منطقة الأعضاء

العودة   ملتقى الثقافة والهوية الوطنية > °ˆ~*¤®§(*§ خاص بالدكتور إبراهيم أبراش§*)§®¤*~ˆ° > الكتب

شريط إعلانات الإدارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-31-2016
الصورة الرمزية د.إبراهيم أبراش
د.إبراهيم أبراش د.إبراهيم أبراش غير متواجد حالياً
مدير عام
 

 









افتراضي الطبعة الثالثة من كتاب (صناعة الانقسام : النكبة الفلسطينية الثانية )

الانقسام الفلسطيني وصناعة دويلة غزة

الأستاذ الدكتور
إبراهيم أبراش


2016


مقدمة

العمل العسكري الذي أقدمت عليه حركة حماس منتصف يونيو 2007 وأدى لسيطرتها على قطاع غزة وما ترتب عليه من قطع التواصل بين الضفة وغزة وتشكيل حكومتين وسلطتين متعاديتين ثم تعميم الانقسام إلى كل مناحي الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية ، وإن كان يبدو تتويجا لسيرورة من الخلافات العميقة وتراكما لأزمات إستراتيجية واجهت النظام السياسي الفلسطيني (المشروع الوطني) المعاصر منذ تأسيسه كمشروع حركة تحرر وطني، وتفاقمت أزمته مع ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي من خارج منظمة التحرير الفلسطينية ومع قيام السلطة الفلسطينية باشتراطات خارجية، إلا أن إسرائيل وظفت كل ذلك لاستكمال مخطط استراتيجي استغلت لتنفيذه الخلافات الفلسطينية الداخلية من جانب وظهور المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير 2004 من جانب آخر .
المخطط هو فصل غزة عن الضفة من خلال الانسحاب من داخل قطاع غزة دون إنهاء الاحتلال، وذلك بهدف التخلص من الكتلة البشرية الهائلة في قطاع غزة المحدود جغرافيا، والتخلص من الحالة الثورية في القطاع ، وتدمير مشروع الدولة الفلسطينية القائم على وحدة الضفة وغزة ، تمهيدا لقيام دولة غزة على حساب الضفة الفلسطينية والقدس .
لذا من التبسيط بل من السذاجة تفسير وتبرير ما أقدمت عليه حركة حماس يوم 14 يونيو 2007 بأنه مجرد إجراء أمني أو حسم عسكري أقدمت عليه حكومة شرعية في مواجهة متمردين عليها . لو كان ما جرى مجرد حسم مع منفلتين أو متمردين لكان من المفترض أن تعود الأمور ما بعد الحسم إلى ما كانت عليه قبله ، وهو ما لم يحدث ، لذا فإن ما جرى كان حسما ولكن مع المشروع الوطني والسلطة الوطنية وليس مع خارجين على القانون أو متمردين على الحكومة، لصالح مشروع مغاير وهو مشروع الإسلام السياسي الصاعد آنذاك والمتقاطع مع مشروع الشرق الأوسط الأمريكي والمشروع الصهيوني .
إن رؤية شمولية لمجريات الأحداث منذ الانقلاب إلى اليوم تؤكد بأن ما جرى كان جزءا من مخطط استراتيجي شاركت فيه عدة أطراف ، مخطط تقاطعت وأحيانا تلاقت فيه مصالح عدة أطراف : أولا - إسرائيل الراغبة بالتخلص من قطاع غزة لكثافته السكانية وكونه شَكل عبر التاريخ حالة وطنية مقاوِمَة تستنهض معها الحس الوطني عند كل الفلسطينيين ، وثانيا - واشنطن المتوجهة نحو بناء شرق أوسط جديد يغرق في (الفوضى الخلاقة) وأداتها في ذلك الجماعات الإسلامية وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين المتوافقين مع واشنطن في أن يشاركوا في الحياة السياسية رسميا والتمكين من السلطة، وثالثا- حركة حماس الراغبة في السلطة باعتبارها فرعا لجماعة الإخوان المسلمين ، ورابعا - السلطة الفلسطينية وحركة فتح بعجزهما عن مقاومة هذا المخطط بل ومشاركة بعض القيادات في المخطط قبل أن يتم إسناد الأمر لحركة حماس ، وخامسا - دولة قطر التي لعبت دور العراب لهذا المخطط .
ما جرى كان بمثابة نكبة ثانية للشعب الفلسطيني ، وإن لم تكن نكبة فقدان الأرض فإنها نكبة انقسام سياسي واجتماعي وثقافي دمر الحلم والأمل وأجهض ممكنات توحيد الجغرافيا والشعب ليواجه الاحتلال موحدا.
لم يكن الانقسام (النكبة الثانية) نتيجة خلاف فتح وحماس أو هزيمة مسلحي فتح والسلطة أمام مسلحي حركة حماس ، بل كانت له مقدمات تكمن في الخلل المزمن للنظام السياسي الفلسطيني منذ تأسيسه ، وله تداعيات تتجاوز سيطرة حماس على قطاع غزة ، كما أنه يتجاوز خلاف فتح وحماس ، وغير منقطع الصلة بمعادلة إقليمية ودولية ، وهدفه في النهاية تقليص المشروع الوطني واختزال فلسطين بدولة غزة .
