منطقة الأعضاء

العودة   ملتقى الثقافة والهوية الوطنية > °ˆ~*¤®§(*§ خاص بالدكتور إبراهيم أبراش§*)§®¤*~ˆ° > الكتب

شريط إعلانات الإدارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 06-29-2008
الصورة الرمزية د.إبراهيم أبراش
د.إبراهيم أبراش د.إبراهيم أبراش غير متواجد حالياً
مدير عام
 

 









افتراضي الجهاد: شرعية المبدا والتباس الممارسة

الأستاذ الدكتور / ابراهيم ابراش




الجهاد

شرعية المبدأ والتباس الممارسة










مقدمة
بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001 أصبح اهتمام العالم مركزا بشكل غير مسبوق على ظاهرة (الإرهاب ) – مع أن الظاهرة كانت دائمة الحضور في السياسة الدولية- حتى أصبحت هذه الظاهرة محور اهتمام الدول صغيرها وكبيرها، واهتمام الأفراد والمنظمات السياسية والمدنية، وذلك بقوة فعل سيطرة وسائل الإعلام المكتوبة والمرئية والمسموعة التي تدخل كل بيت وتنقل للمشاهد أحداثا ووقائع تتفنن وسائل الإعلام في نقلها والتعليق عليها بالشكل الذي يخدم سياستها. ونعتقد أن أهمية وخطورة هذه الموجة الجديدة من ( الإرهاب ) وردود الفعل عليها –الحملة الأمريكية ضد الإرهاب - تُستمد أيضا من كون تداعيات الحملة الأمريكية لن تقتصر على علاقات الدول بعضها ببعض ،بل ستطال علاقة الدول بالمنظمات الأهلية ومؤسسات المجتمع المدني ، مما سيعزز من قوة سيطرة الدولة على حساب المجتمع المدني ،وخصوصا من يتبوأ مواقع المعارضة ، كما سيقع تحت طائلة الحملة كل من يعارض السياسة الأمريكية أي كان مذهبه وأصله وموقعه على الخريطة الدولية ، وخصوصا ممن صنفهم بعض المتعصبين من إعلاميين وسياسيين غربيين ، الطرف الثاني– المسلمون والعرب - من معادلة وهمية سموها صراع الحضارات أو الحرب الصليبية .
و بفعل تضارب الآراء حول " الإرهاب " وتداخله مع حالات عنف سياسي مشابهة، وتضارب أحكام القيمة حول العمل العنيف الموسوم بالإرهاب ، أصبح المواطن العادي في حالة من الشك والتنازع في تفسيره لهذه الظاهرة، وتحديد ماهيتها وأهداف وبواعث ممارسيها، وهل مَن يمارس هذا الضرب من العنف السياسي، قتلة ومجرمون ؟ أم مناضلون وثوار ؟ وما الحد الفاصل بين الإرهاب الدموي المجرم المتناقض مع حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها، والعنف المشروع الذي تلجأ إليه الشعوب والجماعات من أجل نيل استقلالها وتقرير مصيرها وخصوصا نضال الشعب الفلسطيني؟ وما مفهوم الجهاد في الإسلام ؟ وهل من حق أي كان أن ينصب نفسه ناطقا باسم المسلمين ورافعا راية الجهاد ضد من يعتقد هو أنه عدو الإسلام ؟ ولماذا الجهاد في فلسطين يقتصر على الفلسطينين دون غيرهم من الشعوب الإسلامية ؟ ولماذا ترسل الجماعات الإسلامية المقاتلين ( المجاهدين ) إلى كوسوفو والبوسنه وكشمير وكابول وقندهار ولا ترسلهم إلى أرض الرباط ، القدس وفلسطين ؟ .
ونظرا لتشعب ظاهرة " الإرهاب الدولي " وتعدد عناصرها فسوف نحاول مقاربة الظاهرة مقاربة علمية (1) بالقدر الذي يتيح لنا استجلاء حقيقة الإرهاب وأصوله الأولى والرد على محاولات الإعلام الأوروبي والأمريكي لتشويه صورة العرب والمسلمين ونضال الشعوب من أجل استقلالها وحقها في تقرير مصيرها .حيث لاحظنا بعد تفجيرات نيويورك وواشنطن حملة يمينية مسيحية وصهيونية لإضفاء طابع الصراع الحضاري على ما يجري ، صراع ما بين (الإسلام المتخلف الهمجي ) الذي يرفض الآخر والحضارة الغربية المتقدمة والمؤسسة على قيم الحرية والتسامح كما يزعمون، ، حيث لم يتورع البعض من إلصاق صفة الإرهاب بالإسلام ككل لمجرد كون بعض ممارسي عمليات العنف ( أو الإرهاب حسب الوصف الأمريكي) من المسلمين أو ينتمون لمنظمات إسلامية .
هذا المسعى لغلاة اليمين الأمريكي والحركة الصهيونية للصق صفة الإرهاب بالمسلمين والعرب بشكل تعميمي ودون دليل دامغ ، إنما يروم الالتفاف على البواعث الحقيقية للعنف السياسي ولمعاداة أمريكا والصهيونية ،بوضع النضال المشروع للشعوب من أجل الحرية والاستقلال وتقرير المصير في سلة واحدة مع العمليات الإرهابية التي تمارسها جماعات أو أفراد مشكوك في تمثيلها لشعوبها أو تكون بواعثها إجرامية محض تعبر عن حالة مرضية أو بحثا عن منافع مادية ، مع تجاهل تام للإرهاب الرسمي الذي يمارسه الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين وإرهاب الدولة المباشر وغير المباشر الذي مارسته وتمارسه الولايات المتحدة والغرب ضد كل من يجاهر بمعاداة السياسة الهيمنية لهما، ذلك أن العدوان ما هو إلا النعت المهذب لإرهاب الدولة ، وغالبا ما يكون إرهاب الأفراد والجماعات ردا على إرهاب الدولة المستبدة أو المستعمِرة .
إلا أن الموضوعية العلمية تفرض علينا في نفس الوقت الاعتراف بأن بعض ممارسي العنف السياسي من عرب ومسلمين ، وخصوصا ممن يرفعون راية الجهاد ، سواء ضد أبناء جلدتهم أو ضد قوى أجنبية ، الاعتراف بأنهم يسيئون إلى الإسلام وإلى القضايا العادلة التي يزعمون انهم يدافعون عنها ، ليس لأنهم يقولون بالجهاد ، بل لأنهم يوظفونه بطريقة تحرفه عن الهدف السامي الذي شُرع من أجله .وهكذا تتداخل الأمور ما بين الإرهاب والنضال المشروع فالإرهابيون في إسرائيل وأمريكا يزعون أنهم يدافعون عن مصالح بلادهم وأنهم مناضلون من أجل الحرية وضد إرهاب الطرف الآخر !، والعكس صحيح فمن تعدهم أمريكا وإسرائيل إرهابيين يعدون انفسهم مناضلين ومجاهدين وهم كذلك بالفعل ، هذا ناهيك عن التباس ممارسة مسلمين يجاهدون ضد بعضهم بعضا سواء في الجزائر أو أفغانستان أو اليمن ....
ونخلص إلى القول إن ما حذا بنا للكتابة حول الموضوع هو ما لمسناه من تشويه لمفهوم الجهاد وللممارسة ألتي تنسب إليه من بعض القوى السياسية المحسوبة على الإسلام السياسي وتوظيف الإعداء لهذه الممارسة ليشوهوا الإسلام وليقمعوا النضال الفلسطيني المشروع وخصوصا بعد تفجيرات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة ، ومع أننا نشرنا هذا العمل في المغرب ، فقد ارتأينا أن نشره في فلسطين قد يكون مفيدا في الظرف الراهن حيث الحكومة الجديدة مقدمة على حوار وطني جاد وشاق من اجل وضع اسس مشروع وطني فلسطيني يلملم الحالة الفلسطينية ويضع النقاط على الحروف حول كثير من الامور وعلى راسها تحديد أولويات العمل الوطني وطبيعة المرحلة وعلاقة السياسي بالعسكري .
وفي الختام لا يسعني إلا توجيه الشكر لمركز الإعلام والمعلومات MiC في غزة على تسهيل الأمور ليصل هذا العمل ليد القارئ الكريم .

المؤلف
غزة / في /1/4/2003














الفصل الأول
لا سياسة تخلو من (الإرهاب)

أولا: محاولة في تعريف الإرهاب
ليس من باب التواضع العلمي أو الجهل المعرفي القول بأن من الصعب وضع اليد على تعريف شامل وواضح للإرهاب ، فكيف ذلك وقد أحصينا أكثر من مائة تعريف للإرهاب ، وغالبية التعريفات سياسية تعبر عن وجهة نظر سياسية ، وقلة هي التعريفات القانونية للإرهاب .وما زال العالم منقسما على نفسه حول تعريف الإرهاب حتى يصح القول :إن تعريف الإرهاب أصعب من محاربته.
لا مندوحة من الاعتراف بداية أن الإرهاب شكل من أشكال العنف فلا يوجد عنف دون قدر من الرهبة ، والعنف قرين السياسة، فالحياة السياسية غالبا ما ترافقها أعمال عنف كسبب للممارسة السياسة أو نتيجة لها ، وعندما نقول سياسة ، يعني تضارب في المصالح والإرادات وصراع حولها ، وحيث أن السياسة جردت من الاخلاق منذ زمن ، فهذا يعني أن السياسة تتوسل كل الطرق لتحقيق أغراضها بما في ذلك العنف والإرهاب ، وقد عرف أحد علماء السياسة – جوليان فروند – السياسة بالقول ( إن السياسة تشبه كيس سفر يحتوي على أشياء متنوعة ففيه ما شئت من الصراع ومن الحيلة والقوة والتفاوض والعنف والإرهاب والتخريب والحرب والقانون ....)2.وعليه يمكن القول إن كل عنف سياسي يتضمن إرهابا بدرجة أو بأخرى ،فالفرق بين العنف والإرهاب ليس في الأثر المادي أو حتى بالهدف بل بحكم القيمة التي تضفيها الأطراف المتصارعة على العمل العنيف وبغياب التناسب ما بين الأثر المادي للعمل العنيف وحالة الرهبة المتولدة عنه . وتختلف درجة العنف وحكم القيمة المُضفى عليه باختلاف الإمكانيات والظروف والنظم القيمية التي تسود في كل مرحلة، الحرب عنف سياسي ولكنه منظم وتمارسه الدول وتحشد له الجيوش في مواجهة مباشرة مع خصم معروف ولأسباب معروفة ، وحرب العصابات عنف سياسي،وحركات التحرير الوطني تمارس العنف السياسي ، والإرهاب أيضا عنف سياسي ، قد يكون شكلا من أشكال الحرب الرسمية التي تمارسها الدول ، أو تمارسه الدول دون وجود حالة حرب – إرهاب الدولة -، وقد يكون مرافقا لحرب الضعفاء من أفراد وجماعات وشعوب ضد إرهاب الدول المستعمرة والمهيمنة والمستبدة .
منذ القرن التاسع عشر اعتبر العالم النمساوي المختص بالإستراتيجية KARL VON) CLAUSEWITZ ) كارل فون كلوزوفيتش" الحرب ظاهرة اجتماعية، و الفيلسوف الفرنسي (ريمون أرون) قال بأن الحرب والسلم وجها عملة واحدة. وإن كانت الحرب امتدادا للسياسة فإن الإرهاب السياسي امتداد لها بشكل آخر، وإن مقياس الحكم على الحرب من حيث شرعيتها أو عدمه يعتمد على هدف الحرب وبواعثها فإنه من المنطقي أن يكون الحكم على الإرهاب السياسي مرتبطا بالهدف من ممارسته. إلا أنه نظرا لأن العمليات (الإرهابية) تولد ضحايا قد يكونون أبرياء وتثير مشاعر الخوف والرهبة عند الناس ، فإن الاتجاه الغالب هو التهرب من المسؤولية عن هذه الأعمال، ومحاولة إلقاء التبعية على الآخرين ، فالآخرون هم الإرهابيون و القتلة، وحتى في الحالات التي تلجأ فيها دولة أو جماعات إلى ممارسة هذا النوع من الإرهاب، فإنها تضفي عليه مسميات مثل الدفاع عن النفس أو الإرهاب ضد الإرهاب أو الإرهاب الأبيض ... الخ من المسميات.( 3)
إن الإرهاب هو عنف ولكن ليس كل عنف إرهاب ، فالعنف قد يكون حربا – العدوانية منها أو غير الشرعية يمكن أن تسمى عدوانا – وقد يكون جرائم جنائية – وهذه تخرج عن إطار المقصود بالإرهاب السياسي وبالعنف السياسي بشكل عام حتى ولو توافرت عناصر الجريمة على ترهيب الضحية – وقد يكون ثورة أو إنقلابا عسكريا ، أو عمليات أمنية تقوم بها أجهزة الدولة الخ .وكل شكل من أشكال العنف السياسي يمكن أن يتحول إلى إرهاب سياسي في حالة تجاوزه للقانون وللأعراف الدولية .كما أن الإرهاب السياسي قد يأخذ بعدا دوليا ويسمى إرهاب دولي إذا تجاوز حدود الدولة الواحدة كأن يمارسه أفراد أو جماعات ضد أشخاص أو مصالح دولة غير التي ينتمون إليها أو ضد مصالح دولتهم خارج الدولة ، هذا ويلاحظ أن التوجه الأمريكي الأخير في محاربة الإرهاب أصبح يزيل الفوارق بين الإرهاب الداخلي والإرهاب الدولي من منطلق أن كل أنواع الإرهاب تهدد السلام والأمن العالميين ، وبالمفهوم الأمريكي تهدد المصالح الأمريكية ، ومن هنا لاحظنا إرسال الولايات المتحدة قوات عسكرية إلى الفلبين واليمن وأندونيسيا وجورجيا والعراق وقبل ذلك إلى لبنان والصومال .ولكن قبل الحديث عن واقع الإرهاب اليوم – مفهوما وممارسة –لا بد من الرجوع إلى تعريفه لغويا واصطلاحيا والظرفية التاريخية والموضوعية التي أنتجت المصطلح بمفهومه الحديث .

التعريفات اللغوية والاصطلاحية للإرهاب
مصطلح الإرهاب السياسي المتداول في اللغة العربية اليوم هو ترجمة لكلمة TERRORISM الانجليزية وكلمة TERRORISME الفرنسية وهما مشتقان من اللغة الاتينية حيث أن كلمة TERROR تعني الرعب والفزع أو الشخص الذي يبثهما في قلوب الآخرين . ومع ذلك يجب الإشارة إلا أن كلمة إرهاب كلمة عربية أصيلة ذكرت في القرآن الكريم قال تعالى ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ) ويتقاطع معناها مع المعنى الذي يروج اليوم في جانب واحد وهو بث الخوف والرعب ، ولكن الإرهاب المذكور في القرآن يكون لرد المعتدي ، قال الله تعالى ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) .
أخذ مصطلح الإرهاب مفهومه السياسي الغربي مع الثورة الفرنسية وتحديدا عام 1794 حيث دخل مصطلح TERRORISME المعاجم الفرنسية بمعنى سياسة الرعب التي بثتها الثورة الفرنسية في عهد روبيسبير وسان جوست وتحديدا عامي 1793و1794– وسنشير إلى ذلك بعد قليل - . ومنذ ذلك التاريخ أخذ فقهاء السياسة والقانون يستعملون مصطلح الإرهاب للإشارة إلى أعمال العنف السياسي التي تثير الهلع والفزع عند الجمهور ،إلا أن مستجدات الحياة السياسية والعلاقات الدولية ودخول مفاهيم الشرعية السياسية والدولية أضفى بعداً قيميا على مفهوم الإرهاب والعنف السياسي بحيث أن هذا الأخير يقترب أو يبتعد عن الإرهاب بمدى قربه أو بعده عن الشرعية كما يحددها القائمون على النظام السياسي الوطني أو النظام الدولي ، وزاد مفهوم الإرهاب الدولي إرباكا مع انقسام العالم إلى معسكرين متصارعين – المعسكر الإشتراكي والمعسكر الغربي – وظهور حركات التحرر في دول الجنوب .ولم يعد أمر التعرف على الإرهاب وتعريفة يدور حول مكونه المادي – أي عنف ورهبة وفزع – بل حول شرعيتة أو عدم شرعيته .
وكذا تعددت التعريفات حول الإرهاب ، فقد عرفه الفقيه (سوتيل) بأنه العمل الإجرامي المقترف عن طريق الرعب أو العنف أو الفزع الشديد بقصد تحقيق هدف محدد . ويعرفه (جيفانوفتش) بأنه اعمال من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الإحساس بالتهديد مما ينتج عنه الإحساس بالخوف من خطر بأي صورة .إذا كان التعريفان السابقان يعرفان الإرهاب بشكل عام سواء كان سياسيا أو غير سياسي ، فأن هذا الإرهاب يصبح سياسيا عندما يصبح هدف الفاعل من ممارسته لفعل الإرهاب تحقيق هدف سياسي أو التأثير على الوضع العام ،ومن هنا يعرف الفقيه البولوني (فاسيورسكي) الإرهاب بأنه: (منهج فعل إجرامي يرمي الفاعل من خلاله إلى فرض سيطرته بالرهبة على المجتمع أو الدولة بالمحافظة على علاقات اجتماعية عامة أو من أجل تغييرها أو تدميرها ) .

وبصورة عامة هناك موقفان من " الإرهاب الدولي " (4) :
الموقف الأول : الموقف الرافض للإرهاب بغض النظر عن الدوافع.
بما أن العمليات "الإرهابية" تستهدف غالبا مصالح أو أفراد ينتمون للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وللدول الأوروبية ،(5) فإن هذه الدول تبذل قصارى جهدها لإسقاط أي صفة شرعية عن هذه العمليات ، فتضع في سلة واحدة كل العمليات الإرهابية سواء منها العمليات الإرهابية الدموية التي تمارسها جماعات لا تمثل إلا نفسها أو قطاع صغير من الشعب والعمليات التي تمارسها دول متطرفة في مواقفها السياسية ومنبوذة دوليا، أو العمليات التي تُمارس من قبل حركات تحرر معترف بها دوليا وتمارس كفاحها المسلح كحق من الحقوق التي منحها المنتظم الدولي وتطبيقا لحق تقرير المصير.
يلاحظ أن أنصار هذا التيار المعارض كليا للإرهاب السياسي يكرس كل وسائله الإعلامية لمحاربة هذه الظاهرة والتنديد بمن يقف وراءها دون البحث في أهدافها والدوافع الكامنة وراء ممارسة هذا الضرب من العنف السياسي. وقد تحفظت هذه الدول ودول أخرى تدور في فلكها بشأن شرعية نضال حركات التحرير الوطنية ، وهذا ما ظهر جليا من خلال الاجتماعات المتكررة للجمعية العامة للأمم المتحدة ولمجلس الأمن لبحث هذه الظاهرة، وكما يظهر من خلال التعريف الذي تعطيه هذه الدول للإرهاب الدولي. عرّفت الولايات المتحدة الإرهاب الدولي بأنه : " التهديد باستخدام العنف لأغراض سياسية بواسطة أفراد أو جماعات سواء يعملون مع / أو معارضون لسلطة حكومية ثابتة، سواء قصد بأعمالهم صدم أو إكراه جماعة مستهدفة أوسع قدرا من الضحايا المباشرين".(6)
الموقف الثاني : البحث عن الدوافع قبل الإدانة ( شرعية الغاية تشرعن الوسيلة).
من دعاة هذا الموقف مجموعة من دول العالم الثالث بما فيها الدول العربية، ويتلخص موقفها في أن معالجة (الإرهاب الدولي) لا تتم بمجرد إدانته أو تجريم مرتكبيه، لأن هذا لا يشكل إلا نصف القضية ولن يحل المشكلة ، إن محاربة الإرهاب الدولي تكمن في البحث في جذور الظاهرة، بواعثها، وأهداف القائمين بها، فالغاية قد تبرر الوسيلة أحيانا.
برز التباين لأول مرة ما بين أنصار الموقف الأول الرافض للإرهاب دون البحث في بواعثه وأهدافه والموقف الثاني الذي يجد سندا شرعيا لممارسي بعض العمليات الإرهابية ، في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث ظاهرة "الإرهاب الدولي" ، على إثر قيام مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين بعملية فدائية ضد الفريق الرياضي الإسرائيلي ومرافقيهم في ميونيخ عام 1972 وفي الاجتماعات اللاحقة ، وما زال التباين بين وجهتي النظر مطروحا حتى اليوم بالرغم من قرار مجلس الأمن يوم 12 سبتمبر 2001 بعد العمليات التفجيرية في نيويورك وواشنطن.
وفي عام 1973 أخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة بوجهة نظر التيار الثاني في تحديد موقفها من "الإرهاب الدولي" فجاء في توصيات الجمعية العامة حول الموضوع: " على الرغم من الحاجة إلى مكافحة الإرهاب الدولي وغيره من وسائل العنف التي تهدد أرواح الأبرياء أو تحرم الأفراد من حرياتهم الأساسية إلا أن الأمر يتطلب دراسة الأسباب التي تكمن وراء ممارسة الإرهاب، التي تجد جذورها في الإحساس باليأس والإحباط والظلم، والذي يدفع بعض الناس إلى التضحية بالأرواح الإنسانية، بما في ذلك أرواحهم هم أنفسهم وذلك من أجل أحداث تغييرات راديكالية في معالم هذه الصورة القاتمة ".(7)
يمكننا استخراج العناصر المكونة للعمل الإرهابي بصورة عامة وهي :
1- أنه عمل عنيف يعرض أرواح وممتلكات الأفراد للخطر أو يهدد بتعريضها.
2- موجه إلى أفراد أو مؤسسات ومصالح أو كليهما معا تابعة لدولة ما.
3- يقوم به أفراد أو جماعات بصورة مستقلة، أو يكونون مدعومين من طرف دولة ما.
4- يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية.
ومن خلال العناصر أعلاه المكونة للعمل الإرهابي بصورة عامة، يمكن القول أن جوهر الإشكالية يتمحور حول العنصر الأخير، أي الهدف السياسي للعمل الإرهابي، ذلك أن تحديد شرعية العمل الإرهابي أو عدم شرعيته يرتبط بمدى شرعية الأهداف السياسية ، فشرعية الأهداف السياسية تسقط صفة الإرهاب بمعناها الإجرامي عن العمليات العنيفة التي تقوم بها الجماعات السياسية الممارسة لها، من منطق أن العنف ليس بالأمر الغريب عن الحياة السياسية.ولكن يبقى السؤال الذي يجعلنا ندور في حلقة مفرغة ، من هي الجهة أو المرجعية التي لها الحق في تقييم شرعية أو عدم شرعية العمل الإرهابي ؟ .
وفي الواقع فإن اعتماد (شرعية) الهدف من استعمال ذلك النوع من العنف السياسي المسمى (إرهاب) كمقياس للحكم على مدى شرعيته ليس بالأمر المستحدث، بل نجد له جذورا في التاريخ السياسي الأوروبي.


