجتماعية في سعيها نحو السلطة حفاظا عليها أو وصولا لها أو تحررا من سطوتها، فإن هذا التعريف يصلح كمنطلق للباحثين المنتمين لدول العالم الثالث وتحديدا للخروج من الأزمة التي يعرفها علم السياسة الكلاسيكي في تعامله مع الشأن السياسي في هذه المجتمعات.


المبحث الأول
علاقة علم الاجتماع السياسي
بكل من علم الاجتماع وعلم السياسة
كما سبقت الإشارة، فإن علم الاجتماع السياسي هو أحد العلوم الاجتماعية، وهناك من ينسبه إلى علم الاجتماع وآخرون ينسبونه إلى علم السياسة، وإن كنا لا نعتقد بأهمية الاختلاف حول نسبته إلى أي من العلمين لأنه أخذ ينحو نحو الاستقلالية والتموقع كعلم شب على الطوق، فإن الرجوع إلى علم الاجتماع وتعريف موضوعاته ضرورة لا بد منها من منطلق أن علم الاجتماع السياسي يحيل موضوعاته دائما إلى موائلها الاجتماعية، أو بشكل آخر، إنه العلم الذي يمثل نقاط التقاطع بين ما هو اجتماعي وما هو سياسي، بالإضافة إلى ذلك فنحن عندما نتحدث عن السياسة إنما نتحدث عن ظاهرة اجتماعية، لأن السياسة هي سياسة ناس أو سياسة أفراد داخل مجتمع، سواء كانوا حاكمين أو محكومين.
المطلب الأول: علم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع
"لا مجتمع يخلو من السياسة " هذه المقولة المنطلق تجسد حقيقة أن السياسة محايثة للمجتمع، فالسياسة هي سياسة أناس يعيشون في مجتمع، حاكمين أو محكومين مدافعين عن الواقع أو معارضين له، وحتى في التعريف العلمي للمجتمع من حيث ظهوره وتطوره، فإن هذا التعريف يربط بين نشوء المجتمعات بالمفهوم السوسيولوجي وبين وجود السياسة أو السلطة السياسية.
إن عالم الاجتماع لا يمكنه إلا أن يكون على علاقة بالسياسة، فمن الصعب أن يعزل عالم الاجتماع نفسه عن السياسة، وعلى حد تعبير ريمون آرون، فإن عالم الاجتماع يصبح سياسيا حتى وإن لم يشأ ذلك، ومن هذه المنطلق -وكما سنبين لاحقاً- فقد تعرضت الدعوة للالتزام بالموضوعية في العلوم الاجتماعية للنقد نظرا للتداخل الحاصل بين الواقع الاجتماعي كما هو، وبين انعكاس هذا الواقع على مستوى الفكر، وذلك لتأثير الأيدولوجيا بمفهومها العام والسياسة بوجه خاص. فالسياسة تشكل عائقا أمام علم الاجتماع بل إنها على حد قول غاستون بوتول في كتابه علم الاجتماع السياسي " عدو علم الاجتماع لأنها تسعى إلى استعباده كما كان اللاهوت في الماضي عبئا على الفلسفة ".(1)
ومع ذلك فالسياسة شيء لا بد منه، فلا يخلو مجال من مجالات الاجتماع البشري من السياسة، لان الناس على حد قول ابن خلدون لا ينتظمون في الاجتماع المدني ويخضعون للقوانين إلا بوجود وازع يزع بعضهم عن بعض وقد سبق أن أكد أرسطو هذا التوجه حيث قال بأن الإنسان حيوان سياسي بطبعه.(1)
فهذا الحضور المكثف للسياسة في العلوم الاجتماعية هو الذي حذا بموريس دفرجيه MAURICE DUVREGIER إلى القول: "إن جميع العلوم الاجتماعية وجميع العلوم الإنسانية تهتم على وجه ما بالحياة السياسية، فليس هناك ميدان خاص للمعرفة ينفرد به علم السياسة، بل إن جميع العلوم الاجتماعية والإنسانية تتناول السياسة بواسطة فرع واحد من فروعها على الأقل".
لاشك أن الحداثة النسبية لعلم الاجتماع مقارنة بالعلوم الحقة لها دور في صعوبة تحديد العلم وحصر موضوعاته ومناهجه ووضع الحدود الفاصلة بينه وبين بقية العلوم الاجتماعية، ولكن هناك سببا آخر يكمن في طبيعة هذا العلم، طبيعة موضوعاته وأهدافه، وهي طبيعة تجعله يثير كثيرا من المشاكل والتخوفات وتضعه موضع تشابك وتداخل مع الإيديولوجيات والمذاهب السائدة، التي تعمل على توظيفه وكسبه إلى جانبها، وبالتالي تقلل من علميته، وهي إن لم تستطع كسبه وتوظيفه لصفها فإنها تحاربه وتشكك في علميته وجدواه، ويعبر بيار بورديو Bouridieu عن ذلك بالقول: إن علم الاجتماع: " المعرفة التي تكشف النقاب عن الصراعات والمصالح والرهانات، وهي ليست فقط مصالح الحاكمين بل أيضا مصالح ومكانات رجال المعرفة أنفسهم، بمعنى آخر معرفة تكشف عن الخفي Le Latent وعن اللامعقول Le non dit أنه علم نقدي علم يزعج".
ولهذا السبب يمكن فهم محاصرة بعض الأنظمة لكليات علوم الاجتماع وللباحثين الاجتماعيين، وإغلاقها في بعض الدول ومنع تأسيسها أصلا في دول أخرى. فما دام هدف علم الاجتماع هو الوصول إلى الحقيقة الاجتماعية، حقيقة المشاكل والقضايا التي تتخبط فيها المجتمعات وتحديد أسبابها وسبل حلها، فإن هذا الهدف لا يرضي الكثيرين من المتنفذين في المجتمع، الذين يعيشون بل يستمدون شرعيتهم أحيانا من جهل المجتمع وتخلفه وفقره، فالحقيقة لا ترضي الجميع، ولهذا السبب فعلم الاجتماع في حقيقته مشبع بالسياسة بل هو علم سياسي كما أن علم السياسة علم اجتماعي.
إن تعريف علم الاجتماع يعد إشكالية معرفية حتى بالنسبة للمتخصصين، الأمر الذي لم يؤد إلى إجماع العلماء على تعريف متفق عليه، وهو أمر بديهي يجد مسوغاته فيما سبقت الإشارة إليه من اعتبارات، بالإضافة إلى تعدد المدارس والنظريات الاجتماعية، وتعدد المناهج الباحثة في دراسة الظواهر الاجتماعية، وقد أحصى عالم الاجتماع الأمريكي Furfy81 تعريفا لعلم الاجتماع لعلماء مشهورين وهو عدد قابل للزيادة، حيث إن المؤلف نفسه بعد أن أحصى هذه التعريفات أضاف بدوره تعريفا جديدا، حيث عرف علم الاجتماع بأنه:" العلم الذي يسعى إلى أكبر قدر ممكن من التعميم فيما يخص الجوانب الوظيفية والبنيوية للمجتمع".
إذا كان علم الاجتماع يهتم بدراسة المجتمع بكل مكوناته، فكيف نميز بين الظاهرة الاجتماعية التي هي محل اختصاص علم الاجتماع والظواهر الاجتماعية التي هي محل اختصاص العلوم الاجتماعية الأخرى بما فيها علم الاجتماع السياسي؟.
كما هو معروف فإن ابن خلدون الذي يعد أول من أجتهد لتأسيس علم اجتماع سماه (علم العمران) كان يرمي إلى تأسيس علم يشمل كل الاجتماع البشري، وهذا ما نلاحظه بتصفح محتويات مقدمته الشهيرة حيث تحدث عن الأسرة والعصبية القبلية والبداوة والحضر، والأخلاق والدين والسياسة والدولة الخ.
وبالرجوع إلى سبنسر Spencer 1820-1903، نجده أكثر دقة وتفصيلا في تحديده لموضوعات علم الاجتماع، حيث كتب يقول في مؤلفه (أسس علم الاجتماع) The principal of sociology: "يتعين على علم الاجتماع أن يصف كيفية ظهور الأجيال المتتابعة من الوحدات المدروسة ونموها وأعدادها للتعاون، ولذلك يأتي موضوع تطور الأسرة في المقام الأول... ثم يتعين على علم الاجتماع بعد ذلك أن يصف ويثير نشأة وتطور التنظيم السياسي الذي ينظم شؤون المجتمع.. كما يتعين عليه بالمثل أن يصف تطور الأبنية الكنسية ووظائفها... ونسق الروابط الذي ينظم الأفعال الأصغر، كما يجب أن يدرس المراحل التي مر بها القطاع الصناعي في المجتمع.... وكذلك نمو الأبنية التنظيمية التي استطاع ذلك القطاع الصناعي أن ينظمها داخله".
يلاحظ من المجال الذي حدده سبنسر لعلم الاجتماع أنه يستوعب عديدا من المجالات التي هي اليوم من اختصاص علوم اجتماعية أخرى، كعلم السياسة وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع الديني الخ بمعنى أن موضوعات علم الاجتماع السياسي كانت متضمنة ضمن مجال اهتمام علم الاجتماع.
ويبدو أن الفكرة التي جاء بها سوريكن Sorokin للتمييز بين علم الاجتماع والعلوم الاجتماعية الأخرى قد لاقت قبولا من لدن المهتمين بهذا الموضوع، ويشرح سوركين فكرته على الشكل التالي:
"إذا كانت هناك من خلال طائفة من الظواهر، طوائف فرعية (ن) فإنه يجب أن يكون هناك (ن + 1) من فروع المعرفة لدراستها، و(ن) هنا العلم الذي يدرس كل طائفة من الطوائف الفرعية، وهناك بالإضافة إلى ذلك علم آخر لدراسة ما هو مشترك وعام بين الجميع ودراسة الارتباط بين هذه الطوائف الفرعية. أي أن لكل طائفة من الظواهر الاجتماعية العديدة اقتصادية، سياسية، دينية وغيرها علم يدرسها ويتطابق معها وبالإضافة إلى هذه العلوم تظهر الحاجة وتلح الضرورة إلى علم (علم الاجتماع) يهتم بالخصائص المشتركة والعامة والشائعة بين جميع أنماط الظواهر الاجتماعية والعلاقات بينهما، لان علما اجتماعيا واحدا لا يستطيع القيام بهذه المهمة".(1)
إلا أن أهم من أشار إلى ضرورة وضع الحدود بين علم الاجتماع العام والعلوم الاجتماعية الأخرى هو إميل دوركايم Emile Durkhem الذي رأى بأنه:" يتوجب على السوسيولوجي أن تحكم أسلوبيتها الخاصة وتتقنها قبل أن تقوم بأي نشاط آخر، وينبغي أن لا تهجم على دراسة الحوادث الإنسانية اعتباطا"، ويرى أن هناك علاقات تأثير متبادل بين مختلف فروع علم الاجتماع، فكتب يقول في (حولية علم الاجتماع) عام 1903: إن جهودنا سوف تتجه أساسا إلى العناية بالدراسات التي تتناول موضوعات محددة أشد التحديد، تندرج تحت فروع خاصة لعلم الاجتماع، إذ طالما أن علم الاجتماع لا يمكن أن يكون تركيبا من هذه العلوم الخاصة، وطالما أنه لا يمكن أن يتضمن سوى مقارنه بين نتائجها ذات الطبيعة الشديدة العمومية، فإنه لا يمكن قيام علم اجتماع عام إلا بالقدر الذي تنمو به هذه الفروع المكونة له".(2)
وقد حث دوركهايم على أهمية قيام فروع لعلم الاجتماع وتزايدها، لأن علم الاجتماع غير قادر لوحده على الدراسة الشاملة للواقع الاجتماعي برمته، واقترح إطارا عاما لهذه الفروع وهو:
1- علم الاجتماع العام.
2- علم الاجتماع القانوني والأخلاقي يتفرع بدوره إلى:
‌أ- التنظيم السياسي.
‌ب- الزواج والأسرة.
‌ج- التنظيم الاجتماعي.
‌د- علم الاجتماع الجنائي.
3- علم الاجتماع الاقتصادي.
4- علم الاجتماعي الجمالي.
5- علم الاجتماع الديني.
6- الديموغرافيا.
إذا كان دركهايم قد خطا خطوة مهمة نحو الاعتراف بعجز علم الاجتماع العام عن استيعاب كل الظواهر الاجتماعية وبالتالي دعا لضرورة وجود فروع لعلم الاجتماع كعلم الاجتماع الديني وعلم الاجتماع السياسي وعلم الاجتماع القانوني، فإن هذا يؤكد انتماء علم الاجتماع السياسي إلى علم الاجتماع أو أن الأول هو فرع من الثاني، أو نسق فرعي في إطار النسق الاجتماعي الكلي.ومن هنا نجد أن علماء الاجتماع يعتبرون أن علم الاجتماع السياسي فرع من علم الاجتماع، ومن هؤلاء عالم الاجتماع Lewis Coser الذي يعرف علم الاجتماع السياسي بالقول: "إن علم الاجتماع السياسي هو ذلك الفرع من علم الاجتماع الذي يهتم بالأسباب والنتائج لتوزيع القوة على نحو معين في نطاق الجماعات أو فيما بينها، ويهتم بالصراعات الاجتماعية والسياسية التي تؤدي إلى التغير في توزيع القوة".
في نفس السياق يذهب غاستون بوتول في كتابة (علم الاجتماع السياسي)، حيث يرى أن علم الاجتماع السياسي غصن تفرع عن جذع علم الاجتماع العام، وهو ذلك الغصن الذي يحلل الأنظمة كما يحلل سائر الظاهرات السياسية في علاقتهما مع الظاهرات الاجتماعية الأخرى، كما يدرسها أيضا بوصفها إنجازات وتصرفات نوعية للمجتمعات البشرية وبالتالي يمكن ملاحظتها.
ولان هذا الفريق من العلماء يعتبر علم الاجتماع السياسي جزءا من علم الاجتماع، فإنه يتعامل مع الظاهرة السياسية باعتبارها ظاهرة اجتماعية فوقية أو إفراز لبنية المجتمع وعلاقاته الانشقاقية التنافسية والتعاونية الاندماجية، فيبحث في أسباب الصراعات الاجتماعية، وعلاقة البناء الاجتماعي بالقوة السياسية، ويبحث في الفئات الاجتماعية، كالصفوة والأحزاب وجماعات الضغط وغيرها. وما يعزز موقف هؤلاء الداعين لإلحاق علم الاجتماع السياسي بعلم الاجتماع، أن ظهور الاهتمام بعلم الاجتماع لأول مرة كان على يد علماء اجتماع -كما سنبين ذلك لاحقا-.
المطلب الثاني: علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي
إذا كانت عملية التمييز بين علم الاجتماع وعلم الاجتماع السياسي أصبحت اليوم ممكنة نظرا للتطور الذي عرفه كل منهم بشكل مستقل عن الآخر، فإن التمييز بين علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي مازال في طور التبلور، فهو مسعى أكثر مما هو واقع محقق، ويكفينا الرجوع إلى علماء السياسة لنرى الحذر الذي يكتنف هؤلاء إن لم نقل الممانعة في الاعتراف بوجود تمييز واضح بين العلمين، هذه الممانعة التي تفسر بتخوف من أن يسيطر علم الاجتماع السياسي على علم السياسة ليُذهب عنه مبرر وجوده ويجعله علما غير ذي معنى. في المقابل فأن علماء السياسة الذين اجتمعوا في اليونسكو 1948 لوضع تعريف لعلم السياسة وتحديد موضوعاته لم يتطرقوا إلى علم الاجتماع السياسي بل أدرجوا ضمن اهتمامات علم السياسة موضوعات تنتمي اليوم إلى علم الاجتماع السياسي.
ليس بالأمر الهين تعريف السياسة، فبقدر البساطة الظاهرة على هذا المصطلح وكثرة تداوله بين الناس العاديين وبين رجال السياسة، فإن التعريف العلمي لهذا المصطلح لا يتفق مع هذا التعويم لاستعمال مصطلح السياسة، ومن ناحية أخرى فإن تعقد البناء الاجتماعي وتداخل ما هو سياسي مع ما هو اقتصادي أو ديني أو إيديولوجي أو قانوني يجعل عملية التمايز أو التمفصل بين هذه الأنساق أو المجالات أمرا صعبا، أو كما قال جوليان فروند إن السياسة تشبه "كيس سفر يحتوي ما تنوع من الأشياء... فيه ما شئت من الصراع، والحيلة، والقوة، والتفاوض والعنف والإرهاب، والتخريب والحرب والقانون..."(1).
تذهب غالبية التعريفات التي أعطيت لكلمة سياسة إلى ربطها بنظام الحكم أو بعلاقة الحاكمين بالمحكومين، فالسياسة لا تكون إلا في المجتمعات الكلية التي تقاد عن طريق هيئة سياسية تصدر قوانين ملزمة للأفراد وتمارس عليهم الضغط والإكراه، فلا يمكن تصور سياسة دون وجود سلطة سياسية وحيث لا يمكن تصور سلطة سياسية دون ممارسة التسلط -بدرجاته المتباينة- فإن وجود السياسة يستدعي وجود السلطة.
ونشير أيضا إلى أنه حتى منتصف هذا القرن كان هناك عدم دقة في استعمال مصطلح علم السياسة وتداخله مع العلوم السياسية الأخرى حيث كان علم السياسة أحد العلوم السياسية فقط، وهذه كانت تنقسم إلى العلوم التالية: المذهب السياسي، والتاريخ السياسي، وعلم الاجتماع السياسي وعلم القانون وعلم السياسة، إلا أن منظمة الاونسكو سعت إلى إعطاء علم السياسة مكانته التي يستحقها، وكلفت مجموعة من علماء السياسة وضع مؤلف حول علم السياسة وتحديد موضاعاته ووضع حد للتداخل بينه وبين العلوم الاجتماعية الأخرى وبالفعل تم وضع مؤلف مشترك تحت عنوان "علم السياسة المعاصر" عام 1950، وفيه تم اعتماد عبارة "علم السياسة" بدل" العلوم السياسية" وأوصت اللجنة بتدريس هذا العلم في الجامعات. أما موضوعات هذا العلم فقد حددتها على الشكل التالي:
1- النظرية السياسية:
‌أ- النظرية السياسية
‌ب- تاريخ الأفكار السياسية
2- المؤسسات السياسية
‌أ- الدستور.
‌ب- الحكومة المركزية.
‌ج- الحكومة الإقليمية والمحلية.
‌د- الإدارة العامة.
‌ه- وظائف الحكومة الاقتصادية والاجتماعية.
‌و- المؤسسات السياسية المقارنة.
3- الأحزاب والفئات والرأي العام:
‌أ- الأحزاب السياسية.
‌ب- مشاركة المواطن في الحكومة والإدارة.
‌ج- الرأي العام.
4- العلاقات الدولية:
‌أ- السياسة الدولية.
‌ب- التنظيمات والإدارات الدولية.
‌ج- القانون الدولي.
إلا أننا نلاحظ أن هذا التقسيم لم يحترم، حيث أن علم السياسة يدرس في بعض الجامعات كمادة مستقلة جنبا إلى جنب مع مواد هي حسب تقسيم الأونسكو فروع من علم الساسة.
مع التطورات التي طرأت على المعرفة السياسية بتطور مناهج البحث، أصبح علم السياسة ينحو ليصبح العلم الذي يهتم بعلاقات القوة داخل المجتمع وبالسلطة السياسية وعلاقتها بالمجتمع، حيث لا يمكن أن تكون سياسة دون مجتمع، وحيث أن التعريف السابق لعلم السياسة الذي وضعته اليونسكو أدمج ضمن اهتمام هذا العلم موضوعات كالفئات والرأي العام والجماعات المحلية والأحزاب السياسية، وهي موضوعات يهتم بها علم الاجتماع السياسي، فقد أعتبر بعض علماء السياسة أن علم الاجتماع السياسي جزء من تخصصهم وفرع من عملهم، انه ذلك الفرع من علم السياسة الذي يتناول العلاقات المشتركة بين النسق السياسي والأنساق الأخرى للمجتمع، ولكنه يتناول هذه العلاقات من حيث تأثيرها وتأثرها بالنسق السياسي. ومن هنا فإن علم الاجتماع السياسي يهتم بالأسباب الاجتماعية للتعددية الإيديولوجية والسياسية، وأثار التغير الاجتماعي على النظم السياسية، والبحث في مشروعية الأنظمة السياسية، ودور الرموز -دينية أو تاريخية أو ثورية- في حياة المجتمعات وتشكل نظمها السياسية، والخلفية الاجتماعية للسلوك الانتخابي للأفراد ولانتماءاتهم الحزبية، والأسباب الاجتماعية للثورات والقلاقل والانقلابات، والأسباب الاجتماعية للتطرف الديني الخ.
ومع ذلك فإن التداخل بين العلمين والغموض الذي يحكم علاقة بعضهما ببعض ما زال يفرض نفسه، فموريس دفرجيه يرى أن لا تعارض بين علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي (فالتعبيران مترادفان في نظرنا)،(1) ويوضح الأمر بالقول بأن مفردات علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي مترادفة تقريبا، ففي الكثير من الجامعات الأمريكية يتحدثون عن القضايا نفسها في (علم السياسة) عندما تعالج في إطار قسم علم السياسة، وفي (علم الاجتماع السياسي) عندما تعالج في إطار قسم علم الاجتماع، أما في فرنسا، فإن تعبير (علم الاجتماع السياسي) يسجل قطيعة مع المناهج القانونية أو الفلسفية التي هيمنت طويلا على علم السياسة، وأداة تحليل بواسطة مناهج أكثر علمية، وهو يؤكد أن هذه الفوارق ليس لها أهمية علمية.
وفي نفس السياق يقول بوتومور: "من المستحيل في رأيي إقامة أي تمييز نظري هام بين علم الاجتماع السياسي والعلم السياسي، أو في أقصى الحالات يبدو أن ثمة فروقا ناجمة عن اهتمامات مسبقة تقليدية أو عن تقسيم مريح للعمل".(1) أما مارسيل بر يلو Marcel Prelot فيرى أن:"الفروق بين العلمين، علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي صعب تحديدها طالما أن تعاريف السوسيولوجي نفسها متبدلة".(2)
لا مراء أن علماء المدرسة التقليدية في علم السياسة غير مستريحين لظهور علم الاجتماع السياسي لأنهم يشعرون بأن هذا العلم يهمش عملهم ويضعف من نظرياتهم وتحليلاتهم التقليدية للشأن السياسي، ويرون أن علم الاجتماع السياسي يضعف علم السياسة، كما عملت السوسيولوجي قبل ذلك، وكما تعمل علوم أخرى على منافسة علم السياسة في مجال دراسة السياسة، وفي هذا السياق أشار مارسيل بريلو:"أنه كلما درست السياسة تجد نفسها وكأنها مسوقة من قبل علم آخر، سوسيولوجيا سياسية، اقتصاد سياسي قانون سياسي، تاريخ سياسي، جغرافيا سياسية".
ولكن هذا التداخل أو التنافس بين العلمين ليس بالضرورة أن يؤدى إلى تغليب أحدهم على الآخر، بل يمكن للمنافسة أن تؤدي إلى بلورة مجالات تخصص كل منهم، وما يعزز ذلك أن التخصص والمزيد من التخصص أصبح سمة العصر وخاصية من خواص المعرفة العلمية المعاصرة، كما أن الانغلاق الجامعي والسمة التي يضفيها على الأساتذة والباحثين يقود إلى اختلاف حقيقي بين العلمين، فعلم السياسة يدل على مقاربة أوسع لعلم الظاهرات السياسية، الذي يتفحصها في آن واحد من زاوية المؤسسات القانونية والتاريخ والجغرافيا البشرية والاقتصاد وعلم السكان الخ، في الوقت نفسه الذي يتفحصها فيه من زاوية علم الاجتماع المحض، وعلى العكس، يدل علم الاجتماع السياسي على هذه المقاربة الأخيرة بصورة خاصة، في هذا المعنى إن نظرة عامة أولية على علم السياسة ينبغي أن تشمل ثلاثة مجالات أساسية: من جهة أولى، التعرف على التحليل السوسيولوجي للسياسة، من جهة ثانية، وصف للأنظمة السياسية الكبرى وأخيرا دراسة للمنظمات السياسية كالأحزاب وجماعات الضغط.(3)

المبحث الثاني
التعريف والنشأة
المطلب الأول: تعريف علم الاجتماع السياسي
إذا كان تعريف علم الاجتماع وعلم السياسة يتسم بهذا القدر من الغموض والتضارب في الآراء، وهما علمان عريقان من حيث الوجود ومن حيث رصيدهما المكتوب، فبالأحرى أن يكون تعريف علم الاجتماع السياسي مشوبا بشيء من الغموض وعدم التحديد الدقيق، ومع ذلك لا بأس من أن نتطرق إلى التعريفات التي أعطيت لعلم الاجتماع السياسي لتكون منطلقا نبني عليها مقاربة موسعة لهذا العلم من حيث موضوعاته ونشأته التاريخية.
فبالنسبة لموريس دفرجيه -وكما سبق الذكر- لم يميز بين علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي وعرف هذا الأخير بالقول: "إن مفهوم علم الاجتماع السياسي الأكثر انتشارا في الغرب أنه علم للسلطة والحكومة والولاية والقيادة في كل المجتمعات وفي كل المجموعات البشرية وليس فقط في المجتمع القومي".(1)
نشير إلى أن هذا التعريف نفسه هو تعريف علم السياسة في مرحلة نضجه أي في مرحلة انتقاله من علم الدولة إلى علم السلطة -كما سبقت الإشارة- وهو الأمر الذي يثير تساؤلا لدى القارئ لكتابات دوفرجيه، هل يعترف هذا المؤلف بوجود علم اجتماع سياسي متميز عن علم السياسة؟ أم أن دفريجه يهجر مصطلح علم السياسة لصالح علم الاجتماع السياسي؟.
ونعتقد أن هذا الرأي الأخير هو الأقرب إلى الصحة، وخصوصا أن هناك كتاب آخرين ينحون هذا المنحى منهم مارسيل بريلو الذي يقول: "إن تعليم السوسيولوجيا السياسة بين 1962 -1968 يحثنا اليوم على حصر أمور اهتمام علم السياسة بصورة أدق، فمن علم واهن وغير أكيد أصبح أكثر غنى ودقة لدرجة أن السوسيولوجيا السياسية اعتمدت من البعض كعلم السياسة بكامله".(2)
أما توم بوتومور فيرى أن علم الاجتماع السياسي يعني بدراسة القوة أو القدرة في إطارها الاجتماعي ويقصد بالقدرة هنا، قدرة فرد أو فئة اجتماعية على انتهاج سبيل في العمل -على اتخاذ وتصنيف القرارات وبشكل أوسع، وتحديد جدول العمل لصنع القرارات -إذا اقتضت الضرورة، ضد المصالح بل وضد معارضة الأفراد والفئات الأخرى.(1)
ويعرف ليبست علم الاجتماع السياسي بأنه دراسة الظواهر والنظم السياسية في ضوء البناء الاجتماعي والثقافة السائدة في المجتمع، وهناك من عرفه بأنه "المعرفة العلمية للوسط السياسي"(2).
نستنج مما سبق أن علم الاجتماع السياسي يسعى لدراسة واقع الأحوال والظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية على البناءات السياسية، وبالتالي فهو يعالج النظم الرسمية وغير الرسمية، سواء كانت في إطار دولة أو خارجها، فهو يتعامل مع الظواهر السياسية ليس كظواهر فوقية قائمة بذاتها بل كأجزاء من النسق الاجتماعي الكلي System Social. إن مغزى تدريس علم الاجتماع السياسي وامتداد نفوذه حتى على حساب علم السياسة يكمن في التوجه العلمي نحو دراسة المجتمع باعتباره وحدة كلية يصعب الفصل فيها بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي وبالتالي يستحيل فهم الظاهرة السياسية فهما علميا بالاقتصار على تمظهراتها المؤسساتية والقانونية، فهذه الأخيرة قد تعطينا فكرة عن الحالة السياسية ولكنها فكرة جزئية وغير صادقة، وخصوصا في المجتمعات التي لا تكون فيها المؤسسات السياسية والقانون السياسي -الدستور- إفراز طبيعي لواقع المجتمع، بل تكون أجهزة مفروضة ومقحمة على المجتمع، والعلاقة بينها وبين المجتمع علاقة اغتراب، ويكون الأمر أكثر صعوبة في المجتمعات التي تغيب فيها المؤسسات السياسية أو تصاب بالشلل ويغيب فيها القانون والدستور، هنا كيف يمكن تحليل السياسي في هذه المجتمعات إن لم نرجع إلى البناءات الاجتماعية وعلاقات القوة التي تحكمها.
إن القول بأن علم الاجتماع السياسي هو ذلك العلم الذي يسعى لدراسة القوة أو القدرة في المجتمع يقحم في ميدان البحث السياسي قوى اجتماعية جديدة، كان علم السياسة الكلاسيكي يهمشها مثل النقابات وجماعات الضغط والنخب السياسية والجمعيات والحركات الاحتجاجية والعنفوية والعلاقات العصبية -طائفية كانت أم أثنية-.
ولاشك هنا أن هذه القوى قد لا تمارس السياسة مباشرة ولكن لها تأثير قوى على ممارسي السياسة، وأصحاب القرار السياسي إن كانوا يبررون مصدر شرعيتهم بالقانون والدستور أو بالقوة العسكرية التي يحوزونها، فإن هذه المصادر قد تكون مجرد غطاء يخفي القوى الحقيقية التي تسندهم، وهذه القوى لا نكتشفها إلا في داخل البنيات الاجتماعية، التي قد تكون منظمة في تنظيمات كالنقابات أو الأحزاب أو جماعات الضغط وقد تكمن في ثقافة المجتمع ذاته ومعتقداته.(1)
وحتى ولو ذهبنا إلى القول مع القائلين إن السياسة لا تفهم إلا من خلال الدولة، فإن الدولة ذاتها منبثقة من المجتمع حتى وأن كانت تمارس تسلطا عليه، فالدولة ليست شيئا وهميا أو معنويا بل مؤسسة يقودها أشخاص من المجتمع وتحضي برضا قطاع سواء كان كبيرا أم صغيرا من المجتمع، فالجهاز البيروقراطي الذي يسير دواليب الدولة هو جزء من المجتمع ورجال السلطة والممثلون الدبلوماسيون هم جزء من المجتمع، وعليه كما يقول هارولد لاسكي Harold Laski:" فأن البحث يجب أن يتجه إلى القوى الاجتماعية التي تنبثق منها الدولة، كما يجب أن يتجه البحث عن السيادة إلى هذه القوى، التي تمارس السيادة ممارسة فعلية، وتتخذ من شرعية الدولة القانونية حجابا لسلطتها الحقيقة، ويعني هذا اتجاه البحث السياسي اتجاها اجتماعيا واقتصاديا بدل الاتجاه الفلسفي أو القانوني الذي غلب عليه. بل أن البحث القانوني نفسه أخذ يتجه نحو تحليل المحتوى الاجتماعي والاقتصادي والقدروي للشرعية السلطوية، وينطلق هذا البحث من التساؤل عن سبب إطاعة القانون لان الدولة لا تكون إلا حيث تكون لها سلطة مطاعة. فما الذي يفسر واقع الطاعة الاعتيادية؟ أهو الخوف أم العادة، أو القبول أو المنفعة؟ إن الطاعة تقوم إلى حد ما على جميع هذه العوامل".(2)
إن المغزى العميق لظهور علم الاجتماع السياسي هو إحساس علماء السياسة أن هناك قوى اجتماعية أخذت تفرض نفسها وتؤثر -بدرجات متفاوتة- على السياسة كمؤسسات ونظم وأفكار، وأن أي تحليل للظواهر السياسية بمعزل عن خلفياتها الاجتماعية سيكون تحليلا قاصرا ومظللا، وهذا المنحى السوسيولوجي في التحليل ليس بالشيء المستحدث بل تضرب جذوره عميقا مع أرسطو وأفلاطون وابن خلدون وكارل ماركس وتوكفيل، إلا أنه كان طموحا محدودا من قبل هؤلاء ولم يأخذ كامل أبعاده المنهجية والعملية، إلا حديثا وتحديدا مع ظهور المدارس البنوية والوظيفية والنسقية -وهو ما سوف نتطرق إليه بالتفصيل-.
إذن فإن علم الاجتماع السياسي يسعى لدراسة واقع الأحوال والظروف الثقافية والاجتماعية والاقتصادية على البناءات السياسية، وبالتالي فهو يعالج النظم السياسية الرسمية وغير الرسمية، سواء كانت في إطار دولة أو خارجها، لأنه يتعامل مع الظواهر السياسية ليس كظواهر فوقية قائمة بذاتها بل كأجزاء من النسق الاجتماعي Social system، فالسياسة ليست شيئا مجردا ولكنها علاقة قوة بين أناس يشكلون المجتمع، فالسياسة تعني "مع" و "ضد" أي أن أي حديث عن السياسة هو حديث عن علاقات صراع وعلاقات تضامن، ويكون الصراع من أجل حيازة القوة التي تترجم نفسها كما يقول -رايت ميلز- إلى نشاط سياسي وإلى التموقع نهائيا في شكل علاقة حاكمين بمحكومين.
وعليه يمكن القول إن مجال عمل علم الاجتماع السياسي يتمركز في مجال الترابطات القائمة بين المجتمع وبين الحكم، أي بين البنى الاجتماعية -المجتمع المدني والأهلي المنظم وغير المنظم- والسلطة السياسية، فإذا كان علم الاجتماع يدرس الظواهر الاجتماعية بشكل عام وعلم السياسة يدرس الظواهر السياسية بشكل عام، فإن علم الاجتماع السياسي يدرس نقاط تقاطع العلمين، أو بشكل آخر يدرس البعد السياسي للظاهرة الاجتماعية، والبعد الاجتماعي للظاهرة السياسية.
فلاشك أن هذه المقاربة لتعريف علم الاجتماع السياسي لها بعد تاريخي يكمن في اللحظة التي بدأ يظهر فيها التمييز بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي، وإلى اللحظة التي بدأ العلماء يتلمسون فيها ثقل تأثير الاجتماعي على السياسي، وهذا البعد يعود إلى ظهور المجتمع المدني وعلاقات القوة التي تحكم مكوناته مع بعضها البعض من جهة وتحكم علاقاته بالنسق السياسي من جهة أخرى، هذا التمايز للمجتمع المدني عن النسق السياسي لا يعني الانفصال بينهما بل يعني ظهور علاقات بينهما تضامنية أو صراعية. وأن السياسة لم تعد شأنا مقدسا محاطا بالألغاز والطقوسية مقتصرا على القلة التي تمارس السياسة، بل أصبحت السياسة شأنا اجتماعيا عاما تقوم على مفهوم المواطنة وحق المواطن في أن يكون حاكما ومحكوما، وفي حقه أن يمارس كل أوراق الضغط والقوة المشروعة للتأثير على ممارسي السياسة ومتخذي القرار حتى تؤخذ مصالحه أو مصالح الجماعة التي ينتمي إليها بعين الاعتبار.(1)
المطلب الثاني: النشأة التاريخية لعلم الاجتماع السياسي
يرى غالبية علماء الاجتماع السياسي أن أصول هذا العلم تكمن في التمييز بين الدولة (State) والمجتمع (society) وقد بدأ الأمر لأول مرة ضمن جدل فكري محتدم حول العلاقة بين الطرفين. فحتى القرن السادس عشر لم يكن هناك تصور لإمكانية تميز الدولة عن المجتمع، حيث كان الملك أو الإمبراطور -مجسد سيادة الدولة- يجمع بين يديه سلطات سياسية دنيوية وسلطات دينية وسلطات اقتصادية لا حدود لها. وأصبح الحديث عن إمكانية تميز الدولة كمؤسسة سياسية عن المجتمع مشروعا ومبررا اثر عدة أحداث شهدتها أوروبا بدءا بالثورة الدينية التي أدت إلى الأخذ بالعلمانية، هذه الثورة جردت الحكام من سلاح الدين الذي كان يوظف من طرفهم أو من طرف الكنيسة لتكبيل العقل الإنساني وتقييد إرادة الأمة من الانطلاق والتعبير عن نفسها، حيث كانت الإرادة ترجع للسماء ولكن حسب تفسير ومشيئة رجال الدين، وجاءت خطوة أخرى متجسدة بانهيار النظام الإقطاعي، هذا الانهيار الذي سمح بالفصل بين النظام الإنتاجي والعلاقات الاقتصادية من جهة، والنظام السياسي من جهة أخرى. كما أن الثورة الفرنسية دفعت إلى الأمام عملية التمييز بين السياسي والاجتماعي حيث أدت إلى تطوير الفكر الليبرالي التحرري وتأكيد مبدأ سيادة الأمة وحق هذه الأخيرة في مواجهة الدولة إن هي انحرفت أو زاغت عن الطريق القويم، وأخيرا يعود الفضل إلى الثورة الصناعية في بلورة قوى اجتماعية جديد ة - خصوصا الطبقة العمالية وما بلورت من تنظيمات سياسية- ذات استقلالية عن الدولة ومؤسساتها السياسية.
ولكن العلم لا تصنعه وقائع مادية أو أحداث تاريخية فقط بل أيضا علماء ومفكرون، فالأولى هي القاعدة والمنطلق التي عليها يؤسس العلم ولكنها تبقى وقائع جامدة لا حياة فيها إن لم يكن هناك علماء ذو نظرة ثاقبة وقدرة تحليلية يستخلصوا من هذه الوقائع والأحداث تعميمات ونظريات هي التي تؤسس العلم، وفي هذا السياق فإن علم الاجتماع السياسي له أباء مؤسسون، مع أنهم في زمانهم لم يكونوا يعرفون أنهم يؤسسون علما يسمى "علم الاجتماع السياسي"، بل لم يكن في زمانهم علم يسمى "علم الاجتماع السياسي"، إنهم مؤسسو علم الاجتماع السياسي في نظرنا نحن الذين نبحث في علم الاجتماع السياسي اليوم لأننا بدونهم وبدون دراساتهم وتحليلاتهم ما كان لنا اليوم أن نتلمس أسس هذا العلم ونراكم معرفة نظرية في هذا المجال.
لن نغوص بعيدا في التاريخ لنستنجد بمن يطلق عليهم (المؤسسون الأوائل لعلم الاجتماع السياسي) كأرسطو وابن خلدون، ولكننا سنقتصر على تتبع الإرهاصات الأولى لعلم الاجتماع السياسي في حقبة كان من الممكن فيها الحديث دون محاذير عن علوم اجتماعية حقه وعن دراسات جادة متحررة من هيمنة اللاهوت وهيمنة الفلسفة. ومن هنا يمكن الإشارة إلى مونتيسكوMontesqieu 1689-1755 الذي يرجع إليه الفضل في تسليط الأضواء على التمايز بين البنية الفوقية -الدولة والقانون- والبنية التحتية- الظروف الاجتماعية والبيئية والنفسية، ففي رأيه أن المحددات الاجتماعية تؤثر في طبيعة الحكومة، كما أن قوانين المجتمع تتبدل وتتغير سواء عن طريق قرارات تتخذها الحكومة أو عن طريق تبدل الوسط الاجتماعي، ومن هنا كان مونتسكيو واعيا بأن (التنوع الثقافي) يؤدي إلى تنوع القوانين والحكومات، حيث قال:"إن الدولة هي كل متكامل واقع، وإن كل عناصره المتمثلة في التشريع والمؤسسات والتقاليد لا تعبر إلا عن الأثر والصورة الضروريين اللذين تتجلى من خلالهما وحدته الجوهرية".(1)
إلا أن المفكر الذي يشار إليه كأهم الرواد الأوائل لعلم الاجتماع السياسي فهو سان سيمون Saint Simon، الذي أوجد علاقة جدلية متداخلة بين مختلف أنساق المجتمع حيث أكد على أن البناء الاقتصادي هو الأساس الذي تنهض عليه الدولة وأن الاقتصاد السياسي هو الأساس الحقيقي للسياسة، وأن المجتمع المدني أهم في نظره من المجتمع السياسي حيث كتب يقول: "لو حدثت في ليلة صماء فاجعة مفاجئة ذهبت بأكثر الشخصيات الكبرى من الأسرة المالكة والوزراء وكبار القضاة... وسواهم ممن في هذه الطبقة، فإن الشعب الفرنسي سيبكيهم حتما لأنه شعب حساس، لكن هذه الفاجعة لا تبدل شيئا مهما أو تغير تغييرا ذا أثر في أعماق الشعب، أما لو ذهبت هذه الفاجعة برؤوس العلماء والصناعيين وأرباب المصارف والبنوك... فإن خسارة المجتمع فيهم ستكون كبيرة جدا، لأن مثل هؤلاء لا يمكن تعويضهم بسهولة"،(2) وهذا التحليل لبناء القوة في المجتمع يجعل سان سيمون من رواد نظرية النخبة حيث يعطي دور الريادة في قيادة المجتمع لفئة رجال الصناعة والعلماء.
لعب الفيلسوف هيغل Hegel دورا في عملية التمايز بين النسق السياسي وبقية أنساق المجتمع، حيث بلور فكرة المجتمع المدني، معتبرا أياه إنجازا للعالم الحديث، ففي مؤلفه الذي نشر عام 1821 حذر من الخلط بين الدولة والمجتمع المدني فهذا الأخير في نظره يشكل نسقا متميزا عن الدولة وأن كان غير منفصل كليا عنها ويفقد معناه بدونها، ويعني المجتمع المدني كل المصالح الخاصة والعلاقات التي يقيمها الأفراد بعيدا عن الدولة.
إلا أن الفهم الحقيقي لكيفية تساوق النظم الاجتماعية مع النظم السياسية، وهو الأساس الذي يقوم عليه علم الاجتماع السياسي قد تحقق عند كل من إلكس دي توكفيل Tocqueville وكارل ماركس. فقد اعتبر توكفيل من خلال مناقشاته حول المنظمات التطوعية في الولايات المتحدة الأمريكية(1) أن الثورة الديمقراطية أهم من الثورة الصناعية، فالأولى لعبت دورا هاما في تشكيل المجتمع الحديث لكونها تسعى إلى المساواة الاجتماعية وإزالة الفوارق بين الأفراد، ووضع جميع المهن والمكافآت والتكريمات في متناول كل فرد في المجتمع، وقد دعا توكفيل إلى ضرورة وجود علم جديد للسياسة يتمشى مع ظهور عالم جديد، عالم الديمقراطية.
أما الماركسية كما وضع أسسها كارل ماركس فقد أكدت على وجود علاقة بين البنيتين التحتية والفوقية، فماركس يؤكد دوما بأن كل تجليات الحياة السياسية لا يمكن أن تفهم أو تفسر إلا بواسطة الاقتصاد، فالاقتصاد محدد للسياسة، وعليه فالدولة كبنية فوقية ما هي إلا عنصر تابع في عملية اجتماعية شاملة تكون القوى المحركة الرئيسية فيها هي التي تنشأ عن نمط معين من الإنتاج، ويقول في ذلك وفي مقدمة كتابه (مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي) 1859، "لقد ساقتني دراساتي إلى الاستنتاج بأن العلاقات القانونية وكذلك أشكال الدولة لا يمكن فهمها بحد ذاتها، ولا تفسيرها بما يسمى التقدم العام للذهن البشري، بل إن جذورها تكمن في الظروف المادية للحياة والتي لخصها هيغل على طريقة الكتاب الإنكليز والفرنسيين في القرن الثامن عشر تحت اسم المجتمع المدني، وأنه ينبغي البحث عن التركيب البنيوي للمجتمع المدني في الاقتصاد السياسي".(2)
هكذا نلاحظ أنه بالرغم من أن كلا من ماركس وتوكفيل قد لمسا عملية التمايز بين الدولة -كجهاز فوقي- ومختلف الأنساق التحتية: اقتصادية ومجتمع مدني فإنهم اختلفا في مركز التأثير والأهمية، فتوكفيل ركز اهتمامه على الديمقراطية وما تضمنه من توجه نحو التعاون والاتفاق، والنظر إلى وحدات المجتمع باعتباره وحدات اختيارية يمكنها أن تحافظ على اتفاقها وانسجامها العام بالرغم من تعددها وانقسامها، أما كارل ماركس فقد ركز على أوجه الصراع داخل المجتمع، ونظر إلى وحدات المجتمع باعتبارها وحدات متصارعة على أسس طبقية. وأن الدولة هي انعكاس هذا الصراع وتجسيد لهيمنة الطبقة المسيطرة.
إذا كانت دراسة توكفيل وماركس قد تمحورت على جوانب الاتفاق والصراع داخل النسق الاجتماعي وأثرها على النسق السياسي فإن جيلا جديدا من الباحثين ومع عدم تجاهلهم لأفكار السابقين طوروا أبحاثهم المتجهة، لدراسة علاقات القوة أو القدرة في المجتمع، نحو الاهتمام بالفئات الاجتماعية، ومختلف التفاعلات التي تعمل داخل النسق الاجتماعي ومدى تأثيرها على النسق السياسي، متناولين قضايا لم تكن معهودة من قبل إما لأن علماء السياسة كانوا غارقين في الدراسات المؤسساتية والقانونية، أو لأن موضوع اهتمامهم -الفئات الاجتماعية- هي من افرازات المجتمع الصناعي الحديث ومن سمات المجتمع المدني، مثل الأحزاب والنخب والبيروقراطية الخ.
ومن أهم هؤلاء المفكرين بنتلي Arthur Bently وفليفريدو باريتوVilfredo Pareto ورايت ملز Wright Mills وموسكا Mosca وروبرت مشيلز Michels وماكس فيبرMax Weber كل منهم ساهم في التطوير النظري والمفاهيمي لعلم الاجتماع السياسي وفي تسليط الضوء على جانب ما من علاقات القوة في النسق الاجتماعي وتأثيره على النسق السياسي.
يعد بنتلي من أوائل الدارسين للعملية السياسية من خلال العملية الاجتماعية، حيث يرى أن العملية السياسية هي نتاج تفاعل الفئات الاجتماعية في تنازعها على القدرة السياسية، وإن جوهر السياسة يكمن في الصراع ونتائجه بين مصالح الجماعات، ويشكل أعضاء الحكومة الرسميين في نظره مجرد جماعة سياسية ويتصرفون كما تتصرف أي جماعة أخرى ولكن الجماعة السياسية ونظرا لطبيعة موقعها السلطوي فإنها تتميز بالسعي للمحافظة على توازن القوى بين الجماعات الأخرى. ونشير إلى أن هذا التناول للشأن السياسي عند بنتلي بربطه بالجماعات قد تعرض للنقد لأنه يتجاهل المصلحة القومية للبلاد، أي وجود أهداف ومصالح أسمى من أهداف ومصالح الجماعات كقوى منفصلة.‏
أورد بنتلي أفكاره الرئيسية حول هذا الجانب في كتابه حول (العملية الحكومية The process Goverrment)، وقد أغنت مساهمة بنتلي الدراسات الفئوية مع أنه لم يهتم بها آنذاك ولم تظهر القيمة العلمية لكتاباته إلا فيما بعد، ويشرح بنتلي نظريته الفئوية وأثرها على العملية السياسية قائلا: "إننا لا نستطيع أن نجد المادة الأولية للحكومة في كتب القانون لأن هذه الكتب تقتصر على بيان الطريقة التي يسلكها بعض المشاركين في الحكومة أو يزعمون أنهم يسلكونها، ولا نستطيع أن نجد هذه المادة في القانون الذي تكتب عنه الكتب القانونية، إلا إذا عنينا بالقانون سلوك الناس القانوني فيبدو القانون حينئذ كوجه عام من المادة الأولية للحكومة، ولكنه لا يشمل هذه المادة بكاملها. ولا نستطيع أن نجد هذه المادة في محاضر المؤتمرات الدستورية أو في المناقشة التي تجري أو الحجج التي تتبادل فيها... ولا نستطيع أن نجدها في الخطب والمقالات والنداءات والصرخات حول الاستبداد والديمقراطية... ولا نستطيع أن نجدها في طبائع الشعوب أو مشاعرها أو أفكارها أو أفئدتها أو عقولها. فكل هذه افتراضات وأحلام... وأي كانت الحقيقة التي تتضمنها فإنها حقيقة نظرية، إن المادة الأولية التي نريدها موجودة في الفعاليات التشريعية والإدارية والقضائية التي تقوم بها الأمة، وفي الجداول والتيارات التي تتجمع لدى الشعب وتنساب في هذه الفعاليات، إنها الشعب الذي يجابه شخصا ما أو شيئا ما وهو يسعى للتوصل لغذاء أفضل أو ضمان أسلم، أو مواصلات أحسن، آو غير ذلك من الأمور. هذه هي الوقائع البسيطة التي يجب علينا أن نتخذها موضوعا لدراستنا... إنها فعالية الفئة التي أصبح لها شكلها العابر أو الدائم، وبات محددا تحددا كافيا يسمح لنا بأن نتناولها وأن نصفها وأن نقيمها بضوء فعاليات أخرى، وإذا شئنا بضوء نظرية حول أهمية الأفكار في حياة الشعب... فالنظريات والأفكار المسبقة تعترض سبيلنا في كل بحوثنا ولذلك يحسن بنا أن نحرص على أن نبدأ أولا من نظرية بالغة الموضوعية لفئة الشعب الفاعلة، سواء أكان ذلك بالقول أو بالعمل وأن نرى علاقة فعاليتها بفعاليات الفئات الأخرى، وأن نلاحظ كل هذه الفعاليات بأبسط وأحسن طريقة نقدر عليها".(1)
تقدمت دراسة الفئات الاجتماعية خطوة إلى الأمام لتساهم في وضع أسس علم الاجتماع السياسي، فردا على المفهوم الماركسي حول الطبقات والصراع الطبقي داخل المجتمعات، وضع بعض المفكرين الليبراليين مفهوم (النخبة) أو (الصفوة) Elite وهدفهم من ذلك رفض مفهوم ماركس حول حتمية وتأصل الطبقات الاجتماعية في المجتمعات الرأسمالية، حيث يرون أن ما تعرفه هذه المجتمعات هو تفاوت يتسم بالحركية التي يخلقها التنافس والابتكار، وأن الفئة الحاكمة ليست شرطا تجسيدا لسيطرة طبقة بعينها. كما أنهم ومن خلال نظريتهم حول النخبة أرادوا التشكيك بنظرية الديمقراطية التي تقوم على أن الديمقراطية المطبقة في الغرب تسمح للمواطن بأن يكون حاكما ومحكوما، وأنها تتسم بالمساواة بين جميع الأفراد. ويرجع الفضل لعالم الاجتماع فليفريدو باريتوVilfredo Pareto في كتابه (علم الاجتماع العام) في إدخال مفهوم النخبة كأحد مكونات علم الاجتماع السياسي، فعرف النخبة بأنها جماعة الناس الأكثر تفوقا وامتيازا داخل مجتمع ما وتحتل أعلى المراكز فيه، وقسمها إلى نخبة حكومية ونخبة غير حكومية..
وترسخ مفهوم النخبة في الدراسات الاجتماعية السياسية مع إضافات وإسهامات غايتانو موسكا Gaetano Mosca في كتابه (عناصر العلم السياسي)(1) ليعمق مفهوم النخبة ويشرح دورة النخبات، فقد أطلق موسكا على النخبة الحاكمة أسم الطبقة السياسية وقال إن هذه النخبة أو الطبقة السياسية تتميز عن غيرها أو عن النخبة غير السياسية بالأدوار الاجتماعية التي يقوم بها أعضاؤها وليس بالنسبة إلى معدل كفاءات أعضائها الفردية، وبالنسبة لدورة النخبة فقد رأى موسكا أنه في المجتمعات الحركية -أي الديمقراطية الحديثة- يجري تنقل النخبات بصورة طبيعية، حيث أن الانتماء إلى هذه النخبة الحاكمة مفتوح للجميع فهي غير مغلقة على فئة محددة، وعلى عكس ذلك فإن دورة النخبة في المجتمعات غير الحركية -أي غير الديمقراطية- بطيئة ورديئة حيث تنغلق النخبة الحاكمة على نفسها.(2)
ومن المجالات التي اهتم بها علماء الاجتماع السياسي قضية البيروقراطية حيث شكلت كتابات ماركس فيبر وميشلز Michels أهم المساهمات في هذا المجال. فيرى فيبر أن البيروقراطية هي إفراز لظهور المجتمعات الصناعية الحديثة، وإن ما يميز التنظيم البيروقراطي هو استناد قواعده إلى معرفة فنية وتفكير عقلاني، ويعد فيبر أول من وضع نظرية حول البيروقراطية عام 1922، وجعل منها محور نظريته حول التنظيم والدولة، أما ميشلز كروزييه Grozier فقد تتبع المعاني التي أعطيت للبيروقراطية مشيرا إلى ثلاثة معان: ففي البداية كانت تدل على المكاتب وخصوصا الحكومية المرتبطة بسلطة مركزية صاحبة القوة الكلية، وفي مرحلة أخرى توسعت الكلمة لتعني ذلك النموذج من البنى المطبق على سائر التنظيمات والمتصفة بالروتين والتسلسل أما المعنى الثالث فهو المعنى الدارج والذي يعطي للبيروقراطية معنى سلبي، البطء والروتين وعدم التجاوب مع رغبات الناس ومصالحهم. ويرى كروزييه أن البيروقراطية تخفف من التفاوت والتبعية والسيطرة التي تنجم عن ممارسة السلطة.
وبصورة عامة فقد اعتبر كل من فيبر وكروزيه أن المشكلة الأساسية في المجتمعات الحديثة ليست هي الرأسمالية أو الاشتراكية بل هي العلاقة بين البيروقراطية والديمقراطية.
ونلاحظ أنه كلما ازداد علم الاجتماع السياسي رسوخا ازدادت موضوعاته تخصصا وازدادت مناهجه تبلورا، حيث انتقل من دراسة فئات اجتماعية بشكل عام إلى دراسة فئات اجتماعية خاصة، كالأحزاب السياسية على يد روبرت ميشيلز وموريس دفرجيه، والطبقات الاجتماعية والديمقراطية، والتغير الاجتماعي، والرأي العام والنظم السياسية على يد غيرهم من المفكرين.
واليوم وبعد تراجع العقائد والايدولوجيا في الحياة السياسية وخصوصا المجتمعات الغربية، - المجتمعات ما بعد الصناعية - وبعد تقلص أهمية الأحزاب السياسية وخصوصا الجماهيرية، بدأ مفهوم الحركات الاجتماعية Mouvements sociales يظهر مجددا في الكتابات الاجتماعية والسياسية نظرا لما أصبح لها من دور مؤثر في المجتمعات وبما كان آلان تورين - في كتابه عودة اللاعب: النظرية الاجتماعية ما بعد المجتمع الصناعي - من المفكرين المعاصرين الذين أحيوا مجددا مفهوم الفئات الاجتماعية حيث يعتبرها القوة الاجتماعية القادرة على تحدي الوضع القائم ومجابهة سلطته المركزية بوسائل تختلف عن وسائل الثورة التقليدية.
ويمكن القول أخيرا أنه إذا كان علم الاجتماع السياسي في ظهوره وتطوره في الغرب قد استند على مبررات منهجية وعلمية تفسر ظهوره، فإن هذه المبررات في العالم الثالث أكثر حضورا، ذلك أن خصوصية الدولة في هذه المجتمعات وخصوصية السياسي فيها، يجعل الظاهرة السياسية ذات خصوصية لا يمكن فهمها إلا بإرجاعها إلى سياقاتها الاجتماعية، فالتعددية الحزبية في هذه البلاد، والانتخابات، والعنف الاجتماعي، والسلطة السياسية، كلها أمور لا تفهم في إطار نظريات علم السياسة المتعلقة بهذه الأمور، بل يجب الغوص في البنيات العقلية والأنساق الاجتماعية والثقافية حتى يمكننا تفسير وفهم هذه القضايا. فالعلاقات القرابية والمعتقدات الدينية والرواسب النفسية والعقلية لهذه المجتمعات هي التي تعطي للظاهرة السياسية مدلولها الخاص، فالقبيلة أو الطائفة لها حضور وتأثير يكون أحيانا أكثر من تأثير وحضور الدولة، والشخص الرمز -ثوري أو تقليدي، أو ديني- له حضور واحترام وتأثير أكثر من تأثير وحضور المؤسسات والقانون، والتعددية لا تقوم على برامج سياسية واقتصادية واجتماعية، بل على انتماءات أثنية أو طائفية، أو إقليمية والأشخاص لا يذهبون عند الانتخابات للتصويت على برامج بل على أشخاص تربطهم بهم علاقة قرابة أو علاقة قوة، والدين ليس شأنا أو نسقا مستقلا بل إنه يتغلغل ويفرض حضوره في النسق السياسي والنسق الاجتماعي والنسق الاقتصادي، وهو وان لم يكن الحاكم فإن له نفوذا عظيما على هذه المجتمعات.
ويمكن القول إن دول العالم الثالث أكثر حاجة إلى علم اجتماع سياسي خاص بها لأن كل التنظيرات والمقاربات السياسية التي جاءت من الغرب أو من الشرق ثبت عجزها عن فهم وتفسير الحياة السياسية في دول العالم الثالث أو كانت دراستها متحيزة قصدا أو متحيزة لجهل الباحثين الغربيين خصوصيات المجتمعات الثالثية.
وخلاصة القول إن ظهور علم الاجتماع السياسي كعلم قائم بذاته يعطي مجالا خصبا لعلماء السياسة في دول العالم الثالث لدراسة أنظمتهم السياسية ونظمهم الاجتماعية وقضاياهم ومؤسساتهم السياسية، متحررين من تنظيرات علماء السياسة التقليديين، هذه التنظيرات التي تزعم العالمية وتسقط مقولاتها على جميع المجتمعات، محاولة في ذلك إضفاء طابع الشمولية والعالمية لقوانين ونظريات غربية النشأة، تفرضها كمسلمات ومقولات صالحة للتطبيق في كل مكان وزمان متجاهلة تباين المجتمعات فيما بينها.(1) وقد أكدت الأحداث أن انتزاع الأيديولوجيات والنظريات الاجتماعية من سياقاتها الاجتماعية التي انبثقت منها وحققت فيها النجاح ومحاولة فرضها على سياقات أو أوضاع اجتماعية مغايرة أدى لنتائج سلبية بل ومدمرة، سواء كانت هذه النظريات ذات طبيعة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، فليس دائما يمكن تبيئة النظريات والأفكار الاجتماعية.
وحيث أن علم الاجتماع السياسي يخضع دراسة الظاهرة السياسية للوسط الاجتماعي، بما يعتمل في هذا الوسط من صراعات وإيديولوجيات وتضارب مصالح، فإن البحث في هذا المجال سيواجه مشكلة عويصة وهي كيفية الالتزام بالموضوعية العلمية والتحرر من الإغراءات التي قد تحرفه عن هدفه الأساسي، الاقتراب من الحقيقة، وعليه فقد ارتأينا إثارة هذا الجانب نظرا لأهميته.

المبحث الثالث
علم الاجتماع السياسي وإشكالية الموضوعية (OBGECTIVITY)
يقصد بالموضوعية معالجة الظواهر كأشياء لها وجود خارجي مستقل عن وجود الإنسان، والشيء الموضوعي هو ما تتساوى علاقته بمختلف الأفراد أو المشاهدين مهما اختلفت الزاوية التي يشاهدون منها، ويعني التزام الموضوعية انطلاقا من ذلك أنه لو قام باحثان أو أكثر بإجراء نفس خطوات البحث العلمي على ظاهرة ما، ستكون النتيجة المتوصل لها واحدة.
وبالرغم من أن الموضوعية ركنا رئيسيا من أركان النسق العلمي، بل هي هدف رئيسي له، لأنه بالموضوعية وحدها يمكن الاقتراب من الحقيقة وتنزيه النفس الباحثة عن كل أسباب التحيز الشخصية والإيديولوجية وغيرها، بالرغم من ذلك فإن الموضوعية تبقى هي (المستحب بعيد المنال)، وخصوصا في مجال البحث الاجتماعي بشكل عام وعلم الاجتماع السياسي على وجه الخصوص، ذلك أن فجوة كبيرة توجد دائما بين الصياغات النظرية عن الواقع والتي تأخذ صفة المعرفة العلمية وبين الواقع ذاته.
إن مجال البحث الاجتماعي السياسي مليء بالألغام والشراك التي تجعل من عملية عقل الواقع والوصول إلى الحقيقة أو الاتفاق حولها أمرا بعيد المنال، وبالرغم من كل الادعاءات الطموحة القائلة بمماهاة المعرفة العلمية الاجتماعية بالمعرفة العلمية في العلوم الحقة من حيث دقتها فإن الواقع شيء آخر، ذلك أن مجمل التنظيرات في مجال العلوم الاجتماعية هي أقرب إلى الافتراضات منها إلى النظريات والقوانين الدقيقة من حيث تطابقها مع الواقع، فهذه التنظيرات لا تشكل انعكاسات كاملة لعالم الواقع الحسي إنها أحد جوانب الحقيقة وليست كل الحقيقة، وطبيعي أن لا تكون المعرفة العلمية الاجتماعية انعكاسا مكتملا للواقع ما دامت هذه المعرفة هي مجرد صياغة عقلية لباحث أو عالم ما حول موضوع محدد في زمان ومكان محددين.
فبما أن الباحث إنسان له أهواء ونزعات ومرتبط بمصالح وأهداف متعددة، وبما أنه من جهة أخرى لا يمكنه عند تناوله لموضوع اجتماعي سياسي ما أن يلم بكل عناصر الظاهرة أو الموضوع محل البحث باستقراء كامل، نظرا لتعدد المتغيرات الفاعلة في الظاهرة الاجتماعية وصعوبة إدراك كل المتغيرات لان بعضها عصى عن الإخضاع للتجربة أو المقارنة، وحيث أن العالم أو الباحث الذي يثير هذه المعرفة العلمية محكوم بمحددات الزمان والمكان وهذان متغيران متبدلان، لكل ذلك فإن ما يسمى بالمعرفة العلمية الاجتماعية تبقى معرضة للنقد وبحاجة للتمحيص، ولا يمكنها إلا أن تكون مجرد وجهة نظر أو فرض على درجة كبيرة من المصداقية، هذه الخصوصية للمعرفة العلمية الاجتماعية هي التي دفعت جان بياجه إلى القول: "إن رجل العلم ليس أبدا عالما خالصا لأنه دوما مرتبط بموقف ما فلسفي أو أيديولوجي وبخصوصيات اجتماعية، وملتزم بالمحايثة الاجتماعية".
وحتى يمكن مداناة مسألة الموضوعية بشكل أكثر علمية يستحسن أن نتناولها من جانبين: الأول، يتعلق بالباحث نفسه، والثاني يخص النظريات الاجتماعية الزاعمة أنها علمية وعالمية.
المطلب الأول: على مستوى الباحث
نبه المفكرون المسلمون إلى ضرورة توفر صفات وخصائص في الشخص الباحث،(1) فيقول حسن بن الهيثم (965-1039: "ونجعل غرضنا في جميع ما نستقريه ونتبعه استعمال العدل لا إتباع الهوى، ونتحرى في سائر ما نميزه وننقده طلب الحق لا الميل مع الآراء... وليس ينال من الدنيا أجود ولا أشد قربة إلى الله من هذين الأمرين).
أما البيروني (362-440هـ) فيقول في الموضوع: "إن التوصل إلى الحقيقة يقتضي تنزيه النفس عن العوارض المردية لأكثر الخلق، أو الأسباب المعمية لصاحبها عن الحق، وهي العادة المألوفة والتعصب، والتظاهر وإتباع الهوى، والتغالب بالرياسة وأشباه ذلك". وقد ساهم ابن خلدون بدوره في لفت الانتباه إلى أهمية الالتزام بالموضوعية وخصوصا في الدراسات التاريخية، حيث انتقد منهج النقل ليؤسس منهج التحقيق والتحميص للتأكد من مطابقة ما يروى لطبائع الأحوال في العمران، وقد أرجع ابن خلدون غياب الموضوعية في البحوث التاريخية إلى أسباب منها انسياق المؤرخ وراء ميوله وأهوائه الشخصية وتملقه لمن في السلطة.
ومنذ أن أسّسَت العلوم الاجتماعية في منتصف القرن الماضي وهي تضع الموضوعية في بؤرة اهتماماتها، بل وتعتبرها الأداة الأساسية للوصول إلى الحقيقة العلمية، إلا أن هناك إجماعا على أن الطابع المتميز للموضوعية في البحث الاجتماعي لا يسمح باتفاق مواقف وأراء الباحثين في موضوع اجتماعي سياسي ما حتى وإن وظفوا نفس المنهج ونفس أدوات البحث، لان الأمر -كما سبق الذكر- يخص قضايا تتداخل فيها ذات الباحث مع موضوع بحثه.
إن كون الباحث جزءا من الظاهرة الاجتماعية الملاحظة -سواء كان يدرس ظاهرة الأصولية أو التعددية الحزبية، أو الطبقية، أو الفقر أو الاغتراب السياسي أو أي قضية اجتماعية بشكل عام- يؤثر ويتأثر بها لارتباطه بالواقع الاجتماعي سواء على مستوى الوضع العائلي أو جنسه أو وضعه الطبقي أو انتمائه القومي أو الحزبي.. كل ذلك يحد من ضمان نقاء الوعي أو حياده بالمعنى العلمي، لأنه كانسان يميل بطبعه إلى إسقاط وضعه الاجتماعي أو مصلحته على الأفكار، فتكون نتائج البحث متحيزة لا تعكس بالضرورة واقع الظاهرة المبحوثة، بل تعبر عن رؤية الباحث لهذا الواقع.
فالباحث بوعي منه أو بدون وعي سيجد نفسه يعبر عن موقف ما، يؤيده أو يرفضه، وحتى وأن اتخذ موقفا محايدا في قضية مختلف بشأنها، فإن حياده يعد موقفا بحد ذاته، (فعالم الاجتماع يكون سياسيا حتى ولو لم يشأ ذلك). وغياب الموضوعية تفرض نفسها أحيانا خلال كل مراحل البحث، منذ تحديد الباحث لإشكالية البحث ثم وضع الفروض، وعلى مستوى اختيار المراجع إن كان يقوم ببحث نظري، وعلى مستوى اختيار عينة البحث إن كان يقوم ببحث ميداني، أيضا على مستوى تحليل البيانات، والمعلومات المجمعة.فالتحيز المنافي للموضوعية هو ذلك الناتج عن فعل إرادي يقوم به الباحث قصد تشويه الحقيقة ابتغاء مصلحة خاصة، أو تلبية لميول أيديولوجية خاصة، أو سعيا وراء الطريق السهل في البحث، أما أن يلتزم بكل خطوات المنهج العلمي ويتوصل إلى نتيجة مختلفة عن النتيجة التي يتوصل إليها باحث آخر التزم بدورة بخطوات المنهج العلمي، فإن هذا الاختلاف لا يعتبر تحيزا أو منافيا للموضوعية، فالحقيقة الاجتماعية لها عدة وجوه، وقد اعتبر أوسكار لانجه في كتابه (الاقتصاد السياسي) أن: "الخلافات في الرأي طبيعية تماما في تطور العلم، إذ أنها تنبثق عن الطبيعة الجدلية للمعرفة، حيث يتكون الفكر الإنساني من خلال التفاعل المتبادل بين الإنسان والواقع المحيط به، فالمعرفة تتطور من خلال التعارض بين نتائج المشاهدات والتجارب الجديدة والأفكار والنظرية العلمية القائمة من قبل".
وعليه فإن تعدد الآراء لا يشكل أي تعارض مع الموضوعية العلمية لان التعددية هنا صراع من أجل الوصول إلى الحقيقة،(1) أما التحيز أو انتفاء الموضوعية فهو التحيز الذي يبعد الباحث عن فهم الواقع على حقيقته عمدا، وأن كان يفهم الواقع فإنه يتعمد إعطاء صورة عنه على خلاف حقيقته، ويكون هذا غالبا بفعل الايدولوجيا أو (الوعي الكاذب) Ideology والتي تطرق إليها بتوسع كارل منهايم Mannhiem.(2)
فقد ميز منهايم بين الإطار الكلي أو المفهوم الواسع للايدولوجيا وبين الايدولوجيا الجزئية أو الخاصة، وكلا النوعين يعملان على تشويه الواقع ونقل صورة غير حقيقية عنه، فالايدولوجيا الكلية هي التي لا تقتصر على شخص واحد بل تشمل مجتمع أو طبقة بكاملها، فهي تعبر عن بنية عقلية فكرية يكون الشخص -الباحث في موضوعنا- منساقا بقوة دفعها وبسيطرتها على تفكيره وسلوكه وتأتي تفسيراته وتحليلاته للظاهرة موضوع البحث، لا شعوريا متأثرة بالأيديولوجية التي ينتمي إليها. أما الايدولوجيا الجزئية، فهي عبارة عن موقف واع يتخذه الباحث ويخفي من خلاله الحقيقة إن كان الإقرار بها يتناقض مع مصالحه، أو إذا كانت الحقيقة لا تتفق مع تصوراته وإيديولوجياته الخاصة، فالإيديولوجية الجزئية في هذه الحالة تصرف محسوب لخداع الغير وأحيانا خداع ألذات.
وفي نفس السياق يرى ماكس فيبر في كتابه (رجل العلم ورجل السياسة) أنه يمكن التمييز بين أحكام القيمة وهي التي تنتمي إلى عالم الايدولوجيا، وأحكام العلم والتي هي أحكام الواقع، فعالم الاجتماع من وجهة نظره ليس من اختصاصه إصدار قيمة أو تحديد أهداف اجتماعية، لان هذه من اختصاص رجال السياسة، وأن كان من حق رجل العلم في حياته العادية أن يكون له انتماء أو موقف من قضية ما مثار خلاف، إلا أنه في إطار عمله العلمي -داخل الجامعة أو في إطار فريق بحث اجتماعي- عليه أن يتجرد من هذه الميول ويبتعد عن أحكام القيمة، وعليه أن يلتزم بالموضوعية التي تعني اتخاذ موقف محايد تجاه نسق القيم وهو المبدأ الذي سماه فيبر:"مبدأ التحرر من القيم".(3)
المطلب الثاني: على مستوى الموضوعات المبحوثة
إذا كان النوع الأول من التحيز وغياب الموضوعية يعود إلى الباحث نفسه كعمل إرادي يقوم به الباحث للابتعاد عن الحقيقة، فإن هناك نوعا آخر من التحيز وغياب الموضوعية يعود إلى طبيعة العلوم الاجتماعية بما فيها علم الاجتماع السياسي.
ذلك أن شكوكا أثيرت حول مدى حيادية العلوم الاجتماعية، ومدى صحة القول بان المعرفة المتضمنة في هذه العلوم هي معرفة علمية تتسم بالدقة والشمولية والقابلية للتعميم على كل المجتمعات، حيث يرى العديد من الباحثين أن هذه العلوم متحيزة بطبيعتها، وأن الايدولوجيا الكلية محايثة لمقولات وتعميمات هذه العلوم. فالباحث الاجتماعي حتى وأن استطاع أن يتحرر من (الايدولوجيا الجزئية) -أي الموقف الشخصي المسبق للباحث- فإنه لا يمكنه أن يتحرر من (الايدولوجيا الكلية) أي التزامه بالقيم الكلية والشمولية للمجتمع الذي ينتمي إليه، فهذه الأخيرة ليست عمل إرادي للباحث، بل تعبر عن بنية عقلية فكرية يكون الباحث منساقا بقوة دفعها وسيطرتها على تفكيره وسلوكه وتأتي تفسيراته للظاهرة موضوع البحث لا شعوريا متأثرة بها.
هذا النوع من التحيز لقضية اجتماعية كلية، أي للمجتمع الذي ينتمي إليه الباحث، هي التي تضع العلوم الاجتماعية في حالة تنازع بين الخصوصية والعالمية، وهي التي تحث الباحثين الوطنيين في كل دولة لصياغة مقولاتهم ونظرياتهم الاجتماعية السياسية انطلاقا من خصوصياتهم الاجتماعية، وتفرض عليهم الحذر في التعامل مع النظريات الاجتماعية المستوردة سواء في مجال علم الاجتماع العام أو في المجال السياسي، وهو الأمر الذي يعطي المبرر القوي لظهور علم الاجتماع السياسي باعتباره العلم الذي يتجاوز التحليلات السياسية النظرية التي تزعم العالمية إلى تحليل الظواهر السياسية انطلاقا من خلفياتها الاجتماعية والنفسية في كل مجتمع مجتمع.
وقد شغل هذا الموضوع العديد من الباحثين في العديد من فروع علم الاجتماع العام حيث أن التباين الواضح بين المجتمعات، المتقدمة والمتخلفة، طرح تساؤلات عميقة حول مدى نجاعة النظريات الاجتماعية الغربية في تفسير المجتمعات الثالثية وفي فهم مشاكلها الاجتماعية، سواء الاقتصادية منها أو الاجتماعية أو السياسية، وهل أن مقولات هذه النظريات الغربية أو الشرقية تشتمل على قدرة تفسيرية للبنى العميقة للمجتمعات الثالثية وللرواسب النفسية والتاريخية والثقافية التي تحكم نظرة الإنسان الثالثي إلى محيطه الاجتماعي ونظمه السياسية والاقتصادية.
فعلى مستوى علم اجتماع التنمية Sociology of Devlopment يرى كل من مرجريت كولسن وديفيد ريدل في كتابهما (مقدمة نقدية في علم الاجتماع) أنه: "ثمة تراث حافل حول علم اجتماع التنمية الذي يعنى بدراسة التخلف الاجتماعي... ويعد الموضوع المشترك بين هذه الكتابات صورة أو أخرى من صور التحديث Modernization الذي يحاول من خلاله كاتب من مجتمع متقدم -عادة ما يكون الولايات المتحدة الأمريكية- تفسير سبب عدم تشابه ذلك المجتمع المتخلف مع مجتمعه، والبحث عن الكيفية التي يكون بها هذا المجتمع الذي يدرسه على غرار مجتمعه، وهناك مداخل تحتوي خطأ سوسيولوجيا أساسيا يوسم بالتمركز العنصري Ethno-Centrism ذلك لأنها تحكم على المجتمع أو الجماعة الأخرى في ضوء المعايير والممارسات المتداولة في مجتمعاتها، وغالبا ما يتجاهل الباحث أن للمجتمع المتخلف بناءه الدينامي التاريخي الذي تأثر لقرون من الزمان بتفاعلات ذات طبيعة دولية".(1)
وفي نفس سياق الإحساس بضرورة دراسة الظواهر والمشاكل الاجتماعية/ السياسية في سياقها الاجتماعي، يرى الباحث الباكستاني جيلانيM.S. Jillani بأن: " النظريات التي قال بها كونت وسان سينون ودوركهايم في فرنسا أو تلك التي قال بها وستر مارك وهوبهوس في انجلترا قد لا تكون ممكنة التطبيق تماما هنا {يقصد لباكستان}... فكأن الأمر يتعلق بمعنى ما، بتوجيه علم نما فوق أرض أجنبية داخل ثقافات أجنبية".(2)
إذن فإن تمايز الواقع الاجتماعي يفرض تمايز وتعدد التنظيرات والصياغات العقلية المعبرة عن هذا الواقع، وتمايز المجتمعات الثالثية عن المجتمعات الغربية التي منها انطلقت غالبية العلوم الاجتماعية بمناهجها ومقولاتها، يحتم على علماء العالم الثالث تكريس جهودهم لوضع الحدود بين ما هو عام وعالمي وما هو خاص ومحلي، وأن يحللوا نظمهم الاجتماعية/السياسية ليس انطلاقا مما يقول به علماء الاجتماع الغربيين بل انطلاقا من واقعهم الاجتماعي، لأنه لا يمكن أن تكون نظمهم ومؤسساتهم الاجتماعية/السياسية صورة طبق الأصل لنظم ومؤسسات البلدان المتقدمة.
ويرى مالك بن نبي في كتابه (المسلم في عالم الاقتصاد) أن الواقع الاجتماعي: " لا يفسر على أساس معادلة واحدة بل حسب معادلتين:
1- معادلة بيولوجية، تسوى بين الإنسان وأخيه الإنسان في كل مكان بحيث يستطيع هذا ما يستطيعه الآخر، إلا فيما فضل فيه بعض الأفراد على الآخرين.
2- ومعادلة اجتماعية تختلف من مجتمع إلى آخر، وفي المجتمع الواحد تختلف من عصر إلى آخر حسب الاختلاف في درجة النمو أو التخلف".
إن هذه النظرة إلى الخصوصية التي تطبع العلوم الاجتماعية، تكون أكثر حضورا في مجال علم الاجتماع السياسي، باعتباره علما يتجاوز في اهتماماته الظواهر الاجتماعية الضيقة والمحددة والظواهر السياسية -كمؤسسات وسلوكيات- إلى كيفية تسيير وقيادة المجتمعات ككل وربط العملية السياسية بكل النسق الاجتماعي العام -ديني، ثقافي، اقتصادي، تاريخي، نفسي- فعلم الاجتماع السياسي عندما يدرس ظاهرة الديمقراطية مثلا لا يقتصر على المبادئ العامة للديمقراطية كما صيغت في الغرب، بل يبحث في مدى توفر شروط الديمقراطية في المجتمع محل البحث، وهل أن البنى الاجتماعية في هذا البلد ناضجة لتقبل هذا الشكل من نظام الحكم، ويبحث في أفضل صياغة للديمقراطية تتفق مع طبيعة المجتمع. ونعتقد أن هذا المنحى في التحليل يجد ما يبرره إذا تفحصنا واقع الديمقراطية في بلدان العالم الثالث وما تواجهه من صعوبات لا تعود فقط إلى غياب إرادة الحاكمين في الممارسة الديمقراطية -فقد توجد هذه الإرادة- ولا تعود فقط إلى غياب المؤسسات الديمقراطية كدستور وقوانين وتعددية حزبية- بل تعود إلى البنى العميقة للمجتمع وإلى نظرة المواطن إلى نفسه وإلى من هم في السلطة، فالتعددية مثلا في العالم الثالث لا تؤسس على نفس ما تؤسس عليه التعددية الحزبية في الدول الديمقراطية الغربية، أي على برامج وخيارات سياسية واجتماعية واقتصادية بل تؤسس أحيانا على انتماءات عصبية -طائفية أو أثنية أو إقليمية- وبالتالي تنحرف عن وظيفتها الأصلية، كممارسة تعزز وتكرس الوحدة الوطنية وتعمل من أجل الوصول إلى البرنامج الأمثل، إلى ممارسة تهدد وحدة الأمة وتعيد المجتمع إلى مرحلة ما قبل الدولة.
كما أننا لا نفهم وظيفة البرلمان في العديد من دول العالم الثالث، كجهاز يفترض أنه يخضع لمبدأ الفصل بين السلطات ويقف موقف الند للسلطة التنفيذية يشرع ويراقب في نفس الوقت، إلا إذا قمنا بتحليل دقيق للسياق، الاجتماعي/السياسي الذي أسست فيه البرلمانات في هذه البلدان ومدى نزاهة الانتخابات، والحيز الذي يعطيه الدستور للسلطة البرلمانية وطبيعة علاقتها بالسلطة التنفيذية. أضف إلى ذلك موضوعات متعددة ذات محددات محلية.
قد يقول قائل إن هذه الدعوة لوضع تعميمات أو قوانين ونظريات سياسية مقتصرة على تفسير أوضاع اجتماعية/ سياسية محددة، قد ينفي عن هذه النظريات والقوانين صفة العلمية لأن من خصائص المعرفة العلمية التعميم والقدرة على تفسير كل الظواهر الاجتماعية. وقد سبق أن أشرنا إلى خطل هذا الرأي من منطلق أنه لا يوجد علم من أجل العلم بل يوجد العلم اليوم لخدمة المجتمع، والعلم، خصوصا العلم الاجتماعي إن لم يتمكن من فهم الواقع الاجتماعي/ السياسي وتطويره وربط قضاياه بعضها البعض، تسقط عنه صفة العلم ويتحول إلى فلسفة مجردة عن الواقع، إن ربط السياسي بالاجتماعي ما هو إلا محاولة للوصول إلى الحقيقة كما هي في الواقع المعاش، وهذا المسعى للوصول إلى (الحقيقة) هو هدف العلم، أي علم كان -مع الأخذ بعين الاعتبار النسبية في مفهوم الحقيقة وليس الإطلاق-.





الفصل الثاني
النخبة السياسية

تنتمي الدراسات المتعلقة بالنخبة السياسية إلى حقل الدراسات الفئوية التي تهتم بالفعاليات الاجتماعية التي تمارس نشاطها ضمن تنظيمات وتجمعات ذات استقلالية ذاتية نسبيا عن الدولة، وما يعتمل في داخلها من صراعات بين مكوناتها وبعضها البعض من جهة، أو بينها وبين مَن هم في السلطة من جهة أخرى للوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها، أو تقاسمها.
ويذهب أنصار نظرية النخبة إلى القول إن الشواهد التاريخية وواقع المجتمعات المعاصرة وبغض النظر عن الإيديولوجية السائدة فيها ومستوى نموها الاقتصادي والاجتماعي وطبيعة نظام الحكم المعمول به، تتميز بوجود أغلبية محكومة وأقلية حاكمة، وسواء كان النظام القائم اشتراكيا أم ديمقراطيا، دكتاتوريا، أم دينيا أم أرستقراطيا، متقدما أو متخلفا فإن هناك (نخبة) تحتكر أهم المناصب السياسية والاجتماعية في المجتمع وهناك الأغلبية أو (اللانخبة) وهم عامة الناس.
إلا أنه بالرغم من مرور أزيد من نصف قرن على ظهور نظرية النخبة كأهم موضوعات علم الاجتماع السياسي، فإن كثيرا من اللبس والغموض ما زال يصاحب نظرية النخبة ويوقع المتعامل معها في لبس وحيرة وخصوصا من جهة علاقتها بكل من الاوليغارشية والديمقراطية، ومن جهة آليات اختيار وعمل من يأخذون صفة النخبة، وكذلك في العلاقة القائمة أو المفترضة ما بين النخبة السياسية والنخبة الاجتماعية.
وحتى نقارب الموضوع بالتفصيل سنتطرق أولا إلى التعريفات التي أعطيت لمصطلح النخبة وكيف قدمت من طرف منظريها الأوائل.