ها قد مرت تسع سنوات عجاف من الانقسام الذي شل ودمر المشروع الوطني، وأرجع الوضع الفلسطيني سياسيا واجتماعيا واقتصاديا عقودا للوراء. انقسام كان سببا في الحصار على قطاع غزة وفي إضعاف السلطة الوطنية ، وكان سببا في مزيد من ضعف المفاوض الفلسطيني وتغول إسرائيل في الضفة والقدس ، وكان سببا في وصول المقاومة لطريق مسدود حيث يؤول الأمر بعد كل جولة عدوان على القطاع إلى اتفاقات وقف إطلاق نار مذلة بين إسرائيل وفصائل المقاومة في قطاع غزة ، وخلال هذه السنوات فشلت كل الوساطات العربية والإسلامية كما فشلت مئات جلسات حوارات المصالحة الوطنية في إنهاء الانقسام .
بالعقل والمنطق لا يمكن إرجاع الانقسام وتفسير فشل كل محاولات المصالحة الفلسطينية إلى تشبث كل من فتح وحماس بمواقفهما، صحيح أن نخبا في الجانبين مستفيدة من الانقسام ومعنية باستمراره ، ولكنها ليست وحدها السبب في استمرار الانقسام بما يُعيق توحيد غزة والضفة في سلطة وحكومة واحدة ، فما جرى كان جزءا من معادلة إقليمية كبيرة وإنهائه يحتاج لمعادلة جديدة .
صيرورة الأحداث في مصر بعد عزل مرسي في يوليو 20013 ونهاية حلم الإخوان المسلمين في السلطة والحكم كانت بمثابة الانقلاب على ما كان يُحاك للمنطقة وفيما يخص مستقبل قطاع غزة والقضية الفلسطينية بشكل عام ، إلا أنه لا يبدو أن الانقسام سينتهي قريبا ، فإسرائيل ستحافظ على الانقسام وستستدرج حركة حماس لمفاوضات قد تستمر لسنوات حول الهدنة والميناء ورفع الحصار دون تمكين حركة حماس من دولة كاملة السيادة على قطاع غزة ، كما جرى مع منظمة التحرير حيث استمرت المفاوضات بين الطرفين لسنوات دون أن تمنح إسرائيل منظمة التحرير والشعب الدولة المنشودة .
إن كنا رحبنا بلقاء مخيم الشاطئ يوم 23 أبريل 2014 الذي حرك ملف المصالحة من خلال الاتفاق على تشكيل حكومة توافقية وتحديد موعد للانتخابات بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة إلا أن تشكيل الحكومة يوم 2 يونيو بعد مخاض عسير لم يغير من الوضع بل ازدادت الامور تفاقما والانقسام ترسخا .
إن توحيد قطاع غزة والضفة الفلسطينية في إطار حكومة وسلطة واحدة وعودة التواصل بينهما يحتاج لمزيد من الجهود وتخطي عديد العقبات والشروط وخصوصا شروط الرباعية وإسرائيل، بمعنى أن أية مصالحة فلسطينية تنهي الانقسام وتُعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14 يونيو 2007 على أقل تقدير ستكون إما في إطار تسوية سياسية شاملة أو مواجهة شاملة مع الاحتلال ، وما عدا ذلك سيستمر واقع الفصل بين غزة والضفة أو إدارة للانقسام .
في كتابنا هذا سنرصد مسلسل صناعة الانقسام كما عشنا الحدث ومن خلال كتاباتنا المباشرة ، كما نبحث في التوظيف السياسي لحصار غزة وفي عبثية حوارات المصالحة ونقترح رؤية إستراتيجية لإعادة بناء المشروع الوطني من خلال المصالحة الوطنية الشاملة . وسيلاحظ القارئ أننا وظفنا في الكتاب مقالات سابقة لنا ، وذلك لنوثق للتاريخ ونبرئ أنفسنا من المسؤولية عما جرى ، حيث كتبنا في حينه وحذرنا مما كان يجري ، بما في ذلك كتاب استقالتنا من منصب وزير الثقافة الذي توليناه لأشهر بعد الانقسام مباشرة .
لقد سبق وأن تابعنا فصول مسلسل الانقسام المأساوي حدثا حدثا ويوما بعد يوم من خلال كتاباتنا ولقاءاتنا عبر الفضائيات وتحدثنا مباشرة مع ذوي الشأن محذرين من خطورة ما يجري ، وتعرضنا لمضايقات من كلا الطرفين لا لشيء إلا لأننا كنا وما نزال نصر على كشف الحقائق وتنوير الجمهور بها ، وإن كنا ومعنا غالبية الشعب المتضرر من الانقسام لم نستطع وقف الانقسام وتداعياته فعلى الأقل نستطيع كشف اللثام أمام الشعب الفلسطيني العظيم حتى يعرف المؤامرة التي حِيكت ضده ، كي يبحث عن مخارج لأزمة الانقسام ولمجمل الحالة الوطنية وخصوصا في ظل توقف المفاوضات ، واحتمال اتخاذ إسرائيل خطوات من جانب واحد سيكون لها تداعيات خطيرة على السعي الفلسطيني نحو الاستقلال والدولة المستقلة ولو في حدود ما تمنحه لنا الشرعية الدولية من حقوق سياسية على حدود 1967.
الأستاذ الدكتور / إبراهيم أبراش
غزة : مارس 2016