ثانيا : الإرهاب ظاهرة أوروبية المنشأ :
إن كان الفكر الليبرالي الأوروبي في القرنين الماضيين، أولى أهمية كبرى لقضايا الحرية والمساواة، حتى يمكن القول أن هاتين المسألتين شكلتا محور اهتمام هذا الفكر، فإن الوجه المقابل لحقي الحرية والمساواة كان الحق في المعارضة وفي الثورة ومقاومة كل ما يعوق حرية الإنسان وحقه في الحرية والمساواة مع غيره.
دون مبالغة يمكن القول إن الإرهاب صناعة أوروبية دون منازع ، سواء من حيث التنظير الفكري له أو صيرورته واقعا ، فكل أسلحة الدمار التقليدية والشاملة ، الجرثومية والكيماوية والذرية هي نتاج الغرب ، وأشرس الحروب وأطولها وأكثرها إيقاعا للضحايا وقعت في أوروبا أو كانت دول أوروبية الفاعل الرئيس فيها ، وأهم الحركات العنصرية والمتطرفة والإرهابية ، كالنازية والفاشية واليمين المتطرف والعنصرية والصهيونية – قبل انتقالها إلى فلسطين- ظهرت في الغرب وتغنى بها ومجدها رجال فكر وأدباء غربيون وأمريكيون .
وقد شرًع فلاسفة الغرب مبدأ العنف والثورة، بحيث أصبحا نسقا فكريا متكاملا، فالعقل الذي كان سابقا يُقرن بالمحافظة والإقرار بالأمر الواقع ، تم إخراجه من هذه النمطية، ليصبح عقلا ثائرا متمردا يرفض الواقع ويسعى لتغييره بكل الطرق، وهو الموضوع الذي أولاه هيجل اهتماما كبيرا من خلال جدليته المشهورة والتي تقوم على مبدأ "السلب" أي الشيء ونقيضه. بل إن هيجل اعتبر (أن الثورة الفرنسية هي التي أعلنت السلطان المطلق للعقل على الواقع)،(8) بالرغم من اقتران الثورة الفرنسية بالإرهاب .ويقول (رونالد سترومبرج ) في كتابه " تاريخ الفكر الأوروبي 1601/1977" : ( إن الروح الداروينية القائلة بأن الصراع والمنافسة والقوة هي قوانين الحياة ، كانت المنبع الرئيس لأقوال رجال السياسة وأفعالهم ... ونحن إذا استعدنا إلى الذاكرة أسماء أولئك الكتاب والمفكرين الذين اعتبروا الحرب قضية مقدسة ، لوجدنا أنهم كانوا أبرز رجال الفكر والأدب في عام 1914 ، فهناك مثلا : برغسون ، تشارلز بوجي ،وفرويد ،وهناك أيضا العديد من الشعراء والروائيين مثل : ستيفان جورج ، توماس مان ، وأيضا مؤرخون لامعون وعلماء اجتماع مثل : دوركهايم وماكس فيبر وسواهما ).9
ودون الغوص في فلسفة العنف في الثقافة الغربية ، يمكن القول أن نشأة ظاهرة الإرهاب الحديث ظهرت في الغرب سواء إرهاب الدولة أو إرهاب الجماعات والأفراد ، وذلك قبل أن ينتقل الى دول الجنوب ، وحتى في هذه الحالة الأخيرة كان الغرب حاضرا بقوة ، سواء كممارس للإرهاب ضد الشعوب المستعمرة من طرفه ، أو متلق لضرباته من طرف حركات التحرر في إطار ممارسة حقها في الدفاع عن النفس وتقرير مصيرها.
1) إرهاب الدولة ضد مناوئيها
ينقسم هذا النوع من الإرهاب إلى حالتين : إرهاب الدولة الثورة أو دولة الثورة ضد من تعدهم مناوئي الثورة وإرهاب الدولة المستبدة أو الاستعمارية.
( أ ) - إرهاب الدولة / الثورة .
دشنت الثورة الفرنسية عهد الإرهاب بمفهومه الحديث، فمعها عُرف إرهاب الدولة المنظم والمدعوم بالقانون، ففي كلمة أمام المؤتمر الوطني للثورة الفرنسية عام 1794 جاء … (يقولون إن الإرهاب هو سبيل الحكومة المستبدة، فهل حكومتنا إذن تشبه الاستبداد ؟ أجل إنها تشبهه مثلما يشبه السيف الذي يلمع في يد بطل الحرية ذلك السيف الذي تتسلح به أذيال الطغيان، إن حكومة الثورة هي استبداد الحرية ضد الطغيان).(10) انطلاقا من ذلك شنت الثورة الفرنسية في عهد اليعقوبيين حملة من العنف السياسي الذي أخذ شكل الإرهاب المنظم. فتحت شعار حماية الثورة وحماية إرادة الشعب والدفاع عنها، أصبحت الثورة الفرنسية (كالهرة التي تأكل أولادها) من كثرة ما علق على المشانق من المواطنين ومن قادة الثورة أنفسهم.
وقد بررت الثورة الفرنسية لجوءها للإرهاب بأنه يمارس باسم الشعب ودفاعا عن الشعب، بل أوكل أمر ممارسة الإرهاب إلى لجان منبثقة من الشعب. ففي بيان لإحدى لجان المراقبة التي شكلت آنذاك وأوكل إليها حماية الثورة ومتابعة العصاة جاء فيه :
"إبلاغ جميع المحافظات أن قسما من المتآمرين القساة والمعتقلين في سجونها قد نفذ فيهم حكم الموت على يد الشعب، إنه إجراء عادل وقد بدا للشعب ضروريا من أجل السيطرة بواسطة الرهبة (Terreur) على آلاف الخونة والمختبئين وراء جدران باريس، في الوقت الذي كان يهب فيه لمواجهة العدو".(11) ونظرا للأبعاد التي أخذها الإرهاب مع الثورة الفرنسية، فقد أرجع البعض تاريخ ظهور الإرهاب السياسي، بالمعنى السياسي والاجتماعي والسيكولوجي الذي أخذه فيما بعد، إلى الثورة الفرنسية التي جعلت منه ركنا أساسيا من أركان النظام السياسي.(12)
في تجربة ثورية مشابهة، مارست ثورة أكتوبر الروسية 1917 إرهاب الدولة، فقد مرت ثورة أكتوبر بموقف صعب يتشابه مع الموقف الذي عرفته الثورة الفرنسية حيث تكالبت الطبقات المتضررة من الثورة، وأنصار النظام القديم، ضد الثورة الجديدة وأفكارها الثورية، ولم يتورع مناوئو الثورة عن إلحاق الأضرار بالثورة الوليدة، ووضع العراقيل أمامها، وهو الأمر الذي دفع الثورة إلى تشكيل جهاز البوليس المسمى "التشيكا" بعد شهرين من قيام الثورة وأعطيت الصلاحيات "للتشيكا" بالقيام بكل الأعمال من اعتقال ومداهمة ومصادرة وغيرها ضد العناصر المناوئة للثورة، ودفاعا عن إرادة الجماهير الكادحة الملتفة حول الثورة.
ومع تزايد نشاط الثورة المضادة، وقيام الحرب الأهلية، وما صاحبها من تدخل خارجي، وعلى أثر اغتيال أحد رموز الثورة (فولودارسكي) ومحاولة اغتيال (لينين وتروتسكي)، زاد إرهاب الشعب ضد أعداء الثورة، وحرضت قيادة الثورة الجماهير ضد أعداء الثورة، ودعا لينين لوضع عسكرة الجماهير وتسليحها على جدول أعمال الحكومة الثورية من أجل (تشجيع الاندفاع الجماهيري والإرهاب الجماهيري ضد أعداء الثورة).
تجسد إرهاب الثورة الروسية بنوع متميز من الإرهاب وهو الإرهاب الطبقي، فعلى إثر محاولة اغتيال (لينين) كتبت صحيفة بلشفية.. "كل نقطة دم من لينين يجب أن يدفع ثمنها البورجوازيون والبيض مئات القتلى …إن مصالح الثورة تفرض الإبادة الجسدية للطبقة البرجوازية، إنهم بلا رحمة فلنكن بلا رحمة".(13)
من خلال الإرهاب السياسي الذي عرفته الثورتان الفرنسية والروسية يمكننا استخراج مضامين هذا النوع من الإرهاب :
1- إنه إرهاب السلطة المعتمدة على القانون، فهو إرهاب الأقوياء، الممثلون لإرادة أغلبية الشعب- أو المدعين ذلك- ، ضد من يقف في وجه هذه الإرادة ، أو بتعبير أخر إنه إرهاب الأغلبية ضد الأقلية.
2-. إنه إرهاب منظم ومقنن، فهو نسق في الحكم لا ينفصل عن ممارسة الحكومة لسياساتها الأخرى، أو هو بمعنى آخر الوجه المقابل للتحكم السلمي بالمجتمع.
3-.انه يأتي ردا على تهديد خارجي، أو تمرد داخلي، وقد يأخذ طابع إرهاب طبقة ضد أخرى، فهو عنف ضروري لمنع المزيد من العنف.
4- نطاق عمله محصور داخل الدولة، وغير موجه إلى دول أخرى.
ومن الواضح أن إرهاب الدولة كما عرفته الثورتان الفرنسية والروسية يختلف عن إرهاب الدولة الذي عُرف لاحقا كما سنتطرق لذلك بعد قليل.
( ب ) – إرهاب الدولة الاستعمارية أو المستبدة
يعد إرهاب الدولة المستبدة والاستعمارية أخطر أنواع الإرهاب على الإطلاق وهو إرهاب ما زالت شعوب الجنوب خصوصا تعاني منه ، وهذا النوع من الإرهاب الرسمي تمارسه أجهزة الدولة علنا أو بطرق سرية بواسطة أجهزة بوليسية متخصصة في إغتيال ومطارة المناضلين من اجل الحرية والمعارضين السياسيين . ويمكن تقسيم هذا النوع من الإرهاب بدوره إلى نوعين : إرهاب دولة دولي ، وإرهاب دولة محلي مع تداخل الحالتين احيانا .
النوع الاول نلمسه في السياسة الاستعمارية للدول الغربية تجاه الشعوب المستعمَرة حيث يعد الأستعمار شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري والعنصرية تجسيد للإرهاب ، فسياسة الاحتلال ونهب الثروات وقمع الحريات هو إرهاب لأنها أفعال تتناقض مع الأسس والمبادي التي قامت عليه الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد على حق الشعوب في تقرير مصيرها . ولم يقتصر إرهاب الدول الاستعمارية على مرحلة الاستعمار المباشر بل استمرت إرهابها حتى بعد الاستقلال ، وهذا ما نلمسه في الإرهاب الذي تمارسه الولايات المتحدة ضد الدول التي تعارض سياساتها بدءا من تشيلي وهاييتي ونيكارجوا وجزر الدومنيك إلى العراق والسودان وليبيا ، ففي العراق قصفوا خلال حرب الخليج منشآت مدنية ومستشفيات ومصانع حليب أطفال بل ارتكبوا مجزرة شنيعة عندما قصفوا ملجأ العامرية حيث كان يلتجئ آلاف الاطفال والنساء وفي السودان قصفوا مصنع للأدوية بحجة انه يصنع مواد كيماوية ، وفي ليبيا قصفوا منزل الرئيس الليبي معمر القذافي ومنشاءات مدنية أخرى ...ثم كان ما يسمى بالحملة الأمريكية ضد الإرهاب والتي هي في الواقع حملة إرهابية ضد معارضي السياسة الأمريكية وكانت اخر فصولها الحرب العدوانية ضد العراق .
ولكن يبقي أخطر شكل من أشكال إرهاب الدولة هو ذلك الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني ، فتاريخ هذه الدولة هو تاريخ إرهابي ، فقد قامت بداية على يد عصابات يهودية إرهابية - الهاجاناه وشتيرن وإسلي - مارست أبشع المجازر ضد الشعب الفلسطيني في دير ياسين وقبية وغزة ، وعندما تحولت هذه العصابات إلى دولة بفعل الدعم الغربي والتخاذل العربي أستمرت في نهجها الإرهابي ،فكان الإرهاب نهجا يوميا لحكام إسرائيل ضد الفلسطينين والعرب ، حيث قصفوا المدارس والمستشفيات وكسروا أذرع الاطفال والشباب و كانت مجزرة صبرا وشاتيلا و مجزرة قانا ثم مجزرة مخيم جنين ومجزرة البريج والإرهاب الصهيوني ما زال متواصلا ، حيث أعترفت منظمات دولية محايدة أن ما مارسته إسرائيل من أعمال في مخيم جنين تعد مجازر وجرائم حرب لم تعرفها البشرية من قبل وعلى هذا الأساس قرر مجلس الأمن إرسال لجنة تقصي حقائق ، إلا ان إسرائيل رفضت استقبال اللجنة حتى لا تنكشف مجازرها من جهة ولرفضها تدويل القضية من جهة اخرى.
النوع الثاني من إرهاب الدولة هو إرهاب الانظمة الاستبدادية ، فهذه الأنظمة ونظرا لافتقارها للشرعية والمشروعية السياسية فهي تحكم بالقوة والإرهاب حيث تطارد المعارضين للنظام ودعاة التغيير وتؤسس نظامها على أساس بوليسي قمعي وتكون الأجهزة الأمنية هي المتحكم في نواصي الأمور وفي حياة الناس وأرزاقهم ، وقد عرف العالم وما زال العديد من هذه الأنظمة ذات الإيديولوجيات المتباينة : فاشية ونازية وعنصرية ودينية وقومية ، وإن كان عالم الشمال تجاوز هذا النوع من الأنظمة بفضل الديمقراطية – كون الغرب يعرف ديمقراطية داخلية فهذا لا ينفي أنه يمارس أحيانا إرهابا خارجيا ضد الدول المناوئة- فإن عالم الجنوب بما فيها دولنا العربية والإسلامية عرفت وما زالت تعرف كثيراً من هذه الأنظمة التي لا تتورع عن ممارسة الإرهاب ضد شعبها سواء في مواجهة الشعب المطالب بالحرية أو في مواجهة جماعات عرقية وطائفية تطالب بالانفصال والاستقلال .
إرهاب الدولة المشار إليه كان ولا بد ان ينتج حركة مقاومة ضده ، أو إرهاب من نوع آخر إرهاب الضعفاء الذي تمارسه جماعات وأفراد إما باسم الحرية والاستقلال أو باسم الانفصال وحق تقرير المصير أو من أجل الديمقراطية ،أو دفاعا عن عقيدة دينية أو سياسية الخ.

2) إرهاب الضعفاء ضد إرهاب الدولة
إذ كانت الثورتان الفرنسية والروسية مارستا الإرهاب دفاعا عن حرية الشعب وحقه في الحرية والمساواة، ودفاعا عن الإرادة العامة ومصلحة الجماهير، فإن حركات سياسية مارست وتمارس (الإرهاب) دفاعا عن نفس المبادئ تقريبا ولكن من موقع مختلف ، إنه إرهاب الضعفاء ضد إرهاب الدولة وتسلطها.
مع ترسخ سلطة الدولة وتطور مبادئ الحرية والمساواة في أوروبا ،أخذت حقوق الإنسان وضعا جديدا ،أصبحت فيه القيادة ليس للحكومات الثورية بل للمفكرين والمنظمات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ، وأصبحت المطالبة بالحرية والمساواة وحقوق الإنسان على رأس اهتمامات غالبية شرائح الشعب . ولكن نظرا لأن هذه المبادئ كغيرها من المبادئ السياسية المجتمعة، قد تحمل أكثر من معنى حسب الموقع الإيديولوجي للشخص أو الحركة السياسية، ونظرا لأن هذه المبادئ أصبحت هي المبرر الذي يرفعه كل معارض للسلطة أو مطالب بها، أو مدافع عنها، فقد مورست باسمها أعمال إرهابية من قبل حركات سياسية تتهم الدولة بانتهاك هذه الحقوق، ومن هذه الحركات ،الحركتان الفوضوية والعدمية ،اللتان ظهرتا في القرن التاسع عشر. ودون التوسع في شرح المبادئ الإيديولوجية لهاتين الحركتين، يمكن القول أن منطلقاتها العقائدية تقوم على أساس رفض السلطة بكل أشكالها، وتمجيد حرية الفرد، فالدولة مرفوضة عند الفوضويين والعدميين، وهذا ما عبر عنه أحد فلاسفة الفوضوية (ماكس ستيرنر) (Max Stirner) (1809-1865) بمقولته الشهيرة "نحن الاثنان، الدولة وأنا، أعداء" ولم يقتصر رفض الفوضويين على السلطة البرجوازية وما تمثله من مصالح ومفاهيم بل رفضوا أيضا سلطة البروليتاريا التي كان يدعو إليها الشيوعيون، فهم مع اتفاقهم مع الشيوعيين على تشخيص المرض الاجتماعي، بإرجاعه للاستغلال الطبقي، فإنهم اختلفوا حول الوسائل الواجب اتباعها لتحطيم النظام الرأسمالي وشكل النظام المراد بناؤه بعد زوال الرأسمالية، وكان هذا سببا في الخلاف الذي حدث بين الفوضوي باكونيين وبين كارل ماركس عام 1872 في مؤتمر لاهاي، ومن أهم منظمي الفوضوية يمكننا ذكر:
1- (ببار جوزيف برودون ) -1809-1865- وهو مفكر اشتراكي فرنسي تميز بموقفه المعرض لمفاهيم سان سيمون وللماركسية في الوقت نفسه وتقوم اشتراكيته على التعاونية في المجال الاقتصادي، وعلى المجتمعية والفدرالية في المجال السياسي، حيث يهدف إلى إلغاء مفهوم السلطة وإحلال مفهوم التعاقد محله، وله مؤلفات من أهمها فلسفة البؤس، الذي رد عليه ماركس بكتاب تحت عنوان "بؤس الفلسفة" وكذلك كتاب "نظرية الملكية" و "حول العدالة في الثورة وفي الكنيسة".
2- (ميخائيل الكسندروفيتش باكونين) 1814-1876 وهو فوضوي روسي، انفصل عن ماركس في مؤتمر الأممية الأول في لاهاي، وقد عبر عن أفكاره في كتابه "الدولة والفوضوية" والذي يدعو فيه لزوال الدول لمصلحة جمعيات الشعب.
3-. سار جابي غيناديا فتش نيتشايف (1847-1882) ثوري روسي وزميل باكونين وضع بالتعاون معه كتاب "التعليم الديني للثورة"، سجن ومات في السجن بعد أن أنشأ مجموعة ثورية عرفت باسم "عدالة الشعب".
4-. الأمير بيوتر الاكسايفيتش كروبوتكين (1842-1921) كرس جهده لوضع أسس حركة فوضوية علمية، تَنَقل بين روسيا وإنكلترا وفرنسا ومن مؤلفاته، "كلام ثائر" و "الثورة الكبرى" و "فلسفة الفوضوية ومثلها".(14)
وقد عبر الفوضويون عن أهدافهم بوضوح في مؤتمر عقدوه في لندن 1881، عرفوا فيه أنفسهم وأهدافهم ، ومما جاء فيه :
" إن ممثلي الاشتراكيين والثوريين والعالميين والمجتمعين في لندن في 14 تموز 1881 جميعهم مؤيدون لهدم المؤسسات السياسية والاقتصادية الحالية هدما كاملا بالقوة".(15)
وبالفعل مارس الفوضويون هذا النهج الجديد في العمل السياسي بقيامهم بعدة عمليات إرهابية في روسيا، إيطاليا، إسبانيا، وفرنسا، وبرز عدد من الأسماء الإرهابية الفوضوية أمثال : رافاشول، وأميل هنري وفافيان في فرنسا، وكافييرو ومالا تسيتا، وسيتشاريللي في إيطاليا، وجيليا نوف وستينياك وكالياييف في روسيا.
وعن الفوضوية انشقت العدمية، بانفصال الفوضويين الروس، حيث مارس هؤلاء أعمالا إرهابية عنيفة تركزت على اغتيال شخصيات روسية بارزة ،مثل القيصر إسكندر الثاني، ووزير الداخلية فون يليف والغراندوق سيرج وغيرهم.
كان من بين أنشط الحركات العدمية الفوضوية الروسية ،منظمة عدالة الشعب (Marodnaia Volia)، التي حددت أهداف الإرهاب وموقعه ضمن استراتيجيتها النضالية بالقول :
" يقوم العمل الإرهابي على تصفية رجال الحكم الأكثر ضررا، وعلى دفاع الحزب ضد الجاسوسية، وعلى معاقبة الأعمال العنفية والكيفية التي يقوم بها الحكم والإدارة الحاكمة، ان هدف الإرهاب هو الحط من مكانة القوة الحكومية وإعطاء البرهان الثابت على إمكانية النضال ضد السلطة، ثم إثارة الروح الثورية في الشعب وتقوية إيمانه بانتصار القضية، وهدف الإرهاب أخيرا تشكيل كوادر قادرة ومدربة على النضال".(15)
وقد تعامل الفوضويون الروس مع الإرهاب السياسي كطريق وحيد لتحقيق الأهداف التي يسعون إليها، وبالتالي نبذوا أشكال النضال الأخرى، وكانوا يعتقدون أن الإرهاب السياسي كفيل باستقطاب الجماهير حولهم ومباركتها لنشاطهم، وهذا ما يمكننا استخلاصه مما ورد في اجتماع لهم عام 1893 جاء فيه :
" إن من بين جميع مناهج النضال ضد الحكومة بهدف تحقيق الحرية السياسية، يبدو حاليا أن الإرهاب السياسي هو المنهج الوحيد الذي يقدم لنا الحظ الأوفر بالنجاح .. أننا نقصد بهذا التحديد سلسلة من الاعتداءات على الحكومة تنفذ في المكان والوقت اللذين يراهما الحزب مناسبين، ويدعهما الشعب والمجتمع بمختلف الطرق وذلك يهدف ترويع الحكومة وتثبيط معنوياتها وانتزاع التنازلات التي نريدها.(16)
هذا النوع من الإرهاب السياسي تجدد بعد حوالى قرن من الزمن في أكثر من مجتمع في أوروبا الغربية على يد منظمات سياسية يسارية مثل الألوية الحمراء في إيطاليا17) وجماعة بادر ماينهوف والجيش الأحمر(18) في ألمانيا الغربية، حيث مارست هذه الحركات نفس الأسلوب الإرهابي، بل أيضا مفاهيم فلسفية عن العنف تتقارب مع المفاهيم الفوضوية، وبرز مفكرون وفلاسفة معاصرون أعطوا الشرعية لممارسة العنف كرد على الاستلاب الذي يمارسه المجتمع الاستهلاكي الرأسمالي تجاه الفرد. فهربرت ماركوز وصف نظام المجتمعات الصناعية المتقدمة بالعدو وبرر الاستعانة حتى بالوسائل غير الشرعية إن لم تجد الوسائل الشرعية، كما أن هناك أوجه شبه بينه وبين الفوضويين في رفضه لكل من النظام الرأسمالي وكذلك لدكتاتورية البروليتاريا كما كانت مطبقة اليوم في الاتحاد السوفيتي، وقد اعتبر البعض أن كتابات هربرت ماركوز ساهمت في تأجيج ثورة الشباب في أوروبا ربيع 1968 وفي موجه الإرهاب التي شهدتها ألمانيا الغربية وإيطاليا وغيرها من الدول الأوروبية بعد ذلك التاريخ.وقد شهد العالم خلال السبعينيات تحالفا أمميا بين الحركات الثورية في العالم وهو ما اطلق عليه آنذاك ( أممية الإرهاب ) بحيث قاتل ثوار من أمريكا اللاتينية في أفريقيا واسيا وبالعكس وقام ثوار أوروبيون بعمليات وصفت بالإرهابية دفاعا عن القضية الفلسطينية و حركات التحرر في فيتنام وأفريقيا ، وما زال العالم يذكر الثائر الفنزويلي كارلوس الذي كان يعد أخطر الإرهابيين في العالم ، وقد سلمته أخير السودان لفرنسا وما زال في السجن تحت التحقيق .

لقد أسس الفوضويون واليسار الثوري نمطا جديدا من العنف السياسي أو الإرهاب المتجه من القاعدة إلى القمة، أهم عناصره ما يلي :
1-. هو منهج في النضال متوفر على تبريراته النظرية.
2-. يضع هدفا له الإطاحة بنظام سياسي اجتماعي اقتصادي محدد.
3-. إنه إرهاب يتجه من القاعدة إلى القمة، أي إرهاب الأفراد والمجموعات السياسية ضد الدولة.
4-. يهدف إلى إقامة نظام سياسي جديد.
5-. إنه إرهاب خارج عن القانون وعن الشرعية الرسمية.

ثالثا : النضال من أجل تقرير المصير للشعوب : إرهاب أم كفاح مشروع ؟ :

أكدت الثورتان الفرنسية والأمريكية على الحق في الحرية والمساواة للأفراد، وأصبحت مسألة الاستقلال والحرية للشعوب والأفراد من المبادئ المعترف بها في المواثيق والاتفاقات الموقعة ما بين دول العالم الغربي ودُونت في دساتير دوله، إلا أن تطور المنتظم الدولي وتطور الأفكار السياسية حتما ضرورة خروج هذه المبادئ من إطارها الأوروبي الأمريكي لتأخذ صبغة عالمية، وتمد جذورها في بلدان آسيا وإفريقيا، ولكن تطبيق هذه المبادئ كان يصطدم بغياب الاستقلال الوطني لشعوب هذه القارات بسبب الاستعمار الذي مارسته نفس الدول التي قالت بالحرية والاستقلال وناضلت من أجلهما .
وهكذا بدأت الأصوات تتعالى مطالبة بحق الشعوب في تقرير مصيرها الوطني ،هذا الحق الذي وردت فكرته في المبادئ الأربعة عشر التي أعلنها الرئيس الأمريكي ويلسون إبان الحرب العالمية الأولى، ثم أكدت عليها الأمم المتحدة بتدوينها في مقاصدها فحثت على إنماء العلاقات الودية على أساس احترام "المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها الحق بتقرير مصيرها".(19)
إن ازدواجية الغرب في التعامل مع هذه المبادئ تبدو جلية إذا عرفنا أن أول من نادى بمبدأ حق تقرير المصير وحق الشعوب الخاضعة للاحتلال بمقاومة الاستعمار هو الغرب نفسه عندما قامت القوات النازية باحتلال فرنسا والعديد من دول أوروبا ، آنذاك نهضت دول العالم الحر وعلى رأسها الولايات المتحدة وناصرت الشعوب المحتلة من النازيين بالمال والسلاح ، بل وضعت أراضيها لتكون قواعد لجيش تحرير فرنسا وغيره من حركات مقاومة النازية والفاشية ، ولولا الدعم الذي وجدته شعوب أوروبا من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفييتي لكان مصير أوروبا ومصير العالم اليوم مختلفا.
بعد نهاية الحرب العالمية الثانية أخذت الجمعية العامة على مسئوليتها وضع هذا الحق موضع التنفيذ، من خلال تشجيع الدول غير المتمتعة بالاستقلال على المطالبة بحقوقها، وحث الدول المستعمرة على منح الشعوب الخاضعة لها ،الاستقلال والحرية ومد يد العون لها. وفي قرار للجمعية العامة معنون بـ : "إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة" نصت الفقرتان الأوليتان منه على :
1-. إن إخضاع الشعوب لاستعباد الأجنبي وسيطرته واستغلاله يشكل إنكارا لحقوق الإنسان الأساسية، ويناقض ميثاق الأمم المتحدة، ويهدد قضية السلم والتعاون العالميين.
2-. لجميع الشعوب الحق في تقرير مصيرها، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية مركزها السياسي، وتسعى بحرية إلى تحقيق إنمائها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.(20)
ومن منطلق أن الاستعمار نقيض لحق تقرير المصير، فقد جددت الجمعية العامة التنديد بالاستعمار وبالسياسة الاستعمارية التي تحرم الشعوب من حريتها واستقلالها وتشكل انتهاكا لكرامة الإنسان، كما نددت بكل أشكال احتلال الأراضي بالقوة باعتباره شكلا من أشكال الاستعمار.
ولأن الاستعمار ينتهك الكرامة الإنسانية، ولأن حق تقرير المصير تدعمه الشرعية الدولية ويخدم السلام العالمي، فقد أعطت الجمعية العامة الحق للشعوب باللجوء إلى كل أشكال النضال بما فيها الكفاح المسلح من أجل نيل استقلالها وهذا ما جاء واضحا في البرنامج الصادر عن الجمعية بتاريخ 12/10/1970 والمعنون بـ : "برنامج العمل من أجل التنفيذ التام لإعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة"، حيث اعتبر البرنامج أن الاستعمار بأي شكل من الأشكال يعتبر خرقا لميثاق الأمم المتحدة ولكل المواثيق الدولية، كما اعتبر : " أن للشعوب المستعمرة حقها الأصيل في الكفاح بجميع الوسائل الضرورية التي في متناولها ضد الدول الاستعمارية التي تقمع تطلعاتها إلى الحرية والاستقلال" وحث البرنامج الدول بتقديم "كل مساعدة معنوية ومادية تحتاج إليها في كفاحها لنيل الحرية والاستقلال".
إلا أنه كان لقرار الجمعية العامة الصادر عام 1977، أهمية خاصة حول الموضوع، فهو من جانب اتُخذ بأغلبية ساحقة في الأصوات كما أنه خطا خطوة مهمة بربطه مباشرة بين حق تقرير المصير وشرعية اللجوء للكفاح المسلح، كما أنه ندد بالدول التي تنكر على الشعوب حقها في النضال لنيل الاستقلال. ونظرا لأهمية القرار فإننا نورد هنا أهم فقراته.
"إن الجمعية العامة،
إذ تؤكد من جديد، ما للإعلان العالمي لحق الشعوب في تقرير المصير والسيادة والسلامة الإقليمية وللإسراع في منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة من أهمية بوصفهما شرطين حتميين للتمتع بحقوق الإنسان.
وإذ تستنكر الانتهاكات المستمرة لحقوق الإنسان التي تُرتكب في حق الشعوب التي لا تزال واقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية، والتحكم الأجنبي ،ومواصلة الاحتلال غير الشرعي لناميبيا ، وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرف...
1- تدعو جميع الدول إلى التنفيذ الكامل والأمين لقرارات الأمم المتحدة بشأن ممارسة الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية لحق تقرير المصير.
2- تؤكد من جديد شرعية كفاح الشعوب في سبيل الاستقلال والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والتحرير من السيطرة الاستعمارية والأجنبية ومن التحكم الأجنبي بجميع ما أتيح لهذه الشعوب من وسائل بما في ذلك الكفاح المسلح .
3- تؤكد من جديد ما لشعبي ناميبيا وزمبابوي وللشعب الفلسطيني وسائر الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية والاستعمارية، من حقوق، غير قابلة للتصرف، في تقرير المصير والاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والسيادة، دون أي تدخل خارجي.
4-. تدين بقوة جميع الحكومات التي لا تعترف بحق تقرير المصير والاستقلال لجميع الشعوب التي ما زالت واقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية والتحكم الأجنبي ولا سيما شعوب إفريقيا والشعب الفلسطيني".(21)
يتبين لنا من خلال مقارنة العنف الذي تمارسه الشعوب إعمالا لحقها في تقرير مصيرها، بالعنف الوارد في الحالتين السابقين المشار إليهما- عنف الدولة مع الثورتين الفرنسية والروسية وعنف الجماعات الفوضوية ومثيلاتها -، أن النوع الأول يحظى بالشرعية الدولية ويأتي دفاعا عن النفس، فهو عنف يستهدف إلغاء حالة القهر والتسلط التي تمارسها القوى الاستعمارية ضد الشعوب المستعمرة كما أنه عنف يصب في مصلحة السلام العالمي انطلاقا من كون الاستعمار يتناقض مع السلام العالمي، أو بمعنى آخر أنه عنف أو إرهاب مشروع يأت ردا على إرهاب الدولة الذي تمارسه الدول الاستعمارية من منطلق أن الاستعمار هو إرهاب بل أبشع أشكال الإرهاب ، حيث يشمل بإرهابه كل الشعب ، مهددا استقراره ومهينا كرامته وسالبا حريته .
لقد مارست العديد من الشعوب هذا الضرب من النضال أو الإرهاب المشروع ضد مستعمريها وقاهريها، بل يمكننا القول بأن غالبية الشعوب المستعمَرة والتي نالت استقلالها، لجأت إلى أسلوب الكفاح المسلح ودعمتها في ذلك قوى التحرر العالمي والشعوب المحبة للسلام، مع اختلاف في المضامين الأيديولوجية التي توجه هذا النضال. ولأن سياسة التحرر من الاستعمار كانت دائما توجه ضد الدول الرأسمالية ومصالحها، فإن هذه الحقيقة كانت وراء المواقف المتحفظة التي وقفتها وتقفها الدول الغربية والولايات المتحدة في مواجهة حركات التحرر العالمية وأخرها حركة التحرر الفلسطينية.
لقد أعطى العنف المتضمن في الكفاح المسلح مضامين أبعد من المضامين ذات البعد العسكري المحض، فهذا (فرانز فانون) يعتبر "أن محو الاستعمار لهو خالق رجال جدد، حقا أن المستعمر يصبح إنسانا بمقدار ما يحدث من عمل لتحرير ذاته … لقد أدرك المستعمر منذ ولادته إدراكا واضحا أن هذا العالم المضيق المزروع بأنواع المنع لا يمكن تبديله إلا بالعنف المطلق".(22)
بل إن (فانون ) ذلك الملون القادم من جزر المارتنيك للقتال إلى جانب الشعب الجزائري ضد الفرنسيين، لا يتصور أن ينال شعب من الشعوب استقلاله، أو أن تتحد أمة من الأمم دون اللجوء إلى العنف الذي يرفع القانون من قيمته إلى درجة التقديس، ذلك أن "محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائما" 23)
يمكننا استخلاص بعض المضامين المميزة للعنف المصاحب للكفاح المسلح تطبيقا لحق الشعوب في تقرير مصيرها.
1-. إنه عنف جماهيري، فهو عنف أغلبية الشعب أو يحض برضى الأغلبية.
2-. إنه عنف موجه ضد قوى مستعمرة أو نظام يفتقر للشرعية.
3-. هدف العنف إجبار المستعمر على منح الشعب حقه في تقرير مصيره.
4-. هذا العنف مدعم بالشرعية الدولية ويخدم السلام العالمي.
5-. لا يمكن القول بأن هذا النوع من العنف يشكل عدوانا ضد أحد، فهو بمثابة الدفاع عن النفس، فهو عنف في مواجهة عنف أكبر.
6- نظرا لأن المستعمر (بكسر الميم)، لا يقتصر تواجده على الأرض المستعمَرة بل إن سيادته تشمل أماكن أخرى، فإن الحق في اللجوء للكفاح المسلح يمتد إلى حيث يوجد المستعمر.
7- نظرا لأن القوى المستعمرة تتفوق عسكريا على الشعب الخاضع للاحتلال ،مما يجعل قدرة حركات التحرر على مقارعته بنفس أدواته القتالية – طائرات ودبابات وصواريخ – فمن الطبيعي والمشروع أن تلجا حركات التحرر إلى الوسائل القتالية المتاحة وخصوصا العمليات الاستشهادية وضرب العدو في نقاط ضعفه.

الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب واصطدامها بمأزق التعريف
كما سبقت الإشارة ، وحيث أن غالبية الأعمال الإرهابية كانت تستهدف مصالح أمريكية وغربية وإسرائيلية ، فقد أخذت الولايات المتحدة على عاتقها مسؤولية تحريض المنتظم الدولي ضد الإرهاب والدول التي تتهم بدعمه ، وفي هذا السياق لم تخف أمريكا موقفها من اعتبار كل من هو ضد السياسة الأمريكية يعتبر إرهابيا أو داعما للإرهاب ، وهكذا صنفت الولايات المتحدة كل من ليبيا وسوريا والسودان والعراق وإيران وكوبا ، كدول داعمة للإرهاب ، ومما هو معروف أن هذه الدول تنهج سياسة معادية للهيمنة الأمريكية .
وحيث أن الولايات المتحدة ، إلى ما قبل انهيار المعسكر الاشتراكى ، كانت عاجزة عن حشد تأييد دولى لسياستها ضد الإرهاب ، نظرا لقوة تواجد دول المعسكر الاشتراكى ودول عدم الانحياز في مؤسسات الأمم المتحدة وخصوصا الجمعية العامة ، فقد لجأت إلى عقد عديد من الاتفاقات الثنائية والإقليمية لمحاربة الإرهاب ، بالإضافة إلى الجهود المبذولة محليا في هذا الشأن .ولم تبدأ الجهود الأمريكية تأتي أكلها في هذا الشأن إلا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتراجع قوة تأثير دول عدم الانحياز دوليا وخصوصا في الجمعية العامة للأمم المتحدة .وقد لعبت ديناميكية الانفراج السياسي في منطقة الشرق الأوسط المصاحبة لما سُمي بمسلسل السلام الذي دشنه مؤتمر مدريد ، ثم توقيع اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1994 ، الأثر الكبير في إحياء الجهود لمحاربة ظاهرة الإرهاب ، حيث ساد الاعتقاد – أو هذا ما كانت ترمي إليه الولايات المتحدة -أن حل مشكلة الشرق الأوسط سيسقط الشرعية عن كثير من الجماعات الممارسة للإرهاب في الشرق الأوسط .
وهكذا تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والأربعين سنة 1994 ، قرارا بموجبه ستتخذ مجموعة من الإجراءات التي تستهدف القضاء على الإرهاب الدولي ، وقد تميز هذا القرار عن سابقيه من قرارات الجمعية العامة بأنه أقترب بعض الشيء من الموقف الأمريكي والغربي الذي يدين الإرهاب بالمطلق دون تعريف دقيق له أو البحث عن دوافعه ، وهكذا نص القرار على إدانة كل الأعمال والممارسات الإرهابية أينما كانت وكيفما كان الفاعلون ، لا سيما الذين يساهمون في إثارة الشبهات حول علاقات الصداقة بين الدول والشعوب ، ويهددون الوحدة الترابية وأمن الدول ، وأضاف القرار بأن الأعمال الإجرامية التي لها أهداف سياسية وتساهم في إثارة الرعب لدى العامة أو لدى مجموعة من الأشخاص تعتبر غير مبررة في كل الأحوال ، ومهما كانت دوافعها : سياسية أو فلسفية أو أيديولوجية أو دينية .
وفي 15 من ديسمبر 1997 صدر عن الجمعية العامة القرار رقم 52 /164 بشأن الاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل . وفي الدورة الثالثة والخمسين للجمعية العامة في أغسطس 1998 ، تم الإعلان عن اتخاذ التدابير الرامية إلى القضاء على الإرهاب الدولي ، وكلفت الجمعية الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أن يتخذ ، في حدود الموارد الموجودة ، مجموعة من التدابير العملية لتعزيز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب ، ومن بينها :
1) جمع البيانات عن الاتفاقات المتعددة الأطراف والإقليمية والثنائية المتصلة بالإرهاب الدولي ، وعن تنفيذها بما في ذلك المعلومات عن الحوادث التي يسببها الإرهاب الدولي .
2) إجراء استعراض تحليلي للصكوك القانونية القائمة ذات الصلة بالإرهاب الدولي ، بغية مساعدة الدول في تحديد جوانب هذه المسألة التي لا تشملها هذه الصكوك .
3) استعراض الإمكانيات القائمة ضمن منظومة الأمم المتحدة من أجل مساعدة الدول في تنظيم حلقات ودورات تدريبية حول مكافحة الجرائم المتعلقة بالإرهاب الدولي .
وفي التقرير السنوي الصادر عن منظمة الأمم المتحدة عام 1998، أكد كوفي عنان الأمين العام للمنظمة، أن الأمم المتحدة اعتمدت اثنتي عشرة معاهدة متعددة الأطراف خاصة بمكافحة الإرهاب، وأنها أنشأت في عام 1997 لجنة خاصة لصياغة اتفاقية دولية جديدة لحظر التفجيرات الإرهابية وحظر أعمال الإرهاب النووي، وأن اللجنة تعمل على وضع إطار قانوني شامل لمواجهة الإرهاب الدولي.24
أما في إطار مجلس الأمن، فقد تزايد الاهتمام الذي يوليه مجلس الأمن لموضوع الإرهاب وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهيمنة الولايات المتحدة على مجريات عملية اتخاذ القرار الدولي، كما يلاحظ أن تحرك مجلس الأمن كان غالبا يحدث بطلب أمريكي وبعد حدوث اعتداءات مسلحة على مؤسسات أمريكية أو أوروبية أو إسرائيلية. وإن كانت قرارات وتوصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة تتسم بالعمومية والتوازن فأن قرارات مجلس الأمن تتسم بالصرامة وتكون مقرونة بآليات لتنفيذها تُسند غالبا للولايات المتحدة.
إذن تجدد الاهتمام بموضوع الإرهاب مباشرة بعد انطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط ونهاية حرب الخليج الثانية رسميا، وهما الحدثان اللذان جوبها بمعارضات قوية من قوى عربية وإسلامية متشككة بنوايا الولايات المتحدة، واستباقا لأية عمليات إرهابية تعارض السياسة الأمريكية في المنطقة أو تعارض الترتيبات التي تقيمها الولايات المتحدة لاستقرار العالم في إطار تصورها للنظام الدولي الجديد، تمت دعوة مجلس الأمن في اجتماع قمة يوم 31 يناير 1992 لبحث موضوع الإرهاب، حيث أعرب المجتمعون عن بالغ قلقهم إزاء أفعال الإرهاب الدولي وتأكيدهم على ضرورة قيام المجتمع الدولي على نحو فعال بمعالجة كافة هذه الأفعال.
وعلى أثر الهجوم المسلح الذي حدث في بوينس آيريس يوم 18يوليه 1994، والهجومين المسلحين اللذين ارتكبا في لندن يومي 26 و 27 من نفس الشهر، انعقد مجلس الأمن يوم التاسع والعشرين من نفس الشهر وأصدر بيان رئاسي أدان فيه هذه الأعمال و " يطالب أعضاء المجلس بوضع حد لجميع هذه الهجمات الإرهابية فورا. ويشددوا على الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل اتخاذ تدابير تامة وفعالة لمنع كافة أشكال الإرهاب ومكافحتها والقضاء عليها، فهي تمس المجتمع الدولي ككل ".
عاد مجلس الأمن مرة ثانية لمعالجة الموضوع على إثر تفجير مقري السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام يوم السابع من أغسطس عام 1998، حيث انعقد في جلسة يوم 12 من نفس الشهر وناقش الموضوع تحت بند ( التهديدات للسلم والأمن التي تسببها أعمال الإرهاب الدولي )، وكان القرار شديدا في تأكيده على إدانة أعمال الإرهاب الدولي بكل مظاهرها وأشكالها، مؤكدا " على انه من واجب كل دولة عضو أن تمتنع عن تنظيم أي أعمال إرهابية في دولة أخرى أو التحريض عليها أو المساعدة أو المشاركة فيها أو قبول أنشطة منظمة في أراضيها بهدف ارتكاب تلك الأعمال ".
وكانت ذروة الاهتمام بالإرهاب وصيرورته محل اهتمام جميع دول العالم بدون استثناء، على إثر تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001، ففي اليوم الموالي للتفجيرات أنعقد مجلس الأمن لمناقشة الموضوع، وبإجماع جميع دول المجلس وتأييد جميع دول العالم تقريبا، تبنى المجلس قرارين صارمين أدان فيهما الإرهاب بكل أنواعه وصوره، ليس هذا فحسب، بل طالب جميع دول العالم بالتحالف مع الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب، ويوم الثامن والعشرين من نفس الشهر صدر قرار جديد عن مجلس الأمن يسير في نفس الاتجاه.
المستجد والخطير أيضا في الموضوع، أن المجلس ترك للولايات المتحدة حرية تحديد الجهات الإرهابية وطريقة الرد عليها بالشكل الذي تراه مناسبا. وقد انتهزت الولايات المتحدة هذه الفرصة التي أتاحها لها مجلس الأمن لتصفي حساباتها ليس فقط مع المسؤولين عن تفجيرات واشنطن ونيويورك – مع أن هؤلاء ما زالوا غير معروفين تماما والرواية الوحيدة المحددة لهويتهم هي الرواية الأمريكية - بل مع كل من يعارض السياسة الأمريكية في العالم، أو بشكل أخر أن الولايات المتحدة الأمريكية وظفت قرارات مجلس الأمن لتعيد بناء النظام الدولي بما يعزز هيمنتها الكونية.
وهكذا لاحظنا كيف أن الولايات المتحدة الأمريكية، بداية عن كون حملة مكافحة الإرهاب تستهدف تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن وحركة طالبان الحاكمة في أفغانستان، ثم توالت قوائم المستهدفين في الحملة إن عاجلا أو آجلا، فاليوم تعتدي على العراق وربما غدا على السودان و اليمن وليبيا، وصدرت قوائم تضم أسماء العشرات من الجمعيات والمنظمات والأشخاص المتهمين بالإرهاب أو مساندة العمليات الإرهابية، شملت أخيرا حزب الله اللبناني وفي فلسطين، حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، ولا نستبعد بعد أيام أن نجد أسماء جديدة حتى من تنظيمات المجتمع المدني وكل من يناضل من أجل تحرير فلسطين أو من اجل الحرية والاستقلال في العالم العربي.ولم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة الأمريكية، بل تبعتها دول الاتحاد الأوروبي، فرغم أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك أعلن أثناء زيارته للبنان في نهاية نوفمبر 2001 أن قوائم المتهمين بالإرهاب التي تصدرها الخارجية الأمريكية أو الرئاسة الأمريكية ليست ملزمة دوليا ولا تعد جزء من القرارات الدولية، بالرغم من ذلك كان الاجتماع الوزاري للاتحاد الأوروبي واضحا في اعتبار حركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين حركات إرهابية ومطالبا السلطة الفلسطينية بالقضاء عليهم.
























الفصل الثاني
مشروعية الكفاح المسلح / الجهاد الفلسطيني كرد على إرهاب الاحتلال


من المعلوم أن استراتيجية الكفاح المسلح شكلت القاسم المشترك لكل الفصائل الفلسطينية ما قبل تغلغل الفكر التسووي منذ مؤتمر مدريد 1991 ، فإذا كانت القضايا المجتمعية والقضايا الفكرية والسياسية قد ولدت انقسامات وتباينات في وجهات النظر بين التيارات الفلسطينية، فإن هذه التباينات قد تقلصت إلى أقصى حد فيما يتعلق باستراتيجية الكفاح المسلح و حرب التحرير الشعبية بل كانت الفصائل تتنافس مع بعضها أيهما أكثر ممارسة للكفاح المسلح ، وهذا راجع في جانب إلى اعتراف الجميع بفشل الاستراتيجية الرسمية العربية في معالجة القضية الفلسطينية، والقائمة على أساس الحرب النظامية الخاطفة المرتبطة بدورها بالوحدة العربية أو وحدة الجيوش، ومن جانب آخر يرجع إلى وحدة المصدر الذي استقى منه الفلسطينيون آنذاك- أي قبل ظهور حماس والجهاد الإسلامي اللتان تعتمدان على مرجعية مغايرة وهي المرجعية الدينية - مفاهيمهم حول حرب الشعب، وهي تجارب الشعوب الثورية وكتابات قادة الثورات لتجاربهم وتصوراتهم لهذه الحرب، بالإضافة إلى أن الكفاح المسلح وجد استحسانا عند الجماهير في وقت كانت فيه سياسة تصفية الاستعمار وتعدد حركات التحرر من سمات المرحلة .
ومرة أخرى وبعد التعثر الذي أصاب الحركة الثورية العربية بما فيها حركة المقاومة الفلسطينية ، أنبثق فكر مقاوم جديد يعتمد أسلو ب الكفاح المسلح ولكن على أسس مرجعية مغايرة ، ونقصد بذلك حركة المقاومة الإسلامية – حماس - و الجهاد الإسلامي ، هذه الحركات التي أنبثقت في مرحلة الثمانينيات حيث عرف العالم العربي حالة من اليأس والإحباط ، وأعتقد كثيرون أن هذه الحالة ستؤثر سلبا على النضال الفلسطيني ، فكانت المقاومة الإسلامية ورفعها راية الجهاد رسالة إلى العالم أن فلسطين أكبر من الأيديلوجيات والأحزاب ، وأنه ما دام هناك إحتلال وشعب يرفض الإحتلال فالمقاومة ستستمر ، وقد تمكنت الجماعات الفلسطينية الإسلامية والجبهة الشعبية و كتائب الأقصى التابعة لتنظيم فتح أن يحيوا مجددا استراتيجية الكفاح المسلح ، ولكن في زمن مغاير وفي ظل تحولات دولية صعبة – وسنرجع للموضوع لاحقا- .
لم تكن الطريق سالكة أمام الكفاح المسلح الفلسطيني في بداية انطلاقته، فقبل حرب يونيو 1967، اتسم هذا النشاط بالضعف وبانعزاله عن الجماهير، ذلك أن هذه الأخيرة كانت تراهن على الجيوش النظامية وعلى الحركة القومية التي لم يثبت فشلها عمليا بعد، إلا أن هزيمة الجيوش العربية في الحرب افشل مراهنة الجماهير العربية وخصوصا الفلسطينية على هذه الجيوش، ورفع من رصيد العمل الفدائي ولفت الانتباه إلى إستراتيجية الكفاح المسلح والعمل الفدائي الفلسطيني الذي بقيت بنادقه بالرغم من تواضع تأثيرها، مشرعة في ظل انكفاء المدافع العربية .
لقد ولدت هزيمة يونيو العربية ثقة لدى الجماهير الفلسطينية بذاتها وبقدرتها على الفعل ودفعت بها لاحتضان حركة المقاومة الوليدة، وعلى حد قول شاليان ( فإن المنتصرين في حرب يونيو هما (إسرائيل وحركة المقاومة الفلسطينية) .وجاءت معركة "الكرامة" في مارس 68 لتزيد من بريق الكفاح المسلح الفلسطيني، ولثبت انه إذا توفرت إرادة القتال عند الجماهير فبإمكانها أن تصمد بل وان تنتصر في معركة على عدو يفوقها عددا وعدة.
تضافرت عدة عوامل لتدفع باستراتيجية الكفاح المسلح إلى الأمام ،ولتسلط الأضواء على حركة المقاومة الفلسطينية، إلا أنه في داخل هذا الصعود والتألق، كمن الخطر على المقاومة أيضا، ذلك أن الدعاية الكبيرة التي صاحبت صعود حركة المقاومة لم تكن تماما بفعل ضخامة قدرتها القتالية، أو تهديدها للوجود الصهيوني، بقدر ما كانت نتيجة الفراغ الذي تركته هزيمة يونيو وسقوط هيبة عبد الناصر والحركة القومية العربية بفعل ذلك، وما أصاب حركات التحرر العربية من شلل بفعل ذلك، الأمر الذي جعل أي عمل عنيف في ظل هذه الأجواء يثير انتباه الجماهير ويعوضها معنويا عما أصابها في يونيو، ويترك أصداء واسعة . فما هو مفهوم الكفاح المسلح فكرا وما هي إمكاناته ميدانيا في حاله كالحالة الفلسطينية قبل أن يتم التخلى عنه لاحقا كثمن للدخول في لعبة التسوية السياسية .

أولا :مفهوم الكفاح المسلح وحرب الشعب في المواثيق الفلسطينية الأولى .
كانت الاستراتيجية الفلسطينية قبل وصول منظمات الكفاح المسلح إلى مركز القيادة في منظمة التحرير الفلسطينية – 1968 -تعتمد كليا على الاستراتيجية العربية لتحرير فلسطين. وقد تأثر والتزم واضعو الميثاق القومي الفلسطيني بهذه الحقيقة، وهو الأمر الذي انعكس على بنود الميثاق التي لم تتطرق إلى وجود استراتيجية كفاحية فلسطينية مستقلة، ومع أن المادة الرابعة عشرة من الميثاق نصت على (أن تحرير فلسطين من ناحية عربية هو واجب قومي تقع مسئوليته كاملة على الأمة العربية بأسرها حكومات وشعوبا وفي طليعتها الشعب العربي الفلسطيني)، إلا أن مفهوم طليعية الشعب الفلسطيني ودوره العسكري لم يتعد (تشكيل وحدات فلسطينية وفق الحاجات العسكرية والخطة التي تقررها القيادة العربية الموحدة بالاتفاق وبالتعاون مع الدول العربية).
لم يكن هذا الإلحاق للقضية الفلسطينية بالسياسة الرسمية العربية يعني فقط أن فكرة الكفاح المسلح الفلسطيني المستقل لم تكن قد نضجت عند مؤسسي م.ت.ف،بل كانت تعني أيضا انه غير مسموح للفلسطينيين بان ينفردوا بقضية تعتبر قضية قومية مصيرية . كانت قضايا الإعداد العسكري الفلسطيني وإنشاء جيش تحرير تدخل في إطار تهيئة الظروف الفلسطينية لحين الإعلان العربي عن خطة القتال ومباشرته، وقد أصدرت اللجنة التنفيذية للمنظمة بيانا يوم 13 ــ 12 ــ 1965 أكدت فيه ارتباط المنظمة بالاستراتيجية العربية حيث جاء :(تحرص م.ت.ف في تنفيذ خطها وخاصة ما يتعلق بالمراحل الزمنية، أن يكون الكفاح لتحرير فلسطين متفقا مع الخطة العربية المنبثقة عن مؤتمري القمة في القاهرة والإسكندرية، ذلك لأن التوقيت الصحيح هو عنصر من أهم عناصر النصر). وقد أعاد أحمد الشقيري بعد شهور قليلة تأكيد نفس الموقف، وذلك في إطار حديثة عن أعمال(فتح) الفدائية وما يمكن أن تنتجه من مشاكل للدول العربية، وقد عبر عن معارضته لهذه الأعمال بصورة غير مباشرة عندما قال (لا نريد أن نقاتل للقتال ولكن نريد أن نقاتل للنصر، ونحن نحدد وقت المعركة بالتعاون مع الدول العربية) (25).إلا أن تيار الكفاح المسلح كان جارفا، وعمليات (فتح) تثير أصداء إيجابية بين الجماهير الفلسطينية، التي تساءلت إن لم يكن هدف م.ت.ف بدء القتال مع العدو فما هو مبرر وجودها؟. كل هذا شكل قوة ضاغطة على م.ت.ف لتخطو خطوة إلى الأمام في طريق الكفاح المسلح، إلا أنها خطوة خجولة مترددة.
في الدورة الثالثة للمجلس الوطني الفلسطيني، وضمن المقررات السياسية، دعا المجلس إلى ضرورة بدء القتال مع العدو وانتقد التأجيل غير المبرر للمعركة، حيث أكد المجلس على:
1- إن المعركة يجب أن تخاض حتما على اعتبار أنها المعركة الحاسمة في تقرير المصير العربي كله.
2- إن الوقت حان للانتقال من مرحلة الاستعداد إلى مرحلة التهيئة الفعلية النهائية ضمن الاستراتيجية العربية الثورية.
3- إن واجب إشعال المعركة يقع على عاتق القوى الثورية العربية التي يتوجب عليها أن ترفع راية المعركة وتتكتل فورا حولها، وتستقطب جماهير الأمة العربية كلها لهذا الكفاح التاريخي.
4- إن الإحجام عن خوض المعركة مرادف لخسارتها) .(26)
يلاحظ من خلال القرار السابق أن م.ت.ف. شعرت بأهمية مباشرة القتال مع العدو إلا أنها أعطت هذه المهمة للقوى الثورية العربية، فهذه القوى هي التي يقع على عاتقها واجب إشعال المعركة وليس الشعب الفلسطيني هو المسؤول الوحيد عن هذه المهمة، وهي بهذا تُعبر عن رفضها لأخذ (فتح) على عاتقها مهمة الاشتباك مع العدو. ولكن الإيجابي في خطوة المجلس السابقة هو لفت الانتباه بأن الزمن لا يعمل لصالح العرب والفلسطينيين، وإدخال عامل الزمن كان مبررا أساسيا عند البدء بالاشتباك مع العدو. ومن هنا ربطت المنظمة بين الإحجام عن خوض المعركة وبين خسارتها. ويبدو أنه كان من الضروري أن تقع هزيمة يونيو ويظهر العجز العربي حتى تخطو المنظمة خطوات اكثر جرأة نحو تبني استراتيجية الكفاح المسلح ولتتحمل هي مسؤولية الاشتباك مع العدو.
لعبت هزيمة يونيو 1967، ومعركة (الكرامة) مارس 1968، دورا في تعزيز مكانة الكفاح المسلح والالتفاف الجماهيري حوله وخصوصا حول حركة (فتح) التي رفعت راية الكفاح المسلح قبل غيرها، مما شجع (فتح) على ولوج المنظمة مشترطة تغيير الميثاق القومي بما يتناسب مع الوضع الجديد وخصوصا ان يقر الميثاق انتهاج استراتيجية الكفاح المسلح وحرب الشعب وهو الأمر الذي حدث في الدورة الرابعة للمجلس الوطني - القاهرة 10/7/1968-17/7/1968.
ففي تلك الدورة سيطر أنصار الكفاح المسلح على غالبية مقاعد المجلس الوطني، وكانت أفكار الكفاح المسلح وحرب الشعب رائجة ومسيطرة على أجواء المجلس وبارزة في قراراته، فبعد أن حدد المجلس أن هدف النضال الفلسطيني هو تحرير كامل التراب الفلسطيني، وضح بأن الأسلوب المؤدي لهذا الهدف هو الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية ، ولأن بنود الميثاق القومي كانت قاصرة عن استيعاب هذا التطور فقد دفعت فتح وأنصارها باتجاه تغيير بنود الميثاق وحتى اسمه، فسمي الميثاق الجديد (الميثاق الوطني الفلسطيني)، و فيه تم التأكيد على استراتيجية الكفاح المسلح،حيث نصت المادة التاسعة منه على أن (الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين، وهو بذلك استراتيجية وليس تكتيكا ويؤكد الشعب العربي الفلسطيني تصميمه المطلق وعزمه الثابت على الثورة الشعبية المسلحة لتحرير وطنه والعودة له وعن حقه في الحياة الطبيعية فيه وممارسة حق تقرير مصيره فيه والسيادة عليه) .
وميز الميثاق الوطني الفلسطيني ما بين العمل الفدائي بصورته القائمة آنذاك وبين حرب التحرير الشعبية، فالمادة العاشرة منه وضحت أن (العمل الفدائي يشكل نواة حرب التحرير الشعبية الفلسطينية، وهذا يقتضي تصعيده وشموله وحمايته وتعبئه كافة الطاقات الجماهيرية والعملية الفلسطينية وتنظيمها و إشراكها في الثورة الفلسطينية المسلحة، وتحقيق التلاحم النضالي الوطني بين مختلف فئات الشعب الفلسطيني وبينها وبين الجماهير العربية ضمانا لاستمرار الثورة وتصاعدها وانتصارها' وبينت المادة الثلاثون أن (المقاتلون وحملة السلاح في معركة التحرير هم نواة الجيش الشعبي الذي سيكون الدرع الواقي لمكتسبات الشعب الفلسطيني).
وهكذا اخترقت استراتيجية الكفاح المسلح وحرب الشعب الحصار المفروض عليها، و أصبحت جزءا من الاستراتيجية الفلسطينية، بل محور هذه الاستراتيجية .