المبحث الأول
الجانب المفاهيمي في دراسة النخبة
المطلب الأول: التعريفات اللغوية والاصطلاحية للنخبة السياسية
كما سبقت الإشارة ترتبط النخبة بتحليل آلية عمل النظام السياسي من خلال فهم علاقة السلطة بالمجتمع أو بشكل آخر علاقة القوة بين الحاكمين والمحكومين، فإذا كانت الماركسية وهي النظرية التي أثرت على مفكري نظرية النخبة الأوائل وكانت هاجسهم الرئيسي وهم يصوغون نظرياتهم النخبوية، ترى أن عقل النظام السياسي لا يكون إلا انطلاقا من تحليل الواقع الطبقي للمجتمع والنظر إلى الحاكمين كتجسيد لهيمنة طبقة على بقية الطبقات، وبالتالي النظر إلى الصراع السياسي كانعكاس للصراع الطبقي، وإذا كانت النظرية الديمقراطية تقول بحكم الشعب بالشعب، وتحلل بالتالي النظام السياسي باعتباره نسقا مفتوحا أمام جميع الأفراد، بحيث يمكن لكل مواطن أن يكون حاكما أو محكوما انطلاقا من مبدأ تكافؤ الفرص الذي تتيحه المجتمعات الليبرالية، فإن نظرية النخبة تشكك بالصحة الامبريقية لكلا النظريتين، وتبني تحليلها للنظام السياسي انطلاقا من حقيقة الوجود الدائم لقلة (نخبة) حاكمة وأغلبية محكومة.(1) وهذا يؤكد أرتباط مفهوم النخبة منذ ظهوره بمضامين أيديولوجية.(2)
واكتشاف هذه الحقيقة -إن كان الأمر هو اكتشاف بالفعل وليس معالجة جديدة لنظرية قديمة هي نظرية الاولغارشية- في نظر مؤيدي نظرية النخبة يعد خطوة أساسية في بلورة علم الاجتماع السياسي، وهذا ما أشار إليه رانسمان Runciman في كتابه "العلوم الاجتماعية والنظرية السياسية» حيث سلط الأضواء على نظرية النخبة، موضحا دور منظري النخبة في تأسيس علم الاجتماع السياسي، حيث يقول: «إذا كنا ندين لماركس وفيبر باعتبارهم أسهما في تأسيس علم الاجتماع السياسي، فإنه لا يزال هناك مجال هام من مجالات الدراسة ندين به إلى أربعة مفكرين آخرين ظهروا في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وأسهموا في تأسيس جانب هام من هذا الميدان يرتبط أساسا ببحوث القوة والمجتمع والسياسة، هم: موسكا، باريتو، مشيلز وميلز، والاهتمام الأساسي الذي اشتركوا فيه هو دراسة الصفوة، وعلى الرغم من أن هؤلاء المفكرين كانوا يعترفون بأن هناك تبادلا بينهم في المفاهيم والأفكار إلا أنه بالرغم من ذلك فقد كان لكل منهم موقفه المتميز".(1)
ولكن ما هي النخبة؟ وهل اتفق منظرو النخبة على معنى واحد لها؟ ربما كانت دراسة بوتومور حول النخبة والمجتمع من أهم الدراسات التي حاولت أن تفجر كثيرا من الأسئلة حول نظرية النخبة، وسنجيب عن بعضها ونترك أخرى دون إجابة. ولكن سنبدأ بما قال به الرواد الأوائل من تعريفات للنخبة، -باريتو، موسكا، ميشلز ورايت ملز-.
بالنسبة لباريتو(2) فأنه ينطلق من التعريف العام الواسع للنخبة على المستوى الاجتماعي العام، لينتقل إلى معنى ضيق للنخبة السياسية أو كما سماها (النخبة الحاكمة). مفهوم النخبة عنده ‏يذهب إلى أولئك الذين يتفوقون في مجالات عملهم المختلفة، من خلال ما سماه (مباراة الحياة)، حيث يذهب إلى أنه يمكن قياس درجات تفوق الأفراد في مجال عملهم " ففي مجالي البغاء والسرقة، وفي مجالي القانون والطب يمكن تحديد درجات الأفراد ابتداء من صفر حتى عشر درجات) وهؤلاء الذين يحصلون على أعلى الدرجات هم نخبة المجتمع.
إلا أن هذا التعريف للنخبة يتسم بالاتساع، بل لا يزيد في المعرفة شيئا، لأنه يقرر ظاهرة طبيعية معروفة وهي عدم المساواة في القدرات المادية أو الذهنية بين الأفراد، وهذه حقيقة عرفتها وتعرفها كل المجتمعات الإنسانية، وتقر بها حتى الشرائع السماوية (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون). لذا فإن باريتو يستدرك الأمر وينتقل مباشرة من التعريف الواسع إلى تعريف ضيق يربط ما هو سياسي بما هو اجتماعي، أي أنه يبحث عن موائل القدرة لدى السياسيين في خلفياتهم ومواقفهم الاجتماعية، فيقوم بربط مفهوم النخبة‏ الاجتماعية بقدرة هؤلاء المتفوقين على ممارسة وظائف سياسية أو اجتماعية، وهؤلاء الذين يمارسون الوظائف هم (النخبة السياسية) والتي يقوم بتقسيمها إلى (نخبة حاكمة) و (نخبة غير حاكمة). والنخبة الحاكمة عند باريتو ليست بحاجة لدعم وتأييد الجماهير لأنها تقتصر في حكمها على مواصفات ذاتية تتمتع بها.وهذا الطرح يباعد ما بين نظرية النخبة والديمقراطية.
أما موسكا(1) فينطلق مثل سابقه من وجود حقيقة تاريخية وهي أن كل المجتمعات تنقسم إلى طبقة حاكمة وطبقة محكومة، الأولى أقلية بيدها كل مقاليد الأمور والمناصب السياسية والثانية أغلبية، منقادة وليست صانعة قرار سياسي وهو حتى هنا لا يأتي بجديد إلا في استعماله كلمة طبقة بمدلول غير المدلول الماركسي-و موسكا يفسر أسباب الهيمنة والسيطرة الممارسة من الأقلية على الأغلبية، ويرجعها إلى قوة تنظيم الأولى ووجود دافع واحد وهدف واحد تسعى إليه، في مواجهة أغلبية غير منظمة ومشتته، إلا أنه يؤكد على أهمية اعتماد الأقلية على موافقة أو رضا الجماهير.وهذا الطرح يُقرب ما بين نظرية النخبة والديمقراطية.
أما بالنسبة لروبرت ميشلز فإنه لم يستعمل كلمة Elite بل تحدث عن الاوليغارشيه Oligarchy، حيث انطلق من تحليل واقع عمل الأحزاب السياسية، ليكتشف بأن هناك عوامل متباينة تحدد طبيعة عمل التنظيمات بدءا من الحزب إلى الدولة. ومن هذا المنطلق انتقد ماركس لكونه لم يلتفت إلى حقيقة أن الديمقراطية تؤدي إلى الاوليغاريشة، ذلك أن التنظيمات وان كانت تنشأ نشأة ديمقراطية فأنها تتحول بمرور الزمن إلى تنظيمات خاضعة لحكم قلة من الأفراد، وهذا هو حال الدولة الديمقراطية الحديثة. فحيث أن الديمقراطية تحتاج إلى تنظيم وخصوصا في المجتمعات الكثيرة العدد، فإن التنظيم يحتاج إلى أقلية منظمة، وهذه الأخيرة من خلال تموقعها في مركز اتخاذ القرار تسعى إلى الاستحواذ على السلطة.(2)
أما رايت ملز، فقد ربط النخبة بالقدرة على التحكم بموقع اتخاذ القرار، فالنخبة هي تلك الجماعة التي تحتكر مواقع قيادية في الاستراتيجية العامة، ويرى أن النخبة هي نتاج للبناء المؤسساتي في الدولة، وحيث أن المجتمع الذي قام ميلز بدراسته هو الولايات المتحدة الأمريكية التي تتحكم فيها مؤسسات ثلاث هي المؤسسة العسكرية، الشركات الكبرى والجهاز السياسي أذن فنخبة المجتمع الأمريكي تتشكل من أولئك الذين يشغلون مواقع قيادية في هذه المؤسسات.(3)
أما بالنسبة لبوتومور في كتابه النخبة والمجتمع يرجع ظهور كلمة (النخبة) إلى القرن السابع عشر كوصف للسلع ذات الجودة والتفوق، ثم انتقلت الكلمة فيما بعد إلى علم الاجتماع لتدل على فئات اجتماعية متفوقة كالوحدات العسكرية أو الطبقات العليا في المجتمع، أما استعمالها القاموسي، فظهر في اللغة الإنجليزية وفي قاموس اكسفورد عام 1823 ولكن لتطلق على فئات اجتماعية معينة، ولم تأخذ الكلمة مكانها كمصطلح محوري في نظرية سياسية حتى سنة 1930.(1)
وبعد أن حلل بوتومور مفهوم النخبة عند كل من باريتو موسكا موضحا نقاط الاختلاف بينهما خصوصا موقفهم من الديمقراطية، واستعمال موسكا لمصطلح (الطبقة الحاكمة) بدل (النخبة السياسية) عند باريتو -وهو ما سنوضحه بالتفصيل بعد قليل- يستخرج نقاط الالتقاء بينهم، وهي أنه في كل مجتمع أقلية تحكم سائر أفراد المجتمع- وهي مكونة من هؤلاء الذين يحتلون مراكز القيادة السياسية، أو الذين يؤثرون تأثيرا مباشرا في القرارات السياسية، وهذه الأقلية -نخبة سياسية أو طبقة حاكمة- ليست مغلقة على نفسها بل تعرف تغيرا في عضويتها بدخول أشخاص من خارجها إليها، وقد يكون التغير فرديا أو جماعيا باستبدال نخبة حاكمة بأخرى وهو ما يسمى (بدورة النخبة). ويكون التغير فرديا في الأنظمة الديمقراطية حيث تسمح تقنيات الانتخابات بولوج عناصر جديدة إلى السلطة وسقوط أخرى، أما التغير الجماعي للنخبة فيظهر في حالة حدوث انقلابات أو ثورات، حيث تغير النخبة السياسية بكاملها.
ويستعرض بوتومور العديد من الكتابات التي اهتمت بمسائل القوة السياسية وخاصة النخبات الحاكمة، موضحا نقاط اختلافها مع تعريفات المفكرين الأوائل لنظرية النخبة فيورد لنا تعريف لاسويل H.D Lasswell الذي يعرفها بالقول: «النخبة السياسية تشمل الحائزين على القوة السياسية في دولة ما، كما تنضوي تحت هؤلاء الحائزين على القوة السياسية، القيادة، والتشكيلات الاجتماعية التي تأتي القيادة منها عادة و "يؤدى لها الحساب" كل مدة معينة من الزمن».(2)
يلاحظ بوتومور أن لا سويل وسع من نطاق النخبة السياسية لتشمل بالإضافة إلى القيادة، التشكيلات الاجتماعية إلتي أتت منها القيادة(1) كما تطرق بوتومور إلى تعريف ملز للنخبة الحاكمة التي سماها نخبة القوة The power Elite، وبعد أن يشرح تعريف ملز للنخبةّ، يرى بوتومور أن هذا التحليل (يحتوي على عدد من السمات غير المرضية) لأن ملز عندما يتحدث عن تركيز السلطة في يد النخبات الثلاث الاقتصادية والعسكرية والسياسية، إنما هو متأثر بضغوط الصراع العالمي التي شغلت أمريكا في عصره، وتصنفيه إنما هو بالتالي إشارة إلى تتابع الأحداث.
وبعد أن يستعرض بوتومور تنظيرات المفكرين النخبويين، ويلاحظ تعدد التسميات ما بين النخبة السياسية، والنخبة الحاكمة، الطبقة الحاكمة، نخبة القوة يقول متفقا مع ملز إن هذا التعدد يدعو إلى إيجاد مصطلحات دقيقة مميزة غير التي استعملت سابقا، وأن (مصطلح النخبة أو النخبات) يستعمل الآن في الواقع لفئات هي بشكل عام ذات وظائف، لها وضع رفيع في المجتمع «بصرف النظر عن أسباب ذلك الوضع»، من هنا فسأستعملها بهذا المعنى دون تحديد).
ولأن بوتومور غير قادر على الحسم في الموضوع، أو أن يعطي تعريفا متميزا، فأنه يقدم لنا توليفا من تعريفات من سبقوه وبشكل حذر، حيث يميز بين (النخبة) بشكل عام والأقلية التي تحكم المجتمع فيقول: "إذا استعملنا الاصطلاح العام (النخبة) لتلك الفئات ذات الوظائف، فإننا عندها نحتاج مصطلحا نطلقه على تلك الأقلية التي تحكم المجتمع، وهي ليست فئة وظائفية، بالمعنى الذي تستعمل فيه هذه الكلمة، ولكنها في أية حالة من الأحوال ذات أهمية اجتماعية عظيمة مما يجعلها جديرة بأن يكون لها اسم خاص مميز. سأستعمل هنا مصطلح موسكا (الطبقة السياسية) للإشارة إلى كل تك الفئات التي تمارس السلطة السياسية أو التأثير السياسي والتي تدخل في صراعات مباشرة في سبيل القيادة السياسية وسأميز فئة صغرى ضمن الطبقة السياسية، وهي النخبة السياسية، الشاملة للأفراد الذين يمارسون السلطة السياسية في مجتمع ما في وقت من الأوقات".(2).
نلاحظ على تعريف بوتومور أنه يرسم هرما نخبويا داخل المجتمع في قمته الممارسون للسلطة السياسية أو من يسميهم (النخبة السياسية) وفي قاعدته نخبة المجتمع أي كل الفئات ذات الوظائف المتميزة، وفي وسطه تلك الفئة (الفئات ذات الوظائف) أو الأقلية المنبثقة من النخبة الاجتماعية والتي تشترك بالحياة السياسية، ممارسة أو اهتماما، وتدخل في صراع مباشر للوصول إلى السلطة السياسية والتي يسميها (الطبقة السياسية).
نلاحظ على تعريف بوتومور المشار إليه أعلاه انه متضمن لدورة النخبة، حيث أن من يتموقعون في مركز السلطة السياسية (النخبة السياسية) يكونوا نخبة في وقت معين، ومعنى هذا أنهم غير ثابتين ويمكن أن ينزلوا ليصبحوا من الطبقة السياسية أو حتى من عناصر عاديين في النخبة الاجتماعية.
هذا التعريف الذي أتى به بوتومور وإن كان لا يميز بين النخبة السياسية وغيرها بالأفضلية والتفوق حيث يعتبر النخبة السياسية هم من في يدهم مقاليد السلطة السياسية، فإنه يميز بوضوح لا بأس به بين النخبة السياسية بالمفهوم السابق ومن يعتبرهم (طبقة سياسية)، فيقصر عضوية النخبة السياسية بالممارسين الفعليين للسلطة، أما النشطون سياسيا، من أحزاب المعارضة والنقابات، والجمعيات ورجال الدين والمثقفون الخ فهم يدمجون في إطار الطبقة السياسية.
تقاربت التعريفات الأخرى مع ما جاء به بوتومور فعرفت القواميس الإنجليزية كلمة Elite بأنها «أقوى مجموعة للناس في المجتمع، ولها مكانتها المتميزة وذات الاعتبار». أما غي روشية G. Rocher فعرف النخبة بأنها: "تضم أشخاص وجماعات والذين بواسطة القوة التي يملكونها أو بواسطة التأثير الذي يمارسونه، يشاركون في صياغة تاريخ جماعة ما، سواء كان ذلك عن طريق اتخاذ القرارات أم الأفكار والأحاسيس والمشاعر التي يبدونها أو التي يتخذونها شعارا لهم"(1).
المطلب الثاني: نظرية النخبة عند روادها الأوائل
بالرغم من تموقع نظرية النخبة كموضوع مركزي في علم الاجتماع السياسي وتناولها من قبل العديد من المفكرين، يبقى لروادها الأوائل الفضل في تسليط الضوء على النخبة السياسية ووضع المفاهيم الأساسية حولها كنظرية مفسرة ومحللة لبناء القوة داخل المجتمع، وسنقوم بتلخيص أهم أفكار هؤلاء الرواد حول الموضوع ثم نقوم بدراسة نقدية لمقولاتهم ولمجمل نظرية النخبة.
الفرع الأول: باريتو والاتجاه السيكولوجي في تحليل النخبة
يعتبر كتاب العالم الإيطالي فليفريدو باريتو Vilfredo Pareto 1848-1923 العقل والمجتمع The mind and society بداية التنظير للنخبة وتوظيفها في الدراسات السياسية. وقد تأثرت مقاربة باريتو لنظرية النخبة بعاملين: الأول: خلفيته كعالم اجتماعي أكد في دراساته على الطابع العلمي (الأمبريقي) للبحث الاجتماعي، وضرورة استخدام المنهج التجريبي، والثاني: تصنيفه كعالم اجتماع غلبت عليه التحليلات النفسية حيث أولى أهمية لما سماها بالعواطف من جهة والرواسب والمشتقات من جهة أخرى كعناصر فاعلة في حفظ توازن النسق الاجتماعي.
جاءت نظرية النخبة السياسية ومقولاتها عند باريتو في سياق تحليله للنسق الاجتماعي بصورة عامة وبحثه عن العوامل التي تساهم في توازن هذا النسق. وفي توظيفه للعواطف والرواسب والمشتقات(1) لدى الأفراد اكتشف أن هناك تباينا بين الأفراد في القدرات والمواهب والاستعدادات، ومن هنا قسم المجتمع إلى فئتين اعتمادا على المواهب والقدرات التي تميز البعض عن البعض الآخر وهذا التقسيم الأولي هو تقسيم اجتماعي واسع لا يختص بالنشاط السياسي فقط بل يشمل كل مجالات النشاط الإنساني، وهو تقسيم يقوم على، أساس طبيعي ويشكل ظاهرة اجتماعية قديمة قدم وجود المجتمعات البشرية لأنها تعكس واقع التباين بين البشر.
وحتى يقرب باريتو الصورة إلى الأذهان يفترض إجراء مباراة بين أفراد المجتمع كل في مجال نشاطه، مثلا مباراة بين المهندسين وبعضهم البعض، والفلاحين وبعضهم البعض، والأطباء، والسياسيين الخ. ثم إعطاء نقاط للمتفوقين، ويشرح فكرته بالقول: "لنفترض أن كل فرع من فروع النشاط الإنساني، أعطى (دليلا)، يشكل مقياسا لقدرته بطريقة مشابهة لاستعمال الدرجات في المدارس في الامتحانات المتعلقة بالمواد الدراسية المختلفة، فيعطى أفضل نوع من المحامين مثلا، درجة (عشرة) بينما يعطى نوع آخر وهو ذاك الذي لم يستطيع أن يجد له زبونا، درجة (واحد) وترك درجة الصفر لمن هو بالفعل غبي وأبله ويعطي الرجل الذي استطاع أن يجمع الملايين بطريقة شريفة -أو غير شريفة- درجة (عشرة) بينما يحصل ذاك الذي جمع ألاف درجة (ستة)، والذي استطاع بجهد أن يبقى خارج المأوى المخصصة لإعالة الفقراء ينال درجة (واحد) وتبق درجة الصفر لهؤلاء الذين ينتهون إلى هذه المأوي، وهكذا دواليك في كل مجالات النشاط الإنساني.
فلنقم الآن (طبقة) من هؤلاء الذين ينالون أعلى الدرجات كل في مجال نشاطه، ولنطلق على هذه الطبقة اسم (النخبة)".(1)
هذا التقسيم الأولي لا غبار عليه من حيث أن عموميته وانبنائه على التفاوت الطبيعي أو الاصطناعي بين الأفراد لا يضيف إلى المعرفة شيئا، فمن المعروف أن البشر متباينون في القدرات، والتاريخ يبين ذلك والأديان تنص على ذلك، وهذا التباين الذي هو نتيجة انتخاب طبيعي موجود في كل الكائنات الحية، لا يثير أي إشكال إلا إذا انتقلنا من المجال الاجتماعي العام إلى المجال السياسي، أي من النخبة الاجتماعية إلى النخبة السياسية، أي سألنا كيف توظف هذه النخبة -النخبات- الاجتماعية عناصر التفوق التي تتمتع بها لممارسة القوة والسيطرة في المجتمع؟. ويكون لهذا التباين بين الناس أهمية إذا جاء في سياق البحث عن مركز اتخاذ القرار في المجتمع، وتحديدا كرد على المفهوم التقليدي للديمقراطية الذي يقوم على المساواة وحكم الأغلبية وخضوع الأقلية.
ويرى باريتو أن كل المجتمعات تنقسم إلى قسمين النخبة من جهة وعامة الناس أو (اللانخبة) من جهة أخرى، ولندع هذه الأخيرة جانبا ونبحث في الأولى، أي الأقلية ذات التفوق والامتياز، حيث يرى باريتو أن هذه النخبة تسعى لتوظيف تفوقها لممارسة التسيد على اللانخبة وقيادتها و في سعيها هذا يصل جزء منها إلى الحكم ويسمى الصفوة الحاكمة، وهم أفراد النخبة الذين يمارسون السلطة السياسية وجزء أخر يبقى خارج السلطة وهي الصفوة غير الحاكمة وهم وإن كانوا لا يمارسون السلطة السياسية، فإنهم يحملون رواسب النخبة الحاكمة، ومؤهلون للارتقاء إلى مصاف النخبة الحاكمة، وهذا ما يحدث بالفعل من خلال ما سماه باريتو (دورة النخبة).
نلاحظ هنا تعارض التحليل النخبوي عند باريتو مع كل من النظرية الماركسية والنظرية الديمقراطية. فالأولى تقول بأن السلطة السياسية أو من هم في الحكم إنما يجسدون مصالح الطبقة المسيطرة في المجتمع، أي أنها انعكاس للواقع الاقتصادي والاجتماعي، بينما تقول الثانية بالمساواة بين الأفراد وبحكم الأغلبية، أما نظرية النخبة فتقول بحكم الأقلية ذات التفوق سواء كانت تعبر عن مصالح الأغلبية أم لا -وهذا ما سنعود إليه لاحقا- ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هل أن النخبة الحاكمة مغلقة على نفسها ومنقطعة الصلة بالنخبة غير الحاكمة من جهة وبالا نخبة من جهة أخرى؟ أم أن بينهما قنوات تواصل واتصال؟ ثم هل أن النخبة الحاكمة تحتاج إلى اكتساب المشروعية والرضا من النخبة وفي هذه الحالة لا تشكل تعارضا مع الديمقراطية بتجلياتها المعاصرة، ؟ أم أن شرعيتها ومشروعيتها مستمدتان من تفوقها وتميزها؟ السؤال الثاني سنجيب عنه عند الحديث عن النخبة والديمقراطية أما السؤال الأول فيجيب عنه باريتو فيما سماه بدورة النخبة.
إذا كان تصنيف الأفراد إلى نخبة -أو نخب- وألا نخبة على المستوى الاجتماعي العام وبالنسبة لمختلف الأنشطة التي بطبيعتها تميز بين المتفوقين وغير المتفوقين على أسس مادية، ومن خلال تقنية ناجعة وهي المباراة لتحديد المستويات المختلفة والمقياس هو الدخل بالنسبة للأطباء والمحامين والمزارعين الخ وهو المقياس الذي وضعه باريتو للقول بوجود نخبة، فكيف نميز بين الأفراد سياسيا بالقول إن هذا الفرد أو ذاك ينتمي إلى نخبة سياسية حاكمة أو نخبة سياسية غير حاكمة أو إلى اللا نخبة؟ فبديهي أن الدخل لا يعد مقياسا صالحا للتميز، هل التميز يكون من خلال التموقع بالفعل في مركز السلطة واتخاذ القرار وبالتالي نقول إن كل أولئك الذين بيدهم مقاليد الحكم هم نخبة سياسية؟ وإذا أخذنا هذا المقياس ألا نسقط عنصر التميز والتفوق كعنصر مميز للنخبة بمفهوم باريتو، بمعنى أن من هم في السلطة ليسوا أفضل الناس في الشأن السياسي وإذا قلنا أنهم نخبة لان السلطة في يديهم بغض النظر عن الكفاءة ورضا الجمهور فما الذي يميز بين نظرية النخبة والنظرية الأوليغارشية أو النظرية الأرستقراطية اللتان هما من النظريات القديمة في التحليل السياسي؟
كثيرة هي التساؤلات التي لا نجد عنها إجابات واضحة عند باريتو وخصوصا على مستوى النخبة السياسية. لا شك هنا أنه يعتبر أن كل المجتمعات الإنسانية بما فيها الديمقراطية تنقسم إلى أقلية تحكم وتتسيد وتملك مراكز القوة في المجتمع، وأغلبية محكومة، الأولى تنتمي إلى الطبقات العليا في المجتمع والأخرى تتشكل من الطبقات الدنيا، ولكنه أيضا يعترف أن ما بين النخبة الحاكمة واللانخبة علاقة ما، حيث أنه يمكن لأفراد من اللانخبة أن ينتقلوا إذا توفرت فيها صفات خاصة (العواطف) إلى النخبة السياسية، كما يمكن لأفراد من النخبة السياسية أن يصبحوا أعضاء في النخبة الحاكمة إما بالقوة، وهذا ما يدفع النخبة الحاكمة إلى اللجوء إلى القوة للحفاظ على مواقفها، أو من خلال ما سماه بدورة النخبة. بمعنى أن تأبد أقلية بعينها في السلطة ليس أمرا مؤكدا، فمنطق التاريخ والحراك الاجتماعي يجعل النخبة تعرف دورة تكون سريعة في المجتمعات الديمقراطية، فالتاريخ في نظره مقبرة الأرستقراطيات(1).
يفسر باريتو (دورة النخبة) أي إحلال نخبة محل أخرى أو صعود أفراد من الطبقات الدنيا إلى النخبة الحاكمة، بالتحولات التي تطرأ على الخصائص النفسية لأعضاء النخبة حيث يفقد هؤلاء بعض (الرواسب) التي كانت تمنحهم الحماس والفعالية، وفقدان هذه (الرواسب) يؤدي إلى فساد النخبة، في المقابل تتراكم (رواسب) التفوق والفعالية لدى أفراد من الطبقة الدنيا مما يؤهلها للوصول إلى السلطة. وهكذا فإن ما يطرأ على النخبة ليس فقط تغيراً في الأفراد بل تغيراً على مستوى النوع، فالمجتمع يفرز في كل مرحلة نخبة تعبر عن المصالح المهيمنة أو الغالبة في المجتمع.
يلاحظ هنا أن باريتو عندما يتحدث عن ظهور نخب جديدة حاكمة لا يتردد في إسناد هذا الظهور إلى عوامل القوة، فالأفضلية والتميز للنخبة الجديدة لا يقوم على كونها هي الأصلح، وأن المجتمع اصطفاها، بل لأنها استطاعت أن تصل إلى السلطة، كما أن الصفوة الحاكمة في رأيه قد تلجأ إلى القوة للحفاظ على موقعها السياسي، ولجوئها إلى الحكم عن طريق القوة في رأينا يصنفها كأوليغارشية وليس نخبة بالمفهوم الذي أعطاه في تعريفه الأول للنخبة، وفي سياق حديثه عن القوة وحكم الصفوة يرى باريتو أن حكم النخبة قد يكون على نوعين: نوع يحتفظ به بالدهاء وهي النخبة الحاكمة التي يتوفر أفرادها على رواسب (التوحيد أو التكامل)، ونوع يحتفظ به بالقوة، وهي النخبة الحاكمة التي يتوفر أفرادها على رواسب (استمرار المجتمعات). وعندما يظهر خلل في الرواسب تتهيأ ظروف الثورة، فالثورة في نظره "تتولد عبر التراكمات في طبقات المجتمع العليا -إما بسبب البطء في الدورة أو لأسباب أخرى- من عناصر فاسدة لم تعد تحمل (الرواسب) اللازمة لإبقائها في مركز القوة، أو لنفورها من استعمال العنف، بينما تكون العناصر المتفوقة نوعا ما في الطبقات الدنيا من المجتمع، قد بدأت تأخذ طريقها إلى الواجهة، حائزة على (رواسب) صالحة لممارسة وظائف الحكم ومستعدة استعدادا كافيا لاستعمال العنف"(2).
وأخيرا فإن باريتو في تحليله لدورة النخبة لا يولي اهتماما لدور الجماهير في العملية، فدور الجماهير يقتصر على رفد النخبة الحاكمة بالعناصر المتفوقة وليس ممارسة الحكم، لأنها غير مؤهلة أو قادرة على ذلك، بل يذهب إلى القول إن النخبة الحاكمة تستطيع تحقيق أهدافها بفعالية حينما لا تطلع الجماهير على الآليات التي تحكمها، وهذا يعني أن الجماهير عليها أن تكون بعيدة تماما عن ما يجري داخل النخبة وبين النخبات وبعضها البعض، وعن كيفية وصول النخبات إلى الحكم.
الفرع الثاني: الاتجاه التنظيمي عند كل من موسكا وميشلز.
بالرغم من اتفاق هذين المفكرين في تفسير حكم النخبة وإرجاعه إلى عوامل تنظيمية تميز النخبة عن اللانخبة، واستبعادهم للعوامل النفسية الفطرية كأساس لانقسام المجتمع إلى أقلية وأغلبية، فإن كل منهم له حيثياته ومقاربته الخاصة للموضوع، بل ومنطلقه الخاص به، فبينما ينطلق الأول من مقاربة تاريخية للتدليل على أن المجتمعات الإنسانية ومنذ بداية التاريخ، منقسمة إلى (طبقة حاكمة) تشكل أقلية و(طبقة محكومة) تشكل الأكثرية، نجد الثاني( ميشلز) ينطلق من دراسة واقع التنظيمات السياسية وتحديدا الاشتراكية في أوربا، حيث خلص إلى ما سماه (القانون الحديدي للاوليغارشية). ولذا سنتناول كل منهم على حدة.
أولا: نظرية النخبة عند موسكا
ينطلق موسكا كما سبق الذكر مما اعتبره حقائق يؤكدها الواقع والشواهد التاريخية، وهي أنه في كل المجتمعات السياسية كانت دوما قلة تحكم وأكثرية تخضع للحكم، وهذه الملاحظة التي توصل إليها لا تقتصر على مجتمعات بعينها بل تشمل كل المجتمعات السياسية بدءا من الأقل تنظيما حتى المجتمعات الديمقراطية الحديثة ويقول في ذلك "في كافة المجتمعات، ابتداء من المجتمعات البدائية البسيطة حتى المجتمعات المتقدمة، هناك طبقتان من الناس، الطبقة الحاكمة والطبقة المحكومة، الأولى دائما تكون هي الأقل في العدد، وهي تؤدي كافة الوظائف السياسية، وتحتكر القوة، وتتمتع بالامتيازات المصاحبة للقوة، على حين أن الثانية الأكثر عددا تخضع لسيطرة الأولى بطريقة توصف بأنها قانونية وعنيفة، ثم هي تمد الطبقة الحاكمة بالوسائل المادية اللازمة لاستمرار الكائن العضوي السياسي".
يرجع موسكا سبب تفوق (الطبقة الحاكمة) على (الطبقة المحكومة) إلى قلة عدد الأولى وتنظيمها الدقيق، مقابل كثرة عدد الثانية وعدم تنظيمها، فمن المعلوم أنه كلما كبرت الجماعة ضعف تنظيمها وتماسكها، وكلما قلت عدديا كلما ازدادت تماسكا، وهكذا فالمقارنة بين الفئتين في نظر موسكا يجب أن تؤسس لا على أساس قلة مقابل كثرة، بل قلة منظمة تعرف ما تريد في مواجهة أفراد متعددين ينتمون إلى الأكثرية دون أن يربطهم تنظيم محدد أو حتى مصلحة مشتركة.
بالإضافة إلى القدرة التنظيمية ل (الطبقة الحاكمة) كمصدر من مصادر قوتها، فإن أفراد هذه الطبقة يستمدون قوتهم من سيطرتهم الفعلية على مقاليد الأمور ومراكز اتخاذ القرار السياسي، أيضا من تقدير الآخرين لهم.ويخلص موسكا إلى القول بأن الأقلية بحكم قلة عددها وتنظيمها تستطيع أن تحقق ما لا تستطيع الأغلبية غير المنظمة تحقيقه، وكما خلص إلى نتيجة أخرى مفادها "أنه كلما كبر المجتمع السياسي قلت نسبة الأقلية الحاكمة بالنسبة للأغلبية المحكومة بالتالي ضعفت فرص الأخيرة في القيام بنشاط معاد للأولي".(1)
كما يذهب موسكا إلى القول بوجود قانون اجتماعي كامن في الطبيعة البشرية، بمقتضاه يتحول من يعينهم الشعب أو ينتخبهم لتمثيل مصالحه أي لخدمته، إلى سادة يسّبقوا مصالحهم الخاصة على المصلحة العامة، ومما يساعد الأقلية الحاكمة على السيطرة، بالإضافة إلى تنظيمها هو توفرها على خصائص فكرية ومادية وأخلاقية تميزها عن الأغلبية المحكومة. إلا أن موسكا أكد رفض النظريات العنصرية والسيكولوجية القائلة بأن تفوق القلة يعود إلى عوامل فطرية سيكولوجية، بل ارجع أسباب التفوق إلى اعتبارات اجتماعية وثقافية، وبالتالي فإن الناس في كل المجتمعات يناضلون من أجل التفوق ومن أجل الارتقاء إلى موقع الطبقة الحاكمة.
وكما هو الحال مع باريتو قسم موسكا (الطبقة الحاكمة) إلى شريحتين: عليا ودنيا، معتبرا أن دور هذه الأخيرة أن تكون صلة وصل بين الطبقة الحاكمة والطبقات المحكومة، أو بصيغة أخرى بين النخبة واللانخبة، وهو في تقسيمه هذا كان متأثرا بآلية عمل الأحزاب السياسية من حيث ترشيحها للمنتخبين وكيفية التصويت عليهم.فقد لاحظ موسكا أن أقلية في الحزب هي التي توجه الحملة الانتخابية وتحدد المرشحين وتتحكم بتوجهات الأصوات وتمارس السيطرة البرلمانية، وهذه الأقلية سماهم( الانتخابيون الكبار) Grand elector، ويرى موسكا أن أي ممثل، أو ناخب لا يختار حقيقة من طرف الجماهير الانتخابية وإنما يصار إلى انتخابهم عن طريقها والفضل في ذلك يعود إلى الأقلية المتنفذة في الحزب من قادة أو أصدقاء أو أقارب للمرشح(2).
نلاحظ على مقاربة موسكا المشار إليها أنه يستعمل كلمة طبقة Class بدلا من النخبة Elite، مما يوحي شكليا أنه متأثر بالنظرية الماركسية، بينما هو كما سنرى معارض للماركسية ومدافع عن الليبرالية، ومن جهة أخرى وبالرغم من أن مناط نظريته السياسية الرد على النظرية الديمقراطية بمضامينها الكلاسيكية كحكم الشعب أو حكم الأغلبية نجده يبحث عن نقاط التقاء وفرص تعايش ما بين نظرية النخبة والنظرية الديمقراطية فهو انتقل من موقع المنتقد والمعارض للديمقراطية إلى موقع المتفهم لها هذا التحول حدث بعد اصطدامه بالحركة الفاشية في ايطاليا.(1)
ليس من المعروف تماما ماذا يقصد موسكا بـ (الطبقة السياسية) التي أشار إليها وميزها عن الأغلبية بفعاليتها وقدرتها التنظيمية فهل يقصد بها الطبقة الوسطى، أي تلك الفئة التي تقع ما بين عامة الناس والأرستقراطية وخصوصا أن موسكا دافع عن الليبرالية والتي اعتبرها نظاما وسطا ما بين الديمقراطية والاشتراكية، وأحيانا يبدو وكأنه يقصد أصحاب الممتلكات بصورة عامة، وأحيانا يستنتج من كلامه أن الطبقة السياسية هي جماعة المثقفين. وهذا التفسير للطبقة السياسية عند موسكا بأنها الطبقة المثقفة، هو ما ذهب إليه أيضا أبن بلده ومعاصره أنطونيو غرامشي.(2)
إلا أن بوتومور يبين لنا الفرق ما بين (النخبة السياسية) و(الطبقة السياسية) فيقول: "إذن من السهل نسبيا أن نعين مدى امتداد النخبة السياسية، فهي تضم أعضاء الحكومة وأعضاء الإدارة العليا والقواد العسكريين، وفي بعض الحالات ذوي النفوذ السياسي، من الأرستقراطية أو من البيت المالك، وقادة المؤسسات الاقتصادية القوية، أما تعيين حدود (الطبقة السياسية) فأمر أقل سهولة، فهي على كل حال تضم (النخبة السياسية) لكنها تضم أيضا (النخبات المضادة) المؤلفة من قادة أحزاب سياسية ليست في الحكم، وممثلي مصالح أو طبقات اجتماعية جديدة (كقادة النقابات مثلاً) وفئات من رجال الأعمال ورجال الفكر ممن هم فاعلون في حقل السياسة. الطبقة السياسية إذن تتألف من عدد من الفئات التي قد تدخل في درجات متفاوتة من التعاون والتناسق والصراع فيما بينهم".(3)
لاشك أن موسكا لا يقصد (بالطبقة السياسية) المفهوم الماركسي (للطبقة الحاكمة) وإن كان يعترف أن الصراع هو القوة الأساسية المحركة للتقدم والتطور فيقول: "إن الصراع بين الذين يشغلون مراكز القمة والذين يولدون في القاع ولكنهم يطمحون في الصعود الاجتماعي، سيظل العامل الرئيسي الذي يدفع الأفراد إلى توسيع أفاقهم والبحث عن وسائل جديدة لتقدم الحضارة الإنسانية". فموسكا يعطي لـ (لطبقة) مفهوما خاصا -كما أشرنا- كما أنه كان لا يخفي معاداته للاشتراكية وللماركسية تحديدا، وقد عارض المفهوم الماركسي (للطبقة الحاكمة) الذي يربط، الطبقة الحاكمة بملكية وسائل الإنتاج، وحتمية الصراع الطبقي على أساس مادي محض، فموسكا يرى أن الطبقة الحاكمة ليست مغلقة وليست تعبيرا مباشرا عن مصالح طبقة اجتماعية معينة، بل يحدث تفاعل بينها وبين الطبقات الأخرى، وأن دورة النخبة تحول دون وصول الأمر إلى صراع طبقي لا مفر منه، ويرى موسكا أن "الاشتراكية لا يمكن أن يوضع لها حد، في العالم الذي نعيش فيه، إلا إذا نجح علم سياسي واقعي في إزالة الطرق الميتافيزيقية السائدة حاليا في مجال الدراسات الاجتماعية"(1) ونعتقد أن هذا العلم السياسي الواقعي هو علم الاجتماع السياسي.
أما فيما يتعلق بعلاقة (الطبقة الحاكمة) بالديمقراطية فإن موسكا كان أميل إلى إيجاد قواسم مشتركة بينهما، مما هو الحال مع باريتو. وتظهر هذه النزعة التصالحية مع الديمقراطية لدى موسكا من خلال تصوره لدورة النخبة، والصلات التي يجب أن تكون بين الطبقة الحاكمة وبقية فئات المجتمع، فحيث أن أفراد (الطبقة الحاكمة) أو الأقلية الحاكمة لا يحتلون موقع القيادة على أسس وراثية أو اجتماعية أو عرقية بل اعتمادا على الكفاءة والتنظيم والفعالية، فأن كل شخص من الشرائح الدنيا من الطبقة الحاكمة، أو من الأكثرية (اللانخبة) تتوفر فيه هذه الشروط يمكنه أن يتدرج في الصعود ليندمج في الطبقة الحاكمة، فالطبقة الحاكمة في نظم تحترم قواعد الديمقراطية وتحديدا قاعدتي التنافس السياسي وتكافؤ الفرص لابد وأن تكون منفتحة على الأغلبية، ومن جهة أخرى فإن تطبيق هذين المبدأين يؤدي إلى تنافس ليس فقط بين الأفراد داخل النخبة الواحدة، أو ما بين أفراد القلة الحاكمة وأفراد من الأغلبية، بل ما بين النخب ذاتها، حيث توجد دائما حسب مفهوم موسكا "أقلية موجهة داخل الطبقات الدنيا تتخذ موقفا معاديا من الطبقة الحاكمة"(2). وهذه الأقلية الموجهة أو (الطبقة الحاكمة الاحتياطية) تهيئ نفسها موظفة التذمر الشعبي وتوتر العلاقة ما بين الطبقة الحاكمة والأغلبية، لتستولي على السلطة لتصبح هي الطبقة الحاكمة.
ومع ذلك فإن موسكا يرى أن الطبقة الحاكمة حتى تستبق الأمر وتحول دون سقوطها أو تمرد الجماهير عليها، تلجأ إلى كسب رضا وقبول الأغلبية، وخلق حالة من الاستقرار، وهذا يأتي عن طريق (صيغة سياسية Political formula)، هو أسلوب في التعامل مع الجماهير يجمع الموازنة بين الجماعات ومطالبها من جهة وإضفاء طابع أخلاقي على سلوكيات الحاكمين من جهة ثانية ويقول موسكا في ذلك: "أنه من المشكوك أن تستطيع المجتمعات الاستمرار في البقاء دون مثل هذه الصيغة السياسية، فهي مفهوم أوسع وأعم مما يوحي به المصطلح، فهي تشمل القيم المشتركة والمعتقدات والعواطف والعادات التي تنشأ في مجتمع شعب ما عبر التاريخ، وتختلف الصيغ باختلاف الظروف الاجتماعية والتاريخية إلا أن موافقة المحكومين تقوم في كل الظروف على صيغة أو أخرى"(1) معنى هذا أن النخبة عند موسكا لا تحكم بالتزوير أو الضغط ولا على أسس طبقية أو سيكولوجية، بل عن طريق كسب رضا الجماهير بشكل أو بأخر، أنها تمثل بمعنى من المعاني المصالح والغايات لفئات هامة وذات تأثير في المجتمع وهو ما يقربها من نظرية الديمقراطية.
ثانيا: نظرية النخبة عند ميشلز
إذا كان باريتو تحدث عن حكم النخبة Elite، وموسكا عن (الطبقة الحاكمة) RulingClass فإن ميشلز تحدث عن االاوليغارشية Oligarchy أي حكم الأقلية ومن المعلوم أن الاوليغارشية مصطلح قديم يعبر عن حكم الأقلية ويعود إلى أيام أفلاطون وأرسطو، إلا أن ميشلز قام بقراءة معاصرة للمفهوم اعتمادا على واقع نظام الديمقراطية الحديثة وما يجمعه مع سابقه هو القول بأنه حتى مع وجود نظام ديمقراطي فإن هناك قلة منظمة تتركز في يدها مقاليد الأمور، وهذا الاستنتاج اعتبره ميشلز بمصاف القانون السوسيولوجي وسماه القانون الحديدي Iron Law للأوليغارشية). ويعتبر كتابه (الأحزاب السياسية)، المرجع الرئيسي الجامع لأفكاره حول حكم الأقلية وعلاقة السلطة السياسية بملكية وسائل الإنتاج. وهذه أهم محتويات كتابه حول الموضوع. يرى أن العوامل المؤثرة في توزيع القوة داخل المجتمع، بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية-ملكية الإنتاج- توجد العوامل التي تتمثل في طبيعة الإنسان، وشكل التنظيم وعوامل نفسية، حيث أن هناك ميولا إنسانية فطرية هي التي تدفع الإنسان لنقل السلطة السياسية التي يتمتع بها إلى أبنائه أو ورثته من بعده، كما ينقل أي من ممتلكاته الأخرى، وهو هنا يربط هذه النزعة بالنظام الاقتصادي الليبرالي الذي يقدس الملكية الخاصة(1).
إذن فإن ميشلز يرى، أن حكم الأقلية Minority للأغلبية Magority حقيقة لا مراء فيها، فالأكثرية لا يمكنها أن تحكم إلا بقيادة منظمة، فالتنظيم يعني الأقلية، لأن الأكثرية تفتقر إلى التنظيم وهي الفكرة التي صاغها بمقولته: Who says organization says Oligarchy.
ويبدو أن ميشلز حاول أن يوفق ما بين القول بالديمقراطية من جهة وحقيقة وجود أقلية منظمة في يدها مقاليد الأمور من جهة أخرى، بل نجده يعيب على ماركس أنه لم يدرك أن الديمقراطية تؤدي إلى الاوليغارشية، فجميع المجتمعات والتنظيمات وإن كانت تنشأ نشأة ديمقراطية، فإنها مع مرور الزمن ولضرورات الحكم والتنظيم تمركز السلطة في يد أقلية تحرف الديمقراطية عن مسارها.(2)
كان المنطلق الذي انطلق منه مشيلز وأقام عليه مقولته حول القانون الحديدي للاوليغارشية هو دراسته للأحزاب الاشتراكية والديمقراطية في أوربا، فعندما قارن ما بين هذه الأحزاب والأحزاب المحافظة ذات الاتجاه الأرستقراطي، وجد أنها جميعا تحكم من طرف أقلية، وإذا كانت الأحزاب الأخيرة بطبيعتها وإيديولوجياتها تسمح بأن تحكم الأقلية الأغلبية لأنها تؤمن بالتفاوت بين الأفراد وأحقية الأرستقراطية بالحكم، فإنه يستغرب ذلك على الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية، التي تقول أنها تمثل الشعب وتدافع عن مصالح الجماهير، الأمر الذي جعله يخلص من مقارنته بأن حكم الأقلية المنظمة هو قانون لا يفرق بين الأحزاب والتنظيمات وبعضها البعض. ثم ينتقل من دراسة الأحزاب إلى النظم السياسية، ليتوصل إلى نفس النتيجة وهي أن تنظيم أي جماعة لا بد أن يعتمد على أقلية لأن الأغلبية غير قادرة على أن تحكم نفسها أو أنها لا تتوفر على المؤهلات اللازمة لممارسة القيادة السياسية
نلاحظ في هذا السياق أن هذه المقارنة ما بين الأحزاب وبعضها البعض، وبينها وبين النظم السياسية حاضرة اليوم كجزء من النقاش الفكري حول الديمقراطية وتوظيفها في دول العالم الثالث، وتحديدا في الدول العربية، فبينما تهاجم أحزاب المعارضة ذات التوجه الاشتراكي والديمقراطي، أحزاب السلطة، والنظام السياسي لغياب الديمقراطية وهيمنة طبقة الأعيان والرأسماليين على مقاليد الأمور، تُنْتَقدُ الأحزاب المعارضة بدورها سواء من طرف مناوئيها أو من طرف مناضليها لافتقارها إلى الديمقراطية، ولكون الأمناء العامين وأعضاء اللجان التنفيذية لهذه الأحزاب يشكلون أقلية تستبد بقيادة الحزب وتحديد سياسته دون إفساح كثير من الفرص لقاعدة الحزب للمشاركة في اتخاذ القرار. فإذا كانت النخبة الحاكمة تشرعن تفردها بالسلطة اعتمادا على مؤهلات تاريخية أو دينية أو تحت شعار المصلحة الوطنية، فإن النخبة السياسية الممثلة للأحزاب المعارضة تبرر هيمنتها وخصوصا هيمنة رموزها القيادية بأن هذه القيادات شخصيات ذات شرعية ثورية وتاريخية ووجودهم ضروري للتوفيق بين الأجيال وبين المصالح وكوجوه مقبولة لدى القوى السياسية ولدى السلطة السياسية.
لا شك أن ميشلز أصاب في تحليله الواقعي الذي يجرد النظام الديمقراطي -أحزاب‏‏ وأنظمة دولة- من خطابها الإيديولوجي حول المساواة والحرية، حيث يرى أن مشاركة جميع أعضاء التنظيم في عملية اتخاذ القرارات أمر مستحيل وخصوصا عندما يكون حجم التنظيم كبيرا، لاعتبارات خاصة بالطبيعة الإنسانية -أشرنا إليها- وتحديدا أن سلوك الجموع الشعبية غالبا ما يكون غير منضبط وخاضع للانفعالات والعواطف، ولكن السبب الأهم هو أنه كلما تزايد حجم التنظيم وخصوصا التنظيمات والنظم المعاصرة، كلما تعددت الوظائف وتعقدت المهام -يقول سبنسر أن المجتمعات كلما تطورت انتقلت من مجتمعات بسيطة إلى مجتمعات معقدة، وانتقلت من التجانس إلى اللا تجانس- وغابت روح المساواة بين الأفراد، مما يتطلب تقسيم العمل وتوزيع الوظائف، فتنفرد القلة الأكثر تنظيما وفاعلية ومهارة بعملية اتخاذ القرار وممارسة السلطة(1) هذه المقاربة الأخيرة نلمسها لدى العديد من المفكرين المعاصرين ولدى العديد من التطبيقات الحديثة للديمقراطية، حيث نلاحظ ميلا متزايدا نحو الاعتماد على من سماهم روبرت دال، بحكومة الخبراء والمؤهلين، حيث إن تعقد المهام المطروحة على الحكومات الحديثة، من أسلحة نووية والحفاظ على البيئة والتنمية، وتنظيم اقتصاد متطور الخ، يحتم الاعتماد على ذوي الخبرة والاختصاص وليس على عامة الشعب الذين يجهلون مثل هذه الأمور. وعلى مستوى الممارسة نسمع عن حكومات تكنوقراطية حيث يختار رئيس الدولة أعضاء الحكومة أو يوصي باختيارهم من ذوي الاختصاص والخبرة في المجالات المهمة والإستراتيجية.
كان من الممكن توافق حكم القلة المنظمة أو ذات الخبرة مع الحكم الديمقراطي ما دامت القلة أو النخبة الحاكمة منبثقة من الجماهير وتخضع لرقابتها وتعمل لمصلحتها إلا أن ميشلز يرى أن الذين انتخبتهم الجماهير ليعملوا لمصلحتها، يسعون إلى تحقيق مصالحهم الخاصة، ويوظف قادة التنظيم أهميتهم المستمدة من الخبرة كوسيلة لإضفاء شرعية متميزة وخلق قناعة داخل التنظيم أو المجتمع بأنهم الأحق بالقيادة لأنهم الأكفاء والأكثر قدرة على التنظيم والقيادة ويقول مشيلز في ذلك "ن التخصص يخلق السلطة فإذا كان المريض يطيع الطبيب بسبب إلمامه بطبيعة الجسم الإنساني وعلاج الأمراض التي تصيبه، فإن المريض السياسي -بالمثل- يطيع القادة السياسيين الذين يتمتعون بالكفاءة السياسية التي لا يتمتع بها الأفراد العاديون".(1)
ومما يعزز هذه السيطرة، سلبية الجماهير وتركها أمور القيادة السياسية للقلة ذات الخبرة، إما لأنها -الجماهير- لا تملك الوقت والخبرة، أو لأن قادة الأحزاب والأنظمة يتوفرون على درجة من الثقافة لا تتوفر عليها غالبية الجماهير، مما يجعل الجماهير منذ البداية تشعر بالعجز والدونية تجاه الأقلية الحاكمة المسيطرة(2).
لخص ميشلز أسباب تسيد الأقلية على الأكثرية في ثلاثة:(3)
1- لأسباب فيزيقية، وهي ما تلاحظ مثلا في علاقة المنتصرين بالمنهزمين، حيث أن السيطرة تتأتى من الانتصار والتفوق.
2- لأسباب تعود إلى المعرفة، حيث أن الحكماء والعارفين يتسيدون على السفهاء والجاهلين.
3- لأسباب مادية، حيث أن الأغنياء أصحاب الثروات يتسيدون على الفقراء المعوزين -وهو بهذا يتفق مع التحليل الماركسي-.
ثالثا: نظرية النخبة عند كل من بيرنهام ورايت ملز.
يختلف هذان المفكران عن سابقيهما باستبعادهما الاعتبارات النفسية والفطرية في انقسام المجتمع إلى قلة حاكمة وأغلبية محكومة، حيث أرجعا هيمنة الأقلية إلى اعتبارات اقتصادية وإدارية وتنظيمية كما أنهما يتفقان في استنادهم على النظرية الماركسية في التحليل دون أن يصلا إلى ما وصلت إليه من نتائج، بل أن القارئ لفكرهم يلمس وكأن لديهما ميل لخلق مصالحة ما مع التحليل الماركسي يكشف بعض جوانب الصحة الأمبريقية في مقولاتها -الماركسية-
1- المنظور الاقتصادي -الإداري عند جيمس بيرنهام:
وظف بيرنهام نظرية النخبة كما وردت عند روادها الأوائل واعتمد مقولاتها الأساسية بوجود صراع داخل المجتمع وبين الجماعات سعيا وراء القوة والمكانة وأن هذا الصراع يؤدي إلى سيطرة الأقلية على الأكثرية، إلا أنه وظف ذلك لينتقد الوضع في النظم الرأسمالية، الذي يسير نحو التدهور، وأن من الضروري أن يحل محله مجتمع جديد تسيره صفوة جديدة تحتل المواقع الاقتصادية والسياسية وهي الصفوة الإدارية.
صاغ بيرنهام أفكاره الرئيسية في كتابه (الثورة الإدارية)( ) ويلاحظ في هذا الكتاب تأثره بالماركسية وخصوصا في إحالته مصادر قوة الصفوة إلى أسس اقتصادية، فتحكم الصفوة في وسائل الإنتاج هو الذي يجعلها مسيطرة داخل المجتمع، ويقول في ذلك: "إذا أردنا أن نبحث عن الطبقة الحاكمة فعلينا أن نبحث عن الطبقة التي تحصل على أعلى الدخول"(2) لأن التحكم في وسائل الإنتاج يصاحبه بالضرورة قوة اقتصادية وسياسية واجتماعية.
إلا أن التدهور الذي يعرفه النظام الرأسمالي من وجهة نظر بيرنهام لا يعود إلى كونه مهدد من طرف الطبقة العمالية كما تذهب إلى ذلك الماركسية التي تتنبأ بثورة البروليتاريا ضد الرأسمالية، بل لأن التهديد يأتي من كون أن الرأسماليين المالكين لقوى الإنتاج أخذوا ينفصلوا شيئا فشيئا عن العمليات الإنتاجية، وأخذ يظهر نموذج جديد من الإنتاج مع نمط جديد من المجتمعات هو (المجتمع الإداري) الذي يقوده (المديرون) الذين يشكلون نخبة حاكمة في المجتمع. بمعنى آخر أن نمو المجتمعات الصناعية يؤدي إلى انتقالها من نظام طبقي -أي يعتمد على ملكية وسائل الإنتاج ويتميز بهرميه اجتماعية تقوم على وراثة الممتلكات إلى مجتمعات قائمة على الجدارة والإنجاز.
بعد أن قسم بيرنهام فئة الإداريين إلى قسمين: العلماء والتقنيين من جهة، ومديري ومنسقي الإنتاج من جهة أخرى، ولأن المجتمع يعرف تحول وانتقال من شكل من أشكال المجتمع إلى أشكال جديد بقيادة جديدة، فإن هذه القيادة -النخبة الإدارية- تتسلم السلطة الاقتصادية التي كانت سابقا في أيدي أصحاب الصناعة الرأسماليين، وهم بذلك يكتسبون القوة والقدرة على تغيير شكل النظام كله. والمديرون في رأيه لا يشكلون طبقة اجتماعية مميزة، بل (فئة متماسكة متنبهة إلى مصالحها الفئوية في صراع من أجل السلطة، محاولة إظهار أن العقيدة الإدارية بدأت تحل محل عقيدة الرأسمالية الفردية.(1)
بالإضافة إلى ما سبق، فإن برنهام يسلط الضوء على الأصول الاجتماعية لفئة المديرين، فهؤلاء في غالبيتهم ينتمون إلى الطبقات العليا في المجتمع، وهذه الخلاصة كما يقول بوتمور تتفق من نتائج دراسات ميدانية جرت في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، ففي الولايات المتحدة مثلا كما ينقل بوتومور عن ملز، كان الإداريون من الأمريكيين البيض البروتستانت: "ولدوا لعائلات من الطبقات العليا والطبقات العليا من الطبقة المتوسطة، كان آباؤهم بصورة غالبة من المقاولين، كان 57% منهم من أبناء ورجال الأعمال و14% من أبناء المهنيين و 15% من أبناء المزارعين"(2) وهذا الربط بين التوافق في التخصص في العمل، وفي الأصول الاجتماعية يجعل المديرين نخبة متميزة ذات مصالح مشتركة وثقافة ومعتقد مشتركان، ولهم مصلحة مشتركة يجب الدفاع عنها(3).
أما بالنسبة لعلاقة حكم الأقلية -نخبة الإداريين- بالجماهير والنظام الديمقراطي، فإن بيرنهام لا يجد أي تعارض بين الأمرين، حيث يمكن أن يتعايش المجتمع الجديد الذي تسيره فئة الإداريين ذات الدراية والخبرة مع الديمقراطية، ولكن ليس الديمقراطية بمعنى حكم الشعب، لأن التحول الفعلي للسياسة أصبح في أيدي النخبات، ولذا فإنه يكتفي في النظام الجديد لحكم النخبة، أن يكون للمواطنين حد أدنى في العمليات السياسية وذلك بجعل آمالهم محسوسة في فترات معينة.
2- صفوة القوة عند رايت ملز G. Wright Mills:
يتفق ملز مع سابقه - بيرنهايم - في أن تموقع أفراد معينين في مركز السلطة والقيادة لا يعود إلى اعتبارات سيكولوجية يتمتع بها الأفراد أو مواهب خاصة، بل يعود إلى طبيعة الأدوار والصلاحيات التي يباشرها الأفراد من خلال المنظمات الكبرى في المجتمعات الحديثة، فقوة (الصفوة) هي قوة نظامية Institutional Power، أنها صفوة قوة Power Elite تنبثق عن خصوصية الطابع النظامي المميز للمجتمع الحديث(1).
وفي كتابه (نخبة السلطة) The Power Elite ينتقد ملز استعمال مصطلح (الطبقة الحاكمة) للدلالة على أولئك الذين في يدهم مقاليد الأمور، لأن (الطبقة) اصطلاح اقتصادي و (الحكم) اصطلاح سياسي، فاصطلاح (الطبقة السياسية) يوحي بأن طبقة اقتصادية تحكم سياسيا، وهو الأمر الذي يعني كذلك عدم استقلالية السياسة عن الاقتصاد، وعدم الاهتمام بقوى أخرى غير اقتصادية كالنظام العسكري. وعليه فالمصطلح الأنسب هو (نخبة السلطة) ويشرح فكرته بالقول: "إن هناك أكثر من مجرد الفارق الاصطلاحي بين (الطبقة الحاكمة) مقابل (صفوة القوة)، فالمفهوم الأخير يدع السؤال عن الحتمية الاقتصادية وإشكالية الوزن النسبي للطبقات الاقتصادية داخل الدوائر العليا مفتوحا أمام الاختبار الامبريقي. أما إذا أعطى النظام السياسي والمؤسسة العسكرية مكانهما الصحيح بمحاذاة النسق الاقتصادي، فإنه يتعين علينا -ترتيبا على ذلك- النظر إلى مفهوم الدوائر العليا في المجتمع -أي صفوة القوة- بوصفه أكثر تعقيدا من مفهوم الطبقة الحاكمة شديد البساطة لدى ماركس والماركسيين الأواخر بوجه خاص".
وفي تعريفه للصفوة يقترب ملز من تعريف باريتو، فهو يستعمل مصطلح النخبة Elite ويعرفها بالقول: "يمكننا أن نعرف (نخبة السلطة) استنادا إلى وسائل القوة -كهؤلاء الذين يحتلون مراكز القيادة".(2) وحيث أن اهتمام ملز انصب على البحث عن مراكز القوة وتوزيعها في المجتمعات الحديثة وتحديدا الولايات المتحدة الأمريكية، فإنه وظف التراث النظري لنظرية النخبة لتفنيد الفكرة الشائعة عند الجماهير عن المجتمع الأمريكي والديمقراطية السائدة فيه، حيث توصل إلى نتيجة مفادها أن ثلاث نخب أساسية تتقاسم عملية اتخاذ القرار في المجتمع الأمريكي وهي: رؤساء الشركات، والقادة العسكريون والقادة السياسيون.
بعد أن عرف النخبة ومن يمثلها في المجتمع، تحدث عن علاقة جماعات الصفوة مع بعضها البعض، وعن علاقتها من جهة أخرى مع الجماهير. فهو يعترف بأن أفراد الصفوة يأتون غالبا من الطبقة العليا المرموقة اجتماعيا، وهذا التجانس الاجتماعي بين أفرادها وقوة العلاقات الشخصية والأسرية بينهم يؤدي إلى ترابط الأطراف الثلاث للصفوة مع بعضها البعض.
أما عن علاقة جماعات الصفوة مع بعضها البعض، فهو يرى أن النخبات الثلاث تشكل فئة متماسكة، ويزداد هذا التضامن والتماسك إلى درجة إحكام الحلقات بين التسلسل النظامي، أي كلما ازداد حجم الارتباطات المتبادلة والمصالح المتشابهة، كلما تبادل الأفراد المسيطرون الأدوار المختلفة. هذا التماسك بين أفراد النخبة يقابله شبه انفصام مع المجتمع، حيث لا يمارس الشعب رقابة على عمل الصفوة، فهذه الأخيرة هي التي تتخذ القرارات المصيرية مبقية الجماهير على الهامش، وهي تمارس عدة أساليب لهذا الإقصاء لدور الجماهير، كالإطراء وتوفير فرص العمل، والتحكم في وسائل الإعلام، كما أن "عدم وجود بيروقراطية حقيقية كان عاملا هاما في إنشاء نخبة سلطة غير مسئولة في المجتمع الأمريكي"(1) وهذا التحليل لمراكز القوة السياسية في المجتمع الأمريكي، أخذت منذ سنوات تجد مصداقية واهتماما من لدن علماء السياسة الأمريكيين، وخصوصا ملاحظتهم للتأثير الذي يمارسه المركب الصناعي -العسكري على الحياة السياسية وعلى متخذي القرار الأمريكي، سواء أكانوا من أعضاء الحكومة أو من أعضاء الكونجرس. وقد سبق للرئيس الأسبق للولايات المتحدة ادوايت ايزنهاور أن حذر منذ مطلع الخمسينات من أن المؤسسة العسكرية هي أبرز ما يهدد الديمقراطية الأمريكية. وفي نفس السياق يرى النائب الديمقراطي بات شرودر بأن المؤسسة العسكرية اليوم تهدد المجتمع المدني الأمريكي وتتحكم به ليس من خلال ممارستها للسلطة مباشرة، بل من خلال تأثيرها على من هم في السلطة ويلخص الأمر بالقول: "أن شركات تصنيع السلاح تقوم بتقديم مبالغ هائلة لرجال السياسة وبالمقابل فإن هؤلاء يردون لها الجميل، والنتيجة أن الآلة العسكرية تحكم المجتمع المدني".
إن تعدد التعريفات والتسميات المدرجة في إطار التحليل النخبوي بدلا من أن تساعد على مداناة المصطلح وضبط دلالاته، فإنها تزيد في تعقيد الأمور، وتطرح العديد من التساؤلات، منها: هل نتحدث عن نخبة أم نخب؟ وما العلاقة التي تربط النخب السياسية ببعض؟ وهل يشكل أفراد النخبة جماعة متجانسة أو (طبقة) كما أطلق عليها موسكا؟ أم أنه داخل النخبة تسود صراعات ومنافسة؟ وما المقياس الذي بمقتضاه يصنف شخص ما أو فئة ما كجزء من النخبة السياسية؟ هل لامتلاكها القوة بالفعل؟ أم لخبرتها ودرايتها؟ أم لثروتها الاقتصادية؟ أم لموقعها الاجتماعي؟ أم لقدرتها العسكرية؟ أم لسلطتها الدينية؟ أم أنها نخبة لان الشعب اختارها واصطفاها وقبل بها كأفضل وأصلح من يقود المجتمع؟ والاهم من ذلك ما الفرق أو الجديد الذي أتت به نظرية النخبة ويميزها عن الاوليغارشية (حكم الأقلية)؟ ثم ما علاقة نظرية النخبة بواقع النظم الديمقراطية المعاصرة، وهل هي أداة جديد للتحليل السياسي بديل عن الديمقراطية بمفهومها الكلاسيكي؟
قبل أن نقارب المقولات المدرجة تحت عنوان (نظرية النخبة) سنجمل خصائص النخبة السياسية كما يمكن استخلاصها من مقولات منظريها بما يلي:
1- إنها عدديا تمثل أقلية بالنسبة لمجموع الشعب.
2- امتلاكها للقوة يجعلها صاحبة الشأن في إصدار القرار السياسي.
3- النخبة السياسية ليست فردا أو حكما ديكتاتوريا، وليست حكما عسكريا ولكنها جماعة لها امتداد جماهيري أو تعبر عن مصالح فئات من المجتمع.
4- أفراد النخبة السياسية يحظون باعتراف الأغلبية –ألانخبة- بأنهم متميزون عنهم وهذا الاعتراف قد يكون صريحا أو ضمنيا.
5- أفراد النخبة السياسية غير مؤبدين في مواقعهم، أي أن من يشكلون نخبة المجتمع اليوم قد لا يكونوا منها غدا، حيث أن أي تحول في البناء الاجتماعي وفي علاقات القوة داخل المجتمع، يؤثر على تكوين النخبة، وهذا ما يُعرف بدورة النخبة.
6- دورة النخبة تكون سريعة في النظم الديمقراطية وهذا ما يخلق تعايشا بين نظرية النخبة والديمقراطية، وتكون رديئة أو متوقفة عند المجتمعات غير الديمقراطية وهو ما يجعل التحليل النخبوي يتقاطع بل يلتقي مع الاوليغارشية.
7- القول بوجود (نخبة سياسية) لا يعني تجانس أفرادها سياسيا أو أيديولوجيا، بل يوجد داخلها تنافس وصراع، وخصوصا بين النخبة السياسية الحاكمة، وتلك خارج الحكم.
8- تتباين طرق تشكل النخبة -النخب- السياسية، فأما أن تأتي بالانتخابات أو بالتعيين أو بالوراثة. أو بالقوة والحيلة وفي هذه الحالة الأخيرة، تسعى إلى شرعنة وجودها.