الفصل الأول
مقاربة مفاهيمية للمشروع الوطني الفلسطيني وللانقسام

في الحالة الفلسطينية تأخذ المفاهيم والمصطلحات معاني ودلالات غير تلك التي تأخذها في الدول والمجتمعات المستقلة والمستقرة ، فلا المجتمع هو المجتمع ولا الدولة هي الدولة ولا السلطة هي السلطة ولا النظام السياسي الفلسطيني هو المتعارف عليه في علم السياسة . كما أن التعددية السياسية في الحالة الفلسطينية ليست تلك المعروفة في الأنظمة الديمقراطية والتي تعتبر مظهرا ومتطلبا ديمقراطيا. وفي الحالة الفلسطينية تتداخل المفاهيم والمسميات بحيث يحتار المرء أحيانا ما إن كانت مترادفات أم تختلف عن بعضها البعض : الثورة الفلسطينية ، النظام السياسي الفلسطيني ، منظمة التحرير الفلسطينية ، السلطة الفلسطينية ، حركة المقاومة الخ .
عندما نقول الانقسام فالسؤال: ما هو الشيء الذي انقسم ما دام المجتمع الفلسطيني منقسما جغرافيا منذ 1948 حيث يتوزع نصف الشعب بين ثلاثة تجمعات داخل الوطن ، ونصفه الآخر في دول الشتات ، وإن تحدثنا عن انقسام وتعددية سياسية فالجغرافيا والأيديولوجيات صنعا الانقسام السياسي قبل أن تصنعه استحقاقات الصراع على السلطة .