ثانيا : مبررات انتهاج استراتيجية الكفاح المسلح وحرب الشعب .
1 ـ المبررات و الاعتبارات المجتمعية .
من المعلوم أن الكفاح المسلح كشكل من أشكال العنف لا يقتصر تأثيره على الجانب العسكري، ولا تُقاس أهميته بمدى الانتصارات التي حققها، ذلك أنه إذا كان مقياس نجاح أو فشل أي ثورة أو عمل مسلح يعتمد على مدى تحقيقها لأهدافها على المدى البعيد، فإنه على المدى القصير يكون للاعتبارات المجتمعية دور في تحديد مدى نجاح وفاعلية الكفاح المسلح، فللكفاح المسلح وظيفة مجتمعية مباشرة،ذلك أن العنف الثوري يحول الشعب من حالة سلبية إلى حالة إيجابية متفاعلة مع الثورة، فوجود الثورة وممارسة العنف الثوري وما تتطلبه من أقصى درجات التذرر الاجتماعي وخلق قيم ومفاهيم جديدة، تدفع إلى خلق الإنسان الثائر بشكل جديد، فهي بمثابة الولادة الجديدة للمجتمع الثائر.
لقد شغلت ظاهرة الوظيفة المجتمعية للصراع بصورة عامة، اهتمام العلماء والمتخصصين لما لمسوه من آثار إيجابية تظهر عندما تمر أمة من الأمم بحالة صراع عنيف مع عدو خارجي، ويلخص عالم الاجتماع الألماني (جورج زيمبل) الوظيفة الاجتماعية للصراع بخمس وظائف:(27)
1 - إن درجة معينة من التوتر والصراع بين جماعة (أو مجتمع) مع عدو خارجي يؤدي إلى زيادة تماسك الجماعة، وتعزيز وجودها، ذلك أن شعورها بخطر قومي يدفع تلقائيا لتأكيد الذات في مواجهته.
2 - إن الصراع يعمق هوية الجماعة في داخل أفرادها ويجدد نشاطها ويعمق هويتها وتصبح الحدود واضحة بين الأمة وعدوها، (نحن أو هم).
3 - يدفع الصراع مع عدو قومي إلى رأب الصدع بين أفراد الجماعة، بحيث تزول الخلافات بين بعضهم البعض أو يجمدون هذه الخلافات لمواجهة العدو الخارجي، وهذا الأمر يُطهر أفراد الجماعة ويخفف من التوترات الحادثة بين بعضهم البعض.
4 - يؤدي الصراع وظيفة تزويد المجتمع وأفراده بصمامات أمن ينفسون من خلالها عن الضغوطات النفسية والعصبية التي تتولد نتيجة تراكم المشكلات الاجتماعية والاقتصادية.
5 - أما الوظيفة الخامسة للصراع فتأتي من كونه وسيلة للحشد والتعبئة والانضباط.
ولو نُظر إلى تأثير الكفاح المسلح كعمل عنيف ثوري على الشعب الفلسطيني لوجدنا أن الوظائف السالفة الذكر للصراع موجودة بشكل أو بأخر في واقع الشعب الفلسطيني في ظل الثورة، بل كانت الهدف الأساسي للثورة في تلك المرحلة ، ففي ظل الثورة، تحول الفلسطينيون من جموع للاجئين يقفون أمام وكالات الغوث ينتظرون العون والمساعدة إلى شعب ثائر مقاتل، تحولوا من أناس سلبيين لا يشاركون في صنع الحدث بل متفرجين على الأحداث إلى فاعلين للحدث ومؤثرين على تطور الأحداث ومبادرين طليعيين في الحركة النضالية العربية. وحولت الثورة من خلال صراعها الحامي مع العدو المسألة الفلسطينية المهملة في أدراج الأمم المتحدة والمحافل الدولية، إلى القضية الأولى في المنطقة، إلى قضية شعب ثائر وحركة تحرر وطني، وأصبح الفلسطينيون يقولون نحن في الميادين، بعد أن كانت كلمة فلسطيني لعنة ونقمة على من يتلفظ بها.
نعم ، كان تأثير الصراع والثورة النفسية والاجتماعية على الشعب الفلسطيني أكبر وأعظم وأكثر أهمية من تأثير العمل العسكري الفلسطيني على العدو الصهيوني، فهذا العمل بقى تأثيره محدودا على العدو المتفوق والقادر على تعويض وامتصاص أي ضربات توجهها إليه الثورة، دون أن يتخلخل بنيانه أو يُهَدد وجوده، أما تأثيرها على الشعب الفلسطيني وقضيته فأنها (قد أعادت الطمأنينة إلى النفوس المنكوبة وهدهدت حدة الآلام التي يرزح شعبنا تحت وطأتها فامتلأت نفوس شعبنا بالثقة بقدرته على تحرير وطنه من الغزاة الصهاينة).(28)
كانت( فتح) عند انطلاقتها مدركة لأهمية العنف الثوري بالنسبة للشعوب الرازحة تحت نير الاستعمار، وكون العمل العنيف ـ الكفاح المسلح ـ يصبح حتمية تتطلبها وتفرضها الظروف التي تمر بها القضية الفلسطينية، فالكفاح المسلح ليس اختيارا ذاتيا بل هو ضرورة ملحة يفرضها الواقع، ذلك (أن الرصاصة في ظروف تاريخية معينة نعني ظروف التحرير هي التي تفعل وتقرر وتقوض الظلم وتبني الأوطان)(29). ومن هنا كان تأثر "فتح" بفلسفة "فانون" حول العنف، حيث يلاحظ أن كثيرا من المفاهيم التي طرحتها "فتح" حول العنف الثوري كانت متأثرة بكتابات "فانون" (ومن المثير للانتباه أن نلاحظ هنا أن الإبداعية الإنسانية الشمولية في عنف فانون المحرر قد أصبحت النغمة الغالبة في خطابات الثورة الفلسطينية).(30)
اعتبر فانون أن العنف هو الوسيلة الوحيدة للتحرر من الاستعمار ـ فتح في بداية انطلاقتها أعلنت أن الكفاح المسلح هو الطريق الوحيد لتحرير فلسطين ـ حيث يقول : (سواء أقلنا تحريرا وطنيا أم نهضة قومية أم انبعاثا شعبيا أم اتحادا بين الشعوب، وكيفما كانت العناوين المستعملة والمصطلحات الجديدة، فإن محو الاستعمار إنما هو حدث عنيف دائما). ويتحدث فانون عن الأثر الذي يتركه العنف الثوري على الشعب الثائر فيؤكد على أن (محو الاستعمار لهو خالق رجال جدد حقا. إن المستَعمَر الشيء يصبح إنسانا بمقدار ما يحقق من عمل لتحرير ذاته.. لقد أدرك المستعمَر منذ ولادته إدراكا واضحا أن هذا العالم المضيق المزروع بأنواع المنع لا يمكن تبديله إلا بالعنف المطلق)(31). وتصيغ (فتح) هذا التصور، لحتمية العنف كرد فعل على الاضطهاد الواقع على الشعب الفلسطيني، من خلال قول خالد الحسن (إن استمرار قيام مشكلة اللاجئين بدون عودتهم إلى وطنهم واستمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين لا يمكن إلا وأن يخلق حالة حادة من الألم التي لا يمكن إلا وأن تدفع، كنتيجة طبيعية وحتمية، إلى العنف والتنظيم والنضال حتى يستعيدوا حقوقهم)(32).
ويتحدث فانون عن الأثر الذي يتركه العنف على وحدة الجماهير وتماسكها، وكيف (أن كل واحد منهم، يصبح حلقة عنيفة في السلسلة الكبرى في الجسم الكبير العنيف الذي انبجس ردا على عنف الاستعمار، فإذا الفئات المختلفة تكون منذ الآن غير منقسمة. أن الكفاح المسلح يعبئ الشعب أي يقذفه في اتجاه واحد وليس له ثان)(33). أما (فتح) التي أولت اهتماما خاصا بجمع شمل الفلسطينيين اجتماعيا وسياسيا والحيلولة دون ذوبانهم في مجتمعات أخرى، فقد اعتبرت أن الكفاح المسلح كفيل بوضع حد لحالة التشرذم التي يعيشها الفلسطينيون: (كان الكفاح المسلح وسيلة لجذب الفلسطينيين نحو الحركة الفلسطينية و إبعادهم عن المنظمات الأخرى، فلم تكن فتح قادرة على منافسة المنظمات الأخرى أيديولوجيا، وكانت دعوة الكفاح المسلح وحدها كفيلة بإبعادهم عن هذه الأحزاب وخصوصا أنهم ملوا الوعود الفارغة لهذه الأحزاب) .(34)
لم تقتصر رؤية حركة فتح للدور التوحيدي للكفاح المسلح على الشعب الفلسطيني فحسب، بل اعتبرته مؤثرا حتى على مستوى الأمة العربية، فهي ترى في حرب التحرير الحل الكفيل بوضع حد للشرذمة والانقسام والتناقضات المؤلمة القائمة في الوطن العربي، فالمعركة كفيلة في المدى البعيد ومن خلال تفاعل الجماهير العربية معها، أن تصهر هذه الجماهير في بوتقة واحدة، وتوحدهم حول هدف التحرير ، فالمعركة ستكون رهيبة ومدمرة ومعها ستذوب كل الخلافات وتتلاشى التناقضات عند الشعب العربي ( ومن هنا كانت العملية الكيماوية ذات الحرارة العالية ونعني حرب التحرير وهي وحدها الكفيلة بتوحيد الأمة و إذابة الشقوق والصداع في بنيانها، وهذا الحل ليس غريبا عن منطق التاريخ فحروب التحرير كانت دائما عامل توحيد، وخلقا جديدا للأمم المجزأة أو التي تعاني من التناقض والفوضى الداخلية) 35).
بالإضافة إلى الاعتبارات الاجتماعية السابقة ، أبرزت فتح الأهمية الكامنة في الكفاح المسلح كوسيلة لبلورة الشخصية الفلسطينية وتأكيد وجودها على المسرح العالمي كوسيلة لوقف محاولات الطمس والتغييب التي مورست على القضية كقضية شعب يريد الاستقلال لا قضية لاجئين ،وعليه فالعنف المتضمن في الكفاح المسلح يسعى (إلى إخراج عمل صارخ مذهل يصعق مخيلة الإسرائيليين الذين كنا نريد أن نبلغهم وندلل لهم على وجودنا كفلسطينيين يسعون إلى تدعيم إرادة الصراع بصورة مستقلة استقلالا ذاتيا عن الأنظمة العربية التي قذفنا في وجهها هذا التحدي، وأخيرا تدعيمها أمام الرأي العام العالمي الذي كان يجهل أو يتجاهل قدر ومصير شعبنا).(36)
كما أعطت الثورة الفلسطينية أهمية للكفاح المسلح الفلسطيني كعامل إثارة وتحريض تعبئ من خلاله الطاقات الثورية للأمة العربية، فتأثيره لن يتوقف على الشعب الفلسطيني ولكنه مرشح لان يتسع وتصل أصداءه إلى كل أرجاء العالم العربي، فاحتدام المعركة مع العدو الصهيوني مهما كانت متواضعة ستصل أصداؤها إلى كل بيت عربي وكل زعيم عربي وتطرح عليهم طرحا جديدا ضرورة اتخاذ موقف من المعركة الدائرة، وبذلك ستخلق هذه المعركة في المنطقة( الحالة الثورية والتي ستكون الشرط الأساسي لولادة حركة التحرير العربي ذات المجتمع الثوري، والتي ستمتد على مجمل الساحة العربية عبر حرب تحرير شعبية تؤذن بخلق الإنسان العربي الجديد والمجتمع العربي الاشتراكي المحرر) 3737).
وبدورها فقد تأثرت منظمات اليسار الفلسطيني في مفاهيمها حول العنف الثوري بأفكار ماركسية وبتجارب الشعوب الأخرى، فالإقرار بضرورة العنف الثوري للرد على واقع الظلم والاضطهاد شكل دافعا أساسيا لتبني هذه الاستراتيجية . فقد اعتبرت الماركسية أن العنف يجب أن يُستخدم من أجل الحرية وأن مجال تطبيقه (عندما يكون النظام الاجتماعي السائد قمعيا بما لا ضرورة له )، وهنا يصبح العنف (هو القابلة التي تولد المجتمع الجديد من المجتمع القديم )، وقد أكدت تجارب الشعوب هذه الحقيقة و أكدها أيضا قادة الثورات الناجحة ،فقد اعتبر ماو تسي تونغ (أن انتزاع السلطة بواسطة القوة المسلحة، وحسم الأمر عن طريق الحرب هو المهمة المركزية للثورة وشكلها الأسمى، وهذا المبدأ الماركسي اللينيني المتعلق بالثورة صالح بصورة شاملة، صالح للصين ولغيرها من الأقطار على حد سواء)38).
وعلى قاعدة التحليل الماركسي اعتبرت الجبهة الديمقراطية أن العنف لا يقتصر على الطبقات الخاضعة للاستغلال فحسب بل أنه صالح للشعوب الخاضعة للاستعمار أيضا ،وانه يكتسب أهمية استثنائية في أوضاع الشعب الفلسطيني الذي تعرض لإبادة جماعية ومورس عليه محاولات لإذابة شخصيته وإلغاء وجوده، فالكفاح الفلسطيني المسلح حتمية لامناص للفلسطينيين منها إن هم أرادوا الانتصار واثبات الذات).39)
2 - المبررات العملية الاستراتيجية :
بالإضافة إلى المكون المجتمعي لحرب الشعب، فقد احتلت المكونات المرتبطة بالضرورة العملية والاستراتيجية وبعامل الزمن دورا دافعا لانطلاق الكفاح المسلح الفلسطيني. فانطلاقا من حقيقة أن الصدام مع العدو والتناقض معه وصل إلى درجة لا رجعة فيها، وأن الأسلوب الوحيد الذي تمارسه إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني والدول العربية هو أسلوب القوة، اضطهاد وقمع في الداخل وضرب وتدمير وقرصنة في الخارج، ولان العدو لا يعرف لغة للتعامل إلا لغة العنف، نظرا لكل هذا، فإن العنف المتجسد في الكفاح المسلح الفلسطيني أصبح عملا مبررا، و الرد الوحيد على عنف العدو.
لقد استطاع العدو ومن خلال قوته الضاربة ومتانة تسليحه أن يشل الجبهات العربية ويدفع بالعرب إلى التمسمر حول استراتيجية الدفاع بالرغم من خطاب الهجوم والحرب الظاهر ، وأطلقت يده ليفرض على الدول العربية الأسلوب القتالي الذي يلائمه، من حروب خاطفة وغارات في العمق العربي، وهنا تكمن خطورة الاستراتيجية الدفاعية التي فُرضت على العرب أو فرضوها على أنفسهم، وعليه فان حرب الشعب (ستجعل زمام المبادرة بيد الأمة العربية وحركتها الثورية، أي أن تصبح الاستراتيجية العربية استراتيجية هجومية بفعل الطلائع العربية الفلسطينية -40).
ربطت الثورة الفلسطينية بين استراتيجية الدفاع المفروضة على الدول العربية وبين الأمن الوطني، ذلك أن استراتيجية الدفاع تنطلق من اعتماد كل دولة على ذاتها لحماية حدودها،فهي تتوخى وتنشد أمنها الاقليمي والمحافظة على حدودها وكيانها، هذا الأمن الإقليمي يشكل نقيضا للأمن القومي الذي يعني أن أي ضرر يلحق بأي جزء من الشعب العربي هو انتهاك للأمن القومي سواء اثر هذا الضرر على المصالح الوطنية لكل بلد أو لم يؤثر، ومن هنا إذا كان الأمن الإقليمي لا يعير الـتفاتا لوجود إسرائيل إلا بالقدر الذي تؤثر فيه هذه الأخيرة على المصالح الوطنية المباشرة، فإن الأمن القومي يرفض مبدئيا الوجود الصهيوني، ويتحقق الأمن القومي في اللحظة التي تتحول فيه الاستراتيجية الدفاعية العربية إلى استراتيجية هجومية، وهو الأمر الذي منه انطلقت الثورة الفلسطينية، هو الأمر الذي اعتبر ثورة هائلة في الفكر السياسي العربي 41)
ولتنفي الثورة الفلسطينية عن نفسها تهمة تقديس العنف أو أنها تمارس العنف لأجل العنف بحد ذاته،فإنها بينت أن انتهاجها لهذا السبيل العنيف من التعامل أمر فرضته الحركة الصهيونية وإسرائيل على الشعب الفلسطيني ، فالشعب الفلسطيني والأمة العربية لم يتركا بابا سلميا إلا طرقوه من أجل الوصول إلى الحق العربي في فلسطين، إلا أن تعنت إسرائيل والإمبريالية وسلبية الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية، جعل لغة العنف المسلح هي الوسيلة الوحيدة لفرض القضية على الرأي العام العالمي ووضعها في مكانها الصحيح. فالكفاح المسلح الفلسطيني هو رد مشروع ومبرر في ظل الواقع العربي والدولي المتجاهل لحقوق شعب فلسطين (فرضت علينا الحركة الصهيونية والاستعمارية الاستيطانية متعاونة مع الدول الاستعمارية، وخاصة أمريكا هذه الظروف، وما من طريق غيره لرد الغزوة الصهيونية الإمبريالية عن الوطن العربي التي ابتدأت بفلسطين) .42
ومن الناحية الاستراتيجية العسكرية المرتبطة بموازين القوى، رأت حركة المقاومة الفلسطينية في حرب الشعب الأسلوب الأجدى لمواجهة تفوق العدو، فالعدو اختار أسلوب القتال المناسب له وهو الحرب الخاطفة وهذا عائد لما تمتاز به قواته المسلحة من قدرات فنية حركية تمكنه من الزج بقوة تفوق القوة العربية المهيأة للقتال في ساحة المعركة، ولمواجهة هذا الأسلوب من الحرب الذي يمارسه العدو (لابد لتحقيق النصر وبلوغ الهدف من ضرب العدو في جميع مواقعه وفي مواقع الارتباط بين حلقات قواه) وهذا لا يتم إلا (بالعمل الفدائي المستمر الطويل في داخل الأرض المحتلة وفي كل موقع من مواقع المواجهة من شأنه أن يحدث في إسرائيل نزفا في الدم - اندر موارد الصهيونية العالمية - وفي الموارد الاقتصادية ، واضطرابا في الحياة وفي التطلعات).( 43)
وبالإضافة إلى أسلوب القتال المتميز للعدو فإن تفوقه الاستراتيجي يحتم انتهاج الأسلوب القتالي الكفيل بتحطيم هذا التفوق، فنظرا للدعم الذي تلقاه إسرائيل من الحركة الصهيونية والإمبريالية وعجز العرب عن موازنة هذا التفوق بسبب ظروف العرب والوضع الدولي، فإن الأسلوب الوحيد الكفيل بمواجهة هذا التفوق والانتصار عليه هو أسلوب حرب التحرير طويلة الأمد التي ثبت نجاحها في ظروف مشابهة في عدد من الثورات الناجحة .
ومن هذا المنطلق ترفض الثورة الفلسطينية أساليب القتال النظامية التي بالإضافة إلى عدم قدرتها على الانتصار على العدو المتفوق، فإنها قاصرة عن تحقيق هدف الثورة الفلسطينية، فهذه الأخيرة لا تسعى إلى مجرد كسب معركة عسكرية أو الحصول على تنازلات محددة بل أنها تسعى استراتيجيا لتصفية الوجود الصهيوني بكامله، وهذا لا يتم إلا بحرب تحرير شعبية عربية (والسبب في ذلك راجع إلى أن الحرب الكلاسيكية ربما تحرز نصرا عسكريا حاسما، ولكنها لا يمكن لها أن تصفي مجتمعا بأكمله) . (44)
ويلاحظ هنا أن ربط الأسلوب بالهدف يعني مرونة الأسلوب و إمكانية تبدله مع تبدل الهدف،ذلك أن الانتقال من الهدف الاستراتيجي - تصفية الوجود الصهيوني في فلسطين- إلى القبول بالتعايش بين دولة فلسطينية ودولة إسرائيل، يفترض إعادة النظر بالأسلوب سواء إعادة نظر استراتيجية أو إعادة نظر تكتيكية، ذلك أن الهدف المرحلي يتحقق من خلال وسيلة أو وسائل مرتبطة بالظرف المرحلي وشروط المرحلة.
ولكن هل فعلا أن العمل الفدائي الفلسطيني كان قادرا على تحقيق إنهاء الوجود الصهيوني وتصفية قواعده ومؤسساته في فلسطين؟
يستشف من العديد من تصريحات قادة الثورة الفلسطينية ومن الأدبيات المشار إليها سابقا أنه لم يكن مطروحا على الثورة الفلسطينية في بداية انطلاقتها أن تعمل على تحطيم أو زعزعة الدولة الصهيونية بقدر ما كان يهدف إلى رفع المعنويات وحفز الهمم وخلق بارقة أمل للفلسطينيين وخلق الظروف لخوض حرب شعبية طويلة الأمد هي التي ستحسم الأمر مع العدو ، فالعمل الفدائي كانت أهميته العسكرية تكمن في الجانب الإعلامي وجانب الأثر النفسي أكثر مما يكمن في إنجازاته العسكرية ، فالعمل الفدائي كان يهدف إلى (مناوشة العدو وإبقاءه في حالة تيقظ ورفع الروح المعنوية للشعب الفلسطيني، وفي أفضل الأحوال إرباك الاقتصاد الإسرائيلي، ولم نفكر في أية لحظة من اللحظات أن عملنا سيضع أمان الدولة اليهودية في خطر). 5 4)
كما أعطت الثورة الفلسطينية أهمية لعامل الزمن كعنصر لا يخدم القضية الفلسطينية، فالزمن يعمل لمصلحة العدو، واستفادة إسرائيل من الوقت أكبر من استفادة العرب، فهي تسرع في عملية إنشاء المستوطنات وجلب المهاجرين، وهو الأمر الذي يخلق وقائع جديدة، ويجعل عملية استئصال العدو أكثر صعوبة مع مرور الزمن، بالإضافة إلى هذا فإن مرور الوقت دون عمل عربي جاد مُطالبا بالحق الفلسطيني وفارضا القضية الفلسطينية على العالم، سيكرس الاعتراف الدولي بإسرائيل كواقع وستتموقع كحقيقة دولية بمرور الوقت كما سيصبح لعامل الزمن خطورة اكبر باقترانه بالتقدم التكنولوجي الذي تتحصل عليه إسرائيل بفعل علاقتها المميزة مع الولايات المتحدة وامتلاكها للسلاح الذري الأمر الذي يجعل أي حديث عربي عن التوازن العسكري معها في ظل امتلاكها السلاح النووي لا محل له، وبالتالي يسقط العربي نهائيا في هوة الخضوع المستمر للتسلط النووي الإسرائيلي ولان الفلسطينيين لم يستشفوا أن الأنظمة العربية تهيئ لخوض المعركة مع العدو، ولان الواقع العربي لا يبشر بوجود مقومات الصمود في أي معركة تخاض في ظل واقع التجزئة والتناحر القائم فيما بين الأنظمة، فقد كان مباشرة الصدام مع العدو أمرا لا مفر منه وهذا ما وضحته ( فتح) في بداية انطلاقتها حيث أشارت إلى (أن الحركة - حركة فتح - وبكل صراحة لا تنتظر أبدا أن يأتي يوم تعلن فيه الدول العربية بدء معركة التحرير أو الحرب الحقيقية على إسرائيل، لا بسبب من ظروفها وارتباطاتها الخارجية بل بسبب الحكم والأوضاع الداخلية التي يحرص الاستعمار على إبقائها في جو من التخلخل والتضارب والعجز يجعلها تميل دائما إلى تأجيل المعركة إلى ما لا نهاية... ومن هنا ترى الحركة أن المعركة يجب أن تكون اليوم لا غدا وأن تأجيلها المتلاحق لا يفوت على العرب فرصة النصر فحسب، بل يفوت عليهم فرصة خوض المعركة أصلا). (46)

ثالثا :العام والخاص في حروب التحرير .
حرب الشعب طويلة الأمد، أو حرب التحرير الشعبية من حيث المبدأ، هي الحرب التي تلجأ إليها الشعوب المستعمَرة لمواجهة عدو متفوق عليها قوة. ولان الشعب الضعيف المستعمَر لا يمكنه أن يجاري العدو من حيث التقدم التكنولوجي والتقني وضخامة الآلة العسكرية، فإنه يلجأ لاستعمال مصدر أخر من مصادر القوة التي لا تنضب وهي قوة الشعب،قوة الجماهير التي أذلها الفقر والاضطهاد والمستعدة للقتال بالوسائل المتاحة لها. وإن كانت الجماهير وأيمانها بعدالة قضيتها هي المصدر الأساسي لقوة الشعب،فإن هذه الشعوب ومن خلال حركاتها الثورية تستفيد من كل الظروف الجغرافية والطبيعية من جبال وغابات ومستنقعات وتكيف استراتيجيتها بما يتفق مع هذه المعطيات، وتقوم استراتيجية هذه الحرب على تجنب خوض المعارك الحاسمة مع العدو وتستعيض عنها بالقتال من خلال مجموعات صغيرة، ترهق العدو وتستنزف قواه وتشتت قواته الرئيسية الأمر الذي يشل قدرة العدو على استغلال تفوقه التكنولوجي والعسكري. (47)
وقد دفع نجاح هذا النوع من الحروب في عدة بلدان: فيتنام، الصين، الجزائر و كوبا إلى صياغة عدد من القوانين العامة لهذه الحرب، والتي تشكل قاسما مشتركا بين الثورات السابقة دون إهمال خصوصيات كل حالة ، إلا أن هذه الخصوصيات لم تكن تلغي صحة المبدأ الأساسي، وغالبا ما كان يتم إخضاع الخاص للعام في التجارب السابقة نظرا لتشابه ظروف ومعطيات الواقع في هذه البلدان، إلا أن هذا لا يعني أن كل شعب يخضع للاستعمار يعني نسخ القوانين العامة لحرب الشعب، ذلك أنه من الممكن أن تختلف خصوصيات هذا الشعب ونوع الاستعمار والظرف الدولي عما كانت عليه في التجارب السابقة، وهذه تشكل الخصوصيات المستعصية على التطابق مع القوانين العامة، وضمنها تندرج التجربة الفلسطينية.
وعت حركات التحرير السابقة هذه الخصوصيات لكل شعب من الشعوب ويتطرق ماوتسي تونغ الذي قاد أهم حرب شعبية في القرن العشرين للحديث بإسهاب عن هذا الموضوع موضحا انه يجب عدم الاكتفاء بدراسة قوانين الحرب العامة بل يجب تفهم ودراسة القوانين الخاصة لكل شعب، ذلك أنه إذا أراد المرء القيام بعمل ما فأول شروط نجاح هذا العمل هو معرفة الظروف المحيطة به وطبيعته وعلاقاته بالأمور الأخرى، وجهل هذه الظروف والعلاقات سيؤدي إلى العجز عن القيام بهذا العمل، ويضيف أن (الحرب الثورية سواء كانت حربا طبقية ثورية أو حربا وطنية ثورية لها ظروفها المحددة وطبيعتها الخاصة إلى جانب ظروف وطبيعة الحرب ذات الصفة العامة) .
ويؤكد ماوتسي تونغ إلى أن اختلاف ظروف الحروب يحتم الاختلاف في القوانين الموجهة للحروب، سواء من حيث الزمان أو المكان، فمن حيث الزمان فإن لكل مرحلة تاريخية خصائصها، وقوانين هذه المرحلة لا يمكن تطبيقها على مرحلة أخرى، فهي وليدة و أسيرة الظرف الزمني الذي أوجدها و أعطاها صفة القوانين. أما من حيث المكان فهو يرى أن لكل بلد أو أمة خصائصها التي تميزها عن غيرها، وهذا يعني أن لقوانين الحرب في كل بلد أو أمة خصائصها أيضا، وهنا (لا يصح نقل أو تطبيق قوانين الحرب الخاصة بهذا البلد أو هذه الأمة على بلد آخر أو أمة أخرى بصورة حرفية وآلية).
ويرد ماوتسي تونغ على الآراء التي تقول بالاكتفاء بقوانين الحرب العامة وتجارب الشعوب الأخرى، ويعتبر هذا رأي خاطئ ذلك أن هؤلاء (لا يدركون أن هذه القواعد ليست سوى قوانين للحرب ذات الصفة العامة، وأنها فوق ذلك منقولة كلها من البلدان الأجنبية، فإذا نقلناها حرفيا وطبقناها كما هي دون أن ندخل أدنى تغيير على شكلها ومحتواها فسوف نكون أشبه بمن يبري قدميه لتلائما الحذاء ولا بد أن تنتهي إلى الهزيمة). 8 4) .
فهل وعى الثوار في الساحة الفلسطينية والعربية أهمية الإبداع لا الاتباع في تعاملهم مع الثورة ؟
عندما انطلقت الثورة الفلسطينية من خلال الإعلان عن بدء الكفاح المسلح في فلسطين المحتلة، كانت الانطلاقة متواضعة وقوة الثورة متواضعة وكان مفجرو الثورة واعين لحدودية إمكانياتهم وخصوصية الوضع الذي يعيشونه، وواعين أيضا لتجارب الشعوب الأخرى وما تعنيه حرب الشعب الطويلة الأمد، ومن هنا حددوا لانطلاقتهم أهدافا متواضعة ومنطقية، وبينوا أن العمل الفدائي هو نواة حرب التحرير الشعبية وليس حرب التحرير ذاتها ، إنه الفتيل الكفيل بإشعال المنطقة وإدماج الجماهير العربية في المعركة على أرض فلسطين عبر حرب شعبية عربية طويلة المدى، فالحرب الشعبية العربية كانت المرحلة الثانية للثورة وتحقيق المرحلتين هو ضمان نجاح الثورة في إنجاز مهمة التحرير، ولم تقل الثورة أن العمل الفدائي لوحده قادر على تحرير فلسطين .
إلا أن هذا لم يمنع حدوث شيء من المبالغة والتهويل، وتبسيط للأمور لدى البعض في الساحة الفلسطينية، حيث افتُقِدت ملكة التحليل العلمي والفهم الموضوعي والقدرة على اشتقاق أساليب النضال من خلال معطيات الواقع، وليس نسخ هذه الأساليب من خلال تجارب الشعوب الأخرى. فبرومانسية ثورية اُعجب البعض إلى حد الاستلاب الفكري والعقلي بنجاح تجارب الشعوب الأخرى، فبما أن حرب التحرير الشعبية نجحت في فيتنام والصين وكوبا، فإنها ستنجح في فلسطين، متناسين الاختلافات الأساسية بين الحالتين ومتناسين أن نجاح الثورة في كوبا لم يؤد إلى نجاحها في بوليفيا، أو الفليبين أو سنغافورة مثلا، ومتناسين انه في كل التجارب الثورية لا توجد واحدة مثل الحالة الفلسطينية.
وهكذا خرجت بعض القوى بعد حرب يونيو 67 لتعلن (أن رفض الطريق الفيتنامي والكوبي الذي لا طريق غيره لانتصار البلدان المتخلفة وتفوقها على التفوق العلمي والتقني للإمبريالية والاستعمار الجديد، يعني بالضرورة اختيار طريق التراجع المتصل أمام الصهيونية والاستعمار الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية) 49). ولكن السؤال كيف يتم ذلك.؟ هل بمجرد ترديد عبارات حرب التحرير الشعبية، أو أن مجرد القيام بعملية هنا وأخرى هناك داخل فلسطين أو خارجها يعني ممارسة حرب التحرير الشعبية !؟ أو أن الأمر بحاجة لدراسة موضوعية واقعية للواقع الفلسطيني وعلاقته بالواقع العربي، وللواقع الدولي، ولواقع العدو الصهيوني، ثم نحدد بعد ذلك أسلوب النضال الأنسب والمؤدي للهدف .
لا شك أن مفجري الثورة الفلسطينية كانوا محقين في نهجهم في حدود الوظيفة التي حددوها لانطلاقتهم المسلحة إلا أن الخلل الذي أصاب الممارسات والأفكار والقيم السياسية التي هيمنت على الساحة العربية لعقود طويلة كان سببا في تضخيم العمل الفدائي الفلسطيني بحيث أُعطي له دور أكبر من حجمه الحقيقي و'حملت الثورة أكثر مما تحتمل وملأت شعارات ومفاهيم حرب الشعب الطويلة الأمد وحرب التحرير الشعبية كل الفراغات التي تركتها هزيمة يونيو، وسقوط المراهنة على الحرب الرسمية النظامية، واختلطت المفاهيم بحيث أُعطي للعمل الفدائي صفة حرب الشعب وطُلب منه أن يحقق الانتصار وأن يسير على الطريق الكوبي والفيتنامي والصيني، وعندما فشل العمل الفدائي في التحرير وهو أمر مؤكد وحتمي، ارتفعت الأصوات لتطالب بسقوط فكر استراتيجية الثورة الفلسطينية ولإفساح المجال للحرب النظامية وفيما بعد للتسوية السياسية، وكأن من كان يضخم من قدرة العمل الفدائي إنما كان يخطط لان يصاب هذا العمل بالنكسة حتى يصبح مُبررا القول بفشل الخيار العسكري وضرورة اللجوء إلى الحل السلمي ! .