المبحث الثاني
علاقة نظرية النخبة بغيرها من النظريات
المطلب الأول: نخبة أم نخب
بالإضافة إلى ما سبق من لبس في تعريف النخبة السياسية وتداخل المصطلح مع غيره من المصطلحات، فقد تعددت المقاربات التي حاولت أن تفسر طبيعة النخبة السياسية والأسس التي بمقتضاها يتموقع أفراد النخبة السياسية في موقع القرار أو موقع التأثير على متخذي القرار، وما هي مصادر قوتهم الاجتماعية التي تمنحهم شرعية ممارسة السلطة أو التأثير عليها. وفي واقع الأمر تباينت المقاربات من مفكر إلى أخر، فهناك من أرجع موائل قوتها وفاعليتها، إلى تمركزها في موقع القرار، وبالتالي لا يبحثون في مشروعيتها بل في فاعليتها، وهناك تيار آخر ينظر إلى الأشخاص بحد ذاتهم أي أنهم يركزون على السمعة التي يتمتع بها هؤلاء في مجتمعهم وبالتالي النفوذ الناجم عن السمعة، وهناك من يهتم بسلوك النخبة السياسية على مستوى التفاعل مع النخب الأخرى داخل المجتمع، وتيار رابع يعتبر أن وجود أيديولوجية مشتركة بين أفراد النخبة هو ما يمنحها القوة والفاعلية داخل المجتمع، ويصدق هذا التحليل خصوصا على النخب السياسية في المجتمعات المؤدلجة، التي لا تعير اهتماما للتعددية السياسية، وأخيرا هناك من يعتبر أن عناصر قوة النخبة تكمن في كونها أقلية منظمة يسهل فيها عملية اتخاذ القرار في مواجهة (ألا نخبة) الأغلبية التي تعرف تشتتا في المصالح والإيديولوجيات والانتماءات مما يجعل قدرتها على صياغة القرار وبلورة موقف مشترك أمرا صعب التحقيق.
هذا التباين في المقاربات حول تفسير موائل القوة لدى النخبة، كان هو السبب في تفضيل بعض المفكرين الحديث عن نخب وليس نخبة -ومنهم كارل مانهايم، ريمون آرون، وملز وباريتو- فهؤلاء بالإضافة إلى حديثهم عن النخبة السياسية، يشيرون إلى نخب أخرى كالنخبة العسكرية والنخبة الإدارية، ونخبة المثقفين الخ.
ونعتقد أن هذا التناقض الظاهر يعود إلى اللبس في استعمال المصطلح وخصوصا ما بين (النخبة السياسية) و (النخبة الاجتماعية) وقد أشار باريتو إلى التمييز بينهما عندما ميز بين (النخبة الاجتماعية) و (النخبة الحاكمة). فعندما نتحدث عن المعنى الواسع للنخبة يمكننا أن نتحدث عن نخبة عسكرية و نخبة إدارية و نخبة دينية، و نخبة زراعية، و نخبة صناعية وهلمجرا، إلا أن هذه النخبات لا تتحول إلى نخبة سياسية بمعنى الكلمة إلا إذا مارست العمل السياسي أو سعت إلى التأثير على متخذي القرار السياسي. فعلى المستوى العسكري مثلا توجد نخبة عسكرية وهم كبار الضباط وأرباب الصناعة العسكرية إلا أن هؤلاء لا يصبحوا نخبة سياسية إلا إذا سعوا إلى السلطة أو التأثير عليها، فيصعب اليوم الحديث عن نخبة عسكرية في بريطانيا أو اليابان لان الجيش محايد في الصراع السياسي في الأنظمة الديمقراطية بشكل عام بينما يمكن الحديث عن نخبة عسكرية في الدول التي يحكمها العسكر وهنا يمكن أن نسميها (نخبة سياسية عسكرية) -ليبيا، السودان، أيضا البرتغال وأسبانيا ودول أمريكا ألاتينية عديدة خلال الستينات والسبعينات- ومن المعروف أن النخبة العسكرية لعبت دورا سياسيا مهما في الحياة السياسية للعديد من الدول الثالثية اليوم، والأوربية خلال ألازمات والحروب، وقبل استقرار نظمها السياسية.وهو ما يحدث اليوم أيضا في تركيا، التي بالرغم من وجود (ديمقراطية) فالنخبة العسكرية لها حضور قوي ومؤثر أقوى من النخبة المنتخبة.
نفس الأمر بالنسبة للقول بنخبة المثقفين يوجد ولا شك مثقفون في كل المجتمعات، وداخل قطاع المثقفين توجد قلة فاعلة أو نخبة متميزة في إنتاجها الثقافي أو في التأثير على ثقافة المجتمع، ولكن لا يصح أن ندرجها ضمن النخبة السياسية، إلا إذا أصبح لها دور في الحياة السياسية، فمن الملاحظ مثلا أن المثقفين العرب اليوم مغيبين عن عملية صناعة القرار السياسي، ويعيش المثقف حالة من الاغتراب السياسي، بينما خلال الخمسينات والستينات كانوا أكثر فاعلية وأكثر تفاعلا مع النخبة السياسية.
لقد ساهم المثقفون في الحياة السياسية بشكل فعال وخصوصا عند تموقعهم في صفوف المعارضة وقيادتهم لها في مواجهة استبداد السلطة السياسية، أو للتأثير على مواقفها، ويظهر هذا جليا في قيادة الحركات الطلابية والثورية ومنظمات حقوق الإنسان ومن المعروف أن المثقفين لعبوا دورا أساسيا في التحولات التي عرفتها دول أوربا الشرقية وأدت إلى انهيار النظم الشيوعية، ففي العديد من هذه الدول قاد المثقفون القوى الديمقراطية لإسقاط النظم الشيوعية.
أيضا بالنسبة للقول بالنخبة الدينية، ففي كل مجتمع توجد قلة من رجال الدين يضفون على أنفسهم صفة المرجعية الدينية الأقدر من غيرها على البث في الأمور الدينية، ولكنهم لا يتحولون إلى نخبة سياسية أو جزء منها، إلا إذا ادمجوا بالحياة السياسية وسعوا إلى الوصول إلى السلطة، آنذاك يمكن تسميتهم نخبة سياسية دينية كما هو الحال في إيران والجزائر ومصر أو كما يسميهم البعض (الإسلام السياسي).
وهكذا وحتى يصح الحديث عن نخبة سياسية يفترض كخطوة أولى أن يُعُترف لقلة ما أنها نخبة داخل القطاع الاجتماعي الذي تنتمي إليه -صناعي عسكري، ديني، إداري -ثم بعد ذلك تسعى هذه النخبة للوصول إلى مواقع السلطة أو التأثير عليها.
ونشير هنا إلى طابع الصراع الذي يحكم النخبة السياسية مع غيرها من النخب الاجتماعية، عندما تسعى هذه الأخيرة إلى امتلاك القوة والنفوذ لزعزعة مواقع السلطة السياسية أو لتتموقع مكانها، وهذا لب التحليل النخبوي باعتباره يركز على الصراع بين النخب للوصول إلى سدة القرار السياسي، وهذا الصراع قد يأخذ طابعا ديمقراطيا كالتنافس على أصوات الناخبين أو طابعا غير ديمقراطي أي خارج قنوات العمل الديمقراطي المعترف بها، كصراع العسكريين مع السياسيين، أو النخبة الدينية مع النظام العلماني الحاكم وقد يكون صراعا بين النخب داخل المجتمع المدني.
كما نشير أيضا إلى أن أنصار نظرية النخبة لا يتقيدون دائما بأن تمر النخبة من مواقعها الاجتماعية العامة إلى موقع النخبة السياسية عبر قنوات العمل الديمقراطي -الانتخابات- بل يرون أنه يمكن أن ترفد النخبة السياسية بعناصر جديدة بعدة طرق إحداها الانتخابات، أما الطرق الأخرى، فهي: التعيين، والوراثة والقوة وتنتشر هذه الحالات الثلاث في المجتمعات غير الديمقراطية، أو تلك التي في مرحلة التحول من النظام التقليدي أو الكاريزماتي أو الثوري إلى النظام الديمقراطي، فيطعم نخبته التقليدية التي جاءت عن طريق الوراثة أو التعيين أو القوة بعناصر منتخبة.(1)
المطلب الثاني: النخبة والاوليغارشية
يُجْمع مفكرو النخبة على أنها أقلية، وإذا استثنينا تعريف باريتو الذي لا يكتفي بتعريفها أنها أقلية بل يضيف أنها أقلية تتكون من "أولئك الذين حصلوا على أعلى الدرجات في مباراة الحياة " أي أنه يضفي عليها طابع الأفضلية والتمييز، فيما عاد باريتو فإن التعريفات الأخرى تخلق التباسا وتداخلا بين مفهوم (النخبة) ومفهوم (الاولغارشية) أي حكم الأقلية، فالنخبة السياسية أقلية حاكمة ولكن ليس كل أقلية حاكمة نخبة سياسية أو تخضع في تحليلها لنظرية النخبة، فقد تكون هذه الأقلية حكما استبداديا أو قلة عسكرية تسيطر على مقاليد الأمور.
ونعتقد لو أن كل أقلية حاكمة هي نخبة سياسية حسب التحليل النخبوي لما كان هناك مبرر لظهور نظرية النخبة وصيرورتها مقتربا للتحليل السياسي، ما دامت النظرية الاوليغارشية معروفة لدى أنصار نظرية النخبة، ومازال معمولا بها، فظهور نظرية النخبة من قبل مفكرين غربيين يعيشون في مجتمعات غربية ذات نظم ديمقراطية، انطلاقا من توظيف المنهج التجريبي على هذه المجتمعات، لا ينطلق من كونهم جاهلين لوجود نظريات سابقة حول حكم الأقلية، أو أنهم اكتشفوا لأول مرة في التاريخ وجود قلة تمارِس السلطة وأغلبية تُمَارَس عليها السلطة، فهذه خاصية بديهية أو آلية سياسية في كل المجتمعات السياسية، بل هي التعريف الأولي للسياسية، إذن فإن وضعهم للتحليل النخبوي يعني أن حكم النخبة ليس هو (الاوليغارشية) ويعني ثانيا أن التحليل النخبوي يجد مصداقيته الامبريقية والنظرية، في واقع النظم السياسية الديمقراطية. التي يعيشون فيها.
فنظرية النخبة تريد أن تقول إنه يوجد ما بين النظم الاوليغارشية والنظم الديمقراطية بمفهومها المثالي -حكم الشعب بالشعب- نظام سياسي يعتمد على آلية توفق بين الجانبين وتأخذ شيئا من كل منهما، وهو حكم النخبة أو الأقلية التي تحضا برضا وقبول المجتمع. فالنظم السياسية في الأنظمة الديمقراطية المعاصرة وكما يرى أنصار نظرية النخبة محكومة من طرف أقلية -وهذا ما يؤكده الواقع- ولكنها أقلية تتسيد برضا الشعب وموافقته وتحترم قيم الممارسة الديمقراطية بمفهومها المعاصر -وهي تستمد نخبويتها ليس انطلاقا من الانتخاب الطبيعي فقط- فنخبة الانتخاب الطبيعي تؤدي إلى شريعة الغاب وتوجد حتى في المجتمعات البدائية- ولا تفرض هذه النخبة سيطرتها فرضا على الناس، أو لمجرد أنها تقول عن نفسها، إنها صفوة المجتمع، بل لأن الجمهور هو الذي يعترف لها بهذه الصفة عندما ينتخبها لأول مرة، أو عندما يجدد انتخابها، أو عندما يشعر أنها تعبر عن مصالحه، أو عندما يقبل مختارا حكمها بمحض إرادته.
وعليه يمكن القول، إن الديمقراطية هي التي تشكل الضمانة بأن من هم في السلطة هم نخبة المجتمع بالفعل وليسوا أقلية فحسب، فالديمقراطية تسمح للمجتمع أن يصطفى من بين صفوفه وخصوصا من بين المتنافسين على المناصب السياسية أفضلهم وأكثرهم توفرا على صفات الامتياز والقدرة. أو بشكل أخر نقول أن حكم الأقلية (الأوليغارشية) هو حكم الأمر الواقع وقد يكون معتمدا على الشرعية وقد يكون بدونها ولكن حكم النخبة لا يكون إلا برضا الشعب وموافقته أي مع وجود الشرعية والمشروعية.
ولا ريب أنه كلما تعزز النظام الديمقراطي كلما كان وصف القلة الحاكمة بالنخبة أو الصفوة السياسية أقرب إلى الصحة، وقد كان بوتومور واعيا إلى الالتباس الذي يصاحب استعمال مصطلح الصفوة السياسية لنعت من هم في السلطة، حيث يقول: "إن التعريفات المختلفة لمفهوم الصفوة تفترض استخدام مصطلح أكثر دقة من مصطلح الصفوة الذي استخدم للحديث عن جماعات وظيفية تتمتع بمكانة عالية في المجتمع، وهذا يقتضي البحث عن مصطلح آخر للدلالة على تلك القلة التي تحكم المجتمع والتي أجد نفسي مضطرا إلى استخدام مصطلح موسكا "الطبقة السياسية" أي تلك الجماعات التي تكافح من أجل الحصول على القيادة السياسية".(1)
المطلب الثالث: نظرية النخبة والتحليل الطبقي
كما سبق الذكر فقد كان منطلق أنصار نظرية النخبة وضع تحليل علمي للحياة السياسية يعتمد على الاواليات الحقيقية للقوة السياسية وطبيعة العلاقة التي تربط الحاكمين بالمحكومين متجاوزين التنظيرات السياسية سواء الماركسية أو الديمقراطية، وفي بداية الأمر كانت نظرية النخبة ردا على المفهوم الماركسي عن الطبقات وتفنيدا للمقولة الماركسية بأن المجتمعات الرأسمالية تعرف طبقات محددة دائمة ووراثية، حيث قال النخبويون إن هذه المجتمعات تعرف حركية اجتماعية تسمح بالدخول والخروج منها بسهولة من خلال عمليات الارتقاء الاجتماعي داخل السلم الاجتماعي.(2)
لاشك أن نظرية النخبة كما رأينا تتفق مع التحليل الطبقي بالاعتراف أن المجتمع ينقسم إلى حاكمين ومحكومين، إلا أنهما تختلفان في نتائج هذا التقسيم حيث تذهب الأولى إلى القول بالصراع وسقوط طبقة كاملة وحلول أخرى محلها بينما تقول الثانية بالحراك والتعايش وإمكانية الانتقال من فئة إلى أخرى من خلال السلالم الاجتماعية التي يتيحها النظام الديمقراطي، كما يختلفان في أسس بناء (الطبقة الحاكمة)، فالنظرية الماركسية تتحدث عن طبقة مسيطرة وطبقة خاضعة على أساس السيطرة على وسائل الإنتاج، بينما تتحدث نظرية النخبة عن أقلية وأغلبية على أساس الكفاءة والتفوق، وأن الصراع بين الفئتين هو صراع إيجابي ما دام منحصرا كصراع على السلطة تحت مراقبة الشعب.
ولكن ألم يذهب أحد أقطاب النخبة (موسكا) إلى القول بأن النخبة الحاكمة تمثل (طبقة حاكمة)؟ وألا يمكن القول إن انغلاق النخبة الحاكمة على ذاتها يؤدي بها أن تصبح طبقة ذات مصالح متميزة عن بقية المجتمع بحيث أن معايير التفوق والنجاح التي سمحت لها بالتموقع كنخبة حاكمة تزول مع الوقت بخلقها -أي النخبة - ميكانزماتها الخاصة ومصالحها المادية الخاصة وثقافتها الخاصة بحيث تتحول إلى طبقة فعلية، ليس شرطا أن تكون على شاكلة الطبقات التي صنفها ماركس ولكن طبقة جديدة كما هي معروفة في المجتمعات الحديثة وفي المجتمعات الثالثية؟.
لقد ظهرت في هذا السياق محاولات للتوفيق بين النظريتين خاصة مع رايت ملز الذي خلص من تحليله للمجتمعات الحديثة إلى أن القوة في هذه المجتمعات ليست نتاجا للوضع الطبقي بالمفهوم الماركسي -أي قوة الطبقة المالكة لوسائل الإنتاج، وليست مؤسسة على الخصائص الفردية - كما يذهب باريتو- وإنما هي مرتبطة بالعاملين معا، الاقتصادي -والقدرات الذاتية، وهي نفسها النتيجة التي خلصت إليها دراسة حول الطبقة السياسية في بريطانيا جرت عام 1993، حيث وجد أنه بالرغم من القدرات والمواهب الذاتية التي يتوفر عليها أصحاب القرار السياسي في النظام البريطاني فإن 68% من هؤلاء يرجعون بأصولهم إلى الطبقات الراقية في المجتمع البريطاني.
أيضا يرى بوتومور أن الجمع بين التحليل النخبوي والتحليل الطبقي يفيد في فهم أنماط مختلفة من الأنظمة السياسية أو جوانب مختلفة من النظام السياسي الواحد، كما أن هذين المفهومين يساعدان في التمييز بين المجتمعات التي تعرف طبقة حاكمة وصفوات وبين مجتمعات لا تعرف طبقة حاكمة وإنما صفوات سياسية، ويرى أن مفهوم الطبقة مفيد إذا أخذ كنموذج أو مثال بالمفهوم الفيبري.(1)
إن الأمر ليس مجرد استعمال مصطلح ولكن المضامين التي يدل عليها المصطلح، وكل مصطلح يتضمن أيديولوجيا ما وخصوصا مصطلح مثل الطبقة، ومن هنا فلا بد أن نبين أن الأيديولوجية لعبت دورا في تماسك النخب وقوتها، وفي تمييزها عن بعضها البعض، بل كان الحديث عن الصراع بين النخب السياسية هو حديث عن صراع بين إيديولوجيات، حيث كانت الإيديولوجيات فاعلة في المجتمعات وتلعب عنصرا أساسيا في الاستقطاب السياسي إلا أنه منذ سقوط النازية والفاشية على أثر الحرب العالمية الثانية، وتراجع الإيديولوجية الشيوعية ثم انهيارها منذ منتصف الثمانينات لم تعد الايدولوجيا تلعب دورا فاعلا في التمييز بين النخب السياسية وخصوصا في الغرب، وحلت البرامج السياسية القائمة على التنافس حول المصالح وتوزيع القوة داخل المجتمع محل التنافس الإيديولوجي بحيث لا نجد اليوم داخل المجتمع الأمريكي أو البريطاني أي تمايزات إيديولوجية، بل هناك نخبة أو نخبات سياسية واحدة الايدولوجيا، والأمر نفسه ينطبق على بقية الدول الغربية، -إذا استثنينا بعض الجماعات من الفاشيين أو الأصوليين المسيحيين الجدد، وفي المجتمعات الاشتراكية سابقا تقلص دور النخبة الأيديولوجية على حساب نخب تقوم على أساس التعبير عن مصالح وعلاقات قوة.
ومادمنا قد تطرقنا إلى الايدولوجيا، فإننا نعتقد أن عدم شيوع نظرية النخبة والحذر في التعامل معها في الغرب كان له أسباب إيديولوجية، حيث خشي المحللون الغربيون من أن يؤدي الإقرار بمقولات التحليل النخبوي إلى الطعن بالديمقراطية الغربية وكشف زيفها، الأمر الذي سيصب في مصلحة أعداء الديمقراطية وخصوصا النظم الشيوعية التي تحكم من قبل قلة وهم كبار المسئولين في الأحزاب الشيوعية، أو الجهاز البيروقراطي، إلا أن غياب المنافس الإيديولوجي للديمقراطية قد يفسح المجال لدراسات جديدة تكشف محدودية الممارسة الديمقراطية والواقع الراهن لما يسمى الديمقراطية، وهو ما بدأ بالفعل من خلال كتب جريئة تنتقد النظرية الديمقراطية وتبين أخطاءها المفاهيمية والممارساتية دون الخوف من مكارثية جديدة.
المطلب الرابع: نظرية النخبة والديمقراطية
لم يقف التأويل الصريح أو الضمني لنظرية النخبة عند حد التشكيك بالتحليل الماركسي السياسي، بل شكك أيضا بالنظرية الديمقراطية -كما سبق الذكر- حيث أن نظرية النخبة تؤكد حكم الأقلية وخضوع الأغلبية، وتقول الديمقراطية بحكم الأغلبية وخضوع الأقلية، فكيف يمكن التوفيق بين النظريتين؟.
قبل التطرق إلى علاقة نظرية النخبة بالنظرية الديمقراطية التقليدية، لا بد من الإشارة إلى أن هناك سباقين في توضيح استحالة تطبيق الديمقراطية دون أن يكونوا بالضرورة من دعاة الأوليغارشية أو من منظري الصفوة، ومن هؤلاء جان جاك روسو الذي وبعد أن تحدث أن أنواع الحكومات بيّن استحالة تطبيق الديمقراطية حيث قال: "الديمقراطية الحقيقية إذا ما استعملت هذه الكلمة في أضيق معانيها، لم توجد قط ولن توجد أبدا، لأنه مما يضاد النظام الطبيعي أن يلي الحكم العدد الأكبر وان يخضع للحكم العدد الأصغر" وبالإضافة إلى هذا الاعتراض الذي يؤسسه على المنطق الطبيعي للأشياء فهو يعارض الديمقراطية للاعتبارات عملية « لا يمكن أن نتصور هذا الشعب دائم الاجتماع للاهتمام بالشؤون العامة(1).
يرى مفكرو الصفوة الأوائل خصوصا باريتو أنه لا توجد ديمقراطية حقيقة، فهذه مجرد خيال أو طوبا، فلم يعرف التاريخ -باستثناء مرحلة الديمقراطية الأثينية- حالة كانت فيها الجماهير تحكم نفسها بنفسها، بل كان دورها دائما هامشيا نظرا لعدم تنظيمها، وتضارب المصالح بين أفرادها، وتباين المعتقدات والميول والأصول الطبقية، فالأغلبية لا تشكل عالما سياسيا قائما بذاته.
وقد أدت تنظيرات باريتو حول النخبة وأهمية القدرات الذاتية للأشخاص الموهوبين، إلى إثارة الشكوك حول الديمقراطية بل أعطت الأساس النظري لشرعنة الديكتاتورية والفاشية، هذه الأيديولوجيات التي تؤمن بوجود تفاوت طبيعي بين الأفراد وإن من حق المتفوقين حكم الناس الأقل تفوقا.(2) إلا أن جماعة من المنظرين لنظرية النخبة قالوا بإمكانية التعايش بين الديمقراطية وحكم النخبة مع إعطاء مفهوم جديد للديمقراطية.
حيث يذهبون إلى أن الديمقراطية المباشرة التي تعني حكم (الشعب بواسطة الشعب وللشعب) أمر مستحيل، ويعطوا مفهوما حديثا للديمقراطية بأنها نظام سياسي تتنافس فيه الأحزاب السياسية على أصوات الجمهور، وتتسم بالتعددية وهو الأمر الذي يسمح للنخبات أن تتكون بحرية وتنشئ مزاحمة منظمة بين النخبات على مراكز السلطة.(3)
وفي ذلك يقول موسكا: "لا ينتخب الناخبون الممثل، ولكن كقاعدة عامة، يصار إلى انتخابه بواسطتهم إلا إذا تولى أصدقاؤه هذه المهمة بالسعي لانتخابه".(4) وفي نفس الاتجاه تقريبا يذهب ملز حيث يرى أن نظام التمثيل يؤدي إلى دفع الجماهير إلى قبول مصالح خاصة باعتبارها مصالح عامة.
أيضا يعتبر كارل منهايم من أنصار هذا التوجه التوفيقي، حيث يرى أن سيطرة نخبة أو نخب على التكوين السياسي لا يعني انتفاء وجود الديمقراطية، لأن الديمقراطية لا تعني ضرورة أن يشارك الأفراد جميعا في إدارة الدولة، بل يكتفي بأن يعبر المواطن عن رأيه من وقت لآخر، وأن الديمقراطية لا تتعارض مع النخبة ما دامت الأولى تفسح المجال للاختيار على أساس الجدارة، حيث يقول: "إننا نفترض كأمر بديهي أن الديمقراطية تتميز لا بانعدام كل طبقات النخبة، بل بنمط جديد من الاختيار النخبوي، وبتفسير ذاتي جديد للنخبة... والذي يتغير أكثر من أي أمر آخر أثناء السير إلى الديمقراطية هو المسافة بين النخبة وبين صفوف الأفراد، النخبة الديمقراطية ذات أساس جماهيري، ولذلك فهي تعني للجمهور شيئا ما"(1).
إن الحديث عن علاقة النخبة بالديمقراطية سيوضح عند تناول موضوع دورة النخبة، حيث سنرى أنه كلما كانت دورة النخبة سريعة وكانت النخبة السياسية منفتحة على الجمهور كلما كانت إمكانية التعايش بين النخبة والديمقراطية ممكنة، أما إذا كانت دورة النخبة بطيئة وكانت النخبة منغلقة عن الجمهور كلما غابت الديمقراطية الحقيقية وتحولت النخبة إلى الاوليغارشية. وقد تصدى مجموعة من المفكرين الغربيين لإظهار الأزمة الفكرية التي تواجه الفكر الديمقراطي المنغلق حول المفهوم الكلاسيكي للديمقراطية وهم بالإضافة إلى أنصار نظرية النخبة الكلاسيكيين نجد جوزيف شومبيتر في كتابه (الرأسمالية والديمقراطية)(2) حيث نجده ينتقد بشدة (المذهب التقليدي للديمقراطية) بما يتضمنه هذا المذهب من مفاهيم كالخير العام وإرادة الأمة، واعتبرها مجرد خرافات، فالشعب في نظره أعجز من أن يتمكن من حكم نفسه بنفسه، والمواطن العادي في نظره يتسم بالقصور وعدم المبالاة أمام الأمور السياسية، وعليه، يطالب شومبيتر بتحويل مفهوم الديمقراطية من (حكم الشعب) إلى (حكم معتمد من الشعب) أو (حكم لصالح الشعب). فالديمقراطية الحقة هي التي تفسح المجال للأفراد الأكثر قدرة والأكثر نبوغا على ممارسة الشأن السياسي، وإن أقصى ما يطمح إليه المواطن العادي هو ممارسة حقه "في قبول أو رفض من سيحكمه من خلال العملية الانتخابية". وقد بنى شومبتر نظريته على ما لاحظه من الأهمية التي تأخذها مؤسسة (القيادة Leader Ships ) في المجتمعات المعاصرة، وأنه حتى تقوم القيادة المنبثقة أساسا من الشعب بعملها على ما يرام فعلى الشعب أن يمتنع عن ممارسة ما من شأنه إعاقة عملها، ويلخص شومبتر رؤيته للديمقراطية بأنها: "تنظيم تأسيسي القصد منه التوصل إلى قرارات سياسية، حيث يحرز الأفراد من خلاله سلطة التقرير بواسطة التنافس على أو الصراع من أجل الظفر بصوت الشعب".
في نفس الاتجاه ذهب جيوفاني سارتوري، في مؤلفه (نظرية ديمقراطية) Democratic theory، فقد انتقد المفاهيم الكلاسيكية للديمقراطية التي تضخم من أهمية ودور الشعب في الممارسة السياسية، ورأى أن الخطر على الديمقراطية لا يأتي من الدكتاتورية أو الأرستقراطية، بل من تدخل الشعب في عمل النخبة السياسية، وعرقلة قيامها بحقها الطبيعي في الحكم. وهو يطالب ببقاء السلطة السياسية بيد النخبة الحاكمة، ما دامت تتوفر على عناصر الامتياز والتفوق الذي يعترف لها به الجميع، إلا أنه يذهب إلى حد القول إن حق النخبة بالحكم يجب أن يصان سواء في مجتمع ديمقراطي أو غير ديمقراطي.(1)
ويتعامل سارتوري مع الديمقراطية بالشكل الذي تعامل أفلاطون معها، حيث يرى أن دور النخبة في المجتمع يجب أن يكون كبح جماح الأغلبية، حتى لا تسود الغوغائية التي تطيح بالاستقرار السياسي وهو لا يرى أي تعارض لحكم النخبة مع الديمقراطية، فالديمقراطية في نظره هي"عملية اتخاذ قرارات يستجيب فيها القادة لتفضيلات المقودين -المحكومين-".(2) كما أنه ركز على أهمية القيادة كما فعل سالزبوري، حيث يقول: "إن الديمقراطيات -كما لاحظ معظم الفقهاء- تعتمد على نوعية قادتها". فالمهم بالنسبة له ولسابقه ليس هو حكم الشعب بل ضمان الاستقرار السياسي في المجتمع حتى تتمكن الدولة من مواجهة التحديات الداخلية والخارجية خصوصا.
أما بالنسبة لأوستروغورسكي الذي أكثر معاصرة من سابقيه فيقول في كتابه: "الديمقراطية والأحزاب السياسية" "إن الوظيفة السياسية التي تطلع بها الجماهير في ديمقراطية ما لا تقوم على حكمها لهذه الديمقراطية بل الأرجح أنها لن تكون قادرة على ذلك على الإطلاق... فسواء كنا حيال ديمقراطية أو حيال أوثقراطية فإن الحكم لن يكون إلا من قبل أقلية ضئيلة العدد. والميزة الطبيعية التي تختص بها السلطة مهما كان نوعها هي مركزيتها، شانها في ذلك شأن قانون الجاذبية في النسق المجتمعي. لكن من الواجب الوقوف في وجه الأقلية الحاكمة. فوظيفة الجماهير في ديمقراطية ما لا تقوم على تولي الحكم بل على تخويف الحكومات".(3)
إن ما يمكن استخلاصه من مقاربات أنصار نظرية النخبة أن هذه النظرية لا تأخذ معناها ودلالاتها في التحليل السياسي الواقعي إلا في الديمقراطيات المعاصرة التي تشهد حالة من التحول والتطوير للديمقراطية مفهوما وممارسة، فنظرية النخبة تعبر عن ديمقراطية مأزومة، ديمقراطية وصلت إلى قمتها وإلى حالة تشبع وعدم مبالاة من الشعب، بحيث لم يعد المواطنون مهتمون بالمشاركة في الحكم بقدر اهتمامهم بأن يراعي من هم في السلطة مصالحهم، بمعنى أن نظرية النخبة حولت مفهوم الديمقراطية، من ديمقراطية المشاركة، أي مشاركة الأغلبية في السلطة، إلى ديمقراطية المراقبة أي مراقبة الأكثرية لحكم الأقلية، بحيث أصبحت هي الضامنة بأن من هم في السلطة هم نخبة المجتمع بالفعل. وحتى بالنسبة للجماعات السياسية المتصارعة على السلطة -ير الحاكمة- نلاحظ أن كل جماعة أو حزب سياسي يطرح برنامجا ويقدم للجمهور مرشحيه زاعما أنهم أفضل من غيرهم، وأن مرشحيه هم صفوة المجتمع والأقدر على خدمته، إلا أن هؤلاء المرشحين قد يكونوا نخبة داخل الحزب إما لأنهم انتخبوا داخل هياكله أو لأنهم يمثلوا القيادة التاريخية للحزب، ولكنهم لا يتحولوا إلى نخبة سياسية للمجتمع ككل إلا إذا أقر المجتمع ذلك، وهنا يأتي دور الانتخابات كآلية من آليات الديمقراطية، لتعطي للشعب دور اختيار من يعتقد أنهم الأفضل، فالانتخابات الدورية وضغوطات الرأي العام من خلال الصحافة والاضرابات والمظاهرات هي الورقة في يد الشعب للتأكد من أن مَن هم في السلطة هم نخبة المجتمع.
هذه المقاربة لمفهوم النخبة تدفعنا إلى التشكيك بالتحليلات التي ترجع وجود النخبة السياسية إلى العهود السابقة للديمقراطية، كالقول بوجود حكم النخبة في مصر القديمة أو في الصين أو غيرها من المجتمعات، فهذا التحليل غير دقيق كما أسلفنا القول، لان ما كان سائدا هو حكم الأقلية (أوليغارشية) أو حكم تيوقراطي. ومجرد وجود أقلية حاكمة لا يعني وجود نخبة سياسية، لان هؤلاء الحكام هم الذين ادعوا أنهم نخبة المجتمع وخير من فيه، وهم ينسبون لأنفسهم صفات لا يقرها لهم المجتمع، فالناس مكرهون على الخضوع لهم إما لاعتبارات دينية إذا كان الحكام يضفون على حكمهم طابعا دينيا، وإما خوفا من بطشهم إذا كانوا يحكمون بالقوة والجبروت، والدلالة على ذلك كثرة الثورات والانقلابات والحروب الأهلية التي شهدتها المجتمعات القديمة، وتشهدها المجتمعات المعاصرة غير الديمقراطية، فهذه الثورات والحروب الأهلية إنما تدل على أن الجمهور لا يؤمن بأن الحاكمين هم صفوة المجتمع أو أنهم الأحق في السلطة من غيرهم.
وخلاصة القول إن نظرية النخبة مقترنة بالنظم الديمقراطية المأزومة أو هي أحد أوجه التطبيق المعاصر للديمقراطية التي انسلخت عن مدلولاتها الأولى حيث أن الديمقراطية أصبحت تعني حق مراقبة الحاكمين أكثر مما تعني حق كل مواطن في المشاركة في السلطة أي (حكم الشعب بالشعب).
هذا الربط ما بين الديمقراطية الكلاسيكية، كنظام سياسي مأزوم، ونظرية النخبة كتحليل سياسي يكشف عن أزمة الديمقراطية الكلاسيكية، نجد بداياته الأولى عند مفكري اليونان القدامى في أثينا، فعندما كانت الديمقراطية الاثينية في مأزق تصدى كل من أفلاطون وأرسطو وبينا عيوب الديمقراطية على مستوى الممارسة، وطرح كل منهم تصوره الخاص للنظام الأمثل. فأفلاطون مثلا اعتبر الحكم الديمقراطي حكما فاسدا لأنه حكم الغوغاء والفقراء الطامعين بأموال الأغنياء، وطالب بدولة يحكمها الفضلاء وسماها ب(المدينة الفاضلة)، فالدولة الفاضلة الصالحة في رأيه هي الدولة التي يقودها الحكام الفلاسفة ذو المعرفة والحكمة، "أن المصائب لن تتوقف بالنسبة للناس قبل أن يصل إلى السلطة عرق من الفلاسفة الأتقياء والحقيقيين، أو أن يأخذ رؤساء المدن، بفضل نعمة إلهية بالتفلسف حقيقة".(1) هنا نجد أفلاطون كان سابقا لباريتو في تبيان فشل واستحالة نجاح الديمقراطية، وأن الحكم الأمثل هو الذي يقوم على قلة فاضلة تتوفر على خصائص ذاتية أخلاقية ونفسية، والفرق بينهم أن أفلاطون كان يُنَّظر لمثل هكذا حكم، بينما باريتو تحدث عن واقع ممارسة هذا الحكم (حكم النخبة).
كما نجد كاتبا معاصرا هو روبرت دال(2) يحيي بأسلوب حديث ومعاصر الجدل الذي أثاره أفلاطون وأرسطو بين دعاة الديمقراطية من جهة ودعاة الأرستقراطية أو حكم الفلاسفة الفضلاء من جهة أخرى، بحوار بين الديمقراطي (وهو المؤلف) والأرستقراطي وهو ممثل لحكم القلة أو (النخبة)، ففيما ينتقد الأرستقراطي الديمقراطية ويبين استحالة تطبيقها، وفي حالة تطبيقها يزعم أنها تهضم حقوق النوابغ والمؤهلين ولا تسمح لهم بأخذ ما يستحقون من مواقع الدولة، وبالتالي يرى أن الحكم الأفضل هو حكم الأوصياء أو حكومة المؤهلين لأنهم أكثر قدرة على فهم مصالح المجتمع وتحسس احتياجاته وحل مشاكله، بينما الغالبية من الناس يجب أن تستثنى من حق ممارسة السلطة لأنها إما جاهلة بالمصلحة العامة وبالأمور الاستراتيجية (كالطاقة النووية مثلا) أي أنها غير مؤهلة أو كفئة لممارسة الحكم، أو أنها منشغلة بهموم الحياة العادية وغير مكترثة بالأمور العامة والسياسية. ويتساءل الأرستقراطي مجددا سؤال أفلاطون "من هم الأفضل تأهيلا لتولي الحكم؟ هل تتم حماية مصالح الناس الاعتياديين من قبلهم شخصيا وعن طريق ما يتخذون من إجراءات خلال العملية الديمقراطية. أم من قبل مجموعة من القادة الأخيار القديرين الذين يتمتعون بقدر غير عادي من المعرفة والفضيلة؟"(1) ويرد (الديمقراطي) متحدثا بلسان المؤلف بأن الديمقراطية لا تعني قتل مواهب المتفوقين أو عدم إسناد الأمور المهمة للنخبة المتفوقة والمتخصصة فيها، حيث يقول: "وكما يعلم الجميع فإن معظم القوانين والسياسيات في البلدان الديمقراطية والحديثة لا يتم إقرارها من خلال اجتماعات المجالس البلدية، أو الاستفتاءات العامة، أو استطلاعات الرأي، أو غيرها من أشكال الديمقراطية المباشرة، أن السياسات لا تأتي مباشرة نتيجة الانتخابات. إن ما يحصل بدلا من ذلك كله هو أن المقترحات التي تطرح يتم النظر فيها وتمحيصها من قبل لجان متخصصة تابعة لهيئات تشريعية، وكذلك من خلال جهات أو وكالات تنفيذية وإدارية يكون أعضاؤها بصورة عامة من ذوي الكفاءات والخبرات العالية. إن للخبرة والمهارة أهمية بالغة في الواقع بحيث أن أنظمة حكمنا عرفت بكونها كيانات حكم تجمع بين الديمقراطية (حكم الشعب) والميرتوقراطية (حكم المؤهلين)".(2)
ومرة أخرى أجدني بحاجة للرجوع إلى الديمقراطية الاثينية حيث ثار الجدل لأول مرة حول ما هو نظام الحكم الأمثل الذي يستطيع أن يوفق بين المصالح المتعارضة، وسأعود تحديدا إلى أرسطو تلميذ أفلاطون، فبعد أن ميز أرسطو بين ثلاثة أنظمة للحكم أو الدساتير كما سماها، وهي: الملكية والأرستقراطية والديمقراطية المعتدلة، ورأى أن هذه الأنظمة قابلة للفساد والتحول إلى حكم طغيان أو حكم اوليغارشي أو حكم ديمقراطي متطرف(3) اقترح نظاما معتدلا يجمع فضائل الديمقراطية والأرستقراطية دون رذائلهم وسماه دستور الجمهورية المعتدلة: "انه الشكل الذي يتكيف، أفضل من غيره، مع كل الأجسام السياسية، وبصفة عامة، ويكون بإمكانها جميعا أن تحققه، ويتضمن نمطا من الحياة يكون الدخول إليه مفتوحا أمام الإنسان العادي، ولا يتطلب فضيلة ليست في متناول هذا الإنسان ولا تربية تستلزم مواهب ووسائل كبيرة".
أليس هذا القول يتطابق تماما مع النظم المعاصرة المسماة ديمقراطية، حيث يتعايش الغني مع الفقير، والملكية الوراثية مع الانتخابات وحكم النخبة مع رضا الشعب.... إن الجمهورية المعتدلة هي التي تصهر بعض الاوليغارشية مع الديمقراطية، وهذا الصهر هو الذي ينتج نظاما سليما مستقيما وخيرا، وفي هذا النظام تساير الديمقراطية الأغنياء وتساير الأوليغارشية مصالح الشعب حيث يُقَّسم الاوليغارشي "إني لن ارتكب ظلما اتجاه الشعب".(1) أليس هذا ما قال به رواد نظرية النخبة أمثال موسكا وملز وبيرنهام، بأن على النخبة السياسية أن تأخذ بعين الاعتبار مصالح الشعب؟

المبحث الثالث
النخبة السياسية في المجتمع العربي
قد يكون لغنى اللغة العربية في المترادفات، أو لحداثة استعمال المصطلحات السياسية في قاموسنا اللغوي، أو لهيمنة النظريات والأفكار المستوردة على منظومتنا الفكرية والمفاهيمية، أو للاستلاب الثقافي والإيديولوجي الخ، قد يكون لسبب من هذه الأسباب أو لها مجتمعة، المسؤولية في أن المفاهيم والمصطلحات التي يستعملها المثقفون العرب تكون غالبا غير معبرة عن واقع الحياة السياسية. فكلمات مثل حرية، مساواة، حقوق الإنسان، ديمقراطية، مجتمع مدني، تعددية سياسية، تناوبا، نخبة سياسية، برجوازية، ليبرالية، اشتراكية، رأسمالية، ثورة وعلمانية الخ، هي مصطلحات ومفاهيم تصلح لتشييد مقولات وخطابات سياسية، ودبج مقالات وتأليف كتب، ولكنها أبعد ما يكون عن القدرة على التعبير عن واقع الحياة السياسية والاجتماعية العربية، حيث تسود ظاهرة الانشغال بهذه المصطلحات وتقديسها وتحويلها إلى أقانيم، أكثر من الانشغال بموضوعاتها أو محاولة تبيئتها. حتى يمكننا القول إن ما يشكل ويصوغ ويسير الحياة السياسية والاجتماعية والعربية آليات ومحددات بعيدة كل البعد عن المقولات والخطابات السياسية والفكرية التي يتحدث بها وعنها المثقفون العرب، ومن هذه المصطلحات النخبة السياسية العربية.
فما هو مفهوم النخبة السياسية لدى الكتاب العرب؟ وهل إن من هم في السلطة أو المتصارعين حولها هم نخبة المجتمع العربي؟ وما هي مرتكزات الشرعية أو النخبوية التي تستند عليها (النخبة السياسية العربية)؟
يمكن القول إنه لا توجد نظرية عربية حول النخبة، فمن تطرق للموضوع استعمل كلمة نخبة بشكل عائم ومرن بحيث يمكنها أن تعني كل شيء وقد لا تعني شيئا، فإذا كانت نظرية النخبة السياسية الغربية جاءت كرد على الماركسية والديمقراطية، فليس لدينا نظم ماركسية، أو ديمقراطية بمعنى الكلمة حتى يكون هناك مبرر لوجود نظرية تفند زعمهم، وعليه فاستعمال كلمة نخبة سياسية يقصد بها القادة السياسيون أي من في يدهم مقاليد السلطة السياسية دون ربط النخبة بالأفضلية والتفوق فكل من هم في السلطة أو مقربون إليها يدرجون (كنخبة سياسية) وأحيانا يتم توسيع مفهوم النخبة السياسية كأن يقال النخبة العسكرية، والنخبة الدينية، والنخبة المثقفة الخ. وبالنسبة للسيد الحسيني وفي كتابة علم الاجتماع السياسي، فقد تناول موضوع الصفوة، لافتا الانتباه منذ البداية إلى تعدد المفاهيم التي تحاول أن تعبر عن وجود جماعة أو جماعات تتحكم في القرارات السياسية العليا، ثم يخرج بما هو مشترك من هذه المفاهيم حيث يقول: « إلا أن القضية المشتركة هي وجود قلة مسيطرة تتحكم في القرارات السياسية والاقتصادية، وغالبية خاضعة لهذه القرارات، وذلك بالرغم من الأساليب الديمقراطية الهادفة إلى التعبير عن الإرادة الجمعية»(1) نلاحظ هنا أن السيد الحسيني الذي يعتمد في هذا التعريف على كول(2) يقرن التحليل النخبوي بالنظم الديمقراطية.
أما محمود الناكوع، فإنه يرجعنا إلى الأصول اللغوية لكلمة الصفوة، فالصفوة نقيض الكدر ومشتقة من فعل صفا يصفو صفاء. ونخبة القوم كما جاء في لسان العرب، خيارهم، وبعد أن بين ورود كلمة الاصطفاء بمعنى الاختيار والتمييز في القرآن الكريم كقوله تعالى: إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، فإنه يعترف بأن موضوع النخبة لم يحظ بالتنظير اللازم ليتحول إلى نظرية متكاملة.(3) أما تعريفه للنخبة فهي الأقلية التي تتمتع بالقوة والقدرة على التأثير في محيطها الاجتماعي وهي ظاهرة طبيعية تتواجد في أي مجتمع مهما اختلفت درجة تمدنه، وهي مطلب ضروري لتأدية الأنساق الاجتماعية وظيفتها، تم يرتب الناكوع النخبة العربية كالآتي:
1- "الأنبياء والرسل.
2- صحابة وحواريو وتلاميذ الرسل والأنبياء.
3- الفلاسفة والعلماء وكل من اشتعل بالفكر.
4- القيادة السياسية.
5- كل أصحاب المواهب الأخرى".(4)
إذا نزعنا مصطلح النخبة من سياقه التاريخي المرتبط بتحليل واقع النظم السياسية الديمقراطية، وتعاملنا معه كرديف للقلة الحاكمة المتميزة عن الكثرة المحكومة، فقد عرف الفكر السياسي عند علماء المسلمين ما يدل على وجود نخبة سياسية تتميز عن ألا نخبة ونقصد مفهوم الخاصة ومفهوم العامة. فكثير من علماء الإسلام وخصوصا من المعتزلة يتفقون على وجوب التمييز ما بين الخاصة والعامة، وان تقلد مناصب القيادة وخصوصا الإمامة ومن يحق له اختيار الإمام إنما هو أمر يعود إلى الخاصة وليس العامة، لقصور العامة عن الفهم السليم للمتطلبات العظام لشؤون قيادة الأمة، ويعتر الجاحظ من أفضل من دافع عن أحقية الخاصة بالتفرد بأمور الحكم دون العامة، وهو يعتبر ذلك نوعا من تقسم العمل الذي يقوم على الرأي والفكر والمعرفة لا على أساس التمايز الطبقي أو العرقي. فالجاحظ يرى أن " العامة لا تعرف معنى الإمامة وتأويل الخلافة، ولا تفصل بين فضل وجودها ونقص عدمها، ولأي شيء ارتدت ولأي أمر أملت. وكيف مأتاها والسبيل إليها. بل هي مع كل ريح تهب وناشئة تنجم. ولعلها بالمبطلين أقر عينا منها بالمحقين".(1)
إلا أننا نجد إسماعيل علي سعد أكثر دقة في تعريف النخبة، وهو ينطلق من حقيقة وجود تعريفات متعددة لها، حيث يقول «ومما لا شك فيه أن هناك تعريفات كثيرة قد أطلقت على الصفوة وهي في رأينا الأقلية Minority داخل أي تجمع اجتماعي مثل المجتمع والدولة والحزب السياسي، أو هي أي جماعة تمارس نفوذا متفوقا داخل المجتمع». فالصفوة أو النخبة في نظره، تلك الجماعات التي تتخذ القرارات، وإسماعيل علي سعد يفضل صيغة الجمع أي الصفوات وليس الصفوة، فالمجتمع يعرف صفوات تتعدد بتعدد مجالات الحياة، وكلها لها علاقة بالسياسة، حيث "أن السياسة هي إدارة شؤون المجتمع من كافة نواحيها الدينية والاقتصادية والعسكرية والفكرية، إذ لاشك أن محصلة هذه الأوجه الأربعة تشكل النسق السياسي التي تدور فيه أية جماعة بشرية".(2)
هناك ملاحظة تستحق الإبداء، وهي أن كتاب نظرية النخبة الأجانب استعملوا للتعبير عنها مصطلحات متعددة، كالنخبة السياسية، والطبقة الحاكمة، والطبقة السياسية، ونخبة القوة، الأمر الذي يفسح المجال للنقاش حول توافر عنصر التفضيل والامتياز والاختيار من طرف الشعب للحكم على أن من هم في السلطة صفوة أم لا؟ وحول علاقتهم بالجماهير، أما عند العرب فإن الترجمة الشائعة والوحيدة هي (النخبة السياسية)، وحيث أن كلمة نخبة أو صفوة في اللغة العربية تتضمن الامتياز والأفضلية بشكل لا لبس فيه، فقد ارتأى بعض الكتاب العرب (إليا حريق) استعمال كلمة (السراة) بدل النخبة(3) لأن سراة القوم هم حكامهم أو أصحاب القرار بغض النظر عن كيفية وصولهم إلى مركز اتخاذ القرارات.
وبالنسبة لمدى ملائمة تطبيق التحليل النخبوي على الدول التي لا تعرف الديمقراطية، أو هي في بداية التحول الديمقراطي -كما هو الحال بالنسبة لبعض الدول العربية- فإن محاولة إقحام التحليل النخبوي وإطلاق لفظ (النخبة السياسية) على الفعاليات السياسية الحاكمة أو المشاركة أو المعارضة، قد يفسح المجال للتلاعب بالأفكار وبمشاعر الناس وتشويه الحقيقة. نظرا للحمولة اللغوية القيمية التي تتوفر عليها كلمة (نخبة).
فمن حيث المبدأ أو التأصيل النظري والعلمي لمصطلح النخبة، فإن القول بالنخبة كصفة يحيل إلى الأصل فالنخبة الاجتماعية تحيل إلى المجتمع، والنخبة السياسية كجزء من النخبة الاجتماعية لا تأخذ قيمتها أو حكم القيمة الذي يضفى عليها إلا بقرنها بالمجتمع، فهي نخبة مجتمع بعينه، فنخبة المجتمع الفرنسي مثلا قد لا تكون نخبة بالنسبة للمجتمع الصيني والنخبة السياسية اليابانية قد لا تكون نخبة سياسية بالنسبة للمتجمع الإيطالي أو المصري وهلجمرا.. معنى هذا أن النخبة تتميز بالخصوصية الاجتماعية، وكل نخبة سياسية تحمل خصائص مستمدة من طبيعة المجتمع الذي تنتمي إليه إنها إفراز لعلاقات القوة فيه ولطبيعة بنياته الاجتماعية وثقافته والمعتقدات السائدة فيه، وحيث النخبة هي صفة امتياز لجزء من كل، فإن أي تغير يطرأ على الكل، -المجتمع- يؤثر لا محالة على الجزء (النخبة)، ومعنى هذا أن النخبة السياسية ليست حالة ثابتة بل هي متحولة في توجهاتها ومواصفاتها وخاضعة في تحولها بما يطرأ على المجتمع من تغيرات، فللمجتمع التقليدي نخبته المتميزة وللمجتمعات المتقدمة نخبتها الخاصة بها، والنخبة السياسية الإيرانية قبل الثورة الإسلامية ليست هي النخبة السياسية بعد الثورة، والنخبة السياسية المغربية ما قبل الاستقلال ليست هي ما بعد الاستقلال، وهي في بداية الاستقلال ليست هي اليوم، والنخبة المصرية في عهد جمال عبد الناصر ليست هي النخبة السياسية في عصر الانفتاح الخ.
وعليه يمكن القول إن النخبة السياسية تمر بدورة وتعرف تحولات -سريعة أو بطيئة- ليس فقط اعتمادا على النهج الديمقراطي -بل أيضا بفعل تحولات عميقة وفجائية قد تطرأ على المجتمعات كالثورات والأزمات الاقتصادية أو الحروب الخ.
هذه المقاربة للنخبة السياسية التي تحيل النخبة السياسية إلى بنية المجتمع وثقافته، هي جوهر علم الاجتماع السياسي الذي يسعى لتحليل البنى السياسية -أشخاص ومؤسسات- انطلاقا من موائلها الاجتماعية، وهو الأمر الذي يساعدنا في محاولة تسليط الضوء على النخبة السياسية العربية.
مما لاشك فيه أن تباين المجتمع العربي -سياسيا وثقافيا واقتصاديا -عن المجتمعات الأخرى يسمح لنا بالقول بوجود نخبة سياسية عربية- بمعنى نخبة تحمل خصوصيات المجتمع العربي. فالبنية الاجتماعية العربية والموروث الثقافي والمعتقدات الدينية، تطبع النخبة السياسية العربية بطابعها، فهي نخبة تقليدية عشائرية دينية، تسلطية، إلا أنها تنزع نحو الحداثة ومجاراة قيم العصر، الأمر الذي يقسم هذه النخبة انقسامات ثنائية حادة، نخبة تقليدية ونخبة عصرية (نخبة ليست ذات هوية تحاول الجمع بين الجانبين)، ونخبة دينية ونخبة علمانية، نخبة قُطْرِيّة ونخبة قومية، نخبة وطنية ونخبة تابعة، نخبة ثورية ونخبة محافظة، نخبة ديمقراطية ونخبة عسكرية أو تسلطية وهلمجرا الأمر الذي يطبع النخبة السياسية العربية بعدم الوضوح وعدم الاستقرار على حال.
وقد سبق أن تطرقنا إلى توضيح علاقة النخبة السياسية بالنخب الاجتماعية، ومع ذلك نشير إلى أن ما ذكرناه قد ينطبق بشكل أكبر على النخب في الدول الديمقراطية، أما حيث تغيب إرادة الأمة وحرية التعبير وإبداء الرأي فإن الحديث عن نخبة سياسية -دينية كانت أو عسكرية أو ثورية- قد لا يكون دقيقا.إلا بمقدار ارتباطها بالجماهير وتعبيرها عن مصالحها الحقيقية.
فعندما يقول البعض بوجود (نخبة عسكرية) تحكم في هذا البلد أو ذاك فما المقصود بالنخبة العسكرية؟ قد يكون هؤلاء بالفعل نخبة عسكرية -في إطار الجهاز العسكري" المؤسسة العسكرية- ولكن هذا الامتياز أو الاصطفاء العسكري، لا يسمح لنا بأن نصفهم بالنخبة السياسية، فعالم السياسية ليس هو عالم الجيش، فللسياسة قواعدها وأصولها، ومن هو في موقع النخبة العسكرية ليس بالضرورة يصلح ليكون في موقع النخبة السياسية، ولهذا السبب فإن الدول الديمقراطية لا تدمج العسكر ضمن النخبة السياسية. أما في الدول الثالثية بما فيها العربية، فتتداخل الأمور، حيث ينصب ضابط أو قلة عسكرية نفسها حاكمة للبلاد وتتصرف كنخبة سياسية، الأمر الذي يؤدي غالبا إلى فشل العسكر في إدارة أمور البلاد، مما يولد حالة من عدم الرضا الشعبي وتزداد الأمور تدهورا، وتدخل البلاد في دوامة الانقلابات العسكرية، فالبراعة في قيادة دبابة أو فرقة عسكرية لا تعني النجاح في قيادة مؤسسة مدنية أو حتى روض أطفال، فكيف قيادة مجتمع.
نفس الأمر بالنسبة لما يطلق عليها نخبة ثورية، فما هي عناصر الامتياز التي تتوفر عليها هذه الجماعة؟ هل هو الفكر الثوري الذي تنادي به؟ أم هي الممارسة الثورية؟ إن مأزق العديد من (النخب الثورية) في العالم الثالث، وفي العالم العربي خصوصا، أن نخبويتها الثورية، -الفكرية أو الممارساتية- سريعة العطب والزوال. فعلى مستوى الفكر الثوري تطرح هذه الجماعات -أحزاب أو أنظمة- أفكارا ثورية- يسارية أو قومية -براقة استقطابية، وغالبا ما تتسم هذه الأفكار بالطوباوية والتبشيرية، مما يجعلها صعبة التحقيق، وخصوصا أن النخبة الثورية لا تتوفر على قدرات تنظيمية ولا ثقافية ولا سياسية تمكنها من تبيئة هذا الفكر، ومع مرور الزمن يتباعد الفكر عن الواقع، وتبدأ عملية تذمر جماهيري، ولكن وحيث أن النخبة الثورية تستمد شرعية وجودها من خطابها الثوري، فإنها تصبح أسيرة لهذا الخطاب الذي يفقد مع مرور الزمن مصداقيته. وهو ما يؤدي إلى لجوء هذه الأنظمة الثورية إلى مزيد من الدعاية الأيديولوجية أو مزيد من الأجهزة القمعية، وكلا الوسيلتين تأثيرهم سريع الزوال.
كذلك هو الحال على مستوى الممارسة، فإذا كان الشعب يقر للقيادة الثورية -حزب ثوري أو مجلس قيادة الثورة- بأنها نخبة المجتمع ويمحصها الولاء فما ذلك إلا لأنهم يؤمنوا بأن هذه القيادة هي أقدر من غيرها على إحداث تغييرات في الواقع وتحسين شروط حياتهم، وكلما كانت الممارسات الثورية على مستوى تطلعات الجماهير ومحققة لأهدافها كلما توطدت العلاقة بين الطرفين وتحولت القيادة الثورية إلى نخبة سياسية ثورية بالفعل، والعكس سيؤدي إلى تحول القيادات الثورية إلى أقليات مستبدة إن لم تفسح المجال لقوى أخرى لمشاركتها العمل السياسي في إطار ديمقراطي.وقد رأينا كيف كان مصير بعض الزعماء الثوريين في المعسكر الاشتراكي وفي العالم العربي.
وفي هذا السياق تستحضرنا حالة النخبة السياسية الفلسطينية، فقد استمدت هذه النخبة شرعيتها من خطابها الثوري الذي يلتزم بأهداف الشعب الفلسطيني وهي تحرير فلسطين من البحر إلى النهر وتطبيق حق العودة، وما صاحب هذا الخطاب من ممارسة ثورية – الكفاح المسلح -، وعندما لم تأت الرياح بما تشتهي سفن الحركة الثورية الفلسطينية –منظمة التحرير– بالإضافة إلى تقصير وخلل في بنية الحركة الثورية، مما اضطرها إلى التحول نحو نهج التسوية وبالتالي التخلي عن أهداف استراتيجية كان التمسك بها أحد مصدر شرعيتها. هذا التحول في النهج السياسي خلال السنين الأولى للسلطة الوطنية والذي فسر بأنه تراجع عن النهج الثوري وعن الأهداف الوطنية، شكك في نخبوية السلطة والقيادة الفلسطينية مما دفع بقوى أخرى – الجماعات الإسلامية –لتقول بأنها النخبة السياسية للشعب لأنها المعبرة عن أهدافه وتطلعاته القومية.
ولا يختلف حال النخب التقليدية أو الدينية أو نخب الأسر المالكة عما سبق أن قلناه، وربما كان هذا هو سبب لجوء العديد من الأنظمة السياسية التقليدية -ملكية أو دينية -إلى إضفاء شرعية عقلانية- على شرعيتها التقليدية أو الكارزماتية، فالمرتكزات الاجتماعية، التقليدية التي كانت تدعمها وتشكل مصدر قوتها السياسية، بدأت تتزعزع مع التحولات المتسارعة الناجمة عن المد الديمقراطي والمناداة بحقوق الإنسان والتعليم، وإعادة النظر في الوظيفة السياسية للدين، وتزعزع مكانة المورث من تقاليد وعادات وعلاقات قرابة.
ومع ذلك يجب الإقرار بالصعوبة التي تواجه الباحث العلمي في موضوع النخبة السياسية العربية، لاعتبارات منها أن أنظمة الحكم العربية هي في غالبيتها إما أنظمة عسكرية أو ثورية أو تقليدية، وبالتالي لا تحكم من قبل نخبة المجتمع بل من طرف شخص أو أسرة أو قلة مستبدة بالسلطة، ومن جهة أخرى تأتي الصعوبة من تعدد النخب العربية -إن جاز إطلاق لفظ النخبة على من هم في السلطة- فبالرغم من وجود قواسم مشتركة بين النخب العربية مستمدة من وحدة الثقافة والحضارة والعقلية العربية، فإن هناك تباينا بين هذه النخبات، فمرتكزات النخبة السياسية في دول الخليج ليست هي نفسها المرتكزات في السودان، وتلك الموجودة في المغرب ليست هي في ليبيا وهلمجرا، وفي واقع الأمر فأن هذا التباين بين النخب العربية في الأقطار العربية لا يعود إلى اختلاف حقيقي على المستوى البنيوي النفسي والثقافي بقدر ما يعود إلى ما تزعمه وتدعيه هذه النخب لنفسها من مصادر شرعية أو مناهج حكم فالتباينات هي شكلانية خارجية أما الجوهر والعمق فيؤكد تشابه هذه النخب واتفاقها في خصائص أو قواسم مشتركة يمكن تلخيصها بما يلي:
1- إنها نخبة في حالة تحول بفعل ضغوط خارجية وتحولات داخلية لها علاقة بالتوجه الديمقراطي وزيادة الوعي الجماهيري.
2- إنها نخبة توليفية، تتشكل من قوى متعددة حداثيين وتقليديين، أصوليين وعلمانيين الخ.
3- إنها نخبة قوة بالضرورة، فغياب الديمقراطية، أو وجود ديمقراطية أبوية وموجهة، يجعل النخبة السياسية الحاكمة تعتمد على الجيش والعصبوية والأمن للبقاء في السلطة.
4- إنها نخبة في حالة صراع مستمر، ففقدانها للشرعية أو المشروعية يجعلها في مواجهة مستمرة مع الشعب أو مع قوى سياسية على أسس أثنية أو طائفية.
5- أنها لا تصل إلى السلطة لأنها نخبة المجتمع، إنما بعد وصولها للسلطة بالوراثة أو بالثورة أو الانقلابات العسكرية تسعى لشرعنة وجودها والزعم بنخبويتها من خلال إضفاء صفات التضخيم والتقديس على رموزها الحاكمة.
6- إنها في كثير من الحالات نخب تابعة للخارج لا ينبع قرارها من اعتبارات داخلية، بل يؤثر عليه من الخارج إن لم يكن يصنع في الخارج وخصوصا في مجال السياسة الخارجية، والسياسة الاقتصادية العامة.
7- لكل الاعتبارات السابقة، تغيب استراتيجية واضحة في عمل هذه النخبة، حيث تنشغل بتسيير الأمور اليومية والحفاظ على وجودها في السلطة أو الصراع ضد السلطة، دون الاهتمام بوضع استراتيجية وطنية بعيدة المدى.

خلاصة:
لا جدال أن موضوع النخبة يثير كثيرا من التساؤلات ويطرح كثيرا من القضايا التي تحتم إعادة النظر في العديد من المفاهيم والمقاربات المعتمدة لدى العديد من الباحثين في تحليلهم للنظم السياسية، وإن كنا حاولنا الإلمام بأهم الأفكار حول نظرية النخبة سواء التي جاء بها المفكرون الأوائل للنخبة أو اجتهادات بعض الكتاب العرب حول الموضوع إلا أننا لا نزعم أننا استوفينا الموضوع حقه من الإحاطة العلمية الشاملة لكل جوانبه، فالقارئ قد يتساءل عن علاقة الايدولوجيا بالنخبة السياسية، فهل يفترض توافق أفرادها إيديولوجيا أم لا يشترط ذلك؟ أيضا لا يشعر القارئ أن تحليلنا لعلاقة النخبة بالالغارشية من جهة وبالديمقراطية من جهة أخرى وضع النقاط على الحروف، والاهم من ذلك قد يتساءل القارئ هل إن نظرية النخبة مثلها مثل مجمل النظريات الاجتماعية، وبما أنها خلاصة تحليل لواقع المجتمعات الغربية، تصلح لمقاربة النظم السياسية في دول العالم الثالث وخصوصا تلك التي لا تعرف نظما ديمقراطية على شاكلة النظم الديمقراطية في الغرب؟.
إن كل هذه التساؤلات لها مبرراتها ولاشك، ونعتقد أن مصطلح النخبة مازال لم تتضح أبعاده ودلالاته الدقيقة، وإن كنا حاولنا التمييز بينه وبين الأقلية، وشككنا في صلاحية نظرية النخبة كأداة للتحليل في الأنظمة غير الديمقراطية القديمة والمعاصرة، فإن ذلك لا يخفي حقيقة أن الأقليات ذات القوة والنفوذ دينيا كان أو اقتصاديا أو اجتماعيا، أو سيكولوجيا، قد لعبت عبر التاريخ دورا فعالا ومحوريا في التحولات التي عرفتها المجتمعات، ولا ننسى في هذا السياق دور الشخصيات الكارزماتية في إحداث التحولات بل الطفرات المهمة في حياة الشعوب، فتاريخ الشعوب هو تاريخ الصراع بين أقليات كل منها يزعم أنه خير من في المجتمع، وقد تكون بعض هذه الأقليات صفوة للمجتمع في بعض المجالات، إلا أن غياب دور الشعب في الحكم والتقييم يجعل نخبويتها محل أخذ ورد، كما أنه لا توجد ضمانة باستمراريتها كنخبة بعد وصولها للسلطة.





الفصل الثالث
المجتمع المدني

تشكل مفاهيم ومفردات المجتمع المدني جزءاً من النظرية السياسية الغربية وخصوصا الديمقراطية، فهو أداة يوظفها الأفراد للتعبير عن مطالبهم ومصالحهم ولتقييد السلطة، ومن هنا كانت ولادته في الغرب مصاحبة لبزوغ الليبرالية السياسية ولتأسيس الديمقراطية. وإن كان من علماء السياسة في الغرب من لا يرى مبررا للفصل ما بين المجتمع المدني والديمقراطية، أو القول بوجود نظرية خاصة بالمجتمع المدني، إلا أن خصوصيته وأهميته في الحالة العربية وفي دول العالم الثالث عموما، هو ما يدفعنا لتخصيص فصل خاص به، بل واعتبار الإسهامات الفكرية بشأنه أساسا جيدا لفهم التحولات السياسية والاجتماعية في العالم العربي وفي دول الجنوب بشكل عام وخصوصا في السنين الأخيرة.

المبحث الأول
مقاربة مفاهيمية للمجتمع المدني
المطلب الأول: في تعريف المجتمع المدني
لا يسمح المجال بالرجوع إلى البدايات الأولى لظهور المجتمع المدني واقعاً وتداوله مفهوماً وتشكله كنظرية متكاملة، ولكن يمكن الإشارة إلى أن بدايات تداول مصطلح المجتمع المدني كان في أوروبا وتحديداً مع منظري العقد الاجتماعي – توماس هوبس وجون لوك وجان جال روسو ومنتسكيو – وفي بداية تداوله مع توماس هوبس كان يعني الدولة، فالمجتمع المدني كان النقيض لمجتمع ما قبل الدولة أي لحياة شريعة الغابة،نفس الأمر مع لوك حيث لم يكن هذا الأخير يميز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، فهما واحد وهو نقيض حالة الطبيعة "فكل الذين يؤلفون جماعة واحدة ويعيشون في ظل قانون ثابت وقضاء عادل يلوذون بهم وبوسعهما البت في الخصومات التي تنشأ بينهم ومعاقبة المجرم، فإنما يعيشون في مجتمع مدني، أما الذين لا ملاذ عام لهم على الأرض فهم ما يزالون في الطور الطبيعي"( ).
أما مونتسكيو فقد عايش دولة مستقرة، وهو عندما يتحدث عن التمدن أو المجتمع المدني إنما يقصد حالة التوازن التي تقوم بين القوى التي تشكل الدولة، والقانون هو عصب هذا التوازن، ومن هنا سمي كتابه روح القوانين، فالمجتمع المدني هو مجتمع القانون واحترام الملكية الخاصة وهو نقيض الاستبداد." أما بالنسبة لجان جاك روسو فق اتخذ المجتمع المدني عنده شكل:
1- حكم القانون.
2- الفصل بين السلطات.
3- التوازن بين السلطات أو التوازن بين القوى في الدولة"( ).
وقول روسو:الرجل الأول الذي سيج قطعة أرض وقال هذه لي ووجد من الناس من هم من البساطة إلى درجة أن يصدقوه، هو أول من أسس المجتمع المدني"( )، ومن هنا أضاف روسو عنصر المساواة إلى المجتمع المدني.
ولكن مع مرور الوقت ومع التمايز الذي بدأ يظهر ما بين الدولة – كجهاز سياسي- والمجتمع كفعاليات ومصالح بدا مفهوم المجتمع المدني ينحو إلى الدلالة عما يميز فعاليات المجتمع عن السلطة السياسية. أو هو كما يرى هيجل، كل الجمعيات وأشكال التضامن التي تقع ما بين الأسرة والدولة مع إضفائه طابعا ماديا اقتصاديا على هذه التجمعات وتقليله من درجة استقلاليتها عن الدولة.
ومن نفس الاهتمام بالبعد الاقتصادي لمؤسسات المجتمع المدني ولكن من منطلق فلسفي مغاير،تناول الماركسيون الأوائل مفهوم المجتمع المدني. ففي كتابه (الأيديولوجية الألمانية) عرف المجتمع المدني بأنه "جماعات العلاقات المادية للأفراد داخل مرحلة من تطور معين للقوى المنتجة، إنه تعبير عن الحياة التجارية والصناعية في مرحلة معينة"، و هو حلبة التنافس الواسعة للمصالح الاقتصادية البرجوازية، هو المجتمع البرجوازي، وهو فضاء الصراع الطبقي. إلا أن ماركسيا أخر ينتمي لجيل جديد من الماركسيين الأوروبيين، ولمقاربة جديدة للماركسية، وهو انطونيو غرامشي، أعطى للمجتمع المدني بعدا ثقافيا وليس بعدا اقتصاديا ماديا كما فعل ماركس، فالمجتمع المدني في نظره هو "الهيمنة السياسية والثقافية لجماعة اجتماعية على المجتمع كله باعتبارها المضمون الأخلاقي للدولة"، وإن كان في مكان آخر من كتابه – كراسات السجن- يعطي مفهوما مغايرا للمجتمع المدني.( )
إذن المجتمع المدني هو جماعات المصالح وهي الجماعات المنظمة من الأفراد الذين تجمعهم مصلحة مشتركة أو رابطة موحدة ويناضلون من اجل حماية هذه المصالح -اقتصادية كانت أو غير اقتصادية -والتأثير على الرأي العام وعلى متخذي القرار، وهذه الجماعات قد تكون ذات طبيعة ثقافية او دينية او مهنية أو جهوية أو فئوية. وعلى هذا الأساس يعرف برتراند بادي في كتابه sociologie politique المجتمع المدني بأنه (كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل أو توسط الدولة)( ).
إن النقطة المهمة في هذا السياق هي أن المجتمع المدني تصاحب مع –أو نتيجة لتأسيس الديمقراطية والثورات السياسية والصناعية والعلمية والدينية، وهو رديف لحرية التعبير والتنظيم، وأنه غالباً تأسس من أسف من المجتمع وبالتدريج، وفرض نفسه على الدولة بفعل نضالات متواصلة سلمية غالباً وصدامية في بعض الأحيان.
فالمجتمع المدني بنية وعلاقات ومؤسسات يؤسسها الأفراد بـ "استقلالية" عن الدولة، وهو بهذا المعنى لا ينفصل عن حركة المجتمع الحديث وتطوره، وما يستجد من تطورات على علاقات أطرافه مع بعضها البعض وعلاقته بمجمله بالمجتمع السياسي. كما أنه المفهوم تأثر ويتأثر بالموجات الفكرية المتسارعة وبتحديد الفكر الديمقراطي لمقولاته، لكل ذلك فإن مفهوم المجتمع المدني لابد وأن يتكيف مع هذه المستجدات، وهكذا فإن المفهوم في السسيولوجيا السياسية اليوم يستعمل بمعان لا تتفق تماماً مع ما جاء به رواده الأوائل، سواء رواد النظرية التعاقدية، أو "هيغل" أو "الماركسيون"، ومع ذلك يمكن أن نستخلص من الخطاب السياسي المعاصر الدلالات التالية للمجتمع المدني:
المجتمع المدني هو تلك الفعاليات – علاقات ومؤسسات وثقافة – الاجتماعية والسياسية التي تمكن المواطنين من مراقبة تصرفات الدولة والتدخل عندما تعارض هذه التصرفات مصالح وحقوق المواطنين.
المجتمع المدني هو تنظيمات المجتمع المعبرة عن المطالب والمصالح والثقافة السائدة والتي قد تكون في حالة مصالحة مع السلطة السياسية أو في تعارض معها.
المجتمع المدني هو كل المؤسسات والأنشطة المنظمة التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل مباشر من الحكومة.
غالبية التعريفات المتداولة حديثاً حول المجتمع المدني تسير في هذا الاتجاه، ونلاحظ على هذه التعريفات أنها تركز على استقلالية – إلى حد ما – المجتمع المدني عن السلطة السياسية، وهكذا أصبح المفهوم في الأدبيات السياسية المعاصرة – وهي أدبيات ليبرالية في غالبيتها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية – يؤكد على الاستقلالية التي يتمتع بها الأفراد عن الدولة سواء على مستوى تشكيل الأحزاب أو الانخراط في النقابات أو ممارسة حق التجمع والتظاهر وكل سبل الاحتجاج السلمية وكل ذلك في إطار القانون. وهذا يعني أنه تم تجاوز الحديث عن العلاقة المباشرة بين المواطن والدولة وتجاوز الهيمنة المطلقة للسياسي على الاجتماعي، "إن الدفاع عن المجتمع المدني كان متزامنا مع تطور الأفكار حول الفردية وحقوق الأفراد في الحرية والملكية"( ).
مع ظهور المجتمع المدني أصبح الحديث يدور عن علاقة غير مباشرة أو علاقة جدلية بين المجتمع والدولة أو السلطة كتجسيد سياسي للدولة، حيث تتوسط بين الطرفين تنظيمات المجتمع المدني من أحزاب( ) وهيئات وجمعيات ونقابات، دون أن يعني الأمر بطبيعة الحال قطيعة بين الطرفين، فالدولة تبقى بنية فوقية ومهيمنة بدرجة ما، لأنها دون هذا الدور لا تستطيع أن تقوم بوظيفتها السياسية والحقوقية، كما أن مؤسسات المجتمع المدني تبقى مقيدة بشبكة من القوانين والضوابط التي تحددها الدولة، و إلا سيتحول المجتمع المدني إلى دولة داخل الدولة.وفي المجتمعات الديمقراطية تسعى الدولة لتقوية دور المجتمع المدني لا لتقويضه، لأنه ضمان الحفاظ على التضامنات المجتمعية وعلى خصوصيات أصبحت اليوم مهددة من طرف العولمة بكل أبعادها.
المطلب الثاني: المجتمع المدني في العالم العربي وتحديات التأسيس
الحديث عن المجتمع المدني العربي يعد إشكالية مركبة، حيث أضيف إلى عدم التحديد الدقيق للمصطلح تباين المجتمعات العربية من حيث كونها التربة التي سيزرع فيها هذا المصطلح. فهل المجتمع المدني فكر وممارسة كما عرف في الغرب، حيث ولد وترعرع وأخذ دلالاته عبر تاريخ الغرب، هو نفسه المجتمع المدني الذي يتحدث عنه المثقفون العرب ويرومون تكوينه في مجتمعاتهم؟ وهل يتفق المثقفون والسياسيون العرب على تصور واحد للمجتمع المدني؟ وهل يمكن الحديث عن مجتمع مدني عربي بالمطلق أم عن مجتمعات مدنية عربية تختلف باختلاف درجة التحديث السياسي ومدى التقدم في مجال الديمقراطية في كل دولة عربية؟.
كما سبقت الإشارة فإن تداول مفهوم المجتمع المدني في الغرب جاء لاحقاً لوجوده الفعلي، بمعنى أنه وجدت المؤسسات (المستقلة)( ) عن الدولة من أحزاب ونقابات وتجمعات ثم أطلق على هذه الفعاليات الاجتماعية اسم المجتمع المدني، أما في مجتمعاتنا العربية – والثالثية عموماً – فقد تم التفكير بالمجتمع مدني في سياق المشروع الحداثي الساعي لتأسيس الديمقراطية، فهو وجد كفكرة ومشروع ثم تم البحث عن كيفية خلقه أو البحث عنه إن كان هناك ما يدل على وجوده.
وهكذا نلاحظ أنه في الوقت الذي هدأ فيه النقاش الفكري حول مفهوم المجتمع المدني في الغرب، حتى بات التطرق إليه أمراً نادراً، تزاحمت الكتابات والتنظيرات حول المجتمع المدني في دول العالم الثالث بما فيها المجتمعات العربية، حيث أن الحديث عن المجتمع المدني في هذه المجتمعات تصاحب مع التحركات التي تعرفها هذه المجتمعات نحو الديمقراطية والتخلص من إرث النظم التسلطية التيوقراطية والدكتاتورية. بحيث أصبح مفهوم المجتمع المدني اللازمة الضرورية في أي طرح سياسي يعالج مشكلة الديمقراطية في هذه البلدان. ونعتقد أن الأمر لا يخص البلدان العربية فقط بل إن تلازم الديمقراطية والمجتمع المدني هو قانون عالمي إن صح التعبير، فإذا كانت الديمقراطية تعني المشاركة في القرارات التي تؤثر في حياة الفرد ومصيره، فكيف يمكنها أن تكون دون المجتمع المدني، فالمجتمع المدني هو المقصود بالمشاركة؟.
ومع ذلك فكما تباينت المواقف والتصورات حول مدى وجود ديمقراطية في الدول العربية، ما بين قائل بوجودها وقائل بأن ما يوجد هي ديمقراطية مشوهة وشكلية وقائل بأن هناك إنجازات لا تنكر نحو الديمقراطية، كذلك الأمر مع المجتمع المدني، حيث تلازم القول بوجود المجتمع المدني من عدمه مع القول بوجود ديمقراطية من عدم وجودها، بالإضافة على ذلك فإن مفهوم المجتمع المدني عرف تعويماً وتسطيحاً في مجال استخدامه في العالم العربي، ولا يعود هذا الأمر فقط لكونه مفهوماً مستورداً وبالتالي جديداً على الفضاء الفكري العربي، بل يعود أيضاً لأن المثقفين السياسيين أصبحوا يوظفون مقولة المجتمع العربي انطلاقا من براغماتية سياسية، فمن يتفق مع الحركية السياسية السائدة في بلده ويضفي عليها حكم قيمة إيجابي، يقول بوجود مجتمع مدني ويطلق صفة المجتمع المدني على تشكلات وعلاقات قد تؤسسها الدولة أو تكون تعبيراً عن بنيات تقليدية كالقبيلة والطائفة...، ومن يقف موقف المعارضة من النظام السياسي القائم ومن توجهاته الرامية إلى إحداث تغيرات ذات مظهر ديمقراطي ينفي صفة المجتمع المدني عن التشكلات المدنية التي يؤسسها النظام مباشرة أو يدعمها أو التي تولد من المجتمع ولكنها لا تعارض النظام القائم، بل ينفونها حتى عن مؤسسات مجتمع مدني حقيقي، وهؤلاء الآخرون لا يعترفون بوجود مجتمع مدني إلا في ظل وجود ديمقراطية حقيقية وفي ظل تحولات جذرية تكون بمثابة القطعية مع النظام القائم.
يرى المفكر السوري برهان غليون أن الصعوبة الكبرى التي تواجه الكتابة حول المجتمع المدني العربي تكمن في انعدام التحديدات الدقيقة للمصطلح، وهو يرى أن مقاربة المجتمع المدني في العالم العربي تتطلب تحرير المفهوم من التباسات ثلاثة:
الأول: وهو الغالب الذي يجعل من المجتمع المدني رصيد قيم الحرية والتحرر وبالتالي يضعه في مواجهة السلطة والدولة وهما بداهة في العالم العربي تتميزان بالتسلط.
الاختلاط الثاني: ينبع من مطابقة مفهوم المجتمع المدني مع مفهوم الشأن الخاص المتعلق بالفرد وحريته وحياته الشخصية مقابل الشأن العام والدولة التي تهتم بالأمور الوطنية العليا.
الاختلاط الثالث: هو الذي يضع مفهوم المجتمع المدني في تقابل مع مفهوم المجتمع الأهلي، فإذا كان هذا الأخير يشمل البنى التقليدية من دينية وقبلية وجهوية، فإن المجتمع المدني يتطابق مع البنى والتنظيمات الحديثة من حزبية ونقابية وتنظيمات نسائية وطلابية الخ...( ).
ومن هنا يرى برهان غليون أن المجتمع المدني هو مفهوم مجرد وليس واقعاً عملياً اختبارياً قائماً بذاته، أي ليس شيئاً جاهزاً، فالمجتمع المدني لا يمكن أن يُفهم كحقيقة تجريبية بالانفصال عن الدولة والتطورات العامة للمجتمع، وبالتالي لا يخلو أي مجتمع بشري من تنظيم مدني أو مجتمع مدني وألا كان هذا المجتمع مجتمعاً همجياً. هذه المقاربة التي أتى بها "غليون" تنحو إلى القول بتاريخية المجتمع المدني العربي والإسلامي حتى أنه يذهب إلى القول إنه لا يمكن تصور نشوء الدولة العربية الإسلامية الأولى من دون وجود البنى الاجتماعية المدنية التي سندت الإسلام في بناء سلطته المركزية على أسس عقيدية.
ويقترب تصور برهان غليون من تصور "هيغل" في نقطة أساسية وهي عدم استقلالية المجتمع المدني عن الدولة استقلالاً تاماً، وهي العلاقة التي تقوم على الصراع والتكامل، بحيث لا يستغني أحدهم عن الآخر، "إن السياسة لا تحتاج كي تقوم إلى إلغاء البنى المدنية ما قبل الدولة، ولكنها بما تقدمه من مبادئ أسمى ومؤسسات أكثر فاعلية تتيح توحيد هذه البنى المدنية وجمعها تحت رايتها، وهي لا تتقدم كسياسة، أي كحالة أشمل إلا بقدر ما تنجح في معالجة تناقضات المؤسسات المدنية وتعمل على عقلنتها ووضعها في سياق ومنطق جديد هو المنطق الوطني الشامل، ولذلك لا قيمة للسياسة إلا إذا ارتبطت بهذا المجتمع المدني بمعنيين: أخذا وعطاء، إنها لا تستطيع أن تبقى إلا بقدر ما يستمر المجتمع المدني في خلق العصبيات والقيم والبني اللاسياسية الأولى، الأسرة والفرد والعقيدة والعادة...الخ، ولا يستطيع هذا المجتمع أن يحفظ توازنه وينظم نفسه في مرحلته المتقدمة، إلا بقدر ما تستمر الدولة وتنجح في معالجة التناقضات التي تنجم عن صراعاته الطبيعية"( ).
في مقابل هذا الرأي الذي يعتبر المجتمع المدني انعكاساً لواقع المجتمع وبنياته التحتية، يأتي موقف المفكر المغربي "محمد عابد الجابري" الذي يعبر عن موقف متشائم تجاه المجتمع المدني في الوطن العربي، لأنه يربط وجود المجتمع المدني بالمدينة والتمدن، حيث يقول: "هناك واقعة أساسية وبديهية لا يمكن أن تكون موضوع خلاف، وهي أن المجتمع المدني هو أولا وقبل كل شيء، مجتمع المدن، وان مؤسساته هي تلك التي ينشئها الناس بينهم في المدينة لتنظيم حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية "، وحيث أن البادية والريف هما السمة الغالبة على المجتمعات العربية بالإضافة إلى الجهل والأمية، إذن لا يوجد مجتمع مدني في الوطن العربي.( ) من جهة أخرى يربط الجابري المجتمع المدني بالديمقراطية ليصل إلى نفس النتيجة، فحيث أن الديمقراطية لم ترسخ في المجتمع العربي، هذا يعني غياب المجتمع المدني. والديمقراطية التي يقصدها ليست الديمقراطية الشكلية التي تعرفها بعض البلدان العربية، بل يقصد بها ذلك النوع من العلاقة بين الحاكمين والمحكومين، بين الدولة والشعب، ونموذجها هو القائم في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. إنها العلاقة المبنية على تداول السلطة السياسية على أساس الأغلبية الانتخابية التي يفرزها التعبير الديمقراطي الحر من خلال التنافس الحزبي في إطار احترام حقوق المواطن السياسية منها على وجه الخصوص( ).
وبالتالي فإن المجتمع المدني الذي يعترف به "الجابري" هو المجتمع الذي يمارس فيه الحكم على أساس أغلبية سياسية حزبية وتحترم فيه حقوق المواطن السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية والثقافية في حدها الأدنى على الأقل، إنه بعبارة أخرى المجتمع الذي تقوم فيه "دولة المؤسسات" بالمعنى الحديث لـ "المؤسسة" البرلمان، القضاء المستقل، الأحزاب، النقابات والجمعيات...الخ.
فـ "الجابري" يتحفظ على ما تعرفه البلدان العربية من مظاهر الحداثة ومن أشكال الديمقراطية – بالرغم من اعترافه أن رياح الديمقراطية بدأت تهب على العالم العربي( )، لأنه يرى أن بنى الدولة الحديثة( ) قد أقحمت إقحاماً في معظم الأقطار العربية، وما تعرفه هذه البلدان من مؤسسات وأحزاب وبرلمانات ونقابات وجمعيات ما هي إلا أشكال مشوهة لما تعرفه المجتمعات الغربية الديمقراطية. فبينما مؤسسات المجتمع المدني في الغرب نشأت بفعل تطور داخلي وبموازاة مع نشوء وتطور هذه الدولة نفسها، الأمر الذي نتج عنه قيام مجتمع مدني مستقل عن المجتمع السياسي – الدولة – مجتمع قوامه مؤسسات اقتصادية "شركات، بنوك..." وثقافية" مدارس، معاهد، وسائل إعلام ونشر"، بينما حدث هذا في الغرب الديمقراطي نجد أن بنى الدولة الحديثة في الأقطار العربة قد غرستها الدول الاستعمارية غرساً وبالقوة أحياناً.
في اتجاه مخالف يذهب وحيد عبد المجيد الذي يفصل ما بين الديمقراطية والمجتمع المدني، فإذا كانت الديمقراطية تتصف بالعالمية فالمجتمع المدني له صفة الخصوصية، ويقول في ذلك: (إن فكرة المجتمع المدني في الغرب لا مجال لها لدينا، نحن في مجتمع القيم الدينية فيه قيم جوهرية ولا يمكن بأي حال القفز فوقها أو تحييدها كما هو الحال في المجتمع المدني الغربي، فنحن نتحدث عن المجتمع المدني بشكل تقريبي أو نأخذ بعض جوانبه على عكس الحال في النموذج ألتعددي وآلياته التي تتسم بأن لها طبيعة إنسانية عامة وقابلة للوجود في أي مجتمع، وبالتالي فعندما نتحدث عن قضية الديمقراطية في المجتمع نميزها عن قضية المجتمع المدني)( ).
وحيث أن هذه الدولة العربية الحديثة ليست نابعة من المجتمع ولا تعبر عن نضج حقيقي لمكوناته، فإنها تلجأ إلى استعمال وسائل العنف المشروع وغير المشروع وتسخر كل أدواتها لتمتين سيادتها، وهي في سبيل ذلك لا تتورع عن اختراق المجتمع المدني ألجنيني، وذلك بخلق أحزابها السياسية ونقاباتها وجمعياتها.
وبالنسبة للمفكر التونسي "الطاهر لبيب" فهو يميز ما بين المجتمع المدني – أو المؤشرات الموضوعية الدالة عليه – من جهة ومفهوم المجتمع المدني أي البناء ألمفاهيمي الفكري الذي يعبر عن هذا الواقع، فالتاريخ العربي الإسلامي عرف حركات وعلاقات اجتماعية سياسية ودينية داخلة في علاقات ضدية مع السلطة السياسية القائمة، سواء حركة القرامطة أو الخوارج أو حركات التحرر ضد الاستعمار أو ضد الأنظمة الاستبدادية، إلا أن هذه الحركات لم تجعل من الحرية المدنية مسألة مركزية لها، ولم تراكم إنجازات على مستوى الواقع، ربما لأن المجتمع العربي الإسلامي آنذاك لم يكن مهيئاً لتحقيق هذا المطلب الاجتماعي/ السياسي، ذلك أن براديغم الطاعة هو الذي ساد كإيديولوجيا، والاستبداد السياسي هو الذي تراكم. وهو يرى أن الحركات السياسية، النقابية والفكرية والتي هي إرهاصات أو شروط تكون مجتمع مدني، كانت في عهد الاستعمار أكثر تنوعاً ونشاطاً مما أصبحت عليه بعد الاستقلال وهذه ظاهرة عرفتها كل البلدان التي استعمرت سابقاً، بما فيها البلدان العربية، إلا أن مطلب التحرر من الاستعمار طغى على غيره من المطالب ولم تهتم هذه الحركات إلا قليلاً بقضايا الديمقراطية والحقوق المدنية للأفراد، حيث كانت جل المطالبات متجهة ضد المستعمر.
إن "الطاهر لبيب" لا يفصل بين المجتمع المدني والديمقراطية وبينه وبين الحرية، فالمجتمع العربي لم يعرف الحرية بمعناها السياسي إلا مع الحملة الفرنسية 1798، ولم يعرف الديمقراطية إلا كمطلب لبرالي وخصوصاً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، أما على مستوى استعمال المفهوم، فإن "الطاهر لبيب" يرى "إن مفهوم المجتمع المدني عندنا بلا تاريخ، وهذا مأتى الحرج العلمي في استعماله، إن الاستعمال "الطارئ" يعبر عن حالة طوارئ في الفكر العربي ولا يحيل في كل الصور إلى ممارسة تم تنظيرها ولا إلى تنظير واقع تمت ممارسته، إنه سابق للظواهر التي يريد الإحالة إليها، لقد طاف متسيساً وراج رواجاً سريعاً بعل توظيفه وقبل أن يتقيد بمعنى أو استعمال"( ).
إن تاريخ المجتمع المدني العربي هو جزء من تاريخ نضال الشعوب العربية ضد الاستبداد والقهر، وحيث إن طبيعة الدولة العربية من حيث نظامها السياسي وتشكلاتها الاجتماعية وعلاقاتها الخارجية، يبرز لنا حالة الغربة التي تعيشها الدولة عن المجتمع والعكس صحيح، وافتقادها غالباً للشرعية والمشروعية، بالإضافة إلى حضورها السلطوي القاهر في كل شيء، فإن علاقة الدولة – السلطة السياسية – بالمجتمع كانت غالباً علاقة صراع أو سعي إلى الهيمنة، وهذا الصراع – علاقات الضدية – لم تكن أطرافه، السلطة من جانب وقوى اجتماعية، سياسية ودينية واقتصادية من جانب آخر، ترفع بشكل واضح وخصوصاً الطرف الثاني شعار تأسيس المجتمع المدني، لأن مفهوم المجتمع المدني كما أشرنا مفهوم غربي يعبر عن نوع الثقافة السياسية والنظام السياسي السائدين في الغرب. ومع ذلك فإن المطالب الاجتماعية في سياق التحديث السياسي والنضال الديمقراطي كانت تعمل على تأسيس أو تفعيل مجتمع مدني، وعليه يمكن أن تصنف الحركات والجمعيات والأحزاب الموجودة اليوم في الدول العربية كمؤسسات مجتمع مدني بقدر ما تكون معارضة لاستبداد الدولة وتسلطها، وبقدر ما ترفع من شعارات الحرية والاستقلال.
ومن جهة أخرى فإننا نعتقد أن الحديث عن وجود مجتمع مدني عربي أو عدم وجوده أو التساؤل حول تاريخ نشوئه هي أمور متجاوزة الآن، لأن المجتمع المدني لا يؤسس بقرار في لحظة زمنية معينة ومتفق عليها، فتاريخه هو تاريخ النضال من أجل الحرية المدنية والديمقراطية، وحيث إن الديمقراطية ليست شيئاً يحدث بقرار أو يستورد بل هي مراكمة إنجازات حداثية، سياسية واقتصادية واجتماعية عبر الزمن، إنجازات تفرض نفسها بالنضال ومقاومة السلطة أحياناً وبالتفاهم والالتقاء معها في منتصف الطريق إن كان ذلك ممكناً حينا آخر، فكذا الأمر مع المجتمع المدني، إنه مراكمة إنجازات عبر الزمن وعبر النضالات، وحتى النقاش الذي يدور في المجتمعات العربية حول وجود أو عدم وجود مجتمع مدني هو بحد ذاته مساهمة في تأسيس مجتمع مدني أو إرهاص دال على وجوده.
خصوصية الحالة العربية تجعلنا نتساهل في شروط تأسيس المجتمع المدني، فكل محاولة لبلورة توجهات أو تجمعات مصلحية ذات استقلالية نسبية عن الدولة، يمكن اعتبارها تأسيسا لمجتمع مدني حتى وإن لم تدخل في مواجهة مع السلطة السياسية، فلا يمكن ان نطلب من مجتمعات فقيرة ماديا أو فكريا تحكمها القبيلة والعائلة والطائفة، أن تؤسس مرة واحدة مجتمعا مدنيا فاعلا وصداميا. فأن تتمكن جماعات المصالح بداية أن تستقل في نشاطها عن السلطة السياسية فهذا أمر ايجابي، ومن هنا نجد من يتحدث عن بوادر مجتمع مدني حتى في دول محافظة وغير ديمقراطية كالعربية السعودية( )، فالغرف التجارية والجمعيات الخيرية هي بواكير مؤسسات مجتمع مدني سعودي، ونحن نعرف الدور الذي لعبته الجمعيات الخيرية في خلخلة بعض مرتكزات النظام السياسي وفي دعم حركات المقاومة الإسلامية في أكثر من بلد عربي وإسلامي.
ولكن مما لا شك فيه أن وجود مجتمع مدني – بمعنى التشكيلات التضامنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية: أحزاب، نقابات، جمعيات، نواد، ملتقيات ثقافية، اتحادات طلابية ونسوية – التي يؤسسها الأفراد باعتبارهم ذوات مدافعة عن مصالح، وفعالية هذا المجتمع واستقلاله ولو نسبياً عن الدولة – هو شرط ضروري من أجل الديمقراطية وإقامة دولة القانون، وعليه لا تتقبل السلطة السياسية بسهولة ولادة مجتمع مدني حقيقي، وهي إن لم تستطع قمعه تلجأ لدفع قوى مجتمعية لمواجهته وهذه القوى تمثل المجتمع المدني المضاد.
إذن في مواجهة تسلط الدولة أو رفضها الاعتراف بمن يخالفها من فعاليات المجتمع تلجأ قوى التحرر والديمقراطية لتأسيس مجتمع مدني. ولكن الدولة وحيث إنها لا تستطيع مقاومة أو إلغاء هذا المجتمع المدني – نظراً لاستحقاقات خارجية تدفع في اتجاه تبني الديمقراطية والحريات السياسة، وكذا بفعل التحولات الإيجابية الدالة على نضج المجتمع العربي والتي تهدد السكونية السياسية السائدة – فإنها تعمل على تأسيس "مجتمعها المدني" الخاص بها: أحزاب سلطة، جمعيات سلطة، نواد سلطة، بل أن الزعيم رئيساً كان أو ملكاً يوظف شخصيته الكارزماتية وشعبيته لتأسيس "مجتمع مدني" خاص به، والسلطة السياسة تحاول من خلال ذلك أن تسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب الشعبية وفعاليات المجتمع المدني الأخرى المعارضة للنظام و ركوب موجة الديمقراطية إن لم تنصب نفسها قائدة التحول الديمقراطي. وإن لم تستطع أو أصبحت التحولات الديمقراطية متجاوزة لها ومهددة لمصالحها، فإنها تحاول الحد من هذه التحولات بدفع "مجتمعها المدني" لمواجهة المجتمع المدني الشعبي الحقيقي، وتصبح هي بمثابة الحكم وتتدخل بحزم باسم حماية المجتمع من الحرب الأهلية أو الفوضى وباسم المصلحة الوطنية،والتي هي في هذه الحالة ما هي إلا مصلحة النخبة الحاكمة!.
ومفيد القول إن مجتمعاتنا – بنياتها الاجتماعية والسياسية والدينية – ليست هي مجتمعات الغرب والشروط التاريخية لمجتمعاتنا ليست هي تلك التي عرفها الغرب، وعليه فلا ينتظر أن تكون نظمنا السياسية صورة طبق الأصل لما هو معروف في الغرب. نعم نريد ديمقراطية، ومجتمعا مدنيا، وازدهارا اقتصاديا...الخ، ولكن يجب أن نؤسسها نحن بعقلانيتنا وبإمكانياتنا الخاصة لا أن نستوردها ونقحمها على مجتمعنا. إن المراقب للحياة السياسية في مجتمعاتنا سيلاحظ تعدد الجمعيات والنوادي ودور الثقافة ومنظمات حقوق الإنسان التي وإن كان بعضها من خلق الدولة فإن العديد منها ملاذ يلجأ إليه مثقفون وسياسيون ومهمشون ومن يشعر بالاغتراب في وطنه، بعيداً عن الأحزاب والتنظيمات الرسمية – حكومية كانت أو معارضة – وهذا ملموس في نشاط الجماعات الإسلامية داخل هذه الجمعيات وكذا المراكز الثقافية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية التي بدا دورها في السنوات الأخيرة يتزايد، وأحياناً تفوق مؤسسات المجتمع المدني الحقيقية في مواجهتها لخروقات السلطة.
أيضاً يمكن نتساءل لماذا لا نعتبر ما تقوم به بعض الأنظمة العربية التي استقرت على خيار الديمقراطية، من دعم لتأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات هو إسهام منها في خلق "مجتمع مدني" وتفعيلة ما دامت الظروف العامة للمجتمع – انتشار الأمية، الجهل، الفقر، ضعف الوعي السياسي – لا تساعد كثيراً على تسريع عملية تأسيس المجتمع المدني؟ وحتى مع افتراض سوء النية عند الدولة بالزعم أنها تؤسس مجتمعها المدني خوفاً من أن يُفرض عليها المجتمع المدني الحقيقي الذي تلوح بوادر تأسيسه، لماذا لا تبتهل القوى الحية في المجتمع هذه البادرة من الدولة وتجيرها بما يخدم الديمقراطية وتفعيل المجتمع المدني الحقيقي؟. ولماذا لا نأخذ بتصور "هيغل" حول المجتمع المدني حيث رأي أنه في بعض اللحظات التاريخية يصبح إشراف الدولة على المجتمع المدني ضرورة لابد منها، ولكن لحين؟
وقد أثبتت التجربة في أكثر من دولة ثالثية أن غياب إشراف الدولة عن مؤسسات المجتمع المدني يؤدي إلى تمزق المجتمع المدني وتصادمه مع بعضه البعض وبالتالي قد يؤدي إلى حرب أهلية وقد ثبت أيضاً أن الديمقراطية لا تقوم إلا حيث تكون الدولة قوية.
إن كل ملم بمؤسسات المجتمع المدني، يعرف أن تأسيسها واستمراريتها وقيامها بواجباتها يحتاج إلى تمويل ومراقبة ومرجعية يقوم عليها، والمجتمع الأهلي العربي في غالبيته لا يتوفر على أموال كافية ولا على قدرات تنظيمية أضف إلى ذلك أن الفئة الاجتماعية العربية المؤهلة لقيادة المجتمع المدني – الطبقة البرجوازية أو المثقفون – هي أميل إلى طلب السلطة مباشرة عن طريق الثورة أو الانقلابات من النضال طويل المدى في إطار المجتمع المدني.
إن مقاربة إشكالية المجتمع المدني في الدول العربية تستدعي تجاوز الدوران حول التساؤل: هل يوجد مجتمع مدني أو لا يوجد؟ فهذا السؤال لا يختزل الإشكالية ولا يعبر عنها وهو غير دقيق علمياً، لأنه يؤسس على فرضية انتقاء التباينات بين المجتمعات ويفترض وجود نموذج مثالي وجاهز للمجتمع المدني ما علينا إلا أن نقارن ما عندنا بهذا النموذج المثالي، كما أنه يفترض إمكانية عدم وجود مجتمع مدني بالمطلق. ونعتقد أن المقاربة العلمية للموضوع يجب أن تهتم بالتساؤل حول شكل وبنية المجتمع المدني؟ وطبيعة علاقته بالدولة؟ ومدى توفر مؤشرات تمأسسه؟ وكيف يمكن تفعيله؟. وفي هذا السياق يمكن التأكيد مجدداً أن إرهاصات تشكل مجتمع مدني تعود إلى بدايات ظهور الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات، إلا أن خصوصية الدولة العربية ومركزية السلطة ومتطلبات مرحلة النضال ضد الاستعمار، جعل هذا المجتمع يدور حول الدولة، يقترب كثيراً منها أحياناً حتى تنمحي شخصيته، وأحياناً يبتعد عنها ويتصادم معها حتى يبدو الأمر وكأن قطيعة بين الطرفين.
حتى نستوفي الحديث عن خصوصية المجتمع المدني في العالم العربي، لابد من إثارة مفارقة تشاركه فيها عديد من البلدان الثالثية، وهي وجود جماعات مصالح أو تنظيمات مجتمعية مستقلة عن الدولة أو تسعى لذلك، بل تدخل في مواجهة معها أحيانا، ولكن لا تضع ضمن أجندتها واهتماماتها الديمقراطية، فكرا وممارسة، فهل نصنف هذه الجماعات – مثلا الجماعات الإسلامية – ضمن المجتمع المدني؟. فالمراقب للحركية السياسية في العالم العربي يجد ان الجماعات الإسلامية هي أكثر الجماعات مواجهة للسلطة ورفضا لها، وهي الأكثر تنظيما لفئات اجتماعية والأكثر تقديما للخدمات المجتمعية، مما يجعل المواطنين أمام خيار صعب ما بين الدولة بكل تسلطها وسلبياتها من جانب والجماعات الإسلامية من جانب آخر. أيضاً سؤال يفرض نفسه وهو، هل يمكن تصنيف هيئات وجماعات مصالح تلجأ للعنف كمؤسسات مجتمع مدني ؟.
إن نظرة على الواقع الراهن للمجتمع المدني في العالم العربي تكشف لنا حالة أو أكثر من تمظهرات المجتمع المدني:
أولاً: مؤسسات مجتمع مدني هشة وضعيفة لا تأثير لها أو فعالية ويمكن أن تزول بعد فترة قصيرة من ظهورها.
ثانياً: مؤسسات مجتمع مدني تمول وتشجع من جهات أجنبية – كمنظمات حقوق الإنسان – مما يجعلها عرضة للملاحقة من الدولة واتهامها بالخيانة أحياناً، وخصوصاً إذا اقتصر نشاط هذه المنظمات على الدفاع عن حقوق الأقليات – طائفية أو عرقية.
ثالثاً: مؤسسات مجتمع مدني تؤسسها الدولة وأصحاب النفوذ والجاه، وهؤلاء هم بشكل أو بآخر أقرب إلى السلطة من قربهم للمجتمع المدني الحقيقي، لأن حرصهم على مصالحهم ونفوذهم وتطلعهم للسلطة، يدفعهم لدفع مؤسسات المجتمع المدني للخضوع لإشراف الدولة ورقابتها أو العمل بما لا يتعارض مع سياستها.
رابعاً: مؤسسات مجتمع مدني حقيقي ولكنها محاصرة وتواجهها تحديات سواء من طرف الدولة أو من طرف بنية المجتمع وثقافته، وهذا المجتمع المدني هو الذي تراهن عليه الجماهير ليكون الأرضية المحتضنة للديمقراطية.
وخلاصة القول إن علاقة المجتمع المدني في العالم العربي بالدولة تشبه علاقة المراهق بأسرته، فالمراهق وإن شب عن الطوق وأصبح قادراً على تدبير بعض أموره وبلورة شخصية متميزة فإنه يبقى دون مرحلة البلوغ الكاملة التي تؤهله ليؤسس شخصية خاصة به ومستقلة، وكذا المجتمع المدني العربي، لقد ولد وبدأ ينمو ويترعرع بل ويملك الجرأة أحياناً ليرفع صوته في وجه الدولة إلا أنه يبقى تحت رعايتها، إنه يخضع لمراقبة دائمة من الدولة خوفاً منه وخوفاً عليه في نفس الوقت.