المبحث الأول
من الشتات والانقسام الجغرافي إلى الانقسام السياسي

المشكلة في الانقسام الذي جرى يوم 14 يونيو 2007 ليس أنه فصل سكان غزة عن سكان الضفة ، فلعقود والمنطقتان منفصلتان جغرافيا دون أن يؤدي الفصل والشتات إلى انقسام الشعب ، بل في ظل الشتات انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة وقامت منظمة التحرير كإطار جامع للكل الفلسطيني . الانقسام الذي نتحدث عنه هو الانقسام السياسي أو الانقسام في المشروع الوطني الفلسطيني ، وحتى ضمن هذا السياق يمكن للمرء أن يتساءل هل هو انقسام السلطة الوطنية إلى سلطتين ؟ أو انقسام الحكومة إلى حكومتين ، حكومة في الضفة والحكومة المقالة في غزة ؟ أم انقسام ساكنة مشروع الدولة الوليدة بقطع التواصل بين فلسطينيي الضفة وفلسطينيي قطاع غزة ؟ أو الانقسام إلى مشروع وطني ومشروع إسلام سياسي ؟ أو انقسام المشروع الوطني الفلسطيني كمشروع تحرري لشعب خاضع للاحتلال ؟ ، أو انقسام بين تيار المقاومة والجهاد وتيار التسوية السياسية ؟ الخ .
موضوع الانقسام محل بحثنا هو المشروع الوطني الفلسطيني ، وكل الانقسامات في الموضوعات الأخرى المُشار إليها هي تداعيات ونتائج ، وبعضها قد يكون سببا في انقسام المشروع الوطني باعتباره مشروع الكل الفلسطيني . وفي هذا السياق يجب التنويه بأن المشروع الوطني ليس مشروع حزب بعينه ولذا يجب إسقاط الوهم أو التصور الذي يهيمن على تفكير البعض ويؤثر على سلوكهم السياسي بأن المشروع الوطني حكر على تنظيم حركة فتح أو أنه منظمة التحرير بواقعها الراهن أو مشروع أوسلو والاتفاقات الموقعة مع الإسرائيليين وما أفرزت من ترتيبات وتنسيق أمني أو هو الحكومة ، أيضا المشروع الوطني ليس مشروع حركة حماس أو أي من التنظيمات التي تقول بالمقاومة.
المشروع الوطني هو مشروع معركة الاستقلال الوطني وهو نقيض الاحتلال ونقيض المشروع الصهيوني وبالتالي تعبير عن الكل الوطني. المشروع الوطني ليس مُلكا لحزب بل مُلكا لمن يستطيع تحمل استحقاقاته النضالية وحمايته من أي تدخلات خارجية تحرفه عن وجهته الوطنية، والمشروع الوطني رديف استقلالية القرار الوطني، فمن لا يملك قرارا مستقلا لا يمكنه أن يؤسس أو يقود مشروعا وطنيا.
لا يمكن لشعب تحت الاحتلال أن يواجه الاحتلال ومناوراته واعتداءاته إلا في إطار مشروع وطني تحرري يتوسل كل السبل لتحقيق أهدافه ، المقاومة الشعبية كحالة دائمة والمقاومة المسلحة حيث تكون ممكنة وبالشكل المناسب لظروف المرحلة وفي إطار إستراتيجية وطنية ، والمفاوضات والتسوية السلمية .
إن من يروم قيادة المشروع الوطني عليه توسل كل الطرق السلمية والعسكرية ولكن في إطار إستراتيجية عمل وطني ولا تناقض ما بين نهج السلام ونهج المقاومة بمفهومها الوطني الشمولي .
لم يكن الخلل في دعاة التسوية أنهم ينشدون السلام والتسوية السلمية ، كما لم يكن الخلل بدعاة المقاومة المسلحة أنهم يتمسكون بالحق بالمقاومة ، ولكن الخلل في الانقسام الاستراتيجي فكرا وممارسة بين دعاة السلام ودعاة التسوية ، وهو انقسام يؤسَس في رأينا على جهل بالسلام وجهل بالمقاومة . إن كل حركة تحرر وطني هي مشروع سلام لأنها تهدف لغايات قانونية ونبيلة منصوص عليها في المواثيق الدولية ، فهذه تعطي الشعوب الحق بتقرير مصيرها والحق بالمقاومة لاستعادة حقوقها، وكل مشروع سلام يتضمن الحق بالمقاومة لأن امتلاك الحق بالمقاومة ومقومات الصمود يعزز موقف المفاوض حتى وإن لم يلجأ لممارسة المقاومة فعليا وقت الجلوس على طاولة المفاوضات .