رابعا : شرعية العمليات الفدائية التي يمارسها الفدائيون العرب ضد إسرائيل :
سبق وأن ذكرنا في بداية البحث أن هناك موقفان تجاه ما يسمى بـ (الإرهاب الدولي) : موقف رافض له بالمطلق وموقف آخر يحبذ البحث في الدوافع والأهداف قبل الإدانة، و السبب في الاختلاف يرجع إلى مواقف إيديولوجية ومصلحية، ذلك أن من يضع الكفاح المسلح للشعوب لنيل حقها في تقرير المصير ، في سلة واحدة مع عمليات الإرهاب ذات الطابع الأوروبي الغربي والتي هي إفراز لواقع المجتمع الأوروبي أو مع الإرهاب الذي تمارسه جماعات داخل دول الجنوب ولكنها تفتقر إلى الشرعية والدعم الشعبي ، إنما يشوه نضال حركات التحرر ، ويحارب حق هذه الشعوب في الاستقلال وتقرير المصير. وليس من الصعب فهم أسباب رفض اعتراف الغرب وإسرائيل بشرعية كفاح حركات التحرر ،ذلك أن استقلال وتحرر شعوب العالم الثالث من الاستغلال والهيمنة والتدخل الأجنبي بكل أشكاله يعني تقليص نفوذ الدول الرأسمالية ووضع حد لتحكمها في هذا العالم، وهذا يعني وضع حد للمنافع المادية الضخمة التي جناها ويجنيها العالم الرأسمالي باستغلاله للشعوب، ومن جهة أخرى يتأتى الموقف الغربي الأمريكي الصهيوني الرافض لإضفاء الشرعية على العنف المسلح الذي كانت تخوضه حركات التحرر وما زال يخوضه الشعب الفلسطيني، من كون أن هذه الأخيرة كانت تحظى بدعم ومساندة الدول الاشتراكية وغالبا ما كانت تتبنى مواقف سياسية وإيديولوجية متشابهة مع مواقف المعسكر الاشتراكى – سابقا-.
ومن هنا ليس غريب أيضا أن تكون غالبية العمليات المصنفة تحت عنوان – الإرهاب - تُمارس ضد مصالح إسرائيلية أو أمريكية أو أوروبية ، وغالبا ما توجه أصابع الاتهام إلى العرب والمسلمين ، وقبل انتشار نفوذ حركات الإسلام السياسي كانت أصابع الاتهام توجه مباشرة للفلسطينيين . وقد دأبت وسائل الإعلام الغربية والإسرائيلية على تضخم أية عملية عنيفة مسلحة يشتبه في أن مرتكبها عربي أو مسلم ، بينما تتجاهل أو تقلل من أهمية العمليات الإرهابية التي تمارسها جماعات إرهابية أوروبية كجماعة الباسك في إسبانيا والجيش الجمهوري في أيرلندا ، ولا تهتم بالعنف الذي تمارسه حركة التاميل في سيريلانكا أو يمارسه حزب العمال الكردستاني في تركيا ، الخ ، فقد منحت الولايات المتحدة لزعيم الجيش الجمهوري الأيرلندى تأشيرة دخول لها وتم استقباله من طرف مواطنيه من حملة الجنسية الأمريكية استقبال الأبطال .
هذه الانتقائية في التعامل مع ما يُدرج تحت عنوان الإرهاب السياسي ، من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل تحديدا،إنما تهدف لتحميل العرب والمسلمين مسؤولية ظاهرة "الإرهاب الدولي" وتشويه نضال الفلسطينيين ومن يناصرهم في نضالهم من أجل الحرية والاستقلال ،كما نصت على ذلك قرارات المنتظم الدولي، وتصوير الفلسطينيين والعرب والمسلمين أنهم إرهابيون وقتلة، بل وإعطاء المبرر للاعتداء على سيادة دول عربية تحت شعار محاربة الإرهاب ، وهذا ما بدأت تتضح معالمه مع الحملة الأمريكية الأخيرة ضد الإرهاب .
لقد أكدت الأمم المتحدة في قرارات متعددة على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولأن المجال لا يتسع هنا لسرد كل القرارات المتعلقة بالموضوع، فسوف نذكر بعضها.
في عام 1970، أكدت الجمعية العامة مطالبتها بضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة، وبالكف عن انتهاك حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة وأعلنت أنها : "تعترف لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير مصيره بنفسه وفقا لميثاق الأمم المتحدة. وتعلن أن الاحترام التام لحقوق شعب فلسطين غير القابلة للتصرف هو عنصر لا غنى عنه في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط".50(24)
وفي عام 1974، وعلى إثر اعتراف مؤتمر القمة العربي بالرباط بأن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، صدر عن الجمعية العامة قرار، يوم الثاني والعشرين من نوفمبر 1974، يؤكد من جديد الحقوق الأساسية للشعب الفلسطيني، حيث أعربت فيه الجمعية العامة عن قلقها لما يمثله عدم التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية من مخاطر على الأمن والسلام الدوليين، ولكون الشعب الفلسطيني قد مُنع من التمتع بحقوقه غير القابلة للتصرف بما فيها حقه في تقرير مصيره، كما نص القرار على أن الجمعية العامة :
1- تؤكد من جديد حقوق الشعب الفلسطيني في فلسطين، غير القابلة للتصرف وخاصة :
أ) الحق في تقرير مصيره دون تدخل خارجي.
ب) الحق في الاستقلال والسيادة الوطنية.
2- وتؤكد من جديد أيضا حق الفلسطينيين، غير القابل للتصرف، في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا عنها واقتلعوا منها وتطالب بعودتهم.
3- وتشدد على أن الاحترام الكلي لحقوق الشعب الفلسطيني هذه، غير القابلة للتصرف وإحقاق هذه الحقوق أمران لا غنى عنهما لحل قضية فلسطين.
4- وتعترف بأن الشعب الفلسطيني طرف رئيس في إقامة سلام عادل ودائم في الشرق الأوسط.
5- وتعترف كذلك بحق الشعب الفلسطيني في استعادة حقوقه بكل الوسائل وفقا لمقاصد الأمم المتحدة ومبادئها.
6- وتناشد جميع الدول والمنظمات الدولية أن تمد بدعمها الشعب الفلسطيني في كفاحه لاسترداد حقوقه وفقا للميثاق.
7- وتطلب إلى الأمين العام أن يقيم اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية في كل الشؤون المتعلقة بقضية فلسطين.51
كما منحت الجمعية العامة منظمة التحرير الفلسطينية مركز المراقب في الجمعية وفي المؤتمرات الدولية الأخرى التي تعقد برعاية الأمم المتحدة.
وهكذا أعطت الأمم المتحدة لشعب فلسطين الحق باستعمال كافة الوسائل بما فيها الكفاح المسلح من أجل إحقاق حقوقه المشروعة.
اعتراف الأمم المتحدة بشرعية الكفاح المسلح لحركات التحرر ينبع من عدالة القضية التي تدافع عنها حركات التحرر وهي الإستقلال وتقرير المصير ، أيضا من كون الكفاح المسلح هي طريقة القتال أو الحرب المتاحة أمام الشعوب الضعيفة في مواجهة قوى المستعمر المتفوقة والمدعومة بأحدث ما اخترع من آلات الحرب والدمار، ذلك أن الشعب المستعمر (بفتح الميم) غير قادر على خوض حرب كلاسيكية مع المستعمر، حرب مواجهة تحشد لها الجيوش، فيلجأ لما يتوفر عليه من إمكانات تتيح له إلحاق الأضرار بالخصم وإرهاقه، واستنزاف قواه من خلال تسليح الجماهير وتدريبها واستعمال أسلوب القتال في مجموعات صغيرة، واللجوء إلى أسلوب الكر والفر وضرب مواقع منعزلة للعدو، أو قطع خطوط تموينه ،و غير ذلك من الأساليب التي تختلف باختلاف ظروف كل بلد.
إن كانت الأمم المتحدة أعطت للشعوب بما فيها الشعب الفلسطيني الحق في اللجوء إلى الكفاح المسلح ضد الاحتلال الأجنبي، فإنه لم يتم التطرق إلى مجال محدد يمارس فيه هذا الكفاح المسلح .
ولكننا نرى أن الكفاح المسلح موجه إلى الدولة المستعمرة، المنكرة على الشعب حقه في تقرير مصيره، والدولة تعني أفرادا ومصالح ومؤسسات تخضع لسيادتها، وعليه فإن كل ما يخضع لسيادة الدولة المستعمرة وإشرافها يصلح محلا لممارسة الكفاح المسلح ضده باستثناء المدنيين .
فإذا قلنا حق الشعب الفلسطيني في الكفاح المسلح ضد إسرائيل، فإن هذا يعني الحق في ممارسة الكفاح المسلح أينما امتدت السيادة الإسرائيلية ، يعني أن السفارات الإسرائيلية في الخارج والسفن والطائرات الإسرائيلية والشركات الإسرائيلية وكل العاملين في هذه الأماكن بما انهم يخضعون للسيادة الإسرائيلية وينفذون السياسة الصهيونية، ويخدمون أهدافها التوسعية العدوانية ،فهم هدف مشروع لممارسة الكفاح المسلح ضدهم، وقد عبر فرانز فانون عن ذلك يقوله "أن القتال في الحرب العصابات لا يتم في المكان الذي يكون فيه المقاتل، بل في المكان الذي يذهب إليه، إن كان مقاتل في حرب العصابات إنما ينقل الوطن إلى حيث تمضي قدماه العاريتان".52
وهذا الطرح وإن كان يجد مبرره في الطبيعة العدوانية للكيان الصهيوني الرافض للسلام والمنتهك لكل الشرائع الدولية والإنسانية ، فأنه يتوافق أيضا مع الموقف الذي اتخذته الجمعية العامة حول "الإرهاب الدولي" بل أيضا أُخذ به في الاتفاقية الدولية لـ "مناهضة أخذ الرهائن" التي وضعتها الأمم المتحدة عام 1979، فبعد أن وصفت الجمعية العامة أخذ الرهائن بأنه "عمل يعرض حياة الأشخاص الأبرياء للخطر وينتهك الكرامة الإنسانية". ذكرت في المادة (12) منها ما يلي :
"لا تسري هذه الاتفاقية على فعل من أفعال أخذ الرهائن يُرتكب أثناء المنازعات المسلحة المعرفة في اتفاقيات جنيف لعام 1949 أو بروتوكولاتها، بما في ذلك المنازعات المسلحة التي يرد ذكرها في الفقرة 4 من المادة 1 من البروتوكول الأول لعام 1977، والتي تناضل فيها الشعوب ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي ونظم الحركة العنصرية، ممارسة لحقها في تقرير المصير كما يجسده ميثاق الأمم المتحدة وإعلان مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة ".
وشعورا من منظمة التحرير الفلسطينية بشرعية النضال الفلسطيني والدعم العالمي الذي يحظى به هذا النضال، دافع السيد ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، في كلمته في الأمم المتحدة يوم الثالث عشر من نوفمبر 1974، عن الكفاح المسلح الذي يخوضه الشعب الفلسطيني ضد إسرائيل، مميزا بين هذا الشكل من الكفاح وبين الإرهاب فقال :
"إن الذين يسموننا إرهابيين يريدون أن يحولوا دون اكتشاف الرأي العالمي لحقيقتنا ودون رؤيته للعدالة في وجوهنا، وهم يسعون إلى إخفاء ما تتسم به أعمالهم من إرهاب وطغيان، وموقفنا في الدفاع عن النفس …".
وحدد المقياس في التمييز بين الإرهابي وبين المناضل من أجل الحرية ، بالهدف الذي يقاتل من أجله حيث أن "الفرق بين الثوري والإرهابي يكمن في السبب الذي يقاتل كل منها من أجله، إذ ان كل من يناصر قضية عادلة ويقاتل في سبيل الحرية وتحرير أرضه من الغزاة والمستعمرين، لا يمكن بأي حال أن يسمى إرهابيا".
ولكن يبدو أن تعقد الظاهرة الإرهابية وتداخل مكونات عدة في تشكيلها، ونظرا لصعوبة المنعطف الذي مرت به القضية الفلسطينية بعد إخراج منظمة التحرير من لبنان 1982، صدر بيان القاهرة في العام 1985 عن رئيس منظمة التحرير السيد ياسر عرفات ، الذي أعطى موقفا جديدا من الإرهاب تميز بنبذ العمليات الفدائية خارج حدود فلسطين المحتلة ، حدث هذا في وقت تكثف فيه الحديث عن التسوية السلمية الصراع العربي الإسرائيلي .53



الفصل الثالث
تحولات النظام الدولي وتأثيراتها على ظاهرة العنف السياسي المرتبط بالقضية الفلسطينية

أولا : فلسطين في عالم متغير
لقد طرأ على العنف المرتبط بالقضية الفلسطينية في ظل تحولات النظام الدولى عدة مستجدات وهي :
الأولى :تولد إحساس وبلورة توجه لدى غالبية دول العالم أن مرحلة تصفية الاستعمار بما تتضمنه من شرعية حركات التحرر العالمي ، قد انتهت بنهاية نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا وسقوط المعسكر الاشتراكى، وما جعل هذا التوجه يؤثر سلبا على القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني ،هو دخول الفلسطينيين والعرب مسلسل التسوية وقبولهم بالحل السلمي كخيار إستراتيجي ، وكان من أهداف مخططي التسوية الأمريكية تحويل منظمة التحرير من حركة تحرر إلى سلطة حكم ذاتي .
الثانية: العمليات الاستشهادية التي يمارسها الفلسطينيون داخل فلسطين المحتلة ، في إطار شرعية دولية لم تعد إسرائيل و الولايات المتحدة يعترفان بها ، أو في إطار (شرعية دينية ) وتحت شعار الجهاد ، وهي شرعية لا تحض بكثير تأييد أو تفهم من الرأي العام العالمي وخصوصا بعد تفجيرات 11 سبتمبر.
الثالثة: تراجع قوى اليسار كرأس حربة لحركة التحرر الفلسطينية والعربية لصالح الإسلام السياسي ، وبالتالي الانتقال من مفهوم الكفاح المسلح إلى مفهوم الجهاد ، بما يترتب على ذلك من تغير في الشرعية النضالية وامتداداتها العالمية.
الرابعة : انطلاق ما يسمى بمسلسل السلام ، بما يترتب عليه من محاصرة أنصار الحل العسكري ، و انقسام الجماهير العربية والفلسطينية ما بين مؤيد للخيار العسكري ومؤيد للحل السلمي ، وهذا عكس ما كان سابقا حيث كانت التنظيمات تتعدد ولكن ضمن وحدة الهدف وهو تحرير فلسطين ، أما اليوم فهي تعددية تعكس تناقضا في استراتيجيات العمل وفي الاهداف .
الخامسة: تراجع البعد القومي الرسمي للقضية الفلسطينية ، وتحول الصراع الى صراع فلسطيني – إسرائيلي بدرجة أولى حتى انتفاضة الأقصى المجيدة لم تغير من الوضع شيئا ، صحيح انها حركت الجماهير وأعادت حضور القضية جماهيريا ولكنها لم تغير من واقع الأنظمة حيث استمرت متمسكة بما سمته استراتيجية السلام .
السادسة : تعاظم الإرهاب الإسرائيلي المدعوم أمريكيا ضد الشعب الفلسطيني ، والذي أخذ شكلا عدوانيا صارخا في عدوانيته واستفزازه مع انتفاضة الأقصى وفي مجازر مخيم جنين، و العدوان الأمريكي ضد عرب ومسلمين تحت شعار مكافحة الإرهاب.
هذه التحولات لم تلغ خصوصية القضية الفلسطينية المستمدة من تداخل الوطني الفلسطيني مع القومي العربى مع الإسلامي مع التحرري العالمي ، بالإضافة إلى خصوصية الاحتلال الصهيوني وقوة تحالفاته الدولية ، ، وقيام النظام الدولي الجديد الذي تقوده حليفة الكيان الصهيوني – أمريكا - على أنقاض النظام الثنائي القطبية ، جعل القضية الفلسطينية هي القضية الوحيدة المتبقية في ملف تصفية الاستعمار. وهكذا وبالرغم من شرعية العمليات الجهادية ضد العدو الصهيوني ، وهي شرعية مستمدة من الشرعية الدولية ومن الحقوق الطبيعية للشعوب ، إلا أن غياب رؤية واحدة لطبيعة الصراع وسبل حله و تداخل الشرعيات المبررة للنضال ضد العدو الصهيوني ومن يدعمه، وغياب حليف دولي قوي يدعم هذا النضال أنعكس سلبا على تعامل المنتظم الدولي مع بعض ممارسي الجهاد دفاعا عن فلسطين و خصوصا إن كان هذا النضال باسم شرعية دينية . فالمنتظم الدولي أو أية دولة أجنبية يمكن أن تفهم أن يقاتل الفلسطيني دفاعا عن وطنه ، ولكنهم لا يفهمون ولا يستسيغون أن يقاتل إيرني أو مصري أو سعودي دفاعا عن فلسطين باسم شرعيات لا يعترف بها المنتظم الدولي ( شرعية دينية أو شرعية قومية ) ، وللأسف لا تعترف بها غالبية النظم العربية والإسلامية ‘ حيث تصنف المجاهدين كإرهابيين ، ويكون الأمر أكثر تعقيدا إن كان القتال من أجل فلسطين موجها ضد مدنيين أو يجري على أرض أجنبية بعيدة عن فلسطين.
وجاء ما يسمى مسلسل السلام ، متزامنا مع تحولات النظام الدولي ، ليلقي بظلاله على نهج النضال المسلح ويثير الشكوك من حوله ، بل بدا الأمر وكأن رأس نهج الكفاح المسلح هو الثمن المطلوب دفعه ليمرر نهج التسوية الأمريكي . ذلك أن قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على قيادة النظام الدولي الجديد كان يتطلب إخماد بؤر التوتر في العالم، وتصفية المخلفات الصراعية للنظام الدولي المنهار، وكانت أهم مناطق التوتر هي منطقة الشرق الأوسط، وحبكتها أو عقدة حلها هي القضية الفلسطينية، ودخلت منظمة التحرير الفلسطينية مسلسل التسوية الذي حمل اسم مسلسل السلام. إلا أن القبول بالتسوية السلمية حسب منطق دعاتها يعني التخلي عن خيار الحرب والكفاح المسلح والعنف، الأمر الذي دفع منظمة التحرير الفلسطينية أن تعلن في أكثر من مناسبة تخليها عن الكفاح المسلح والعنف، حدث هذا في اتفاقات أوسلو الأولى والثانية وفي رسائل الاعتراف المتبادلة بين المنظمة وإسرائيل وفي كل ما وقعت عليه المنظمة من مواثيق واتفاقات.
لا شك أن من يختار التسوية السلمية عليه أن يُغلب لغة السلام والتسوية السلمية على لغة الحرب والقتال ،ولكن يجب توضيح أمور لا غنى عن توضيحها حتى لا يختلط الحابل بالنابل، وحتى لا تُفسر الأمور حسب منطق الأقوى ولمصلحة الأقوى،وحتى لا نهزم أنفسنا بأنفسنا :
1: إن ما جرى منذ أوسلو حتى اليوم هو محاولة لتسوية الصراع ،والتسويات تقوم على موازين القوى وترجيح كفة الأقوى ،وبالتالي فإن التسوية ليست هي السلام، فإن نجحت التسوية وسارت حتى نهايتها بما يرضي الطرفين وحسب ما تم الاتفاق عليه ستؤدي إلى سلام أما إذا فشلت أو أخل طرف بالتزاماته أو حدث من الأمور ما أعاق سيرها فقد تنتكس ويبتعد السلام، وعليه فإن ما هو مطروح اليوم هو محاولة تسوية تحتاج من كل طرف أن يوظف كل ما لديه من أوراق القوة والضغط ليحقق مصالحه المشروعة والقوة العسكرية إحدى هذه الأوراق على شرط ان توظف بعقلانية .
2: إن دخول إسرائيل مسلسل التسوية لم يمنعها من أن تزيد من قوتها العسكرية وترسانتها النووية، وأن تخطط استراتيجيا للحرب كما تخطط للسلام. فلا يعقل إذن أن يتم السكوت عن تسلح إسرائيل بحجة ضمان أمنها، ويطالب العرب والفلسطينيون بنزع سلاحهم والحد من قدراتهم العسكرية، ولا يعقل أن تتعاظم قوة إسرائيل العسكرية بحجة الخوف من انتكاسة التسوية وان تعتبر هذه القوة ضمانة لمستقبلها ، وفي نفس الوقت يُطلب من الفلسطينيين والعرب حرق مراكب أو جسور العودة بالتخلي عن العمل العسكري وتقليص عدد قواتهم العسكرية ومنعهم من الحصول على الأسلحة المتطورة ،ويحرم عليهم حتى التهديد باللجوء إلى القوة إن لم تلتزم إسرائيل بقرارات الشرعية الدولية .
3: حيث إن السلام لم يتحقق بعد- فالكيان الصهيوني ما زال يحتل كل فلسطين والجولان و أجزاء من جنوب لبنان، والفلسطينيون لا يمارسون السيادة ولو على شبر واحد من أرض فلسطين - ، مادام الأمر كذلك، فالحق بالنضال ضد الاحتلال لم يسقط، ، ولا يمكن لهذا الحق الممنوح من الشرعية الدولية ومن الشرعية الدينية أن يسقط إلا بعد تحقيق الاستقلال بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ، وجاءت مجازر مخيم جنين لتضفي شرعية جديدة على مقاومة الإحتلال .
4: يجب التمييز بين واقع الاحتلال وخطاب السلام، فالواقع هو الاحتلال الإسرائيلي والتعنت الإسرائيلي، والإرهاب الإسرائيلي، أما السلام فهو حتى اللحظة خطاب يبحث لنفسه عن واقع يتكيف مع مقولاته ،وهذا الخطاب غامض مبهم غير واضح المعالم، وخصوصا إذا كان الناطق به هو العدو الصهيوني، فكيف نتحدث عن واقع السلام والجيش الإسرائيلي على أبواب كل مدينة وقرية وكيف نتحدث عن واقع السلام وأرزاق وعمل الشعب الفلسطيني ورقة تساوم عليها إسرائيل، وكيف نتحدث عن السلام وآلاف الفلسطينيين معتقلين؟ وكيف نتحدث عن السلام والمستوطنون يرتعون ويعربدون عن السلام وإسرائيل تغلق أبواب الأمل أمام الفلسطينيين وتناقض ما اتفقت عليه مع السلطة الفلسطينية حول المستوطنات والقدس واللاجئين؟ وكيف نتحدث عن سلام وإسرائيل ما زالت تصنف منظمة التحرير الفلسطينية ممثل الشعب الفلسطيني كمنظمة إرهابية وتعتبر السلطة الفلسطينية جماعة إرهابية ؟. 54 وكيف نتحدث عن السلام وقد سقط خلال انتفاضة الأقصى المجيدة أكثر من ألفين وخمسمائة شهيد فلسطيني؟.
5: إن الفلسطينيين الذين قبلوا التسوية ومنحوا السلطة الوطنية صلاحية التفاوض واستكمال مسيرة السلام، لم يقبلوا التسوية ليكونوا عبيدا لإسرائيل، ولم يقبلوها ليتحولوا إلى سجناء في وطنهم ولتتحول السلطة الفلسطينية إلى ذراع أمن إسرائيلي، أو جهاز قمع يعمل لضمان أمن وسلامة إسرائيل، بل قبلوا التسوية وقبلوا تجميد كفاحهم المسلح، لأن الكبار المخططين للتسوية والضامنين لها قالوا بأن التسوية تقوم على أساس (الأرض مقابل السلام) وعلى قرار الأمم المتحدة رقم: 242، وأن نهايتها هي الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس، أما أن تأخذ إسرائيل السلام وتحتفظ بالقدس والمستوطنات والمياه فهذا ما يرفضه الفلسطينيون وهو ما يعطيهم الحق بالعودة لممارسة حقهم في النضال حسب قرارات الشرعية الدولية .
6: يجب التعامل مع عمليات حماس والجهاد الإسلامي وكل أوجه النضال التي أفرزتها انتفاضة الأقصى بأنها عمليات موجهة ضد واقع الاحتلال وليس رفضا للسلام، ولو لم يكن هناك احتلال لانتفى مبرر قيام هذه العمليات، ومع ذلك فإن مثل هذه العمليات التي تكتسب مبرر وجودها من وجود الاحتلال ،توظف أحيانا في زمان ومكان خاطئين، بمعنى آخر أن الحق في مواجهة الاحتلال حق مشروع للشعب الفلسطيني ما دامت أراضيه محتلة، ولكن الخطأ يحدث أحيانا في توظيف هذا الحق سواء من حيث التوقيت أو المكان أو الجهة التي توجه ضدها هذه العمليات .هذا وقد دافعت حركة حماس عن موقفها الداعي للعمل المسلح ضد إسرائيل ،ففي المذكرة التي أرسلتها حماس إلى المؤتمرين في شرم الشيخ جاء :( إن حركة حماس بجناحيها العسكري والسياسي تعد حركة مقاومة وتحرر وطني ضد المحتلين الذين يعتبرون في وضع المعتدين لقواعد القانون الدولي المعاصر ،وبذلك تعتبر الأعمال المسلحة لأفراد كتائب عز الدين القسام أعمالا دفاعية باستثناء بعض الإصابات غير المقصودة التي تلحقها بالمدنيين والتي تتناقض مع سياسة حركة حماس ذاتها) 55.
7: إن مواجهة ممارسي العنف يجب ألا تكون على جبهة واحدة، بل يجب أن تكون عملا مشتركا بالنسبة لكل أطراف التسوية، فلا يعقل أن يُطلب من السلطة الفلسطينية محاربة الجماعات الإسلامية واعتقال قادتها وجمع سلاحها بحجة أنها ضد السلام، بينما المستوطنون الإسرائيليون مدججون بالسلاح، واليمين الصهيوني مسلح كجيش، ولا يخفون معارضتهم للسلام، وتتكرر أعمالهم الإرهابية العنصرية ضد الشعب الفلسطيني، فيجب أن يكون التصرف الفلسطيني الرسمي مع الجماعات الإسلامية متوازنا مع تصرف إسرائيل مع اليمين الصهيوني، فأن لم تقم إسرائيل بجمع سلاح المستوطنين ومنع تمويلهم الخارج وإخراجهم من الأراضي الفلسطينية المحتلة 1967، ومنع أنشطتهم العلنية العنصرية المعادية للعرب فلا يجوز للسلطة الفلسطينية أو لأي نظام عربي منع المقاتلين والمجاهدين من قتال العدو.