المبحث الثاني
المجتمع المدني الفلسطيني وتحديات الانتقال الديمقراطي
المطلب الأول: خصوصية المجتمع المدني الفلسطيني
إذا كانت تساؤلات عميقة تنتصب أمام الباحث في المجتمع المدني في دول العالم العربي نظراً لخصوصية الدولة التي هي غالباً مقحمة على المجتمع ومفروضة عليه، ونظراً لخصوصية مجتمعات هذه الدول عن المجتمعات الغربية التي ظهر فيها المجتمع المدني وتم تأصيل مفهومه، فكيف الحال بالنسبة للباحث في المجتمع المدني في فلسطين، التي تعيش خصوصية داخل "الخصوصية" العربية؟.
لا غرو أن المقاييس والمؤشرات المتبعة في التعرف على وجود مجتمع مدني في بلد ما، لن تسعفنا كثيراً في الحالة الفلسطينية، لأنه إذا اعتبرنا المجتمع المدني يعني تلمس نقاط تمفصل ما هو مدني عن ما هو سياسي، أو ما هو خاص – العلاقات والتنظيمات التي يؤسسها الأفراد للتعبير عن مطالبهم والدفاع عنها - عن ما هو عام – الدولة –، فإنه في الحالة الفلسطينية يتداخل العام مع الخاص والسياسي مع المدني، نظراً لأن الشعب الفلسطيني ومنذ أمد بعيد وحتى اليوم( ) يعيش تحت الاحتلال، وبالتالي لم يعرف دولة وسلطة سياسية وطنية يمكن في مواجهتها بلورة مجتمع مدني، فالسلطة القائمة هي دوماً سلطة احتلال، حتى وجود سلطة وطنية منذ عام 1994 لا ينفي وجود وتفوق سلطة الاحتلال.
وهكذا تداخل ما هو سياسي بما هو مدني في التجربة السياسية الفلسطينية، فالشعب الفلسطيني بكل فئاته ومستوياته انتظم في حركة جماهيرية واحدة، قيادة سياسية، شعب، نقابات، أحزاب، وجمعيات، لمواجهة القوات المحتلة، فالجميع لهم هدف واحد هو مواجهة الاحتلال وليس مواجهة بعضهم بعضاً، وهنا نلاحظ خصوصية المجتمع المدني وخصوصية وظيفته، فهو مجتمع ولد في خضم مقاومة الاستعمار البريطاني أولاً والصهيوني ثانياً، وولادته لم تكن في إطار حركة مطلبية اقتصادية أو اجتماعية، بل في إطار حركة جماهيرية سياسية نضالية تسعى للاستقلال والحرية وإبراز الهوية الوطنية والحفاظ عليها، وبالتالي فإن المطلب الأساسي لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني هو تأسيس المجتمع السياسي الوطني – دولة وسلطة وطنية، بالإضافة إلى ذلك أن نصف الشعب الفلسطيني عاش ويعيش خارج أرض الوطن وتربطه علاقة خاصة وشائكة مع الدول التي يعيش فيهان وهذه خاصية لا نجدها في تجارب الشعوب الأخرى.
إن المؤسسات المتعارف عليها كمكونات للمجتمع المدني – أحزاب، نقابات، جمعيات واتحادات...الخ – كانت حاضرة وبكثافة في المجتمع الفلسطيني إلا أن وظيفتها غير وظيفة مثيلاتها في البلدان الأخرى، فغياب دولة فلسطينية – بفعل الاستعمار البريطاني ثم الصهيوني – غير من وظيفة (المجتمع المدني) الفلسطيني وجعلها تصب في اتجاه إبراز الهوية الوطنية الفلسطينية والحفاظ عليها، وإعادة تأسيس الدولة، فالمجتمع المدني في هذه الحالة هو المؤسس للدولة وللسلطة السياسية، وليس العكس وبالتالي يحق تسميته بالمجتمع المدني/ السياسي، وليس المجتمع المدني المفارق للسياسي.
ومع ذلك فقد مر المجتمع المدني الفلسطيني بعدة مراحل هي المنعطفات التي عرفتها القضية الفلسطينية، وستقتصر هنا على واقع المجتمع المدني الفلسطيني وعلاقته بالتحولات الفكرية والسياسية التي يشهدها المجتمع الفلسطيني في ظل ما يسمى الحكم الذاتي.
بدخول منظمة التحرير الفلسطينية مسلسل التسوية وتوقيعها اتفاقية أوسلو وبداية الحكم الذاتي الفلسطيني في مناطق من الضفة الغربية وقطاع غزة، عرف المجتمع الفلسطيني، والمجتمع المدني، السياسي خصوصاً تحولا جذرياً، فالعملية سعت إلى نقل المجتمع الفلسطيني من مرحلة الثورة والنضال إلى مرحلة المراهنة على الحلول السلمية وبالتالي إنهاء حالة الحرب مع الكيان الصهيوني، مع ما يترتب على ذلك من تغير في وظيفة المؤسسات المدنية والسياسية التي ظهرت في مرحلة الثورة، ونقل مركز قوة حركية المجتمع الفلسطيني من خارج فلسطين إلى داخلها. إلا أن أهم تحول يخص موضوع بحثنا هو بداية ظهور التمايز ما بين مجتمع مدني ومجتمع سياسي، ذلك أن السلطة الوطنية الفلسطينية التي تدير مناطق الحكم الذاتي أصبحت بمثابة (السلطة السياسية) أو مشروع دولة، وبالتالي لها حساباتها وسياساتها وارتباطاتها الناتجة عن مسلسل التسوية، وهي سياسة وارتباطات لا تتفق بالضرورة مع موقف كل الشعب الفلسطيني ومؤسساته المدنية والسياسية.
وهكذا لاحظنا منذ توقيع اتفاقية أوسلو ظهور "مجتمع مدني" حيوي يمارس دوراً مزدوجاً: مواجهة قوات الاحتلال الصهيوني من جهة ومعارضة بعض ممارسات السلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى ويمكن حصر فعاليات المجتمع المدني في هذه المرحلة كما يلي:
1- مؤسسات المجتمع المدني التابعة للمعارضة السياسية – حماس والجهاد الإسلامي خصوصاً – وهذه المؤسسات متعددة: نقابات، جمعيات، اتحادات، مؤسسات دينية، تعليمية وخيرية. ومما يجب التنبيه له في هذا السياق أن أهمية هذا النوع من المجتمع المدني لا تكمن في قوتها التنظيمية والتأسيسية فقط بل في قدرتها التعبوية والتحريضية أيضا، ذلك أن سنوات الاحتلال علمت الجماعات الإسلامية كيف تحافظ على وجودها وتمارس مهامها بشكل سري( ).
2- مؤسسات المجتمع المدني التي تمارس نشاطها في ظل الاعتراف بشرعية السلطة – مجتمع مدني رسمي-، وهذه تتفاوت ما بين اتحادات شعبية، وجمعيات ومنظمات حقوقية، بالإضافة إلى شخصيات وطنية لها وزن في الساحة الوطنية والجزء الأكبر من هذه المؤسسات هي التي كانت تابعة لمنظمة التحرير وحولت نشاطها إلى نشط مدني/ سياسي.
منظمات أهلية ذات انتماءات وعلاقات متعددة داخلية وخارجية، ويفوق عدد هذه المنظمات في مناطق الحكم الذاتي 1500 منظمة، أهمها منظمات حقوقية، ومنظمات ذات صبغة اجتماعية وأخرى ذات طابع ديني، وقد كانت هذه المنظمات فاعلة في دعم نضال الشعب الفلسطيني قبل بداية مسلسل التسوية، حيث كانت المنظمة والتنظيمات الفلسطينية الأخرى تمارس من خلالها مهاماً كانت عاجزة عن أن تقوم بها بشكل مباشر، إلا أنه بعد دخول المنظمة إلى مناطق الحكم الذاتي، التحقت بعض هذه المنظمات بالسلطة وبعضها تحول إلى مؤسسات مدنية تعارض نهج التسوية.كما يلاحظ ان قوى اليسار بعد تأزمها حولت نشاطها إلى العمل الأهلي، حيث يلاحظ قوة حضور اليسار في منظمات العمل الأهلي الممولة من جهات مانحة أجنبية وخصوصا أمريكية.
إن المتتبع لعملية إعادة تأسيس المجتمع المدني في فلسطين وتحديداً داخل مناطق الحكم الذاتي، يلاحظ الصعوبات التي يواجهها الفلسطينيون سواء من طرف الكيان الصهيوني ومحاولات خنقه للطموحات الفلسطينية بإعادة بناء الوطن، أو من طرف السلطة الفلسطينية التي تحولت بفعل التزامها باتفاقات اوسلو إلى شبه سلطة سياسية لها أهداف ومصالح تتصادم في كثير من الأحيان مع فعاليات المجتمع المدني وخصوصا في مرحلة ما قبل انتفاضة الأقصى.
ومع ذلك يجب الإشارة إلى أنه قليلاً ما يروج مصطلح المجتمع المدني في الخطاب السياسي الفلسطيني اليوم، نظراً لأن هذا المصطلح كما سبق الذكر يحيل دائماً إلى الديمقراطية كمكون من مكوناتها أو كمؤسس لها، وفي جميع الحالات يتم تداوله في الدول المستقلة وذات السيادة. أما بالنسبة للمجتمع الفلسطيني فبالرغم من وجود مؤسسات سياسية وأحزاب وسلطة إلا أن ذلك لا يرق لدرجة وجود دولة، كما أن الحركة السياسية التي تشهدها مناطق الحكم الذاتي لا يمكن نسبتها إلى الممارسة الديمقراطية الحقيقية ما دامت السلطة السياسية نفسها فاقدة لحرية اتخاذ القرار السيادي وكل ما يصدر عنها من قرارات يخضع لمراقبة إسرائيلية، ويمكن القول في هذا السياق أنه يوجد في فلسطين وعند الفلسطينيين ديمقراطيين دون ديمقراطية( ).
إلا أن المجتمع الفلسطيني شهد ظاهرة جديدة لم تعرفها بنفس الدرجة والنوع حركات التحرر الأخرى والدول الأخرى ألا وهي المنظمات غير الحكومية التي أصبحت تقوم بجزء من مهمات المجتمع المدني وتتداخل معه في كثير من الأحيان وتلعب دوراً في تفعيل وتنشيط الحياة السياسية الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب منا التوقف قليلاً عند هذه الظاهرة.
المطلب الثاني: المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية
أحياناً يحدث تداخل في المهام ما بين المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني، فكلاهما يتكون من التنظيمات والعلاقات التي يؤسسها المواطنون للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أو للدفاع عن قيم إنسانية عالمية بعيداً عن السلطة السياسية أو بالأحرى بعيداً عن سيطرتها أو تدخلها المباشر، إلا أن نقطة الاختلاف بينهما تكمن في الامتداد الخارجي أو العلاقات الخارجية. فإذا كان من شروط قيام مجتمع مدني حقيقي أن يقوم الأفراد لا السلطة بتشكيله وأن يكون مستقلاً عنها وغير تابع لها، فمن المنطقي إذن أن تكون مؤسسات المجتمع المدني ذات طابع وطني أي أن لا تؤسس بإيحاء خارجي أو تمول من الخارج حتى لا تصبح أداة في يد مموليها، فللمجتمع المدني وظيفة وطنية خالصة( ).
أما المنظمات غير الحكومية فيمكن أن نقسمها إلى قسمين: المنظمات غير الحكومية المحلية أو الوطنية وهذه يمكن اعتبارها الاسم الآخر للمجتمع المدني أو هي المجتمع المدني ذاته، وهناك المنظمات غير الحكومية الدولية، وهي وإن كانت تشترك مع منظمات المجتمع المدني في استقلاليتها عن الدولة وفي طبيعة النشاط الذي تقوم به فأنها تختلف معها في أنها امتداد لمنظمات ذات صبغة دولية وأهداف إنسانية عالمية وغالباً ما تتعلق بحقوق الإنسان الأمر الذي يجعلها أكثر إثارة للجدل في دول العالم الثالث حديثة العهد بالديمقراطية، وتعرف المنظمة غير الحكومية الدولية بأنها: منظمات ذات صفة دولية ولها هدف عام يشمل عدد كبير من الدول ولا يتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو ميثاق هيئة الأمم المتحدة، وليس لها هدف تجاري أي لا تسعى إلى الربح المادي وإن يكون لها أجهزة علنية ودائمة ومعترف بها من طرف الدولة حيث تمارس نشاطها.
بالرغم مما أشرنا إليه من اختلاف ما بين المنظمات غير الحكومية الدولة والمجتمع المدني إلا أنهما يشتركان في كونهما منظمات يجمعها النضال من أجل الحرية وحقوق الإنسان ومواجهة تعسفات الدول، فوجودهما مرتبط بوجود ديمقراطية أو النضال من أجل الديمقراطية، فالدول غير الديمقراطية عدوة لهذه المنظمات ولا تسمح لها بالوجود وإن اضطرت لذلك فهي تضيق الخناق على عملها( ).
وعودة إلى الوضع الفلسطيني، مع بداية الحكم الذاتي في 1994 قام وضع ملتبس لا هو وضع دولة مستقلة ولا هو وضع احتلال حيث وجدت سلطة سياسية وطنية: مؤسسات وأجهزة أمنية وسجون الخ. وأصبح الشعب يواجه سلطتين: سلطة الاحتلال من جهة والسلطة الوطنية من جهة أخرى، بالتأكيد لا يمكن وضع السلطتين في سلة واحدة، ذلك أن السلطة الوطنية هي امتداد للحركة الوطنية الفلسطينية أو وريثتها وهي مكسب وطني بالرغم من كل الظروف المحيطة بتشكلها وممارساتها، ولكنها تبقى سلطة تمارس التسلط، تأمر وتنهي تصدر قوانين وتنفذها تعتقل وتحاكم، تمنح وتمنع، وهي في كل ذلك مقيدة باتفاقات تفرض استحقاقات يشعر الغالبية من الشعب الفلسطيني أنها مهينة تمس كرامته وحريته وما زاد العلاقة توتراً ووضع السلطة إحراجاً، غياب قانون فلسطيني مستقل وبالتالي غياب دولة القانون بالمعنى الدقيق للكلمة، فالسلطة الفلسطينية وبداخلها المجلس التشريعي لا تستطيع أن تضع قوانين تعبر عن سيادة وطنية وهو الأمر الذي يدفع السلطة أحياناً إلى تطبيق حزمة من القوانين الملتبسة، كقوانين الانتداب البريطاني أو القوانين المصرية التي كانت تطبق في قطاع غزة أيام الحكم المصري أو قوانين أردنية أو القوانين الإسرائيلية أيام الاحتلال، هذا الوضع يجعل مناطق الحكم الذاتي وكأنها تعيش حالة طوارئ.
في ظل هذه الظروف شعر المجتمع الفلسطيني في مناطق الحكم الذاتي أنه في الوقت الذي عليه واجب مساندة السلطة في عملية إعادة بناء الدولة الفلسطينية وواجب مواجهة مخططات العدو الاستيطانية، عليه في نفس الوقت العمل على تأسيس مجتمع مدني يمكن اللجوء إليه للحد من تسلط السلطة وللتعبير عن مطالبات والدفاع عن مصالح لم تلبها السلطة الفلسطينية وخصوصاً في إطار حقوق الإنسان، بالإضافة إلى ذلك أن قطاع من المجتمع يشعر أن مرحلة الثورة لم تنته بعد وأن الواجب الوطني يحتم توجيه كل الجهود لمقاومة الاحتلال الصهيوني بدلاً من الانشغال بقضايا ثانوية كالصراع على سلطة لا تملك من السلطة إلا اسمها.
إذا كانت المنظمات غير الحكومية تأسست في بداية الأمر كنوع من التحايل على العدو الصهيوني الذي كان يمنع تشكل أي أحزاب أو منظمات سياسية، ثم في مرحلة ثانية عندما تحولت م-ت-ف داخل فلسطين إلى سلطة سياسية هيمنت قوى المعارضة الفلسطينية ذات التوجه الديني التي أُبعدت أو أبعدت نفسها عن السلطة ومؤسساتها على هذه المنظمات، إلى هنا يبقى الأمر مفهوماً ومقبولاً، إلا أن الوضع تغير وأخذ منحاً مغايراً عندما أخذت أطراف خارجية وخصوصاً المنظمات غير الحكومية الدولية، تمول وتدعم ما يفترض أنها مؤسسات المجتمع المدني، هذه الأخيرة التي أصبحت تستقطب أعداداً متزايدة من النخبة السياسية والمثقفة وتدفع لهم رواتب وحوافز مادية جد مرتفعة، مما أدى إلى تسابق أفراد النخبة على الانخراط في هذه المنظمات تحت شعار الدفاع عن حقوق الإنسان الفلسطيني أو تنشيط مجال البحث العلمي، ومن هنا لاحظنا كثرة عدد المنظمات الحقوقية ومراكز البحوث والدراسات في مناطق الحكم الذاتي وهو الأمر الذي أدى إلى تنافسها وتسابقها على كشف أي تصرف لأجهزة السلطة يستشف منه أنه يمثل انتهاكاً لحقوق الإنسان.
لا نقصد من كلامنا أعلاه التشكيك بالمنظمات غير الحكومية أو الزعم أن ملف حقوق الإنسان في مناطق الحكم الذاتي ناصع البياض،أو ان المجتمع الفلسطيني لا يحتاج لمنظمات أهلية، ولكننا نرى أن هناك قوى خارجية تلعب لعبة خطيرة توظف فيها البعض من السلطة والبعض من المنظمات غير الحكومية، هذه اللعبة الخطرة إن كان من ضمن أهدافها افتعال مواجهة ما بين المجتمع المدني الفلسطيني والسلطة الفلسطينية بحيث ينشغل كل طرف بالآخر وينسى الجميع العدو المشترك الذي ليس فقط المنتهك الرئيس لحقوق الإنسان الفلسطيني بل أيضاً محتل الأرض ومدنس المقدسات،فليس هذا هو الهدف الوحيد بل هناك هدف لا يقل خطورة يتمثل في خلق فجوة كبيرة ما بين النخبة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، وإفراغ المجتمع الفلسطيني وحركته الوطنية من الفعاليات النشطة والنابغة إما بإدماجهم بالسلطة ومنحهم مواقع ورواتب متميزة أو باستقطابهم في منظمات غير حكومية حقوقية أو غير حقوقية وفي مراكز بحوث ودراسات تنبت كل يوم وكأن القضية الفلسطينية غامضة لا يعرف فيها الحق من الباطل وبالتالي تحتاج إلى مراكز بحث ودراسة!.
وعلى هذا الأساس تقوم بعض مؤسسات المجتمع المدني أو المنظمات الأهلية بإفساد أو رشوة نخبة المجتمع، بحيث يصبح المنتمون لها منشغلين بوظائفهم وبالامتيازات التي تمتعهم بها الجهات المانحة على حساب الانشغال بالهم الوطني، بل تحول كثير من "الثوار" سابقا وبعض الرسميين بالسلطة إلى مسئولين عن مركز دراسات وأبحاث، وأنكشف الغطاء منتصف عام 2003 عندما وزعت وثيقة من منظمات مانحة تشترط ممن يريد الاستفادة من منحها التوقيع على إقرار بنبذ العنف والمقصود بطبيعة الحال نبذ المقاومة.
ولكن لعلاقة السلطة بالمعارضة أو بالمجتمع المدني وجه آخر يرتبط بخصوصية القضية الفلسطينية – التي سبق التطرق إليها – حيث أن البعدين القومي والديني للقضية يفرضا إيجاد نوع من التعاون ما بين الفلسطينيين – سلطة ومجتمع مدني – والعالمين العربي والإسلامي، فكيف يمكن أن نتحدث عن البعد القومي والمسؤولية العربية دون تنسيق ما بين التنظيمات الفلسطينية ذات الخطاب القومي وأنظمة عربية ترفع شعارات القومية أو تبدي استعدادها لمساعدة الفلسطينيين من منطلق الحس القومي؟ وكيف يمكن الحديث عن البعد الإسلامي والمسؤولية الإسلامية وخصوصاً في موضوع القدس دون تنسيق مع الدول والمنظمات الإسلامية وقبول دعمها المادي والمعنوي؟ بالإضافة إلى أن تردي الأوضاع الاقتصادية لمناطق الحكم الذاتي وسياسة الأرض المحروقة التي تمارسها إسرائيل تجعل قدرة المجتمع المدني الفلسطيني على النهوض اعتماداً على قدراته الذاتية أمراً صعباً.
لا غرو أن تمارس السلطة الفلسطينية حقوقها السلطوية على المجتمع الفلسطيني لأن لا دولة أو كيان سياسي دون سلطة سياسية ولا سلطة دون تسلط( )، ولكن على السلطة في نفس الوقت أن تقوم بما يمليه عليها واجبها كوريثة لحركة التحرر الوطني وكمشروع لدولة ديمقراطية عصرية، ومن جهة أخرى على العاملين في مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، أن يضعوا نصب أعينهم المصلحة الوطنية لا ما تطلبه منهم الجهات الأجنبية الممولة. فهذه الأخيرة لا تهدف بالضرورة خدمة المصلحة الوطنية أو الاهتمام بالوضع الحقوقي في مناطق الحكم الذاتي من منطلق الغيرة على الإنسان الفلسطيني، بل لأهداف أخرى، كما أن على هذه المنظمات أن لا تنس أن الانتهاك الرئيس لحقوق الفلسطينيين وكرامتهم لا يأت من السلطة الفلسطينية بل من إسرائيل، الأمر الذي يعيدنا إلى نقطة البدء بالتذكير أن فلسطين لم تستقل بعد، الأمر الذي يتطلب بدوره إيجاد صيغة لتوحيد جهود المجتمع المدني والسلطة لمواجهة العدو المشترك دون تجاهل حقوق الإنسان الفلسطيني داخل مناطق الحكم الذاتي لأنه عندما تنتهك حقوق الإنسان وتصادر حريته داخل وطنه وعلى يد مواطنيه لا يستطيع أن يطالب بحقوقه وحريته في مواجهة الآخرين.
نستخلص مما سبق أن المجتمع العربي بما فيه المجتمع الفلسطيني يشهد تبلور شكل من المجتمع المدني – بدرجات متفاوتة بطبيعة الحال – بما هو شيء متميز عن السلطة السياسية، وظهوره جاء متصاحباً مع التوجهات الديمقراطية، ونعتقد أنه ليس المهم في هذه المرحلة حجم وفعالية مؤسسات المجتمع المدني وليس المهم إن كانت الدولة تساهم في تكوينه، بل المهم توفر الإرادة في خلق هذا المجتمع ليلعب دور الرقيب والحسيب على أنشطة الدولة بالإضافة إلى دور التثقيف السياسي والاجتماعي للمواطنين. وأنه من الخطأ في هذه المرحلة الانتقالية في الحياة السياسية العربية، وخصوصاً في الدول ذات التوجه الديمقراطي، التشكيك بكل ما يصدر عن الدولة من توجهات ترمي إلى خلق مؤسسات مجتمع مدني، ذلك أنه يجب أن لا يغرب عن البال أن الديمقراطيات العربية هي ديمقراطيات أبوية وموجهة، بمعنى أن التحولات الديمقراطية في هذه الدول تسير تحت إشراف القائد أو الزعيم الملهم رئيساً كان أم ملكاً، والإنجازات الديمقراطية التي تتحقق جزء منها تفرضه القوى المناضلة من أجل الديمقراطية وجزء يأتي كمنحة من الزعيم "الديمقراطي، وينطبق نفس الأمر على تأسيس المجتمع المدني، وهذا يعني تقبل القول بوجود مجتمعيين مدنيين في هذه المرحلة، وترسخ الديمقراطية الحقيقية سيعزز مكانة المجتمع المدني الحقيقي على المجتمع المدني الذي تؤسسه السلطة.
وبالنسبة للحالة الفلسطينية توجد قواسم مشتركة ما بين الإرهاصات الأولى لتأسيس المجتمع المدني العربي قبل الاستقلال، وسيرورة تشكل المجتمع المدني الفلسطيني، فكلاهما ولد في رحم حركة التحرير الوطنية وكلاهما كان يناضل ضد الاستعمار ويسبق المصلحة الوطنية على المصلحة الفئوية أو الاقتصادية. ولكن ما يفرقهما هو أنه في الحالة الأولى انتقل المجتمع من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الاستقلال مباشرة، أما في الحالة الفلسطينية فما بين الاحتلال والاستقلال جاءت مرحلة الحكم الذاتي المحدود وهي مرحلة ضبابية على كل المستويات، فلا السلطة الفلسطينية سلطة سياسية بمعنى الكلمة ولا المجتمع المدني مجتمعا مدنيا بمعنى الكلمة، وهذا ما يعطي للتجربة الفلسطينية الخصوصية المشار إليها.





الفصل الرابع
العنف السياسي بين الإرهاب والمقاومة

المقاومة، الإرهاب، الانتفاضة المسلحة، حرب الشعب، حرب التحرير، حرب العصابات، الحرابة، الخروج، الفتنة، الجهاد...الخ، إن كانت كلها مفاهيم تُحيل سياسيا إلى ما يسمى بالعنف السياسي، إلا أنها تُحيل دائما إلى البنى والقيم والأنساق الاجتماعية وبالتالي فهي مفاهيم ومصطلحات قيمية حمالة أوجه، تُفهم وتفسر حسب ثقافة طرفي المعادلة -من يمارس هذه الأعمال ومن تُمارس ضدهم هذه الأعمال-. أعمال العنف التي هي التجسيد العملي لهذه المفاهيم لا تختلف ماديا من بلد إلى بلد ومن زمن إلى آخر، وكلها تحمل درجة ما من الإرهاب والخوف والدمار، ولكن الاختلاف يكمن في تبريرها ومدى مشروعيتها، والمشروعية تحددها الثقافة السائدة في المجتمع، وحيث أن الثقافات متباينة باختلاف الدين والهويات والمصالح، فأن الجدل حول التوصيف والهدف –مقاومة أم إرهاب سيستمر ما بين الدول والمجتمعات.
ومن جهة أخرى لا يمكن لعنف سياسي يزعم ممارسوه انه مقاومة أن يكون ناجحا إلا إذا التفت حوله الجماهير وشكلت لها الحاضنة، وهذا لا يتأتى إلا إذا كانت المقاومة – من حيث الهدف والوسائل- منسجمة مع ثقافة المجتمع، ثقافته الدينية والسياسية. الجهاد كشكل من أشكال العنف يعبر عن ثقافة دينية ويقابله سلبا في نفس الثقافة، الحرابة والفتنة، إلا أن شرعية ومشروعية الجهاد المسلح عند المسلمين لا تُقبل ولا تُفهم عند أصحاب الثقافات المغايرة... نفس الأمر بالنسبة لحرب التحرير وحرب الشعب وحرب العصابات فهي تعبر عن ثقافة وطنية وقومية وتقدمية ولكنها تُصنف كأعمال إرهابية بالنسبة لمن توجه ضدهم هذه الممارسات –الأنظمة الاستبدادية والاستعمارية-.
هذا الجدل ليس جديدا بل يضرب جذوره في التاريخ، إلا أنه أصبح أكثر بروزا اليوم مع تحولات النظام الدولي والعولمة وانعكاساتهما على المجتمعات وخصوصا في الجنوب، وهنا نلاحظ التزامن ما بين تصاعد وتيرة العنف السياسي –جهادا ومقاومة أو إرهابا وعدوانا-مع كثافة الحديث عن الحرب الحضارية والصليبية وصراع الثقافات، بل لم تتورع الولايات المتحدة وعلى لسان رئيسها جورج بوش الابن أن يقسم العالم إلى محور الخير وتمثله الولايات المتحدة وإسرائيل والعالم المسيحي المتحضر، ومحور الشر وتمثله الجماعات الإسلامية والأنظمة المناوئة للسياسة الأمريكية،والعنف الذي يمارسه محور الشر يعد إرهابا في نظره أما عنف محور الخير فهو عنف نبيل ومشروع ويباركه الرب !.
والميدان الرئيس لهذا الجدل يظهر جليا في حالتي فلسطين والعراق وسوف نركز في بحثنا على الحالة الفلسطينية،حيث نلاحظ أنه مباشرة بعد انهيار المعسكر الاشتراكي بخصوصيته السياسية والثقافية وانهيار النظام الإقليمي العربي بعد حرب الخليج، سعت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لخلق مماهاة ما بين الإرهاب والمقاومة المشروعة للشعب الفلسطيني، بحيث أن التمييز بينهم والذي ساد طوال العقود السابقة بدا يتلاشى، الأمر الذي يتطلب من الفلسطينيين وكل أحرار العالم تعزيز ثقافة المقاومة ولكن بمفاهيم وقيم جديدة تأخذ بعين الاعتبار مستجدات العصر وخصوصا التأثير الكبير الذي تمارسه العوامل الخارجية على الحياة المحلية للمجتمعات، والمقاومة هنا ليست بالضرورة مقتصرة على العمل المسلح بل هي مقاومة اجتماعية وثقافية، مقاومة لكل مظاهر وأسباب التردي التي تعيشها مجتمعاتنا العربية والإسلامية.

المبحث الأول
لا سياسة تخلو من العنف
المطلب الأول: محاولة في تعريف الإرهاب
لا مندوحة من الاعتراف بداية أن العنف قرين السياسة، فالحياة السياسية غالبا ما ترافقها أعمال عنف كسبب للممارسة السياسة أو نتيجة لها، وعندما نقول سياسة يعني تضارب في المصالح والإرادات وصراع حولها، وحيث أن السياسة جردت من الأخلاق منذ زمن، فهذا يعني أن السياسة تتوسل كل الطرق لتحقيق أغراضها بما في ذلك العنف والإرهاب، وقد عرف أحد علماء السياسة – جوليان فروند – السياسة بالقول (إن السياسة تشبه كيس سفر يحتوي على أشياء متنوعة ففيه ما شئت من الصراع ومن الحيلة والقوة والتفاوض والعنف والإرهاب والتخريب والحرب والقانون....)(1). وعليه يمكن القول إن كل ممارسة سياسية سلطوية تتضمن درجة ما من العنف والعنف يتضمن إرهابا بدرجة أو أخرى، والفرق بين العنف والإرهاب ليس في الأثر المادي أو حتى بالهدف بل بحكم القيمة الذي تضفيه الأطراف المتصارعة على العمل العنيف. وتختلف درجة العنف وحكم القيمة المُضفى عليه باختلاف الإمكانيات والظروف والنظم القيمية التي تسود في كل مرحلة وفي كل مجتمع، الحرب عنف سياسي ولكنه منظم وتمارسه الدول وتحشد له الجيوش في مواجهة مباشرة مع خصم معروف ولأسباب معروفة، وحرب العصابات عنف سياسي،وحركات التحرير الوطني تمارس العنف السياسي، والإرهاب أيضا عنف سياسي، قد يكون شكلا من أشكال الحرب الرسمية التي تمارسها الدول، أو تمارسه الدول دون وجود حالة حرب – إرهاب الدولة -، وقد يكون مرافقا لحرب الضعفاء من أفراد وجماعات وشعوب ضد إرهاب الدول المستعمرة والمهيمنة والمستبدة.
منذ القرن التاسع عشر اعتبر العالم النمساوي المختص بالإستراتيجية KARL VON) CLAUSEWITZ ) كارل فون كلوزوفيتش" الحرب ظاهرة اجتماعية، و الفيلسوف الفرنسي ريمون ارون قال بأن الحرب والسلم وجها عملة واحدة. وإن كانت الحرب امتدادا للسياسة فإن الإرهاب السياسي امتداد لها بشكل آخر، وإن مقياس الحكم على الحرب من حيث شرعيتها أو عدمه يعتمد على هدف الحرب وبواعثها فإنه من المنطقي أن يكون الحكم على الإرهاب السياسي مرتبطا بالهدف من ممارسته. إلا أنه نظرا لأن العمليات (الإرهابية) تولد ضحايا قد يكونون أبرياء وتثير مشاعر الخوف والرهبة عند الناس، فإن الاتجاه الغالب هو التهرب من المسؤولية عن هذه الأعمال، ومحاولة إلقاء التبعية على الآخرين، فالآخرون هم الإرهابيون و القتلة، وحتى في الحالات التي تلجأ فيها دولة أو جماعات إلى ممارسة هذا النوع من الإرهاب، فإنها تضفي عليه مسميات مثل الدفاع عن النفس أو الإرهاب ضد الإرهاب أو الإرهاب الأبيض... الخ من المسميات.( )
إن الإرهاب هو عنف ولكن ليس كل عنف إرهاب، فالعنف قد يكون حربا – العدوانية منها أو غير الشرعية يمكن أن تسمى عدوانا – وقد يكون جرائم جنائية – وهذه تخرج عن إطار المقصود بالإرهاب السياسي وبالعنف السياسي بشكل عام حتى ولو توافرت الجريمة على عنصر ترهيب الضحية – وقد يكون ثورة أو انقلابا عسكريا، أو عمليات أمنية تقوم بها أجهزة الدولة الخ.وكل شكل من أشكال العنف السياسي يمكن أن يتحول إلى إرهاب سياسي في حالة تجاوزه للقانون وللأعراف الدولية. كما أن الإرهاب السياسي قد يأخذ بعداً دوليا ويسمى إرهاب دولي إذا تجاوز حدود الدولة الواحدة كأن يمارسه أفراد أو جماعات ضد أشخاص أو مصالح دولة غير االحديث.ون إليها أو ضد مصالح دولتهم في الخارج، هذا ويلاحظ أن التوجه الأمريكي الأخير في محاربة الإرهاب أصبح يزيل الفوارق بين الإرهاب الداخلي والإرهاب الدولي من منطلق أن كل أنواع الإرهاب تهدد السلام والأمن العالميين، وبالمفهوم الأمريكي تهدد المصالح الأمريكية، ومن هنا لاحظنا إرسال الولايات المتحدة قوات عسكرية إلى الفلبين واليمن واندونيسيا وجورجيا وقبل ذلك إلى لبنان والصومال. ولكن قبل الحديث عن واقع الإرهاب اليوم – مفهوما وممارسة –لا بد من الرجوع إلى تعريفه لغويا واصطلاحيا والظرفية التاريخية التي أنتجت المصطلح بمفهومه الحديث.
التعريفات اللغوية والاصطلاحية للإرهاب:
مصطلح الإرهاب السياسي المتداول في اللغة العربية اليوم هو ترجمة لكلمة TERRORISM الانجليزية وكلمة TERRORISME الفرنسية وهما مشتقان من اللغة اللاتينية حيث أن كلمة TERROR تعني الرعب والفزع أو الشخص الذي يبثهما في قلوب الآخرين. ومع ذلك يجب الإشارة إلا أن كلمة إرهاب كلمة عربية أصيلة ذكرت في القرآن الكريم قال تعالى "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ" ويتقاطع معناها مع المعنى الذي يروج اليوم في جانب واحد وهو بث الخوف والرعب، ولكن الإرهاب المذكور في القرآن يكون لرد المعتدي، قال الله تعالى "وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ".
أخذ مصطلح الإرهاب مفهومه السياسي الغربي مع الثورة الفرنسية وتحديدا عام 1794 حيث دخل مصطلح ((TERRORISME المعاجم الفرنسية بمعنى سياسة الرعب التي بثتها الثورة الفرنسية في عهد (روبيسبيير) و(سان جوست) وتحديدا عامي 1793و1794– وسنشير إلى ذلك بعد قليل -. ومنذ ذلك التاريخ أخذ فقهاء السياسة والقانون يستعملون مصطلح الإرهاب للإشارة إلى أعمال العنف السياسي التي تثير الهلع والفزع عند الجمهور، إلا أن مستجدات الحياة السياسية والعلاقات الدولية ودخول مفاهيم الشرعية السياسية والدولية أضفى بعداً قيميا على مفهوم الإرهاب والعنف السياسي بحيث أن هذا الأخير يقترب أو يبتعد عن الإرهاب بمدى قربه أو بعده عن الشرعية كما يحددها القائمون على النظام السياسي الوطني أو النظام الدولي، وزاد مفهوم الإرهاب الدولي إرباكا مع انقسام العالم إلى معسكرين متصارعين – المعسكر الاشتراكي والمعسكر الغربي – وظهور حركات التحرر في دول الجنوب. ولم يعد أمر التعرف على الإرهاب وتعريفة يدور حول مكونه المادي – أي عنف ورهبة وفزع – بل حول شرعيته أو عدم شرعيته.
وكذا تعددت التعريفات حول الإرهاب، فقد عرفه الفقيه سوتيل بأنه العمل الإجرامي المقترف عن طريق الرعب أو العنف أو الفزع الشديد بقصد تحقيق هدف محدد. ويعرفه جيفانوفتش بأنه أعمال من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الإحساس بالتهديد مما ينتج عنه الإحساس بالخوف من خطر بأي صورة. إذا كان التعريفان السابقان يعرفان الإرهاب بشكل عام سواء كان سياسيا أو غير سياسي، فأن هذا الإرهاب يصبح سياسيا عندما يصبح هدف الفاعل من ممارسته لفعل الإرهاب تحقيق هدف سياسي أو التأثير على الوضع العام، ومن هنا يعرف الفقيه البولوني فاسيورسكي الإرهاب بأنه (منهج فعل إجرامي يرمي الفاعل من خلاله إلى فرض سيطرته بالرهبة على المجتمع أو الدولة بالمحافظة على علاقات اجتماعية عامة أو من أجل تغييرها أو تدميرها).
يمكننا استخراج العناصر المكونة للعمل الإرهابي بصورة عامة وهي:
1- أنه عمل عنيف يعرض أرواح وممتلكات الأفراد للخطر أو يهدد بتعريضها.
2- موجه إلى أفراد أو مؤسسات ومصالح أو كليهما معا تابعة لدولة ما.
3- يقوم به أفراد أو جماعات بصورة مستقلة، أو يكونون مدعومين من طرف دولة ما.
4- يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية.
ومن خلال العناصر أعلاه المكونة للعمل الإرهابي بصورة عامة، يمكن القول أن جوهر الإشكالية يتمحور حول العنصر الأخير، أي الهدف السياسي للعمل الإرهابي، ذلك أن تحديد شرعية العمل الإرهابي أو عدم شرعيته يرتبط بمدى شرعية الأهداف السياسية، فشرعية الأهداف السياسية تسقط صفة الإرهاب بمعناها الإجرامي عن العمليات العنيفة التي تقوم بها الجماعات السياسية الممارسة لها، من منطق أن العنف ليس بالأمر الغريب عن الحياة السياسية.ولكن يبقى السؤال الذي يجعلنا ندور في حلقة مفرغة، من هي الجهة أو المرجعية التي لها الحق في تقييم شرعية أو عدم شرعية العمل الإرهابي؟.
وفي الواقع فإن اعتماد (شرعية) الهدف من استعمال ذلك النوع من العنف السياسي المسمى (إرهاب) كمقياس للحكم على مدى شرعيته ليس بالأمر المستحدث، بل نجد له جذورا في التاريخ السياسي الأوروبي.
المطلب الثاني: الإرهاب ظاهرة أوروبية المنشأ
إن كان الفكر الليبرالي الأوروبي في القرنين الماضيين، أولى أهمية كبرى لقضايا الحرية والمساواة، حتى يمكن القول أن هاتين المسألتين شكلتا محور اهتمام هذا الفكر، فإن الوجه المقابل لحقي الحرية والمساواة كان الحق في المعارضة وفي الثورة ومقاومة كل ما يعوق حرية الإنسان وحقه في الحرية والمساواة مع غيره.
ومن هنا ودون مبالغة يمكن القول إن الإرهاب صناعة أوروبية دون منازع، سواء من حيث التنظير الفكري له أو صيرورته واقعا، فكل أسلحة الدمار التقليدية والشاملة، الجرثومية والكيماوية والذرية هي نتاج الغرب، وأشرس الحروب وأطولها وأكثرها إيقاعا للضحايا وقعت في أوروبا أو كانت دول أوروبية الفاعل الرئيس فيها، وأهم الحركات العنصرية والمتطرفة والإرهابية، كالنازية والفاشية واليمين المتطرف والعنصرية والصهيونية – قبل انتقالها إلى فلسطين- ظهرت في الغرب وتغنى بها ومجدها رجال فكر وأدباء غربيون وأمريكيون.
وقد شرًع فلاسفة الغرب مبدأ العنف والثورة، بحيث أصبحا نسقا فكريا متكاملا، فالعقل الذي كان سابقا يُقرن بالمحافظة والإقرار بالأمر الواقع، تم إخراجه من هذه النمطية، ليصبح عقلا ثائرا متمردا يرفض الواقع ويسعى لتغييره بكل الطرق، وهو الموضوع الذي أولاه هيجل اهتماما كبيرا من خلال جدليته المشهورة والتي تقوم على مبدأ "السلب" أي الشيء ونقيضه. بل إن هيجل اعتبر (أن الثورة الفرنسية هي التي أعلنت السلطان المطلق للعقل على الواقع)، بالرغم من اقتران الثورة الفرنسية بالإرهاب. ويقول رونالد سترومبرج في كتابه "تاريخ الفكر الأوروبي 1601/1977": (إن الروح الداروينية القائلة بأن الصراع والمنافسة والقوة هي قوانين الحياة، كانت المنبع الرئيس لأقوال رجال السياسة وأفعالهم... ونحن إذا استعدنا إلى الذاكرة أسماء أولئك الكتاب والمفكرين الذين اعتبروا الحرب قضية مقدسة، لوجدنا أنهم كانوا أبرز رجال الفكر والأدب في عام 1914، فهناك مثلا: برغسون، تشارلز بوجي، وفرويد، وهناك أيضا العديد من الشعراء والروائيين مثل: ستيفان جورج، توماس مان، وأيضا مؤرخون لامعون وعلماء اجتماع مثل: دوركهايم وماكس فيبر وسواهما).( )
ودون الغوص في فلسفة العنف في الثقافة الغربية، يمكن القول أن نشأة ظاهرة الإرهاب الحديث ظهرت في الغرب سواء إرهاب الدولة أو إرهاب الجماعات والأفراد، وذلك قبل أن ينتقل إلى دول الجنوب، وحتى في هذه الحالة الأخيرة كان الغرب حاضرا بقوة، سواء كممارس للإرهاب ضد الشعوب المستعمرة من طرفه، أو متلق لضرباته من طرف حركات التحرر في إطار ممارسة حقها في الدفاع عن النفس وتقرير مصيرها.( )
1- إرهاب الدولة ضد مناوئيها:
ينقسم هذا النوع من الإرهاب إلى حالتين: إرهاب الدولة/ الثورة أو دولة الثورة ضد من تعدهم مناوئي الثورة وإرهاب الدولة المستبدة أو الاستعمارية.
أ- إرهاب الدولة/ الثورة:
دشنت الثورة الفرنسية عهد الإرهاب بمفهومه الحديث، فمعها عُرف إرهاب الدولة المنظم والمدعوم بالقانون، ففي كلمة أمام المؤتمر الوطني للثورة الفرنسية عام 1794 جاء … (يقولون إن الإرهاب هو سبيل الحكومة المستبدة، فهل حكومتنا إذن تشبه الاستبداد؟ أجل إنها تشبهه مثلما يشبه السيف الذي يلمع في يد بطل الحرية ذلك السيف الذي تتسلح به أذيال الطغيان، إن حكومة الثورة هي استبداد الحرية ضد الطغيان). انطلاقا من ذلك شنت الثورة الفرنسية في عهد اليعقوبيين حملة من العنف السياسي الذي أخذ شكل الإرهاب المنظم. فتحت شعار حماية الثورة وحماية إرادة الشعب والدفاع عنها، أصبحت الثورة الفرنسية (كالهرة التي تأكل أولادها) من كثرة ما علق على المشانق من المواطنين ومن قادة الثورة أنفسهم.
وقد بررت الثورة الفرنسية لجوءها للإرهاب بأنه يمارس باسم الشعب ودفاعا عن الشعب، بل أوكل أمر ممارسة الإرهاب إلى لجان منبثقة من الشعب. ففي بيان لإحدى لجان المراقبة التي شكلت آنذاك وأوكل إليها حماية الثورة ومتابعة العصاة جاء فيه:
"إبلاغ جميع المحافظات أن قسما من المتآمرين القساة والمعتقلين في سجونها قد نفذ فيهم حكم الموت على يد الشعب، إنه إجراء عادل وقد بدا للشعب ضروريا من أجل السيطرة بواسطة الرهبة (Terreur) على آلاف الخونة والمختبئين وراء جدران باريس، في الوقت الذي كان يهب فيه لمواجهة العدو". ونظرا للأبعاد التي أخذها الإرهاب مع الثورة الفرنسية، فقد أرجع البعض تاريخ ظهور الإرهاب السياسي، بالمعنى السياسي والاجتماعي والسيكولوجي الذي أخذه فيما بعد، إلى الثورة الفرنسية التي جعلت منه ركنا أساسيا من أركان النظام السياسي.
في تجربة ثورية مشابهة، مارست ثورة أكتوبر1917 الروسية إرهاب الدولة، فقد مرت ثورة أكتوبر بموقف صعب يتشابه مع الموقف الذي عرفته الثورة الفرنسية حيث تكالبت الطبقات المتضررة من الثورة، وأنصار النظام القديم، ضد الثورة الجديدة وأفكارها الثورية، ولم يتورع مناوئو الثورة عن إلحاق الأضرار بالثورة الوليدة، ووضع العراقيل أمامها، وهو الأمر الذي دفع الثورة إلى تشكيل جهاز البوليس المسمى "التشيكا" بعد شهرين من قيام الثورة وأعطيت الصلاحيات "للتشيكا" بالقيام بكل الأعمال من اعتقال ومداهمة ومصادرة وغيرها ضد العناصر المناوئة للثورة، ودفاعا عن إرادة الجماهير الكادحة الملتفة حول الثورة.
ومع تزايد نشاط الثورة المضادة، وقيام الحرب الأهلية، وما صاحبها من تدخل خارجي، وعلى أثر اغتيال أحد رموز الثورة "فولودارسكي" ومحاولة اغتيال لينين وتروتسكي، زاد إرهاب الشعب ضد أعداء الثورة، وحرضت قيادة الثورة الجماهير ضد أعداء الثورة، ودعا لينين لوضع عسكرة الجماهير وتسليحها على جدول أعمال الحكومة الثورية من أجل (تشجيع الاندفاع الجماهيري والإرهاب الجماهيري ضد أعداء الثورة).
تجسد إرهاب الثورة الروسية بنوع متميز من الإرهاب وهو الإرهاب الطبقي، فعلى إثر محاولة اغتيال لينين كتبت صحيفة بلشفية.. "كل نقطة دم من لينين يجب أن يدفع ثمنها البورجوازيون والبيض مئات القتلى …إن مصالح الثورة تفرض الإبادة الجسدية للطبقة البرجوازية، إنهم بلا رحمة فلنكن بلا رحمة".
من خلال الإرهاب السياسي الذي عرفته الثورتان الفرنسية والروسية يمكننا استخراج مضامين هذا النوع من الإرهاب:
1- إنه إرهاب السلطة المعتمدة على القانون، فهو إرهاب الأقوياء، الممثلون لإرادة أغلبية الشعب- أو المدعين ذلك-، ضد من يقف في وجه هذه الإرادة، أو بتعبير أخر إنه إرهاب الأغلبية ضد الأقلية.
2- إنه إرهاب منظم ومقنن، فهو نسق في الحكم لا ينفصل عن ممارسة الحكومة لسياساتها الأخرى، أو هو بمعنى آخر الوجه المقابل للتحكم السلمي بالمجتمع.
3- انه يأتي ردا على تهديد خارجي، أو تمرد داخلي، وقد يأخذ طابع إرهاب طبقة ضد أخرى، فهو عنف ضروري لمنع المزيد من العنف.
4- نطاق عمله محصور داخل الدولة، وغير موجه إلى دول أخرى.
ومن الواضح أن إرهاب الدولة كما عرفته الثورتان الفرنسية والروسية يختلف عن إرهاب الدولة الذي عُرف لاحقا كما سنتطرق لذلك بعد قليل.
ب- إرهاب الدولة الاستعمارية أو المستبدة:
يعد إرهاب الدولة المستبدة والاستعمارية أخطر أنواع الإرهاب على الإطلاق وهو إرهاب ما زالت الشعوب تعاني منه خصوصا في الجنوب، وهذا النوع من الإرهاب الرسمي تمارسه أجهزة الدولة علنا أو بطرق سرية بواسطة أجهزة بوليسية متخصصة في اغتيال ومطاردة المناضلين من اجل الحرية والمعارضين السياسيين. ويمكن تقسيم هذا النوع من الإرهاب بدوره إلى نوعين: إرهاب دولة دولي، وإرهاب دولة محلي مع تداخل الحالتين أحيانا.
النوع الأول: نلمسه في السياسة الاستعمارية للدول الغربية تجاه الشعوب المستعمَرة حيث يعد الاستعمار شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري والعنصرية تجسيد للإرهاب، فسياسة الاحتلال ونهب الثروات وقمع الحريات هو إرهاب لأنها أفعال تتناقض مع الأسس والمبادئ التي قامت عليه الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها. ولم يقتصر إرهاب الدول الاستعمارية على مرحلة الاستعمار المباشر بل استمرت إرهابها حتى بعد الاستقلال، وهذا ما نلمسه اليوم في الإرهاب الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد الدول التي تعارض سياساتها بدءاً من السودان وليبيا إلى أفغانستان والعراق، ففي العراق قصفوا خلال حرب الخليج منشآت مدنية ومستشفيات ومصانع حليب أطفال بل ارتكبوا مجزرة شنيعة عندما قصفوا ملجأ العامرية حيث كان يلتجئ آلاف الأطفال والنساء وفي السودان قصفوا مصنعا للأدوية بحجة انه يصنع مواد كيماوية، وفي ليبيا قصفوا منزل الرئيس الليبي معمر القذافي ومشاءات مدنية أخرى... ثم كان ما يسمى بالحملة الأمريكية ضد الإرهاب والتي هي في الواقع حملة إرهابية ضد معارضي السياسة الأمريكية وهي الحملة التي آلت إلى احتلال أفغانستان والعراق.
ولكن يبقي أخطر شكل من أشكال إرهاب الدولة هو ذالك الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، فتاريخ هذه الدولة هو تاريخ إرهابي، فقد قامت بداية على يد عصابات يهودية إرهابية - الهاجاناه وشتيرن وإسلي - مارست أبشع المجازر ضد الشعب الفلسطيني في دير ياسين وقبية وغزة، وعندما تحولت هذه العصابات إلى دولة بفعل الدعم الغربي والتخاذل العربي استمرت في نهجها الإرهابي، فكان الإرهاب نهجا يوميا لحكام إسرائيل ضد الفلسطينيين والعر، حيث قصفوا المدارس والمستشفيات وكسروا أذرع الأطفال والشباب و كانت مجزرة صبرا وشاتيلا و مجزرة قاتا ثم مجزرة مخيم جنين أخيرا، حيث اعترفت منظمات دولية محايدة أن ما مارسته إسرائيل من أعمال في مخيم جنين تعتبر مجازر وجرائم حرب لم تعرفها البشرية من قبل وعلى هذا الأساس قرر مجلس الأمن إرسال لجنة تقصي حقائق، إلا أن إسرائيل رفضت استقبال اللجنة حتى لا تنكشف مجازرها.
النوع الثاني: من إرهاب الدولة هو إرهاب الأنظمة الاستبدادية، فهذه الأنظمة ونظرا لافتقارها للشرعية والمشروعية السياسية فهي تحكم بالقوة والإرهاب حيث تطارد المعارضين للنظام ودعاة التغيير وتؤسس نظامها على أساس بوليسي قمعي وتكون الأجهزة الأمنية هي المتحكم في نواصي الأمور وفي حياة الناس وأرزاقهم، وقد عرف العالم وما زال العديد من هذه الأنظمة ذات الإيديولوجيات المتباينة: فاشية ونازية وعنصرية ودينية وقومية، وإن كان عالم الشمال تجاوز هذا النوع من الأنظمة بفضل الديمقراطية – كون الغرب يعرف ديمقراطية داخلية فهذا لا ينفي أنه يمارس أحيانا إرهابا خارجيا ضد الدول المناوئة- فأن عالم الجنوب بما فيها دولنا العربية والإسلامية عرفت / وما زالت تعرف كثيرا من هذه الأنظمة التي لا تتورع عن ممارسة الإرهاب ضد شعبها سواء في مواجهة الشعب المطالب بالحرية أو في مواجهة جماعات عرقية وطائفية تطالب بالانفصال والاستقلال.
إرهاب الدولة المشار إليه كان ولا بد أن ينتج حركة مقاومة ضده، أو إرهاب من نوع آخر إرهاب الضعفاء الذي تمارسه جماعات وأفراد إما باسم الحرية والاستقلال أو باسم الانفصال وحق تقرير المصير أو من أجل الديمقراطية،أو دفاعا عن عقيدة دينية أو سياسية الخ.
2- إرهاب الضعفاء ضد إرهاب الدولة:
الإرهاب السياسي ضد الدولة أو إرهاب الضعفاء:
إذ كانت الثورتان الفرنسية والروسية مارستا الإرهاب دفاعا عن حرية الشعب وحقه في الحرية والمساواة، ودفاعا عن الإرادة العامة ومصلحة الجماهير، فإن حركات سياسية مارست وتمارس (الإرهاب) دفاعا عن نفس المبادئ تقريبا ولكن من موقع مختلف، إنه إرهاب الضعفاء ضد إرهاب الدولة وتسلطها.
مع ترسخ سلطة الدولة وتطور مبادئ الحرية والمساواة في أوروبا، أخذت حقوق الإنسان وضعا جديدا، أصبحت فيه القيادة ليس للحكومات الثورية بل للمفكرين والمنظمات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، وأصبحت المطالبة بالحرية والمساواة وحقوق الإنسان على رأس اهتمامات غالبية شرائح الشعب. ولكن نظرا لأن هذه المبادئ كغيرها من المبادئ السياسية المجتمعة، قد تحمل أكثر من معنى حسب الموقع الإيديولوجي للشخص أو الحركة السياسية، ونظرا لأن هذه المبادئ أصبحت هي المبرر الذي يرفعه كل معارض للسلطة أو مطالب بها، أو مدافع عنها، فقد مورست باسمها أعمال إرهابية من قبل حركات سياسية تتهم الدولة بانتهاك هذه الحقوق، ومن هذه الحركات،الحركتان الفوضوية والعدمية، اللتان ظهرتا في القرن التاسع عشر. ودون التوسع في شرح المبادئ الإيديولوجية لهاتين الحركتين، يمكن القول أن منطلقاتها العقائدية تقوم على أساس رفض السلطة بكل أشكالها، وتمجيد حرية الفرد، فالدولة مرفوضة عند الفوضويين والعدميين، وهذا ما عبر عنه أحد فلاسفة الفوضوية ماكس ستيرنر (Max Stirner) (1809-1865) بمقولته الشهيرة "نحن الاثنان، الدولة وأنا، أعداء" ولم يقتصر رفض الفوضويين على السلطة البرجوازية وما تمثله من مصالح ومفاهيم بل رفضوا أيضا سلطة البروليتاريا التي كان يدعو إليها الشيوعيون، فهم مع اتفاقهم مع الشيوعيين على تشخيص المرض الاجتماعي، بإرجاعه للاستغلال الطبقي، فإنهم اختلفوا حول الوسائل الواجب اتباعها لتحطيم النظام الرأسمالي وشكل النظام المراد بناؤه بعد زوال الرأسمالية، وكان هذا سببا في الخلاف الذي حدث بين الفوضوي باكونيين وبين كارل ماركس عام 1872 في مؤتمر لاهاي.
وقد عبر الفوضويون عن أهدافهم بوضوح في مؤتمر عقدوه في لندن 1881، عرفوا فيه أنفسهم وأهدافهم، ومما جاء فيه:
" إن ممثلي الاشتراكيين والثوريين والعالميين والمجتمعين في لندن في 14 تموز 1881 جميعهم مؤيدون لهدم المؤسسات السياسية والاقتصادية الحالية هدما كاملا بالقوة".( )
وبالفعل مارس الفوضويون هذا النهج الجديد في العمل السياسي بقيامهم بعدة عمليات إرهابية في روسيا، إيطاليا، إسبانيا، وفرنسا، وبرز عدد من الأسماء الإرهابية الفوضوية أمثال: رافاشول، وأميل هنري وفافيان في فرنسا، وكافييرو ومالا تسيتا، وسيتشاريللي في إيطاليا، وجيليا نوف وستينياك وكالياييف في روسيا.
وعن الفوضوية انشقت العدمية، بانفصال الفوضويين الروس، حيث مارس هؤلاء أعمالا إرهابية عنيفة تركزت على اغتيال شخصيات روسية بارزة، مثل القيصر إسكندر الثاني، ووزير الداخلية فون يليف والغراندوق سيرج وغيرهم.
كان من بين أنشط الحركات العدمية الفوضوية الروسية، منظمة عدالة الشعب (Marodnaia Volia)، التي حددت أهداف الإرهاب وموقعه ضمن استراتيجيتها النضالية بالقول:
" يقوم العمل الإرهابي على تصفية رجال الحكم الأكثر ضررا، وعلى دفاع الحزب ضد الجاسوسية، وعلى معاقبة الأعمال العنفية والكيفية التي يقوم بها الحكم والإدارة الحاكمة، إن هدف الإرهاب هو الحط من مكانة القوة الحكومية وإعطاء البرهان الثابت على إمكانية النضال ضد السلطة، ثم إثارة الروح الثورية في الشعب وتقوية إيمانه بانتصار القضية، وهدف الإرهاب أخيرا تشكيل كوادر قادرة ومدربة على النضال".
وقد تعامل الفوضويون الروس مع الإرهاب السياسي كطريق وحيد لتحقيق الأهداف التي يسعون إليها، وبالتالي نبذوا أشكال النضال الأخرى، وكانوا يعتقدون أن الإرهاب السياسي كفيل باستقطاب الجماهير حولهم ومباركتها لنشاطهم، وهذا ما يمكننا استخلاصه مما ورد في اجتماع لهم عام 1893 جاء فيه:
" إن من بين جميع مناهج النضال ضد الحكومة بهدف تحقيق الحرية السياسية، يبدو حاليا أن الإرهاب السياسي هو المنهج الوحيد الذي يقدم لنا الحظ الأوفر بالنجاح.. أننا نقصد بهذا التحديد سلسلة من الاعتداءات على الحكومة تنفذ في المكان والوقت اللذين يراهما الحزب مناسبين، ويدعهما الشعب والمجتمع بمختلف الطرق وذلك يهدف ترويع الحكومة وتثبيط معنوياتها وانتزاع التنازلات التي نريدها.( )
هذا النوع من الإرهاب السياسي تجدد بعد حوالي قرن من الزمن في أكثر من مجتمع في أوروبا الغربية على يد منظمات سياسية يسارية مثل الألوية الحمراء في إيطاليا ( ) وجماعة بادر ماينهوف والجيش الأحمر( ) في ألمانيا الغربية، حيث مارست هذه الحركات نفس الأسلوب الإرهابي، بل أيضا مفاهيم فلسفية عن العنف تتقارب مع المفاهيم الفوضوية، وبرز مفكرون وفلاسفة معاصرون أعطوا الشرعية لممارسة العنف كرد على الاستلاب الذي يمارسه المجتمع الاستهلاكي الرأسمالي تجاه الفرد. فهربرت ماركوز وصف نظام المجتمعات الصناعية المتقدمة بالعدو وبرر الاستعانة حتى بالوسائل غير الشرعية إن لم تجد الوسائل الشرعية، كما أن هناك أوجه شبه بينه وبين الفوضويين في رفضه لكل من النظام الرأسمالي وكذلك لدكتاتورية البروليتاريا كما كانت مطبقة اليوم في الاتحاد السوفيتي، وقد اعتبر البعض أن كتابات هربرت ماركوز ساهمت في تأجيج ثورة الشباب في أوروبا ربيع 1968 وفي موجه الإرهاب التي شهدتها ألمانيا الغربية وإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية بعد ذلك التاريخ. وقد شهد العالم خلال السبعينيات تحالفا أمميا بين الحركات الثورية في العالم وهو ما أطلق عليه آنذاك (أممية الإرهاب) بحيث قاتل ثوار من أمريكا اللاتينية في أفريقيا واسيا وبالعكس وقام ثوار أوروبيون بعمليات وصفت بالإرهابية دفاعا عن القضية الفلسطينية و حركات التحرر في فيتنام وأفريقيا، وما زال العالم يذكر الثائر الفنزويلي كارلوس الذي كان يعد أخطر الإرهابيين في العالم، وقد سلمته السودان أخير لفرنسا وما زال في السجن حتى الآن.
لقد أسس الفوضويون واليسار الثوري نمطا جديدا من العنف السياسي أو الإرهاب المتجه من القاعدة إلى القمة، أهم عناصره ما يلي:
1- هو منهج في النضال متوفر على تبريراته النظرية.
2- يضع هدفا له الإطاحة بنظام سياسي اجتماعي اقتصادي محدد.
3- إنه إرهاب يتجه من القاعدة إلى القمة، أي إرهاب الأفراد والمجموعات السياسية ضد الدولة.
4- يهدف إلى إقامة نظام سياسي جديد.
5- إنه إرهاب خارج عن القانون وعن الشرعية الرسمية.