لأن المشروع الوطني مشروع سلام ومشروع مقاومة فإن كل الأعداء الراغبين بضرب وتدمير المشروع الوطني يشتغلون على جبهتين : استهداف مشروع السلام الفلسطيني القائم على التسوية السلمية العادلة ، واستهداف مشروع المقاومة بمفهومها الاستراتيجي الوطني . ومن هنا يمكن اعتبار كل نهج أو تفكير متعارض ورافض للوحدة الوطنية ولوجود إستراتيجية عمل وطني واحدة يعتبر انقساما وخروجا على المشروع الوطني ، كما أن كل نهج أو تصرف يؤثر سلبا على المقاومة بمفهومها الوطني الشمولي أو يصادر الحق بالمقاومة يعتبر انقساما وخروجا عن المشروع الوطني.
ومن حيث المبدأ فحتى نكون أمام مشروع وطني يجب أن تتوافق الأغلبية على المرتكزات والأسس التالية : الهدف الإستراتيجي للشعب الفلسطيني والأهداف المرحلية والتكتيكية ، الوسيلة أو الوسائل لتحقيق الهدف الاستراتيجي والأهداف المرحلية ، الإطار المؤسساتي والقيادي الجامع سواء كان منظمة التحرير المعدلة أو أي مسمى آخر يمكن التوافق عليه. وعلى هذا الأساس لا يمكننا القول بوجود لمشروع وطني ضمن الواقع الفلسطيني الراهن.
لو كان عندنا مشروع وطني حقيقي ولو كانت عندنا ثوابت محل توافق وطني ما كان الانقسام وما كان فشل المصالحة وفشل مئات جولات الحوار، لو كان لدينا مشروع وطني ما وُضِعت وثائق متعددة ومواثيق شرف كإعلان القاهرة 2005 ووثيقة الوفاق الوطني 2006 واتفاق القاهرة 2008 ، وورقة المصالحة التي تم التوقيع عليها في أبريل 2011 و اتفاق الدوحة ،ثم تفاهمات معسكر الشاطئ ابريل 2014 ، ولم تنفذ حتى اليوم وأجهضت كلها. لو كان لدينا مشروع وطني وثوابت وطنية ما كانت كل المؤسسات القائمة فاقدة للشرعية الدستورية (حسب مقتضيات القانون الأساسي) وفاقدة شرعية التوافق الوطني، لو كان لدينا الآن مشروع وطني ما كان هذا التراشق والاتهامات المتبادلة بالخيانة والتكفير ما بين من يفترض أنهم قادة المشروع الوطني ، لو كان لدينا مشروع وطني ما كان الإلحاح على إجراء انتخابات لتحسم الخلافات حول الثوابت الوطنية.
ندرك جيدا صعوبة تحديد المشروع الوطني في الحالة الفلسطينية الراهنة والصعوبة الأكبر في وضعه موضع التنفيذ، نظرا لتداخل الماضي مع الحاضر، الدين مع السياسة مع الاقتصاد، الوطني مع القومي مع الإسلامي ، الشرعية الدولية مع الشرعية التاريخية والشرعية الدينية ، ونظرا لطبيعة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني ألإجلائي الخ ، ونظرا لأن بعض مكونات النخب السياسية الفلسطينية وخاصة نخب السلطتين ، بدأت تفقد إيمانها بعدالة القضية وبدأت حسابات السلطة والمصلحة الآنية تطغى عندها على حسابات المصلحة الوطنية.
من هنا فإن أي توجه لإعادة البناء النظري للمشروع الوطني ووضع آليات لتنفيذه يجب أن يبدأ كخطوة أولى خارج حسابات السلطتين والحكومتين وخارج ارتباطات الحزبين الكبيرين وخصوصا الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وشروط الرباعية والارتهان للأجندة الخارجية ومنها أجندة الإسلام السياسي ، ومن خلال التعامل مع الشعب الفلسطيني ليس كساكنة غزة والقطاع بل كشعب قوامه أكثر من اثني عشر مليون فلسطيني.
مع المعروف أن المشروع الوطني، كفكرة، مر بعدة مراحل واخذ عدة صياغات ، فمن المشروع الوطني القومي الذي صاغته بنود الميثاق الأول عام 1964 إلى المشروع الوطني لعام 1968 والذي يقول بتحرير كل فلسطين بالكفاح المسلح ورفض قرارات الشرعية الدولية، إلى مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني وهي الدولة التي تقبل بوجود اليهود المقيمين بفلسطين واعتبارهم مواطنين في الدولة الفلسطينية وهو المشروع الذي تم اعتماده في دورة المجلس الوطني الفلسطيني عام 1971 ، إلى البرنامج المرحلي لعام 1974 ، إلى مشروع الدولة المستقلة كما صاغه بيان إعلان الاستقلال عام 1988 .