ثانيا :الجهاد : شرعية المبدأ والتباس الممارسة :
لن ندخل في تحليلات فقهية - لأننا ليس من أهل الإختصاص الدقيق ولكن نشير إلى ان القرآن الكريم تحدث عن الإرهاب والقتال والجهاد والحرابة كحالات تستوعب ما يسمى اليوم بالعنف السياسي ، وقد ذكر ما يشير إلى الارهاب في الآية :" وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم" ، فالاسلام لا يمانع بممارسة الإرهاب والترهيب ولكن ضد أعداء الله واعداء الوطن وكحالة دفاعية أو ما يسمى اليوم بحالة الدفاع الشرعي عن النفس ، يقول تعالى ( ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ) . أما (الحرابة)، فيقول فيها صبحي الصالح : (أنها توحي لغة بالمخالفة والمضادة ومدلولها اللغوي هذا يُلمح أيضا في الاصطلاح الفقهي ، عند إفساد الأمن وتعطيله بالإرهاب ،ومضاده النظام والخروج عليه بقوة السلاح لقطع الطريق وإخافة الآمنين والفساد في الأرض).56
ويرى صبحي الصالح بأنه إذا كانت الأعمال المدرجة ضمن الأعمال الإرهابية التي تطرق إليها تعريف الحرابة قد عددت على سبيل المثال وليس الحصر الحالات التي عاصرها القدامى، فإنها تنطبق أيضا على حالات مستحدثة لها علاقة بالتطور التكنولوجي والنمو في مجالات المعرفة الأخرى التي أصبحت سمة من سمات العصر الحديث وبالتالي فإن الحرابة تصدق على أعمال وممارسات هي وليدة عصرنا الحالي.
ونرى أن هذا التعريف يصدق على العديد من المجموعات الإرهابية في العالم الرأسمالي حيث انتشرت عصابات المافيا، والجماعات العنصرية والمنظمات التي ترفض نمط الحياة الرأسمالية واستلاب الإنسان من قبل الآلة وتعقد الحياة الاجتماعية والاقتصادية ، كما أن بعض الأنظمة العربية والإسلامية المشتبكة في صراع مع جماعات إسلامية تدرج هذه الجماعات ضمن مفهوم الحرابة مُسقطة عنها صفة الجماعات الجهادية ، ومن هنا تُكثر هذه الأنظمة من وصف هذه الجماعات بالزنادقة والمرتدين وقطاع الطرق الخ .
مقابل هذا النوع من العنف غير المشروع وُجد الجهاد في الإسلام الذي اعتبر فرضا على كل مسلم ومسلمة ، أولى الإسلام للجهاد حيزا كبيرا من اهتماماته، وتعددت الآيات والأحاديث التي تحض على الجهاد وتعتبره واجبا على المسلمين.و يشمل الجهاد في معناه الواسع أشكالا متعددة من البذل والتضحية في سبيل الحق ودين الحق، فهو جهاد بالنفس والمال (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون).57
وبالإضافة إلى الجهاد بالمال والكلمة الحق ووجود الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر ، فإن الجانب القتالي من الجهاد ( الجهاد الأصغر ) أخذ حيزا كبيرا من مفهوم الجهاد ودلالته، حتى أنه غالبا ما اقترنت كلمة الجهاد بالقتال والحرب، والمسلمون جماعات وفرادى مطالبون بالجهاد فهو واجب على كل مسلم ومسلمة، "والمسلم مطالب بالجهاد حتى وأن عارضه أولي الأمر، (فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، و (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع بلسانه وإن لم يستطع فبقلبه وهذا أضعف الإيمان).
ويشمل الجهاد في الإسلام، الجهاد من أجل نشر دين الحق، والجهاد من أجل مناصرة المظلوم، وإحقاق الحق .. " وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والوالدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا).58ويقول تعالى أيضا.. ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين . إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون )*
أما المفكر الإسلامي سيد قطب فهو يوسع من مفهوم الجهاد في الإسلام ويجعله صالحا لكل زمان ومكان، وضد كل قوى الظلم والشر في العالم فهو .. (دفاع عن الإنسان ذاته ضد جميع العوامل التي تفيد حريته وتعوق تحرره، هذه العوامل التي تتمثل في المعتقدات والتصورات كما تتمثل في الأنظمة السياسية القائمة على الحواجز الاقتصادية والطبقية والعنصرية والتي كانت سائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام والتي ما تزال أشكال منها سائدة في الجاهلية الحاضرة في هذا الزمان).59 وقد أخذت جماعات إسلامية معاصرة بهذا المفهوم الواسع للجهاد ، كالجماعات الإسلامية في فلسطين وحزب الله والجماعات الإسلامية في مصر وجماعة الاخوان المسلمين في سوريا وجماعة طالبان وتنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن وبعض الجماعات الإسلامية في الجزائر ،مع تباين شاسع بينها في تحديد أولويات الجهاد بل في تحديد مفهوم الحق والباطل .
لا غرو أن للشعوب الخاضعة للاحتلال والهيمنة وعلى رأسها الشعب الفلسطيني الحق في المقاومة ، ولكن ممارسة هذا الحق هو الذي يحتاج إلى حذر شديد حتى لا يشوه عدالة الحق وعدالة القضية ،فممارسة حق النضال لتقرير المصير يفقد معناه إذا تحول إلى أعمال فئوية لجماعات لا تندرج في إطار الإجماع الوطني، وخصوصا إذا غاب التنسيق بين من ينصبون أنفسهم قيمين على القضية. فعلى الساحة الفلسطينية مثلا ، يحتاج الكفاح المسلح أو الجهاد ، لتكون له مردودية،إلى أن يندرج في إطار استراتيجية فلسطينية بل عربية إسلامية مشتركة أو على الأقل في إطار تنسيق يسمح بأن توظف هذه العمليات لخدمة الأهداف الوطنية، وهذا التنسيق للأسف غير موجود، وعدم وجوده يجعل قدرة إسرائيل والولايات المتحدة على استثمار هذه العمليات لصالحها أكبر من الفوائد التي تتحقق للقضية .
لقد علمتنا التجربة وعلمنا التاريخ أن كثيرا من الحقوق الوطنية ومن القيم السامية يخسرها أصحابها وتفقد مصداقيتها إن لم يتعاملوا معها بعقلانية وضمن رؤية شمولية تربط ما بين الفعل والهدف والوسيلة وردود الأفعال المحلية والدولية، وإن الطريق إلى جهنم معبدة بذوي النوايا الحسنة، ونحن لا نشكك بوطنية وبقوة إيمان أولئك الذين فجروا أنفسهم واستشهدوا داخل فلسطين من أجل الوطن والدين، والشعب الفلسطيني يزخر بالكثير من أمثالهم، ولكن المشكلة المثارة اليوم تتعلق بجماعات إسلامية غير فلسطينية تقوم بعمليات قتالية (الجهاد) ضد الولايات المتحدة ودول غربية باسم فلسطين ودفاعا عن الإسلام . فهل مثل هذه العمليات تندرج ضمن مخطط استراتيجي كفاحي إسلامي شامل ؟ وهل ينطبق عليها مفهوم الإسلام للجهاد ؟ وإن كان الأمر كذلك فكيف ينجح هذا المخطط إن لم يكن معتمدا على قاعدة إسلامية شعبية ورسمية واسعة؟.
لا محاججة أن بلاد المسلمين ترزح تحت نير الاستعمار غير المباشر وتعاني الأمرين من الاستغلال الأقتصادي والسياسي الغربي ،ليس هذا فحسب بل أن إسرائيل وقوى سياسية مؤثرة في الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة تعتبر الإسلام خطر يهدد حضارتهم وهذا ما ظهر جليا بعد تفجيرات 11 سبتمبر ، ولكن كيف يمكن الرد على هؤلاء الأعداء ؟ وما هو موقف الإسلام من المسيحية واليهودية ؟ . إن ما يربك المواطن العربي والمسلم ويجعله في حيرة من أمره حيال اتخاذ موقف مع أو ضد عمليات ( جهادية ) تقوم بها جماعات إسلامية مثل العمليات التي قام بها تنظيم القاعة هو عدم وجود رؤية موحدة أو إجماع عن المسلمين حول هل أن اليهودية والمسيحية ديانات سماوية ومعتنقيها أهل كتاب أم أنهم - خصوصا اليهود - كفرة على المسلمين مقاتلتهم دون هوادة أينما كانوا سواء في ديار الإسلام أو في ديارهم ( دار الكفر ) ؟ .ومما يزيد من حالة الإرباك عند الإنسان المسلم أن عديد من الجماعات التي تصفها الولايات المتحدة بالإرهابية ، تقاسمها أنظمة عربية الرأي في هذا الوصف ، فالجماعات الإسلامية –الإسلام السياسي - في سوريا وتونس ومصر والجزائر والسعودية والبحرين ، تصنف كجماعات إرهابية ... ، بل أن بعض علماء الدين المرموقين في العالم العربي – في مصر والسعودية تحديدا - نفوا صفة الجهاد حتى عن العمليات التي يقوم بها فلسطينيون ضد الكيان الصهيوني ، واعتبروا مفجري العبوات الناسفة انتحاريين لا استشهاديين ...، فهل تلام الولايات المتحدة إن اعتبرت هذه الجماعات كجماعات إرهابية وتطالب بناء عليه من العالمين العربي والإسلامي مساعدتها بالقضاء عليهم ، وتطالب السلطة الفلسطينية بتفكيك حركتي الجهاد وحماس ؟.

مما لا شك فيه أن المزاعم الأمريكية والصهيونية حول نعت العمليات الإستشهادية بالإرهاب هي مزاعم لا تقوم على أي اساس أخلاقي أو قانوني أو واقعي فحق الشعوب في مقاومة الإحتلال منصوص عليه في كل المواثيق الدولية والشرائع الدينية ، والشعب الخاضع للإحتلال له حرية وصف نضاله بما يتناسب مع عقيدته وايديولوجيته فإن شاء سماه كفاحا مسلحا أو حرب عصابات أو حرب تحرير شعبية الخ ، وإن شاء سماه جهادا أو عمليات جهادية . أما الزعم بان المسلمين يوظفون الدين لأغراض سياسية ، فهذا الزعم قد يكون صحيحا في بعض الحالات وهو مرفوض بالنسبة لنا إن أخذ شكل حرب أهلية أو تصارع على السلطة ،أما فيما يتعلق بمعارضتهم لتوظيف الدين لمحاربة العدو الصهيوني فهذا مردود عليه ، أولا : لأن الكيان الصهيوني كيان إستيطاني إحتلالي قائم على الإرهاب والغصب ومقاومته واجبة على كل مواطن بغض النظر عن دينه ولونه ، ومن المعروف أن مناضلين وقادة أوائل في الثورة الفلسطينية كانوا من المسيحيين – جورج حبش ونايف حواتمه وناجي علوش الخ- . أيضا شارك في القتال إلى جانب الثورة الفلسطينية العديد من المناضلين من مختلف جنسيات العالم واديانه بل شارك فيها يهودا خلال السبعينيات قاموا بعمليات عسكرية داخل فلسطين وتم إعتقالهم . وثانيا : كيف يقول الغرب وإسرائيل هذا القول وجزء كبير من التاييد الغربي المسيحي لإسرائيل قائم على أساس ديني – الكتاب المقدس عند المسيحيين يشمل العهد القديم وهو التوراة اليهودية والعهد الجديد وهو الغنجيل المسيحي – كما أن الكيان الصهيوني قائم بالأساس على مزاعم ومقولات دينية كمقولة وعد الرب وأرض الميعاد ... و الجماعات الدينية المتطرفة في إسرائيل هي التي تتحكم في سياسة البلاد ، هذا ناهيك عن ان دولة الكيان الصهيوني هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح جنسيتها على اساس ديني .
إذن من حق الشعب الفلسطيني أن يقاتل باسم الجهاد او باسم الشرعية الدولية ومن واجب كل عربي ومسلم مناصرة ومشاركة الفلسطينيين في قتالهم ، ولكن هذا لا يمنع من عقلنة الممارسة الجهادية والإستشهادية حتى لا تضر بعدالة القضية وقدسية المبدا ، وحتى لا يكون الجهاد بدون طائل . وعندما نقول بعقلنة المقاومة فهذا لا يعني دعوة للتخلي عنها بل دعوة للبحث عن طرق ووسائل جديدة للمقاومة تأخذ بعين الاعتبار واقع العالم اليوم وواقع النظم والحركات السياسية العربية والإسلامية .فمثلا عندما يرفع المجاهدون راية الجهاد لتحرير فلسطين ، فأن تحرير فلسطيني يعني القضاء على إسرائيل ، وإسرائيل دولة يعترف بها المنتظم الدولي بل حتى دول عربية وهي عضو في هيئة الأمم المتحدة ... فكيف يمكن أن نطالب العالم ان يقف إلى جانبنا للقضاء على دولة معترف بها ؟ نفس الأمر بالنسبة للعمليات الإستشهادية ، فهذه العمليات بالرغم من شرعيتها وكونها ردا على إرهاب صهيوني لا يرحم صغيرا ولا كبيرا من الفلسطينيين ، فهي تثير غضب الرأي العام العالمي الذي لا يفهم القيمة التي يمثلها الإستشهاد عند المسلم ، وينظر لها باعتبارها عمل إرهابي .
وواقع الحال ما دام الفلسطينيون غير قادرين وحدهم على القضاء على الكيان الصهيوني ضمن موازين القوى القائمة اليوم وما دامت الأنظمة والحركات السياسية العربية والإسلامية غير معنية بالجهاد في فلسطيني – فهي ترسل المقاتلين والمجاهدين والأموال إلى كابول وقندهار وكشمير وكوسوفو وتتجاهل القدس المحتلة وكأن تلك البلاد النائية أكثر قدسية من القدس – وغير قادرة ولا راغبة بتبني الجهاد في فلسطين ، فعلى الفلسطينيين أن يستقطبوا إلى جانبهم الرأي العام الدولي وتأييد دول العالم ، وهذا يتطلب وضع برنامج عمل وطني مرحلي يأخذ بعين الإعتبار هذه الخصوصيات ، برنامج لا يتخلى عن الحق بالمقاومة ولكن تمارس المقاومة أو الجهاد بمفهوم واسع ضمن استراتيجية عمل وطني لا كخيار حزبي او فئوي وأن يتم التفكير بقصر العمليات الاستشهادية على مناطق محددة او وقفها مؤقتا إن احتاجت المصلحة الوطنية ذلك .
وكأن التاريخ يعيد نفسه ،فكما حدث إثر هزيمة 1967 حيث أرتفعت بعض الأصوات مطالبة السير على نفس طريق حرب الشعب في الجزائر وفيتنام باعتباره الطريق الوحيد لاسترداد الحق60،ترتفع أصوات اليوم تطالب بالسير على طريق حركات التحرر السابقة وعلى طريق حزب الله في لبنان ، متجاهلين الخصوصيات وتحديدا ما بين تجربة حزب الله والمقاومة الفلسطينية . وهكذا أحتدم الجدل والنقاش في الأيام الأخيرة حول الدروس الممكن استخلاصها من انسحاب إسرائيل من الجنوب ، وللأسف حوٌَل البعض الأمر من نصر بالانسحاب إلى فرصة للهجوم على الفلسطينيين وحركة المقاومة الفلسطينية ،واختلاق مقارنة لا محل لها بين الحالتين ، وأجدها مناسبة لإثارة موضوع كان من الضروري إثارته وهو كيف يمكن للمثقف أو السياسي أو المواطن الفلسطيني بشكل عام أن يمارس حقه في النقد الذاتي وفي نفس الوقت لا يشوه التاريخ النضالي الفلسطيني ولا يروج لسياسة الإحباط والتيئيس ولا يصاب بعقدة تعذيب الذات ؟.
سأستشهد بداية بما قاله الشاعر الكبير محمود درويش في كلمته التي ألقاها في احتفال جامعة بير زيت بالذكرى الأولى لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي ،حيث قال :- ( ربما لا يصلح المثال اللبناني لأن يحتذى بحذافيره في كل مكان ،وربما لن تكون المقارنة بينه وبين طرف آخر ،شديد التعقيد ،اكثر من وليمة لتعذيب الذات بلا سبب .بيد أن البديهية التي لا تبتذل بمرور الزمن ،تعلمنا أن تحرر الإرادة شرط لتحرير الأرض ،وأن في أعماق كل شعب طاقة روحية قادرة على ابتكار بلاغتها الوطنية التي تتلاءم مع الظروف الخاص والمحدد ، لذلك نصفق للبنان )- 61
مما لا شك فيه وما لا يختلف عليه اثنان أن حزب الله قام بأعمال بطولية ضد العدو ، ومنذ سنوات والعالم يتابع أعمال البطولة لحزب الله في جنوب لبنان ،متابعة مشحونة بالإعجاب بتضحيات وبطولات شباب يضحون بأنفسهم من Hجل الوطن وفي سبيل الله ، ولم يكن يخامرنا أدنى شك في صدق الشهادة وعظمة التضحية ونبل الهدف للذين يستشهدون ، كنا دوما ننظر إلى هذه الأعمال وعمليات حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين كمؤشرات على أن أمتنا ما زالت لم تستسلم وأن هناك شبابا مستعدون للشهادة في سبيل الوطن ، لم تكن هناك أذن أي مشكلة حول مبدأ الشهادة وروح النضال ، ذلك أن وجود احتلال يستدعي بالضرورة وجود الحق بالمقاومة ،هكذا تعترف وتنص كل الشرائع الدينية والوضعية .

إلا أن ما يثير الاستغراب موقف البعض من الذين عملوا مقارنة ما بين حركة المقاومة اللبنانية في الجنوب -حزب الله - وحركة المقاومة الفلسطينية ، بعضهم بحسن نية ولكن بالنسبة لآخرين مقارنة غير بريئة أو غير موضوعية حيث لا قياس مع وجود فارق .فهؤلاء لم يروا في الموضوع إلا جانبا واحدا وهو أن حزب الله قاتل بصدق وحق ضد إسرائيل وحقق أهدافه بإجبار إسرائيل على الانسحاب فيما المقاومة الفلسطينية فشلت في تحقيق أهدافها ،أو القول إن التجربة في جنوب لبنان يمكن أن تحتذي بحذافيرها.وهذا المنطق يريد أن يقول أيضا إن من يقف وراء حزب الله أوفوا بواجبهم القومي والإسلامي في الصراع ضد إسرائيل ما دامت إسرائيل انسحبت من الجنوب ،وبالتالي فهم غير مقصرين ،وإن لم يحرر الفلسطينيون بلادهم فالخلل في الفلسطينيين وفي نهجهم العسكري والسياسي.
كان الأمر سيكون عاديا لو أن المقارنة بريئة وهدفها تمجيد روح المقاومة -والمقاومة اللبنانية تستحق ذلك -والتأكيد على شرعية الجهاد ضد من يحتل الأرض حتى وإن كان متفوقا استراتيجيا .إلا أن ما يفعله البعض أنهم يريدون التهرب من مأزقهم وحراجة موقفهم وذلك بالهروب إلى الأمام بالطعن بالثورة الفلسطينية والسلطة الفلسطينية بل بالشعب الفلسطيني ، وتحميل الفلسطينيين المسؤولية عن عدم تحرير فلسطين . وكان موقف البعض واضحا عندما صرحوا بأن نهج حزب الله ومن يدعمه بالضرورة وخصوصا سوريا وإيران هو الصحيح ونهج المقاومة الفلسطينية -منظمة تحرير وسلطة فلسطينية -نهج خاطئ ومستسلم ،وعليه على الفلسطينيين أن يقتدوا بحزب الله إن أرادوا أن يحققوا أهدافهم.
ولكن هل من العدل والإنصاف أن نعمل مقارنة ما بين الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان وبالتالي مقاومة حزب الله لتحرير الجنوب من جهة والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والمقاومة الفلسطينية لتحرير فلسطين من جهة أخرى ؟.وهل من الإنصاف الحديث عن انتصار حزب الله وهزيمة المقاومة الفلسطينية ؟ وهل من العدل أن نضع احتلال إسرائيل لجنوب لبنان في مساواة مع احتلال الحركة الصهيونية لفلسطين ؟ . وهل القضية هي الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان أم احتلال فلسطين وما احتلال جنوب لبنان إلا جزئية في صراع أشمل وهو الصراع ضد الوجود الصهيوني ؟ . وهل الصراع في الشرق الأوسط بدأ مع احتلال الجنوب ؟.
من المفيد أن نؤكد أنه لو لم تكن مقاومة مسلحة في الجنوب ما فكرت إسرائيل بالانسحاب من الجنوب على الأقل في ذلك الوقت – مايو 2000- . ولكن حتى نضع الأمور في سياقها نعود إلى البدايات ونتساءل ،لماذا احتلت إسرائيل جنوب لبنان ؟ . الكل يعلم أن احتلال إسرائيل لجنوب لبنان جاء في سياق الحرب الشرسة التي كانت ما بين المقاومة الفلسطينية المتحالفة مع الحركة الوطنية اللبنانية من جهة وإسرائيل من جهة أخرى وذلك منذ بداية السبعينات ،ويعود احتلال إسرائيل لجنوب لبنان إلى عام 1978 عندما كان الجنوب يسمى fateh land أي ارض فتح ،في الجنوب كان التواجد الرئيس للقوات الفلسطينية حيث صواريخ كاتيوشا تقصف يوميا شمال فلسطين وحيث عمليات التسلل الفلسطيني لمهاجمة المواقع الإسرائيلية ،آنذاك كانت استراتيجية المقاومة الفلسطينية المعلنة هي القضاء على إسرائيل وكانت المقاومة متحالفة مع حركة وطنية لبنانية – قبل ظهور حزب الله - متفقة معها في الهدف .