المبحث الثاني
تداخل الإرهاب مع النضال المشروع للشعوب
المطلب الأول: المبدأ هو التمييز بين الإرهاب والنضال المسلح لحركات التحرر
أكدت الثورتان الفرنسية والأمريكية على الحق في الحرية والمساواة للأفراد، وأصبحت مسألة الاستقلال والحرية للشعوب والأفراد من المبادئ المعترف بها في المواثيق والاتفاقات الموقعة ما بين دول العالم الغربي ودُونت في دساتير دوله، إلا أن تطور المنتظم الدولي وتطور الأفكار السياسية حتما ضرورة خروج هذه المبادئ من إطارها الأوروبي الأمريكي لتأخذ صبغة عالمية، وتمد جذورها في بلدان آسيا وإفريقيا، ولكن تطبيق هذه المبادئ كان يصطدم بغياب الاستقلال الوطني لشعوب هذه القارات بسبب الاستعمار الذي مارسته نفس الدول التي قالت بالحرية والاستقلال وناضلت من أجلهما.
وهكذا بدأت الأصوات تتعالى مطالبة بحق الشعوب في تقرير مصيرها الوطني، هذا الحق الذي وردت فكرته في المبادئ الأربعة عشر التي أعلنها الرئيس الأمريكي ويلسون إبان الحرب العالمية الأولى، ثم أكدت عليها الأمم المتحدة بتدوينها في مقاصدها فحثت على إنماء العلاقات الودية على أساس احترام "المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها الحق بتقرير مصيرها".
إن ازدواجية الغرب في التعامل مع هذه المبادئ تبدو جلية إذا عرفنا أن أول من طبق مبدأ حق تقرير المصير وحق الشعوب الخاضعة للاحتلال بمقاومة الاستعمار هو الغرب نفسه عندما قامت القوات النازية باحتلال فرنسا والعديد من دول أوروبا، آنذاك نهضت دول العالم الحر وعلى رأسها الولايات المتحدة وناصرت الشعوب المحتلة من النازيين بالمال والسلاح، بل وضعت أراضيها لتكون قواعد لجيش تحرير فرنسا وغيره من حركات مقاومة النازية والفاشية، ولو الدعم الذي وجدته شعوب أوروبا من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي لكان مصير أوروبا ومصير العالم اليوم مختلفا.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أخذت الجمعية العامة على مسئوليتها وضع هذا الحق موضع التنفيذ، من خلال تشجيع الدول غير المتمتعة بالاستقلال على المطالبة بحقوقها، وحث الدول المستعمرة على منح الشعوب الخاضعة لها، الاستقلال والحرية ومد يد العون لها. وفي قرار للجمعية العامة معنون بـ: "إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة" نصت الفقرتان الأوليتان منه على:
1- إن إخضاع الشعوب لاستعباد الأجنبي وسيطرته واستغلاله يشكل إنكارا لحقوق الإنسان الأساسية، ويناقض ميثاق الأمم المتحدة، ويهدد قضية السلم والتعاون العالمي.
2- لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية مركزها السياسي، وتسعى بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
ومن منطلق أن الاستعمار نقيض لحق تقرير المصير، فقد جددت الجمعية العامة التنديد بالاستعمار وبالسياسة الاستعمارية التي تحرم الشعوب من حريتها واستقلالها وتشكل انتهاكا لكرامة الإنسان، كما نددت بكل أشكال احتلال الأراضي بالقوة باعتباره شكلا من أشكال الاستعمار.
ولأن الاستعمار ينتهك الكرامة الإنسانية، ولأن حق تقرير المصير تدعمه الشرعية الدولية ويخدم السلام العالمي، فقد أعطت الجمعية العامة الحق للشعوب باللجوء إلى كل أشكال النضال بما فيها الكفاح المسلح من أجل نيل استقلالها وهذا ما جاء واضحا في البرنامج الصادر عن الجمعية بتاريخ 12/10/1970 والمعنون بـ: "برنامج العمل من أجل التنفيذ التام لإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة"، حيث اعتبر البرنامج أن الاستعمار بأي شكل من الأشكال يعتبر خرقا لميثاق الأمم المتحدة ولكل المواثيق الدولية، كما اعتبر: " أن للشعوب المستعمرة حقها الأصيل في الكفاح بجميع الوسائل الضرورية التي في متناولها ضد الدول الاستعمارية التي تقمع تطلعاتها إلى الحرية والاستقلال" وحث البرنامج الدول بتقديم "كل مساعدة معنوية ومادية تحتاج إليها في كفاحها لنيل الحرية والاستقلال".
إلا أنه كان لقرار الجمعية العامة الصادر عام 1977، أهمية خاصة حول الموضوع، فهو من جانب اتُخذ بأغلبية ساحقة في الأصوات كما أنه خطا خطوة مهمة بربطه مباشرة بين حق تقرير المصير وشرعية اللجوء للكفاح المسلح، كما أنه ندد بالدول التي تنكر على الشعوب حقها في النضال لنيل الاستقلال. ونظرا لأهمية القرار فأننا نورد هنا أهم فقراته.
"إن الجمعية العامة، إذ تؤكد من جديد، ما للإعلان العالمي لحق الشعوب في تقرير المصير والسيادة والسلامة الإقليمية وللإسراع في منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة من أهمية بوصفهما شرطين حتميين للتمتع بحقوق الإنسان.
وإذ تستنكر الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان التي تُرتكب في حق الشعوب التي لا تزال واقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية، والتحكم الأجنبي، ومواصلة الاحتلال غير الشرعي لناميبيا، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف...
1- تدعو جميع الدول إلى التنفيذ الكامل والأمين لقرارات الأمم المتحدة بشأن ممارسة الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية لحق تقرير المصير.
2- تؤكد من جديد شرعية كفاح الشعوب في سبيل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرير من السيطرة الاستعمارية والأجنبية ومن التحكم الأجنبي بجميع ما أتيح لهذه الشعوب من وسائل بما في ذلك الكفاح المسلح.
3- تؤكد من جديد ما لشعبي ناميبيا وزمبابوي وللشعب الفلسطيني وسائر الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية والاستعمارية، من حقوق، غير قابلة للتصرف، في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والسيادة، دون أي تدخل خارجي.
4- تدين بقوة جميع الحكومات التي لا تعترف بحق تقرير المصير والاستقلال لجميع الشعوب التي ما زالت واقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية والتحكم الأجنبي ولا سيما شعوب إفريقيا والشعب الفلسطيني".
يتبين لنا من خلال مقارنة العنف الذي تمارسه الشعوب إعمالا لحقها في تقرير مصيرها، بالعنف الوارد في الحالتين السابقين المشار إليهما في الفصل الأول- عنف الدولة مع الثورتين الفرنسية والروسية وعنف الجماعات الفوضوية ومثيلاتها - أن النوع الأول يحظى بالشرعية الدولية ويأتي دفاعا عن النفس، فهو عنف يستهدف إلغاء حالة القهر والتسلط التي تمارسها القوى الاستعمارية ضد الشعوب المستعمرة كما أنه عنف يصب في مصلحة السلام العالمي انطلاقا من كون الاستعمار يتناقض مع السلام العالمي، أو بمعنى آخر أنه عنف أو إرهاب مشروع يأتي ردا على إرهاب الدولة الذي تمارسه الدول الاستعمارية من منطلق أن الاستعمار هو إرهاب بل أبشع أشكال الإرهاب، حيث يشمل بإرهابه كل الشعب، مهددا استقراره ومهينا كرامته وسالبا حريته.
لقد مارست العديد من الشعوب هذا الضرب من النضال أو الإرهاب المشروع ضد مستعمريها وقاهريها، بل يمكننا القول بأن غالبية الشعوب المستعمَرة والتي نالت استقلالها، لجأت إلى أسلوب الكفاح المسلح ودعمتها في ذلك قوى التحرر العالمي والشعوب المحبة للسلام، مع اختلاف في المضامين الأيديولوجية التي توجه هذا النضال. ولأن سياسة التحرر من الاستعمار كانت دائما توجه ضد الدول الرأسمالية ومصالحها، فإن هذه الحقيقة كانت وراء المواقف المتحفظة التي وقفتها وتقفها الدول الغربية والولايات المتحدة في مواجهة حركات التحرر العالمية وأخرها حركة التحرر الفلسطينية.
لقد أعطى العنف المتضمن في الكفاح المسلح مضامين أبعد من المضامين ذات البعد العسكري المحض، فهذا فرانز فانون يعتبر "أن محو الاستعمار لهو خالق رجال جدد، حقا أن المستعمر يصبح إنسانا بمقدار ما يحدث من عمل لتحرير ذاته … لقد أدرك المستعمر منذ ولادته إدراكا واضحا أن هذا العالم المضيق المزروع بأنواع المنع لا يمكن تبديله إلا بالعنف المطلق".
بل إن فانون، ذلك الزنجي القادم من جزر المارتنيك للقتال إلى جانب الشعب الجزائري ضد الفرنسيين، لا يتصور أن ينال شعب من الشعوب استقلاله، أو أن تتحد أمة من الأمم دون اللجوء إلى العنف الذي يرفع القانون من قيمته إلى درجة التقديس، ذلك أن "محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائما".
يمكننا استخلاص بعض المضامين المميزة للعنف المصاحب للكفاح المسلح تطبيقا لحق الشعوب في تقرير مصيرها.
1- إنه عنف جماهيري، فهو عنف أغلبية الشعب أو يحض برضى الأغلبية.
2- إنه عنف موجه ضد قوى مستعمرة أو نظام يفتقر للشرعية.
3- هدف العنف إجبار المستعمر على منح الشعب حقه في تقرير مصيره.
4- هذا العنف مدعما بالشرعية الدولية ويخدم السلام العالمي.
5- لا يمكن القول بأن هذا النوع من العنف يشكل عدوانا ضد أحد، فهو بمثابة الدفاع عن النفس، فهو عنف في مواجهة عنف أكبر.
6- نظرا لأن المستعمر (بكسر الميم)، لا يقتصر تواجده على الأرض المستعمَرة بل إن سيادته تشمل أماكن أخرى، فإن الحق في اللجوء للكفاح المسلح يمتد إلى حيث يوجد المستعمر.
7- نظرا لأن القوى المستعمرة تتفوق عسكريا على الشعب الخاضع للاحتلال، مما يجعل قدرة حركات التحرر على مقارعته بنفس أدواته القتالية – طائرات ودبابات وصواريخ – فمن الطبيعي والمشروع أن تلجا حركات التحرر إلى الوسائل القتالية المتاحة وخصوصا العمليات الاستشهادية وضرب العدو في نقاط ضعفه.
المطلب الثاني: تحولات النظام الدولي وتأثيراتها على ظاهرة العنف السياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية
طرأ على العنف المرتبط بالقضية الفلسطينية في ظل تحولات النظام الدولي عدة مستجدات أهمها:
1- تولد إحساس وبلورة توجه لدى غالبية دول العالم أن مرحلة تصفية الاستعمار بما تتضمنه من شرعية حركات التحرر العالمي،قد انتهت بنهاية نظام الميز العنصري في جنوب إفريقيا وسقوط المعسكر الاشتراكي، وما جعل هذا التوجه يؤثر سلبا على القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، هو دخول الفلسطينيين والعرب مسلسل التسوية وقبولهم في مؤتمر مدريد1991بالحل السلمي كخيار إستراتيجي، كما أن اتفاقية أوسلو حولت حركة التحرير الفلسطينية إلى سلطة حكم ذاتي.
2- العمليات الاستشهادية التي تمارسها فصائل فلسطينية داخل فلسطين المحتلة، في إطار شرعية دولية لم تعد إسرائيل والولايات المتحدة يعترفا بها، أو في إطار (شرعية دينية) وتحت شعار الجهاد، وهي شرعية لا تحض بكثير تأييد أو تفهم من الرأي العام العالمي.
3- تراجع قوى اليسار كرأس حربة لحركة التحرر الفلسطينية والعربية لصالح الإسلام السياسي، وبالتالي الانتقال من مفهوم الكفاح المسلح إلى مفهوم الجهاد، بما يترتب على ذلك من تغير في الشرعية النضالية.
4- انطلاق ما يسمى بمسلسل السلام، بما يترتب عليه من محاصرة أنصار الحل العسكري، وانقسام الجماهير العربية والفلسطينية ما بين مؤيد للخيار العسكري ومؤيد للحل السلمي.
5- تراجع البعد القومي الرسمي للقضية الفلسطينية، وتحول الصراع إلى صراع فلسطيني – إسرائيلي بدرجة أولى حتى انتفاضة الأقصى الأخيرة لم تغير من الوضع شيئا، صحيح أنها حركت الجماهير وأعادت حضور القضية جماهيريا ولكنها لم تغير من واقع الأنظمة حيث استمرت متمسكة بما سمته إستراتيجية السلام.
6- تعاظم الإرهاب الإسرائيلي المدعوم أمريكيا ضد الشعب الفلسطيني، والذي أخذ شكلا عدوانيا صارخا في عدوانيته واستفزازه مع انتفاضة الأقصى وفي مجازر مخيم جنين، و العدوان الأمريكي ضد عرب ومسلمين تحت شعار مكافحة الإرهاب.
هذه التحولات لم تلغ خصوصية القضية الفلسطينية حيث يتداخل الوطني الفلسطيني مع القومي العربي مع الإسلامي مع التحرري العالمي، بالإضافة إلى خصوصية الاحتلال الصهيوني وقوة تحالفاته الدولية، وقيام النظام الدولي الجديد الذي تقوده حليفة الكيان الصهيوني – أمريكا - على أنقاض النظام الثنائي القطبية، جعل القضية الفلسطينية هي القضية الوحيدة المتبقية في ملف تصفية الاستعمار. وهكذا وبالرغم من شرعية العمليات الجهادية ضد العدو الصهيوني، وهي شرعية مستمدة من الشرعية الدولية ومن الحقوق الطبيعية للشعوب، إلا أن غياب رؤية واحدة لطبيعة الصراع وسبل حله و تداخل الشرعيات المبررة للنضال ضد العدو الصهيوني ومن يدعمه، وغياب حليف دولي قوي يدعم هذا النضال أنعكس سلبا على تعامل المنتظم الدولي مع بعض ممارسي الجهاد دفاعا عن فلسطين و خصوصا إن كان هذا النضال باسم شرعية دينية ويأخذ شكل عمليات يفجر فيها المقاتل نفسه وسط مدنيين. فالمنتظم الدولي أو أية دولة أجنبية يمكن أن تفهم أن يقاتل الفلسطيني دفاعا عن وطنه، ولكنهم لا يفهمون ولا يستسيغون أن يقاتل أيراني أو مصري أو سعودي دفاعا عن فلسطين باسم شرعيات لا يعترف بها المنتظم الدولي (شرعية دينية أو شرعية قومية)، وللأسف لا تعترف بها غالبية النظم العربية والإسلامية ‘ حيث تصنف بعض هذه الدول المجاهدين كإرهابيين، ويكون الأمر أكثر تعقيدا إن كان القتال من أجل فلسطين موجها ضد مدنيين أو يجري على أرض أجنبية بعيدة عن فلسطين.
الجهود الدولية لمكافحة (الإرهاب) واصطدامها بمأزق التعريف:
كما سبقت الإشارة، وحيث إن غالبية الأعمال الإرهابية كانت تستهدف مصالح أمريكية وغربية وإسرائيلية، فقد أخذت الولايات المتحدة على عاتقها مسؤولية تحريض المنتظم الدولي ضد الإرهاب والدول التي تتهم بدعمه، وفي هذا السياق لم تخف أمريكا موقفها من اعتبار كل من هو ضد السياسة الأمريكية يعتبر إرهابيا أو داعما للإرهاب، وهكذا صنفت الولايات المتحدة كل من ليبيا وسوريا والسودان والعراق وإيران وكوبا، كدول داعمة للإرهاب، ومما هو معروف أن هذه الدول تنهج سياسة معادية للهيمنة الأمريكية.
وحيث أن الولايات المتحدة، إلى ما قبل انهيار المعسكر الاشتراكي، كانت عاجزة عن حشد تأييد دولي لسياستها ضد الإرهاب، نظرا لقوة تواجد دول المعسكر الاشتراكي ودول عدم الانحياز في مؤسسات الأمم المتحدة وخصوصا الجمعية العامة، فقد لجأت إلى عقد عديد من الاتفاقات الثنائية والإقليمية لمحاربة الإرهاب، بالإضافة إلى الجهود المبذولة محليا في هذا الشأن. ولم تبدأ الجهود الأمريكية تأتي أكلها في هذا الشأن إلا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتراجع قوة تأثير دول عدم الانحياز دوليا وخصوصا في الجمعية العامة للأمم المتحدة.وقد لعبت ديناميكية الانفراج السياسي في منطقة الشرق الأوسط المصاحبة لما سُمي بمسلسل السلام الذي دشنه مؤتمر مدريد، ثم توقيع اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1994، الأثر الكبير في إحياء الجهود لمحاربة ظاهرة الإرهاب، حيث ساد الاعتقاد – أو هذا ما كانت ترمي إليه الولايات المتحدة -أن حل مشكلة الشرق الأوسط سيسقط الشرعية عن كثير من الجماعات الممارسة للإرهاب في الشرق الأوسط.
وهكذا تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والأربعين سنة 1994، قرارا بموجبه ستتخذ مجموعة من الإجراءات التي تستهدف القضاء على الإرهاب الدولي، وقد تميز هذا القرار عن سابقيه من قرارات الجمعية العامة بأنه أقترب بعض الشيء من الموقف الأمريكي والغربي الذي يدين الإرهاب بالمطلق دون تعريف دقيق له أو البحث عن دوافعه، وهكذا نص القرار على إدانة كل الأعمال والممارسات الإرهابية أينما كانت وكيفما كان الفاعلون، لا سيما الذين يساهمون في إثارة الشبهات حول علاقات الصداقة بين الدول والشعوب، ويهددون الوحدة الترابية وأمن الدول، وأضاف القرار بأن الأعمال الإجرامية التي لها أهداف سياسية وتساهم في إثارة الرعب لدى العامة أو لدى مجموعة من الأشخاص تعتبر غير مبررة في كل الأحوال، ومهما كانت دوافعها: سياسية أو فلسفية أو أيديولوجية أو دينية.
وفي 15 من ديسمبر 1997 صدر عن الجمعية العامة القرار رقم 52 /164 بشأن الاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل. وفي الدورة الثالثة والخمسين للجمعية العامة في أغسطس 1998، تم الإعلان عن اتخاذ التدابير الرامية إلى القضاء على الإرهاب الدولي، وكلفت الجمعية الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أن يتخذ، في حدود الموارد الموجودة، مجموعة من التدابير العملية لتعزيز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب، ومن بينها:
جمع البيانات عن الاتفاقات المتعددة الأطراف والإقليمية والثنائية المتصلة بالإرهاب الدولي، وعن تنفيذها بما في ذلك المعلومات عن الحوادث التي يسببها الإرهاب الدولي.
إجراء استعراض تحليلي للصكوك القانونية القائمة ذات الصلة بالإرهاب الدولي، بغية مساعدة الدول في تحديد جوانب هذه المسألة التي لا تشملها هذه الصكوك.
استعراض الإمكانيات القائمة ضمن منظومة الأمم المتحدة من أجل مساعدة الدول في تنظيم حلقات ودورات تدريبية حول مكافحة الجرائم المتعلقة بالإرهاب الدولي.
وفي التقرير السنوي الصادر عن منظمة الأمم المتحدة عام 1998، أكد كوفي عنان الأمين العام للمنظمة، أن الأمم المتحدة اعتمدت اثنتي عشر معاهدة متعددة الإطراف خاصة بمكافحة الإرهاب، وأنها أنشأت في عام 1997 لجنة خاصة لصياغة اتفاقية دولية جديدة لحظر التفجيرات الإرهابية وحظر أعمال الإرهاب النووي، وأن اللجنة تعمل على وضع إطار قانوني شامل لمواجهة الإرهاب الدولي.( )
أما في إطار مجلس الأمن، فقد تزايد الاهتمام الذي يوليه مجلس الأمن لموضوع الإرهاب وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهيمنة الولايات المتحدة على مجريات عملية اتخاذ القرار الدولي، كما يلاحظ أن تحرك مجلس الأمن كان غالبا يحدث بطلب أمريكي وبعد حدوث اعتداءات مسلحة على مؤسسات أمريكية أو أوروبية أو إسرائيلية. وإن كانت قرارات وتوصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة تتسم بالعمومية والتوازن فأن قرارات مجلس الأمن تتسم بالصرامة وتكون مقرونة بآليات لتنفيذها تُسند غالبا للولايات المتحدة.
إذن تجدد الاهتمام بموضوع الإرهاب مباشرة بعد انطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط ونهاية حرب الخليج الثانية رسميا، وهما الحدثان اللذان جوبها بمعارضات قوية من قوى عربية وإسلامية متشككة بنوايا الولايات المتحدة، واستباقا لأية عمليات إرهابية تعارض السياسة الأمريكية في المنطقة أو تعارض الترتيبات التي تقيمها الولايات المتحدة لاستقرار العالم في إطار تصورها للنظام الدولي الجديد، تمت دعوة مجلس الأمن في اجتماع قمة يوم 31 يناير 1992 لبحث موضوع الإرهاب، حيث أعرب المجتمعون عن بالغ قلقهم إزاء أفعال الإرهاب الدولي وتأكيدهم على ضرورة قيام المجتمع الدولي على نحو فعال بمعالجة كافة هذه الأفعال.
وعلى أثر الهجوم المسلح الذي حدث في بوينس آيريس يوم 18يوليه 1994، والهجومين المسلحين اللذين ارتكبا في لندن يومي 26 و 27 من نفس الشهر، انعقد مجلس الأمن يوم التاسع والعشرين من نفس الشهر وأصدر بيان رئاسي أدان فيه هذه الأعمال و " يطالب أعضاء المجلس بوضع حد لجميع هذه الهجمات الإرهابية فورا. ويشددوا على الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل اتخاذ تدابير تامة وفعالة لمنع كافة أشكال الإرهاب ومكافحتها والقضاء عليها، فهي تمس المجتمع الدولي ككل ".
عاد مجلس الأمن مرة ثانية لمعالجة الموضوع على إثر تفجير مقري السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام يوم السابع من أغسطس عام 1998، حيث انعقد في جلسة يوم 12 من نفس الشهر وناقش الموضوع تحت بند (التهديدات للسلم والأمن التي تسببها أعمال الإرهاب الدولي)، وكان القرار شديدا في تأكيده على إدانة أعمال الإرهاب الدولي بكل مظاهرها وأشكالها، مؤكدا " على انه من واجب كل دولة عضو أن تمتنع عن تنظيم أي أعمال إرهابية في دولة أخرى أو التحريض عليها أو المساعدة أو المشاركة فيها أو قبول أنشطة منظمة في أراضيها بهدف ارتكاب تلك الأعمال ".
وكانت ذروة الاهتمام بالإرهاب وصيرورته محل اهتمام جميع دول العالم بدون استثناء، على إثر تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001، ففي اليوم الموالي للتفجيرات أنعقد مجلس الأمن لمناقشة الموضوع، وبإجماع جميع دول المجلس وتأييد جميع دول العالم تقريبا، تبنى المجلس قرارين صارمين أدان فيهما الإرهاب بكل أنواعه وصوره، ليس هذا فحسب، بل طالب جميع دول العالم بالتحالف مع الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب، ويوم الثامن والعشرين من نفس الشهر صدر قرار جديد عن مجلس الأمن يسير في نفس الاتجاه.
المستجد في الموضوع والخطير أيضا، أن المجلس ترك للولايات المتحدة حرية تحديد الجهات الإرهابية وطريقة الرد عليها بالشكل الذي تراه مناسبا. وقد انتهزت الولايات المتحدة هذه الفرصة التي أتاحها لها مجلس الأمن لتصفي حساباتها ليس فقط مع المسئولين عن تفجيرات واشنطن ونيويورك – مع أن هؤلاء ما زالوا غير معروفين تماما والرواية الوحيدة المحددة لهويتهم هي الرواية الأمريكية - بل مع كل من يعارض السياسة الأمريكية في العالم، أو بشكل أخر أن الولايات المتحدة الأمريكية وظفت قرارات مجلس الأمن لتعيد بناء النظام الدولي بما يعزز هيمنتها الكونية.
وهكذا لاحظنا كيف أن الولايات المتحدة تحدثت في البداية عن كون حملة مكافحة الإرهاب تستهدف تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن وحركة طالبان الحاكمة في أفغانستان، ثم توالت قوائم المستهدفين في الحملة إن عاجلا أو آجلا، فهناك العراق والسودان وربما اليمن وليبيا، وصدرت قوائم تضم أسماء العشرات من الجمعيات والمنظمات والأشخاص المتهمين بالإرهاب أو مساندة العمليات الإرهابية، شملت أخيرا حزب الله اللبناني وفي فلسطين، حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وكتائب شهداء الأقصى، ولا نستبعد بعد أيام أن نجد ضمن القائمة أسماء كل من يقول بحق الفلسطينيين بالاستقلال.ولم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة الأمريكية، بل تبعتها دول الاتحاد الأوروبي، فرغم أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك أعلن أثناء زيارته للبنان في نهاية نوفمبر 2001 أن قوائم المتهمين بالإرهاب التي تصدرها الخارجية الأمريكية أو الرئاسة الأمريكية ليست ملزمة دوليا ولا تعتبر جزء من القرارات الدولية، بالرغم من ذلك كان الاجتماع الوزاري للاتحاد الأوروبي واضحا في اعتبار حركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين حركات إرهابية ومطالبا السلطة الفلسطينية بالقضاء عليهما.
المطلب الثالث: الجهاد، شرعية المبدأ والتباس الممارسة
لا غرو أن للشعوب الخاضعة للاحتلال والهيمنة وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الحق في المقاومة، ولكن ممارسة هذا الحق هو الذي يحتاج إلى حذر شديد حتى لا تشوه الممارسة المرتجلة عدالة الحق وعدالة القضية،فممارسة حق النضال لتقرير المصير يفقد معناه إذا تحول إلى أعمال فئوية لجماعات لا تندرج في إطار الإجماع الوطني، وخصوصا إذا غاب التنسيق بين من ينصبون أنفسهم قيمين على القضية. فعلى الساحة الفلسطينية مثلا، يحتاج الكفاح المسلح أو الجهاد، لتكون له مرودية،إلى أن يندرج في إطار إستراتيجية فلسطينية بل عربية إسلامية مشتركة أو على الأقل في إطار تنسيق يسمح بأن توظف هذه العمليات لخدمة الأهداف الوطنية، وهذا التنسيق للأسف غير موجود، وعدم وجوده يجعل قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على استثمار هذه العمليات لصالحها أكبر من الفوائد التي تتحقق للقضية.
لقد علمتنا التجربة وعلمنا التاريخ أن كثيرا من الحقوق الوطنية ومن القيم السامية يخسرها أصحابها وتفقد مصداقيتها إن لم يتعاملوا معها بعقلانية وضمن رؤية شمولية تربط ما بين الفعل والهدف والوسيلة وردود الأفعال المحلية والدولية. ليس من باب التشكيك بوطنية وبقوة إيمان أولئك الذين فجروا أنفسهم واستشهدوا داخل فلسطين من أجل الوطن والدين، والشعب الفلسطيني يزخر بالكثير من أمثالهم، ولكن المشكلة المثارة اليوم تتعلق بتوقيت ممارسة هذه العمليات والأشخاص المستهدفون منها أيضا المشكلة تكمن بجماعات إسلامية غير فلسطينية تقوم بعمليات قتالية (الجهاد) ضد الولايات المتحدة ودول غربية باسم فلسطين ودفاعا عن الإسلام. فهل مثل هذه العمليات تندرج ضمن مخطط استراتيجي وطني فلسطيني؟ وهل ينطبق عليها مفهوم الإسلام للجهاد؟.
لن ندخل في تحليلات فقهية - لأننا ليس من أهل الاختصاص - ولكن نشير إلى أن القرآن الكريم تحدث عن الإرهاب والقتال والجهاد والحرابة كحالات تستوعب ما يسمى اليوم بالعنف السياسي، وقد ذكر ما يشير إلى الإرهاب في الآية: "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم"، فالإسلام لا يمانع بممارسة الإرهاب والترهيب ولكن ضد أعداء الله وأعداء الوطن وكحالة دفاعية أو ما يسمى اليوم بحالة الدفاع الشرعي عن النفس، يقول تعالى "وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ".( ) أما (الحرابة)، فيقول فيها صبحي الصالح: (أنها توحي لغة بالمخالفة والمضادة ومدلولها اللغوي هذا يُلمح أيضا في الاصطلاح الفقهي، عند إفساد الأمن وتعطيله بالإرهاب،ومضاده النظام والخروج عليه بقوة السلاح لقطع الطريق وإخافة الآمنين والفساد في الأرض).( )
ويرى صبحي الصالح بأنه إذا كانت الأعمال المدرجة ضمن الأعمال الإرهابية التي تطرق إليها تعريف الحرابة قد عددت على سبيل المثال وليس الحصر الحالات التي عاصرها القدامى، فإنها تنطبق أيضا على حالات مستحدثة لها علاقة بالتطور التكنولوجي والنمو في مجالات المعرفة الأخرى التي أصبحت سمة من سمات العصر الحديث وبالتالي فإن الحرابة تصدق على أعمال وممارسات هي وليدة عصرنا الحالي.
ونرى أن هذا التعريف يصدق على العديد من المجموعات الإرهابية في العالم الرأسمالي حيث انتشرت عصابات المافيا، والجماعات العنصرية والمنظمات التي ترفض نمط الحياة الرأسمالية واستلاب الإنسان من قبل الآلة وتعقد الحياة الاجتماعية والاقتصادية، كما أن بعض الأنظمة العربية والإسلامية المشتبكة في صراع مع جماعات إسلامية تدرج هذه الجماعات ضمن مفهوم الحرابة مُسقطة عنها صفة الجماعات الجهادية، ومن هنا تُكثر هذه الأنظمة من وصف هذه الجماعات بالزنادقة والمرتدين وقطاع الطرق الخ.
مقابل هذا النوع من العنف غير المشروع وُجد الجهاد في الإسلام الذي اعتبر فرضا على كل مسلم ومسلمة. أولى الإسلام للجهاد حيزا كبيرا من اهتماماته، وتعددت الآيات والأحاديث التي تحض على الجهاد وتعتبره واجبا على المسلمين.و يشمل الجهاد في معناه الواسع أشكالا متعددة من البذل والتضحية في سبيل الحق ودين الحق، فهو جهاد بالنفس والمال "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ".
وبالإضافة إلى الجهاد بالمال والكلمة الحق ووجود الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر، فإن الجانب القتالي من الجهاد (الجهاد الأصغر) أخذ حيزا كبيرا من مفهوم الجهاد ودلالته، حتى أنه غالبا ما اقترنت كلمة الجهاد بالقتال والحرب، والمسلمون جماعات وفرادى مطالبون بالجهاد فهو واجب على كل مسلم ومسلمة، "والمسلم مطالب بالجهاد حتى وأن عارضه أولي الأمر، (فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، و (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع بلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان).
ويشمل الجهاد في الإسلام، الجهاد من أجل نشر دين الحق، والجهاد من أجل مناصرة المظلوم، وإحقاق الحق.. "وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا".(1) ويقول تعالى أيضا.. "لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"(2). (3)
أما المفكر الإسلامي سيد قطب فهو يوسع من مفهوم الجهاد في الإسلام ويجعله صالحا لكل زمان ومكان، وضد كل قوى الظلم والشر في العالم فهو (دفاع عن الإنسان ذاته ضد جميع العوامل التي تفيد حريته وتعوق تحرره، هذه العوامل التي تتمثل في المعتقدات والتصورات كما تتمثل في الأنظمة السياسية القائمة على الحواجز الاقتصادية والطبقية والعنصرية والتي كانت سائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام والتي ما تزال أشكال منها سائدة في الجاهلية الحاضرة في هذا الزمان). وقد أخذت جماعات إسلامية معاصرة بهذا المفهوم الواسع للجهاد، كالجماعات الإسلامية في فلسطين وحزب الله والجماعات الإسلامية في مصر وجماعة الإخوان المسلمين في سوريا وجماعة طالبان وتنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن وبعض الجماعات الإسلامية في الجزائر، مع تباين شاسع بينها في تحديد أولويات الجهاد بل في تحديد مفهوم الحق والباطل .
لا محاجة أن بلاد المسلمين ترزح تحت نير الاستعمار غير المباشر وتعاني الأمرين من الاستغلال الاقتصادي والسياسي الغربي، ليس هذا فحسب بل أن إسرائيل وقوى سياسية مؤثرة في الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة تعتبر الإسلام خطر يهدد حضارتهم وهذا ما ظهر جليا بعد تفجيرات 11 سبتمبر، ولكن كيف يمكن الرد على هؤلاء الأعداء؟ وما هو موقف الإسلام من المسيحية واليهودية؟ . إن ما يربك المواطن العربي والمسلم ويجعله في حيرة من أمره حيال اتخاذ موقف مع أو ضد عمليات (جهادية) تقوم بها جماعات إسلامية مثل العمليات التي قام بها تنظيم القاعة هو عدم وجود رؤية موحدة أو إجماع عن المسلمين حول هل أن اليهودية والمسيحية ديانات سماوية ومعتنقيها أهل كتاب أم أنهم - خصوصا اليهود - كفرة على المسلمين مقاتلتهم دون هوادة أينما كانوا سواء في ديار الإسلام أو في ديارهم (دار الكفر)؟ .ومما يزيد من حالة الإرباك عند الإنسان المسلم أن عديد من الجماعات التي تصفها الولايات المتحدة بالإرهابية، تقاسمها أنظمة عربية الرأي في هذا الوصف، فالجماعات الإسلامية –الإسلام السياسي - في سوريا وتونس ومصر والجزائر والسعودية والبحرين، تصنف كجماعات إرهابية ...، بل أن بعض علماء الدين المرموقين في العالم العربي – في مصر والسعودية تحديدا - نفوا صفة الجهاد حتى عن العمليات التي يقوم بها فلسطينيون ضد الكيان الصهيوني، واعتبروا مفجري العبوات الناسفة انتحاريين لا استشهاديين ...، فهل تلام الولايات المتحدة إن اعتبرت هذه الجماعات كجماعات إرهابية وتطالب بناء عليه من العالمين العربي والإسلامي مساعدتها بالقضاء عليهم، وتطالب السلطة الفلسطينية بتفكيك حركتي الجهاد وحماس؟.
مما لا شك فيه أن المزاعم الأمريكية والصهيونية حول نعت العمليات الاستشهادية بالإرهاب هي مزاعم لا تقوم على أي أساس أخلاقي أو قانوني أو واقعي فحق الشعوب في مقاومة الاحتلال منصوص عليه في كل المواثيق الدولية والشرائع الدينية، والشعب الخاضع للاحتلال له حرية وصف نضاله بما يتناسب مع عقيدته وأيديولوجيته فإن شاء سماه كفاحا مسلحا أو حرب عصابات أو حرب تحرير شعبية الخ، وإن شاء سماه جهادا أو عمليات جهادية. أما الزعم بان المسلمين يوظفون الدين لأغراض سياسية، فهذا الزعم قد يكون صحيحا في بعض الحالات وهو مرفوض بالنسبة لنا إن أخذ شكل حرب أهلية أو تصارع على السلطة، أما فيما يتعلق بمعارضتهم لتوظيف الدين لمحاربة العدو الصهيوني فهذا مردود عليه، أولا: لأن الكيان الصهيوني كيان استيطاني احتلالي قائم على الإرهاب والغصب ومقاومته واجبة على كل مواطن بغض النظر عن دينه ولونه، ومن المعروف أن مناضلين وقادة أوائل في الثورة الفلسطينية كانوا من المسيحيين – جورج حبش ونايف حواتمه وناجي علوش الخ- . أيضا شارك في القتال إلى جانب الثورة الفلسطينية العديد من المناضلين من مختلف جنسيات العالم وأديانه بل شارك فيها يهودا خلال السبعينيات قاموا بعمليات عسكرية داخل فلسطين وتم اعتقالهم . وثانيا: كيف يقول الغرب وإسرائيل هذا القول وجزء كبير من التأييد الغربي المسيحي لإسرائيل قائم على أساس ديني – الكتاب المقدس عند المسيحيين يشمل العهد القديم وهو التوراة اليهودية والعهد الجديد وهو الإنجيل المسيحي – كما أن الكيان الصهيوني قائم بالأساس على مزاعم ومقولات دينية كمقولة وعد الرب وأرض الميعاد ... و الجماعات الدينية المتطرفة في إسرائيل هي التي تتحكم في سياسة البلاد، هذا ناهيك عن أن دولة الكيان الصهيوني هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح جنسيتها على أساس ديني .
إذن من حق الشعب الفلسطيني أن يقاتل باسم الجهاد أو باسم الشرعية الدولية ومن واجب كل عربي ومسلم مناصرة ومشاركة الفلسطينيين في قتالهم، ولكن هذا لا يمنع من عقلنة الممارسة الجهادية والاستشهادية حتى لا تضر بعدالة القضية وقدسية المبدأ، وحتى لا يكون الجهاد بدون طائل . وعندما نقول بعقلنة المقاومة فهذا لا يعني دعوة للتخلي عنها بل دعوة للبحث عن طرق ووسائل جديدة للمقاومة تأخذ بعين الاعتبار واقع العالم اليوم وواقع النظم والحركات السياسية العربية والإسلامية .فمثلا عندما يرفع المجاهدون راية الجهاد لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، فأن تحرير فلسطيني يعني القضاء على إسرائيل، وإسرائيل دولة يعترف بها المنتظم الدولي بل حتى دول عربية وهي عضو في هيئة الأمم المتحدة ... فكيف يمكن أن نطالب العالم أن يقف إلى جانبنا للقضاء على دولة معترف بها؟ نفس الأمر بالنسبة للعمليات الاستشهادية، فهذه العمليات بالرغم من شرعيتها وكونها ردا على إرهاب صهيوني لا يرحم صغيرا ولا كبيرا من الفلسطينيين، فهي تثير غضب الرأي العام العالمي الذي لا يفهم القيمة التي يمثلها الاستشهاد عند المسلم، وينظر لها باعتبارها عمل إرهابي .
وواقع الحال ما دام الفلسطينيون غير قادرين لوحدهم على القضاء على الكيان الصهيوني ضمن موازين القوى القائمة اليوم وما دامت الأنظمة والحركات السياسية العربية والإسلامية غير معنية بالجهاد في فلسطين – بعضها أرسل المقاتلين والمجاهدين والأموال إلى كابول وكندهار وكشمير وكوسوفو وتتجاهل القدس المحتلة وكأن تلك البلاد النائية أكثر قدسية من القدس – وغير قادرة ولا راغبة بتبني الجهاد في فلسطين، فعلى الفلسطينيين أن يستقطبوا إلى جانبهم الرأي العام الدولي وتأييد دول العالم، وهذا يتطلب وضع برنامج عمل وطني مرحلي يأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصيات، برنامج لا يتخلى عن الحق بالمقاومة ولكن تمارس المقاومة أو الجهاد بمفهوم واسع ضمن إستراتيجية عمل وطني لا كخيار حزبي أو فئوي وأن يتم التفكير بقصر العمليات الاستشهادية على مناطق محددة أو وقفها مؤقتا إن احتاجت المصلحة الوطنية ذلك .
وكأن التاريخ يعيد نفسه، فكما حدث إثر هزيمة 1967 حيث ارتفعت بعض الأصوات مطالبة السير على نفس طريق حرب الشعب في الجزائر وفيتنام باعتباره الطريق الوحيد لاسترداد الحق، ترتفع أصوات اليوم تطالب بالسير على طريق حركات التحرر السابقة وعلى طريق حزب الله في لبنان، متجاهلين الخصوصيات وتحديدا ما بين تجربة حزب الله والمقاومة الفلسطينية. وهكذا احتدم الجدل والنقاش في الأيام الأخيرة حول الدروس الممكن استخلاصها من انسحاب إسرائيل من الجنوب، وللأسف حوٌَل البعض الأمر من نصر بالانسحاب إلى فرصة للهجوم على الفلسطينيين وحركة المقاومة الفلسطينية، واختلاق مقارنة لا محل لها بين الحالتين، وأجدها مناسبة لإثارة موضوع كان من الضروري إثارته وهو كيف يمكن للمثقف أو السياسي أو المواطن الفلسطيني بشكل عام أن يمارس حقه في النقد الذاتي وفي نفس الوقت لا يشوه التاريخ النضالي الفلسطيني ولا يروج لسياسة الإحباط والتيئيس ولا يصاب بعقدة تعذيب الذات؟.
سأستشهد بداية بما قاله الشاعر الكبير محمود درويش في كلمته التي ألقاها في احتفال جامعة بير زيت بالذكرى الأولى لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي،حيث قال:- (ربما لا يصلح المثال اللبناني لأن يحتذي بحذافيره في كل مكان، وربما لن تكون المقارنة بينه وبين طرف آخر، شديد التعقيد، أكثر من وليمة لتعذيب الذات بلا سبب .بيد أن البديهية التي لا تبتذل بمرور الزمن، تعلمنا أن تحرر الإرادة شرط لتحرير الأرض، وأن في أعماق كل شعب طاقة روحية قادرة على ابتكار بلاغتها الوطنية التي تتلاءم مع الظروف الخاص والمحدد، لذلك نصفق للبنان).(1)
مما لا شك فيه وما لا يختلف عليه اثنان أن حزب الله قام بأعمال بطولية ضد العدو، ومنذ سنوات والعالم يتابع أعمال البطولة لحزب الله في جنوب لبنان، متابعة مشحونة بالإعجاب بتضحيات وبطولات شباب يضحون بأنفسهم من اجل الوطن وفي سبيل الله، ولم يكن يخمرنا أدنى شك في صدق الشهادة وعظمة التضحية ونبل الهدف للذين يستشهدون، كنا دوما ننظر إلى هذه الأعمال وعمليات حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين كمؤشرات على أن امتنا ما زالت لم تستسلم وأن هناك شبابا مستعدون للشهادة في سبيل الوطن، لم تكن هناك أذن أي مشكلة حول مبدأ الشهادة وروح النضال، ذلك أن وجود احتلال يستدعي بالضرورة وجود الحق بالمقاومة،هكذا تعترف وتنص كل الشرائع الدينية والوضعية .
إلا أن ما يثير الاستغراب موقف البعض من الذين عملوا مقارنة ما بين حركة المقاومة اللبنانية في الجنوب -حزب الله - وحركة المقاومة الفلسطينية، بعضهم بحسن نية ولكن بالنسبة لآخرين مقارنة غير بريئة أو غير موضوعية حيث لا قياس مع وجود فارق .فهؤلاء لم يروا في الموضوع إلا جانبا واحدا وهو أن حزب الله قاتل بصدق وحق ضد إسرائيل وحقق أهدافه بإجبار إسرائيل على الانسحاب فيما المقاومة الفلسطينية فشلت في تحقيق أهدافها، أو القول إن التجربة في جنوب لبنان يمكن أن تحتذي بحذافيرها.وهذا المنطق يريد أن يقول أيضا إن من يقف وراء حزب الله أوفوا بواجبهم القومي والإسلامي في الصراع ضد إسرائيل ما دامت إسرائيل انسحبت من الجنوب، وبالتالي فهم غير مقصرين، وإن لم يحرر الفلسطينيون بلادهم فالخلل في الفلسطينيين وفي نهجهم العسكري والسياسي.
ولكن هل من العدل والإنصاف أن نعمل مقارنة ما بين الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان وبالتالي مقاومة حزب الله لتحرير الجنوب من جهة والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والمقاومة الفلسطينية لتحرير فلسطين من جهة أخرى؟. وهل من الإنصاف الحديث عن انتصار حزب الله وهزيمة المقاومة الفلسطينية؟ وهل من العدل أن نضع احتلال إسرائيل لجنوب لبنان في مساواة مع احتلال الحركة الصهيونية لفلسطين؟ . وهل القضية هي الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان أم احتلال فلسطين وما احتلال جنوب لبنان إلا جزئية في صراع أشمل وهو الصراع ضد الوجود الصهيوني؟ . وهل الصراع في الشرق الأوسط بدأ مع احتلال الجنوب؟.
من المفيد أن نؤكد أنه لو لم تكن مقاومة مسلحة في الجنوب ما فكرت إسرائيل بالانسحاب من الجنوب على الأقل في ذلك الوقت – مايو 2000- وليس هدفنا التقليل من عظمة حدث التحرير ومرأى جنود العدو وهم ينسحبون لأول مرة من ارض عربية احتلوها بالقوة بعد أن تعودنا على رؤيتهم يحتلون الأرض ويطمحون إلى المزيد، والأمر أيضا ليس تمجيدا لمنظمة التحرير ونهجها التفاوضي –أو اعتبار ما حققه حزب الله بالقوة حققته أو ستحققه السلطة الفلسطينية بالسلم -، ولكن المرام هو وضع الأمور في سياقها الحقيقي، وأن نعطي للأشياء أسماءها ولا نجعل الفروع والجزئيات تخفي جوهر المشكلة، وأن لا يجعلنا الحماس الزائد يغطي على حقيقة أن الشعب الفلسطيني سطر أعظم ملاحم البطولة في العالمين العربي والإسلامي، و مقابر شهدائه المزروعة في أكثر من دولة عربية خير دليل على ذلك وآلاف المعتقلين والأرامل والأيتام وملايين اللاجئين خير دليل على كونه لم يقصر يوما، وعليه لا يحتاج إلى أخذ دروس في النضال من أحد وبطولاته في مخيم جنين وفي نابلس وبقية المناطق الفلسطينية خلال الانتفاضة والاجتياح أعترف بها الصديق والعدو وجعلت كل شعوب الأرض تخرج تأييدا للحق الفلسطيني .

الخاتمة
عود على بدء نقول بأن هناك هجوما إعلاميا نفسيا وسياسيا و هجوما عدوانيا ماديا، يستهدف أساسا نضال الشعب الفلسطيني المشروع لاستعادة حقوقه المشروعة، هجمة تأخذ اسم محاربة الإرهاب، وإن كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها تمكنوا من انتزاع قرار من مجلس الأمن يوم 12/9/2001 خول الولايات المتحدة مسؤولية محاربة الإرهاب، وإن كانت الولايات المتحدة تمكنت من هزيمة حركة طالبان و أضعفت تنظيم القاعدة واحتلت العراق وقضت على نظام صدام حسين، فهذا لا يعني القضاء على ظاهرة الإرهاب نهائيا ما دام سبب وجود الظاهرة أو ما يعتبر كذلك موجودا، وهو العداء للولايات المتحدة والكيان الصهيوني، بل قد يكون العداء ازداد بعد ضرب أفغانستان واحتلال العراق وتراجع إسرائيل عن مسلسل التسوية بمباركة أمريكية. الأمر الذي يتطلب من الولايات المتحدة أن تعيد النظر في سياستها الخارجية تجاه الشعوب العربية والإسلامية وخصوصا بالنسبة للقضية المركزية لهذه الشعوب وهي القضية الفلسطينية، فالدعم الأمريكي غير المشروط للكيان الصهيوني كان سببا رئيسا في كراهية شعوب المنطقة للولايات المتحدة، وهذه الشعوب وعلى رأسها الشعب الفلسطيني لا تطلب الكثير، فمطلبها بسيط وواضح وعادل وهو تطبيق قرارات الشرعية الدولية بما يحقق قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وفي حالة عدم التزام إسرائيل بنهج التسوية السلمية العادلة واستمرار الولايات المتحدة في تحيزها لإسرائيل فلا ضمان أن لا يبرز مجددا العشرات من أمثال أسامة ابن لادن والعشرات من التنظيمات الجهادية ذات التأييد الشعبي كحركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وبقية التنظيمات الفلسطينية المقاتلة.
وإن كانت الولايات المتحدة وجدت تأييدا لا بأس به في حملتها ضد حركة طالبان وتنظيم بن لادن وضد نظام صدام حسين، حتى داخل دول المنطقة العربية والإسلامية، فأن هذا التأييد سيضعف إن لم يتفكك التحالف كليا، في حالة تعميم الولايات المتحدة لتعريفها للإرهاب ليشمل حركات فلسطينية وعربية مناضلة ضد الكيان الصهيوني، وهو الأمر الذي بدأ بالفعل مع إصدار أمريكا لقوائم جديدة لتنظيمات تصفها بالإرهابية، تتضمن حركات مناضلة كحركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وحزب الله، ثم مع المقاومة في العراق تم تصنيف جماعة مقتضى الصدر كجماعة إرهابية
ولكن في المقابل، المطلوب اليوم، فلسطينيا وعربيا وإسلاميا، بلورة إستراتيجية واضحة وصارمة بالنسبة للقضية الفلسطينية، يُحدد فيها الموقف الفلسطيني والعربي مما يجري، ونقل هذا الموقف للعالم، مصحوبا بحملة إعلامية توضح أن التزام العرب بالسلام لا يلغي شرعية الكفاح الفلسطيني ضد إسرائيل، في حالة عدم ألتزم هذه الأخيرة بالسلام . ومن جهة أخرى مطلوب من علماء المسلمين ورجال الفكر و أولى الأمر، الاتفاق على تعريف للجهاد، سواء من حيث، مَن له الحق الشرعي لإعلان الجهاد؟ ومن الذي يجاهد؟ وضد مَن يتم الجهاد؟ وهذا الأمر يضع الكرة في مرمانا وليس في مرمى الخصم .
والخلاصة إن ظاهرة (الإرهاب) تستدعي المزيد من البحث والدراسة لوضع ما يسمى تضليلا بظاهرة الإرهاب الإسلامي في سياقها الصحيح. أن الأمر بحاجة لوضع مقاييس أخلاقية وسياسية وقانونية لتمييز الإرهاب عن كفاح الشعوب من أجل استقلالها. وكذا يحتاج الأمر أن يشمل تعريف الإرهاب حالات العدوان التي تمارسها الدول المهيمنة على الشعوب المستضعفة.والقانون الدولي والمنظمات الدولية بحاجة إلى وضع قواعد قانونية حول هذه الظواهر، بل وإعادة النظر في قواعد الحرب والعدوان كما هي مدونة في القانون الدولي الكلاسيكي حتى تناسب أشكال الحرب والعدوان غير المعلنة التي تمارسها الدول المهيمنة ضد الشعوب المستضعفة.

الفصل الخامس
التنشئة السياسية
Political Socialization
تحتل التنشئة السياسية كموضوع دراسة، مكانة متميزة في حقل اهتمام علم الاجتماع السياسي، نظراً لأنها إحدى موضوعات التقاء الاجتماعي بالسياسي، فالسياسة ليست مجرد أشخاص حاكمين ومحكومين ولكنها أيضا ثقافة سياسية تصهر الحاكمين والمحكومين في بوتقتها، وتنظم علاقة الصراع والتعاون بينهم، فالشأن السياسي هو لركيزة الأساسية للتحليل الوظيفي والنسقي كما بلوره بارسونز وميرتون واستن عندما تحدثوا عن نسق الثقافة جنبا إلى جنب مع نسق الشخصية والنسق الاجتماعي.ولكن الثقافة السياسية لها آليات لاكتسابها وموائل تنهل منها تكمن في المجتمع وتنظيماته وقيمه وعقائده. وعليه فإن التنشئة السياسية هي الآلية التي بمقتضاها يتكون الإنسان السياسي وتتبلور الثقافة السياسية لمجتمع ما.
كما أن التنشئة السياسية تحيل دائما إلى التنشئة الاجتماعية باعتبار هذه الأخيرة إحدى المحددات الرئيسية للتنشئة السياسية، فالإنسان السياسي يصنع ويتشكل اجتماعيا قبل أن يبدأ مهمة ممارسة السياسة، ونوع وطبيعة التنشئة الاجتماعية أولا والسياسية ثانيا التي يتلقاها المواطن هي التي تحدد طبيعة سلوكه السياسي وتحكم نظرته لنفسه وللمحيط الذي يشتغل فيه وعليه.
وأهمية التنشئة السياسية تظهر جلية اليوم في الصراع المحتدم بين النظام السياسي ومؤسسات المجتمع المدني فكل طرف يسعى إلى الهيمنة أو التأثير على قنوات التنشئة السياسية للحفاظ على استقرار النسق السياسي وإضفاء طابع المشروعية على نفوذهم وسلطتهم، فهم يسعون جاهدين للتحكم أو التأثير على قنوات هذه التنشئة بدءا من المدرسة -التعليم الرسمي- وانتهاء بوسائل الإعلام، في مقابل ذلك تسعى القوى الأخرى- وخصوصا في المجتمعات المنقسمة ثقافيا أو سياسيا بشكل حاد - إلى خلق ثقافة سياسية معاكسة، وذلك بمد نفوذها إلى بعض قنوات التنشئة السياسية كالتعليم الخاص أو المؤسسات الدينية -المساجد- أو عن طريق أشرطة الكاسيت - كما حدث إبان الثورة الإسلامية في إيران الخ، ويبرز الأمر بشكل أكثر جلاء في النقاش الحاد حول السيطرة على وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ونصيب قوى المعارضة في استعمالها، نظرا لأهمية وسائل الإعلام في خلق الثقافة السياسية.
فالتنشئة السياسية التي هي حصيلة الإجابة عن التساؤلات التالية: كيف تتشكل الثقافة السياسية في المجتمع؟ وكيف تتبلور ثقافة سياسية متميزة لكل مجتمع؟ وكيف يتكون الإنسان السياسي أو يتبلور سلوك سياسي معين للفرد داخل المجتمع؟ ليست حديثة كظاهرة وإن كانت حديثة كموضوع مستقل من موضوعات علم الاجتماع السياسي.
فقد اهتم المفكرون عبر الزمان بكيفية خلق المواطن السياسي الذي يساهم في الحياة السياسية، واهتموا في هذا السياق بعملية التعليم والتلقين للتراث السياسي من جيل إلى جيل، واعتبروا هذه الوظيفة من صميم وظائف الدولة، فعن طريق التعليم والتلقين للتراث السياسي يحصل انسجام وتجانس بين ثقافة المجتمع ومؤسساته القائمة، ويخلق المواطن الصالح المدرك لحقوقه وواجباته. وإن كانت الثقافة السياسية بمفهومها الحديث ليست هي التعليم وليست هي التربية، فإن هذين العنصرين كانا قديما في مقام التنشئة السياسية ويقوما بوظائفها، إلا أن مفهوم التنشئة السياسية اليوم أصبح يثير كثيرا من التساؤلات العميقة، سواء من حيث علاقتها بالنسق السياسي ككل وهل هي عنصر محافظ على النسق أم هي عنصر تهديد له؟ كما تثار تساؤلات حول علاقة التنشئة السياسية بكل من الثقافة السياسية والديمقراطية والتعبئة السياسية، كما أن الحديث عن التنشئة السياسية يستدعي بحكم الضرورة الحديث عن قنوات التنشئة السياسية ووظائفها في المجتمعات الحديثة.
وعليه، فسوف نتناول في مبحث أول الجانب النظري والمفاهيمي حيث سنعرف التنشئة السياسية وعلاقتها بمفهومات أخرى قريبة لها أو متداخلة معها خصوصا الثقافة السياسية، وفي مبحث ثان سنحلل قنوات التنشئة السياسية ووظيفتها في المجتمع.

المبحث الأول
الجانب النظري والمفاهيمي
المطلب الأول: التعريف والخصائص
التنشئة السياسية هي جزء من عملية كبرى يتعرض لها الإنسان في حياته منذ الطفولة حتى الشيخوخة، وهي التنشئة الاجتماعية، ونلاحظ هنا أن علماء الاجتماع وعلماء النفس كانوا سباقين إلى لفت الانتباه لعملية التنشئة التي يتعرض لها الإنسان، الأولون اهتموا بالوسط الاجتماعي كمحدد أساسي في اكتساب الثقافة الاجتماعية وتعليم أنماط السلوك والقيم الاجتماعية، والآخرون ركزوا على نسق الشخصية باعتبارها محددا رئيسيا في اكتساب أو رفض ثقافة المجتمع وقيمه، وما يعنينا هن هو الجانب الأول أي التنشئة الاجتماعية، حيث أن تعريفها والتعرف على محدداتها سيساعدنا على تلمس خطانا في مقاربة التنشئة السياسية باعتبار هذه الأخيرة جزء من كل، وبالنظر أيضا إلى أن الظاهرة السياسية هي بالأساس ظاهرة اجتماعية، فالسياسي يحيل دائما إلى الاجتماعي، والإنسان السياسي هو أولا إنسان اجتماعي.
أولا: التنشئة الاجتماعية
التنشئة الاجتماعية في أبسط معانيها هي كيف يتكون الإنسان الاجتماعي، أو بصورة أخرى كيف يكتسب الإنسان خصائص وثقافة المجتمع الذي ينتمي إليه بحيث تصبح له هوية هذا المجتمع وثقافته فينسب إليه لا لغيرة، ويندمج فيه ويتمايز عن غيره من أفراد المجتمعات الأخرى؟ وعرف روشيه Guy Rochih التنشئة الاجتماعية بكونها: "السيرورة التي يكتسب الشخص الإنساني عن طريقها ويستبطن طوال حياته العناصر الاجتماعية - الثقافية السائدة في محيطه ويدخلها في بناء شخصيته، وذلك بتأثير من التجارب والعوامل الاجتماعية ذات الدلالة والمعنى، ومن هنا يستطيع أن يتكيف مع البيئة الاجتماعية حيث ينبغي عليه أن يعيش".(1)
ويرى روشيه أن التنشئة الاجتماعية تتميز بثلاثة خصائص أساسية هي:
1- اكتساب الثقافة:
وهذه هي الخاصية الأساسية والهدف الأول لأي تنشئة اجتماعية، فالتنشئة هنا تعني اكتساب كل ما يعطي للثقافة مدلولها المتميز من معارف وقيم ورموز وأنماط سلوك وتفكير، فانتماء الشخص لجماعة ما يحدد انطلاقا من اكتسابه لهذه العناصر المشكلة لثقافة الجماعة، ونجاح أو عدم نجاح أية تنشئة اجتماعية يتحدد في قدرتها على غرز هذه القيم والسلوك في شخصية الفرد.
ويكتسب الشخص هذه الثقافة منذ صغره، فالسنوات الأولى من عمره تلعب دورا مركزيا في غرس هذه القيم لديه، وتظهر التنشئة في هذه المرحلة متجسدة في اللغة واللباس وقواعد السلوك والقيم الدينية والأخلاقية، وهنا تلعب الأسرة والمدرسة دورا في هذا المرحلة. وكلما شب الإنسان اكتسب أنماطا جديدة من السلوك والقيم وكلما كانت عملية التنشئة أكثر تعقيدا، حيث يبدأ العقل في طرح التساؤلات والشكوك حول الثقافة السائدة وحدود الالتزام بها، كما أن اختلاطه وإطلاعه على ثقافات أخرى عبر وسائل الإعلام أو عبر السفر أو الهجرة يضعه أمام تحديات جديدة.
2- تكامل الثقافة في الشخصية:
لا يكفي أن يكتسب الشخص ثقافة المجتمع بل عليه أن يتمثل تمثلا كاملا لهذه الثقافة، فتتماهى شخصيته مع ثقافة المجتمع، أي (تصبح عناصر المجتمع والثقافة جزءا متمما في بناء الشخصية النفسية).(1) لاشك أن هذا الاندماج يختلف من شخص إلى أخر، ويصعب قياس ذلك الجزء من النسق الاجتماعي الذي اندمج في الشخصية، وهذا يعود إلى عوامل نفسية خاصة بالشخص وإلى عوامل عرقية أو طائفية أو سياسية، أيضا إلى مستوى تعليمه، وإلى نوع الثقافة السائدة في المجتمع، ولكن المهم أن يتحدد سلوك الفرد وتفكيره انطلاقا من ثقافة المجتمع، ويصبح الالتزام بهذه الثقافة واجبا أخلاقيا وفعلا وجدانيا.(2)
3- التكيف مع البيئة الاجتماعية:
يؤدي اكتساب الثقافة ثم اندماجها في الشخصية إلى نتيجة أساسية وهي تكيف الشخص مع بيئته الاجتماعية، وإذا تحقق التكيف نقول إن التنشئة الاجتماعية قد حققت أهدافها أو اكتملت حلقاتها.
ويعني التكيف أن الشخص يشعر بانتماء حقيقي للجماعة وأن بينه وبينها قواسم مشتركة، وانه لا يشعر بالاغتراب عنها، فيشاركهم في عواطفهم ويقاسمهم في آمالهم وأذواقهم وحاجاتهم، أو بشكل أخر: "أن هذا الشخص قد استبطن نماذج وسطه الاجتماعي وقيمه ورموزه بقدر كاف لدرجة أنه قد دمجها دمجا في بناء شخصيته، حتى يتصل ويشارك بسهولة أكبر مع أعضاء الجماعات التي يشترك معها، وحتى يعمل معهم وفي وسطهم، بحيث إننا نستطيع أن نقول عن هذا الشخص إنه ينتمي إلى هذه الجماعات".(1)
وبصورة عامة يمكن القول إن عملية التنشئة تهدف إلى تكيف الأفراد مع البنية المعيارية للمجتمع إلا أن درجة التكيف ترتبط بعنصري الاكتساب والتكامل، والعناصر الثلاثة تتباين في درجاتها، حسب نوع وحجم القواسم المشتركة بين أفراد الجماعة، حيث أنه كلما قلت عناصر التمايز العرقي أو الطائفي أو الطبقي الحاد، كلما كانت هذه العناصر، وتحديدا عنصر التكيف، أكثر نضجا، أما تمايز المجتمع على الأسس السابقة، وبشكل حاد يؤدي إلى تمايز الثقافات السائدة في المجتمع، ويصبح الحديث حول تنشئات اجتماعية متعارضة داخل المجتمع الواحد، وليس تنشئة اجتماعية واحدة.
كان من الضروري التمهيد بالحديث عن التنشئة الاجتماعية قبل الحديث عن التنشئة السياسية، لان العناصر الثلاثة التي أبرزناها في التنشئة الاجتماعية ستفيدنا كثيرا في مقاربة موضوعنا، لان النسق السياسي الذي حوله يدور الحديث عن التنشئة السياسية هو جزء من النسق الاجتماعي العام.
ثانيا: التنشئة السياسية
حتى الخمسينات لم يتبلور تعريف محدد للتنشئة السياسية، وكان هذا المجال حكرا على المربين والفلاسفة، وكان يتداخل مع مفهومي التعليم والتربية، واهتم به فيما بعد علماء الاجتماع وعلماء النفس، من خلال دراسات علماء الاجتماع حول الاغتراب السياسي، ودراسة علماء النفس الأمريكيين لقياس هروب الشباب من عالم السياسية، وفيما بعد اهتم علماء التحليل الوظيفي بالتنشئة السياسية كإحدى العناصر الأساسية في حفاظ النسق السياسي على توازنه، إلا أن أول وأهم دراسة جادة حول الموضوع هي التي قام بها هربرت هايمان Herbert Hyman عام 1959.
أكد هايمان على أن الاهتمام بالتنشئة السياسية قد جاء مصاحبا للدراسات المتعلقة بالسلوك السياسي -وهذا ما و وضحه في عنوان دراسته المشار إليها- حيث أصبحت دراسة الانتظام في السلوك السياسي والفروق بين الجماعات في هذا الصدد، ميدانا أساسيا للبحث الاجتماعي. أما تعريفه للتنشئة السياسية فهو: "تعلم الفرد لأنماط سلوكية- اجتماعية تساعده على أن يتعايش مع الأعضاء الآخرين في المجتمع وذلك عن طريق مختلف مؤسسات المجتمع مما يساعد هذا الفرد على أن يتعايش سلوكيا مع هذا المجتمع".(1)
وتوالت الدراسات وخصوصا الامبريقية التي تركز على السلوك السياسي للأفراد، وفهم توجهاتهم السياسية،(2) وتعددت بالتالي التعريفات التي أعطيت للتنشئة السياسية، فيعرفها جبريل الموند وبويل Powell بأنها: " اكتساب المواطن للاتجاهات والقيم المختلفة المتوقعة منه". ويربط الموند تعريفه للتنشئة بالوظيفة التي تؤديها خدمة للنسق السياسي وكأداة لترسيخ قيم ومواقف لدى الأفراد تدعم النسق السياسي للتكيف مع بيئته، ويقول في ذلك: التنشئة السياسية هي عملية استقرار الثقافة السياسية، ومحصلتها النهائية هي مجموعة من الاتجاهات والمعارف والقيم والمستويات والمشاعر نحو النظام السياسي وأدواره المختلفة".(3)
أما روبرت ليفين R. Leivnea فعرفها بأنها: "اكتساب الفرد لاستعدادات سلوكية تتفق واستمرارية قيام الجماعات والنظم السياسية بأداء الوظائف الضرورية للحفاظ على وجود الجماعات والنظم". ويعرفها كينت لانتغون بأنها: "تلك الطريقة التي ينقل بها المجتمع ثقافته السياسية من جيل إلى جيل، أو تلك العملية التي يتعلم الفرد من خلالها المواقف الاتجاهية والأنماط السلوكية الوثيقة الصلة بالحياة السياسية".(1)
ونشير أخيرا إلى التعريف الذي أعطاه كل من جرين شتاين وسيدني في مؤلف لهما حول التوجيه السياسي والثقافة السياسية عند الشباب الفرنسيين، فعرفاها بأنها: "التلقين الرسمي وغير الرسمي المخطط وغير المخطط للمعارف والقيم والسلوكيات السياسية وخصائص الشخصية ذات الدلالة السياسية وذلك في كل مرحلة من مراحل الحياة عن طريق المؤسسات المختلفة في المجتمع".(2)
لاشك أن كل هذه التعريفات هي تعريفات إجرائية أو صياغات عقلية لظاهرة عيانية موجودة في كل المجتمعات، وتعدد وتنوع التعريفات يعكس أبعادا أيديولوجية وثقافية لدى المعَرفِّين ويعبر عن تنوع أشكال التنشئة عبر المجتمعات، فهناك فرق بين اعتبار التنشئة تعليم أو تلقين واعتبارها اكتساب، فالمعنى الأول يتضمن الجبر والإكراه بينما المعنى الثاني يتضمن الحرية في الاختيار، وهو إن كان يتضمن التلقين الجبري فإنه لا ينفي أشكال أخرى من اكتساب الثقافة السياسية، وهذا الجانب ألقسري الذي تمارسه التنشئة هو الذي أشار إليه دوركهايم الذي يرى أن التنشئة هي عملية سلطوية تمكن المجتمع من الاستمرارية وتقوي التجانس بنقل القواعد التي تحكم المجتمع إلى الفرد.
أيضا تتباين هذه التعريفات حسب الوظيفة التي تؤديها للنسق السياسي، فالبعض يعرفها بالشكل الذي تصبح فيه مجرد أداة للحفاظ على النسق السياسي القائم وذلك بتلقين وتعليم الفرد التوجهات والقيم السياسية النابعة من الثقافة السياسية السائدة في المجتمع والداعمة لنسقه السياسي، بينما يعطيها البعض تعريفا محايدا بحيث تصبح أداة في خدمة التنمية السياسية المفتوحة على كل التوجهات والاحتمالات.
وفي هذا السياق فإن تعريف التنشئة بأنها تلقين الأفراد قيم وثقافة المجتمع السياسية، قد يتضمن حكما، توجها محافظا بل متناقضا مع منطق التطور والتغير، وفي واقع الأمر لا توجد تنشئة سياسية تعمل على إعادة إنتاج الثقافة السياسية دون تغيير أو تبديل، ولا يوجد أيضا جيل يقبل ثقافيا وسياسيا أن تكون ثقافته نسخة طبق الأصل للثقافة السياسية للأجيال السابقة.
وبصورة عامة يمكن القول إن الخصائص العامة للتنشئة الاجتماعية -المشار إليها سابقاً- متضمنة في التنشئة السياسية، فهذه الأخيرة تعمل على أن يكتسب الإنسان الثقافة السياسية لمجتمعه، واكتساب الثقافة السياسية يعني اكتساب غالبية قيم ورموز وتوجهات الحياة السياسية العامة السائدة في بلده، وعملية الاكتساب هي عملية متواصلة تدريجية تبدأ منذ الطفولة وتستمر حتى الشيخوخة.
أما الخاصية الثانية، فهي تكامل الثقافة السياسية في الشخصية بحيث يتحدد السلوك السياسي للفرد انطلاقا من الثقافة السياسية لمجتمعه، فمجتمع ديمقراطي يفترض أن تؤدى التنشئة السياسية فيه إلى خلق مواطن يؤمن بحرية الرأي والعقيدة وبالتعددية السياسية وبشكل عام خلق إنسان ديمقراطي.
والخاصية الثالثة، أن تمكن التنشئة السياسية الفرد من التكيف مع النسق السياسي، بمعنى أن الفرد يشعر بانتماء حقيقي للنسق السياسي كمشارك أو مؤيد وحتى كمعارض ولكن ضمن ثوابت النسق، وأنه لا يشعر بالاغتراب السياسي تجاه الثقافة السياسية السائدة في مجتمعه. إن التنشئة السياسية الناجحة تكسب الفرد حمولة ثقافية وفكرية وممارسات، تكون هي المحدد الشرطي أو الضروري لتصرفاته وأفعاله وردود هذه الأفعال في مجال العمل السياسي فيما يتعلق بالمشاركة السياسية أو اللامبالاة السياسية، بالتأييد أو الرفض للنظام السياسي القائم الخ.
ويمكن القول إن التنشئة السياسية تبدأ أولا ضمن إطارها الاجتماعي الأشمل ذلك فالطفل يبدأ بتلقين واكتساب القيم والمفاهيم السياسية في البيت والمدرسة ويلعب نمط تربيته في البيت -صارمة أو معتدلة، تقوم على الحوار مع الوالدين أو على علاقة تسلطية- دورا في تحديد التوجهات السياسية التي يكتسبها في الكبر. بالإضافة إلى ذلك فأن التنشئة السياسية تتماهى مع التنشئة الاجتماعية في المجتمعات التي لم تتبلور فيها الحياة السياسية، من مؤسسات وسلوكيات بشكل متميز، الأمر الذي يجعل المؤسسات الاجتماعية التقليدية كالأسرة والقبيلة والطائفة تلعب الدور الرئيسي في التنشئة السياسية، وكلما تبلور النسق السياسي وتمايزت وظائفه وكلما برزت المؤسسات الوطنية، كلما أدى ذلك لفقدان المؤسسات التقليدية لدورها في التنشئة السياسية لصالح هذه المؤسسات السياسية، وخصوصا منها وسائل الإعلام.
ومع ذلك تبقى العلاقة بين التنشئتين الاجتماعية والسياسية علاقة انسجام واندماج وخصوصا في المجتمعات المستقرة، حيث يكون النظام السياسي مرتبطا بالنسق الاجتماعي ككل، منبثقا منه ومتجها إليه، فالديمقراطية تسمح بالتغذية المتواصلة بين الجانبين فكل منهما ينتج من الآخر، ولكن قد تحدث قطيعة أو تعارض بين التنشيئتين السياسية والاجتماعية، إذا مر المجتمع في مرحلة ثورة سياسية أو اجتماعية شاملة، ففي هذه الحالة يعبئ النظام السياسي الجديد جهوده لمقاومة ومعارضة الثقافة السياسية السائدة وتغيير مرتكزات التنشئة الاجتماعية والسياسية السابقة جذريا.
المطلب الثاني: الثقافة السياسية والتنشئة السياسية
ترتبط الثقافة بالتنشئة ارتباطا عضويا، فالأولى هي المحيط العام أو النسق الذي تتفاعل فيه التنشئة وتستمد منها مضمونها الاجتماعي والسياسي وسيكون من المفيد أن نتحدث عن الثقافة بوجه عام ثم الثقافة السياسية تحديدا حتى تصبح مقاربتنا للتنشئة أكثر وضوحا.
تباينت وتعددت التعريفات التي أعطيت للثقافة، كما تداخل أحيانا مفهوم الثقافة مع مفهوم الحضارة، إلا أننا سنعتمد التعريف الذي قال به الانتربولوجي الإنجليزي تايلور TYLOR والذي يعتمده الكثيرون اليوم، فعرف الثقافة بالقول: "الثقافة بمعناها الاثنوغرافي الواسع، هي ذلك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع".(1)
فالثقافة انطلاقا من هذا التعريف هي مجموع من العناصر -فن قانون، عادات، سياسة الخ -له علاقة بطرق التفكير والشعور والسلوك، وتكتسبها الجماعة وتتعلمها وتشارك فيها، وتعطي للأشخاص شخصيتهم المتميزة. ويمكننا أن نستنتج من هذا التعريف عدة خصائص للثقافة، فهي أولا: طرق في التفكير والشعور والسلوك أي أنها تتصل بكل النشاط الإنساني الحسي وغير الحسي. وثانيا: أن هذه الطرق من التفكير والشعور والسلوك مصاغة ومحددة في النظم القانونية والشعائر والطقوس الخاصة بالجماعة، وكذا بقواعد السلوك والمعارف والعلوم والدين الخ. ثالثا: إن هذه الطرق في التفكير والشعور والسلوك مشتركة بين مجموعة من الأشخاص أو بشكل أخر أن مجموعة من الأشخاص يحددون بالانتماء إلى مجموعة واحدة من خلال اشتراكهم ‏في هذه الطرق. ولكن يمكن أن يكون هناك داخل جماعة كبرى تشترك بهذه الخصائص، جماعات فرعية لها خصائص أكثر تمايزا عن الخصائص العامة، وهذه تشكل ثقافات فرعية. رابعا: إن الثقافة لا تنتقل بالوارثة ولكنها تكتسب اكتسابا عن طرق التعليم والتلقين والمعايشة (إنها نتيجة عدد من أنماط أو آليات التعليم).(1)
أما الثقافة السياسية فهي جزء من الثقافة بمفهومها العام، إنها طرق التفكير والشعور والسلوك السياسي الخاص بجماعة ما، وعليه يمكن القول إن خصائصها هي نفسها خصائص الثقافة -المشار إليها أعلاه- مطبقة على مستوى السياسة، فهي ثقافة فرعية تتأثر بالثقافة الأشمل، فهذه الأخيرة تؤثر بشكل كبير على ثقافة المجتمع السياسية، وتكتسب مقوماتها ويتحدد طابعها من خلال الثقافة العامة للمجتمع(2) فالشخص العادي أو رجل السياسة لا يمكنه أن يحمل قيما سياسية أو يمارس سلوكا سياسيا متناقضا مع ثقافة المجتمع وألا سيعتبر شاذا عن المجتمع ومغتربا عنه إن لم يتهم بأنه يمثل رأس حربه لغزو ثقافي ولأفكار دخيلة.
هذا التصور لعلاقة الثقافة السياسية بالثقافة العامة للمجتمع تتماشى مع منهج علم الاجتماع السياسي الذي يحيل السياسة إلى موائلها الاجتماعية بما فيها نسق الثقافة، وقد كانت الماركسية سباقة إلى لفت الانتباه إلى علاقة الأفكار والعواطف والمواقف السياسية -وهو ما سمتها بالبنية الفوقية- بالبنية التحتية معتبرة الأولى كنتاج للعلاقات الإنتاجية والبناء الاقتصادي، نفس الأمر نجده عند ماكس فيبر الذي ربط بين النظام الرأسمالي الاقتصادي والسياسي والعقيدة البروتستانتية.(1)
أعطيت للثقافة السياسية عدة تعاريف فاعتبرها روي ماكريدس Roy Macridis أنها تمثل الأهداف المشتركة والقواعد العامة المقبولة، أما روبيرت داهل Robert Dahl فالثقافة السياسية بالنسبة له هي العامل الذي يفسر أنماط التعارض السياسي، وعناصرها هي:
أولاً: التوجهات الخاصة بحل المشكلات، وهذه التوجهات قد تنحو نحو النزعة البراجماتية -النفعية- أو العقلانية.
ثانياً: التوجهات نحو السلوك الجمعي: ويقصد بذلك هل هي ثقافة تشمل التعاون والاندماج بين أفراد المجتمع أم هي تناحرية انشقاقية.
ثالثاً: التوجهات نحو النسق السياسي: أي هل تكرس الولاء له أم تقف منه موقف اللامبالاة.
رابعاً: التوجهات نحو الأشخاص الآخرين: فهل تغلب عليها الثقة أم تخلو من الثقة.(2)
إلا أن أهم مقاربة علمية للثقافة السياسية هي تلك التي قام بها كل من الموند (Almond) وفيربا (Verba)، وهي دارسة استغرقت حوالي خمس سنوات 1958-1963 وتركزت على خمس بلدان هي الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا والمكسيك، فانطلقا أولا من أن الثقافة تحتوي على ثلاثة أبعاد: جانب معرفي وجانب عاطفي وجانب تقييمي، الأول يتكون من المعارف العامة حول النظام السياسي، والثاني يتعلق بالولاء الشخصي للزعماء والمؤسسات السياسية، والثالث يتضمن الأحكام القيمية حول الشأن السياسي. وانطلاقا من هذا التعريف وضعا ثلاثة أنماط للثقافة السياسية: فهناك الثقافة السياسية الرعوية وهي ثقافة تستوعب الثقافات المحلية القائمة على علاقات القرابة والعرف والدين، فهي ثقافة ما قبل الثقافة السياسية الخاصة بالدول أو بالمجتمع الوطني، وينتشر هذا النوع من الثقافة في بلدان العالم الثالث التي تلعب فيه العلاقات القرابية والعشائرية والطائفية دورا في تحديد الولاءات والانتماءات السياسية. والنوع الثاني هو ثقافة الخضوع، والثالث ثقافة المشاركة، وهذان النوعان يسودان في المجتمعات الأكثر تطورا التي وصلت إلى مرحلة الدولة الوطنية أو دولة المؤسسات، هذان النوعان من الثقافة يبلوران توجها من المواطنين تجاه النظام السياسي بكامله فالعواطف والولاءات والمشاركة لا تتجه نحو أنظمة فرعية أو ثانوية -كالعشيرة أو الطائفة- بل نحو النظام ككل.
ويرى الموند وفيربا: "إن كل نمط من هذه الأنماط الثلاثة يتوافق مع بنية سياسية خاصة به، فالثقافة الرعوية ترتبط ببنية تقليدية غير مركزية إلى حد كبير، أما ثقافة الخضوع فتتعلق ببنية سلطوية وممركزة، في حين تتعلق ثقافة المشاركة ببنية ديمقراطية... ويخلصان إلى القول بأن التطابق بين الثقافة السياسية والبنية السياسية ضروري لتأمين استقرار النظام".(1)
بالعودة إلى موضوع التنشئة السياسية، يمكن القول إن كل نمط من الأنماط الثلاثة للثقافة المشار إليها يبلور لنفسه نوعا خاصا من التنشئة السياسية، يدعم توجهاته ويحافظ على وجوده ويعزز لدى الأفراد القيم والتوجهات المتوافقة مع بنيته الثقافية ومرتكزاته الأساسية التي يعتمد عليها. وأحيانا تتعايش هذه الأنماط الثلاثة في مجتمع واحد مما يفسح المجال للحديث عن (تنشئات) سياسية وليس تنشئة واحدة، وهذا يظهر بوضوح في المجتمعات التي تكافح للتحرر من الثقافة الرعوية وثقافة الخضوع والتحول إلى ثقافة المشاركة.
وحيث أن كل ثقافة تسعى إلى أن تكون مقبولة من جميع أفراد المجتمع، أي خلق توافق اجتماعي سياسي، فإنها مطالبة بالاهتمام بالتنشئة السياسية التي تسمح للأفراد باستبطان واكتساب معاييرها وقيمها والقبول بلعب دور في مؤسساتها، وهذه العملية التي تربط أفراد المجتمع بالثقافة السياسية يطلق عليها موريس دفرجية اسم (التثقيف) أو التثاقف بمعنى التنشئة السياسية.