إذن كان جنوب لبنان قاعدة تهدد ليس شمال إسرائيل فحسب بل قاعدة تمثل تمركزا لكل القوى الوطنية والقومية والإسلامية التي تناضل ضد وجود إسرائيل ،وبالتالي كان يسبب إحراجا لكل حركة أو نظام يتعارضان مع نهج الثورة والتحرير والصدام المباشر مع العدو . احتلت إسرائيل جنوب لبنان آنذاك في إطار مواجهتها لحركة مقاومة تطالب بتحرير كل فلسطين ،وفي إطار جبهة تحالف ما بين المقاومة الفلسطينية وحركة المقاومة اللبنانية التي تتفق معها في هدف تحرير فلسطين ،كان احتلال الجنوب يمثل قيمة استراتيجية عسكرية لإسرائيل لأنه يحمي شمالها من القصف بالإضافة بطبيعة الحال الى ما في الجنوب من منابع مياه ،واصبح هناك في جنوب لبنان قوات عميلة لإسرائيل ، وفي عام 82 وسعت إسرائيل من مساحة الأرض التي تحتلها.
بعد إخراج القوات العسكرية لمنظمة التحرير من لبنان عام1982 ،استمر جنوب لبنان مهما لإسرائيل لاستمرار وجود حركة مقاومة لبنانية ونسبيا فلسطينية تلتزم باستراتيجية محاربة إسرائيل والقضاء عليها ،حيث كانت استراتيجية حزب الله المعلنة آنذاك ،الذي اصبح القوة الرئيسية في الجنوب هي الرفض المطلق لوجود إسرائيل ،ولم يكن يطرح آنذاك إخراج إسرائيل من الجنوب بل قيادة حركة مقاومة إسلامية لتحرير فلسطين متبعا الخطاب الإعلامي للثورة الإيرانية حديثة العهد . ولكن ما برر الوجود الإسرائيلي في الجنوب هو تواجد حوالي ثلاثين ألف جندي سوري في لبنان في ظل سياسة سورية ترفع شعارات تحرير فلسطين وعدم الاعتراف بإسرائيل أو التفاوض معها .
بعد إخراج قوات منظمة التحرير من لبنان وفي ظل صمت عربي ومشاركة من بعض الأطراف ، حدثت عدة أحداث تستدعي التأمل فيها وربطها بموضوعنا الرئيس .أولى هذه الأحداث هو الانشقاق داخل حركة فتح الذي دعمته وتبنته سوريا ، و الحدث الثاني هو تدشين حركة أمل حملة عسكرية ضد التواجد الفلسطيني في لبنان وهي الحملة التي أبرزت الى السطح قوة الطائفة الشيعية وسعيها للعب دور في الساحة اللبنانية ،يحل محل دور السنة والدروز الذين تحالفوا مع منظمة التحرير الفلسطينية إلى درجة المواجهة المباشرة مع سوريا ،وقد تزامن كل ذلك مع تحالف سوريا مع الثورة الإيرانية ، هذه الأحداث تزامنت مع وضع حد للحرب الأهلية في لبنان ،ولكن الجبهة الوحيدة للمقاومة ضد إسرائيل -تحالف منظمة التحرير مع الحركة الوطنية اللبنانية -تم القضاء عليها وجنوب لبنان ما زال محتلا بالإضافة إلى الجولان ،وكان لا بد من خلق مواجهة تعطي مصداقية لخطاب الثورة والتحرير الذي يرفعه التحالف السوري الإيراني ،والتغطية على حدث ضرب الثورة الفلسطينية ،وكان لا بد من استجابة ما للمشاعر الوطنية الصادقة لقطاع واسع من الشعب اللبناني الذي يؤمن بعروبة فلسطين وبالواجب الديني لتحريرها أولئك الذين تربوا في قواعد الثورة الفلسطينية وتعلموا فيها فنون القتال وكان تسليحهم الأول منها … ،فكان حزب الله وفتح جبهة جنوب لبنان …
لا شك أن المقاتلين والمجاهدين الذين انخرطوا دون تردد في صفوف حزب الله كانوا صادقين في مشاعرهم وصادقين في طلب الشهادة ،لم يكونوا يقاتلون من اجل تحرير الجنوب بل كانوا يقاتلون إسرائيل التي تحتل فلسطين والقدس بالإضافة إلى الجنوب ،كان القتال لتحرير الجنوب بالنسبة لأفراد حزب الله مجرد جزئية في عملية كبرى وهي تحرير فلسطين ،وبدأت المقاومة في الجنوب تستقطب مزيدا من المقاتلين من لبنانيين وفلسطينيين وعرب ومسلمين ، ولكن المخططين الكبار لم يكونوا يريدون لثورة مسلحة -المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية -تقاتل ضد إسرائيل أن تخرج من الباب لتدخل من النافذة ،وإلا ما كان مبرر لكل ما جرى صيف 1982 ، وبدأت ودون علم المجاهدين والمخلصين من شباب المقاومة ،لعبة كبرى تجري من الكبار - لعبة متفق عليها ضمنيا دون عقد مبرم - لعبة تقوم على محاولة كل طرف توظيف المقاومة في الجنوب لخدمة سياساته الخاصة دون السماح للمقاومة بأن توصل أطراف اللعبة إلى الدخول في حرب مباشرة ، لعبة تتلخص في أن تحل المقاومة لتحرير جنوب لبنان محل حركة المقاومة الفلسطينية والعربية والإسلامية لتحرير فلسطين …. وكان اتفاق نيسان أوضح تعبير عن قواعد هذه اللعبة ،تحديد نوع السلاح ومكان المعركة ، بحيث تم الاتفاق أن المعركة مقتصرة على الجنوب ولا يجوز لقذائف المقاتلين أن تتجاوز الجنوب إلى إسرائيل ، وحزب الله يقاتل في إطار شرعية السلطة اللبنانية وبالتنسيق معها وليس ضمن إستراتيجية متعارضة معها كما أن حزب الله يقاتل في إطار الشرعية الدولية ولتطبيق قرارات الشرعية الدولية وهو القرار رقم 452.
لا نتجنى على أحد و لا نقلل من وطنية وإخلاص كل مقاتل في حزب الله ،ولكن هذه هي لعبة الكبار ، ولم يخف مسؤولون كبار في حزب الله وفي سوريا وفي إيران وخصوصا بعد عودة المفاوضات ما بين سوريا وإسرائيل عام 1999 ،أن عمليات حزب الله ستتوقف بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان أو إذا وقعت اتفاقية سلام ما بين إسرائيل وسوريا ولبنان . لقد أختزل البعض الحق بالمقاومة وواجبهم القومي والإسلامي على دعم حزب الله في حربه لتحرير الجنوب ،وحل هدف تحرير جنوب لبنان محل هدف تحرير فلسطين والقدس ،والكل يعلم أن حزب الله لا يستطيع القضاء على إسرائيل ولا يتبنى استراتيجية القضاء على إسرائيل .
في خضم الحديث المتواتر والمضخم عن الجنوب والمقاومة في الجنوب تم نسيان فلسطين وواجب الجهاد لتحرير فلسطين .بل تزامن الاهتمام العربي الرسمي بما يجري في الجنوب وتضخيم قدرات مقاتلي حزب الله -كما كان الإعلام الرسمي العربي يعمل مع أطفال الانتفاضة- مع عمليات محاصرة وتضييق ماديا وعسكريا وسياسيا على الثورة الفلسطينية ومنعها من القيام بأي نشاط عسكري ضد إسرائيل انطلاقا من أي جبهة عربية حتى من الجبهة اللبنانية ، وتزامن مع ترك المنظمة لتغرق في مفاوضات تسوية أمريكية إسرائيلية .واليوم يتم التعامل مع قرار انسحاب إسرائيل من الجنوب ليس كانتصار لروح المقاومة ولتضحيات شباب وشابات حزب الله ومن يقاتل معهم ، بل يروج البعض لهذا الانسحاب وكأنه انتصار للدول التي دعمت حزب الله ،وانه بانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان -أو من جزء منه - برأت ذمة الدول التي كانت تدعمهم .
لقد ظلم كثيرون الشعب الفلسطيني وحركة مقاومته المسلحة إسلامية أو غير إسلامية عندما عملوا مقارنة بين مقاومة حزب الله في الجنوب والمقاومة الفلسطينية ، ونسي هؤلاء أو تناسوا عن قصد أوبنية التشهير بالفلسطينيين ،أن المقاتلين في حركة المقاومة اللبنانية وفي حزب الله تخرجوا من مدرسة الثورة الفلسطينية وأن الثورة الفلسطينية لم تخرج من بيروت وجنوب لبنان مختارة ،وتناسوا أن القيادة الموجهة لحزب الله أصبحت سياستها في الفترة الأخيرة هي القتال من أجل انسحاب إسرائيلي من كيلومترات محدودة يعترف العالم أنها ارض محتلة وتعترف إسرائيل بذلك ولم تعلن إسرائيل يوما إن جنوب لبنان جزء من أراضيها ،ويتناسى هؤلاء انه بعد خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان وبعد انطلاق مسلسل التسوية في المنطقة منذ مدريد بمشاركة سوريا ولبنان وغالبية الدول العربية وبعد بداية التفاوض السوري الإسرائيلي انتهت القيمة الاستراتيجية العسكرية للجنوب - لم تبن إسرائيل خلال عقدين من احتلالها للجنوب أية مستوطنة -،وأصبح التفكير الإسرائيلي يقتصر على كيفية توظيف التوتر في الجنوب وتواجدها هناك للتغطية على القضية الأساسية وهي احتلال فلسطين والتفرد بالشعب الفلسطيني ، وكيف تحصل على أعلى ثمن -وخصوصا كورقة مساومة على الوجود السوري في لبنان -مقابل انسحابها من كيلو مترات من الجنوب لم تعد ذات قيمة استراتيجية .
أما بالنسبة لحركة المقاومة الفلسطينية ،فقد انطلقت بهدف تحرير فلسطين والقضاء على إسرائيل لا بهدف تحرير كيلومترات من الأرض ،هدف المقاومة الفلسطينية تحرير أرض فلسطين التي أضاعتها أنظمة عربية بحروبها العنترية ،كان هدف المقاومة أن تحقق ما عجزت عن تحقيقه كل الجيوش العربية ، وحتى عندما اضطرت حركة المقاومة وبفعل ما تلقت من ضربات وما تعرضت له من مؤامرات ،اضطرت إلى القبول بجزء من أرض فلسطين ،أتهمها كثيرون بالخيانة وبالتفريط بالحقوق … ولا نعرف كيف للمنطق القومي أو الإسلامي أن يعتبر مقاومة تجبر إسرائيل على الانسحاب من كيلومترات ليست جزء من أرض إسرائيل، عملا وطنيا ونصرا للأمتين الإسلامية والعربية … ،فيما تعتبر نوعا من الخيانة قبول جزء من الشعب الفلسطيني مضطرا لإقامة دولة على جزء من أرضه كانت إسرائيل والى وقت قصير تعتبرها جزء اً من ارض إسرائيل ، وذلك بعد كفاح لأكثر من نصف قرن قدم خلاله الفلسطينيون آلاف من الشهداء والمعتقلين والمعطوبين مسطرا أعظم ملحمة إنسانية ،وبعد أن تخلى عنهم عرب ومسلمون ؟ .كيف نقارن بين حزب الله الذي كانت كل عملية يقوم بها يخطط لها في طهران ودمشق وتصور بالفيديو ويتم اختيار الوقت المناسب ويروج لها بشكل مناسب ، وحيث كانت الطائرات المحملة بأحدث الأسلحة تصله من طهران ودمشق ، حزب كانت تنهمر عليه الملايين من الدولارات دون حساب والأسلحة دون مراقبة ،نقارن ذلك بالمقاومة الفلسطينية التي طوردت قواتها من الأردن الى لبنان ومن لبنان تمت ملاحقة قادتها بالاغتيال في تونس وفي قبرص وفي كل مدن العالم ثم تمت محاصرتها في مناطق الحكم الذاتي ،مقاومة لو لم تكن مقاومة حقيقية ما كانوا أخرجوها بالقوة من لبنان بمساعدة عربية ،مقاومة فلسطينية كان أي مقاتل فيها يلقى عليه القبض وهو متجه للشهادة انطلاقا من الجنوب أو سوريا أو الأردن أو مصر ويودع بالسجن ،ومئات منهم ما زالوا ببعض السجون (الثورية )العربية .

ليس هدفنا التقليل من شأن بطولات مقاتلي حزب الله ،فالأعمال البطولية التي قاموا بها هي موضع فخر لكل عربي ومسلم ودوره الإعلامي والتحريضي الملتزم اليوم يخدم القضية بشكل كبير ،ليس الروح النضالية لمقاتلي حزب الله هي محل البحث ، وليس هدفنا القول إن ما جرى على المسار الفلسطيني من حكم ذاتي هزيل هو نصر مؤزر أو أن نهج أوسلو سيعيد لنا حقوقنا التي لم نتمكن من استردادها بالثورة ، ولكن هدفنا الدفاع عن الشعب الفلسطيني الذي أصبح البعض يريده أن يكون كبش فداء هذه المرحلة من الانحطاط العربي ، الهدف الدفاع عن مقاومة فلسطينية إسلامية وغير إسلامية يتهمها البعض اليوم بالفشل والتقصير حتى يخفوا فشلهم هم إن لم يكن خيانتهم لما يرفعون من شعارات ، الهدف أن لا ينسب البعض لنفسه نصرا في معركة لم يخوضوها ، بل هي في الحقيقة مجرد جولة من حرب أشمل مع العدو الإسرائيلي ،هي مجرد تحقيق نقطة لصالح لاعب كانت محصلة اللعبة في النهاية لصالح الخصم ، أراد هؤلاء لفت الانتباه الى تسجيل هدف وتجاهل خسارة المعركة ،خسارة فلسطين ،أرادوا أن يلهون الناس ويشغلوهم بنصر جزئي عن الهزيمة الكبرى ،ضياع فلسطين.

ليس هدفنا التقليل من عظمة حدث التحرير ومرأى جنود العدو وهم ينسحبون لأول مرة من ارض عربية احتلوها بالقوة بعد أن تعودنا على رؤيتهم يحتلون الأرض ويطمحون إلى المزيد ،والأمر أيضا ليس تمجيدا لمنظمة التحرير ونهجها التفاوضي –أو اعتبار ما حققه حزب الله بالقوة حققته أو ستحققه السلطة الفلسطينية بالسلم -، ولكن المرام هو وضع الأمور في سياقها الحقيقي ، وأن نعطي للأشياء أسماءها ولا نجعل الفروع والجزئيات تخفي جوهر المشكلة ،وأن لا يجعلنا الحماس الزائد يغطي على حقيقة أن الشعب الفلسطيني سطر أعظم ملاحم البطولة في العالمين العربي والإسلامي ، و مقابر شهدائه المزروعة في اكثر من دولة عربية خير دليل على ذلك وآلاف المعتقلين والأرامل والأيتام وملايين اللاجئين خير دليل على كونه لم يقصر يوما ،وعليه لا يحتاج إلى أخذ دروس في النضال من أحد وبطولاته في مخيم جنين وفي نابلس وبقية المناطق الفلسطينية خلال الانتفاضة والاجتياح أعترف بها الصديق والعدو وجعلت كل شعوب الأرض تخرج تأييدا للحق الفلسطيني .
لا ندافع عن حال منظمة التحرير والسلطة اليوم كأشخاص ونهج سياسي راهن بل ندافع عن تاريخ شعب وعدالة قضية ، ندافع عن تاريخنا والذي وإن لم يكن كله ناصع البياض فأن به من البطولات والأمجاد ما يجعل الفلسطيني أينما كان يفتخر بفلسطينيته ،يفتخر بأنه ينتمي إلى شعب حارب منذ بداية القرن أعظم قوى الشر والعدوان التي عرفتها البشرية- الصهيونية والاستعمار والإمبريالية - شعب وإن لم يحقق أهدافه، فأنه لم يتخل عن حقوقه ،نعم انه انحنى للعاصفة ولكنه انحنى حتى لا تقتلعه العاصفة وترمي به في مهاوي الردى ، لم يحقق أهدافه لان من نصبوا أنفسهم أوصياء عليه لعقود باسم العروبة وقومية القضية أو باسم البعد الإسلامي وقدسية القضية أو باسم الاشتراكية أو التضامن العربي ، الخ ، لم يكونوا أمناء على القضية ،تدخلوا في القضية باسم شعارات وأيديولوجيات وتخلوا عنها باسم الواقعية والشرعية الدولية ،ولكن ، بعد أن أضاعوا كل فلسطين ،أضاعوا نصفها في تدخلهم عام 1948 وقالوا إنها نكبة بدل أن يسموها باسمها الحقيقي )الخيانة (،وأضاعوا نصفها الأخر عام 1967 ، وبعد ذلك قالوا للشعب الفلسطيني تحمل المسؤولية بنفسك ، وشكلوا له منظمة التحرير الفلسطينية ليحرر الفلسطينيون ما أضاعه العرب وما عجزوا عن تحريره لاحقا ،وليس مصادفة أن الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثل شرعي ووحيد كان عام 1974 أي مباشرة بعد حرب أكتوبر 1973 والتي سموها انتصار أكتوبر العظيم ، ولا ندري أي انتصار هذا ما دامت الجولان وفلسطين محتلة إلى اليوم وسيناء عادت بمفاوضات وعبر تسوية سلمية وكان ثمن عودتها تخلي مصر عن فلسطين ،أليس شيء مثير للسخرية والألم أيضا أن يتخلى العرب للفلسطينيين عن المسؤولية عن القضية بعد أن ضاعت كل فلسطين وبعد أن فشلوا حتى عن تحرير أرضهم المحتلة عام 1967؟ ، وكيف يمكن للفلسطينيين لوحدهم أن يهزموا جيشا هزم كل الجيوش العربية وأذل أنظمتها وما زال يذلها ؟
إن الذين اسندوا لمنظمة التحرير مسؤولية القضية إنما وضعوا القضية في أحد طريقين لا ثالث لهما : إما أن يقاتل الفلسطينيون وحدهم حتى تحرير كامل فلسطين وهو ما يعتبر انتحارا في ظل موازين القوى ما بين الفلسطينيين وإسرائيل ، وإما التوجه نحو التسوية السلمية كخيار استراتيجي أو كتكتيك ومناورة ،وكانت المنظمة تعرف ما يريده الحكام العرب فوضعت برنامجها المرحلي عام 1974 وبدأت خطاب السلام والبحث عن الحلول السلمية .
ليس المقصود من ذلك تبرير كل ما جرى أو تبرير ما يجري من ممارسات في مناطق السلطة ،بل وضع الأمور في سياقها العام ،ونحن نعلم أنه كان في مقدور المنظمة والسلطة الفلسطينية تحصيل أكثر مما حصل عليه الفلسطينيون ، والخلل لا يكمن في القبول بمبدأ التسوية السلمية بل في شروطها وكيفية التعامل معها وطبيعة الأشخاص الذين قادوا عملية التفاوض . نعم يجب أن ندافع عن منظمة تحرير فلسطينية تعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني وتقود نضاله بكل الوسائل حتى يستعيد حقوقه ، منظمة تكون الكيان السياسي والإطار الذي يوحد كل جهود الشعب ويدفع بها في طريق تحرير الوطن ،ولا اقصد بالمنظمة المؤسسات القائمة والأشخاص الحاليين بل المنظمة المعبرة عن رأي الأغلبية وتتمسك بثوابت الشعب الفلسطيني .

دفاعا عن حماس والجهاد الإسلامي وكتائب الاقصى
عندما فندنا المقارنة لم يكن هدفنا التقليل من القيمة المعنوية للنصر الذي حققه حزب الله ، بل عدم توظيفه للتشكيك في حركة المقاومة الفلسطينية بما في ذلك حركتي حماس والجهاد الإسلامي وكتائب الأقصى ، فالمقارنة لا تجوز حتى مع هذه الحركات ،فحزب الله كان يقاتل في أرضه التي هي دولة مستقلة ومفتوحة على كل دول العالم ويقاتل لإجبار إسرائيل على تطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بلبنان واتفاق نيسان كان واضحا في التزام حزب الله بعدم مهاجمة الدولة العبرية ،وعليه فأن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ضَمن حماية شمالها من الهجمات الفدائية وهو الهدف الرئيس لاحتلالها للجنوب عام 1978 ، وعليه فانتصار حزب الله في جنوب لبنان أخرجه من ساحة المواجهة مع العدو الصهيوني ; فيما حماس والجهاد الإسلامي وكل حركات المقاومة تقاتل من داخل فلسطين المحتلة والحدود مغلقة بينها وبين العالم الخارجي ، وهي لا تقاتل من اجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية بل للقضاء على إسرائيل ، ولو رفعت حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين هدفا لها تطبيق قرارات الشرعية الدولية- والذي يعني ضمنا الاعتراف بإسرائيل - كما عمل حزب الله ، لوجدت مزيدا من المؤيدين الدوليين وحصدت مزيدا من الاعتراف بها ،ولكن اعترافها بالشرعية الدولية ينفي مبرر وجودها .
أذن لا الوسائل والإمكانات التي تتوافر عليها الحركة الإسلامية في فلسطين ولا الهدف ولا ظروف النضال يسمحون بعمل مقارنة مع حزب الله .لم يكن هدفنا الدفاع عن المنظمة بقدر ما هو دفاع عن الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية السابقة والحالية والمستقبلية ،فالذين قالوا نجح حزب الله حيث فشلت حركة المقاومة –منظمة التحرير – سيقولون غدا حقق حزب الله ما عجزت حركتي حماس والجهاد عن تحقيقه ، وسيقولون بعد غد فشل الشعب الفلسطيني في الدفاع عن وطنه ،بل يقولها البعض اليوم ،متناسين خصوصية القضية ومبعدين أنفسهم عن المسؤولية .
قد يقول قائل إن السلطة الفلسطينية تخلت عن خيار الكفاح المسلح و تضَيق على المجاهدين وهذا كلام صحيح نسبيا للأسف ، كان خطأ السلطة أنها وضعت بيضها في سلة واحدة – التسوية السلمية- وراهنت على وعود من لا يحفظون العهود ،ولكن في المقابل ، لو تركت السلطة الفلسطينية الحبل على الغارب لدعاة الكفاح المسلح ليفعلوا ما يريدون في الوضع الراهن ، هل سيحررون فلسطين ويقضوا على الدولة العبرية ؟ أشك في ذلك ، ومع افتراض أن السلطة تضيق على المجاهدين فهل السلطة هي التي تجبر سوريا على إغلاق حدودها أمام المقاتلين الفلسطينيين والعمل ضد العدو انطلاقا من الجولان والجنوب اللبناني ،وهل السلطة هي التي أجبرت الأردن على وقف نشاط الحركتين واعتقال قادتهما ثم إغلاق مكاتب مقاومة التطبيع ؟ وهل السلطة هي التي تحول ما بين مؤيدي الحركتين من عرب ومسلمين والقيام بأعمال عسكرية ضد الصهيونية والإمبريالية داخل فلسطين وخارجها لمساندة المقاومة الفلسطينية الإسلامية في الداخل ؟ . الخطأ خطأ الطرفين ،خطأ السلطة لأنها راهنت أكثر من اللازم على خيار التسوية والوعود الأمريكية وخطأ الحركات الإسلامية لأنها لم تزاوج بين الدبلوماسية والعمل العسكري ، الطرفان يتحملان مسؤولية غياب استراتيجية وطنية تجمع ما بين الدبلوماسية والقوة بكل أشكالها .
لا نشكك إطلاقا بصدق ووطنية المنتمين لحركتي الجهاد وحماس وكتائب شهداء الأقصى ولا بقيادتهم ،ولكن هذا الحب العظيم للوطن والرغبة في الشهادة يجب أن لا يكونا عائقا والبحث عن حلول مرحلية و التعامل مع السياسة كفن الممكن ، ويجب ان لا يكون الكسب الحزبي على حساب المصلحة الوطنية . ولن نذهب بعيدا ، ذلك أن من الدروس المستفادة من التجربة الإيرانية في عهد الخميني ومن الانتصار الذي حققه حزب الله ، نلمس أن التحولات الدولية والإقليمية وموازيين القوي تحتم الأخذ بسياسة المرحلية أو التكتيك السياسي ،أو تغيير وسائل المقاومة حسب الظروف ،فالثورة الخمينية لم تقض على الشيطان الأكبر بل لم تدخل معه في أي مواجهة عسكرية مباشرة ،وهي اليوم تبحث عن آلية جديدة للتعامل معه - حتى كشر لا بد منه - ، وحزب الله مارس الجهاد والعمليات الاستشهادية بعقلانية حيث لم يقم بأي عملية استشهادية أو عسكرية داخل فلسطين المحتلة ،وها هو اليوم بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب يقصر عملياته على مزارع شبعا ، وكل عمليات القتل والإرهاب الصهيوني خلال الأنتفاضة لم تزحزحه عن موقفه وتدفعه لفتح جبهة إنطلاقا من جنوب لبنان ليس لعدم إيمان بعدالة القضية بل لأنه يحسب الأمر بعقلانية . ويمكن القول إن طبيعة العلاقة ما بين حزب الله وسوريا ولبنان يدفعنا للقول إن حزب الله كان يقاتل مباشرة ويفاوض عن طريق وسطاء - سوريا ولبنان - لتطبيق قرارات الشرعية الدولية المتعلقة بلبنان وسوريا ،وحقق نجاحا باهرا بالانسحاب الإسرائيلي من الجنوب .


ما جرى في جنوب لبنان يعطي مؤشرات ودروس ومن أهمها:-

أولا : انتصار حزب الله هو انتصار لإرادة الشعوب وهزيمة لسياسة الأنظمة ، .فلا يجوز لأي نظام عربي أن ينسب لنفسه الفضل بالانتصار في جنوب لبنان حتى النظام اللبناني ،فالانتصار هو لإرادة شعب –أو جزء من الشعب – في مقاومة الاحتلال حيث عجزت الدولة عن القيام بواجبها . أنظمة تركت العدو يقصف ويدمر ويقتل المدنيين على مرمى أمتار من مواقع جيوشها دون أن تحرك ساكنا ،أنظمة كان تعلن التأييد للمقاومة اللبنانية وتتباكى على الشهداء فيما هي توقع اتفاقات تمثيل دبلوماسي معه وتعزز علاقاتها معه في كافة المجالات .
ثانيا:- مقاومة حزب الله كانت في إطار الشرعية الدولية ولتطبيق قرارات الشرعية الدولية في شقها اللبناني ،وهذا ما أشار إليه بوضوح اتفاق نيسان وكل التصريحات اللبنانية اللاحقة ،وهي الشرعية التي تعترف بحق إسرائيل في الوجود ، وحتى عندما أدرج أسم حزب الله في قائمة الأرهاب الأمريكية والأوروبية رد مسؤولوا حزب الله ان الحزب يقاتل في إطار الشرعية الدولية وبالتالي ليس تنظيما إرهابيا .
ثالثا:- هناك فرق كبير جدا ما بين الحالة الفلسطينية في وضعها الراهن- السلطة و الحركات الإسلامية - وحزب الله ، سواء من حيث الإمكانات أو من حيث الموقع الجغرافي أو من حيث الأهداف .
رابعا : عندما نتحدث عن إنجازات تحققت داخل الأرض الفلسطينية خلا السنوات الأولى للتسوية ،فلا نعني إنها من إنجازات أوسلو بل هي حصاد هزيل لعقود من المعاناة والكفاح العسكري للمنظمة وللحركات الإسلامية وبفعل الإرادة الشعبية لإعادة تأسيس دولتهم ، و سيكون من الظلم للشعب الفلسطيني أن نعتبر أن نصف قرن من النضال حصيلته صفر.
خامسا : ما مكن حزب الله من تحقيق النصر هو أن استراتيجية المقاومة التي تبناها حضيت بتأييد كل الشعب اللبناني والحكومة اللبنانية ، فلم تتواجد استراتيجية مناقضة تتعامل مع العدو ، وهذا عكس الحالة الفلسطينية اليوم حيث توجد استراتيجيتان متناقضتان : استراتيجية المقاومة والجهاد واستراتيجية التسوية والمفاوضات ، هذا الوضع يضعف من مردودية المقاومة ومن مردودية العمل السياسي واستمرار الحال قد يضعف وحدة الصف الفلسطيني.

الإرهاب الصهيوني في الايديولوجية والممارسة

بفعل قوة نفوذ اليهود واللوبي الصهيوني في العالم وخصوصا في الغرب وبفعل التقصير العربي في الوصول إلى العقل الأمريكي والأوروبي لتوضيح حقيقة ما يجري في فلسطين وبفعل التحيز الغربي لإسرائيل ... تمكنت إسرائيل من تشويه الحقائق وطمس جرائمها المرتكبة سواء في حق الشعب الفلسطيني أو في حق الشعوب العربية الأخرى التي تعرضت للعدوان الإسرائيلي . وهكذا نادرا ما يتحدث العالم الخارجي عن الإرهاب الصهيوني ، وعندما تفوح رائحة بعض الجرائم بحيث لا يمكن تجاهلها أو تفضح من طرف إسرائيليين أو غربيين ، يتناولها الإعلام الغربي وكأنها مجرد تجاوزات أو خروقات غير مقصودة لقواعد القانون الدولي ، أو يتم تبرير هذه الجرائم وكأنها رد لا بد منه على الإرهاب الفلسطيني كما تزعم إسرائيل ، وهذا ما جرى مثلا مع الاعمال الإرهابية التي ارتكبتها إسرائيل إثر اجتياحها لمناطق السلطة الفلسطينية في نهاية فبراير 2002، ففي مؤتمر صحفي عقده اللواء اسحاق غرشون قائد وحدات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية يوم 1 مارس 2002 قال مبررا للاجتياح : " للإيضاح بأنه ليس هناك في الحاضر والمستقبل مكان آمن للإرهابيين ومن أرسلوهم ، وهدفنا هو تدمير البنية التحتية للإرهاب في مخيمات اللاجئين إذا عثرنا عليها ... من المهم التوضيح بان هذا العمل ليس موجها ضد السكان غير المتورطين بالإرهاب . ولقد بذلنا قصارى جهدنا لتفادي إلحاق الأذى بالمدنيين " . ومن المعلوم أنه نتيجة الاجتياح وحسب تقرير لمنظمة العفو الدولية تم قتل أكثر من 600 فلسطيني وجرح أكثر من 3000 أغلبهم من المدنيين. 62-62
لقد حاولت إسرائيل أن تتهرب من المسؤولية بالزعم أن اتفاقية جنيف لا تنطبق على الضفة الغربية وقطاع غزة وبالتالي فأن المادة الثامنة من قانون روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية التي تؤكد على أن الانتهاكات الخطيرة لاتفاقية جنيف الخاصة بمعاملة المدنيين في المناطق المحتلة تعتبر جرائم حرب ، وبالتالي فأن الممارسات الإسرائيلية في الضفة وغزة هي خارج نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية ،إلا القرارات المتعاقبة الصادرة عن مجلس الأمن أو الجمعية العامة بخصوص أوضاع الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة فندت المزاعم الإسرائيلية ، وكان قرار مجلس الأمن إثر الاجتياح الداعي لإرسال لجنة تقصي حقائق إلى المناطق الفلسطينية دليلا على أن الضفة الغربية وقطاع غزة مناطق محمية حسب اتفاقية جنيف الرابعة ، وإن ما ترتكبه إسرائيل فيهما تعتبر جرائم حرب ، ولكن كما سنوضح المشكلة ليست قانونية بل سياسية تتعلق بالحماية الأمريكية لإسرائيل والضغوط الأمريكية على المنتظم الدولي لعدم تفعيل البعد الدولي للصراع في المنطقة وعدم تطبيق قرارات الشرعية الدولية المنصفة للشعب الفلسطيني.
قبل الحديث عن الارهاب الصهيوني ممارسة لا بد من التأكيد أن إسرائيل ليست فقط دولة تمارس أفعالا ارهابية ضد الإنسانية بل هي من حيث المنطلق والتأسيس غير شرعية الوجود ووجودها بحد ذاته فعل ارهابي وجريمة ضد الإنسانية . فقد قامت هذه الدولة على ثلاث مرجعيات كلها تتناقض مع القانون الدولي الإنساني وتعتبر جريمة ضد الإنسانية :-
الأولى :- المرجعية الدينية التوراتية – لا نقصد هنا الديانة اليهودية الحقيقية بل التأويل والتوظيف الصهيوني لها- وهي مرجعية عنصرية لأنها تقوم على مقولة وعد الرب وشعب الله المختار وهاتان المقولتان تتناقضان ليس فقط مع الفهم الصحيح للديانات السماوية التي ينبني وجودها على أن الله رب العالمين لا يمكنه أن يفرق بين الشعوب بتفضيل شعب على شعب آخر بل تتناقض مع العقل والقوانين التي تحكم الشعوب المتحضرة وخصوصا القانون الدولي الإنساني لأن الزعم بأن شعبا أفضل من بقية الشعوب هو نفسه المبدأ الذي تقوم عليه العنصرية والفاشية والنازية.إن رفع إسرائيل سيف معاداة السامية ضد كل من ينتقد ممارساتها أو تتعارض سياساته مع سياساتها إنما هو تعبير فاضح عن عنصرية هذه الدولة لأن معاداة السامية يعني وضع اليهود في كفة وكل العالم في كفة أخرى والكفة اليهودية يجب أن تكون هي الراجحة دوما وإلا كان الويل والثبور لمن يعارض كما حصل مع روجي جارودي وغيره من المفكرين والسياسيين الغربيين الذين جهروا بالحقيقة وانتقدوا الممارسات اليهودية في بلادهم أو انتقدوا إسرائيل .
الثانية :- الصهيونية ، وهي حركة سياسية وظفت الدين لخدمة مشروع إقامة دولة لليهود على أنقاض شعب أخر موظفة مقولة أكدت الوقائع وخصوصا مع انتفاضة الأقصى أنها خاطئة وهي " أرض بلا شعب لشعب بلا ارض" . وقد قال موشي دايان وزير الحرب الإسرائيلي عام 1967 " إذا كنا نملك التوراة وإذا كنا نعتبر أنفسنا شعب التوراة فان علينا أن نمتلك أراضى التوراة " . فالصهيونية على هذا الأساس تتناقض مع القانون الدولي الإنساني ومع كل القوانين الدولية بممارستها حرب إبادة ضد شعب قائم ومسالم ونفيه من أرضه لإحلال شعب آخر مجلوب من بقاع العالم . وهذا ما تلمسه المنتظم الدولي عام 1975 عندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا اعتبرت فيه الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية 54- وكان أقوى اتهام وإدانة للعنصرية الإسرائيلية هو الصادر عن لقاء دوربان في جنوب إفريقيا 2/9/2002 للمنظمات غير الحكومية ، حيث صدر بيان باسم ثلاث آلاف منظمة غير حكومية من كل قارات العالم يعتبر أن إسرائيل " دولة عنصرية ترتكب بطريقة منظمة جرائم ضد الإنسانية وتمارس الإبادة الجماعية والتطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني " ودعا البيان إلى " وقف فوري للجرائم العنصرية التي ترتكبها إسرائيل بانتظام ومنها جرائم حرب وأعمال إبادة وتطهير عرقي وإرهاب دولة بحق الشعب الفلسطيني " .
الثالثة : هي مرجعية سياسية استعمارية حيث تحالفت الحركة الصهيونية مع الحركة الاستعمارية – وخصوصا بريطانيا - في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لتنتزع من الدولة المستعمِرة لفلسطين – بريطانيا - وعدا بإقامة دولة يهودية في فلسطين ،وهو وعد بلفور حيث منح من لا يملك وطنا لمن لا يستحق ، وما زالت إسرائيل إلى اليوم تستمد مبرر وجودها وقوة وجودها من دورها الوظيفي في خدمة المشروع الإمبريالي الهيمني على المنطقة الذي تقوده اليوم الولايات المتحدة الأمريكية ، وهذا ما يفسر لنا أيضا عمق الانحياز الأمريكي للكيان الإسرائيلي.ومن المعلوم أيضا أن إسرائيل هي الدولة الاستعمارية الوحيدة المتبقية في العالم بعد أن تمت تصفية الاستعمار بمفهومه التقليدي .
حتى لا نطيل يمكن القول إن من يرجع إلى نصوص التوراة أو إلى أقوال الحاخامات اليهود أو أقوال قادة الحركة الصهيونية القدامى كجابوتنسكي وشارون وكاهانا وعوفاديا يوسف سيجد أنها مليئة بما يؤكد عنصرية إسرائيل وإيمانهم المطلق بالارهاب فكرا وممارسة . فمثلا يوم 12 ديسمبر 1998 أدلى أحد قادة المستوطنين وهو (إسرائيل هورفيتش) بتصريح حث فيه اليهود على قتل المدنيين العرب مشيدا بالمجرم (باروخ كولد شتاين) الذي ارتكب مجزرة الحرم الإبراهيمي التي ذهب ضحيتها 29 فلسطينيا وهم يؤدون الصلاة داخل الحرم حيث قال " إنني لا اسمي ذلك الحدث مجزرة بل إنني اسميه عيد البوريم – المساخر- و(باروخ كولد شتاين) مبعوث رباني قرر أن يضحي بنفسه وان العرب لا يفهمون سوى لغة القوة " ومن المعلوم أن الإسرائيليين أقاموا نصبا تذكاريا لهذا المجرم. أما الحاخام (عوفاديا يوسف) زعيم حزب شاس الديني المشارك في حكومة شارون فقد وصف الفلسطينيين والعرب بأنهم " أفاعي وكلهم أشرار وملاعين وأن الله نادم لأنه قام بخلقهم ... وأضاف بأنهم أنجاس ومدنسين ولا يوجد كائن أسوء من العرب .. ودعا إلى سحق العرب وذريتهم " ومن الواضح أن هذه الأقوال هي نفسها تقريبا التي كان يرددها النازيون في ألمانيا . ، وتأتي الجرائم التي ارتكبتها الحركة الصهيونية ثم إسرائيل ورفض هذه الأخيرة الخضوع لقرارات الشرعية الدولية لتأكيد أن إسرائيل تعتبر نفسها فوق كل قانون دولي وأنها ما زالت أمينة لمرجعياتها الثلاث دون أن يغرنا خطاب السلام الذي يلوح به البعض من قادتها ، ونعتقد انه لولا الحماية التي تحض بها إسرائيل من طرف الولايات المتحدة والدول الغربية لكان مصير قادة الصهاينة هو مصير ميلوزوفتش إن لم يكن أكثر سوءا .
ومع ذلك فقد وجد من اليهود أنفسهم و الأوروبيين و الأمريكيين ومن المنظمات الدولية من يدين الممارسات الصهيونية ويعلن بالجهر أن إسرائيل تمارس اعمالا إرهابية ، وقد ارتفعت هذه الأصوات وخصوصا بعد الغزو الإسرائيلي لأراض السلطة الفلسطينية في 28 فبراير 2002 والمجازر التي أرتكب في مخيم جنين ، ونقتطف هنا بعض النماذج لشهادات معاصرة على ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب . الأولى لمحام يهودي أمريكي معروف وهو (ستانلي كوهين) حيث قال في مقابلة على الفضاء مباشرة على قناة الجزيرة في تاريخ 29/5/2002 ردا على سؤال حول الأعمال التي مارستها القوات الإسرائيلية أثناء الاجتياح ( لقد كانت أكثر النماذج على قيام إسرائيل بممارسة العقاب الجماعي حيث مئات الفلسطينيين معظمهم من الأطفال والنساء تم قتلهم أو جرحهم و الآلاف تم تشريدهم من منازلهم وتم تدمير منازل ، وتم إنزال ناس من سيارات الإسعاف وتركوا على قارعة الطرق ، تدمير البنى الاقتصادية التحتية وإيقاف شاحنان تابعة للأمم المتحدة محملة بالغذاء والدماء ، وانتهاكات من قبل جنود الإسرائيليين وعزل الفلسطينيين ومنعهم من العودة على منازلهم لعدم امتلاكهم أوراق ثبوتية ، رغم العلم بسكنهم في تلك الأماكن هذه حقيقة كانت نماذج واضحة للعقوبات الجماعية التي تعتبر جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب التي ترتكبها إسرائيل منذ مدة ) . النموذج الثاني أيضا شهادة ليهودي إسرائيلي ما زال حيا وهو (كاتس) حيث اصدر مؤخرا كتابا يؤكد فيه قيام القوات الإسرائيلية يوم 23/5//948 بارتكاب مجزرة جماعية ضد أهالي بلدة الطنطورة ذهب ضحيتها 200 شخص وتدمير القرية بكاملها ، النموذج الثالث هو ما صرح به رئيس لجنة العدل في مجلس الشيوخ البلجيكي حول ارتكاب شارون لمجازر في صبرا وشاتيلا حيث قال يوم 20/1/2002 " إن الشهادات التي جمعناها تثبت بشكل غير قابل للشك وقوع مجزرة مروعة هنا – في صبرا وشاتيلا - في سبتمبر 1982 وضلوع الجيش الإسرائيلي والجنرال شارون الذي كان وزيرا للدفاع آنذاك في تسهيل أو المساعدة على حصول هذه المجزرة "، النموذج الرابع هو ما ذكرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية يوم 13 يونيو 2002 " إن إسرائيل تحتجز في معهد التشريح الجنائي بجثث 21 استشهاديا فلسطينيا ، وأعرب مسؤولون إسرائيليون عن تخوفهم من تقديمهم لمحكمة الجنايات الدولية " الإستشهاد الخامس هو لمنظمة العفو الدولية ، ففي تقرير لها صادر يوم 12 أبريل 2002 أي عقب الاجتياح الإسرائيلي لمناطق السلطة وارتكاب مجازر جنين وبعد ان زار مندوبو المنظمة المنطقة ، أكد تقرير المنظمة على ارتكاب إسرائيل لأعمال تعتبر جرائم ضد الإنسانية وخصوصا انتهاكها للقانون الإنساني الدولي ولاتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بمعاملة المدنيين وقت الحرب ، ويقول أحد مندوبي منظمة العفو الدولية وهو (ديفيد هولي) " يبدو أن العمليات العسكرية التي أجرينا تحريات حولها لم تنفذ لأغراض عسكرية بل لمضايقة السكان الفلسطينيين وإذلالهم وتخويفهم و إلحاق الأذى بهم .فإما أن يكون الجيش الإسرائيلي يفتقر إلى الانضباط إلى أقصى حد او انه يقوم بأفعال تنتهك قوانين الحرب " ويقول التقرير أيضا " في أي جيش في العالم فان الجنود الذين يتصرفون على النحو الذي تصرف به أفراد جيش الدفاع الإسرائيلي حيث حطموا الممتلكات ونهبوها يجب أن يمثلوا أمام محكمة عسكرية فورا " ويلخص تقرير منظمة العفو الدولية الأعمال التي مارسها الجيش الإسرائيلي والتي تدرج كجرائم حرب لتعارضها مع اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي الإنساني بالقول " قام هذا الجيش بأفعال لم تكن هناك ضرورة عسكرية واضحة لها ، وانتهك العديد منها- : كعمليات القتل غير القانونية وتدمير الممتلكات والاعتقال التعسفي والتعذيب وإساءة المعاملة القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان ." والاستشهاد الأخير هو للأمريكي تيد تيرنر مؤسس واحد الملكين لشبكة ( سي –إن – إن ) أكثر المحطات الإعلامية العالمية تحيزا لإسرائيل ففي مقابلة له مع جريدة الجارديان البريطانية يوم 18/6/2002 قال إن إسرائيل تمارس الإرهاب وترتكب جرائم حرب ضد الفلسطينيين ، وهذا التصريح أثار غضب إسرائيل التي قررت اتخاذ إجراءات قاسية ضد القناة المذكورة .
هذا ومن المعلوم أنه نظرا لبشاعة الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في مخيم جنين قرر مجلس الأمن إرسال لجنة تقصي حقائق للمنطقة وشكلت هذه اللجنة بالفعل إلا أن إسرائيل رفضت استقبالها مما دفع الأمين العام للأمم المتحدة لإلغاء هذه اللجنة ، وهذا يحدث لأول مرة في التاريخ أن ترفض دولة استقبال لجنة شكلت من طرف مجلس الأمن ما يؤكد استهتار إسرائيل بكل المواثيق والقرارات الدولية.

أهم الأعمال الارهابية التي ارتكبتها الصهيونية
قائمة الممارسات التي قامت بها إسرائيل وتصنف كاعمال إرهابية طويلة تبدأ ما قبل وجود هذا الكيان وما زالت متواصلة ، وأكبر جريمة ضد الإنسانية هي قيام هذا الكيان الاستعماري الاستيطاني على حساب شعب آخر ، فقد طردت العصابات الصهيونية خلال حرب 1948 ما يزيد على سبعمائة ألف فلسطيني من مدنهم وقراهم إلى خارج فلسطين وما زالوا يعيشون كلاجئين في أرض الشتات وداخل بلدانهم وهذه جريمة ضد الإنسانية وفعل إرهابي ، كما أن تدمير إسرائيل لأكثر من أربعمائة قرية عربية ومحوها من الوجود هو عمل إرهابي ّأيضا استيلاء دولة إسرائيل بعد قيامها على ممتلكات الفلسطينيين العرب هي جريمة ضد الإنسانية ، هذا ناهيك عن الممارسات الارهابية الأخرى كالاعتقال الجماعي والتعذيب وتدمير المستشفيات وحصار وتجويع الشعب الفلسطيني والاغتيالات السياسية الخ .
ومع ذلك سنتوقف عند بعض الأعمال الارهابية التي تتعلق بالقتل الجماعي للمدنيين الفلسطينيين:-

التاريخ التفاصيل
5/1/ 1948 قامت منظمة الهاغاناة اليهودية بنسف فندق سمير أميس في مدينة القدس و أسفر عن مقتل عشرين فلسطينيا كانوا بداخله.
7/1/1948 مقتل خمس و عشرين فلسطينيا إثر قيام العصابات الصهيونية-الأرغون-بإلقاء متفجرات على الفلسطينيين في منطقة باب الخليل في مدينة القدس.
19/1/ 1948 قامت عصابات الهاغاناة بقتل سبعة عشر فلسطينيا في هجوم مسلح على قرى شفاعمرو وطمرة – قضاء حيفا و الناصرة-داخل الخط الأخضر.
14/2/ 1948 قامت عصابات الهاغاناة بقتل أحد عشر فلسطينيا في هجوم مسلح على الفلسطينيين في مدينة حيفا.
3/3/1948 قامت الهاغاناة بقتل ثلاثة فلسطينيين في هجوم مسلح على قرية بير العدس قضاء يافا و طردت ا لفلسطينيين من القرية المذكورة.
13/3/1948 قامت منظمة الأرغون بنسف قطار يحمل مدنيين فلسطينيين قرب مدينة حيفا حيث أسفر الحادث عن مقتل أربعة و عشرين فلسطينيا وإصابة العشرات بجراح.
الأول من أبريل 1948 قيام منظمة الأرغون اليهودية بقتل ستة و عشرين فلسطينيا في مدينة يافا.
9/4/1948 مجزرة دير ياسين قامت عصابات الأرغون وشيترون بهجوم مسلح على قرية دير ياسين – القدس- وهاجمت المدنيين فقتلت 250من بينهم 52 طفل و 25امرأة وقد استخدمت العصابات الصهيونية السلاح الأبيض في قتل الأبرياء و اغتصاب ا النساء.
13/4/1948 هاجمت الأرغون و شتيرن قرية ناصر الدين أسفر الهجوم عن مقتل خمسين مواطنا فلسطينيا.
24/4/1948 قامت عصابات الأرغون بقصف أحياء مدينة يافا مما أدى إلى مصرع العشرات و إصابة المئات من الفلسطينيين بجراح.
5/5/1948 قامت عصابات الهاغاناة وشتيرن بمهاجمة عدة قرى على نهر الأردن و قتلت العشرات من الفلسطينيين بهدف إجبارهم على الرحيل.
14/5/ 1948 قامت العصابات اليهودية بمهاجمة قرية بيت دراس وقتلت ثمانية أفراد- نساء و أطفال-
23/5/1948 مقتل مائتي مدني فلسطيني في بلدة الطنطورة
15/6/1948 قامت الهاغانا بشن هجوم على البيارات الفلسطينية فقتلت تسعة عشر فلسطينيا-مزارعين,نساء وأطفال-
14/10/1953 قامت مجموعة من الجنود الإسرائيليين بمهاجمة قرية قبية و قتلت سبعة و ستين فلسطينيا. إلى جانب تدمير العديد من المنشآت المدنية –45 منزل و مدرسة و مكتب بريد و مركز شرطة-كما قام الجنود الإسرائيليين بقتل عائلة كاملة مكونة من ستة أفراد-أمام الزوج و الزوجة-
28-29/3/1954 قام الجنود الإسرائيليين بارتكاب مجزرة في قرية نحالين-بيت لحم-أدت إلى مقتل أحد عشر فلسطينيا.
28/2/1955 قام الجنود الإسرائيليين بدخول قطاع غزة و قتل تسعة وعشرون فلسطينيا.
10/10/1956 قام الجنود الإسرائيليين بمهاجمة قضاء جنين و قتل خمس و سبعون فلسطينيا.
29/10/1956 مجزرة كفر قاسم : قام جنود إسرائيليين بفتح نيرانهم على العمال العائدين إلى منازلهم في قرية كفر قاسم مما أدى إلى مقتل تسعة و أربعين فلسطينيا.
3/11/ 1956 قامت قوة من الجيش الإسرائيلي بارتكاب مجزرة بشعة في خانيونس أسفرت عن مقتل خمسمائة فلسطيني,المجزرة طالت المنطقة الشرقية من خانيونس و مخيم خانيونس.
10/11/1956 فتح جنود إسرائيليون نيران بنادقهم على الفلسطينيين في غزة-حي الزيتون- وقتلوا ستة و ثلاثين فلسطينيا.
12/11/1956 قام جنود إسرائيليين باقتحام أحد المنازل في غزة و قتلوا العائلة بكاملها و عددهم أثنى عشر فلسطينيا.
13/11/1956 قام جنود إسرائيليون باقتحام مستشفى خانيونس فقتلوا أربع وثلاثين مريضا و فتحوا النيران خارج المستشفى فقتلوا تسعين مدنيا.
يونيو1957 قامت قوات إسرائيلية بقتل خمسة عشر طالبة من مدرسة ابتدائية داخل قرية صنجلة في منطقة مرج بن عامر.
13/11/1966 قام جنود إسرائيليون بمهاجمة قرية السموع-الخليل- وقتلوا خمسين مواطنا
17/9/1982مجزرة صبرا و شاتيلا-لبنان-: حاصر المئات من الجنود الإسرائيليين مخيمي صبرا و شاتيلا في لبنان و دخلت إلى المخيمين المذكورين قوات حليفة-القوات اللبنانية-مع مساعدة إسرائيلية و قتلت ما يزيد على ألفي مدني فلسطيني-الجدير بالذكر أن أرئيل شارون كان وزيرا للدفاع-
. 20/5/1990 مجزرة ريشون لتسيون-عيون قارة-: قام أحد اليهود بفتح نيران بندقيته الرشاشة تجاه العمال الفلسطينيين مما أدى إلى مصرع تسعة عشر-سبعة في الموقع و أتثنى عشر نتيجة التظاهرات الفلسطينية التي اندلعت في أعقاب الحادث الدموي-

25/2/1994 قام المستوطن الإسرائيلي باروخ غولدشتاين بإطلاق النار على المصلين داخل الحرم الإبراهيمي الشريف مما أدى إلى مقتل تسعة و عشرين فلسطينيا و على إثر الأعمال الاحتجاجية الفلسطينية التي اندلعت ضد المجزرة,.فتح الجنود الإسرائيليين نيرانهم و قتلوا واحد و خمسين فلسطينيا,ليصل المجموع إلى ثمانين قتيلا.
25/9/1996 اندلعت التظاهرات الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية بعد افتتاح إسرائيل للنفق أسفل المسجد الأقصى مما أدى إلى وقوع مواجهات ضد الاحتلال وقتل الجيش الإسرائيلي خمس وستين فلسطينيا و أصابوا 1450 منهم بجراح .
29/9/2000 على إثر زيارة شارون إلى المسجد الأقصى اندلعت الانتفاضة الفلسطينية المتواصلة الى اليوم وسقط فيها حوالي ألفى شهيد اغلبهم من الأطفال والشباب والمدنيين وبلغ عدد الجرحى والمصابين 36500 والمعتقلين وصل الى اكثر من سبعة آلاف معتقل
بداية مارس 2002 ارتكبت القوات الإسرائيلية مجازر بشعة بحق المدنيين الفلسطينيين في مخيم جنين وتقدر منظمة العفو الدولية عدد القتلى بستمائة والجرحى بثلاث آلاف وتدير 650 منزلا تدميرا كاملا.
في منتصف ليلة 22 /7/2002 قامت طائرة حربية إسرائيلية من نوع f 16بقصف مجمع سكني في حارة الدرج بمدينة غزة وأسفر القصف عن إستشهاد 15 من بينهم تسع أطفال وإصابة أكثر من مائة وخمسين مواطنا غالبيتهم من الأطفال والشيوخ والنساء.
وقائمة المجازر والإرهاب ما زالت مفتوحة حتى اليوم ...........












الخاتمـة

عود على بدء نقول إن هجوما إعلاميا نفسيا وسياسيا و هجوما عدوانيا ماديا، يستهدف أساسا نضال الشعب الفلسطيني المشروع لاستعادة حقوقه المشروعة ، هجمة تأخذ اسم محاربة الإرهاب ، وإن كانت الولايات المتحدة وحلفاؤها تمكنوا من انتزاع قرار من مجلس الأمن يوم 12/9/2001 خول الولايات المتحدة مسؤولية محاربة الإرهاب ، وإن كانت الولايات المتحدة تمكنت من هزيمة حركة طالبان و أضعفت تنظيم القاعدة وهي تسعى اليوم لتكرار التجربة مع العراق ، فهذا لا يعني القضاء على ظاهرة (الإرهاب) نهائيا ما دام سبب وجود الظاهرة موجودا ، وهو العداء للولايات المتحدة والكيان الصهيوني ، بل قد يكون العداء ازداد بعد ضرب أفغانستان والعدوان على العراق . الأمر الذي يتطلب من الولايات المتحدة أن تعيد النظر في سياستها الخارجية تجاه الشعوب العربية والإسلامية وخصوصا بالنسبة للقضية المركزية لهذه الشعوب وهي القضية الفلسطينية ، فالدعم الأمريكي غير المشروط للكيان الصهيوني كان سببا رئيسا في كراهية شعوب المنطقة للولايات المتحدة ، وهذه الشعوب وعلى رأسها الشعب الفلسطيني لا تطلب الكثير ، فمطلبها بسيط وواضح وعادل وهو تطبيق قرارات الشرعية الدولية بما يحقق قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشريف. وفي حالة عدم التزام إسرائيل بنهج التسوية السلمية العادلة واستمرار الولايات المتحدة في تحيزها لإسرائيل فلا ضمان أن لا يبرز مجددا العشرات من أمثال أسامة ابن لادن والعشرات من التنظيمات الجهادية ذات التأييد الشعبي كحركة حماس والجهاد الإسلامي وكتائب شهداء الاقصى والجبهة الشعبية وبقية التنظيمات الفلسطينية المقاتلة .
وإن كانت الولايات المتحدة وجدت تأييدا لا بأس به في حملتها ضد حركة طالبان وتنظيم بن لادن ، حتى داخل دول المنطقة العربية والإسلامية ، فأن هذا التأييد سيضعف إن لم يتفكك التحالف كليا ، في حالة تعميم الولايات المتحدة لتعريفها للإرهاب ليشمل حركات فلسطينية وعربية مناضلة ضد الكيان الصهيوني ، وهو الأمر الذي بدأ بالفعل مع إصدار أمريكا لقوائم جديدة لتنظيمات تصفها بالإرهابية ، تتضمن حركات مناضلة كحركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وحزب الله ، وربما غدا تصدر قوائم جديدة تعتبر كل من يناهض السياسة الأمريكية ، ولو بالكلمة ، إرهابيا .
ولكن في المقابل ، المطلوب اليوم ، فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ، بلورة إستراتيجية واضحة وصارمة بالنسبة للقضية الفلسطينية ، يُحدد فيها الموقف الفلسطيني والعربي مما يجري ، ونقل هذا الموقف للعالم ، مصحوبا بحملة إعلامية توضح أن التزام العرب بالسلام لا يلغي شرعية الكفاح الفلسطيني ضد إسرائيل ، في حالة عدم ألتزم هذه الأخيرة بالسلام . ومن جهة أخرى مطلوب من علماء المسلمين ورجال الفكر و أولى الأمر ، الاتفاق على تعريف للجهاد ،سواء من حيث ، مَن له الحق الشرعي لإعلان الجهاد ؟ ومن الذي يجاهد ؟ وضد مَن يتم الجهاد ؟ وهذا الأمر يضع الكرة في مرمانا وليس في مرمى الخصم وفي الساحة الفلسطينية يفترض ان يخضع أي عمل عسكري لاستراتيجية عمل وطنية ، بمعنى ان السلطة الوطنية المنتخبة من الشعب تكون المرجعية لتحديد شكل النضال عسكريا او سياسيا لا ان تكون هناك استراتيجيتان متناقضتان .
والخلاصة إن ظاهرة ( الإرهاب ) تستدعي المزيد من البحث والدراسة لوضع ما يسمى تضليلا بالإرهاب الإسلامي في سياقها الصحيح. أن الأمر بحاجة لوضع مقاييس أخلاقية وسياسية وقانونية لتمييز الإرهاب عن كفاح الشعوب من أجل استقلالها. وكذا يحتاج الأمر أن يشمل تعريف الإرهاب حالات العدوان التي تمارسها الدول المهيمنة على الشعوب المستضعفة .والقانون الدولي والمنظمات الدولية بحاجة إلى وضع قواعد قانونية حول هذه الظواهر، بل وإعادة النظر في قواعد الحرب والعدوان كما هي مدونة في القانون الدولي الكلاسيكي حتى تناسب أشكال الحرب والعدوان غير المعلنة التي تمارسها الدول المهيمنة ضد الشعوب المستضعفة .














السيرة الأكاديمية للمؤلف
الأستاذ الدكتور / إبراهيم ابراش
دكتوراه الدولة في القانون العام – علوم سياسية – عام 1985 ،من كلية الحقوق - جامعة محمد الخامس بالرباط .
أستاذ في الجامعات المغربية منذ أكتوبر 1978.
أستاذ في جامعة الأزهر في غزة منذ أكتوبر 2000
صدرت له الكتب التالية :-
1- البعد القومي للقضية الفلسطينية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1987 .
2- البحث الاجتماعي ، قضاياه ومناهجه وإجراءاته ، منشورات القاضي عياض ، مراكش ، 1994 .
3- تاريخ الفكر السياسي : من حكم الملوك الآلهة إلى عصر النهضة ، دار بابل للطباعة والنشر ، الرباط ، طبعة ثانية 1998.
4- المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية ، دار بابل للطباعة والنشر ، الرباط ، 1999 .
5- علم الاجتماع السياسي ، دار الشروق ، عمان ، 1998.
6- المؤسسات والوقائع الاجتماعية : من شريعة الغاب إلى دولة المؤسسات ، بابل للطباعة والنشر ، الرباط ، طبعة ثانية .1999
7- الحركة القومية العربية في مائة عام – عمل جماعي – دار الشروق ،عمان 1998
8- العرب والنظام الدولي الجديد – عمل جماعي – مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت، 2000.
9- الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق – مقاربة للتجربة الديمقراطية في المغرب – سلسلة الزمن ، الرباط 2001.
10- الجهاد : شرعية المبدا والتباس الممارسة ، الرباط ، 2002
11- فلسطين في عالم متغير : فلسطين تاريخ مغاير ، ( تحت الطبع ) .
بالإضافة إلى العديد من البحوث والمقالات المنشورة في المجلات والصحف داخل المغرب وخارجه.
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 09:37 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd

تركيب و تطوير ][ Pssawa.com ][