المبحث الثاني
قنوات أو وسائل التنشئة السياسية
وعلاقتها بالنسق السياسي
كيف تحدث عملية التثاقف السياسية أو اكتساب وتعلم أفراد المجتمع لثقافة المجتمع السياسية؟ هذه الوسائل متعددة وإن كان يمكن تحديدها عددا فيصعب ترتيبها من حيث الأهمية، ذلك أن نوع الثقافة السياسة في كل مجتمع ودرجة النضج المؤسساتي وطبيعة النظام السياسي كل ذلك يلعب دورا في تحديد أي من الوسائل أنجع في القيام بمهمة التنشئة السياسية، فبينما نجد وسائل الإعلام تلعب دورا مركزيا في الدول الديمقراطية، نجد المؤسسات الدينية والأسرة في المجتمعات التقليدية أخرى أكثر أهمية من وسائل الإعلام. ولاعتبارات منهجية فقط سنقسم الموضوع إلى قسمين نتحدث في الأول عن التنشئة السياسية عبر المؤسسات غير المباشرة وفي القسم الثاني عبر المؤسسات المباشرة.
المطلب الأول: التنشئة السياسية غير المباشرة
ونسميها غير مباشرة أو خفية الوظيفة السياسية، لأنها لا تعلن مباشرة، أو تضع كهدف رئيسي لها، النشاط السياسي، فوظيفتها المعلنة والأساسية هي وظيفة اجتماعية، إلا أنها بطريقة غير مباشرة تتحول إلى مؤسسات ذات وظائف سي وسياسية، وهذه المؤسسات هي الأسرة والمؤسسات التعليمية، والرفاق والزملاء.
أولا: الأسرة كقناة أولى لكل تنشئة اجتماعية سياسية
تعد الأسرة الخلية الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الطفل، وفيها يبدأ اتصاله بالعالم المحيط به، ويبلور لنفسه تصورات وينمي أحاسيس يكون للأسرة الدور الأكبر في تشكلها، حيث يتطبع الفرد بطباع من هو في رعايتهم، وغالبا ما يسعى أفراد الأسرة إلى نقل الثقافة التي تلقوها هم أنفسهم عن أهلهم إلى أبنائهم منذ الصغر، وتلعب الأم الدور الأول في ذلك خصوصا على مستوى القيم والعادات ثم يأتي دور الأب ليِؤثر على الطفل في مستويات أخرى بما فيها التنشئة السياسية.
ويرى علماء النفس الاجتماعي أن السنوات الست الأولى من حياة الطفل -وهي التي يقضيها غالبا في حضن أسرته قبل الانتقال إلى المدرسة -تلعب دورا كبيرا في تشكل نفسيته وغرز القيم والتوجهات الثقافية الرئيسية في عقله، وهي قيم وتوجهات تبقى راسخة في عقل الطفل وفي اللاشعور حتى عندما يكبر- -ففي داخل كل رجل طفل- حيث أن ما يصدر عن الرجل من مواقف سياسية تكون أحيانا انعكاسا شبه مباشر لرواسب ماضوية.
وقد أشار موريس دفرجيه إلى أثر "نظرية الحرمان" والتي اعتمدها علماء التحليل النفسي لتحليل الصراعات السياسية حيث يرى أنه يمكن أن ينشأ العدوان والعنف والتسلط والاستبداد كتعويض للحرمان الذي عرفه الرجل السياسي في طفولته، فهناك مجموعة من التصرفات السياسية يتميز بها خاصة أفراد غير واثقين من أنفسهم، أفراد لم يستطيعوا يوما أن يكونوا شخصيتهم الخاصة بهم ويحققوا لها الاستقرار، وهكذا يتخذون استقرار النظام الاجتماعي أساسا لاستقرار شخصيتهم نفسيا، فهم بذلك يدافعون عن توازنهم النفسي.
وهكذا فإن الطفولة التي يقضيها الفرد في أسرته يكون لها انعكاس على شخصيته المستقبلية وتصرفاته السياسية، فلا يستطيع أن ينسلخ عن ما تلقاه من قيم واتجاهات من طرف أفراد أسرته، بل يوظفها ويقارنها بمصادر أخرى، فالظاهرات النفسية والتي تبرز أمزجة سياسية مختلفة -ديمقراطية، دكتاتورية، تسلطية- ناشئة عن بنى اجتماعية تتعلق أساسا بعلاقة الآباء بالأبناء، ففي المجتمع العربي مثلا تتكون شخصية الفرد أساسا في العائلة تم تأتي بقية المؤسسات الأخرى كمتممة للتنشئة الأسرية، ونظرا لأن العائلة التقليدية العربية تشدد في تربيتها على العقاب الجسدي والترهيب والترغيب أكثر مما تشدد على الإقناع "فإنه ينشأ عن ذلك نزعة نحو الفردية والأنانية والتأكيد الدائم على الأنا. أكثر من التأكيد على "النحن""(1) وعليه عندما يكبر الطفل يبقى في سلوكه السياسي سلطويا لا يؤمن بالحوار والنقاش.
ويحلل هشام شرابي هذه العلاقة بين الطفل والأسرة وانعكاسها على شخصية الطفل عند الكبر، فيرى أن التأثير الكبير الذي تمارسه الأسرة العربية على الطفل، تجعله عند الكبر يرى في الأسرة كل شيء حتى أنها سابقة في الأهمية على الدولة والمجتمع، مما يضاعف شعوره بالانتماء للمجتمع والإحساس بالواجب تجاهه لصالح الإحساس بالانتماء للأسرة أو القبيلة والإحساس بالواجب تجاهها.(2)
أيضا يظهر تأثير العائلة العربية على التنشئة السياسية للطفل من خلال الأمثال الشعبية التي يتلقاها الطفل عن والديه، كمطالبته بعدم التدخل في السياسة والتسليم بالأمر الواقع انطلاقا من أمثال كالقول: "أبعد عن الشر وغني له" أو "العين لا تقاوم المخرز" أو "إلي يتطلع لفوق تنكسر رقبته"، "هذا ما أعطى الله" أو (أطيعوا الله ورسوله وأولي الأمر منكم) دون تدقيق بالمعنى الحقيقي لهذه الآية الخ، فيشب الطفل وهو مؤمن بهذه الأفكار المتضمنة بهذه الأحكام، ويبقى لديه اعتقاد بأن ما هو موجود أمر طبيعي وقضاء وقدر أي أنه لا قدرة له ولا حق في تغيير هذا الواقع، على أنه عندما يكبر وينضج يبدأ الصراع بين ما تلقاه في البيت وهو طفل وبين المعرفة التي يكتسبها من المحيط الاجتماعي والسياسي الأوسع.
ونخلص إلى القول إن التنشئة الأولى للطفل في نطاق الأسرة تلعب دورا مهما في غرز قيم وأحاسيس نفسية وأخلاقية تلعب فيما بعد دورا في تحديد سلوكه السياسي، بل يمكن القول أن نتيجة التنشئة السياسية في آخر المطاف تعتمد على مدى التوافق بين ما يتلقنه الطفل في المنزل وبين ما يراه أو يسمعه بواسطة وسائل التنشئة الأخرى.
ثانيا: المؤسسات التعليمية
يشب الطفل ويبلغ السادسة وهو يحمل بذور وعي سياسي لا يظهر سلوكيا بقدر ما يستبطن سيكولوجيا، وتأتي المدرسة كمرحلة تالية ليدخل الطفل من خلالها عالما آخر، عالم الكتابة والقراءة، والتلقين الممنهج للمعلومات الثقافية والسياسية، فمن خلال المؤسسات التعليمية يوعى الطفل ويطلع على الأحداث السياسية الداخلية والخارجية، ويبدأ في فهم السياسة كشيء متجسد في أشخاص ورموز ومؤسسات، وتعمل المدرسة على تلقينه أحكام قيمة إيجابية أو سلبية حول الشأن السياسي.
ونظراً لأهمية المدرسة في التنشئة الاجتماعية بشكل عام والسياسية خصوصا، فقد لجأت كل دول العالم إلى جعل التعليم - وخصوصا في مراحله الأولى رسميا، وليس هذا خدمة للمواطنين فقط ولكن أيضا رغبة من الدولة في التحكم في مناهج التعليم وفي المعرفة التي ستلقى للتلاميذ، ليضمن النظام السياسي أن المدرسة لن يقتصر دورها على التأطير وتلقين معرفة، بل ستعمل على إعادة إنتاج المجتمع، وتدعيم النظام الاجتماعي/ السياسي القائم، بشرعنة مسلماته ومرتكزاته الأساسية.(1)
المهم أنه خلال البرامج التعليمية المقررة يتمكن الطالب من الإطلاع على عدد من المعلومات السياسية المتعلقة بالدولة ورئيسها وتشكيلاتها السياسية، أنظمتها ودساتيرها، والإطلاع على الثقافة السياسية بوجه عام في الداخل وفي الخارج، وترتبط التنشئة السياسية في المدرسة بالسلوك السياسي ليس فقط على مستوى التلقين بل إنه في مرحلة الشباب وخصوصا المرحلة الجامعية تنعكس التنشئة السياسية مباشرة على السلوك السياسي -إيجابا أو سلبا- حيث تكون فئة من الطلاب- وخصوصا في الجامعات - محملة بتراكم معرفي حصيلة ما سمعته وقرأته في المؤسسات التعليمية وخارجها، وتبدأ بممارسة نضال سياسي هادفة إلى تمرير خطاب سياسي خاص بها، كالمطالبة بإصلاح النظام الجامعي، أو منح أكثر للطلبة، وأحيانا تتجاوز هذه المطالب لتمس السياسة العامة للدولة، كالمطالبة بالديمقراطية أو التعبير عن مساندتها لقضية مختلف بشأنها، ونظرا لأهمية قطاع الطلاب، فقد تلجأ الأحزاب السياسية إلى استقطاب الطلبة لصفها واستعمالهم كأدوات نضالية للتأثير على منافسيهم أو على النظام السياسي، نظرا لما يتمتع به الشباب من روح حماسية اندفاعية.
وبشكل عام تؤثر المدرسة في عملية التنشئة السياسية بطريقين: رسمي وغير رسمي، فالطريق الرسمي يتعلق بالبرامج المقررة والمناهج والتوجهات الصادرة عن المدرسين، أما الطريق غير الرسمي، فهو كل نشاط مدرسي خارج أطار المقررات والكتب الرسمية، كالندوات والحلقات الدراسية، والتبادل الثقافي المدرسي أو الجامعي والرحلات الخ ويسعى النظام السياسي دائما إلى السيطرة على الطريق الرسمي حتى لا تتغلغل الأفكار السياسية الدخيلة التي يعتبرها مسا بالنظام العام والثقافة السياسية للمجتمع.(1)
في دراسة مشتركة بين دينس Deniss واستن Easton حول التنشئة السياسية للأطفال في المدارس الأمريكية، جاء فيها أن اندماج الأطفال بالظواهر السياسية يمر عبر مراحل أربع:
الأول: مرحلة التسييس، وهي مرحلة الإحساس بالمجال السياسي.
الثانية: الشخصنة، حيث يربط الطفل السياسة بأشخاص معينين.
الثالثة: مثالية السلطة: وفيها يبدأ الطفل بحمل أحكام قيمية إيجابية أو سلبية عن السلطة السياسية، فيحبها أو يكرهها، الرابعة: المأسسة وفيها ينتقل الطفل من حالة شخصنة السلطة إلى ربطها بمؤسسات أو سلوكيات سياسية. ويعلق أنيك برشرون A. Perchron على هذا التدرج الذي يتبع نظاما عقلانيا يتدرج من البسيط إلى المعقد في فهم الظواهر السياسية، بالقول إن هذا النموذج قد يكون صالحا في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يلعب المشاهير دورا مهما في التنشئة السياسية مصاحبا للعمليات المعرفية، ولكنه لا يصلح كلية في فرنسا، ويستشهد بما قاله ميشيل كروزيه Michiel Crozier حول الثقافة الفرنسية من أنها تتميز بسمات كـ "رغبة الفرنسيين بالسلطات البعيدة والغامضة" و "بحثهم عن قواعد غير شخصية تؤمن استقلال الجميع مع حماية كل واحد من تعسف هذه السلطات نفسها"، ويخلص برشرون إلى القول إن الأطفال الفرنسيين لهم فكرة مغايرة تجاه الرئيس عن الأطفال الأمريكيين.(1)
أما بالنسبة لدور المدرسة والجامعة في العالم العربي، فإن هذا الدور في عملية التنشئة الاجتماعية عموما والسياسية على وجه الخصوص يثير إشكالات عميقة، أهمهما نوع الثقافة التي يراد توصيلها للطلاب، ذلك أن مجتمعا متنازعا في ثقافته تائهة خطاه عن الطريق، مقسما ما بين الأصالة والمعاصرة، حائرا ما بين الديمقراطية وطاعة أولي الأمر، لابد وأن تكون المدرسة والجامعة مسرحا لهذه المتناقضات، فبالرغم من أن التعليم - وغالبيته في العالم العربي رسمي- يحاول أن يحافظ على الثقافة العربية الإسلامية، ويزرع لدى التلاميذ والأطفال توجهات سياسية تشرعن الوضع القائم وتعيد إنتاج المجتمع وتضع حدودا وحواجز تحول دون دخول أي فكر سياسي يتعارض مع ما يريده النظام السياسي، بالرغم من ذلك، فإن الانفتاح الثقافي والسياسي الذي بدا يفرض نفسه على الجميع، وتأثير وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، ووجود فئة من رجال التعليم ذوي التعليم الغربي، خلق نوعا من التحدي على المؤسسات التعليمية الرسمية التي تواجه اليوم بأزمة حادة، فهي إما أن تعيد النظر بكل مناهجها وأنماط تفكيرها وإما أن تتحول إلى مجرد مؤسسات لمحو الأمية ولخلق شباب ضائعين ممزقين داخليا، فلم تعد التنشئة السياسية التي يتلقاها التلميذ أو الطفل في الجامعة مقنعة بالنسبة له ولم يعد يتعامل معها بجدية، لأنه حالما يخرج إلى الشارع، ويقرأ الصحافة الأجنبية أو المعارضة، أو يطلع على قنوات التلفزيون الأجنبي يشعر بضحالة وعدم ثبات الثقافة السياسية التي تلقاها في المدرسة.
لاشك أن المؤسسات التعليمية تلعب دورا في التنشئة السياسية في مجال تنمية فضيلة حب الوطن واحترام مؤسسات الدولة وقانونها وتعويد التلميذ كيف يكون مواطنا صالحا، وإطلاعه على أهم القضايا السياسية الوطنية والقومية والعالمية، إلا أن تغلغل الايدولوجيا والشعاراتية في هذه المؤسسات يخلق ثقافة سياسية مشوهة لدى طالب العلم، بل تبعده هذه الايدولوجيا -التي تقدس شخص الحاكم أو أيديولوجية محددة- عن فهم الواقع على حقيقته وتزداد الأمور ترديا عندما تسود في المؤسسات التعليمية تنشئة نقلية تقليدية بدلا من تنشئة عقلية نقدية.
ثالثا: المؤسسات الدينية
نقصد بها المساجد والكنائس ومختلف دور العبادة، وما يرتبط بها من مؤسسات أو أشخاص يوظفون الدين لتلقين أفكار سياسية عامة لأفراد المجتمع. وتنتشر هذه المؤسسات خصوصا في الدول الإسلامية، وهي قد تتخذ لنفسها شكل منظمات سياسية مباشرة كالأحزاب، أو شكل جمعيات خيرية أو جمعيات للوعظ والإرشاد، أو مجرد دور عبادة، ويلعب الدين في المجتمعات الإنسانية دورا كبيرا في حياة الناس وخصوصا في دول العالم الثالث التي لا تأخذ بالعلمانية، فالذين يوظفون الدين يعملون على نقل مجموعة من القيم السياسية من جيل إلى جيل أو يعملون على إضفاء الشرعية على النظام السياسي القائم أو تجريده منها.
فمن المعروف أن الدول الغربية المسيحية طبقت العلمانية التي تفصل بين الدين والسياسة وبالتالي قلصت من قدرة المؤسسات الدينية على التأثير على الحياة السياسية، وبالرغم من ذلك فقد شهدت الولايات المتحدة وأوربا إحياء لأصولية جديدة(1) توظف الدين لإخفاء العنصرية الممارسة ضد المسلمين ومن هم من غير البيض، كما تلعب الكنيسة دورا في التأثير على الرأي العام الأوروبي بالنسبة لبعض القضايا السياسية الداخلية أو الخارجية، بل قد تمارس ضغطا على الحكومات لإجبارها على اتخاذ قرارات معينة.(2)
كما تمارس المؤسسات الدينية دورا في عملية التنشئة السياسية من خلال المنشورات التي توزعها والندوات التي يقيمها رجال دين أو رجال محسوبين على الكنيسة إلا أن أهم هذه الأدوار -بالرغم من محدوديتها على مستوى النسق السياسي العام -هو البرامج الإذاعية والتلفزية التي تتوفر عليها بعض المؤسسات الدينية المسيحية.
أيضا تلعب المؤسسات الدينية اليهودية دورا أكثر أهمية في الشأن السياسي، حيث أن اليهودية كديانة تتداخل مع الصهيونية كأيديولوجية، ومن هنا تصبح المؤسسة الدينية اليهودية جزءا من النسق السياسي في الكيان الصهيوني، ويكون دورها على مستوى التنشئة السياسية واضحا من خلال الرموز اليهودية التي تعطي لليهودي هوية سياسية متميزة، ومن خلال الصلوات والمظاهرات والتجمعات التي تقيمها هذه المؤسسات اليهودية وتؤثر من خلالها على الشباب وعلى الرأي العام عموما، ويلاحظ في السنوات الأخيرة هيمنة واضحة لليهود المتدينين على القرار السياسي في إسرائيل.(1)
أما في العالم الإسلامي فإن دور المؤسسات الدينية في عملية التنشئة السياسية يتميز عن دورها في المجتمعات الأخرى، نظرا لأن الإسلام لا يفصل الدين عن الدولة، والسياسة عن العقيدة، فالدين يدخل في صميم النسيج الاجتماعي العربي والإسلامي ويطبع العربي المسلم بطابعه، وغالبا ما تكون وسائل التنشئة السياسية الأخرى سواء كانت الأسرة أو المدرسة أو وسائل الإعلام مقيدة بما تلقنه أعضاؤها من تعاليم الدين ولا تشذ عنها.
إن دور الدين في عملية التنشئة السياسية لا يقتصر على المؤسسات الدينية المتخصصة، بل يمارس الدين دوره في هذا السياق منذ الطفولة داخل العائلة، وفي المدرسة من خلال الحصص والدروس الدينية، وفي وسائل الإعلام من خلال البرامج الدينية الموجهة، وفي الاجتماعات الحزبية الخ.
إن التنشئة السياسية التي تمارسها المؤسسات الدينية هي أكثر ما تكون بروزا من خلال المساجد وعلى يد المسيسيين من رجال الدين، وقد لعب هؤلاء دورا في زعزعة استقرار العديد من الأنظمة (الإسلامية) كما كان الأمر مع نظام الشاه في إيران وكما هو الأمر اليوم في الجزائر ومصر، ويكون دور المؤسسات الدينية إما داعما للنظام السياسي القائم عبر استشفاف مختلف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي توصي بإطاعة الحكام وإضفاء طابع ديني على حكمهم، أو بالقول بأن الدين علاقة بين الإنسان وربه ولا علاقة له بالسياسية ومناوراتها، وقد يكون دور الدين معارضا للسياسة القائمة، بتكفير الوضع القائم والدعوة إلى الرجوع إلى منابع الإسلام، بل تحليل العنف كأداة للتغيير باسم الإسلام. والمؤسسات الدينية في سعيها لتغيير الأمر القائم تلجأ إلى مختلف وسائل التنشئة السياسية - بالإضافة إلى العنف أحيانا- كالمواعظ الدينية في المساجد، وتوزيع الكتيبات والنشرات الدينية، وتوزيع الكاسيت المسموع والمرئي المسموع -بشكل كبير، أيضا على مستوى وسائل الإعلام في بعض الدول التي تسمح بذلك.
رابعاً: الرفاق والزملاء والرأي العام
يلعب الرفاق وزملاء المدرسة أو العمل دورا كبيرا في التأثير على تنشئة الفرد سياسيا واجتماعيا، فكون الإنسان اجتماعيا بطبعه فأنه يسعى للالتقاء مع بني جنسه الذين يشاركونه اللعب أو العمل ومبادلتهم الأفكار والميول الاجتماعية والسياسية. فحالما يخرج الطفل من نطاق الأسرة ويتحرر من ضوابط المدرسة، يندمج في عالم أوسع هو عالم الشارع أو الجمهور الواسع، فيتعرف على نماذج من البشر وأنماط من السلوكيات، ويدخل في نقاش متحرر مع رفاقه وزملائه حول مختلف المواضيع السياسية محل النقاش، فيعجب ببعض الأصدقاء أو الزملاء وإعجابه بهم يدفعه لتبني أفكارهم وميولهم السياسية، أو قد يكون شخص ذو قدرة اقناعية كبيرة وذو شخصية كارزماتية فيشد إليه الأنظار ويؤثر على من يرافقونه، فإذا كان هذا الشخص يساريا مثلا يستطيع أن ينقل أفكاره اليسارية إلى رفاقه، وإذا كان أصوليا يدفع رفاقه إلى تبني الأصولية، ويحدث ذلك سواء من خلال مناقشات على المقهى أو في ساحة المدرسة أو في جولة ترفيهية أو في العمل وفي البيت.
كما أن الفرد قد يتعلم بعض القيم والاتجاهات السياسية والسلوكيات من خلال ملاحظته لتصرفات الأصدقاء والناس من حوله وسماع أحاديثهم وتعليقاتهم على الشؤون السياسية، فيحاول أن يقلد سلوك من يعجب بهم أو يتبنى الأفكار التي يراها الأكثر رواجا أو تجد هوى في نفسه، ويذكر جيمس بيست J. Best في كتابه (الرأي العام) أن الطفل عن طريق المشاهدة لتصرفات الآخرين يطور نظاما للمعتقدات والقيم التي يكون مناسبا خارج البيئة المباشرة للعائلة".(1) ويلاحظ أنه كلما تقدمت سن الطفل قلت أهمية الأسرة والمدرسة وزاد دور الرفاق والرأي العام، ويرجع ذلك يلاشك إلى أن الطفل كلما تقدم في السن زادت الساعات التي يقضيها خارج البيت وبالتالي زاد تأثير المحيط الخارجي، ويتقلص دور الأسرة وبشكل أكبر عندما يكون الولدان مسيسين أو عديمي الثقافة
المطلب الثاني: القنوات المباشرة لعمل التنشئة السياسية
حاولنا في المطلب الأول أن نعطي نظرة موجزة عن بعض المؤسسات المسئولة بشكل غير مباشر، عن تنشئة الفرد واكتسابه المعايير والقيم السياسية، وسنتناول فيما يلي القنوات المباشرة التي تساهم في عملية التنشئة السياسية ونسميها قنوات مباشرة لأن هدفها الأساسي هو هذه التنشئة فهي مؤسسات سياسية ذات وظيفة سياسية، على عكس الأولى التي هي مؤسسات اجتماعية ذات وظائف اجتماعية تربوية بالدرجة الأولى، ونتناول هنا الأجهزة الإعلامية والتنظيمات السياسية -الأحزاب- كنموذجين لهذه المؤسسات.
أولا: المؤسسات الإعلامية
تشمل هذه، الإذاعة والتلفزة والصحافة المصورة والمسموعة، والصحافة المكتوبة والسينما الخ، وتبرز أهمية الإعلام في التنشئة السياسية من المكانة التي أصبح يحتلها الإعلام اليوم كقوة يحسب لها ألف حساب لما تملكه من تأثير على توجهات الأفراد ومواقفهم السياسية، والتأثير على أذواقهم وكل نمط حياتهم، بل أنها أصبحت تقوم بعملية غسل دماغ وخصوصا للإنسان العادي.(2)
ونظرا لأهمية الإعلام تسعى الأنظمة السياسية للسيطرة عليها وتوجيهها لخدمتها، موظفة لذلك أكبر عدد من المتخصصين الإعلاميين في مختلف المجالات: علم الاجتماع وعلم السياسية وعلم النفس -حتى تضمن مردودية محققة تتمثل في الهيمنة على أفكار الناس وعقولهم. ومن هنا ليس غريبا أن تسعى القوى المتنافسة داخل الدولة الواحدة إما إلى المطالبة بمشاركة الدولة استعمال وسائل الإعلام الرسمية، أو أن تؤسس لنفسها صحفها الخاصة وتسعى للتأثير على الكتاب والأدباء والسينمائيين ليتبنوا أفكارها السياسية وتصاغ أعمالهم متأثرة بهذه الأفكار داعية لها أو على الأقل غير متعارضة معها، وعلى المستوى الأول تتنافس الدول الكبرى للسيطرة على وسائل النشر عبر العالم، فمن يتحكم أكثر بوسائل الإعلام العالمي يتحكم أكثر في التأثير على الرأي العام وعلى التوجهات السياسية للمجتمعات.(1)
ويؤكد علماء الاجتماع أن نجاح التحديث -والتحديث السياسي خصوصا- لا يمكن أن ينجح إلا إذا ما اعتمد على شبكة اتصال إعلامي حديثة ومتطورة، وإنه لا وجود لمجتمع حديث يعمل بفعالية دون نسق متطور من وسائل الإعلام الوطنية، فهذه الأخيرة هي التي تعمل على إضفاء مدخلات أساسية على الحياة السياسية والنفسية لأفراد المجتمع. فدورها لا يقتصر على الترفيه وتقديم المعلومات فقط بل توجه خبراتنا وتحرك الجماعات نحو العمل في اتجاه معين لتحقيق الأهداف المرجوة، ونظرا لما تتوفر عليه من إمكانيات مادية وفنية فإنها تستطيع أن تغير البناء الأخلاقي للمجتمع، وبالتالي الأفكار والمبادئ السياسية التي يعمل على هديها المجتمع.
لقد أكدت بحوث علمية أمبريقية قوة التأثير الذي تمارسه وسائل الإعلام في عملية التنشئة السياسية، بحيث حلت الأولى محل الخبرة الأولية في عملية تحديث المجتمعات وبلورة ثقافة سياسية موحدة، وذلك بوضعها تحت سمع ونظر المواطن نماذج جاهزة لأنظمة وخبرات وأفكار مبرزة محاسنها ومساوئها، تاركة له حرية الاختيار والمفاضلة، مع تركيزها على محاسن الأنظمة والأفكار المتفقة معها.
ويعتبر التلفزيون أهم وسائل الإعلام من حيث التأثير على توجهات الناس السياسية، نظرا لاقتران الصوت بالصورة، وقدرته على توصيل رسالته لجميع طبقات المجتمع المتعلمين وغير المتعلمين، وللأسلوب الشائق الذي تقدم به البرامج، فقد لا تكون الرسالة سياسية بشكل واضح، بل تأخذ طابع صور متحركة بالنسبة للأطفال أو أغنيات ومسلسلات وأفلام بالنسبة للكبار، بل إن قنوات ولقطات الإشهار لا تخلو من سياسة إذا حيكت بطريقة ذكية.
ويقول هربرت شيللر حول تأثير جهاز التلفاز في الدول المتقدمة: "يتفق الجميع بوجه عام على أن التلفاز هو أقوى وسيلة إعلامية، ولا ريب أن تأثيره بوصفه أداة رئيسية لتعميم قيم النظام لا يماري فيه أحد".(1) بل أن شيللر يؤكد على الرسالة السياسية التي تحملها برامج ترفيهية كما هو الحال مع والت ديزني، فمن خلال قصص الأطفال والصور المضحكة والمناظر الخلابة للطبيعة فإن ما يريد والت ديزني قوله هو: "شاهدوا عالما ليس فيه صراع اجتماعي، إن هناك قدرا كبيرا من العنف، وهناك بعض "الرجال الأشرار" إلا أنهم أفراد، وليسوا ممثلين لتقسيمات اجتماعية ذات أهمية، إن العالم مكان مليء بالسعادة، والطبقة المتوسطة الأمريكية تعيش في أحسن الظروف".(2)
وما يجعل وسائل الإعلام، المرئية، والمسموعة خصوصا، ذات خطورة وتأثير في عملية التنشئة السياسية، دخولها البيوت دون أذن من أحد فالتلفزيون والراديو أصبحا شيئا عاديا موجودان في كل البيوت، وبقرص هوائي زهيد الثمن مثبت على سطح المنزل تستطيع اليوم أن ترى وتسمع ثقافات متعددة، وعوالم غير معهودة وأحداث وتحليلات تساق بأسلوب شائق وأخاذ، فلا ننسى وسائل الإعلام الغربية في أحداث أوروبا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفيتي ودور هذه الوسائل في نقل أحداث الثورة الإيرانية مما ساعد على تأجج الصحوة الإسلامية، كما لا ننسى دور وسائل الإعلام في حرب الخليج الخ.
لا جدال إذن أن وسائل الإعلام هي آلية من آليات ممارسة السلطة بالنسبة للحاكمين وآلية لزعزعتها بالنسبة لقوى المعارضة، إلا أن الوظيفة السياسية لوسائل الإعلام تختلف من بلد إلى آخر حسب النظام السياسي والايدولوجيا السائدة فيها، ففي الدول الغربية الديمقراطية تكون قوة سيطرة الدولة على وسائل الإعلام أقل مما هو في غيرها من الدول، حيث يكون للقطاع الخاص -من مؤسسات وشركات وأحزاب وجماعات ضغط- حق في استعمال هذه الوسائل بل وفي وملكيتها، مما يؤدي إلى تعددية تنافسية، تتعدد بتعدد التوجهات فالمؤسسات الدينية تمارس تنشئة دينية، والاشتراكيون يبثون تنشئة اشتراكية، والفاشيون يبثون تنشئة فاشية، بينما السلطة وأجهزتها تحاول تثبيت دعائمها بخلق توازن بين هذه التنشئات إلا أن هذه التعددية تكون في إطار ثوابت وطنية تحترم.
ويرى موريس دفرجيه، أن تعددية وسائل الإعلام لا تؤدي بالضرورة إلى تعددية في التثقف أو التنشئة السياسية، "إلا إذا ارتبطت ارتباطا حقيقيا بثقافات مختلفة، وليس بتنوعات سطحية للثقافة نفسها، إن حرية الصحف والإذاعات والتلفاز في أمريكا إزاء الحكومة والإدارة والقضاة والسلطات المحلية والكونغرس لا تحول دون استناد الجميع إلى المخطط الثقافي نفسه".(1)
وفي نفس السياق يرى هربرت شيللر أن التعددية والحيادية الملاحظة على وسائل الإعلام الأمريكي تخفي في طياتها تضليلا وتشويها للحقيقة، وكما لاحظ جورج جيربنر George gernber، فإنه في المجتمعات الغربية وتحديدا في الولايات المتحدة الأمريكية: "السؤال الحقيقي لا يتمثل في كيف، ولأي هدف، وعن طريق من وبأي نتائج مترتبة تتم ممارسة عمليات التوجيه والسيطرة التي لا محيد عنها". فالتعددية هذه كما يقول شيللر خالية من أي تنوع حقيقي وآليات عملها وشروطه هو الذي يوفر أسباب القوة للنظام السائد وتضلل الوعي.(1)
ومع ذلك لا يجب علينا تجاهل حرية الرأي والتعبير وسهولة توظيف وسائل الإعلام بالنسبة للقوى المتصارعة، نعم يسعى النظام السياسي للسيطرة عليها ووضع قيود على تلك التي لا تخضع لسيطرته ولكن كل ذلك يبقى في نطاق الممارسة الديمقراطية وبما لا يخل بالثوابت القومية لكل دولة، فحفاظ النظام السياسي على قيم الديمقراطية الغربية لا يخل بالتعددية وبحرية الرأي والتعبير على المستوى الداخلي، إلا أن فسح المجال أمام العموم كأفراد ومؤسسات لامتلاك وسائل الإعلام، أدى في الدول المتقدمة إلى تغلغل جماعات الضغط داخل وسائل الإعلام والسيطرة عليها وتوجيهها بما يخدم مصالحها الضيقة، وفي هذا السياق نلفت الانتباه إلى السيطرة التي تمارسها الجماعات الصهيونية بحيث تدمج اليهودية كمكون رئيسي في الحضارة المسيحية التي أصبحت بتأثير سيطرة اللوبي الصهيوني حضارة مسيحية -يهودية. أيضا فإن فسح المجال دون قيود لاستعمال وسائل الإعلام ساعد في الغرب على سهولة انتشار الأفكار الفاشية والعنصرية حيث سهل على الحركات السياسية المتبنية لهذه الأفكار نشر أفكارها عبر وسائل إعلامية متعددة إما صريحة التوجهات السياسية الفاشية والعنصرية أو متخفية تحت شعارات وطنية أو دينية أو اجتماعية.
أما دور وسائل الإعلام في مجتمعات دول العالم الثالث، فغالبية هذه الدول، تسعى لأن تكون هذه الوسائل تحت إشراف السلطات العامة ومعبئة في خدمة إيديولوجية الدولة ومصلحة النظام السياسي، فقليل من هذه الدول يوجد فيه محطات إذاعية أو تلفزيونية خاصة، وبعضها لا يسمح حتى بحرية الصحافة وطباعة وتداول الكتب إلا بعد مرورها على الرقيب، الذي يمارس سلطة مطلقة في تحديد المسموح فيه بحجة الحفاظ على استقرار المجتمع. ولا تقتصر محاصرة الدولة وتحكمها بالتنشئة السياسية عبر وسائل الإعلام على التلفزة والإذاعة والصحافة، بل يتجاوز ذلك إلى مراقبة الجمعيات والتنظيمات ذات النشاط الثقافي أو الفني أو الرياضي أو الديني، حتى لا تستغل هذه الجمعيات لتمرير تنشئة سياسية خفية، وفي بعض الدول العربية تراقب حتى خطب أئمة المساجد وما يصدر عن المؤسسات الدينية من دروس وعظية أو تفاسير دينية.
لا جدال أن تطور وسائل الإعلام وتفشي الأيديولوجية الديمقراطية حد من سلطة الدولة على احتكار وسائل الإعلام وخصوصا في دول العالم الثالث، فتحول دورها من محاولة السيطرة لفرض تنشئة سياسية أحادية، إلى تطوير أسلوب عملها من خلال هذه الوسائل ووضع سياسة إعلامية معاكسة ترد من خلالها على ما تعتبره متعارضا مع مصالحها كأنظمة أو مع قيم المجتمع وثقافته الوطنية، بل يمكن القول أنه في وقتنا الحالي أصبحت للعوامل الخارجية -إعلام، سياحة، تبادل ثقافي، تدخل باسم حقوق الإنسان -دور في التنشئة السياسية لا يقل أهمية عن دور وسائل الإعلام الداخلية، حتى أن بعض الدول رفعت شعار (الغزو الثقافي) وطالبت بحشد الجهود لمواجهة الأفكار الثقافية الدخيلة بحجة الحفاظ على قيم المجتمع، وهي في حقيقة الأمر لا تدافع عن قيم المجتمع وعقائده، بل تريد الحفاظ على ذلك البعد من ثقافة المجتمع الذي منه تستمد شرعيتها، فما يعنيها هو مواجهة تيار الديمقراطية المتدفق، والمطالب بحقوق الإنسان والشفافية السياسية، ومواجهة ثقافات متعارضة مع مصالحها ومعرية لحقيقتها.
وفي الدول العربية لا يمكن الفصل ما بين الوضعية المزرية لوسائل الإعلام ونوع التنشئة السياسية السائدة، ويظهر هذا جليا سواء من خلال نوعية المادة الإعلامية أو انخفاض نصيب الفرد منها، مثلاً، عدد الصحف لكل 1000 هو 53 صحيفة فيما هي 285 في الدول المتقدمة، وبالنسبة لأجهزة الراديو فأفضل الدول العربية حالا في هذا الشأن هي لبنان يوجد 678 جهاز لكل 1000 شخص فيما في الدول المتقدمة المعدل هو 1280 جهاز لكل 1000 شخص، وليس التلفزيون بأفضل حالاً، فيوجد في الدول العربية متوسطة الدخل 275 جهاز لكل 1000 بينما النسبة في الدول المتقدمة 641 جهاز لكل 1000 شخص ومع أن عدد القنوات الفضائية العربية قد وصل إلى 120 قناة فأن 70% من هذه القنوات مملوكة للحكومات والبقية ليست بعيدة عن السياسات الرسمية العربية، ومع ذلك فبعض الفضائيات العربية مثلت نقلة نوعية مهمة. وبالنسبة لأجهزة الحاسوب وهي الوسيلة الأكثر أهمية وخطورة في القرن الواحد والعشرين وعماد الثورة المعلوماتية، فالبلدان العربية تعاني من نقص شديد، فيوجد أقل من 18 حاسوبا لكل 1000 فيما المتوسط العالمي هو 78.3 لكل 1000 شخص.( )
ثانيا: التنشئة السياسية عبر الأحزاب السياسية
يستحسن قبل الغوص في الموضوع، تعريف الحزب السياسي والوظيفة التي يؤديها في خدمة النسق السياسي. فقد تعددت التعريفات بحيث يصعب النظر إلى الأحزاب من وجهة نظر واحدة، فالأحزاب السياسية لها مدلولات متعددة ويمكن دراستها من جوانب متعددة، إلا أن التنشئة السياسية تبقى القاسم المشترك لجميع الأحزاب السياسية.
فبالنسبة للمقاربة التنظيمية للحزب نجدها عند كل من ميشلز وماكس فيبر وموريس دفرجيه، فقد أشار ماكس فيبر إلى أن مصطلح الحزب يستخدم للدلالة على "علاقات اجتماعية تنظيمية تقوم على أساس من الانتماء الحر، والهدف هو إعطاء رؤساء الأحزاب السلطة داخل الجماعة التنظيمية من أجل تحقيق هدف معين أو الحصول على مزايا مادية للأعضاء"، بينما يعرفه موريس دفرجيه بالقول: "إن الحزب السياسي ليس جماعة واحدة ولكنه عبارة عن تجمع لعدد من الجماعات المتناثرة عبر إقليم الدولة كاللجان الحزبية والمندوبيات وأقسام الحزب والتجمعات المحلية.... تربط فيما بينهم نظم تنسق بينها".(1)
أما المقاربة الأيديولوجية، فقد أشار إليها لينين الذي يقول: "بدون برنامج لا يمكن للحزب أن يقوم /باعتباره تنظيما سياسيا/ -بالمحافظة على خطه العام في كل مرة يجد فيها ظروف غير متوقعة". ونفس المقترب ومن وجهة نظر ليبرالية نجدها عند إيدموند بورك Burk الذي عرف الأحزاب السياسية بأنها: "مجموعة منظمة من الناس اجتمعت من أجل العمل المشترك لتحقيق مصلحة الوطن عن طريق تحقيق المبادئ التي يعتنقونها".( )
أما المقاربة الوظيفية فنجدها عند ريمون آرون R. ARON الذي يعرف الحزب بأنه: "تنظيم دائم يضم مجموعة من الأفراد الذين يعملون معا من أجل ممارسة السلطة سواء في ذلك العمل على تولي السلطة أو الاحتفاظ بها" ويقترب من هذا المعنى تعريف جورج بوردو الذي عرف الحزب بأنه: "تنظيم مجموعة من الأفراد لهم نفس الرؤية السياسية، وتعمل على وضع أفكارها موضع التنفيذ، وذلك بالعمل في آن واحد على ضم أكبر عدد ممكن من المواطنين إلى صفوفهم وعلى تولي الحكم، أو على الأقل التأثير على قرارات السلطة الحاكمة.
ما يعنينا من كل هذه التعريفات هو أنها تشترك في اعتبار أن الأحزاب السياسية وظيفة سياسية هي الوصول إلى السلطة أو التأثير على من في السلطة، ومن هنا تلعب الأحزاب السياسية دورا أساسيا إما في خدمة النسق السياسي من خلال مساندته ودعم مطالبه وتقنين وتدجين المطالب الشعبية لجعلها مقبولة من قبل النسق السياسي، وإما في معارضته حيث تؤلب الأحزاب الرأي العام ضد السلطة أو تبهض النسق السياسي بتأجيج المطالب الشعبية وزيادتها.
فالأحزاب السياسية وبغض النظر عن طبيعة النظام الحزبي -الحزب الواحد، ثنائية حزبية أو تعددية حزبية، - وبغض النظر عن إيديولوجياتها، فإنها تساهم في صياغة الثقافة السياسية للمجتمع من خلال برامجها ومبادئها وعمليات التوعية السياسية التي تقوم بها. وكما سبق الذكر، فإن الثقافة السياسية التي هي الموئل الذي منه تنطلق عملية التنشئة السياسية تختلف حسب النظام الحزبي السائد وحسب طبيعة النظام السياسي ففي دول الحزب الواحد، يحدث تداخل بين الحزب والسلطة السياسية، وبالتالي تصبح وظيفة الحزب الواحد في عملية التنشئة السياسية خدمة النسق السياسي، فيعتمد الحزب إيديولوجية النظام السياسي ويدافع عن مطالبه وبرامجه ويوظف أجهزته الإعلامية ومؤسساته السياسية لخدمة النظام، وعليه يصعب القول أن نظام الحزب الواحد يعمل على خلق تعددية ثقافية، بل يسعى إلى تكريس الثقافة الواحدة والإيديولوجية الواحدة.
أما في الأنظمة التي تأخذ بالثنائية أو التعددية الحزبية، فإنه يحدث تمايز في عملية التنشئة السياسية ما بين الأحزاب الائتلافية الحاكمة التي تمارس تنشئة سياسية تخدم النسق السياسي موظفة كل مقدرات النظام السياسي في نشاطها، و أحزاب المعارضة التي تمارس تنشئة سياسية لأعضائها وللجمهور تبلور من خلالها مواقفها المعارضة للنسق السياسي، وهي في ذلك توظف خطابا إيديولوجيا أو سياسيا متميزا، وتسعى ليكون معلوما ومقبولا من قبل الجمهور، وإلى امتلاك وسائلها الخاصة في عملية التنشئة كامتلاكها وسائل إعلام خاصة، صحف حزبية ومنشورات وكتب، أو قنوات بث إذاعي وتلفازي خاصة بالحزب، أو مستقلة، ويكون للحزب تأثير عليها، وإذا كانت هذه الأحزاب ذات إيديولوجية دينية فإنها تمارس عملية التنشئة السياسية من خلال المؤسسات الدينية، وفي الدول المتقدمة التي تبلور فيها مجتمع مدني فاعل، تمارس الأحزاب تنشئة سياسية من خلال النقابات والجمعيات النسوية والطلابية والنوادي الرياضية ودور الثقافة التابعة لها أو التي لها عليها تأثير.
والملاحظ في السنوات الأخيرة، أن دور الأحزاب في عملية التنشئة السياسية في الدول المتقدمة تراجع، بينما زادت أهميتها في بلدان العالم الثالث، ويرجع ذلك أنه في الدول الأولى تراجعت أهمية الايدولوجيا في الحياة السياسية، ووصل الفكر الاجتماعي والسياسي فيها إلى مرحلة الاكتمال، بحيث لم يعد هناك فوارق إيديولوجية حقيقية بين الأحزاب السياسية المتصارعة، وخصوصا في الولايات المتحدة وبريطانيا، فالجمهور أصبحت لديه قناعة وإيمان بالنظام الديمقراطي الليبرالي، بحيث أن أي حزب يطرح إيديولوجية جديدة أو يمارس تنشئة سياسية متعارضة مع مرتكزات النظام الرأسمالي الليبرالي لا يجد تجاوبا كبيرا من طرف الجمهور، وعليه نلاحظ أن الأحزاب في الدول الغربية أصبحت تنحو شيئا فشيئا إلى أن تصبح أحزاب أطر.
أما في دول العالم الثالث، فحيث النظام السياسي لا يرتكز على قواعد شرعية ومشروعية ثابتة، والهوية الوطنية لم تتبلور بشكل واضح، والاندماج الاجتماعي مازال مطلبا أكثر مما هو واقع، حيث تتنازع ولاءات أثنية الولاء للدولة وطائفية، وحيث أن علاقة الدين بالدولة لم تحسم تماما، وحيث أن التعددية في الدول الثالثية التي تعرف تعددية حزبية، لا تقوم على برامج سياسية واقتصادية واجتماعية، بل تعددية طائفية أو أثنية أو جهوية الخ، بالإضافة إلى التركيبة العقلية والنفسية والبنية الثقافية السائدة، لكل ذلك فإن الأحزاب السياسية أكثر إيديولوجية من أحزاب الدول المتقدمة، ولأنها أحزاب إيديولوجية فهي بحاجة لحشد أكبر عدد ممكن من الجماهير، أي هي أحزاب جماهيرية، وهذا الحشد حتى يتحقق بحاجة إلى تنشئة سياسية مكثفة تقوم بها الأحزاب.
وبصورة عامة يمكن القول إن الأحزاب تساهم في عملية التنشئة السياسية من خلال:
1- التأثير في الرأي العام.
2- تكوين الثقافة السياسية.
3- التربية السياسية.
4- الاندماج الاجتماعي -خصوصا في الدول الديمقراطية-.
نخلص مما سبق أن التنشئة السياسية أصبحت موضوع اهتمام علماء الاجتماع السياسي، فمن خلالها يمكن التعرف على الثقافة السياسية للمواطنين وعلى درجة الترابط أو الانفصال بين المجتمع والنسق السياسي إلا أنه يجب الإشارة إلى أنه ليس كل تنشئة سياسية تؤدي إلى تنمية سياسية وبالتالي إلى ترسيخ قيم الديمقراطية الحق، فطبيعة الثقافة السائدة، في المجتمع ونوع التعليم واستقلالية وسائل الإعلام، كلها أمور تحدد طبيعة التنشئة السياسية ومدى معقوليتها، وللأسف فإننا نلاحظ في بعض المجتمعات والجماعات العربية والإسلامية، نوعا من التنشئة السياسية الخاطئة، تنشئة لا تنمي المواطن سياسيا على أسس عقلانية بحيث يصبح أكثر اندماجا بالمجتمع وأكثر قدرة على لعب دوره كمواطن يعرف حقوقه وما عليه من واجبات، وبحيث تنمي لديه ملكات الإبداع والخلق والثقة بالنفس، بل تسود فيها تنشئة نقلية نصية تقتل لديه روح الخلق والإبداع وتفرض عليه حالة من القدرية والاتكالية والتسليم بالأمر الواقع، وهنا يأتي -كما ذكرنا- دور المؤسسات التعليمية ودور وسائل الإعلام والأهم من ذلك دور المثقفين الذي يقع على عاتقهم الجزء الأكبر من عملية التنشئة، وكما يقول المثل (فاقد الشيء لا يعطيه)، و(كل أناء بما فيه ينضح)، فإذا أسندت الأمور إلى غير أهلها فلا خير يرجى من كل ما يثار من حديث حول التنشئة السياسية ما دامت الأمور محكومة بعقليات منغلقة متخلفة، أو ذات مصالح ذاتية ضيقة أو فئوية شعبوية.

الفصل السادس
المشاركة السياسية
The Political Participation
تعتبر المشاركة السياسية ثورة القرن العشرين، وهي سمة غريبة بامتياز، تطورت نظريا في أبحاث المدرسة السلوكية وخاصة مع الدارسين الانكلوساكسونيين( ).
ويرتبط موضوع المشاركة السياسية بموضوع التنشئة السياسية التي سبق التطرق إليه. فالتنشئة السياسية هي عملية تهيئة وإعداد المواطن حتى يصبح مؤهلا ليشارك في الحياة السياسية في المجتمع، كما يرتبط بالديمقراطية حيث لا ديمقراطية بدون مشاركة سياسية.
وعليه فإن طبيعة التنشئة السياسية التي يتلقاها المواطن وطبيعة الثقافة السياسية التي تنهل منها هذه التنشئة يلعبان دورا كبيرا في فهم المواطن لحقوقه السياسية وعلى رأسها حقه في المشاركة في اتخاذ القرار السياسي-سلبا أو إيجابا- فالتنشئة السياسية تخلق المواطن السياسي نظريا والمشاركة تؤكد وجوده عمليا.
فالمشاركة السياسية هي الجسر الرابط بين الفرد كعضو في جماعة والفرد كمواطن سياسي، وعليه فقد صاحب الاهتمام بموضوع المشاركة السياسية الحديث عن المجتمع السياسي وإرادة الأمة وحق المواطن بأن يكون حاكما ومحكوما، أو بصورة أخرى تصاحب مع الفكر الديمقراطي.
وأصبحت المشاركة السياسية من الموضوعات ذات الأهمية في علم الاجتماع السياسي، ومحل اهتمام الباحثين والمنظرين السياسيين الذين يهتمون بالفعالية السياسية للأفراد داخل مجتمعاتهم، وبموضوع الاغتراب السياسي، وبالعنف الاجتماعي وعلاقته بالمشاركة السياسية، حيث أصبح معلوما أنه كلما زادت مشاركة المواطن بالحياة السياسية وازداد اندماجا بالنسق السياسي لمجتمعه كلما خفت النزعة العنفوية السياسية لديه، فالعلاقة بين المشاركة السياسية والعنف علاقة عكسية، -بالرغم من أن بعض المعرفين للمشاركة السياسية يعتبرون العنف السياسي وجها من أوجه المشاركة السياسية-.
ومن وجهة نظرنا فإن أهمية موضوع المشاركة السياسية اليوم وبالنسبة للحقل السياسي العربي، تكمن في مفارقة نتلمسها من خلال مقارنة المشاركة السياسية في الدول العربية بالمشاركة في الدول الديمقراطية الغربية، بحيث نلاحظ انه في الوقت الذي تسعى فيه الجماهير الشعبية -المؤطرة في أحزاب والغير مؤطرة- إلى تأكيد ذاتها وإقحام نفسها في الحياة السياسية، بإثبات وجودها ضمن كل أوجه النشاط السياسي، نلاحظ حالة من اللامبالاة السياسية لدى الأفراد في المجتمعات الديمقراطية المتقدمة بحيث يكتفي المواطن في تلك المجتمعات بالمشاركة اللحظية الروتينية التي يمارسها من خلال عملية التصويت في الانتخابات، الأمر الذي يطرح تساؤلات هل أن اتجاه الأنظمة الديمقراطية نحو الاستقرار واكتمال تجربتها الديمقراطية يحد من الرغبة في المشاركة السياسية التي هي أهم دعائم النظرية الديمقراطية؟ كما تثار تساؤلات حول مدى نخاعة الحكم على أوجه المشاركة السياسية الملاحظة في العديد من الدول الثالثية بالأخص الدول العربية، بأنها تعبر عن ممارسة ديمقراطية؟ والسؤال الأهم هل أن المشاركة السياسية تتضمن حكما، وجود ديمقراطية؟.
كثيرة هي التساؤلات التي تثار عند الحديث عن المشاركة السياسية، ولهذا ارتأينا أن نخصص المبحث الأول لمداناة الجانب المفاهمي والتنظيري لمفهوم المشاركة السياسية ونخصص المبحث الثاني لعلاقة المشاركة السياسية بالديمقراطية وفي المبحث الثالث سنتطرف لخصوصية الانتخابات والمشاركة السياسية في النظام السياسي الفلسطيني.

المبحث الأول
أبعادها النظرية وتطبيقاتها العملية
المطلب الأول: المفاهيم الأساسية
يقال في اللغة العربية شارك في الشيء بمعنى كان له فيه نصيب، فالمشاركة هي ربط الفردي بالكلي، وعندما نقول مشاركة سياسية يذهب قولنا إلى أن المشارك - وهنا المواطن- له نصيب في الشأن السياسي، وأن يشارك المواطن سياسيا يعني أن يلعب دورا في الحياة السياسية، لان المشاركة عمل إيجابي والمشاركة السياسية تفترض وجود جماعة تكون سياستها وما يصدر عنها من قرارات عامة حصيلة إسهامات أفرادها.
ولكن إذا كان مفهوم المشاركة لغة لا يثير أية إشكالية فإن إقرانه بالسياسة يصبح مثارا للتساؤلات، ما المقصود بالسياسة التي سيشارك فيها الفرد؟ هل هي السياسة بالمفهوم العام أي الشعور والفكر والنشاط العام والتعاطف، وكل علاقات التحالف والصراع التي تحدث بين الأفراد ولها علاقة بالتنازع على القوة؟ أم هي مشاركة في عملية اتخاذ القرار السياسي على مستوى القمة فقط؟.
نشير في البداية إلى أن كل نسق سياسي يسعى إلى دمج أفراد المجتمع ضمن لوائه وربطهم به قسرا أو إقناعا، وكلما حدث الدمج كلما كان هذا مؤشرا على استقرار النظام، فالمشاركة السياسية هي ميكانزم عمل النظام السياسي الديمقراطي لإضفاء طابع المشروعية عليه، وللتعرف على آراء ومطالب الجمهور لأخذها بعين الاعتبار عند صياغته لقراراته، وهي أداة بيد الجمهور لضمان تحقيق مطالبها وذلك لأنها تعمل على التأثير على القرارات السياسية، هذا إن لم تؤد المشاركة إلى إسهام فعلي للمواطنين من خلال ممثليهم في اتخاذ هذه القرارات.
وحتى يأخذ مفهوم المشاركة السياسية مدلوله العلمي الدقيق، يحتاج إحالته إلى المقصود بالسياسية، ولأن مفهوم السياسة مفهوم ملتبس وتتعدد تعريفاتها( )، نختصر الأمر بالقول، أنه إذا قصدنا بالسياسة علم الدولة، أي أنها تقتصر على ماله من شأن بمؤسسة الدولة وبعلاقة الحاكمين بالمحكومين، تصبح المشاركة السياسية هنا لها دلالة المشاركة في عملية اتخاذ القرار السياسي أو التأثير على متخذي هذا القرار، وتقتصر تجسداتها في عملية التصويت في الانتخابات، أو الاستفتاءات أو المشاركة في الأحزاب السياسية أما إذا قصدنا بالسياسة علم السلطة فإننا نوسع من مفهومها ليصبح معناها دالا على كل أشكال علاقات القوة التي تحكم المجتمع سواء كعلاقة قوة بين أفراده بعضهم البعض، أو كعلاقة قوة بين وحدات المجتمع والدولة كجهاز سياسي، ومن هنا يصبح للمشاركة السياسية محلا للوجود والتموقع داخل المجتمع حتى خارج المشاركة في مؤسسات الدولة وصناعة القرار السياسي مباشرة، فهي توجد على مستوى المشاركة في الجمعيات المحلية والنقابات والمؤسسات بما فيها المؤسسات الدينية، وكل تجمع يحوز على السلطة ويسعى للتأثير في الحياة السياسية، بما في ذلك أشكال المشاركة في الأنشطة العنفوية أو غير المنظمة كالمظاهرات والاضرابات، والعنف السياسي الخ.
ربما كان هذا الربط بين المشاركة السياسية ومفهوم السياسة، وعدم الاتفاق على معنى هذه الأخيرة -علم الدولة أو علم السلطة- هو الذي أدى إلى تنوع وتعدد التعريفات التي أعطيت للمشاركة السياسية، ومن هذه التعريفات تعريف صموئيل هنتنجتون Samuel, Huntigton ونيلسون Neslon اللذان عرفاها بأنها: "النشاط الذي يقوم به مواطنون معينون بقصد التأثير على عملية صنع القرار الحكومي".(1) ويعرفها ماك كلوسكي M.C. Closky بأنها: "تشير إلى الأنشطة الإرادية التي عن طريقها يساهم أعضاء المجتمع في اختيار الحكام وفي تكوين السياسية العمومية بشكل مباشر أو غير مباشر"(1) وهناك تعريف أكثر مرونة وهو الذي جاء به وينير Weiner: (كل عمل إرادي ناجح أو فاشل، منظم أو غير منظم، مرحلي أو مستمر يفترض اللجوء إلى وسائل شرعية أو غير شرعية، بهدف التأثير على اختيارات سياسية أو إدارة الشؤون العامة أو اختيارات الحكام وعلى كل المستويات الحكومية، محلية أو وطنية".(2)
نعتقد أن هذا التعريف الأخير أنسب التعريفات وأكثرها شمولا، مع أنه يثير تساؤلات حول دلالة العمل السياسي الذي يعني مشاركة سياسية، وهل كل عمل سياسي هو مشاركة سياسية؟ أيضا معنى (إرادي)، ذلك أن اعتبار العمل السياسي مشاركة سياسية يفترض أن يكون عملا إراديا لا قسريا، وهو ما سنتوسع في توضيحه عند الحديث عن المشاركة السياسية والديمقراطية.
فبالنسبة لتحديد العمل السياسي المؤدي للمشاركة السياسية، ليس كل عمل سياسي مشاركة سياسية، فحتى يكون العمل السياسي مشاركة سياسية أو يؤدي إليها يجب أن يؤثر هذا العمل على السياسة العامة للدولة وعلى عملية اتخاذ القرار السياسي فيها، فشخص يطالع كتابا سياسيا لا يعني انه يمارس مشاركة سياسية، وشخص ليس له موقف سياسي أو يتخذ موقفا سلبيا تجاه المجتمع وأحداثه ويرفض أن يندمج في المؤسسات السياسية القائمة -شرعية وغير شرعية- لا يمكننا القول إنه يشارك سياسيا، حتى لو كان عاطفيا ووجدانيا له ميول سياسية، فالسلوك الفردي لا يتحول إلى سلوك سياسي فعلي إلا إذا كان متجها نحو التأثير على النسق السياسي أو على المجتمع بشكل عام.
ومن هنا يرى جان رانجر Jean Renger أن السلوك السياسي يعني تصرفات الفرد تجاه المجتمع السياسي الذي يعيش فيه وأشكاله متعددة... وعمل السلوك السياسي مرتبط بمؤسسة لها قواعدها وقيمها التي ترتبط بالثقافة السياسية(1).
وفي نفس السياق نرى بأن الشخص الذي يمارس سلوكا سياسيا وهو قاصرا أو جاهلا عن فهم الأبعاد السياسية لسلوكه، كالسير في مظاهرة بشكل عفوي وهو لا يعلم أسباب قيام المظاهرة وأهدافها، أو يذهب إلى اجتماع سياسي حزبي أو غير حزبي دون أن ينتمي إلى حزب ما ودون أن يعرف موضوع المحاضرة وأهداف المتناظرين، لا يعتبر أنه مشارك سياسي، أيضا الشخص الذي يذهب للإدلاء بصوته تحت طلب قريب له أو إرضاء لجار أو صاحب نفوذ لا يعتبر أنه يمارس مشاركة سياسية حقيقية.
فالمشاركة السياسية ليست تصرفا فرديا عفويا بل علاقة ثنائية تفاعلية ومقصودة، المواطن السياسي من ناحية، والنسق السياسي من ناحية أخرى، وإذا لم يحدث التفاعل والتأثير المتبادل بين الطرفين يصعب الحديث عن مشاركة سياسية.
فلا غرو أذن أن المشاركة السياسية لا تتجلى من خلال السلوك الفردي فقط فهذا السلوك يكون مؤشرا على إمكانية وجود المشاركة السياسية، إلا أن هذه الأخيرة لا تتم إلا بعد أن يحدث التفاعل مع الطرف الثاني ويصبح القرار السياسي أو السياسة التي تتبناها الدولة هي محصلة لمجموع السلوك السياسي للإفراد المتجه نحو السلطة السياسية، وهو الأمر الذي يدفعنا إلى القول بإمكانية وجود سلوك سياسي للإفراد دون وجود مشاركة سياسية.
أما بالنسبة للملاحظة الثانية، أي اعتبار المشاركة السياسية عملا إراديا، فيعني استبعاد كل أشكال المشاركة في دعم النسق السياسي أو في معارضته من طرف الأفراد بغير توفر الإرادة الحرة، فالخدمة العسكرية الإلزامية لا تعتبر مشاركة سياسية بمفهومها الدقيق، وكل الأعمال القسرية التي تفرض على الأفراد أعمالا ذات طبيعة سياسية -وخصوصا في الأنظمة الدكتاتورية-لا تندرج في إطار المشاركة السياسية- والقسر هنا لا تقتصر ممارسته على السلطة، كتصويت الناخبين على برنامج ما أو المشاركة في إعادة انتخاب رئيس الدولة، وإجبار المواطن على الانخراط في الحزب الحاكم خوفا من السلطة، بل أيضا قيام شخص بالانخراط بحزب سياسي -في إطار المجتمع المدني- لان صاحب الحزب ذو نفوذ وسلطة، أو قيام شخص بأعمال (عنف سياسي)- كقتل مسئول سياسي أو وضع متفجرات- طمعا في المال أو خوفا على حياته، لا تعد هذه التصرفات مشاركة سياسية، فالمشاركة السياسية تأتي كتعبير عن قناعة وإيمان من المواطنين بأنهم جزء من النسق السياسي لهم مصلحة مباشرة في دعمه أو معارضته. وعليه فإن المشاركة السياسية لا تنفصل عن الوعي السياسي المتحصل بالتنشئة السياسية ولا تنفصل عن الثقافة السياسية للمجتمع، ثقافة تنمي روح المشاركة وتحمل المسؤولية أو ثقافة تنمي روح الاغتراب والانكفاء على الذات-.
ومما لاشك فيه أن المشاركة السياسية ليست فعلا ماديا فقط بل قيم وعواطف وشعور بالانتماء، وإرادة في التغيير، وإحساس من المشارك بأنه جزء من الوطن وأن المشاركة حقا من حقوقه السياسية، وأنه عن طريقها يستطيع أن يغير في سياسة الدولة وتوجهاتها العامة. وقد طور كل من فيربا وني شو Verba an Nieshw نموذجا لطرق المشاركة السياسية يحملانه في تمايز أربعة شروط: 1- التصويت، 2- نشاط في حملة، 3- نشاط اشتراكي، 4- اتصالات خصوصية.
فهذه الأنواع من المشاركة هي إلى حد ما جلية وواضحة باستثناء الشرطان الأخيران، فالنشاط الاشتراكي أو المشاعي يشمل الاتصال بالسلطات الرسمية حول الشؤون الاجتماعية، والاتصالات الخصوصية بشأن المشاكل الحالية
فالمشاركة السياسية ومن منظور التحليل النسقي للنظام السياسي، لها طابع وظائفي، فهي بالنسبة للنسق السياسي تدعم النسق وتضفي عليه مظهرا ديمقراطيا، وتشرعن قراراته، وتقوي من مرتكزاته الشعبية، وتحصر احتمالات الإخلال بالنظام السياسي باللجوء إلى العنف كفعل من خارج قنوات المشاركة السياسية.
والمشاركة السياسية بالنسبة للمواطنين لها وظيفة التعبير عن الحرية الشخصية واكتمالها، وعن طريقها يفرغ المواطنون شحناتهم النفسية والعاطفية والسلوكية تجاه الأمور السياسية بممارسة فعلية تشعرهم بالطمأنينة وبالقدرة على التأثير على مجريات الحياة السياسية، كما أنه عن طريقها يتوصل الأفراد إلى تحقيق مطالبهم السياسية والاجتماعية.
ويورد بيرلسون Berelson، عده خصائص للمشارك السياسي هي:
1- "الاهتمام، المناقشة، الدافع" فحتى يكون المواطن مشاركا يجب أن يهتم بالأمور السياسية العامة، ويساهم في النقاش الدائر حولها، ويكون لديه حافز أو دافع حتى يشارك في الحياة السياسية.
2- "المعرفة" فكما سبق الذكر، يشترط في المواطن شروط المعرفة والإلمام بالمسائل السياسية، وأن تكون مشاركته على هدى هذه المعرفة ونابعة من قناعة بخط سياسي ما أو معارضة لخط سياسي ما.
3- "المبدأ" المشاركة السياسية لا تكون بدافع المصلحة الشخصية لتحقيق منافع خاصة -ودرء مضار- بل تكون انصياعا وإيمانا بمبدأ يرتبط بالمصلحة العامة.
4- "الرشد" بمعنى أن يكون المواطن عاقلاً ناضجاً، يعرف كيف يتصرف، ومن المعلوم أن الدول لا تعطي حق المشاركة في الانتخابات إلا بعد بلوغ سن الرشد وبعضها يؤخر هذا الحق، نظرا لكون الشباب يميلون إلى الأفكار الثورية والمتطرفة وكلما زادوا نضجا زادوا اعتدالا أو محافظة.
لقد وضع "ليستر ميلبراث" L. Milbrath تصميما هرميا للاهتمامات السياسية يصنف فيه تدرج الأنشطة السياسية تبعا لأهميتها عند المشاركة كما يلي:
الأنشطة أو الاهتمامات ذات الصفة التصارعية/ المنازلاتية، وتضم:
• الجمعيات العمومية والأحزاب الرسمية.
• الترشيح لوظيفة رسمية.
• السعي إلى مراكز سياسية.
• التحول إلى عضو نشط في حزب سياسي.
• المساهمة بالوقت في حملة سياسية.
الأنشطة أو الاهتمامات ذات الصفة الانتقالية:
• حضور لقاء سياسي أو جمع.
• المساهمة المالية من أجل حزب أو مرشح
• لقاء موظف رسمي أو قائد سياسي.
الأنشطة أو الاهتمامات ذات صفة التفرج أو المشاهدة:
• ارتداء بذلة ذات أزرار أو إلصاق علامة على السيارة
• محاولة إقناع الآخرين بالتصويت في اتجاه ما.
• فتح نقاش سياسي.
• التصويت.
• العمل على التحفيز السياسي.(1)
ولا جدال هنا أن المشاركة السياسية ترتبط بالحرية الشخصية للمواطن، وبسيادة قيم المساواة، وبإقرار الحاكمين بحق المحكومين بأن لهم حقوقا دستورية وقانونية تمنحهم الحق بالمشاركة في اتخاذ القرار، وأن من واجب الحاكمين إتاحة الفرص أمام المواطنين لممارسة حقهم في المشاركة السياسية دون ضغط أو إرهاب. وبالرجوع إلى بدايات ظهور المشاركة سنلاحظ أنها كانت حقا من الحقوق التي يتمتع بها المواطن إذا توفر على شروط محددة، فأفلاطون مثلا وفي كتابه المدينة الفاضلة، حصر حق المشاركة في الحياة السياسية على الحكام الفلاسفة، وعلى نفس الطريق سار أرسطو الذي جعل التمايز بين الأفراد عمل من إرادة الإله لا يجوز التمرد عليه: "بعض الكائنات منذ الولادة مخصص بعضها للطاعة والآخر للآمرة".
وفي أثينا التي هي مهد الديمقراطية كان مفهوم المواطن المرادف لحق المشاركة في الحياة السياسية هو ذلك الاثيني الذكر المولود من أبوين أثينيين، وبالتالي كانت أثينا تستثني من المشاركة النساء والعبيد والأجانب.(1) وفي أوقات أخرى كان التعليم والملكية هما الأساس الذي بمقتضاه يمارس المواطن حق المشاركة، واليوم مازالت بعض الدول التي تطبق الديمقراطية، تحرم النساء حق الترشيح في الانتخابات أو المشاركة في بعض أوجه النشاط السياسي. -كما هو الحال في التجربة الديمقراطية في الكويت- وغيرها من دول العالم الثالث ذات بنيات "الدولة التقليدية"، فحسب مقارنة أجراها صامويل هنتنغتون ونيلسون، بين المشاركة السياسية في المجتمعات التقليدية والمجتمعات العصرية (بين الدولة التقليدية والدولة الحديثة)، يتبين أن المشاركة السياسية في الأخيرة تتميز بالمدى الواسع لمشاركة الأفراد في السياسة بينما تظل في الأولى مقصورة على مجموعات مختارة وضئيلة للغاية(2).
ويبدو أن ابتعاد أو استبعاد النساء عن المشاركة السياسية هي ظاهرة تاريخية واجتماعية متأصلة في جميع الشعوب ولكن بنسب متباينة، فحسب إحصائية حديثة -2003- فان معدل نسبة النساء المشاركات في البرلمانات عبر العالم هي 15.2% من الأعضاء، أعلاها في الدول الاسكندنافية 39.7% وفي البرلمان الأوروبي 31% وفي آسيا 15.4% أما في الدول العربية فهي 5.6% وهي نفس النسبة في المجلس التشريعي الفلسطيني. وهذا يؤكد أن العوائق أمام مشاركة المرأة ليست سياسية وقانونية فقط.
لا محاجة هنا أن المشاركة لم تظهر كسلوك سياسي يعطي المواطن الحق في أن يكون له رأي ودور في الحياة السياسية، إلا في مرحلة انتقال حكم المجتمعات من الحكم الإلهي للملوك المؤسس على علاقة راع ورعية، وأن الشأن السياسي هو من الأسرار والحقوق الخاصة بالحاكمين الذين لا إرادة للشعب في تنصيبهم ‏‏‏‏‏ولا إرادة له في إزاحتهم عن السلطة، إلى مرحلة سيادة الشعب ومفهوم إرادة الأمة والحرية للجميع، بحيث لم تعد السياسة علاقة أحادية الجانب، من أعلى إلى أسفل فقط، بل أصبحت تأخذ شكلا علائقيا تفاعليا متعدد الجوانب والأبعاد –من أسفل إلى أعلى وبالعكس- من المجتمع إلى الحاكمين ومن الحاكمين إلى المجتمع، فموائل القدرة السياسية أصبحت تتموضع داخل المجتمع وفئاته ومؤسساته الاجتماعية، وليس في مصدر مفارق للمجتمع.
المطلب الثاني: مستويات وأشكال المشاركة السياسية
أولا: مستويات المشاركة السياسية
بصورة عامة تختلف مستويات المشاركة السياسية ما بين المجتمعات، وداخل المجتمع الواحد من زمن إلى آخر ومن نظام حكم إلى آخر، فالمشاركة قد تصل إلى مرحلة تولي المناصب السياسية العليا، وقد تقتصر على الإدلاء بالصوت الانتخابي، كما أنه يلاحظ بشكل عام أن إقبال الرجال على المشاركة يفوق إقبال النساء، وإقبال الشباب يفوق إقبال الشيوخ، وتلعب عدة اعتبارات نفسية واجتماعية واقتصادية، دورا في تحديد واقع المشاركة السياسية.
وفي دراسة أجراها كارل دوتش في بداية الستينات حدد ثلاثة مستويات للمشاركة السياسية:(1)
1- المستوى الأول: وهو الأعلى وهم النشطاء في العمل السياسي وقد وضع كارل دوتش ستة شروط رأى أن توفر ثلاثة منها في شخص ما يجعله منتميا إلى هذه الفئة والشروط هي:
‌أ- عضوية منظمة سياسية.
‌ب- التبرع لمنظمة سياسية أو لمرشح الانتخابات العامة.
‌ج- حضور اجتماعات سياسية بشكل دوري.
‌د- المشاركة في الحملات الانتخابية.
‌ه- توجيه رسائل بشأن قضايا سياسية للسلطة التنفيذية أو النيابية أو للصحافة.
‌و- الحديث في السياسة مع أشخاص خارج نطاق الدائرة الضيقة المحيطة بالفرد.
2- المستوى الثاني: ويشمل المهتمون بالنشاط السياسي، وأهمهم الذين يدلون بأصواتهم في الانتخابات ويتتبعون بشكل عام ما يحدث في الساحة السياسية.
3- المستوى الثالث: ويشمل الذين يشاركون بشكل موسمي في العمل السياسي، أو يشاركون اضطراريا في أوقات الأزمات وعندما تكون مصالحهم مهددة.
أسباب الاستنكاف عن المشاركة:
إذا كانت المشاركة السياسية تعبيرا عن حرية المواطن في التعبير عن رأيه بصراحة وتعتبر حقا من حقوقه التي يؤمنها له الدستور -في الدول الديمقراطية- فإن المواطن لا يلجأ دائما إلى ممارسة هذا الحق، فكثير من الأفراد لا يهتمون بالحياة السياسية العامة، ولا يتتبعون أخبارها، بل ويتهربون من كل أمر له علاقة بالسياسة.
ويمكن اختصار أسباب الاستكناف عن المشاركة السياسية بما يلي:
1- بتأثير تنشئة سياسية تلقاها الفرد وعززت لديه "فضيلة" الابتعاد عن السياسة وهمومها، وترك الأمور السياسية لأهلها وهذا النوع من التنشئة يسود في المجتمعات التقليدية ما قبل الديموقراطية كالمجتمع العربي، والتي تنمي لدى الفرد ما سماه الطاهر لبيب (برادغم الطاعة).(1)
2- الخوف من السياسة والسلطة، ومن تبعاتهما: وهو أمر إما ناتج عن واقعة محددة، تعرض بمقتضاها المواطن للضرر -كالسجن أو الضرب أو الغرامة- لأسباب سياسية، أو ناتج عن ضعف شخصيته وإحساسه بعدم القدرة على تحمل المسؤولية، ولو على مستوى إبداء الرأي.
3- الإحساس بعدم الجدوى وبعبثية المشاركة السياسية: وهذا الإحساس يتولد عادة في الدول التي تسود فيها ديمقراطية شكلية وانتخابات غير نزيهة، حيث يشعر المواطنون أن الأمور محددة مسبقا، وأن الانتخابات ما هي إلا لعبة لإضفاء الشرعية على الوضع القائم، وأن الأحزاب السياسية هي جزء من هذه اللعبة السياسية، وأن نتائج صناديق الانتخابات ليست هي النتائج المعلن عنها رسميا، كل ذلك يدفع المواطن إلى الاستنكاف عن المشاركة بالرغم من معرفته أن له حق المشاركة.
4- الجهل والأمية: بحيث أن عدم دراية المواطن بما يجري حوله وجهله بالحياة السياسية، وعدم قدرته على المفاضلة بين البرامج المتصارعة، أو معرفة أسباب الصراعات السياسية الدائرة، يولد لديه إحساس بأن لا دور له في الحياة السياسية وأن من الأجدى التقوقع على ذاته وتوفير جهده لأمور أخرى.
5- عدم الرضا عن النسق السياسي القائم برمته: حيث أن بعض الأفراد، ومنهم مؤطرين في قوى سياسية معارضة، ينظرون إلى الحياة السياسية السائدة/ كنظام وقوى معارضة تعمل ضمن شرعية الوضع القائم/ بأنها لا تستند إلى مشروعية حقيقية وبالتالي فإن مشاركتها في الحياة السياسية ضمن قنوات العمل السياسي المحددة من طرف النظام السياسي، تعتبر تزكية للوضع القائم وتمنحه مزيدا من المشروعية.
6- ضعف الحس الوطني وغياب الإحساس بالمسؤولية لدى شرائح من المجتمع -وخصوصاً الشرائح العليا المترفة-: الأمر الذي يولد لديهم نوعا من الاستهتار بالسياسة ككل، لأنهم يعتقدون أن السياسة والمشاركة السياسية ما هي إلا ملهاة للفقراء وممن ينتمون إلى الطبقة الوسطى، الساعين إلى السلطة والثروة وتحسين شروط حياتهم(1)، أما هم فمكتفون ماديا ولا يعنيهم من يحكم ومن ينجح في الانتخابات أولا ينجح، وهؤلاء المرفهون لا يهتمون بالمشاركة السياسية إلا إذا شعروا أن مصالحهم مهددة بشكل مباشر.(2)
7- وأخيراً يحدث تراجع في المشاركة السياسية، في الدول الديمقراطية المتقدمة والمستقرة سياسيا، حيث يشعر الأفراد بالاطمئنان إلى النظام السياسي القائم وإلى مؤسساته وآليات عمله، فيمحصونه ثقتهم الكاملة، وتقتصر مشاركتهم السياسية، إذا طلب منهم الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات، وحتى في هذه الحالة لا تكون المشاركة قوية ومن الأسباب الأخرى لهذا الاستنكاف عن المشاركة هو وجود مؤسسات وأجهزة أخرى -كوسائل الإعلام ومؤسسات قانونية واجتماعية- تقوم بمهمة المراقبة للنظام السياسي وضمان عدم خروجه عن القواعد الديمقراطية للمجتمع، أيضا إحساس المواطن في هذه المجتمعات بأن كل شيء متحقق له ولا ينقصه شيئا، فلماذا يشغل نفسه بالسياسية وهمومها، لأن ذلك بالنسبة إليه من الأمور الهامشية التي يستعيض عنها عن طريق اهتمامه بما يحقق له رغد العيش والرفاهية، كاهتمامه بأمور التعليم والإعلام ورفع مستوى المعيشة وتأمين أوقات الفراغ(1)، وهذا مثلا على عكس ما هو الأمر في المجتمعات الثالثية، حيث إن عدم الثقة بالنظم السياسية القائمة، وحالة الفقر المدقع وسوء توزيع الثروة، وعدم توفر الاحتياجات الأساسية للمواطنين، يدفعهم إلى الاهتمام بالمسائل السياسية ومرجع هذا الاهتمام هو الرغبة بحياة أفضل والتساؤل عن أسباب الفقر السائدة، وهم لا يتورعون في سبيل تغيير الوضع إلى ممارسة السياسة بأقصى حالات تطرفها- ثورات انقلابات، عنف.
ثانياً: دوافع المشاركة السياسية
هناك أسباب تدفع إلى المشاركة سياسيا، فالمواطن السياسي هو أولا إنسان عاقل ولا يمارس سلوكاً اجتماعياً/ سياسياً، إلا إذا كان يعرف أن هناك فائدة أو مصلحة شخصية أو عامة، مادية أو معنوية، عاجلة أو مؤجلة، تحفزه على المشاركة(2). لا شك أن المشاركة السياسية واجب وطني على كل البالغين العاقلين لكن الواجب الوطني لوحده لا يحقق مشاركة سياسية فعالة، فالمشاركة عمل إرادي ويمكن أن نذكر أهم الأسباب الدافعة للمشاركة السياسية:
1- الدوافع النفسية، حيث يسعى المشارك سياسيا لإثبات وجوده، وتأكيد ذاته كإنسان حر الإرادة قادرا على اتخاذ موقف في موضوع سياسي له أهميته، فالمشاركة بالنسبة له تأتي لتمنحه نوعا من الطمأنينة والثقة بالنفس.
2- المشاركة كتعبير عن وعي سياسي: فالعديد من المشاركين السياسيين يتعاملون مع المشاركة كنوع من الواجب الوطني وكمسؤولية وطنية يجب أن لا يتقاعس المواطن الحقيقي عن القيام بها، فالمشارك هنا يربط بين الحقوق التي يحصل عليها لكونه جزءا من المجتمع، وواجباته تجاه هذا المجتمع، وبالتالي يتعامل مع المشاركة كواجب وطني.
3- المشاركة السياسية كأداة للتعبير عن مطالب: وفي هذه الحالة، قد تكون المطالب ذات صبغة نقابية أو سياسية أو اجتماعية، فالمشارك ‏في استفتاء للرأي أو في انتخابات رئاسية أو في الانتماء لحزب سياسي، يكون دافعه لذلك تلبية مطالب يرى أنه بهذه المشاركة سيحققها.
4- المشاركة السياسية بدوافع دينية أو عرقية: ويتجلى هذا النوع من المشاركة عند الحركات القومية والجماعات الدينية، فأفراد هذه الجماعات يجدوا في المشاركة أداة فعالة لإظهار فكرهم القومي أو الديني، وإقحام حركتهم ضمن السياسة العامة للدولة، والملاحظ أن هذا النوع من المشاركة يخدم ثقافة سياسية فرعية ويعتمد على قنوات خاصة للتنشئة السياسية، وغالبا ما تأخذ المشاركة من هذا النوع طابعا عنفويا صراعيا مع النسق السياسي.
5- المشاركة السياسية، خوفا من السلطة(1): وهذا النوع من المشاركة يوجد في بعض دول العالم الثالث وخصوصا لدى الشرائح التقليدية والأمية، فإفراد هذه الجماعات يرون في التصويت في الانتخابات، أو في الاستفتاء، أو الخروج في مظاهرة أو المشاركة في تجمع تدعو إليه الدولة، أمورا سلطوية وأوامر صادرة من أعلى ما عليهم سوى الخضوع لها، وهم يعتقدون أن الاستنكاف عن المشاركة -كالامتناع عن الإدلاء بالصوت في الانتخابات- بمثابة تحد للسلطة وموقف معاد وأن السلطة ستعلم بأمرهم ويمكنها أن تعاقبهم، وعليه يسارعون للمشاركة بدافع الخوف.
6- المشاركة السياسية طلبا لمنصب أو لموقع وظيفي أفضل، فالعديد من الشباب يجدوا في السلطة ومؤسساتها مواقع للعمل المريح أو المربح ويجدوا فيها ما يتناسب مع طموحاتهم، فينخرطوا في العمل السياسي بحماسة حتى يتمكنوا من تحقيق طموحاتهم، إما بالوصول إلى البرلمان أو قيادة حزب من الأحزاب وحتى الوصول إلى الوزارة.
7- المشاركة السياسية كسياسة دفاعية ضد خطر متوقع: قد يكون المواطن لا مباليا سياسيا، إلا أن أحداثا تمر بها البلاد تهدد مصالحه أو قيمه أو معتقداته، تدفعه للخروج من حالة اللامبالاة وينخرط في الحياة السياسية لمواجهة الخطر الداهم، مثلا انتشار الأفكار العنصرية والمتطرفة واحتمال وصولها إلى السلطة، أو تحرك العلمانيين ومشاركتهم في الحياة السياسية بقوة إذا شعروا بأن الحركات الأصولية بدأت تكتسح الشارع وتؤثر على الرأي العام، أو عكس ذلك.
8- المشاركة السياسية كمظهر من مظاهر التضامن العائلي أو القبلي، فالمشارك لا تكون له أي ميول سياسية، ولا يرغب في شغل أي منصب سياسي، ولا ينتمي لأية جماعة سياسية، ولكنه يشارك في الانتخابات مثلا، ليدعم أخا له أو عما أو قريبا ليضمن نجاحه، وهذا النوع من المشاركة، يعد آنيا وظرفي.
ثالثاً: أشكال أو قنوات المشاركة
إن معظم الدراسات السياسية التي تناولت المشاركة السياسية تمت في الغرب وكانت سلوكية المنهج، لذلك أتت جل البحوث ممأسسة (منمذمجة) وقارة وتعتمد على الفرد وأنشطته أكثر من اعتمادها على النسق السياسي بشكل شمولي لذلك تختلف أشكال ومظاهر المشاركة السياسية باختلاف سلوكيات الأفراد(1)، فيمكن تقسيمها إلى:
1- مشاركة مؤسساتية ومشاركة منظمة ومشاركة مستقلة أو انفرادية، ونقصد بالمؤسساتية أو الرسمية، أن المشاركة تحدث عن طريق السلوكيات والمؤسسات الرسمية والدائمة للدولة، فالمشاركة السياسية على هذا المستوى تعني أولئك المسئولين السياسيين الذين يقومون بوظائفهم السياسية الثابتة، كرئيس الدولة والوزراء والبرلمانيين والأعوان التنفيذيين، والمسئولين عن وسائل الإعلام من تلفزة وإذاعة وصحافة أو بشكل آخر أولئك المنخرطين في النظام السياسي.
أما المشاركة المنظمة، فهي المشاركة المنظمة في إطار مؤسسات أو تنظيمات قائمة تشكل حلقة الوصل بين المواطن السياسي والنظام السياسي، أو بمعنى آخر أنها الأجهزة التي تقوم بمهمة تجميع ودمج المطالب الفردية والتعبير عنها -حسب التحليل النسقي- وتحويلها إلى اختيارات سياسية عامة في إطار برامج محددة. ومن هذه الأجهزة المنظمة الأحزاب السياسية، والنقابات وجماعات الضغط.
أما المشاركة المستقلة، فهي مشاركة المواطن بصفة فردية فالمواطن هنا يتمتع بحرية مطلقة في تحديد نوع مشاركته ودرجتها، ومخير في أن يشارك أو لا يشارك، وفي بعض الدول تفضل المشاركة الفردية، وفي دول أخرى -مثلاً المغرب- تفضل المشاركة السياسية المنظمة والمؤسساتية.
2- ويمكن تقسيم المشاركة إلى مشاركة ظرفية ومشاركة دائمة أو مستمرة.
المشاركة الظرفية، ونسميها ظرفية لأنها فعل آلي يمارسه الفرد لمدة واحدة أو عدة مرات في مناسبات محددة ثم يكمن سياسياً، ومن مظاهرها التصويت في الانتخابات، وفي الاستفتاءات، هذه المشاركة تخص غالبا غير النشطين سياسيا من الجمهور وغير المؤطرين سياسيا وغير المؤدلجين.
أما المشاركة السياسية المستمرة والدائمة فهي أكثر أهمية بالرغم من أن عدد المنخرطين فيها قد يكون أقل، ومن تمظهراتها المشاركة في الأحزاب السياسية والنضال السياسي داخلها، سواء خلال الحملات الانتخابية أو ما قبلها أو بعدها، والمشاركة في الجمعيات والمنظمات وجماعات الضغط التي تمارس دورا في التنشئة السياسية وفي محاولة طبع الثقافة السياسية بطابعها، ومنها الانتماء إلى الجمعيات والمنظمات الشبابية والنسوية، والجمعيات الدينية المسيسة، والنقابات والحركات الطلابية، وحركات الدفاع عن البيئة، وحتى جماعات العنف السياسي وكذا جماعات المصالح. ونشير هنا إلى أن المشاركة السياسية من خلال هذا النوع من التنظيمات هي أكثر بروزا في المجتمعات الديمقراطية التي تعتبر مأسسة المجتمع وفعالية المجتمع المدني ركنان أساسيان في بنيتها السياسية.
وبصورة عامة إذا أردنا أن نحصر القنوات التي من خلالها يشارك المواطن سياسيا وبالتالي يمارس حقه في التأثير على متخذي القرار السياسي، أو يسعى ليكون من أصحاب القرار السياسي أي أن تكون مشاركته مؤسساتية فهي كما يلي:
1- المشاركة عن طريق التصويت في الانتخابات:
يعد التصويت في الانتخابات أهم مظاهر المشاركة السياسية في النظم الديمقراطية، ويرتبط التصويت مباشرة بالديمقراطية التمثيلية التي تعني أن الشعب يمارس السلطة من خلال ممثليه، فحتى يشارك الشعب في السلطة عليه أن يختار ممثليه، وهذا ما يتم عن طريق الانتخابات التي تختلف نظمها وأنواعها من مجتمع إلى آخر، ولكنها تتفق جميعا على أن الصوت الذي يدلي به المواطن في الانتخابات (رئاسية أو نيابية، عامة أو جزئية) هو النصيب الفردي للمواطن في المشاركة السياسية، وأن مجموع الأصوات المجمعة والتي تشكل الغالبية هي تعبير عن إرادة الأمة.
وبالرغم من أن التصويت يعتبر أحد أهم القنوات التي تربط الفرد بالنظام السياسي، إلا أن الحكم على مدى فعالية وصدق الانتخابات كمعبر عن إرادة الأمة، وكتجسيد للمشاركة السياسية للمواطنين، يرتبط بطبيعة النظام السياسي، ومدى صدق توجهات الديمقراطية، وخصوصا انصياعه لما تفرز صناديق الانتخابات وقبوله بمبدأ التناوب على السلطة، أيضا مدى نزاهة الانتخابات.
2- المشاركة عن طريق الاستفتاء الشعبي:(1)
ويلجأ إلى هذا النوع من المشاركة الأنظمة الديمقراطية، التي تفضل قبل تطبيق قانون أو إجراء تزمع اتخاذه أن ينال الموافقة الشعبية عليه فتلجأ إلى الاستفتاء الشعبي، وأحيانا يكون الاستفتاء إجباريا وأحيانا تكون الحكومة حرة في اللجوء إليه، ومن أمثلة الاستفتاء الشعبي ما لجأ إليه الرئيس الفرنسي شارل ديغول عام 1969 حيث طرح مشروعا هو صاحبه على الاستفتاء الشعبي، وكان يرمي من ورائه التأكد من مدى تأييد الشعب لشخصه، وعندما لم يحصل المشروع على الأغلبية اللازمة قدم استقالته.
3- المشاركة عن طريق الاعتراض الشعبي:
وهو نوع من المشاركة تلجأ إليه بعض النظم السياسية وفي حالة محددة دستوريا، حيث يُعطي للمواطنين حق الاعتراض على قانون صادر عن البرلمان خلال مدة معينة، ويكون لهم الحق في المطالبة بعرضه على الاستفتاء الشعبي.
4- المشاركة عن طريق الاقتراح الشعبي:
فبعض الدساتير تمنح للأفراد حق اقتراح مشروع قانون أو فكرة تصلح لا تكون قانونا، وعرض أي منها على الجهات المنصوص عليها دستوريا.
5- المشاركة السياسية عن طريق طلب إعادة الانتخاب:
حيث يمنح الدستور للمواطنين الحق في الاعتراض على انتخاب بعض النواب، أو الجمعية العمومية بكاملها، أو مسئولين عموميين إذا طعنوا في نزاهة انتخابهم، أو أثاروا الشكوك حول دستورية وقانونية ممارساتهم.
6- المشاركة السياسية باللجوء إلى وسائل الضغط:
كممارسة حق الإضراب أو القيام بالمظاهرات لأهداف سياسية، أو العصيان المدني، وحتى اللجوء أحيانا إلى العنف ضد مؤسسات الدولة أو رموزها. وهذا النوع من المشاركة يلجأ إليه عندما تغلق قنوات المشاركة الشرعية الأخرى.
7- المشاركة عن طريق جماعات الضغط:
ففي بعض الأحيان لا تكون القنوات الرسمية للمشاركة فاعلة أو مجدية، فتلجأ جماعة من المواطنين لهم مصلحة مشتركة بالتأثير على متخذي القرار من خلال تشكيل جماعة ضغط (لوبي) يمارس ضغطا إما مباشرة على رئيس الدولة والجهاز التشريعي أو على الجهاز البيروقراطي، لإجبارهم على اتخاذ قرارات تصب في مصلحة هذه الجماعة، أو إجبارهم على التراجع عن قرار متخذ ضد مصالحها، وأمثلة جماعات الضغط أكثر وضوحا في الولايات المتحدة والدول الأوروبية، كاللوبي الصهيوني، أو اللوبي الصناعي العسكري، ولوبي خاص بالفلاحين والمزارعين، وآخر خاص بالمؤسسات الدينية الخ.
8- المشاركة عن طريق تنظيمات المجتمع المدني:
كالجمعيات النسوية والاتحاديات الطلابية والجمعيات الثقافية، والنقابات، والجمعيات الدينية، فهذه المؤسسات تعتبر قناة مهمة للمشاركة السياسية حيث تعمل على بلورة رأي عام ضاغط على الحكومة، بحيث تصبح هذه الأخيرة تحسب لها ألف حساب عند صياغتها لقراراتها، وتكون عادة المشاركة السياسية في هذه القنوات فاعلة ونشطة في المرحلة السابقة لإجراء الانتخابات، لمالها من دور في التأثير على الخيارات السياسية للمواطنين فتوجههم للتصويت على هذا الحزب أو ذاك، ومن المعلوم أن الأحزاب السياسية من جهة والنظام السياسي من جهة أخرى يسعى كل منهما إلى استقطاب هذه الجمعيات لجانبه، أو على الأقل ضمان حيادها، كما يسعى كل منهما إلى تأسيس أكبر عدد ممكن من هذه الجمعيات.
9- المشاركة عن طريق الأحزاب السياسية:
تعد الأحزاب السياسية من أسس الأنظمة الديمقراطية، وأهم المؤسسات السياسية التي تضفي طابعا ديمقراطيا على النظام السياسي، وتعتبر حجر الزاوية في تأطير المشاركة السياسية، وتفعيلها وفي ربط الجسور ما بين المواطن الراغب في المشاركة والسلطة السياسية، حيث يصاغ القرار السياسي، فهي تقوم في الأنظمة الديمقراطية بمهمة تجميع المطالب الشعبية والتعبير الجمعي عن الارادات والمواقف الفردية للمواطنين، كما تعتبر هي منطلق وأساس المشاركة في البلاد المتخلفة (إلى جانب الطبقة والجماعة الاجتماعية والجيرة السكنية والتجمعات الشخصية) وتعتبر وعاءا للتنمية السياسية عن طريق مزجها بين المدينة كمصدر للتحديث السياسي والقرية كمصدر للاستقرار السياسي(1).
ففي أثناء الانتخابات، تعتبر الأحزاب -في الأنظمة التي تعرف تعددية- المحرك الأساسي لعملية الانتخابات، فعن طريقها يقدم المرشحون وتحدد البرامج السياسية والمواقف كما أنها تساهم في تعبئة الرأي العام وإقحامه في الحياة السياسية وحث المواطنين على المشاركة السياسية، بما تتوفر عليه من وسائل إعلام ومراكز حزبية منبثة في كافة أقاليم الدولة، ونظرا للدور الذي تلعبه الأحزاب في مجال تفعيل المشاركة السياسية، تقدم الدول إعانات مالية للأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات لتغطية نفقاتها الدعائية كما تفتح أمامها وسائل الإعلام الرسمية للقيام بمهمة الدعاية لمرشحها، وبعض الدول ترفض منح المشاركة السياسية من خلال الترشيح للانتخابات إلا لمن ينتمي إلى حزب من الأحزاب المعترف بها.
أما دورها في المشاركة السياسية خارج فترة الانتخابات فهو مستمر، فهي تشارك في الحياة السياسية، من خلال استقطاب المواطنين لعضويتها وبالتالي إشراكهم في الحياة السياسية، وتقوم بعملية تسييس للمواطنين من خلال صحفها الخاصة والندوات والاجتماعات التي تعقدها.
10- المشاركة السياسية الروتينية:
أو المشاركة في الأنشطة السياسية الروتينية Participation in routine political activities هي كل مشاركة أو كل تصرف إنساني فردي أو جماعي يؤثر بصفة مباشرة أو غير مباشرة في الحياة السياسية لنسق اجتماعي ما. فالعبرة في هذا النوع من المشاركة هي الأثر أو التأثير الذي يخلقه سلوك الفرد في العمل السياسي.
فحسب تعريف فيلوك.ك. واسيورن P.C.Wasburn تعتبر مشاركة سياسية –روتينية- كل عمل أو تصرف موجه إلى المطالبة أو استعمال القوة أو السلطة داخل نسق اجتماعي معين (كالعائلات والكنائس والأندية والمدارس والمستشفيات والاتحاديات والأمم... الخ... فكل هذه التشكيلات تمتلك قدرا من بنيات القوة، وكلها تحتوي على أنشطة سياسية -دائماً حسب تعبير "واسبورن"-... فكل نشاط أو قرار يتوفر في اتخاذ القرارات السياسية يعتبر مشاركة سياسية، وكل تصرف يؤثر أو يساهم في التأثير على طريقة تحديد صانع القرار داخل نسق معين، هو تصرف يدخل في خانة المشاركة السياسية.
"فكل تفكير أو تدبير -غير مطلوب داخل نسق اجتماعي ما، يعتبر تصرفا روتينياً في المشاركة السياسية –مثلاً- فرد يقوم بإحدى واجباته –الضريبية- يعتبر مشاركة سياسية روتينية، آخر يصبح مواطنا صالحا أو عضوا في تنظيم قانوني أو طالب مهتم، يصبح كذلك عن طريق المشاركة السياسية الروتينية.
ويعتبر واسبورن أن المشاركة السياسية الروتينية ينبغي أن لا تتناقض مع احترام الوقت، وبذل مجهود أقل زيادة على الاقتصادي المصاريف المتطلبة، ففي الولايات المتحدة أصبح التصويت في الانتخابات الوطنية من الأنشطة الروتينية، لذا لا يتطلب سوى وقت قصير، ومجهود أقلن ومصروف شخصي، وهذه تعتبر دائما أدوات مسكوت عنها في كل منظور(1).

المبحث الثاني
المشاركة السياسية والديمقراطية
أجمعت المقاربات التي تناولت المشاركة السياسية، على أنها حق يمنح للمواطنين يتجسد عمليا بعمل إرادي يقوم به المواطنون الراشدون للمشاركة في الحياة السياسية، إما من خلال التأثير على متخذي القرار أو بالمشاركة في اتخاذ القرار، ولاشك هنا أن صيرورة المشاركة السياسية حقا للمواطنين يعبر عن مرحلة من مراحل تطور الحياة السياسية والاجتماعية، وهي مرحلة التأسيس الديمقراطي، حيث انتزع الشعب حق حكم نفسه بنفسه وانتزعت الديمقراطية من الحكام حق احتكار الحكم والتفرد به وأسندته للشعب صاحب السيادة. وعليه فليس غريبا أن نلاحظ تساوق الحديث عن المشاركة السياسية تاريخيا بالحديث عن الديمقراطية، حيث أن الأولى تحيل إلى الثانية وبالعكس، بل إن الديمقراطية كصياغة عقلية جاءت لتصف وضعا كان سائدا في أثينا القديمة، وهو مشاركة المواطنين مباشرة في صياغة القرار السياسي وإدارة أمور الدولة.
إلا أن عملية الإحالة والربط ما بين الديمقراطية والمشاركة السياسية للمواطنين، لا يعني دائما تلازم الطرفين، فقد تكون مشاركة سياسية دون ديمقراطية حقيقية، بل يمكن أن تكون (مشاركة سياسية) في ظل أنظمة دكتاتورية واستبدادية، وقد تصل أنظمة ديمقراطية إلى ذروة استقرارها مع ضعف للمشاركة السياسية، بل أن الديمقراطية بمفهومها الأصلي (حكم الشعب بالشعب) وعلى مستوى التطبيق العملي لم تكن تمنح الحق بالمشاركة السياسية لجميع أفراد الشعب، بل كانت استثناءات الأمر الذي يتطلب منا تتبع العلاقة بين الطرفين تاريخيا، وصولا إلى واقع المشاركة السياسية اليوم.
المطلب الأول: المشاركة السياسية والديمقراطية بمفهومها التقليدي المثالي
كما سبق الإشارة، فقد ارتبط مفهوم الديمقراطية لدى الإنسان العادي بالمساواة والحرية وحق الجميع في المشاركة في الحياة السياسية، انطلاقا من التعريف الاشتقاقي للمصطلح (حكم الشعب بالشعب) وكما طبقت الديمقراطية في مصدرها الأول لدى اليونانيين القدامى -تحديدا في مدينة أثينا- وكما عُرِّفَت من قبل من سار على هديهم من المنظرين الكلاسيكيين للفكر الديمقراطي أمثال جان جاك روسو Jean Jacque Rousseau وجون ستيورات مل John Stuart Mill. إلا أن واقع الأمر أن التطبيق الفعلي في الأنظمة المسماة ديمقراطية لم يكن في يوم من الأيام يعطي حق المشاركة لجميع أفراد الشعب بلا استثناء، بل كانت مشاركة لجزء من الشعب، أو مشاركة غير مباشرة عن طريق الممثلين في مرحلة لاحقة(1).
اعتبرت المشاركة السياسية في أثينا -خلال القرن الخامس قبل الميلاد- من أهم المبادئ والالتزامات التي يجب أن يحرص عليها الاثيني حتى ينال شرف المواطنة وحتى يحترم في مجتمعه. وكانت المشاركة في الأمور السياسية للمدينة معيار المواطنة الحقة، حيث يقول بركليس Pericles القائد العسكري المشهور آنذاك بأن المواطن الذي لا يهتم بالشؤون العامة يعتبر عديم النفع ولا خير فيه، ويستطرد قائلا: "إننا دوما نستمع ونشارك بالرأي في شؤون الدولة عند مناقشة قادتها لها، لعلنا بذلك نصل إلى رأي صواب بشأنها فنحن لا نعتبر الحوار معوقا للتنفيذ الفعلي، بل العكس، نكره ألا نعلم ما نحن مقدمون عليه من قبل أن نلزم بفعله".
أما كيف يشارك المواطن في الحياة السياسية، فيتم ذلك عن طريق اجتماع أفراد الشعب (الجمعية الشعبية) التي تجتمع لاختيار الحكام والمحلفين وذلك عن طريق القرعة، دون تمييز بين "المواطنين" على أساس الطبقة أو الثروة أو المنزلة، فالمشاركة كانت مباشرة ولذا سمي نظام الحكم هذا الناتج عن مساهمة كل المواطنين على قدم المساواة وبحرية تامة، في اتخاذ القرارات السياسية بحكومة الشعب أو الديمقراطية.
ولكن السؤال الذي يثار هو ما مفهوم الشعب عند الاثينين؟ ومن هم المواطنون الذين يتساوون في جميع الحقوق دون استثناء؟
كلمة الشعب لها معنيين رئيسيين أحدهم واسع -التعريف الاجتماعي- والآخر ضيق -التعريف السياسي- فالشعب حسب المفهوم الاجتماعي هو المجتمع أي جميع أفراد الشعب من شباب وشيوخ نساء ورجال، عاقلين أو غير عاقلين أحرار أو فاقدي الحرية، فكل واحد من هؤلاء هو عضو في المجتمع وفرد من أفراد الشعب حسب هذا المفهوم. أما التعريف السياسي للشعب فيعني أولئك من لهم الحق في مباشرة الحقوق السياسية، ونطاق هؤلاء يختلف من مجتمع إلى مجتمع، وإن كان كمبدأ عام يستثني الأطفال والمعتوهين وفاقدي الحرية المدنية، أو من يسمون بالفقه الإسلامي من رفع عنهم القلم، ويختلف في أمر المرأة وفي السن الفاصلة بين الطفل أو المراهق ومرحلة الرشد التي تبيح للمواطن حق التمتع بالحقوق السياسية.
ومن الطبيعي ألا يتطابق المفهوم الاجتماعي للشعب مع المفهوم السياسي، فالمفهوم السياسي للشعب هو هيئة الناخبين، وهم الذين ينظمهم وضع قانوني معين يختلف من مجتمع إلى آخر، وبصورة عامة كلما تقدمت الديمقراطية نحو المثالية كلما تقلصت الفجوة ما بين المفهوم الاجتماعي للشعب والمفهوم السياسي إلا أنه وحتى على هذا المستوى من تعريف الشعب الذي يحق له أن يشارك في الحياة السياسية في المجتمعات المعاصرة، فإن أثينا كانت تقلص من نطاقه إلى أقصى حد بحيث أن الشعب الاثيني أو المواطنين الاثينيين الذين يتمتعون بالمساواة والحرية كان عددهم أحيانا يصل إلى عشر 10/1 الشعب بالمفهوم الاجتماعي.
فمن المعروف أن أثينا كما هو وضع المجتمعات القديمة، كانت تعرف نظاما طبقيا صارما، فقسم المجتمع الأثيني إلى طبقات متمايزة بل ومنفصلة عن بعضها بشكل حاد، ففي عهد دراكون في النصف الأول من القرن السابع عشر قبل الميلاد قسم المجتمع الاثيني على أساس طبقي مالي أي حسب ما يملكون من وحدات نقدية -ميديمنوس- فكانت أربع فئات:
1- فئة خمسمائة ميديمنوس أي من يملكون ثروة أو يمارسون عملا يدر عليهم ما يعادل هذا القدر. وهي أعلى الطبقات.
2- فئة الفرسان، وتليهم في المنزلة الاجتماعية، وهم من يكون دخلهم ما بين 500-300 ميديمنوس.
3- فئة الزيوجيتاي Zeugetae، ودخلهم ما بين 300-200 ميدينموس.
4- فئة التيتس Thetes ودخلهم أقل من 200 ميديمنوس.
وحسب التقسيم كانت المشاركة في الحياة السياسية وتقلد المناصب قاصرة على الفئتين الأولى والثانية، وحرمت الفئة الرابعة من الحق في المشاركة السياسية ومن الخدمة العسكرية، أما الفئة الثالثة، فقد سمح لها بالخدمة العسكرية وعضوية الجمعية الشعبية (إكليزيا).
إلا أنه مع الإصلاحات التي أدخلها صولون أصبح المجتمع الاثيني مقسما إلى ثلاث طبقات:
‌أ- طبقة الأحرار.
‌ب- طبقة الأجانب.
‌ج- طبقة العبيد أو الأرقاء.
وطبقة الأحرار هي فقط التي يذهب إليها مفهوم الشعب أو المواطنون الذين لهم الحق في المشاركة بالحياة السياسية، وأفراد هذه الطبقة هم المواطنون الأثينيون الذكور الأحرار ممن بلغوا سن العشرين، وعليه كانت الديمقراطية الأثينية تستثني من المشاركة السياسية، النساء والعبيد والمقيمين -الأجانب- وحسب هذا التحديد للشعب وللمواطنين، يمكن القول إن الديمقراطية الاثينية كانت حكم الأقلية وليس حكم الأغلبية، حيث كان عدد أفراد المواطنين الأحرار الذين لهم حق المشاركة في الحياة السياسية حوالي عشر سكان أثينا.
وحتى على هذا المستوى من التطبيق الديمقراطي في أثينا، فقد انتقد بعض فلاسفتها ما اعتبروه توسيع غير عقلاني للشريحة التي يحق لها المشاركة في الحياة السياسية، ويعتبر كلا من سقراط وتلميذه أفلاطون أشد المهاجمين للديمقراطية الاثينية، لقيامها على المساواة بين جميع أفراد الطبقة الأولى دون تمييز، فيقول سقراط في رده على أحد تلامذته المترددين في دخول معترك الحياة السياسية: "إنك لا ترهب مخاطبة أكثر الناس ذكاء ومقدرة، وهل أنت تخجل من مخاطبة جمهور من التافهين والبلهاء، ممن تخجل؟ من حلاجين وإسكافيين ونجارين وحدادين وفلاحين وتجار وأصحاب حوانيت في الأسواق، أناس كل همهم أن يشتروا بسعر أقل ليبيعوا بسعر أعلى؟ هؤلاء هم أعضاء الجمعية الشعبية "الاكليزيا"".(1)
أما أفلاطون (427-344ق م) فقد سمي الديمقراطية السائدة في عصره (بحكم الغوغاء)، وانتقد بشدة المساواة بين جميع أفراد الطبقة الأولى ومنح جميع أفرادها حق المشاركة في الحياة السياسية، صارخا: كيف نسوي بين الذين يعملون والذين لا يعملون، بين الأذكياء والأغنياء، بين الأقوياء الأصحاء والضعفاء أصحاب العلل والعاهات؟ ومن هنا طالب بأن تقتصر المشاركة السياسية وتقلد أمور الحكم على شريحة محدودة وهم الحكام الفلاسفة الذين يتلقون تربية خاصة ليقوموا بهذه المهمة، ففي كتابه الجمهورية خاطب الجمهور قائلا: "أيها المواطنون أنتم أخوة وإن الله قد صنعكم على درجة مختلفة، فالبعض منكم يتمتع بسلطة الأمر، وقد صنعه الله من ذهب مما يترتب عليه حصوله على أعلى مراتب الشرف، وفريق آخر صنعهم من فضة كي يكونوا معاونين، وفريق ثالث، فريق المزارعين والحرفيين وقد صنعهم الله من نحاس وحديد، إن هذه الأجناس سوف تستمر في الأبناء... وهناك نبوة تقول أنه لو حدث أن وقف رجل من النحاس أو الحديد في حراسة الدولة فإنها سوف تتحطم".(1)
مع هزيمة أثينا أمام جيوش إسبرطة حوالي عام 405 ق. م بدأ نجم الديمقراطية كممارسة وكفكر يخبو، ولم ينبثق من جديد إلا مع بداية عصر الأنوار ومع فلاسفة الفكر الليبرالي الداعين إلى الحرية والمساواة وإرادة الأمة، وهم فلاسفة العقد الاجتماعي، وخصوصا جان جاك روسو، وجون ستيوارت مل وغيرهم، ولم تصبح الديمقراطية نظاما سياسيا له مرتكزات إلا في القرن الثامن عشر. إلا أن هذه الحقبة الطويلة ما بين سقوط أثينا وظهور الفكر الليبرالي في الغرب، عرفت ظهور الإسلام دينا وحضارة، وظهور فكر إسلامي سياسي انشغل ضمن اهتمامات أخرى بطبيعة النظام السياسي (الخلافة) هل هوديني أم دنيوي، وعلاقة الشرع بالعقل، ومفهوم الشورى، وأهل العقد والحل، ومدى التناقض بين القول بأن الأمة مصدر السلطات والقول بالحاكمية لله، وهل يحق للأمة أن تخلع الإمام وما هي الحالات المبيحة لذلك الخ. وهو نقاش ما زال محتدما حتى اليوم دون التوصل إلى حل يرضي الجميع.
المطلب الثاني: المشاركة السياسية في الممارسة الديمقراطية المعاصرة
تؤكد التجربة الديمقراطية المعاصرة، أن لا علاقة حتمية طردية ومباشرة بين الديمقراطية والمشاركة السياسية، كما ذهبت إلى ذلك الديمقراطية المثالية أو ديمقراطية المشاركة (حكم الشعب) فالواقع المعاصر للديمقراطية يؤكد أن سير الديمقراطية صعودا أو هبوطا لا يحدد بحجم المشاركة السياسية، فقد يكون ازدهار الديمقراطية مصحوبا بتراجع المشاركة السياسية للمواطنين، والعكس صحيح. فمثلا عندما قام كارل دوتش في الستينات بتحديد مستويات المشاركة السياسية، وضع ثلاث مستويات لها واعتبر أن عضوية منظمة سياسية أبرز وأهم مؤشر على المشاركة السياسية، ولكنه عندما طبق هذا المؤشر على الدول الديمقراطية في الغرب وجد أنه ينطبق على 3 في المئة من السكان، وعندما طبقه على الاتحاد السوفيتي وجده ينطبق على 9 في المئة، الأمر الذي استنتج منه أن المشاركة لا تعني مباشرة وجود ديمقراطية(1).
نفس المقاربة يمكن تلمسها اليوم في دول العالم الثالث، إذا أخذنا مؤشر التصويت في الانتخابات أو الاستفتاءات، ففي بعض الدول نلاحظ نسبة مرتفعة من المصوتين في الانتخابات، أو المصوتين على إعادة انتخاب رئيس الدولة، وهي نسبة تزيد عن 90 في المئة ممن لهم الحق في التصويت، ولكن هذه الدول تغيب عنها الديمقراطية ويسودها نظام ديكتاتوري أو تقليدي، بل إن المشاركة السياسية تصبح وسيلة لتثبيت الوضع القائم بإضفاء الشرعية عليه، إن المشاركة السياسية في هذه الدول هي إقحام إجباري للمواطنين في العمل السياسي، حتى تُظهِر هذه الأنظمة نفسها بمظهر ديمقراطي وأن لها قاعدة شعبية كبيرة، وان الناس يعبرون عن رأيهم بحرية، بينما الحقيقة غياب الديمقراطية، وان وجدت فأنها ديمقراطية أبوية موجهة، ديمقراطية رب الأسرة الذي يعطي ويأخذ ويمنع ويمنح.
‏وملاحظة عيانية أخرى نلاحظها، وهي الاهتمام الكبير بالشؤون السياسية في دول العالم الثالث، أكثر من اهتمام المواطنين بالحياة السياسية في الدول المتقدمة، وهذا الاهتمام الملاحظ من خلال عمليات التصويت، أو كثرة عدد الأحزاب السياسية(1) أو الاهتمام بالأخبار السياسية، لا يعبر بالضرورة عن نهضة ديمقراطية، بقدر ما يعبر عن حالة من عدم الرضا عن الوضع القائم ومحاولة لإيجاد الطرق والوسائل لتأمين لقمة العيش والعمل الشريف، إنهم يهتمون بالسياسة لأن السياسة تعبير عن عدم الرضا، وما يؤكد ذلك أن ازدياد الاهتمام بالشؤون السياسية يتصاحب مع ازدياد العنف السياسي، فلو كانت المشاركة السياسية أو الاهتمام بالسياسية مظهرا ديمقراطيا لما كان هناك مبرر للجوء إلى العنف. ولعل ذلك يعزى إلى تناقض البنيات الادراكية لشعوب دول العالم الثالث مع المفاهيم السياسية الغربية، ويمكن رد التشويه اللاحق بالمدلول الإجرائي للمشاركة السياسية بهذه الدول ومن ثم إعاقة عملية التنمية السياسية بها إلى عاملين اثنين حسب تحليل "دوكلاص أشفورد":
العامل الأول: هو أن الدول الغربية (المستعمرة) لم تقع بتثبيت الاستقرار السياسي في هذه الدول، ولا استطاعت الدول النامية أن تساير نهج الدول الغربية.
العامل الثاني: تمثل في تفاحش ما يسميه (دوكلاص) العاطلة - أو القصور الثقافي Cultural Jnertia وتبدو هذه الصورة أكثر درامية عند مقارنة برامج وخطط المسائل الاجتماعية من أجل تكوين الضمير الجماعي في كل من الدول الأكثر نموا والدول الأقل نموا، (وعله يرمز إلى غياب الوعي بالمصالح العليا)(1).
وعلى أي حال فإن هناك علاقة ولاشك بين الديمقراطية والمشاركة السياسية، ولكن السؤال الذي يفرض نفسه هل الديمقراطية هدف بحد ذاتها أم وسيلة؟ أو بشكل آخر ما الذي تبتغيه الشعوب من تطبيق الديمقراطية، هل تحقيقها حرفيا وكما تعني اشتقاقيا، أي أن يحكم الشعب نفسه بنفسه؟ أم المقصود بالديمقراطية النظام الأمثل لحكم الشعب، وبالتالي فالمحك العملي لمصداقية الديمقراطية ليس أن يشارك المواطن مباشرة بالحكم أو لا يشارك، ولكن أن تتجسد إرادة الأمة في الفئة الحاكمة وأن يعبر الحكام عن مصالح المحكومين ويحترمون إرادتهم ورأيهم؟.
إن القول بأن الديمقراطية تعني أن يشارك الشعب مباشرة في الحكم ثبت انه مطلب مستحيل في ظل التزايد الهائل لعدد السكان في المجتمع الواحد، وتعدد الاهتمامات الإنسانية وتعقد الحياة وصعوبتها، بحيث لم يعد ممكنا ولا مرغوبا أن يشارك كل مواطن له حق المشاركة في الحياة السياسية، وهنا ظهرت ديمقراطية التمثيل إي أن ينتخب الشعب ممثلين عنه يقومون بالنيابة عنه بإدارة شؤون الدولة، ويبقى للشعب مهمة المراقبة والسهر على حسن سير الأمور.
وقد لعبت الثورة الصناعية وتعقد الحياة وصعوبتها كنتاج لها، إلى تحول اهتمام الأفراد عن الهموم السياسية المباشرة وتوجه الاهتمام إلى التجمعات والمنظمات التي أصبحت تحل محل الأفراد في تحريك دواليب المجتمع، فحلت (سياسة الجماعات) محل (سياسة الأفراد)، وتوارت قدرة الفرد البطل أمام قدرة وفعالية الفئة والمؤسسة والحزب والبيروقراطية، وكل مؤسسات المجتمع المدني.
هذا التحول زعزع ركائز الديمقراطية التقليدية القائمة على مركزية دور الفرد المشارك وعلى تقديس مبدأ المشاركة السياسية، وحلت محلها (ديمقراطية النخب المتنافسة)(1) والتي يحدد فيها دور الفرد انطلاقا من موقعه من هذه القوى المتنافسة، وهذا ما أشار إليه ماكس فيبر في الربع الأول من هذا القرن، حيث لاحظ أن تطور الحياة الحزبية واتساع نطاق الهيئة الناخبة قوض من أهمية البرلمان أي ممثلي الشعب، في عملية اتخاذ القرار، فالبرلمان أصبح مجرد فاعل ضمن فاعلين، آخرين يمارسون صناعة السياسة الوطنية الأمر الذي أدى إلى أن النظام الديمقراطي الرأسمالي الصناعي أصبح غير مقيد كثيرا بمدي المشاركة الشعبية بقدر ما هو معني بتوفير آلية سليمة ومتفق عليها لاختيار القيادة بشكل دوري.(1)
كانت كتابات ماكس فيبر وميشلز وموسكا وباريتو، وهم كتاب نظرية النخبة مجرد إرهاصات أولية لصياغات معاصرة حول الديمقراطية، تعيد تفسيرها وتأويلها بما يشكل تجاوزا للصياغات النظرية المثالية لها، فالديمقراطية لم تعد حكم الشعب بالشعب، ولم تعد النظم الديمقراطية المعاصرة حتى توسم بالديمقراطية بحاجة إلى المشاركة الفعالة للمواطنين، بل أصبحت مهمتها هو السماح بالتكوين الحر للنخب، وقدرتها على تنظيم التنافس السلمي بينهما من أجل الوصول إلى السلطة بالطرق الشرعية وبما لا يخل بالمصلحة العامة، أما المشاركة السياسية الشعبية، فهي تقتصر في حق الجماهير في اختيار النخبة الأفضل.
وفي هذا السياق يرى كارل مانهيايم K. Mannheim أن وظيفة (المواطن العادي) تنحصر في قيامه باختيار الحكام، وليس من الضروري أن يشارك مباشرة في ممارسة السلطة(2).
وهكذا لم يعد النظام الديمقراطي الأفضل هو الأقدر على إشراك أكبر عدد من المواطنين في الحياة السياسية، بل أصبح هو الأقدر على حسن إدارة النظام السياسي وحسن اختيار القيادة الأفضل، حيث كتب لستر ملبرات Milbrath" هناك شك في أن المجتمع عموما سيستفيد إذا ما اتسع نطاق الاهتمام السياسي من قبل السكان وأضحى أكثر فعالية... أما شروط نجاح الديمقراطية المعاصرة فقد تعددت من كاتب إلى آخر والمشترك بينهم هو استبعاد فكرة المشاركة السياسية الشعبية الواسعة كعنصر إيجابي في الديمقراطية المعاصرة".
أما بالنسبة لجوزيف شومبيتر Schumpeter(1) حدد شروط النظام الديمقراطي الناجح فيما يلي:
1- جودة النخبة السياسية.
2- عدم توسيع المدى الفعال لقرار السياسيين أكثر من اللازم.
3- قدرة الحكومة على السيطرة وعلى توجيه الجهاز البيروقراطي وضمان فعاليته.
4- التعامل بروح سلمية وبمرونة ما بين النخب وبعضها البعض، ووضع حد لتدخلات الهيئة الناخبة في العمل السياسي بعد اختيارها للهيئة الحاكمة.

أما ريمون آرون فقد حدد ثلاث شروط لنجاح الديمقراطية المعاصرة. وهي:
1- قدرة السلطة الحاكمة على فض المنازعات التي تحدث بين النخب، وفي نفس الوقت أن تكون قادرة على فرض وتنفيذ القرارات الضرورية لتحقيق المصلحة العامة المشتركة.
2- أن تتوفر للهيئة الحاكمة إدارة اقتصادية فعالة.
3- إقامة كوابح تضمن تقييد نشاط كل من يسعى إلى تغيير البنية الأساسية للمجتمع.
ويبدو أن شومبيتر كان من أشد المعارضين لفتح المجال أمام الشعب للمشاركة السياسية بلا ضوابط، حيث انتقد المفهوم الكلاسيكي للإرادة العامة الذي صاغه روسو، مشككا بقدرة الشعب على إدارة الشؤون العامة للدولة، وهو يقترح بدلا من ديمقراطية (حكم الشعب) ديمقراطية (حكم معتمد من الشعب) أو حكم (لصالح الشعب). فالديمقراطية ليست غاية في حد ذاتها ولكنها طريقة أو نمط من التنظيم تكفل الوصول إلى قرارات سياسية تشريعية وإدارية صائبة، أو هي تقنية للحكم أكثر فعالية من غيرها.
وقد ركز شومبينر اهتمامه على حصر حق المواطن السياسي في انتخاب القادة والحكام، والحق في النقاش، دون أن يصل الأمر إلى التدخل في الأمور السياسية التي أسندت للحكام وحدهم، وهذا الحصر لمشاركة المواطن الفرد يقابله اهتمام بمؤسسة القيادة Leader Ship، فالحكم على فعالية النظام السياسي الديمقراطي لا يكون من خلال حجم المشاركة الشعبية بل من خلال فعالية القيادة، وعلى نفس الطريق سار جيوفاني سارتوري الذي استنتج أن الحديث عن دور الجماهير في المجتمعات الغربية المعاصرة هو مرد خرافة، فالجماهير ليس لها دور سياسي، وأقصى ما تقوم به هو كفالة عمل الآلية الانتخابية بفعالية، بل ذهب به الأمر إلى القول إن ما يهدد الديمقراطية هي الأغلبية التي تعرقل عمل الصفوة السياسية وتمنعها من القيام بممارسة (حقها الطبيعي) في الحكم، وعليه يطالب سارتوري ببقاء السلطة بيد النخبة الحاكمة المتوفرة على كل أسباب الامتياز المعترف بها من الجميع، حتى لو تمت التضحية بالديمقراطية، فالانتخابات ليست دائما حكما عادلا، لان هناك عوامل متعددة تؤثر على نزاهتها.
ويقلب سارتوري المعادلة، فالسلطة أو مركز القرار لا يتجه من أسفل إلى أعلى كما تقول الديمقراطية المثالية -ديمقراطية المشاركة- بل من أعلى إلى أسفل:" إن الناخب العادي لا يقوم بفعل، بل برد فعل، إن التوصل للقرارات السياسية لا يتم من قبل الشعب "السيد" إنما تقدم هذه القرارات إليه إذ أن عملية تكوين الآراء لا تبدأ من الشعب، بل تمرر من خلاله".(1)
تحيلنا هذه الانتقادات للديمقراطية المثالية، وخصوصا في جانبها المتعلق بالمشاركة السياسية، إلى النقاش الذي قاده سقراط وأفلاطون وانتقادهم لإعطاء حقوق المشاركة السياسية لجميع المواطنين، فكما أن أفلاطون طالب بنخبة سياسية تتفرغ لشؤون السياسية منتقدا (حكم الغوغاء) أي حكم الأغلبية، فإن أنصار ديمقراطية النخبة اليوم والتطبيق الفعلي للديمقراطية في المجتمعات الغربية يعطيان مؤشرات على انحسار دور الجماهير في المشاركة في الحياة السياسية لصالح نخبة أو قيادة يسند إليها الأمر، وهذا التراجع قد يكون لعدم القدرة والكفاية لدى الأفراد العاديين، لممارسة الحكم، أو لاستنكافهم عن ذلك، أو لثقتهم بمن يتولى السلطة.
ويستنتج مما سبق أن تراجع المشاركة السياسية يعزز من فرص ظهور نخب سياسية محترفة للعمل السياسي، فالنخبة السياسية لا تجد ذاتها إلا حيث تضعف المشاركة السياسية الجماهيرية. ويمكن استبيان اتجاه النفعية لدى هذه الشرذمة من (المواطنين) - مع فيربا وني بتعداد ثلاثة أصناف متميزة من المشاركين في السياسة: الأول يتشكل من أولئك الذين ينخرطون في الأنشطة المحلية: الصنف الثاني يتألف من أولئك الذين ينشطون الحملات، والثالث يضم أولئك الذين يمثلون النشطاء السياسيين(1).

المبحث الثالث
المشاركة السياسية والديمقراطية في المجتمعات العربية
فلسطين نموذجا
المطلب الأول: الديمقراطية الموجهة بديل ديمقراطية إرادة الأمة
لقرون والديمقراطية فكرا وممارسة تُعرف وتمارس كنظام حكم يقوم بمقتضاه المحكومين -الشعب-باختيار الحكام بحرية، ومن هنا فالمعنى اللغوي للكلمة يعني (حكم الشعب بالشعب). وبالرغم من كل ما عرفته الديمقراطية فكر وممارسة من تنقيحات وتطورات ومن بعض الخصوصيات حسب ظروف المكان والزمان، إلا أنها بقيت أمينة على جوهرها وهو أنها تجسيد لإرادة الأمة، وإرادة الأمة تتموقع سياسيا ونظاميا عندما يختار الشعب حكامه بحرية دون أي تدخل أو ضغط.والحرية المتضمنة في الديمقراطية ليست فقط حرية المواطنين كأفراد في اختيار الحكام وفي مراقبتهم ومحاسبتهم، بل تعني أيضا حرية الأمة بكاملها في اختيار حكامها ونظامها السياسي، وهذه الحرية الأخيرة نصت عليها المواثيق الدولية التي اعتبرتها ركن أساسي من أركان مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها.
لاشك أن مبدأ الحرية المتضمن في الديمقراطية لا يعني الحرية المطلقة التي هي رديف لشريعة الغاب أو للفوضى، بل هي الحرية التي تقوم على ثوابت وأسس وهي المرجعية التي منها تُستمد الحرية وتمارس ومنها تُسن القوانين وتُقام المؤسسات، إلا أن هذه الثوابت أو المرجعيات يضعها الشعب من خلال مؤسساته ودساتيره ويغيرها متى تقتضي الضرورة، وتأسيس المرجعيات ومراجعتها أو تعديلها يتم أيضا بالطرق الديمقراطية. وعبر تاريخ الديمقراطية وهي نظام حكم لا يخضع إلا لمحددات وطنية، وكان أي تدخل خارجي أو ضغط للتأثير على حرية الشعب في اختيار حكامه يعد تدخلا خارجيا يستحق الإدانة والشجب.
لا غرو إذن أن الغرب كان لعقود وهو يتعايش مع نظم غير ديمقراطية: شيوعية كانت أو عسكرية أو دكتاتورية، حيث كان يعتبر طبيعة نظام الحكم هو شأن داخلي لكل دولة وأمر من أمور السيادة، وذروة ما كان يفعله هو التحرك محتجا إذا حدث ما يعتبره انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان، وحتى في هذه الحالة كانت المصالح تلعب دورا في تحديد مفهوم الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان. لاشك أن الدول الغربية حاولت منذ بداية الحرب الباردة وظهور فكرة الوحدة الأوروبية ومباشرة صيرورتها واقعا، أن توجد معايير أو قيم مشتركة ما بين القوى السياسية التي تتقاسم فضاء التنظير والممارسة السياسية. حدث هذا على مستوى البلد الواحد، في ألمانيا الغربية في منتصف الخمسينات وفي والولايات المتحدة في العهد المكارثي، حيث تم حظر أو التضييق على الأحزاب الشيوعية واليسارية المتطرفة باسم الحفاظ علي قيم المجتمع الليبرالي، كما حدث على مستوى دول الحلف الأطلسي كمجموعة عندما تكتلت دول الحلف لمواجهة ما سمته أممية الإرهاب و خطر المد الشيوعي المهدد للديمقراطيات الغربية أو العالم الحر، إلا أن هذه السياسات كانت محدودة وتجد كثيرا من التحديات.
لم يكن سقوط نظام الثنائية القطبية مجرد سقوط لقوة الاتحاد السوفييتي العسكرية التي كانت تواجه قوة حلف الأطلسي، بل كان أيضا سقوطا لخطوط دفاعية ومقاومات ذات طبيعة فكرية وسياسية وقانونية كانت تحوُّل دون أن تصبح الديمقراطية بنموذجها الغربي نظاما عالميا. لقد شرَّع سقوط المعسكر الاشتراكي وتوابعه الباب نحو العولمة بكل أبعادها بما فيها الثقافية والسياسية، وكان نشر الديمقراطية بثوابتها الغربية على رأس فتوحات العولمة. كثيرة كانت مؤشرات عولمة الديمقراطية، منها: تزايد حالات التدخل الإنساني، واستعمال المؤسسات المالية الدولية كأداة ترهيب وترغيب على الدول لفرض قيم الغرب السياسية والاقتصادية، وحصار ومعاقبة الدول التي ترى الدول الغربية وخصوصا الولايات المتحدة أنها تخرج عن قواعد الممارسة الديمقراطية.
انتصار الغرب -نصر دون حرب -على المعسكر الاشتراكي أعطاه الحق لان يصيغ قيم وثوابت لديمقراطية أرادها أن تسود العالم، قيم وثوابت تنبع من قيم الغرب ذاته وما يتفق مع مصالحه، كما أن هذا الانتصار أعطاه الحق بالتدخل إذا ما حاد نظام ما عن هذه الثوابت حتى وان كان نظاما ديمقراطيا بالمفهوم (التقليدي) -ونحن هنا نقصد بالتقليدي ما قبل انهيار المعسكر الاشتراكي - أي حتى وأن كان الشعب هو الذي انتخب حكامه. وهكذا أصبحت العلمانية من ثوابت الديمقراطية، وإذا ما انتخب الناس بطرائق الديمقراطية أناسا غير علمانيين -كما جرى في الجزائر وفي تركيا -فالأولوية وبالتالي الغلبة يجب أن تكون لثوابت ديمقراطية/ العولمة على ديمقراطية/ إرادة الأمة، نفس الأمر مع المفاهيم الغربية الأخرى مثل معاداة السامية وحقوق الإنسان والإرهاب، كل هذه المفاهيم أصبحت لها صياغات ودلالات غربية تشكل جزءا من ثوابت الديمقراطية، وانتهاكها يعطي للغرب وخصوصا زعيمة النظام الدولي الجديد الحق بالتدخل.
إن ما جري في في تركيا والجزائر وأفغانستان والعراق وفلسطين وما يعد لبقية الدول العربية،إنما هو مؤشر على عولمة الديمقراطية وصيرورة المحددات الخارجية مكونا رئيسيا من مكوناتها، فالديمقراطية لم تعد مجرد نظام حكم مبدأه إرادة الأمة وحق المحكومين باختيار حكامهم، بل أصبحت نظاما كونيا يتطلب تطبيقه محليا تطويع المحددات الداخلية للمحددات الدولية أو هي ديمقراطية موجهة.
وهكذا وبالرغم من تكرار تداول الديمقراطية اصطلاحا وصيرورتها ممارسة في غالبية دول العالم ومنها دول عربية، بعد أن انتصرت في معركة الصراع على البقاء على منافساتها من الأيديولوجيات وأشكال الحكم الأخرى، إلا أن الحالة العربية والفلسطينية تدفعنا للتساؤل حول واقع الديمقراطية في مجتمعاتنا وما هي معوقات الانتقال الديمقراطي وما هي خصوصية التطبيق الديمقراطي في التجربة السياسية الفلسطينية؟.
القول بأن الديمقراطية تراث مشترك للبشرية وأن الفكر الديمقراطي عالمي النزوع، لا ينفي خصوصية التطبيق وحاجة المجتمعات التي تريد ولوج عالم الديمقراطية إلى إدخال تغييرات جذرية على بنياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية. كل ذلك يتطلب مقاربة لا تبحث في الديمقراطية من خلال كونها نموذج مثالي أومن خلال البحث في أصولها، بل من خلال تطبيقاتها في مجتمعات معاصرة مغايرة للمجتمعات الغربية وفي كونها مبادئ عامة قابلة للتكيف مع كل مستجد طارئ، مقاربة تميز بين ديمقراطية الخطاب وديمقراطية الممارسة وشتان ما بين الاثنين.
ولوج عالم الديمقراطية ليس بالأمر السهل والانتقال من نظم غير ديمقراطية أو دمقرطة الحياة السياسية بشكل صحيح لا تتم بمجرد إعلان قرار بالسير بطريق الديمقراطية أو بمجرد توفر رغبات ذاتية للشخص الحاكم أو عند قادة الأحزاب وقادة المجتمع المدني، أو بمجرد استيراد وتقليد مؤسسات منقولة من مجتمعات ديمقراطية غربية على بنية مجتمع تسوده الأمية والفقر والتخلف، بل تحتاج إلى عملية بناء وتأسيس ودفع استحقاقات قد تكون مؤلمة ليس فقط بالنسبة للحكام بل أيضا لفعاليات المجتمع المدني المناضلة من أجل الديمقراطية. خطاب الديمقراطية يجب أن لا يوجه إلى الحكام فقط بل أيضا إلى المجتمع المدني والى من يدعون النضال من أجل الديمقراطية، فالحكام ليسوا دائما شياطين والمجتمع ملائكة … بمعنى أن معوقات الديمقراطية قد تكون من الحكام وقد يكون مصدرها بنية المجتمع والثقافة السائدة فيه ومدى ديمقراطية المعارضة السياسية في البلاد.
وحتى لا يكون النضال من اجل الديمقراطية دعوة حق يراد بها باطل، او بمعنى آخر لكي لا توظف معاناة الجماهير ونضالاتها من اجل الديمقراطية لمصلحة نخبة سياسية جديدة تناضل ضد السلطة ولكن ليس من اجل مصلحة الشعب ومن أجل تأسيس نظام ديمقراطي بل تناضل ضد السلطة للوصول إلى السلطة، يجب أن يتواكب النضال ضد الممارسات غير الديمقراطية للسلطة مع نضال لا يقل إصرارا ضد أخطاء وفساد المجتمع المدني وخصوصا في جسد الأحزاب السياسية المؤهلة للوصول للسلطة أو المشاركة فيها.إن هذه الأحزاب التي كانت –أو ما زالت- تتموقع في خندق المعارضة، كانت بعيدة عن النقد والمحاسبة والتقييم، ويعود ذلك إما إلى خطابها الرفضوي أو تاريخها النضالي أو الهالة التي تحيط بقادتها نتيجة الاعتقال أو المنفي كذلك إلى غياب روح الديمقراطية عند هذه الأحزاب التي في غالبيتها كانت تنتمي إلى الحركة الثورية والاشتراكية ذات العلاقة غير الودية مع الديمقراطية ونظمها، أو أنها إسلامية تعتبر خطابها الإسلامي حصانة لها ضد النقد، وقد يعود السبب أيضا إلى أن الجماهير لم تكن تشعر بالحاجة لنقد ومحاسبة القيادة الحزبية خارج السلطة ما دامت هذه القيادة في خندق المعارضة وما زالت محرومة من نعيم السلطة وامتيازاتها.
ولكن أحزاب المعارضة تحتاج أيضا إلى وقفة محاسبة وتقييم حتى لا تفقد هذه الأحزاب ما تكنه لها الجماهير من احترام وتقدير. وعندما نقول مصداقية، نعني انه لا يجوز أن تطلب هذه الأحزاب وأيضا مؤسسات المجتمع المدني من السلطة مزيدا من الصلاحيات والانفتاح الديمقراطي،بينما الحياة الديمقراطية داخل هذه الأحزاب شبه منعدمة ليس فقط على مستوى تداول السلطة، بل أيضاً على مستوى ثقافتها وحرية الرأي والتعبير داخلها. ونقصد بالمصداقية أيضا انه لا يجوز المطالبة بفتح ملف الفساد في السلطة وممارساتها أو مطالبتها بالاعتراف بأخطائها وتجاوزاتها بينما لا تقوم هذه الأحزاب –المعارضة القديمة والحديثة - بممارسة النقد والنقد الذاتي والاعتراف بأخطائها والعمل على إدخال تغييرات جذرية في بنيتها تتناسب مع التحولات الجديد ة،ونقصد بالمصداقية أخيرا انه لا يجوز الحديث عن الفساد والمصالح الشخصية في الوقت الذي تحول فيه بعض المناضلين إلي أصحاب ثروة وجاه، وأصبحوا يشكلوا طبقة جديدة لا تختلف عن الطبقات التي توصف بالمتعفنة والرجعية بل (تكرش بعضهم حتى أصبح بلا رقبة) على حد قول الشاعر العراقي مظفر النواب.
لاشك أن الديمقراطية بناء وتأسيس، ولكنها أيضا نقد وتجاوز، وأرقى أشكال النقد ليس نقد الآخر بل نقد الذات، فنقد الآخر لا يحتاج إلى كثير من الشجاعة أو إلى تضحيات وخصوصا في ظل الانفتاح الديمقراطي، بينما نقد الذات هو المحك العملي على توفر إرادة حقيقية في بناء حياة سياسية جديدة مهما كلف الأمر من تضحيات، فالديمقراطية هي تضحية من جميع الأطراف. أما التجاوز فنقصد به تجاوز شعارات وممارسات وشبكات المصالح والعلاقات التي فرضتها المرحلة السابقة من الحياة السياسية، والتي أصبحت في ظل بوادر الانفتاح الديمقراطي تشكل عائقاً أمام دمقرطة المجتمع. المعارضة عليها أن تتجاوز كثيرا من الأمور والسلطة عليها أن تتجاوز كثيرا من الأمور أيضا، فلا يعقل أن تكون بنية السلطة الحديدية التي فرضتها سنوات التحدي والمواجهة مع العدو الخارجي الحقيقي أو المزعوم هي نفسها البنية التي تحكم اليوم، ولكن يجب التأكيد على أن التجاوز لا يعني المس بالثوابت، ولكل أمة ثوابتها، وهذه الثوابت خارج التنافس الحزبي وليست محل مساومة إلا بما تجمع عليه الأمة، فلا يجوز لأحد أن يدعي الوطنية دون الآخرين كما لا يجوز لأحد أن يحتكر الإسلام دون آخرين.
الديمقراطية وإشكالية التوفيق بين الأصالة والمعاصرة:
في تبرير البعض لإعاقة الانتقال الديمقراطي، سواء تعلق الأمر بحقوق الإنسان أو بالممارسة السياسية أو بالقوانين الدستورية أو بإصلاح نظام القضاء ووضع الرجل المناسب بالمكان المناسب الخ، يقال خصوصية الوضع وخصوصية المرحلة ووجود الاحتلال أو إننا في مرحلة التحرر الوطني وبالتالي لا وقت لتطبيق الديمقراطي، ولا ندري لماذا نحن من أكثر دول العالم تأكيدا على الخصوصية وكأن المجتمعات الأخرى ليس لها خصوصيات ولا تواجه عدو خارجي؟
مما لا شك فيه أن هناك خصوصيات تميز المجتمعات بعضها عن بعض إلا أن الخصوصيات لا تنفي وجود قيم ومبادئ إنسانية مشتركة، والخصوصية، دينية كانت أو ثقافية أو تاريخية أو نضالية لا تبرر لسلطة ما أن تستبد بالشعب أو تغير الدستور أو تعدله أو تعلقه أو تحدد ما هو حلال وما هو حرام، ما يتفق مع ثقافتنا وقيمنا وما يتعارض معها. لأنه في هذه الحالة يطرح السؤال نفسه: من أعطى الحق لمن هم في السلطة ممن لم يصلوا إليها بطريقة ديمقراطية تحديد ما هي الخصوصيات أو المقدسات التي لا تمس؟. إن الجهة الوحيدة التي من حقها الحديث عن الخصوصية وتجسيد هذه الخصوصية أو تحديدها هو الشعب نفسه، ولا يمكن للشعب نفسه أن يحدد الخصوصية إلا إذا كان حرا،والحرية لا تكون إلا بالديمقراطية التي لا تتأتى إلا بالانتخابات النزيهة.
لقد برر البعض تعليق الديمقراطية و عسكرة المجتمع وغياب التداول على السلطة وانتهاك حقوق الإنسان وإعاقة التنمية، بأن الأمة تعيش في وضع خاص، وإنها مهددة باستقرارها بل بوجودها من طرف العدو. ولكن كيف تُحَصن الأمة وكيف تصبح أكثر قوة على مواجهة التهديد الخارجي؟ هل المواطن الفاقد لحريته في الداخل يمكنه أن يقاتل في مواجهة العدو الخارجي؟ وهل المجتمعات المنقسمة ما بين قلة مترفة وأغلبية جائعة، يمكنها أن تربح معركة حضارية في مواجهة الغير؟. وهل سنبقى طوال تاريخنا أسرى مشجب الخصوصية؟ وهل سنترك لكل متطلع إلى السلطة أو مستبد بها أن يفعل ما يريد باسم الخصوصية؟ وإلى متى ستبقى الديمقراطية معلقة باسم الخصوصية؟.
نعم نحن نحترم ثقافتنا وديننا و(خصوصياتنا)، ولكننا لا نحتاج إلى الخصوصيات التي تبرر الاستبداد وتكرس الجهل والفقر وتعزز الانتماءات العشائرية والطائفية، بل نريد الخصوصيات التي تجعلنا أكثر قوة وقدرة على مواجهة عللنا ومواطن ضعفنا وتجعلنا متفوقين على الأعداء، أما الخصوصيات التي تشدنا إلى الوراء فلا حاجة لنا بها، وليس من حق كل من هب ودب من الزعماء والسياسيين –من كانوا في السلطة أو خارجها– أن يُفصل لنا خصوصيات حسبما يشتهي ويريد ثُم يفرضها علينا.
لماذا تمت إعاقة الديمقراطية في المجتمعات العربية:
بالإضافة إلى ما سبق نلاحظ أن إقصاء الديمقراطية حتى من مجال المُفكر به عند البعض إنما يعود إلى أن النخبة السياسية كانت تنظر للديمقراطية باعتبارها البعد السياسي من الحداثة الغربية، والحداثة الغربية مكروهة وملعونة دينيا عند النظم التقليدية وأيديولوجيا عند النظم الثورية، ولكن كما أشرنا أخذت هذه الدول تغازل الديمقراطية بتردد أولا ثم بصوت عال مثير للريبة أحيانا من حيث مصداقية حبها المتأخر للديمقراطية.
بسبب كل ما سبق لم تلفت الديمقراطية اهتمام كثيرين في عالمنا العربي وعند النخبة السياسية الفلسطينية باعتبارها بديل ممكن لعقلية ونهج العقلية الثورية الانقلابية أو اعتبارها الجزء المتمم للثورة أو باعتبارها المنقذ من أزمة الشرعية التي تعانيها نخبتنا السياسية. وبصورة عامة يمكن إرجاع تأخر الديمقراطية في مجتمعاتنا فكرا وممارسة للأسباب التالية:
1- غياب نموذج عربي أو إسلامي للحكم الديمقراطي، يمكن الرجوع إليه واستلهامه وهذا الغياب يمس الحاضر كما يمس الماضي - بالرغم من محاولات البعض مماهاة الشورى الإسلامية بالديمقراطية. كانت الصورة المثالية للحكم في الموروث العربي الإسلامي هي (المستبد العادل) ثم أصبحت المستبد باسم أيديولوجية قومية أو اشتراكية.
2- غياب مفكرين ديمقراطيين متنورين، في مركز القرار السياسي أو في مركز التأثير على أصحاب القرار، قادرين على بلورة رؤية أو مشروع يربط ما بين عالمية الفكرة الديمقراطية والخصوصية الاجتماعية الثقافية لمجتمعنا، حتى أن إسهامات مفكري النهضة العربية أوائل القرن لم تُستثمر بشكل جدي ولم يُبن عليها أو تُطور، وهي أفكار كانت من الخصب والغنى مما كان يؤهلها آنذاك لتكون نواة مشروع حضاري ديمقراطي عربي، إلا أنها ووجهت بمعارضة من تيارات شتى: قومية وعلمانية ودينية وثورية.كان غياب الانتلجنسيا الديمقراطية واضحاً، فالانتلجنسيا العربية -مع التحفظ على هذا المصطلح- كانت إما من أتباع السلطة والسلطة تبرر واقع الاستبداد، وإما انتلجنسيا محافظة ودينية لا ترى مدخلا للتقدم إلا بالرجوع الى الماضي، إلى السلف الصالح ونهجه، وإما كانت انتلجنسيا ثورية مشبعة بالفكر الاشتراكي على النموذج السوفييتي أو بفكر قومي اشتراكي هو خليط من مدارس وتجارب قومية واشتراكية وشيوعية.
3- غياب ثقافة الديمقراطية، فالديمقراطية ليست مؤسسات ولكنها ثقافة أيضا. ما يحدث في العالم العربي هو أن خلق المؤسسات (الديمقراطية) سبق نشر الفكر الديمقراطي - عكس ما حدث في الغرب حيث مهد فكر عصر النهضة والأنوار لتأسيس النظم الديمقراطية -، ومن هنا نجد تعارضا في مجتمعاتنا ما بين الثقافة الجماهيرية السائدة التي هي إما أصولية دينية أو ثورية انقلابية أو ديكتاتورية من جهة والثقافة الديمقراطية بما هي شيء مغاير من جهة أخرى. ألم يقل أبن تيميه: (ستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة بلا سلطان)، وفقهاء المالكية قالوا: (من اشتدت وطأته وجبت طاعته) وعندما اقتحمت الديمقراطية حصن مجالنا السياسي المقدس، أصبح الحاكم إما يرث السلطة أو يستولي عليها ثم يبحث عن الشرعية الدستورية من خلال استفتاءات شكلية وغير نزيهة وغالبا ما يجدد للرئيس لعدة ولايات أو يورث السلطة لابنه من بعده.
هذا لا يعني أن الديمقراطية تقوم بالضرورة على الإيمان المسبق بالديمقراطية كثقافة وقيم أو على الإرادة المسبقة للفرقاء السياسيين بالنضال من أجل الديمقراطية، بل قد تأتي كحل وسط وخيار لا مهرب ما بين نظام مأزوم فاقد الشرعية غير قادر على حل المشاكل المتراكمة وشعب متمرد غاضب يريد التغير ولكنه لا يؤمن بالخيار الثوري أو أن مدعي الثورية فيه لا مصداقية لهم ولا شعبية، فيكون الانتقال الديمقراطي أو التغيير عن طريق تداول السلطة ما بين النخبة السياسية الحاكمة ونخبة المجتمع المطالبة بالتغيير هو الحل. الديمقراطية أذن قد تأتي في البداية نتيجة مأزق الفرقاء السياسيين المتنازعين على السلطة والغنائم وعدم قدرة فريق منهم على حسم الأمر لصالحة، فتكون الديمقراطية بمعنى التشارك في الغنائم والسلطة وتراضي الجميع هي الحل، وفي مرحلة لاحقة تتحول الديمقراطية من ضرورة ضاغطة إلى ثقافة جديدة ترسخ في الثقافة القومية.
4- عملية الاستقطاب الدولي سياسيا وأيديولوجيا في النظام ثنائي القطبية أظهرت وكأن الديمقراطية هي خاصية غربية إمبريالية، وبالتالي نُظر إليها كجزء من الثقافة الغربية الاستعمارية وأن مقولاتها والمطالبة بتطبيق هذه المقاولات يدخل في باب الغزو الثقافي الغربي أو اعتراف بتفوق الثقافة السياسية للغرب.
5- ارتباطا بسابقه، كانت الديمقراطية –وما تزال- وليدة فكر النخبة البرجوازية أو المثقفة فهي جاءت من فوق من القلة الغنية أو المثقفة تثقيفا غربيا، ونظراً للعلاقة غير الطيبة ما بين الجماهير الشعبية والنخبة فقد تعاملت الجماهير بحذر في بداية الأمر مع الديمقراطية ودعاتها.
6- تعليق كل شيء على مشجب الخطر الصهيوني، بحيث كانت النخبة السياسية تعتبر أن الخطر الآني والمباشر ليس الفقر أو انتهاك حقوق الإنسان ولا الأمية ولا غياب الديمقراطية، ولكنه الخطر الصهيوني، وان المرحلة تستوجب توحيد كل الجهود من أجل الوحدة وتحرير فلسطين. وهكذا باسم فلسطين صودرت الحريات، وتعاظمت المعتقلات، وطُورد كل صاحب فكر حر، وجُهلت الجماهير وازداد الفقراء فقراً وازداد الأغنياء غنى، وكانت النتيجة لا فلسطين حُررت ولا الأمة وُحدت ولا التنمية أُنجزت.
7- غياب طبقة أو نخبة مثقفة ديمقراطيا لتكون بمثابة القاطرة التي تقود عملية التحول الديمقراطي، فكان جزء من الطبقة المثقفة العربية والفلسطينية جزءا منها يدور في فلك السلطة والسلطان والمستبعدون من نعيم السلطة أو المبعدين أنفسهم عنها كانت ثقافتهم غير ديمقراطية، إما ثورية انقلابية أو دينية جهادية، وفي كلا الحالتين كانت تريد التغيير ولكن بغير الأسلوب الديمقراطي.
8- بنية المجتمع العربي. حيث من المتعارف عليه أن المجتمع العربي ونحن جزء منه مجتمع أبوي، ونقصد بذلك أن المجتمع العربي ما هو إلا صورة مكبرة عن الأسرة الأبوية التي عرفتها المجتمعات القديمة حيث كان الأب هو صاحب الأمر والنهي وله حق الحياة والموت على أفراد أسرته، ويعبر هشام شرابي عن ذهنية النظام الأبوي بالقول: (تتمثل الذهنية الأبوية أول ما تتمثل في نزعتها السلطوية الشاملة التي ترفض النقد ولا تقبل بالحوار إلا أسلوبا لفرض سيطرتها. إنها ذهنية امتلاك الحقيقة الواحدة التي لا تعرف الشك ولا تقرّ بإمكانية إعادة النظر. ومن هذا المنطلق فإن التفاعل والحوار - بين الأفراد والجماعات – لا يرمي إلى التوصل إلى تفاهم أو اتفاق بين وجهتي نظر، بل إلى إظهار الحقيقة الواحدة وتأكيد انتصارها على كل وجهات النظر الأخرى. لهذا فأن الذهنية الأبوية – والأبوية المستحدثة -، علمانية كانت أم دينية، لا تستطيع تغيير موقفها لأنها لا تريد إلا حقيقتها، ولا تريد إلا فرضها على الآخرين، بالعنف وبالجبر إن لزم الأمر).
وعليه يمكن القول إن على العقل السياسي العربي والفلسطيني أن يعيد النظر في معقولاته، بمعنى أن يعيد النظر في ثوابت فكرية وممارساتية لم تكن الديمقراطية إحداها، وأن يجد للفكر الديمقراطي مكانا في ثقافتنا، ليس فقط في ثقافة النخبة السياسية بل في الثقافة الجماهيرية، لأن الديمقراطية هي عمل جماهيري -الجماهير بمعنى المواطنون لا الرعايا والأتباع -، فإن لم تكن الجماهير مشبعة بالفكر الديمقراطي أو مستعدة لدفع استحقاقات التحول الديمقراطي، فلن يكتب للديمقراطية النجاح.
لقد أصبح سؤال ومطلب الديمقراطية أكثر إلحاحا اليوم ليس فقط لأنها أصبحت من مشتملات العولمة المفروضة، بل لان البدائل الأخرى التي جربتها الأنظمة والنخب العربية وصلت إلى طريق مسدود، لا على مستوى العدو الخارجي ونقصد به إسرائيل ومن يدعمها ولا على مستوى العدو الداخلي المتجسد بالجهل والتخلف والقبلية والطائفية... وها هي الأنظمة العربية اليوم وبعد عقود من مصادرة خيار الديمقراطية، تُقر وإن كان بخجل على أن الديمقراطية قد تكون المنقذ، المنقذ لها كأنظمة من مأزقها، أو المنقذ للجماهير مما سببتها لها الأنظمة من مآسي ونحن كفلسطينيين علينا ان نبدأ ليس من حيث بدأت الأنظمة العربية بل من حيث انتهت المجتمعات المتحضرة ولدينا من الكفاءات ومن قوة الإرادة ما يمكننا من ذلك.
الفرع الثاني: الديمقراطية والمشاركة السياسية في النظام السياسي الفلسطيني
لابد من الإشارة بداية أنه مما يتعارض مع الدقة العلمية الحديث عن نظام سياسي ديمقراطي فلسطيني، وذلك لسببين:
الأول: غياب الدولة الفلسطينية المستقلة وبالتالي غياب نظام سياسي فلسطيني يمكن أن نحيل إليه صفة الديمقراطية أو أي صفة أخرى، فالديمقراطية هي نظام سياسي يحدد علاقة الحاكمين بالمحكومين، والشعب الفلسطيني لم يكن يحكم نفسه بنفسه عبر التاريخ الحديث، باستثناء مرحلة الحكم الذاتي والتي سنعود إليها لاحقا ومع ذلك عرف الفلسطينيون شكلا من الممارسة الديمقراطية على مستوى مؤسسات المجتمع المدني من نقابات واتحاديات شعبية.
الثاني: والثاني كون الشعب الفلسطيني كان يمر بمرحلة التحرر الوطني وحركات التحرر الوطني كما هو معروف كانت تؤجل قضايا الصراع الاجتماعي والاستحقاقات الديمقراطية إلى ما بعد التحرير، حيث ان متطلبات مواجهة العدو أكثر أولوية من ترف الفكر الديمقراطي والممارسة الديمقراطية. بالإضافة إلى ان حركة التحرر الفلسطيني كانت محكومة بالفكر الاشتراكي والقومي وهو فكر يتعارض مع الفكر الديمقراطي الليبرالي. ومع ذلك لم يخل الأمر من ممارسة تنسب للديمقراطية عند حركة التحرر الفلسطينية كالتعددية التنظيمية والسياسية ودرجة من حرية الرأي والتعبير وعلاقات توافقية ما بين التنظيمات المسلحة والتي كان يطلق عليها (ديمقراطية غابة البنادق)، ومع ذلك فان هذه التعددية كانت غالبا بحكم الضرورة والإملاءات الخارجية وغياب سلطة مركزية فلسطينية تضبط الحالة السياسية الفلسطينية أكثر مما هي تعبير عن إيمان بثقافة الديمقراطية.
لم يعد أحد اليوم يحاجج بأهمية الانتخابات كآلية للممارسة الديمقراطية، وبالتالي بالديمقراطية كونها "أقل الأنظمة سوءا"، وسنتجاهل حقيقة الاهتمام الأمريكي والأوروبي بالانتخابات وبدمقرطة دول العالم الثالث وهو اهتمام يصب في طاحونة العولمة الثقافية ومقولة"نهاية التاريخ" لصاحبها فرانسييس فوكوياما التي أصبحت الموجه للاستراتيجية الأمريكية بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، وبالمقابل نؤكد على أننا كعرب بحاجة للديمقراطية ليس لأن أمريكا تضغط بهذا الاتجاه وأنظمتنا ونخبنا السياسية لا تستطيع أن تعارض الإرادة الأمريكية، بل لأننا بالفعل نحتاج للديمقراطية بعد أن ابتلينا بأنظمة دمرت كل شيء - سواء كانت أنظمة رجعية يمينية أو أنظمة مدعية للثورية والتقدمية -وجعلتنا ننتمي بجدارة لركب البلاد المتخلفة.
ولكن الديمقراطية ليست عقيدة جامدة بل هي نظام للحكم يقوم على مبادئ عامة أهمها تجسيد إرادة الأمة والتنافس الحر والنزيه على السلطة بين أحزاب وقوى سياسية ذات برامج مختلفة وخلق دولة المؤسسات والقانون بدلا من دولة الزعيم والحزب الواحد،وهذه المبادئ العامة يتم تبيئتها حسب خصوصيات كل مجتمع، وبالتالي هناك مداخل متعددة للديمقراطية.إلا أن أهم شرط من شروط الديمقراطية هو شرط الحرية، حرية الوطن وحرية المواطن، فلا يمكن لوطن ولمواطن غير حر أي خاضع للاحتلال أن يمارس انتخابات نزيهة أو يؤسس نظاما ديمقراطيا، فالاستعمار نقيض الحرية وبالتالي نقيض الديمقراطية. وعليه نلاحظ بان مسألة الديمقراطية لم تكن مطروحة عند كل حركات التحرر في العالم سواء تجربة الثورة الفرنسية أو الثورة الأمريكية أو الثورة الجزائرية أو الثورة الفيتنامية،بل إن فرنسا –وبقية الدول الأوربية- التي كانت تعرف نظاما ديمقراطيا قبل الاحتلال النازي، مع الاحتلال تم تعليق ووقف كل المؤسسات الديمقراطية وتم التعامل مع نظرية "تجاوز الصراعات"التي قال بها هنري لوفيفر، ومفادها انه عندما يكون الشعب خاضعا للاحتلال تتوقف كل الصراعات الطبقية وكل الصراعات حول السلطة لصالح جبهة وطنية متحدة لمواجهة الاحتلال.بعد القضاء على الاحتلال النازي عادت الديمقراطية لفرنسا وللدول التي كانت محتلة من النازي.
لا نروم من هذا التمهيد التقليل من أهمية الممارسة الديمقراطية والانتخابات عند الفلسطينيين حيث أثبتوا جدارة اعترف لهم بها العالم أو الزعم بأن الممارسة الديمقراطية تتناقض بالمطلق مع العمل ضد الاحتلال، ولكن مرامنا التأكيد بان أولوية الشعب الخاضع لاحتلال هي مقاومة الاحتلال وليس الصراع على سلطة وهمية، حيث لا يمكن تأسيس نظام ديمقراطي في ظل الاحتلال، ولكن هذا لا ينفي أهمية الممارسة الديمقراطية عند الشعب الخاضع للاحتلال سواء لاختيار قيادته أو توزيع المهام أو تحديد استراتيجيات العمل الوطني.وكما هو الأمر بالنسبة للدول العربية، فلو أن الأنظمة العربية الثورية والتقدمية والمحافظة وفرت لشعوبها الحياة الكريمة سياسيا واقتصاديا وكانت معبرة عن إرادة الأمة، ما كانت دعوات الإصلاح الديمقراطي الأمريكية وجدت تجاوبا، نفس الأمر في الحالة الفلسطينية فلو لم تكن السلطة فاسدة باعتراف الجميع بما فيهم أهلها، ولو تمكن الفلسطينيون من تشكيل قيادة وحدة وطنية، ما كان مبرر للحديث عن الإصلاح والديمقراطية بالطريقة التي تحدث اليوم.
الحالة الفلسطينية حالة متميزة وغريبة وفي هذا السياق نطرح المفارقات التالية:
أولاً: يجب الإشارة بداية بأن الانتخابات الفلسطينية وبالطريقة التي تمت بها تؤكد بأن الشعب الفلسطيني ربح رهان التحدي واثبت بأنه شعب كما يجيد القتال دفاعا عن حقه فهو يجيد الممارسة الديمقراطية، وهو يريد التأكيد بالتالي بأن مشكلته ليس غياب الديمقراطية بل وجود الاحتلال.
ثانياً: لأول مرة تطرح مسألة الديمقراطية والانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية على شعب يخضع للاحتلال ولم يتجاوز بعد مرحلة التحرر الوطني.
ثالثاً: لأول مرة تجري انتخابات رئاسية لجزء من الشعب وعلى جزء من الوطن ليكون الفائز رئيسا على جزء من الشعب.
رابعاً: لأول مرة يحدث أن يشارك رئيس شعب في انتخابات فرعية ليكون رئيسا لجزء من الشعب، فالسيد محمود عباس الفائز في انتخابات رئاسة السلطة هو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وبالتالي يفترض أنه رئيس الشعب الفلسطيني.
خامساً: الانتخابات أوجدت رئيسا لسلطة الحكم الذاتي وليس رئيسا لدولة مستقلة أو لشعب حر الإرادة.
سادساً: إن كانت الانتخابات مؤشرا على وجود عقلية ديمقراطية وثقافة ديمقراطية عند الفلسطينيين، إلا أنها لن تؤسس حالة ديمقراطية حقيقية إلا بعد انتخابات تشريعية تشارك فيها قوى المعارضة الإسلامية،وهي لن تؤسس دولة ديمقراطية إلا بعد دحر الاحتلال.
سابعاً: بالمقابل بينت الانتخابات بأن المشكلة في النظام السياسي القائم ليس ما بين المعارضة والسلطة بل داخل صفوف المعارضة، هذه الأخيرة التي لم تتمكن من الاتفاق على مرشح واحد للرئاسة، بل حتى قوى اليسار فشلت في ترشيح من يمثلها ودخلت في مهاترات أساءت إليها كثيرا.
ثامناً: أفرزت الانتخابات قوة سياسية جديدة وهي المبادرة برئاسة الدكتور مصطفى البرغوثي، حيث يعتبر الفائز الثاني في الانتخابات بعد أبو مازن، والمبادرة ليست إضافة عددية للأحزاب والقوى القائمة بل إضافة نوعية ومتميزة، فهي القوة السياسية الوحيدة التي لا تعتمد على شرعية تاريخية وثورية، فهي جمع من مواطنين يقودهم مثقفون يحملون برنامجا يتسم بخصائص ديمقراطية براغماتية.
شهدت الأراضي الفلسطينية المحتلة نهاية 2004 وبداية 2005حملة انتخابية محمومة عمت مناطق الضفة وغزة: ملصقات وشعارات ومناظرات تلفزيونية ومراقبون أجانب، وتدخلات خارجية لصالح هذا المرشح أو ذاك، واتهامات متبادلة حول حجم التمويل ومصادره... المشاهد لهذا المهرجان الانتخابي يعتقد بأن الفلسطينيين يعيشون مرحلة انتقال ديمقراطي حقيقي وان هذه الانتخابات ستنتج نظاما ديمقراطيا فلسطينيا، وبالتالي سينضم الفلسطينيون إلي ركب الدول الديمقراطية في العالم.
وسط هذا الهرج والمرج ووسط شعارات الديمقراطية ومظاهرها الشكلية غابتالحقيقة عن البعض أو حاول البعض تغييبها، وهي أن الانتخابات لوحدها لا تعبر عن وجود ديمقراطية، بل هي مجرد آلية للتنافس علي السلطة وآلية لممارسة الديمقراطية إن توافرت الشروط الأخرى للديمقراطية وأهم شرط هو توافر عنصر الحرية، حرية المواطن –المواطنة- وحرية الشعب. النظام الديمقراطي هو تجسيد لإرادة الأمة، وفي الحالة الفلسطينية حيث يخضع الفلسطينيون للاحتلال لا يمكن الحديث عن الحرية لا للمواطن ولا للوطن وبالتالي لا يمكن الحديث عن إرادة الأمة، الاحتلال نقيض للحرية ونقيض للديمقراطية، فالشعب الذي يخضع للاحتلال لا يمكنه أن يكون حراً أو يؤسس نظاماً ديمقراطياً.
نفهم جيدا أن مشاركة الفلسطينيين في الانتخابات ووجود أكثر من متنافس علي السلطة يعد مظهرا ديمقراطيا وتأكيدا علي أن الشعب الفلسطيني كما هو بارع في النضال يمكنه أن يكون بارعا في الممارسة الديمقراطية، وهذا ليس بالشيء الجديد علي الفلسطينيين فمن يرجع لمرحلة ما قبل النكبة 1948 سيجد الحياة السياسية الفلسطينية ومنذ العشرينيات حفلت بأحزاب سياسية تحمل برامج تطالب بالديمقراطية وبالانتخابات وبوجود دستور وحكومة نيابية، وما أفشل صيرورة هذه البرامج واقعا ديمقراطيا هو الانتداب البريطاني والحركة الصهيونية، وكأننا اليوم نعيد نفس التجربة، فهناك توق لديمقراطية ولكن العائق هو الاحتلال وهو الأمر الذي يريد البعض من الفلسطينيين بالإضافة إلي إسرائيل ودول خارجية أن يغيبوا عنا هذه الحقيقة. وعلي هذا الأساس نقول نعم لأي ممارسة ديمقراطية ولكن يجب أن لا يغيب عن البال أن كل فلسطين تخضع للاحتلال وأن الانتخابات سواء كانت رئاسية أو تشريعية أو محلية هي انتخابات لسلطة حكم ذاتي وليس لدولة ديمقراطية وحرة، هي انتخابات هدفها إفراز قيادة تقود الشعب نحو تحقيق الأهداف الوطنية وعلي رأسها الاستقلال بدولة مستقلة عاصمتها القدس وحق اللاجئين بحل عادل لقضيتهم، وان من يحاول أن يحرف الانتخابات عن حقيقتها ليصبح الهدف منها الوصول للسلطة وتأسيس نظام ديمقراطي ضمن الواقع القائم، إنما يخدم العدو الصهيوني الذي يروج بأن وجوده ليس وجودا احتلاليا وأن الفلسطينيين لا يخضعون للاحتلال ويدلل علي ذلك بأن الفلسطينيين يمارسون حياتهم العادية فيجرون انتخابات ويقيمون المشاريع ويستقبلون الوفود الأجنبية، وقد ساهمت السلطة بدرجة ما في تمرير هذه المقولة عندما قبلت بإجراء الانتخابات في ظل وجود الاحتلال وبالتالي تنازلت عن شرطها السابق والذي وضعته لتبرير عدم تجديد شرعية المجلس التشريعي، وهو ضرورة انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي التي دخلها بعد ايلول (سبتمبر) 2000.
وفي هذا السياق كانت المحاولات الإسرائيلية لابتزاز المتنافسين علي السلطة وخصوصا مرشح حركة فتح السيد أبو مازن الذي حاول في حملته الانتخابية أن يرضي جميع أطراف الصراع في الشرق الأوسط، أراد أن يرضي الجلاد والضحية في نفس الوقت. فعندما صرح أبو مازن بأنه سيعمل علي وقف عسكرة الانتفاضة فسرت إسرائيل ذلك بأنه اعتراف من أبو مازن وبالتالي من حركة فتح بأن الفلسطينيين قرروا رفع الراية البيضاء وتخلوا عن المقاومة أو لديهم الاستعداد لذلك، وأن الانتخابات الديمقراطية نقيض لنهج المقاومة!. مع الأخذ بعين الاعتبار الانتقادات والطعون التي وجهتها لجنة الانتخابات المركزية إلا أنه لا يجوز التشكيك بنتائج الانتخابات من حيث عكسها للحجم الحقيقي للقوى السياسية المشاركة فيها وبالتالي بشرعيتها الإجرائية. المشكلة لا تكمن في شرعية أو عدم شرعية نتائج الانتخابات ولا بالعملية الانتخابية ككل بل بما بعد الانتخابات أو بصيغة أخرى لماذا الانتخابات؟.
مراهنتان متناقضتان على الانتخابات الفلسطينية هناك مراهنتان متناقضتان على الانتخابات الفلسطينية، الأولى هي المراهنة الأمريكية والإسرائيلية والتي لا تتعامل مع الانتخابات والمشاركة السياسية كعوامل مؤسسة لنظام ديمقراطي فلسطيني حقيقي والثانية هي المراهنة الوطنية التي تريد الانتخابات والمشاركة السياسية كمدخل لحياة سياسية لا تسقط استحقاقات مواجهة الاحتلال.
أولاً: المراهنة الأمريكية الإسرائيلية
سيكون من السذاجة الاعتقاد بان إسرائيل وأمريكا ترغبان تعليم الفلسطينيين أسس الديمقراطية أو مساعدتهم على قيام دولة ديمقراطية،أيضا من الوهم الشديد القول بأن إسرائيل كانت تمانع من تمكيننا من حقوقنا المشروعة وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية لأننا نريد تحقيق هذه الحقوق بوسائل الكفاح المسلح والجهاد، وبالتالي ستمنحنا هذه الحقوق إذا ما أصبحنا ديمقراطيين وطالبنا بحقوقنا بالطرق السلمية والديمقراطية. إذن لماذا هذا الاهتمام الأمريكي وعدم الممانعة الإسرائيلية للانتخابات الفلسطينية؟.
تهدف الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال تشجيع الانتخابات إلهاء الفلسطينيين بالتنافس على السلطة على أمل أن يؤدي التنافس إلى صرع وحرب أهلية،كما تهدفان إلى تصوير الواقع على غير حقيقته، بالزعم بأنه لا يوجد احتلال وإن وجود فهو احتلال حضاري لا يحول بين الفلسطينيين وممارسة حياهم العادية من انتخابات محلية وتشريعية ورئاسية ومن فتح علاقات مع العالم الخارجي وتلقي المساعدات الخ، كما كان هدفهم ضمان استمرارية السلطة وتحديدا بيد حركة فتح حتى لا تأول قيادة الشعب لقوى المعارضة الإسلامية، والأهم من ذلك يريدون قيادة تسوق كقيادة شرعية للشعب الفلسطيني تقر ما تم توقيعه من اتفاقات ولتوقع بهذه الصفة الشرعية المستمدة من صناديق الانتخابات على الحلول السياسية القادمة سواء كانت خطة خارطة الطريق أو خطة شارون.
إذن أمريكا وإسرائيل غير معنيتين بأن نكون ديمقراطيين أو نؤسس نظاما ديمقراطيا بقدر ما يعنيهم الجانب الشكلي من الديمقراطية أي الصفة التمثيلية لقيادة لا تخرج عن نهج التسوية الذي يخططون له.
ثانياً: المراهنة الوطنية الفلسطينية
هذه المراهنة الأمريكية والإسرائيلية ليس لها كثر حظوظ نجاح لأن غالبية الفلسطينيين واعين لها ومدركين لخطورتها.المراهنة الفلسطينية على الانتخابات تنبع من وعي سياسي بخطورة المرحلة وبضرورة قبول التحدي الديمقراطي وخصوصا انه منصوص عليه في خطة خارطة الطريق، وهي مراهنة على ان الانتخابات هي الوسيلة المتاحة لإعادة بناء البيت الفلسطيني الداخلي بعد سنوات من تعثر التوصل لقيادة وحدة وطنية، والأهم من ذلك أن الفلسطينيين لا يرون في الانتخابات وبالديمقراطية هدفا بحد ذاته بل وسيلة لتمتين البيت الفلسطيني ليكون أكثر قدرة على استكمال المشروع التحرري الوطني، مع إدراكنا لخطورة وصعوبة الأمر حيث أن استحقاقات حركة التحرر تختلف كثيرا عن استحقاقات الممارسة الديمقراطية، ومن هنا نخشى أن يؤدي انغماس القوى السياسية بالصراع على سلطة وهمية إلى قطع الطريق على نهج التحرر إذا ما فشلت التسوية السياسية.
نخلص للقول، نعم للانتخابات ونعم للممارسة الديمقراطية، ولكن على شرط أن لا يغيب عنا حقيقة أننا نعيش تحت الاحتلال، وان الديمقراطية وحدها لن تحرر أرضا محتلة.

خلاصة:
لاشك أن ديمقراطية القرن العشرين قد وسعت نظريا من مجال المشاركة السياسية، بإلغائها نظام الرق،(2) ومنحها حق المشاركة السياسية للنساء وإلغاء القيود التي كانت تحول بين المواطن وحقه في المشاركة السياسية، إلا أن واقع التطبيق اظهر انحسارا في المشاركة الفعلية، إلا أن المفارقة أن هذا الانحسار اختياري وليس إجباري أي أنه يعبر عن رضا الجمهور على النظام القائم وليس التشكيك فيه والمطالبة بتغييره.
وبالنسبة لمجتمعنا العربي لاشك أن هناك تمظهرات لـ (المشاركة السياسية) وكما يقول المثال (ليس كل ما يلمع ذهبا)، فالمواطن العربي لا يروم الديمقراطية كهدف بحد ذاتها، ولا يعشق التعددية لمجرد أنها تعبير عن حق الاختلاف، ولا الانتخابات باعتبارها تعبير عن حرية الرأي، ولا صناديق انتخابية زجاجية كدلالة على الشفافية والنزاهة، إنه لا يسعى للسياسة، كهدف بحد ذاته، بل يسعى إلى الحياة الكريمة كيفما جاءت، فاختفاء أنظمة فاسدة، وواقع اجتماعي متخلف واقتصاديات منهارة، وراء شعارات ديمقراطية لن يغير في الأمر شيئا.
فلاشك أن الشعوب العربية اكتوت بنار الأنظمة العسكرية، وعاشت الايديولوجات الثورية والدينية، وتريد التغيير ولكن ليس بالخروج من وهم إلى وهم، من إيديولوجيا الشعارات والمعتقدات إلى (الديمقراطية الايديولجيا) التي أصبحت حوافزها الخارجية أقوى من نضوج شروطها الداخلية. نعم الديمقراطية (اقل الأنظمة سوء ا) كما قال ونستون تشرشل ولكن أية ديمقراطية نريد؟ وقبل أن نتساءل أي مجتمع نريد نتساءل أية ثقافة وأي هوية نريد؟ البداية بالسؤال من نحن ثم نبحث عما نريد وعن النظام السياسي الأمثل.

الفصل السابع
الأصولية والعلمانية بين السياسة والدين
بغض النظر عن القراءات المتناقضة للحركات الإسلامية أو الأصولية فهذه الظاهرة وليدة بيئتنا وثقافتنا، وتنهل من ماضينا ومقدساتنا، الأمر الذي يجعل مقاربتها لا يحتاج إلى الجري وراء تنظيرات المفكرين الغربيين وكتاباتهم حول الموضوع، فبما أنها خاصتنا فعلينا أن ننظر إليها بعيوننا وليس بعيون الآخرين، فمثقفونا ورجال سياستنا أقدر من غيرهم على التعامل مع الموضوع. وعليه، فقد ركزنا في مقاربتنا للموضوع على الواقع أكثر من التنظير، وسيلاحظ القارئ أننا جمعنا العلمانية والأصولية في موضوع واحد مع أنهما مصطلحان متناقضان وينتميان إلى مرجعيتين مختلفتين. وهذا كلام صحيح إذا كنا سنقوم بدراستهما نظريا أي على مستوى التعريفات، ولكن بما أننا -كما سبق الذكر- سنتناول الموضوع من خلال الممارسة والمعايشة، فإن التعرض لأي منهما سيحيل تلقائيا إلى الآخر وخصوصا في الشكل الذي هما مثاران فيه في الحياة السياسية والاجتماعية العربية فالعلاقة بينهم علاقة الفعل وردة الفعل أو الشيء ونقضيه، مع أنهما غير متناقضتين بشكل كامل.

المبحث الأول
تحديد الإشكالية
هناك مقولة مشهورة لفولتير: "قبل أن تتحدث معي حدد مصطلحاتك" وهذه المقولة يتوجب استحضارها إذا كنا في إطار بحث اجتماعي، حيث تتعدد المفاهيم وتتداخل وتتناقض بعضها مع بعض حول القضية الواحدة. فالمصطلح في العلوم الاجتماعية حمال تفسيرات عدة وهو لا ينجو من تأثيرات الأيديولوجيا والذاتية، اللتين يضفيهم الباحث على رؤيته وتفسيره للمفاهيم المستعملة.
إن المصطلح الذي هو "تجريد للواقع يسمح لنا أن نعبر عن هذا الواقع من خلاله"، هو أساس لغة التعامل الإنساني ووسيلة للتعبير عن أفكار وحالات وأوضاع محددة. وتكتسي عملية التحديد الدقيق له أهمية قصوى في البحث الاجتماعي، لأنه عن طريق هذا التحديد يمكن للباحث أن يحصر المعلومات التي عليه جمعها، ويمكنه أيضا، منذ البداية، أن يعرف ماذا يقصد الباحث بهذا المفهوم أو ذاك، أو ما هي القضية محل النقاش.إن تحديد وتعريف مفهوم أو مصطلح، والإلمام بمقاصده، وخصوصا في دول العالم الثالث، حيث يتداخل بشكل كبير ما هو اجتماعي مع ما هو سياسي، والديني مع الدنيوي، لا يستمد هذا التعريف غالبا من المفهوم ذاته، أي من كونه تجريد للواقع، بل تغلب عليه الأيدولوجيا والأشواق والتطلعات، فيصبح المصطلح من خلال ما يضفي عليه، مما ليس فيه، تعبيرا عن شيء أو أشياء لا علاقة لها بالواقع، عن شيء يجب أن يكون كما يريده العقل المتعامل والمستعمل للمصطلح، وليس عن الشيء الموجود بالفعل، الأمر الذي جعل بنية الفكر العربي الإسلامي الذي تملأه هذه المفاهيم وتشكل لحمته وسداه، عبارة عن بناء تصوري ذاتوي منسلخ عن الواقع، فكر مرتبط ومحكوم ومسير بمفاهيم ومصطلحات يعتقد أنها واضحة وبينة، بينما هي في الحقيقة أبعد ما تكون عن الوضوح والموضوعية، حيث إن كل شخص أو حركة أو نظام يضفي عليها مسحة أخلاقية وقيمية إيجابية أو سلبية بحسب هواه، وهو الأمر غير المقتصر على الحركة الإسلامية أو الفكر الإسلامي المعاصر، بل ينطبق أيضا على التيارات الفكرية الأخرى القومية والاشتراكية.(1)
ومما يزيد التعقيد والتشويش المصاحبين استعمال المفاهيم كأدوات لتجريد الواقع، هو أن غالبية هذا المصطلحات والمفاهيم ليست نتاج الواقع الاجتماعي ذاته الذي تحاول التعبير عنه، وليست مستمدة من البنية اللغوية أو العقلية للناس المشكلين للظاهرة، بل هي مفاهيم ومصطلحات وافدة ومستمدة من القاموس اللغوي الأوروبي، ومن العلوم الاجتماعية الغربية. ولا نبالغ إن قلنا إن الحيز الأكبر من قاموسنا ألمفاهيمي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، هو عبارة عن مفاهيم مستجلبة ومركبة بشكل تعسفي وإقحامي على الواقع: الدولة، الديمقراطية، المعارضة، العلمانية الأحزاب، البرلمان... الخ، كلها مفاهيم تطلق على أشياء ليست بالضرورة معبرة عن المعنى الحقيقي لهذه المفاهيم كما تجسدها تعبيراتها الواقعية في دول المنشأ -الحضارة الغربية- وليس معنى هذا أننا كعالم عربي إسلامي نشكل حالة خاصة منفصلة كليا عن العالم وقيمه وحضارته وأفكاره، ولكن القصد أن هذه المفاهيم المشار إليها لا تستمد علميتها ومصداقيتها من انتظام مقولاتها وعقلانية أهدافها بشكل تجريدي، بل تستمد هذه المصداقية من ارتباطها بواقع اجتماعي محدد ومن قدرتها على التعامل مع هذا الواقع وتغييره لما فيه خدمة الإنسان. وأما سلخها عن واقع النشأة وإقحامها تعسفيا على واقع اجتماعي حضاري مغاير، فلن يؤدي بالضرورة إلى النجاح نفسه الذي حققته في دول النشأة، بمعنى آخر يجب أن لا تؤخذ هذه المفاهيم كمقولات جاهزة ودغماتية، بل كنماذج تستلهم وتكيف مع خصوصيات كل مجتمع.(1)
لا يختلف اثنان في وطننا العربي الإسلامي على أن الظاهرة المسماة المد الأصولي أو الإسلام السياسي هي اليوم من قضايا الساعة، حيث تفرض نفسها بأشكال متفاوتة الحدة ما بين بلد وآخر، وتأخذ تعبيرات وتمارس سلوكيات، قد تختلف في تمظهراتها الخارجية، لكنها تتفق في جوهرها وفي مرجعيتها العقلية والعقائدية التي تنهل منها -أو أنها تدعي ذلك- بل لم يقتصر الأمر على أصحاب الديانة الإسلامية أنفسهم، بل أُقحم الغرب أو أقحم نفسه كطرف في الموضوع، وأفسح حيزا من اهتمامه وإعلامه ثم جيوشه لمواجهة هذه الظاهرة وتصنيفها كخطر يهدده ويهدد الحضارة الإنسانية المعاصرة!!.(2) ومن المعلوم هنا أن استحضار الرب أو المقدس لم يكن في يوم من الأيام غائبا عن الحياة الاجتماعية لدى شعوب الشرق عامة، فالشرق هو عالم الروحانيات كما يقول الغربيون، انطلاقا من كونه منبع الديانات السماوية. إلا أن الاستحضار المكثف للرب وجعله مرجعية لبعضهم، للتحريم والتحليل، ولإضفاء المشروعية على الوضع القائم أو تجريده منها، أخذ اليوم شكلا أكثر حدة، وخلق حالة من الترعس الديني الجماعي جعلت كل الأوضاع القائمة، سياسية واقتصادية واجتماعية، أنظمة وإيديولوجيات وعلاقات، يعاد النظر فيها وتخضع لعملية تقييم جديدة، ليس على أساس شرعيتها القانونية أو الشعبية، بل على أساس مدى ما يربطها بالشريعة الإسلامية وتعاليم الرب، كما يحدد معالمهم أصحاب التيار الديني، من أنظمة تيوقراطية وحركات سياسية دينية. فأينما يممت وجهك اليوم تصطدم بالدين: فإذا تحدثت عن السياسة والديمقراطية، عليك أن تجد صلة بينهما وبين الإسلام وتحديدا الشورى، وإذا تحدثت عن الاقتصاد والتنمية فيجب استحضار موقف الدين من هذه الأنشطة وتحديد المحرم والمحلل منها، وإذا تحدثت عن الأسرة والزواج فإنهم أكثر الموضوعات إثارة للجدل، وكأن الرب لا هم له ولا شغل له إلا المرأة وما تلبس وكيف تلبس وطبيعة علاقتها بالرجل وبالمجتمع، وعمم على ذلك مختلف أنشطة الحياة، فالمسلمون من أكثر المجتمعات احتفالية بدينهم.
إن الرب يتغلغل في نسيج حياتنا ويشكل عنصرا محوريا في نمط تفكيرنا وعقلنا وشعورنا الواعي وغير الواعي، وإنه معنا في اليقظة وفي المنام، في البيت وفي العمل، في التجارة وفي السياسة، في سلوكنا الخير وفي سلوكنا الشرير، إنه، بشكل آخر، اللازمة التي تميز عقلنا العربي الإسلامي عن غيره. لكن الرب الذي نستحضره ونوظفه ليس بالضرورة رب العالمين، الرب المطلق اللامتناهي، رب الجميع، بل هو رب نتخيله ونفصله على هوانا وبحسب مقاسنا، رب نعتقد، كأنه لم يوجد إلا لنا ولا هم له إلا نحن، رب نريد منه أن يبرر مساوئنا ويتجاوب مع ما نريد من صالح أو طالح، رب نستحضره إن كان في استحضاره ما يحقق أغراضنا، وننساه إن كان في ذلك مصلحة لنا.‏ ونعتقد أن الظاهرة في عمقها ليست مشكلة الرب أو الدين -أو الإسلام بحد ذاته- لكنها مشكلة العقليات التي تتعامل معهما وكيفية توظيفهما في حياتنا اليومية، فطبيعة العقل الشرقي وطبيعة بنية المجتمع العربي، هما اللذان يضفيان حالة من التضخيم والتهويل والتقديس على ظواهر دنيوية وحياتية، ويخلقان حالة من الترعس الديني والهيجان لإرضاء هذه العقلية، ولإضفاء مصداقية دينية قدسية على حالة العجز عن فهم الواقع وإخضاعه والتعامل معه.فالخلل ليس في الدين ذاته ولكن في العقليات المتعاملة معه، وهي العقليات نفسها والبنية العقلية الاجتماعية نفسها التي فشلت في التعامل مع الأيديولوجيات الدنيوية -قومية، اشتراكية وليبرالية- وفي توظيفها لما فيه خدمة الإنسان العربي، إنها عقليات ونظم تعيد إنتاج نفسها وتعيد إنتاج الواقع نفسه بمفاسده وبنيته وقيمه السائدة، بل إنها تعيد إنتاجه بشكل أكثر تشويها. فإذا استثنينا مظاهر التحول المادي-خلق مجتمع استهلاكي حيواني غير منتج -فإن بنى المجتمع الأخرى لم تتغير- فبالنسبة إلى الأنظمة الثورية، لم يتغير الخطاب الرسمي، وهو خطاب تبشيري فوقي يحْفظ دون أن يُعْقل. وبالنسبة للأنظمة المحافظة، فهي لم توفق في توظيف علاقتها وانفتاحها على الغرب والفكر الليبرالي في إحداث تغييرات جوهرية تمس النظم العقلية والسياسية والاقتصادية والنفسية السائدة، بل اقتصرت على أخذ قشور حضارة الغرب المادية الاستهلاكية، وبعض أساليب الممارسة الديمقراطية الشكلية، لأن غالبية هذه الأنظمة المحافظة تستمد شرعيتها من الماضي، ومن المحافظة على ما هو قائم، وليس من المستقبل وتغيير ما هو قائم، فالتغيير وتفكيك بني المجتمع التقليدي يفقدها شرعيتها، وبالتالي يفقدها مبرر وجودها.
المشكلة المطروحة هي في الواقع أكثر تعقيدا وعمقا وخطورة مما قد يوحي به السياسيون والكتاب والعلمانيون، وحتى أكثر عمقا من إدراك وفهم أصحاب الحركات الدينية أنفسهم، ذلك أن التمظهرات الخارجية الشكلانية لا تعكس حقيقة المشكلة، لأنها مشكلة متعددة الوجوه والأبعاد، وعملية عقلها علميا لا تكون من خلال التعامل مع تعبيراتها الخارجية، لكن من خلال الغوص في البنى العميقة للعقل المتعامل معها واستقصاء الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الحافزة على ظهورها، كإشكالية اجتماعية دنيوية. ذلك أن الرب دائم الوجود لا ينقطع حضوره، والإسلام -قرآن وسنة- موجود منذ حوالي ألف وأربعمائة سنة، والجماعات الدينية لم تأت بآية قرآنية جديدة ولا بحديث نبوي جديد، كما أن هذه الحركات الدينية أو المد الديني، يظهر ويختفي على شكل موجات بين فترة وأخرى، وهذا الاختفاء ثم الظهور تكمن أسبابه في ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية، أي أنه يخضع لشروط دنيوية وليست دينية.(1)

المبح الثاني
العلمانية
العلمانية من المفاهيم التي أقحمت في الجدل المحتدم في العالم العربي والإسلامي حول علاقة الديني بالدنيوي، يظهرها بعضهم كأسلوب حياة وحكم متعارض مع الشريعة الإسلامية، ويطرحها آخرون بشكل لا يضعها موضع التصادم مع الإسلام. لاشك هنا في أن مفهوم العلمانية مفهوم غربي النشأة، وسواء نسبنا الكلمة إلى، العلم -العلمانية، بكسر العين- أو العالم -العلمانية، بفتح العين(1) فإن هناك شبه إجماع لدى المختصين على أنها تعني فصل الدين عن الدولة. وحيث إن العلمانية في نظرهم شكلت عنصرا أساسيا في تطور الحضارة الغربية، وإحدى ركائزها، فإن الأمر، في نظرهم، يتطلب تطبيق العلمانية في العالم العربي الإسلامي لتكون ركيزة نهضة حضارية، وهؤلاء هم أنصار "نظرية التنمية"، أو المستلهمون مرتكزاتها الفكرية.
لن نستعيد هنا المفاهيم والتحليلات المتعددة التي أعطيت للعلمانية من طرف كتاب عرب،(2) والنقاش الذي بدأ منذ بداية القرن العشرين مع صدمة الحداثة، ثم توسع واحتدم مع علمانية كمال أتاتورك في تركيا، لكننا سنبين المفهوم الذي أعطى للعلمانية ووضعها في حالة تعارض مع الإسلام، حيث عرفت العلمانية بأنها فصل الدين عن الدنيا أو عن الدولة والسياسة، الأمر الذي يعني أن للرب مجالا خاصا به، وهناك مجالات أخرى لا علاقة للرب بها، وهذا في نظر بعض التيارات الدينية يتناقض مع مفهوم الرب المطلق اللامتناهي، رب السماوات والأرض الذي على كل شيء قدير والذي لا يحدث أمر من دون علمه وإذنه، كما يتناقض مع تصورهم عن الإسلام باعتباره دينا ودنيا، عبادات ومعاملات.
قد يوحي تعريف العلمانية بأنها فصل الديني عن الدنيوي، أن دول الغرب العلمانية تخلت عن قيمها المسيحية، ولم يعد للدين وجود في علاقتها الداخلية والخارجية. هذا أمر غير صحيح، فالحضارة الغربية لا زالت تسمى (حضارة غربية مسيحية) والمؤسسات والرموز الدينية لا زالت فاعلة، والمراكز التبشيرية التي يزرعها الغرب في مناطق العالم لا تخفى على أحد، بل أن نظرة الإنسان الأوروبي العادي إلى أصحاب الديانات الأخرى محكومة ببعد ديني لا يخفى بالإضافة إلى النظرة العدائية التي ينظر من خلالها الغرب المسيحي إلى العالم الإسلامي.(2)
إن الفهم الحقيقي للعلمانية التي أخذ بها الغرب، يعني أن أمور الدين ليست حكرا على جماعة تدعي أنها واسطة بين الإنسان وربه. فالعلمانية ترفض التسليم بأن أمور الدنيا لا تستقيم إلا إذا نظمت وسارت على أساس تطبيق نص أو تعاليم دينية واضحة ومحددة. والعلمانية لا تنفي وجود الرب ولا تحاربه، بل تقبل التعايش معه واستحضاره، لكن ليس كنصوص قاطعة باتة أو تعاليم صارمة، بل كروح وقيم ومبادئ تُسْتَلهم وتكيف مع خصوصيات كل مجتمع، ومع كل مستجدات تطرأ ولا تعارض الدين او تتدخل به إذا كان علاقة ما بين الفرد وربه. فالعلمانية بهذا الشكل تعني توظيف الدين عقلانيا بما فيه خدمة المجتمع والإنسان، وبما لا يتناقض مع روح الدين إذ أن الدين وجد لخدمة الإنسان ولما فيه صالح المجتمع.
إن الجذور التاريخية للعلمانية في أوروبا، والتي تصاحبت مع حركة النهضة، لم تقم على أساس تغييب الرب أو قطع الصلة مع الدين، لكنها سحبت احتكاره من قبل فئة محددة –رجال الدين-، ووسعت أفقه ليستوعب العلم الحديث وتطورات العقل البشري، وهي مجالات معرفية كانت محجورا عليها من طرف رجال الدين وهي بذلك حررت الحاكمين من سلطة رجال الدين وتفسيراتهم وتأويلاتهم الانتقائية التي ليست بالضرورة تطبيقا لنص إلهي أو موحى بها إليهم، وفصلت الكنيسة عن السياسة بحيث أصبح رجال الدولة يستمدون شرعيتهم من الشعب، وأصبح رجال الدين والمؤسسات الدينية جزءا من حركة المجتمع وتطوره ومؤسساته، وعليهما إثبات جدارتهما في خدمة المجتمع والتفاعل معه وليس في اعتمادهم على شرعية متوهمة مستمدة من مصدر إلهي مشكوك في تمثيلهما إياه.
لقد أضفت العلمانية طابعا اجتماعيا واقتصاديا على المقدس، محايثا لمجريات الحياة اليومية ومتكيفا وفق متطلباتها، أي أنها عملت على تبيئة المقدس وتبسيطه وتحويله إلى أخلاقيات وقيم دنيوية، فما هو مقدس ليس ما يقول به رجال الدين بالضرورة، بل أن قدسيته تستمد من قدرته على خدمة الإنسان والمجتمع، بما لا يتناقض مع روح الدين وقيمه السامية. وبالتالي، فأن القانون الوضعي لا يتناقض أو يلغي النص الديني، بل يكون هذا الأخير متضمنا فيه وممثلا روحه، فما يخدم الإنسان ويمثل إرادة الأمة ويحظى بإجماع الشعب، ورضاه، لا يمكنه إلا أن يكون مقبولا من قبل الرب. إلا أن تبسيط العلمانية وحصرها في علاقة ثنائية تناقضية مفترضة بين الدين والسياسة، أو الدين والدولة، لا يساعد على فهم أسباب وعوامل نجاح العلمانية في الغرب وتعثرها في البلدان الإسلامية. وهنا قد يطرح بعضهم خصوصية الإسلام وتميزه عن المسيحية، كأهم أسباب صعوبة تطبيق العلمانية، من منطلق أنه لا يوجد في الإسلام كهنوتية -طبقة رجال الدين- كما هو الأمر في المسيحية وأن الإسلام في جوهره دين ودنيا لا يمكن الفصل بينهما.
نعتقد أن هذه الأسباب، وإن كان لها بعض القدرة على التفسير، غير مقنعة، إذ المتعمق في البحث لن تعوزه النباهة ليكتشف وجود "طبقة" رجال الدين وما يشبه الكهنوتية في المجتمعات الإسلامية، بل إن هذه الأخيرة هي أكثر انغلاقا وتخلفا من الكهنوتية المسيحية. فلعقود طويلة والدين مجال مقدس محرم لا يناقش، وعالم مغلق على رجال الدين التقليديين من أئمة مساجد وشيوخ وعلماء يحتكرون فهم الدين وتفسيره بالشكل الذي يتفق مع مصالحهم ورغباتهم، ومع مصالح ورغبات من هم في السلطة، كما كان الدين مُحْتَكرا من قبل السلطة التي توظفه بالشكل الذي يخدم أغراضها. وكان مما يزيد من شقة التباعد بين الناس العاديين وبين الفهم الحقيقي للإسلام، وإدراك معانيه العميقة وعقلنته، هو التحالف بين الفئتين السابقتين -رجال الدين التقليديين والسلطة- هذا التحالف الذي جعل الفئة العظمى من المواطنين، وخصوصا المثقفين الشباب، تلتجئ إلى الإيديولوجيات العلمانية وتتبنى أفكارها وتنخرط في أنشطتها، ليس كفرا بالإسلام، لكن لأن الإسلام الرسمي والتقليدي لم يكن يشفي الغليل، ولم يكن يسمح لهم بالتفكير العقلاني معه وبه. وكانت أية محاولة من طرف المثقفين الشباب للتساؤل والتقصي حول أمور تنسب إلى الإسلام، تفسر بتوجهات إلحادية وبالزندقة، حيث كانت عملية التساؤل والتفسير من اختصاص الشيوخ التقليديين أو من اختصاص السلطة والمجامع العلمية الدينية التابعة لها.
ومما زاد في ارتباك مفهوم الإسلام في أذهان الناس وسلوكياتهم وتداخل الإسلام مع أمور تنسب إليه وليست فيه، واحتكاره من طرف فئة محددة من الفقهاء وعلماء السلطة، هو انتشار الأمية والجهل وغياب مناهج تدريس تنقل إلى الناشئة المعنى الحضاري والعميق للإسلام. ففي مجتمعات تزيد فيها نسبة الأمية على ستين بالمائة، كيف يمكننا أن نتحدث عن مجتمع مسلم، إلا باعتبار الإسلام طقوس وعبادات وليس حضارة تؤسس. وما زاد من حدة المشكلة وتفاقمها، هو الانقسام الحاد للمجتمع العربي إلى قلة مترفة ذات تعليم عصري علماني وثقافة مشبعة بروح الغرب وقيمه، وأغلبية جاهلة فقيرة وأمية ذات تعليم تقليدي. الأولى لا تعرف من الإسلام إلا أسمه وتتعامل معه كشيء من التراث الذي عفا عنه الزمن وتحمله كل أسباب التخلف عن ركب الحضارة -وبعض شرائح هذه النخبة ممن هم في السلطة السياسية ومع عدم إيمانها الكامل بالشريعة الإسلامية- إلا أنها ترفع شعارات الإسلام وتنصب نفسها حامية حماه، لتضفي على نفسها شرعية دينية، ولتمرر من خلال خطابها الديني، الذي يخدر عقول الجماهير المتدينة تقليديا وبالوارثة، سياساتها وتحقق مصالحها، بينما واقع سلوك هذه النخبة السياسية ونمط حياتها هما أبعد ما يكون عن الإسلام، والثانية، أغلبية يعمها الفقر والبؤس والأمية، تتكدس في الأرياف وفي أحزمة البؤس على أطراف المدن، تمارس طقوسا تعتقد أنها الإسلام، وحتى مناهج التعليم التي تتلقاها فهي تقليدية محض في المراحل الأول، وتقنية وعلمانية في المراحل العليا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الدروس الدينية، فإن نوع التوجيه ونوع الموجهين الدينيين، للأسف، لا يخدمان الإسلام الحقيقي بشيء.
الإسلام الذي يلقن للتلاميذ، تتداخل فيه الحقيقة مع الباطل والأسطورة، ويتم التعامل من خلاله مع عواطف وغرائز الخوف عند التلاميذ، بدلا من التعامل مع عقولهم، ويصبح الإسلام عالما مخيفا ومرعبا فيه نار جهنم وشياطين وعذاب لا ينقطع، والموضوعات المسيطرة على الدروس والكتابات الدينية المدرسية وغير المدرسية، كمشاكل الزواج والطلاق ونوع اللباس والإرث و الزنا والخمر هي أمور مهمة ولكنها ليست الأساسية، فيما المشاكل الحقيقية أبعد ما تكون عن هذه الدروس. وكيف يمكن أن تناقش أمور جوهرية والمكلفون بالدروس الدينية وبالتعليم التقليدي عموما أناس ينتمون إلى الماضي، غير متفتحين على علوم العصر وغير مطلعين على مشاكل الساعة، وكتب التراث هي كل معارفهم وحيز مداركهم؟ والأخطر من ذلك أن المنهج المتبع والروح السائدة في هذه التربية تقتل روح الخلق والإبداع والعمل عند الإنسان، بإرجاع كل فعل أو عمل أو إنجاز إلى إرادة الله وقدرته، وكأن إرادة الإنسان في الفعل والعمل شيء يتناقض مع إرادة الله، الإنسان يصبح مجرد أداة لا حول له ولا قوة ولا دور له في هذه الحياة، إلا انتظار مشيئة الله والتسليم بإرادته، الأمر الذي يؤدي إلى تربية أجيال من السلبيين الاتكاليين العاجزين المنتظرين إرادة الله والمستسلمين لها. فالحكم الجائر من إرادة الله! والجوع والفقر أيضا من إرادة الله الذي لا راد لإرادته! وهزائمنا أمام العدو أيضا هي نكسات ومصائب لا دور لنا فيها ولا قدرة لنا على ردها! أما الأشخاص المسندة إليهم هذه الدروس والمرجون لهذه الأفكار السلبية عن الإسلام، فهم غالبا من الشيوخ المسنين، أو من الملتحين الجادين الصارمين بوجوه مكفهرة لا تعرف الابتسام أو الانشراح، ويستعملون لغة ومصطلحات تنتمي إلى عصر غير هذا العصر، ويناقشون موضوعات لا تلامس الحياة اليومية المعاشة، مما يخلق لدى المتلقي ما يشبه ازدواج الشخصية، إذ يكون أثناء تلقيه هذه الدروس والمحاضرات في عالم معين، وعندما يخرج إلى معترك الحياة يصطدم بعالم آخر وحياة أخرى، وكأن لا علاقة للإسلام الملقن بها، فيقع ضحية التناقض بين هذين العالمين. وتكون الصورة أكثر غرابة في الأرياف، حيث تسود الأمية ويعم الجهل، فيتحول الإسلام لدى سكان الأرياف -وهم نصف عدد السكان تقريبا- إلى مجرد طقوس وأساطير لا يُفْقَه معناها، وإلى تقليد عادات يقوم بها سكان المدن من صلاة وصيام وحج وأضحية عيد.... الخ، كنوع من إظهار المكانة والتشبه بالحضر والتمايز الشكلاني عن الآخرين أو كنوع من التقاليد، من دون فهم واع لمغزى الإسلام وروحه، وبجهل لتاريخه وتشريعاته وأصوله.(1)
ومن هنا يصبح مشروعاً لنا أن نتساءل: هل يوجد هناك مليار مسلم في العالم؟ وهل الدول الذي تصنف كدول إسلامية هي مسلمة بالفعل؟ وهل الأنظمة والأحزاب والمؤتمرات التي تنطق باسم الإسلام وترفع راياته هي مسلمة بالفعل؟. إنه مما يسيء إلى الإسلام الحقيقي أن نقرنه بواقع حال المسلمين، أي نقرنه بالتخلف والبؤس والجهل والتعصب، فكل هؤلاء ينسبون أنفسهم إلى الإسلام، إما جهلا - من الأغلبية، التي تعتقد أن ما هي عليه هو الإسلام الحقيقي- أو نفاقا ومصلحة من بعضهم الآخر الذين يسعون إلى إضفاء شرعية دينية على تصرفاتهم وسياساتهم ومصالحهم باستغلال المشاعر الدينية الغامضة والمشوشة لدى الجماهير الشعبية وجهلها بحقيقة الإسلام.
أما القول بأن الإسلام يتميز عن المسيحية بكونه دينا ودنيا في الوقت نفسه، والمطالبة، بناء عليه، بالتطبيق الحرفي لنصوص القرآن والحديث النبوي، والرجوع إلى الأصول الأولى إلى عهد الرسول والخلفاء الراشدين كمرجعية إسنادية، فإن الأمر يحتاج إلى توضيح. فلاشك أنه في ذلك العهد، كان الإسلام كذلك، حيث كانت النصوص الخاصة بالمعاملات وتنظيم أمور الناس كافية للإجابة عن كثير من قضايا ومشاكل ذلك العصر، بمعنى أن النص كان متطابقا مع الواقع، بالإضافة إلى خصوصية شخصية الرسول وشخصية الخلفاء الراشدين. أما اليوم، فإن الحياة تتطور وتتعقد، والنص الديني تباعدت معانيه المباشرة مع الواقع الذي أصبح أكثر تعقيدا وتمايزا واختلافا وتناقضا بعضه مع بعض، لتشرذمه إلى مجتمعات متباعدة ذات نظم سياسية واقتصادية واجتماعية ولغوية وثقافية مختلفة.(1)
ولا يمكن أن نتجاهل هنا الصعوبة على المستوى التطبيقي، في ما يتعلق بمن يحق له الاجتهاد، والموضوعات التي يمكن الاجتهاد فيها، فليست الأمور بالبساطة التي توحي بها قاعدة (الحق بيِّن والباطل بيِّن) فتعقد المجتمعات، جعل المتشابهات، أو الأمور الذي يثور الغموض حولها - أهي حق أم باطل- كثيرة.فحجم المعرفة الإنسانية خلال العقد الأخير وحده، يفوق بمرات المعرفة التي كانت سائدة في القرن السابع الميلادي، وهذا التطور المعرفي بحاجة إلى دمج في منظومة القيم والأفكار والمعتقدات الإسلامية، وعملية تكييف و تعايش ما بين الإسلام وبينها، وخصوصا أن هذه المعرفة ليست وليدة أفكارنا وقيمنا الإسلامية، ولكنها جاءت من الآخر بقيمه ومعتقداته.
إذا من يحق له أن يجتهد في هذه الأمور؟ هل كل إنسان مؤهل للاجتهاد فيها؟ أم أنها من اختصاص أولي الأمر؟ أم أنها من اختصاص أولي الخبرة في الموضوع محل الاجتهاد؟ إن الإجابة ليست بالأمر الهين، والتساؤل ليس بالشيء المستجد، لكن أوضاع الجهل والفقر التي يعيشها العالم الإسلامي، وفي ظل الهيمنة والاستلاب، الممارس من طرف ثقافات وحضارات متفوقة ومغايرة، وفي ظل هيمنة رجال الدين التقليديين على الشأن الديني، ووضع النقاش فيه في نطاق المحرمات، ومع انقياد المسلمين لأنظمة مشكوك في شرعيتها الدينية والشعبية والديمقراطية، في ضوء كل ذلك، فإن فتح باب الاجتهاد يتحول إلى مشكلة عويصة، تزداد تعقيدا مع تباين أوضاع المسلمين وتباين نظمهم وثقافاتهم وغياب الدولة الواحدة، فيتحول الدين إلى مطية وأداة توظفها الأطراف المتصارعة في المجتمع -وبين المجتمعات- كل بما يخدم أغراضه، وكثيرا ما تتناقض الاجتهادات بعضها مع بعض حول الموضوع الواحد لان المرجعية في التفسير والتأويل لا تكون روح الإسلام وقيمه، ولكن مصالح سياسية دنيوية.(1)
والخلل هنا ليس في النص الديني، لان النص الديني كان يخاطب مجتمعا محددا وبلغة ومفاهيم وأمثلة من واقع حياته. فالنص، كلغة ومفردات، كان خاصا بالمجتمع العربي الإسلامي آنذاك، أما الإسلام كروح وكقيم فهو لكل زمان ومكان. فتطبيق الإسلام اليوم لا يعني بالضرورة إخضاع الواقع لنص محدد، بل استلهام الإسلام من النصوص، لما فيه خدمة الإنسان والمجتمع. وعندما نقول استلهام أو تأويل النص، فهذا يعني وضع نصوص وقوانين وضعية تستجيب لمتطلبات الحياة والعصر بما لا يتناقض مع روح الإسلام.
إن رفض القول بصحة وضع قوانين بشرية تنظم حياة الناس في مختلف مجالات الحياة، والتشبه والتقيد بالنص القرآني والحديث النبوي، من دون مرونة في التعامل، يعني إحدى فرضيتين: الأولى هي أن النص الديني، قرآنيا وحديثا، يتوفر على إجابات حول مشاكل ومستجدات العصر، وأن كل صغيرة وكبيرة يتوفر النص الديني على إجابة مباشرة عنها. هذا يعني أنه يمكننا أن نجد في النص المقدس، -قرآنياً وحديثاً- نصوصاً حول العلاقات الدولية المعاصرة، ونظرية الدولة والاقتصاد والتأمين والشركات، وحبوب منع الحمل، وأطفال الأنابيب، والذرة، والاستنساخ وغيرها من المجالات... الخ، وهذا شيء غير موجود في النص الديني، ولا يمكنه أن يكون لأن النص الديني المقدس، سيبدو في نظر المسلمين الأوائل، غريبا وغير مفهوم، يتحدث عن أمور غريبة عنهم وشاذة. والفرضية الثانية: هي القول بأن الله، جلت قدرته، لم يكن يدري ما سيطرأ على العالم من تحولات وما سيواجه من مشاكل وما سيستجد من نظم واكتشافات، وعليه، فإن هذه الأمور مرفوضة ويجب تجاهلها! لا شك في أن الفرضيتين مرفوضتان. إذا، الشيء الأقرب إلى المنطق، وإلى حقيقة النص الديني هو القول بأنه يعود إلى الناس تأويل النص الديني والتعامل معه بيسر ووضع هذه التأويلات والتفسيرات في قوانين وضعية تجيب عن مشاكل العصر، وبما لا يجعلها تتناقض مع روح الإسلام ومبادئه الأخلاقية، بمعنى أن القوانين الوضعية -في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلوم الحقة الخ- تدخل في باب الاجتهاد في أمور مستجدة، وهذا يتفف مع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أنتم أدرى بشؤون دنياكم".(1)
إذا، فالخصوصية التي يتحدث عنها بعضهم ليست خصوصية الإسلام بحد ذاته، وتميزه عن الديانات السماوية الأخرى - وهي خصوصية موجودة بلا شك ولكن في حدود - لكنها خصوصية أوضاع المسلمين، خصوصية اجتماعية سياسية واقتصادية، وهي أوضاع لا تنسب إلى الإسلام الحقيقي بل إلى مدعيه والمتعاملين معه. وبالتالي عندما نقارن بين العلمانية في الغرب المسيحي، بالمفهوم الذي أوردناه أعلاه، والعلمانية التي يجري الحديث عنها في العالم الإسلامي، يجب الأخذ بعين الاعتبار الظروف والتحولات التي سبقت وتساوقت مع تطبيق العلمانية في الغرب وهيأت شروط نجاحها، ومقارنتها بالظروف والأوضاع السائدة في العالم العربي الإسلامي، حيث يراد تطبيق العلمانية. ونعتقد أنه مما يخدم الإسلام، التعامل بمرونة مع مقولة إعجاز النص القرآني، بدلا من تحويل النص المقدس إلى لغز وقيد على العقل، وحاجز أمام التطور والإبداع. فالقول بإعجاز النص القرآني كان ذا هدف معين عند نزول القرآن، وبالنسبة إلى أناس ومجتمعات محددة، لها لغتها وأوضاعها الخاصة.أما اليوم، في عالم متغير، وظروف مجتمعات ولغات وثقافات متباينة، فان التمسك بالفهم الجامد لإعجاز القرآن كلغة وتعبير، قد يسيء إلى الإسلام أكثر مما يفيده، لان التقيد بأعجاز النص، قد يقنع البعض من أصحاب اللغة العربية، ولكنه لا يستطيع إقناع أناس من لغات وثقافات أخرى، أما إبراز روح الإسلام وقيمة الخلاقة فأنه أكثر قدرة على الإقناع لأنه يتعامل مع الإسلام كقيم وتربية حسنة، ويبعد عن الإسلام ما يلحق به من تعصب وانغلاق وتخلف، ويجعله قابلا لاستيعاب الأمور المستجدة ويفتح الباب واسعا للاجتهاد والتأويل أمام ذوي الاختصاصات في الأمور المستجدة، ويجعله قابلا للفهم من كل ثقافات العالم.
هذا الفهم لإعجاز القرآن، يسمح لكل ذوي الخبرة والاختصاص وللعلماء والباحثين من كل الثقافات والجنسيات بالانفتاح على الإسلام والنهل من علمه وتعاليمه دون أن يكونوا شرطا متعمقين في اللغة العربية، بل يكتفي منهم أن يكونوا مشبعين بروح الإسلام.إن عقل العلمانية وتلمس أسباب نجاحها وفهم آليات عملها وتطبيقها في الغرب، لا يستقيم إلا في إطار نظرة شمولية إلى التاريخ الأوروبي منذ القرن السادس عشر، تقريبا، حتى نهاية القرن التاسع عشر، بما حفلت به هذه الحقبة من تحولات وأحداث وثورات هيأت الشروط الموضوعية لنجاح العلمانية وأخذها السمات العامة التي هي عليه اليوم.فمن التعسف أن نفصل بين العلمانية وبين الثورات الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية التي شهدتها أوروبا، والتي هيأت المناخ المناسب لنجاح العلمانية. فالثورة الدينية مثلت ثورة عقلية لدى الإنسان الغربي، جعلته يضع محل التساؤل كل ما يتعلق بنظرته إلى الدين، وكل ما هو ثاو في عقله من تفسيرات ومفاهيم وتصورات حول نفسه ومحيطه وكل الأمور التي تنسب إلى الدين، أي أنها أعادت النظر ليس في الدين بحد ذاته، ولكن في وضع الدين في المجتمع ووظيفته وعلاقته بالمجالات الحياتية الأخرى. كما أن الثورات السياسية والاجتماعية في فرنسا وبريطانيا وألمانيا... الخ، أعادت إلى الإنسان إنسانيته وخلقت المواطن الذي يعرف حقوقه وواجباته، وحددت علاقة الحاكمين بالمحكومين وأبرزت مفهوم إرادة الأمة وحقها في الثورة وفي تغيير حكامها، وجردت هؤلاء الآخرين من حق احتكار الديني والمقدس أو التحدث باسم الإله، أي أنها أسقطت الشرعية الدينية عن الحكام. والثورة الصناعية أعادت إلى الإنسان كرامته وثبتت إنسانيته بتوفيرها ظروف حياتية شريفة وتحريرها الإنسان من العوز والفاقة، وأعطت الوطن مواطنين منتجين، والثورة العلمية حررت العقل الإنساني من هيمنة الخرافة والأساطير وسهلت عملية تحكمه في الظواهر الطبيعية والاجتماعية وفهمها وتفسيرها باعتبارها أشياء، حقائقها في ذاتها وليس في مصادر خارجة عنها.
أشار محمد أركون إلى أن العلمنة موقف للفكر أمام مشكلتين: الأولى: مشكلة المعرفة. كيف يمكن أن نعرف الظواهر؟ كيف يمكن أن نفهم العالم بشكل دقيق ومطابق؟ لا يجوز حرمان الإنسان من حق الفهم بحجة أي شيء كان، الثانية: كيف يمكن إيصال هذه المعرفة بعد اكتشافها وبلورتها إلى الآخرين؟ وعندما نتوصل إلى نتائج جديدة ومحددة في مجال علمي ما تبقى علينا مسؤولية لا تقل أهمية عن الاكتشافات هي مسؤولية التوصيل، أي توصيل هذه النتائج إلى الآخرين، إلى الجمهور. ويؤكد محمد أركون انه عانى شخصيا من هذه الناحية كثيرا ومازال وخصوصا فيما يتعلق ببحوثه المتعلقة بالفكر الإسلامي والفكر العربي(1).
وبصورة عامة، يمكن القول إن ما عزز نجاح العلمانية في الغرب، وتقبل الناس إياها، من دون أن يشعروا أنهم يتخلون عن مسيحيتهم بالتعامل معها، أن المجتمع الغربي العلماني هيأ للناس شروطا حياتية دنيوية أفضل مما كانوا عليه، ساعدتهم على حل مشاكلهم اليومية، ومكنتهم من القوة والقدرة على التحكم في الطبيعة وفي المجتمع، من دون أن يحتاجوا إلى فتاوى رجال الدين، أو ينتظروا حلولا سماوية، أو يهربوا من الدنيوي إلى الأخروي. فهم مع عدم إنكارهم آخرة ما بعد الموت، وضعوا نصب أعينهم آخرة دنيوية يعملون من أجلها وهي المستقبل، فعملوا لدنياهم وعملوا لآخر تهم بمفهوميها آخرة ما بعد الموت والآخرة بمعنى المستقبل، فلم تعد الآخرة تعني نسيان وتجاهل الدنيا بحاضرها ومستقبلها، بل هي المستقبل اللامنظور واللامتناهي.وهكذا فكلما زادت قدرة الإنسان على فهم الحياة والتحكم في واقعه وحل مشاكله، قلت حاجته إلى الهروب من الواقع إلى الخيال أو الأيديولوجيا أو الأسطورة أو انتظار حلول سماوية لمشاكله، وبالتالي قلت حاجته إلى استحضار الرب لينوب عنه في حل مشاكله. وهذا لا يعني ضعفا في درجة الإيمان، بل على العكس، قد يؤدي إلى زيادة الإيمان بالله والإيمان بعظمته وحمده وشكره على إنارته العقل البشري ليتمكن الإنسان من حل مشاكله والتحكم فيما يحيط به.

المبحث الثالث
ظاهرة المد الأصولي: دينية المظهر ودنيوية المصدر
الوجه الآخر للمشكلة، وهو ما يطلق عليه تسمية (المد الأصولي)، فلا تفهم العلمانية في عالمنا العربي الإسلامي، إلا بفهم الأصولية الإسلامية، ولا تفهم بالتالي هذه الأخيرة إلا من خلال علاقتها الجدلية التناقضية مع دعاة العلمانية وتطبيقاتها في النظم والدساتير العربية.وربما لا يحتاج المفهوم "الأصولية" إلى الرجوع إلى أصولها الغربية كما يذهب بعض الكتاب العرب.(1) فحتى باحثون أوروبيون يقولون بحداثة تداول مصطلح fundamentalism، فحتى عام 1950 لم يكن للكلمة أي مدخل في قاموس أكسفورد، وقد استعمل المصطلح لوصف قوى اجتماعية جديدة، قوى تدافع عن التقليد بأسلوب تقليدي( ). فالأصولية، لغة ومعنى واصطلاحا، مستمدة من اللغة العربية ومن التاريخ العربي الإسلامي فهي تأتي من "الأصل". فأصل الشيء هو "الأساس الذي يقوم عليه ونشؤه الذي ينبت منه". والعودة إلى أصول الإسلام ومنابته الأولى ليست بالشيء الجديد في التاريخ العربي الإسلامي، الأمر الذي أتاح لظاهرة الأصولية بعدا زمنيا مكنها من الوصول إلى مرحلة "التأسيس النظامي" داخل المجتمع، أي أنها أصبحت جزءا من الواقع الاجتماعي، يتعامل المجتمع معها ليس بهدف إيجاد حل نهائي لها كظاهرة اجتماعية/ دينية، بل للتكيف معها واستيعابها وتدجينها وتبيئتها بما لا يخل بانتظام النسق الاجتماعي، وبالتالي يصعب التكهن باستئصال المشكلة -الظاهرة- على المدى القريب، في ظل البنى العقلية والاجتماعية نفسها، وفي ظل الشروط والأوضاع المشار إليها سابقا، وخصوصا أن كل الأطراف تسعى إلى توظيف الدين لخدمة مصالحها الخاصة، بما في ذلك الأنظمة نفسها، التي تشتكي من ظاهرة التطرف الديني. إن تكرار ظاهرة (التطرف الديني) أو الحركات الأصولية، ووجودها في غالبية المجتمعات الإسلامية مع تباين صور التعبير عنها من حالات تفجر واحتدام أحياناً، إلى حالات تعايش مع الوضع القائم وظهور المشكلة على شكل موجات وفي فترات متقطعة، وأخذها طابعاً عصبوياً استقطابياً كل ذلك يدفع إلى القول: إن العوامل الحقيقية لظهور الظاهرة هي عوامل دنيوية، تتعلق بشروط الحياة وأشكال نظمها المختلفة. فإذا سمحت الظروف السياسية والاجتماعية والأوضاع الاقتصادية بتوفير شروط حياة أفضل للمجتمع، وبخلق توازن بين أنساقه أو شرائحه المختلفة، وتوفير متطلبات التعايش السلمي بين مختلف شرائح المجتمع وطوائفه -تعايش بالتراضي لا بالقهر- توارت المشكلة بشكلها المتطرف وانتفى مبررا استحضار الرب لينوب عن البشر في حل مشاكلهم.أما إذا اختل التوازن وعجزت السياسة عن خلق حالة تعايش وانسجام داخلي، وإذا تأزمت الظروف الاقتصادية وأصبحت الفلسفات والأيديولوجيات الدنيوية عاجزة عن حل مشاكل المجتمع، وأصبح الشباب يعيش في حالة ضياع وتشتت وفقدان ثقة في كل شيء، تظهر الحركات الدينية كعامل تحريض وإثارة، وكعامل استقطاب وتميز أو كعامل رفض واحتجاج -أو كل ذلك- لتدخل الميدان موظفة خطابا يزعم أصحابه أنه البرنامج البديل القادر على حل مشاكل المجتمع، أي أن الحلول المقترحة يضفي عليها طابع ديني لغياب أو فشل الحلول الدنيوية العلمانية، لكن المشكلة في جوهرها تبقى دنيوية.
لاشك في أن التطرف الديني هو تصرف لا عقلاني، بينما الإسلام والتدين بشكل عام، في مغزاه العميق الروحي والأخلاقي، هو تصرف عقلاني، ولكن ما يجعل التدين عملا لا عقلانيا، أي يوصله إلى مرحلة التطرف الاستقطابي القائم على تكفير الآخر ونبذه، هو لا عقلانية الواقع القائم من نظم وأنظمة ومؤسسات وسلوكيات. فإرهاب الأنظمة وفسادها وانتفاء شروط الحياة الكريمة، والمواقف اللاعقلانية والعنصرية للغرب في تعامله مع الشعوب الإسلامية -والعربية خصوصا- هي التي تستثير الجانب اللاعقلاني عند المتدينين، وهو جانب التطرف والانكفاء على الذات ومعاداة الآخر. وكلما تمت عقلنه الواقع بجعله قائما على العدل والإنصاف واحترام إنسانية الإنسان وحقوقه، نزعت من المتدينين صواعق تفجيرهم وتحولهم إلى ممارسي سلوك غير عقلاني، أي إلى ظاهرة التطرف الديني. أو بشكل آخر، كلما جعلنا الحاضر أفضل من الماضي -وهذه هي سنة الحياة وطبيعة التطور الذي يسير إلى الأمام دوما- الذي تتقمصه بعض الحركات الأصولية، وتجعله نموذجا لما يجب أن يكون، وكلما أصبحت المجتمعات المسلمة أكثر قدرة على التحكم في واقعها وعلى التحرر من عوامل الهيمنة والاستلاب التي تحكم علاقتها بالمجتمعات الأخرى، قلت الحاجة إلى الاستنجاد بالماضي وبالسلف الصالح، وانتفى مبرر انتشار النزعة الدينية المتطرفة.إذا الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تفجر ظاهرة التطرف واحتدام الصراع بين "الأصوليين" من جهة، وبين أنظمة وقوى "علمانية" من جانب أخر، هي أسباب دنيوية، مشاكل ترتبط بالفقر والبطالة والهيمنة الأجنبية، والإحباط واليأس المسيطر على الجيل الصاعد، أي أنها غير مرتبطة مباشرة بالأيمان بالله أو عدم الأيمان به، أو بأن نكون مسلمين أو غير مسلمين وبالتالي، فإن طرح بعض الحركات الإسلامية الجانب السلوكي والطقوسي من الدين لا يعبر عن حقيقة المشكلة ولن يساعد على حلها، لأنها، ببساطة لا تتعامل مع جوهر المشكلة. حتى في الجانب الديني الإيماني فحيث إننا لسنا في زمن الأنبياء والرسل والقديسين، وحيث إن هذه الحركات، أو الأشخاص، لا يمكنها أن تدعي أنها على اتصال برب العالمين، أو أنها تحتكر السر الإلهي، ولا تدعي أنها جاءت بآية قرآنية جديدة، أو بحديث نبوي جديد، إذا فهي تسعى لتوظيف واستحضار الدين، والمقدس الذي هو للجميع، من أجل أهداف سياسية واجتماعية أو اقتصادية، أي دنيوية بشكل عام لا تعبر بالضرورة عن الحاجات الحقيقية للمجتمع.
نعتقد أن توظيف الدين لصلاح الدنيا ليس بالأمر الخطأ بل هو أساس وهدف الدين ولكن يجب عقلنته من خلال إعادة النظر، ليس في الدين بحد ذاته، ولكن في الموضع الذي يحتله في المجتمع، فلا شك في أن الحركات الدينية تكتسب مصداقية بتموضعها كحالة رفض لواقع لا خلاف على فساده، وعلى الحاجة إلى تغييره، وتتموضع كإطار يملأ الفراغ الناجم عن انسحاب الأيديولوجيات الأخرى، وكتعبير عن هوية تمايز عن الآخر -الغرب الإمبريالي والكيان الصهيوني- الذي لا يخفي عداءه القومي والديني والحضاري لكل ما هو عربي ومسلم، أي أن الإسلام يصبح في هذه الحالة كخط دفاع أخير يستند إليه العرب حتى لا يندثروا وينتهوا كأمة وكمجموعة بشرية متحضرة(1) والخوف الذي تبديه الدول الأوروبية والكيان الصهيوني من المد الأصولي، وتأليبها الأنظمة العربية ضد الأصوليين، بل وتأجيجها نار الفتنة وصب الزيت على النار، كل ذلك يرجع إلى تحسس الدول الاستعمارية وبعض الأنظمة العربية لما يمكن أن تمثله الحركات الأصولية من فضح للواقع الفاسد واستقطاب للقوى الرافضة له. وحيث أن هذا الواقع العربي الإسلامي يخدم المصالح الغربية والكيان الصهيوني، فإن مصلحة الغرب الدفاع عن هذا الواقع بمناوأة الحركات الأصولية بنهج سياسة مدروسة ومحسوبة، أي أنها ليست مناوأة مطلقة لكل الحركات الأصولية، بل لمن لا تتماشى سياستها وممارستها مع مصلحة الغرب.ولاشك أيضا في أن الدين، كعنصر استقطاب وتميز عن الآخر، وكقيم أخلاقية وروحية، قد لعب عبر التاريخ دورا مفصليا في معارك الشعوب ضد أعدائها وفي استنهاض الهمم وشحنها. إلا أن هذا الدور للدين ما كان يمكن أن يكون لولا وجود قيادة عاقلة تُحْسِن توظيف الدين في هذا المجال، ولولا وجود مجتمع نشط ومبدع وفاعل، ووجود مثقفين وعلماء ليسوا أدوات في يد السلطة السياسية، أي لولا توافر شروط موضوعية -سياسية اقتصادية اجتماعية- تهيئ المناخ المناسب للدين ليلعب هذا الدور. فالفرق بين مسيحية أوروبا في عصر الظلومات ومسيحيتها في عصر الأنوار، ليس اكتشاف كتاب مقدس جديد أو نص ديني غاب عن الأولين، وليس في تخلي أوروبا في عصر الأنوار وما بعد عن الكتاب المقدس، ولكن الفرق يكمن في تغيير العقليات، وفي ظهور طبقات ونخبات جديدة، تمردت على احتكار الدين من قبل البعض، وتمردت على تجهيل المجتمع باسم الدين، وأعطت تأويلا جديدا للدين ودوره في المجتمع. والأمر نفسه بالنسبة إلى الحضارة العربية الإسلامية. ففي ظل الإسلام -قرآن وسنة- شيد المسلمون حضارة من أعرق الحضارات، وفي ظل الإسلام نفسه -قرآن وسنة- وصل العرب والمسلمون إلى الحضيض. فالخلل إذا، ليس في القرآن والسنة، ولكن في البشر المتعاملين معهما. الخلل في نظم وقيادات ومؤسسات ومثقفين، الخلل أن أشخاصا محددين احتكروا (السر الإلهي) ووظفوا الدين ليس في خدمة الرب ولا في خدمة البشرية ولا في خدمة شعوبهم أو غالبيتها، لكن في خدمة مصالح شخصية وفئوية ضيقة.
إذاً، في ظل المأزق الذي تمر به الأمة العربية، وفي ظل الهجمة الاستعمارية والصهيونية الشرسة لإفقاد العرب ما تبقى لديهم من منعة وعزة وكرامة، يمكن توظيف الدين ليكون عنصر قوة ومنعة، عنصر توحيد واستنهاض للهمم، ليقوم بما عجزت عن القيام به الأنظمة والأيديولوجيات المنهارة، ولكن ليس من خلال التعامل مع الحركات الإسلامية باعتبارها حركات (إحيائية)، بل التعامل معها كحركة مستقبلية، حركة تعانق الحاضر وعينها على المستقبل وليس على الماضي -إلا باعتبار الماضي عبرا ودروسا تستلهم- وحصر مظاهر التقديس على أساسيات الإسلام التي لا خلاف عليها، على أن تبقى العلاقة بين الإنسان وربه، وعدم قبول تنصيب أي كان نفسه نائبا عن الله في التحريم والتحليل، وفي منح صكوك الغفران أو الوعيد بنار جهنم، وما عدا ذلك من أمور يتم التعامل معها كمؤسسات وأفكار اجتماعية تستمد مصداقيتها وأحقيتها في الإظهار على غيرها، ليس بزعم انتسابها إلى الإسلام، ولكن بقدرتها على إثبات الذات في معركة الحياة وفي مواجهة المؤسسات والفلسفات والأيديولوجيات الأخرى.(1) فمن غير المعقول مواجهة واقع فاسد وحضارة الغرب المادية المتفوقة، بالروحانيات وبالنصوص وبالتاريخ، بل يجب أن نواجهها بواقع قوي متماسك، وألا كيف يعقل أن ندعي عظمة الإسلام وعظمة حضارة العرب والمسلمين، ونحن ضعفاء متفرقون متخلفون؟ ذلك أن مجرد امتلاكنا القرآن والسنة النبوية وحفظنا إياهما، وامتلاكنا تاريخا مجيدا مليئا بالإنجازات الحضارية، لن تغير هذه الأمور في الواقع شيئا، فليس تردي واقعنا وتخلفنا من (إرادة الله) بشيء، بل هو بإرادة البشر وتقاعسهم، والخروج من هذه الحالة لن يكون بانتظار إرادة الله بأن يقول للشيء (كن فيكون)، بل يكون بإرادة البشر وعملهم. والتغيير الاجتماعي ومسيرة التاريخ هما دائما يسير حسب إرادة الأقوياء الفاعلين، وكل عظمة الحضارة العربية الإسلامية التليدة الماضية، لا تستطيع اليوم أن تطعم طفلا جائعا رغيفا من الخبز.إن كل أتباع الديانات الأخرى، سماوية أو غير سماوية، والتي قد تكون أقل شأنا من الإسلام، لم ينتظروا إذنا من ربهم أو وحيا منه ليطوروا أوضاعهم ويحسنوا شروط حياتهم، ولم يرجعوا نكسة أصابتهم أو أزمة تعرضوا لها إلى إرادة فوق بشرية، بل بحثوا في الخلل في ذواتهم، ونظمهم وعلاقاتهم، وبالتالي تحركوا بمحض إرادتهم وعن قناعة عقلية، وبدافع المصلحة، محيدين الرب من صراعاتهم وعلاقات بعضهم مع بعض، وانطلقوا وهم مؤمنون بأن عملهم على ما فيه خير الدنيا وتحسين ظروف وشروط حياة الإنسان، هو عمل يرضي الرب لان الرب لا يرضي لعباده أن يكونوا اتكاليين سلبيين ضعفاء، وهم بذلك لم يتخلوا عن دينهم. فلا المسيحيون تخلوا عن مسيحيتهم، ولا البوذيون كفروا ببوذا، وآلا اليهود تخلوا عن دينهم، فعندما أصبح هؤلاء أقوياء قويت معهم دياناتهم.وعليه، لا يمكن إنكار أن اللجوء إلى الإسلام كخط دفاع يوقف حالة التراجع العربي، وعنصر تعبئة وتحريض، وكتعبير عن رفض الانضواء تحت هيمنة الآخر واستلابه، وكهوية تمايز، يصبح عملا مشروعا ومبررا.إلا أنه حتى يكون له الدور الاجتماعي المتضمن في جوهر الإسلام، باعتباره ثورة ومشروعا حضاريا، يفترض أن تكون طريقة توظيف الدين في اتجاه التوحيد لا التفرقة، في اتجاه البناء المستقبلي لا النظر إلى الماضي، في اتجاه إظهار عناصر التمايز عن الآخر، لا على أساس النص الديني أو عظمة الماضي، بل تمايز يقوم على الأفضلية والإظهار المبنيان على قدرة الفعل في التعامل مع الحاضر.
إنه لمما يتناقض مع جوهر الإسلام، ومع قدرة الخالق ألا متناهية، أن نحبسه في نصوص بعينها، أو نحوزه ضمن أوضاع وظروف دون غيرها، أو أن يصبح أداة لشخص أو جماعة، لا يكون الرب حاضرا إلا بها ومعها ولا يعرف أسراره إلا هم.وحيث إنه لا يعقل أن يكون الله رب العالمين ضد أن يكون عباده أقوياء ومتحضرين، فإن الرب، رب المسلمين والعالمين لابد أن يكون محبذا بل وداعيا إلى كل ما من شأنه رفع راية المؤمنين، بل ومحبذا كسر حاجز الخوف من المحرم المبالغ فيه، وغير المستمد من نصوص واضحة وصريحة في تناول القضايا الدنيوية، حيث أن الخوف من المحرم -المتخيل والمصطنع بل والمؤدلج وليس المحرم الديني الصريح النص - وإضفاء صفة التقديس على أوضاع وأشخاص باسم الإسلام، شيء يتناقض مع جوهر الإسلام ويسيء له أكثر مما ينفعه: أمر يرهب الناس ويبعدهم عن الإسلام بدلا من أن يقربهم إليه.مما لا مراء فيه، أنه لا يمكن لأحد الآن أن يدعي أنه يملك الحقيقة الإلهية، أو يزعم أنه موحى له بها، بالتالي فإن أي شخص -أو حركة- يتحدث عن الإسلام، وباسمه، إنما يتحدث عن تأويل خاص أو وجهة نظر خاصة، فهو غير مفوض له ألاهيا، وليس فوق البشر. إن مقياس الحكم على أي تفسير أو ادعاء حول الدين يجد محكه العملي ليس في امتلاكه الحقيقة الإلهية أو الدفاع عنها -فهي خارجة عن نطاق البحث لأنه لا يوجد من يجادل فيها- ولكن في الواقع الإنساني، في قدرته على توظيف قيم الإسلام ومبادئه الأخلاقية لخدمة الإنسان والاجتماع الإنساني، هذا الأخير، الذي لا يؤسس على المقدس فقط، بل على نظم يضعها البشر ويقيمونها، وتكييفات لأوضاع مستحدثة لا عهد للأقدمين بها. فالإسلام هو سعى متواصل نحو الكمال، وأي شخص -أو جماعة- يدعي أنه وصل إلى الكمال الإسلامي، وأنه يمثل الحقيقة الإسلامية والنموذج الكامل للإسلام، إنما هو ضد الله بما هو مطلق ولا نهائي وضد الإسلام الذي لكل الأزمنة ولكل البشر.
* * *
وفي الختام لا يسعنا إلا القول: إن أكثر الناس حرصا على الإسلام، هم أكثرهم حرصا على كرامة الإنسان وإنسانيته. فالإسلام ليس مجرد رب يعبد ونصوص تحفظ وتقدس، ولكنه الإنسان أيضا، الذي وجد الدين من أجله، وقد جاء الإسلام لينقل البشرية من وضع التردي والعبودية إلى الحياة الكريمة. إن أكثر الناس -أشخاص أو حركات وأحزاب وأنظمة- إسلاما هم أكثرهم احتراما للإنسان وتحقيقا لمصالحه وصونا لحريته والتزاما بالعدالة والحق والإنصاف. ولاشك في أن أنظمة فاسدة ونخبات سياسية مأجورة تستدعي النضال ضدها ومقاومتها بكل السبل المتاحة. ولكن حيث أن هذا الظلم والفساد هو من صنع البشر وبإرادتهم، فإن مقاومته مهمة وطنية ومصلحة للشعب، ولا تحتاج هذه المقاومة إلى إضفاء صبغة دينية عليها لاكتساب المشروعية. فلا يعقل استنكار احتكار الأنظمة للدين وتوظيفها له لخدمة أغراضها، وفي الوقت نفسه تطرح قوى أخرى نفسها ناطقة باسم الدين! فأي نظام وأي حزب أو جماعة تلجأ إلى الدين لاكتساب المشروعية والمصداقية، فإنما تعبر عن اعتراف بالعجز عن اكتساب مشروعية شعبية ومصداقية مستمدة من قدرتها على التعامل مع قضايا المجتمع ومشاكله، مصداقية نابعة من تلمس هموم الناس وإعطاء إجابات وحلول لهذه القضايا والمشاكل، فالمسلمون تواقون بلا شك، إلى اكتساب موقع في الجنة، ولكنهم أيضا في حاجة إلى حياة كريمة في دنياهم وبحاجة إلى عمل وبيت ومدرسة ومستشفى.(1)

الخاتمة
حاولنا خلال فصول هذا الكتاب أن نتعرف على علم الاجتماع السياسي، في بعديه النظري/ الابستمولوجي من جانب وموضعات اهتمامه من جانب آخر، ونحن لا ندعي أن محاولتنا هذه مكتملة من جميع الجوانب وأنها تتوفر على كافة الاجابات على الأسئلة التي تثار حول علم الاجتماع السياسي، بل شعرنا بعد انتهائنا من الكتاب إننا أثرنا من الأسئلة أكثر مما قدمنا من إجابات عن أسئلة مطروحة أصلا. ولاشك أن محاولتنا هذه يعتريها كثير من النقص وربما بعض الاختلالات المنهجية في تناول الموضوعات، وقد يعذر لنا القارئ الأمر، لأن هذا العلم بحد ذاته هو في طور التأسيس ورصيده النظري ضعيف مقارنة بالعلوم الأخرى، وحتى على مستوى ما هو موجود من كتابات- أجنبية وعربية- يطغي عليها الحيرة والتردد ما بين الانتساب إلى علم السياسة أو الانتساب إلى علم الاجتماع السياسي.
وفي سعينا للاحاطة بالموضوع فقد وظفنا بشكل مكثف كتابات بعض المتخصصين بالموضوع، كما سيلاحظ القارئ أننا في الباب الثاني تناولنا بعض موضوعات علم الاجتماع السياسي، وربما كان اختيارنا لهذه الموضوعات به شيء من التعسف، ولكن عذرنا أننا لا يمكننا أن نتناول كل الموضوعات التي هي محل اهتمام هذا العلم، بل أن كل واحد من هذه الموضوعات بحاجة إلى مؤلف خاص به، ومع ذلك فنحن نعتقد أن هذه الموضوعات هي أهم مجالات اختصاص علم الاجتماع السياسي، مع عدم تجاهل الموضوعات الأخرى كالمجتمع المدني، والديمقراطية، والحركات الاجتماعية، والرأي العام، والعنف الاجتماعي/ السياسي...
وبالرجوع إلى تعريف علم الاجتماع السياسي، الذي يهتم بالواقع الاجتماعي السياسي أكثر من اهتمامه بالتنظيرات السياسية الجاهزة، فإن أهمية هذا العلم وفهم مغزاه ودلالاته العميقة لا تستمد من المفاهيم والتعريفات المجردة لمقولاته، بل تستمد من خلال التعامل مع الواقع، من تحليل البنيات السياسية والاجتماعية الظاهرة والعميقة التي تعطي للشأن السياسي في كل مجتمع طابعه الخاص وتمكن من مقاربته بشكل أكثر علمية، ومن هنا فنعتقد أن المهمة الموكولة لعلماء ومفكري هذا العلم أن ينكبوا على دراسة واقع مجتمعاتهم حتى يفهم كيف تعمل هذه السياسة في بلدانهم، إن مقولة (كما تكونوا يولى عليكم) لم تأت من فراغ وليست مقولة غير ذات معنى.
وقد تلمس العديد من المفكرين العرب أهمية الانطلاق من الاجتماعي/ الثقافي لفهم السياسي، فبعد سنوات من الجري وراء سراب التنظيرات الغربية السياسية والاجتماعية، ومحاولة إقحامها تعسفا كأدوات لتحليل نظمهم السياسية وفهم آليات عملها، وصلوا إلى طريق مسدود. وفي هذا السياق نشير إلى مجموعة من المفكرين العرب الذين نعتقد أنهم علماء اجتماع سياسي حتى وإن لم يقولوا ذلك فأعمالهم دالة على منهجهم، ومنهم حليم بركات، ومحمد عابد الجابري، ومحمد أركون، برهان غليون، سعد الدين إبراهيم، هشام شرابي، الطاهر لبيب وغيرهم.
ونختم بالقول إن علم الاجتماع السياسي بحاجة إلى علمائه المتخصصين ليدفعوا باتجاه مزيد من بلورة شخصيته المتميزة، ونحن في العالم العربي بحاجة أيضا إلى توسيع مجال الاهتمام بهذا العلم الجديد وبموضوعاته، وخصوصا أن العديد من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها البلدان العربية والإسلامية هي لا تخلو من خصوصيات لا نظير لها في الدول المتقدمة أو تأخذ فيها أشكالا مختلفة، وهذه المشاكل بحاجة إلى دراسات علمية على يد مفكري وعلماء هذه البلدان "ومن أهم هذه الموضوعات: الأصولية -علاقة الديني بالدنيوي- غياب الاندماج الاجتماعي، تفشي الروح القبلية والتعصب الطائفي، تزايدوتيرة العنف السياسي، أزمة المثقفين والثقافة، الاغتراب السياسي وأزمة الدولة.
إن تدريس علم الاجتماع السياسي في الجامعات العربية يعد خطوة إيجابية ومؤشرا مشجعا على تفتح الجامعات العربية على كل ما هو جديد، ويبقى الأمر رهن إرادة الأساتذة والطلبة، في أن يدفعوا بهذا العلم إلى الأمام ويغنوا موضوعاته وإشكالاته بالنقاش والبحث.بعيدا عن عقدة الخوف من محرمات سياسية أو دينية أو اجتماعية، نحن كمثقفين وعلماء خلقناها وضخمناها، وجعلناها حواجز تحوّل بيننا وبين فهم واقعنا على حقيقته، فالتخلص من عقدة الخوف شرط أساسي للوصول إلى المعرفة العلمية للمجتمع وللحياة بكاملها.

قائمة مراجع مختارة
الكتب:
• إبراهيم أبراش: البحث الاجتماعي، قضاياه، مناهجه و إجراءاته، منشورات جامعة القاضي عياض، مراكش 1994.
• إبراهيم أبراش: المؤسسات والوقائع الاجتماعية، نظرة تاريخية عالمية، مراكش 1994.
• أحمد الزعبي: علم الاجتماع العام والبلدان النامية، مدريد، 1985.
• أحمد زايد:النخب الاجتماعية-حالة الجزائر ومصر-،مكتبة مدبولي، القاهرة، 2005.
• أدونيس عكره - الإرهاب السياسي - دار الطليعة - بيروت 1983.
• أسامة الغزالي حرب:الأحزاب السياسية في العالم الثالث، عالم المعرفة، عدد 117، الكويت 1987.
• إسماعيل علي سعد: المدخل إلى علم الاجتماع السياسي - بيروت، 1989.
• ألان تورين: ما هي الديمقراطية، حكم أكثرية أم ضمانات الأقلية، ترجمة حسن قبيسي، دار الساقي، بيروت 19950.
• أنطونيو غرامشي، كراسات السجن، ترجمة عادل غنيم، دار المستقبل العربي، القاهرة، 1994.
• برهان غليون: مجتمع النخبة، بيروت، معهدالانماء العربي، 1986
• بوبوف: نقد علم الاجتماع البرجوازي المعاصر، ترجمة نزار عيون السود، دمشق، 1974.
• بودون بوريكو: المعجم النقدي لعلم الاجتماع، بيروت 1986.
• بيار كلاستر: مجتمع اللادولة - تعريب وتقديم محمد حسين دكروب، بيروت، 1981.
• بيتر بلاو: البيروقراطية في المجتمع الحديث، ترجمة، إسماعيل الناظر ومصدر الكيالي، 1961.
• توم بوتومور: النخبة والمجتمع، ترجمة جورج جحا، بيروت، 1972.
• توم بوتومور:علم الاجتماع السياسي، ترجمة وميض نظمي، بيروت، 1986.
• ج: سيبوف.ا.ج: قضايا علم الاجتماع، 1970.
• جان بياركوت وجان بيار موني: من أجل علم اجتماع سياسي، الجزء الأول، الجزائر 1985.
• جان جاك شوفاليه: تاريخ الفكر السياسي، ترجمة محمد عرب صاصيلا، 1993
• جورج سباين - الفكر السياسي - دار المعارف بمصر - الجزء الثالث 1971.
• جوليان فروند: ما هي السياسة، ترجمة علي أديب، دمشق، 1981.
• جوليان فروند، ما هي السياسة؟، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق. 1981
• حسن صعب: علم السياسية، بيروت، دار العلم للملايين، 1976.
• حليم بركات: المجتمع العربي المعاصر، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1986.
• ديبول فان دالين: مناهج البحث في التربية وعلم النفس، ترجمة محمد نبيل وآخرون، بيروت.1986.
• روبرت دال: الديمقراطية ونقادها، ترجمة: نمير عباس مظفر، عمان 1995.
• ريمون آرون: صراع الطبقات، بيروت منشورات العويدات 1972.
• زبيغينو بريجنسكي: بين عصرين: أمريكا والعصر التكنتروني بيروت، دار الطليعة، 1980.
• زكريا إبراهيم: مشكلة البنية، القاهرة، 1976.
• سالم يفوت: مفهوم الواقع في التفكير العلمي المعاصر، الرباط، دار النشر العربية.
• سعد إبراهيم جمعة: الشباب والمشاركة السياسية القاهرة، 1983.
• سمير نعيم: النظرية في علم الاجتماع، القاهرة، 1982.
• سويم العزي: المفاهيم السياسية المعاصرة ودول العالم الثالث، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء 1994.
• السيد الحسيني:علم الاجتماع السياسي، المناهج والقضايا، القاهرة 1984.
• سيد قطب - معالم في الطريق - 1 –الدار البيضاء،1993.
• شوميليه جاندرو وكورفوازييه:مدخل إلى علم الاجتماع السياسي، ترجمة إسماعيل الغزالي، بيروت، 1988.
• صبحي الصالح - القرصنة والقانون ألأممي، وثيقة مقدمة لأكاديمية المملكة المغربية في دورتها الأولىلعام1986،الرباط:28-30 أبريل 1986.
• الطاهر لبيب: (هل الديمقراطية مطلب اجتماعي؟) كتاب المجتمع المدني في الوطن العربي، بيروت 1992.
• عبد الحليم الزيات: في سوسيولوجيا بناء السلطة: الطبقة-القوة، الصفوة، دار المعرفة، الإسكندرية، 1996.
• عبد الرحمن القادري:المؤسسات الدستورية والقانون الدستوري، الجزء الأول، الرباط، 1984.
• عبد الرحمن بن خلدون:المقدمة، دار إحياء التراث، بيروت.
• علي القصير: منهجية علم الاجتماع بين الوظيفية والماركسية والبنوية، القاهرة، 1985.
• علي ليلة: النظرية الاجتماعية المعارة، القاهرة، 1981.
• علي محمد شميس: العلوم السياسية، الدار الجماهيرية للنشر والإعلان طرابلس، 1988.
• غاستون بوتول: تاريخ السوسيولوجيا، سلسلة زدني علما، بيروت.
• غي روشيه:مدخل إلى علم الاجتماع العام: الفعل الاجتماعي، ترجمة مصطفى دندشلي، بيروت، 1983.
• فرانز فانون - معذبو الأرض - دار الطليعة للطباعة والنشر - بيروت 1979.
• ليفي شترواس: الانتروبولوجية البنيوية، ترجمة مصطفى صلاح، دمشق 1977.
• مارسيل بريلو: علم السياسة، سلسلة زدني علما، بيروت 1980.
• ماكس فيبر: رجل العلم ورجل السياسة، ترجمة نادي زكري، بيروت 1988.
• محمد السويدي: علم الاجتماع السياسي؛ ميدانه وقضاياه، الجزائر 1990.
• محمد سعيد العشماوي: الاسلام السياسي، الدار البيضاء، 1991.
• محمد عبد الجابري: العقل السياسي العربي؛ محدداته وتجلياته، بيروت 199.
• محمد علي محمد:تاريخ علم الاجتماع السياسي، الإسكندرية، 1977.
• معن خليل عمر: الموضوعية والتحليل في البحث الاجتماعي، دار الأفاق الجديدة، بيروت 1983.
• مورتون كابلان: المعارضة والدولة في السلم والحرب، ترجمة سامي عادل، بيروت. د.ت.
• موريس دفرجيه: سوسيولوجيا السياسة، ترجمة هشام دياب، دمشق 1980.
• موريس دفرجيه: مناهج علم السياسية، 1959.
• ميشيل تومبسون، وآخرون: نظرية الثقافة، ترجمة علي سيد الصاوي، سلسلة عالم المعرفة، عدد 223 الكويت.
• نعمان الخطيب: الأحزاب السياسية ودورها في أنظمة الحكم دار الثقافة 1983.
• نيقولا تيماشيف: نظرية علم الاجتماع، طبيعتها وتطورها، ترجمة محمود، عودة وآخرون، القاهرة، 1983.
• هربرت شللر: المتلاعبون بالعقول، ترجمة عبد السلام رضوان، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1986.
• هربرت ماركيوز - العقل والثورة - (هيجل ونشأة النظرية الاجتماعية) - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت 1979.
• هشام شرابي: مقدمات لدارسة المجتمع العربي، القدس، 1975.
المقالات:
• إبراهيم أبراش: (الديمقراطية -الايدولوجيا في العالم العربي)جريدة الاتحاد الاشتراكي: 13/03/1992.
• التقرير السنوي عن أعمال منظمة الأمم المتحدة لعام 1998 الذي أعده الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان. منشورات هيئة الأمم المتحدة.
• جريدة القدس العربي، الصفحة الأولى 30مايو 2001.
• ديل اكلمان: التعليم العالي الجماهيري والتصور الديني في المجتمعات العربية المعاصرة، والمستقبل العربي، بيروت، عدد 170، نيسان/ أبريل 1993.
• زين العابدين الركابي، ليغير الغرب مناهجه.. فصناعة العنف في ثقافته، جريدة الشرق الأوسط، عدد: 8412، بتاريخ: 9/12/2001.
• عبد الرزاق جيلالي: علم الاجتماع بين الالتزام والاداتية، مجلة المستقبل العربي، عدد: 146، 1991.
• عبد المنعم المشاط: الصفوة السياسية والتنمية السياسية، مجلة الوحدة ألعدد، مارس 1990.
• عمار بوحوش: "دور البيروقراطية في المجتمعات المعاصرة". مجلة المنظمة العربية للعلوم الإدارية، 1978.
• قرار الجمعية العامة رقم 32/4 المؤرخ في 7 نوفمبر 1977.
• قرار الجمعية العامة رقم 514 (د-15) المؤرخ في 14 ديسمبر 1960 - الدورة الخامسة عشر.
• كمال المنوفي: (السياسة، مفهوم وتطور وعلم)، مجلة الفكر العربي، عدد: 22، 1981.
• المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة.
• مجلة النهار العربي والدولي - 29 أكتوبر 1977 - ص: 13. ملف تحت عنوان "أهمية السلطة ضد أهمية الإرهاب".
• محمد عاطف غيث: (نظريات فلفريدو باريتو في علم الاجتماع)، مجلة كلية الآداب جامعة القاهرة، المجلد 12.
• مصطفى العبادي: (ديمقراطية الاثينين)، مجلة الفكر، عدد 11/12، 1993، الكويت.
• منى فياض: (الحركات الأصولية في الغرب) جريدة الشرق الأوسط، عدد: 10404، 01/08/1991.

المراجع باللغة الأجنبية:
• Alexis de Tocqueville: De la démocratie en merique, Paris, Callimard, 1986
• Almod, G. and Bingham powell, Comparative politics, A developemental Approach, Boston 1966.
• Bendix.R. Higher: civil Servants in Amercain Society, 1949.
• C.W. Mills: The Power Elite .N.Y. Oxford, Univ, press, 1969
• Carl Deutch: Social mobilisation and political Development,Amercain political science, review, sept 1961.
• Cole, G. studies in class stracture, London 1955.
• Dimock, M: Administratives vitality, Routtege and Kegan Pual, London, 1960
• David, Easton, The political Analysis, New Jersey 1965.
• David Easton, Aframework for political system, 1953
• Gabriel Almond, and James Coleman, eds, the polities of the Developing Areas, new Jersey
• Etzioni, A, Modern organization, Prentie -Had- Englewood Clifts, N.J. 1964 society".
• Greenstein and Sidney: The study of french political socialization, World politics, 1986.
• Heady, F, Public Administration: A comparative Prentice - Hall, Enlawood Cliffs, N.J. 1966.
• Herbert Hyman, Political beheviar
• J. Burnhim, The managerial Revolution. London, 1962.
• Joseph Shampeter, Capitalism socialism and Democracy, 1942.
• Laski,H, Bureacracy "Encyclopeadia of Social Sciences, Vol 3, New yort
• Levi-Strauss, the Elementary Structures of Kinship, Eyre an spottis Woode, london 1969.
• Lasswall, H. The comparative study of Elites; 1952.
• Lasswell, H.Kaplan, a Power and Society: Aframework for Political Enquiry. 1950.
• Malinowiski, the scientific Theory of Culture. 1944.
• Michels.R.Political Parties, New york, Dover publications, 1nc, 1959.
• Michael weinstein, Systematic political Theory, Columbus, chio, 1971.
• Pareto, The mind and Society Newyork, 1935.
• Pareto, Treaties General on Sociology, Trans, by D.Mirfin, N.Y. Dover 1963.
• Presthus, R, Weberian V. Welfare Bureaucracy in traditional
• Radecliffe Brown, Structure and Process in primitive Society, London.
• Robert.A.Dah 1. Democracy and its critics London, 1989.
• R. Merton, Sociological Ambivalence and Other, Essays, New york 1976.
• Runciman, W: Social Science and political Theory, Combridge University,Press 1963.
• R. Michels, Lectures in political Sociology, (Trans by A, de Grazia) N.Y. Harper and Raw, 1965.
• R. Aron, classe sociale, classe politique, classe dirigeante, in Archives Européennes de sociologie N2, T1 1960.
• R. Aron: Social Structure and Rulling Class.
• Sartori G: Democratic Theory 1962.
• Schumpeter, the present status of structural Functional Theory in sociology.
• William Wolsh, Studying politics, London 1973.


المؤلف في سطور

إبراهيم خليل أبراش

• ماجستير في القانون العام، علوم سياسية، من جامعة محمد الخامس بالرباط، 1981.
• دكتوراه في القانون العام من نفس الجامعة 1985.
• أستاذ التعليم العالي (أستاذ دكتور) 1996.
• ممارسة التدريس في الجامعات المغربية منذ أكتوبر 1978.
• الالتحاق بجامعة الأزهر بغزة منذ أكتوبر 2000.
• المشاركة في العديد من الندوات العلمية داخل المغرب وخارجه.
• عضو الجمعية المغربية للعلوم السياسية.
• عضو شرفي في الجمعية المغربية للقانون الدستوري.
• عضو منتدى الحكمة للمفكرين والباحثين – المغرب-.
• عضو اللجنة الاستشارية برنامج التنمية في جامعة بيرزيت.

الكتب المنشورة في دور نشر عربية وفلسطينية وموزعة في المكتبات العربية:
1- البعد القومي للقضية الفلسطينية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1987.
2- المؤسسات والوقائع الاجتماعية: نظرة تاريخية عالمية، مؤسسة الطباعة والتوزيع للشمال، الرباط، 1994.
3- البحث الاجتماعي: قضاياه، مناهجه، إجراءاته، منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، جامعة القاضي عياض، 1994.
4- تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، 1998.
5- علم الاجتماع السياسي، منشورات دار الشروق، عمان، 1998.
6- الحركة القومية في مئة عام (عمل جماعي)، منشورات دار الشروق، عمان، 1998.
7- المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، 1999.
8- تاريخ الفكر السياسي، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، 1999.
9- العرب والنظام الدولي الجديد (عمل جماعي)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000.
10- الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق، منشورات الزمن، الرباط، 2001.
11- الجهاد: شرعية المبدأ والتباس الممارسة، منشورات ألوان مغربية، مكناس، المملكة المغربية، 2003.
12- فلسطين في عالم متغير: فلسطين تاريخ مغاير، المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي، رام الله، 2003.
13- القضية الفلسطينية والشرعية الدولية (دراسة نقدية)، المركز القومي للدراسات والتوثيق، غزة، 2004.
14- النظرية السياسية بين التجريد والممارسة، دار المنارة، 2004.
15- المجتمع الفلسطيني (من منظور علم الاجتماع السياسي)، دار المنارة، 2004.

قائمة ببعض البحوث المنشورة في مجلات محكمة ومتخصصة:
1- الفلسطينيون والوحدة العربية: منذ قيام الحركة القومية العربية حتى نكبة 1948، مجلة المستقبل العربي، العدد 64، السنة 1984، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
2- الفلسطينيون والوحدة العربية: منذ نكبة 1948 حتى اليوم، مجلة المستقبل العربي، العدد 65، السنة، 1984 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
3- بين اليهودية والصهيونية، مجلة الوحدة، عدد 15، ديسمبر 1985، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
4- الثورة الفلسطينية بين استقلالية القرار ومسألة التداخل القومي، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 158/159، سنة 1986، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، قبرص.
5- الحركة القومية العربية واستقلالية العمل الفلسطينية، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 164/165، سنة 1986، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، قبرص.
6- بين اليهودية والصهيونية، مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت، صيف 1988.
7- القطرية الفلسطينية: لماذا وإلى أين ؟ مجلة الوحدة، عدد 49، أكتوبر 1988، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
8- مفهوم الدولة الفلسطينية في الفكر السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، مجلة الوحدة، عدد 53، فبراير 1989، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
9- الدولة الفلسطينية بين قومية القضية وخصوصية المرحلة، مجلة الوحدة، عدد 58/59، يوليو/ أغسطس 1989، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
10- نظرات في القضية العربية (قراءة نقدية تحليلية) مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت ، خريف 1989.
11- حقوق الإنسان ومفهوم حقوق الشعب الفلسطيني، مجلة الوحدة، عدد 63/64، ديسمبر/ يناير 90/ 1989، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
12- العنف السياسي بين الإرهاب والعنف المشروع، مجلة الوحدة، عدد 67، أبريل 90 19، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
13- حرب الخليج وتأثيراتها المستقبلية في القومية والمصير العربي، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 219/220، سنة 1991، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، قبرص.
14- البعد القومي المغدور للقضية الفلسطينية، مجلة الوحدة، عدد 106، يونيو 94 19، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
15- حدود استحضار المقدس في الأمور الدنيوية: ملاحظات منهاجية، مجلة المستقبل العربي عدد 180، السنة 1994، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
16- حدود النظام وأزمة الشرعية في النظام الدولي الجديد، مجلة المستقبل العربي، العدد 185، السنة 1994 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
17- حقوق الشعب الفلسطيني من الشرعية التاريخية إلى الشرعية التفاوضية، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 42، ربيع 2000، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.
18- الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق، مجلة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، العدد 15، السنة 2000، جامعة القاضي عياض، مراكش.
19- لماذا لم يتم تفعيل قرارات الشرعية الدولية حول القضية الفلسطينية؟: الشرعية الدولية ورهانات القوة ، المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد، العدد 33/34 السنة 2000، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط.
20- البعد الديني للقضية الفلسطينية، مجلة رؤية، الهيئة العامة.
21- المجتمع المدني: محاولة في التأصيل ونموذج للتطبيق، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الرباط، العدد 44/54، السنة 2002.
22- النظام السياسي الفلسطيني ولد مأزوما ولم يزل، مجلة السياسية الدولية، عدد 155 يناير 2004، مؤسسة الأهرام، القاهرة.
23- ديمقراطية ولكن أو (دمقرطة الديمقراطية). مجلة طنجيس للقانون والاقتصاد،جامعة عبدالمالك السعدي، عدد 4 /2004.
24- مفهوم الدولة الفلسطينية: النشأة والتطور، مجلة السياسية الدولية، عدد157، يوليو 2004، مؤسسة الأهرام، القاهرة.

المقالات المنشورة في دوريات:
1- المشروع القومي العربي، مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، غزة، العدد 4 كانون أول 200.
2- قرارات الشرعية الدولية حول القضية الفلسطينية:بين التآمر الخارجي والتقصير الداخلي، مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، العدد12، أيلول 2001.
3- الإرهاب: إشكاليته في تعريفه لا في محاربته، مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، العدد17، آذار 2002.
4- بعد عامين الانتفاضة إلى أين؟ مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 21، أيلول 2002.
5- الوضع الراهن للصراع في الشرق الأوسط، تغير في طبيعة الصراع أم في أدواته؟ مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، العدد19، حزيران 2002.
6- مقاربة قانونية لجرائم إسرائيل ضد الإنسانية، مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 22، آب 2003.
7- بين السياسة والدين: الأصولية والعلمانية، مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، العدد23، أيلول 2003.
8- مسالة الهوية في مشروع الدستور الفلسطيني، مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، العدد25، تشرين ثاني 2003.
9- جامعاتنا في مفترق طرق، مجلة رؤية، الهيئة العامة للاستعلامات، العدد26، كانون أول 2003.
رد مع اقتباس
رد


أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى


الساعة الآن: 01:49 PM


تم التصميم بواسطة morad