كان اتفاق أوسلو 1993 وملحقاته محاولة من قيادة منظمة التحرير لنقل المشروع الوطني كما ورد في إعلان الاستقلال في الجزائر 1988 إلى الواقع العملي ، وكانت اتفاقية أوسلو وتأسيس السلطة الوطنية على الأراضي الفلسطينية مراهنة على إمكانية أن تكون السلطة بداية وأساس للدولة الفلسطينية ، وكان من المتوقع أن تنتهي مرحلة الحكم الذاتي في مايو 1999 بعدها يتم التفاوض حول قضايا الوضع النهائي التي ستوصل الفلسطينيين للدولة ، إلا أن هذا التاريخ مر دون التزام إسرائيل حتى باستحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق ، بل قامت بعد هذا التاريخ باجتياح الضفة الفلسطينية ومحاصرة رئيس الشعب الفلسطيني ورئيس السلطة ياسر عرفات لتدخل القضية الفلسطينية ومعها المشروع الوطني في متاهات ويتم إخضاعه لاشتراطات عربية ودولية وحتى إسرائيلية ، كالمبادرة العربية للسلام 2002 ثم خطة خارطة الطريق 2003 ، فتفاهمات أنابوليس 2007 ، ومبادرة كيري في ديسمبر 2013 الخ .
هذا التعدد في المشاريع والاستراتيجيات الفلسطينية والانتقال من مشروع لمشروع ، يشكك بمصداقية حقوقنا الوطنية وبجدية النخبة السياسية ، كما أن وجود عشرة أو عشرين برنامج سياسي حزبي – لكل حزب وحركة (مشروع وطني)- لا يعني وجود مشروع وطني فلسطيني ، فتعددية المشاريع الوطنية مظهر ضعف وليس مظهر قوة .
مقابل المشروع الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية بصياغاته المتعاقبة وتخومه المرنة ، ومع استمرار مأزق المشروع الوطني ومأزق المنظمة ثم السلطة كانت حركة حماس تفرض حضورها على أرض الواقع منذ نهاية 1987 من خلال الإعلان عن نفسها كحركة مقاومة إسلامية تشكل امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين ، وفي نفس العام والشهر تقريبا ظهرت حركة الجهاد الإسلامي كمشروع جهاد إسلامي فلسطينية النشأة.
قبل الحديث عن الانقسام الداخلي لا بد من الإشارة إلى أن أخطر ما يواجه (المشروع الوطني) بصيغته الراهنة - دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة في الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية مع عودة ألاجئين - ، بالرغم من أنها ليست محل توافق وطني هو الخلل التكويني المرتبط بالجغرافيا السياسية . هذا المشروع وبحكم الجغرافيا منقسم بين الضفة وغزة و مفتاح التواصل والربط بينهما بيد إسرائيل التي تؤكد أن الضفة الفلسطينية أراضي إسرائيلية أو أراضي متنازع عليها ، وبالتالي تواصل عمليات الاستيطان والتهويد فيها ، وعليه ستكون إسرائيل متحكمة بمفاتيح قيام هذه الدولة مما يجعل أيضا الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة ضمن موازين القوى الراهنة محل شك.
هذا الخلل هو الذي سهل حدوث (انقلاب) حماس والانقسامات السياسية والثقافية والاجتماعية الناتجة عنه. الجغرافيا وإسرائيل كانا خير داعم ومعزز للانقسام . ومن هنا فإن مشروع التسوية المنبثق عن تسوية مدريد وأسلو لا يعني التخلي عن المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني لا يسقط ما دام الاحتلال موجودا، بل يجب البحث عن صياغة جديدة له تحرره من الارتهان لإسرائيل .
انطلاقا من هذا التصور للمشروع الوطني يمكن الحديث عن الانقسام ونتائجه.


المبحث الثاني
في مفهوم الانقسام وجذوره التاريخية (ديناميكيات الانقسام)

الانقسام ، مصطلح جديد أضيف لقاموس المصطلحات السياسية للقضية الفلسطينية ، قاموس مكتظ بكل ما يعكس واقع الخلافات والصراعات والأزمات الفلسطينية وحالة عدم الاستقرار التي حكمت القضية منذ النكبة وحتى الآن .
حتى نلم بنتائج الانقسام يجب أن نُعرِّف الانقسام وتعريف الانقسام يستدعي معرفة الشيء الذي انقسم ، وخصوصا أن الشعب الفلسطيني ومنذ 1948 يعيش مشتتا ومنقسما بين عدة تجمعات كل منها يخضع لسلطة غير فلسطينية ، كما اشرنا لذلك أعلاه .
أيضا لا نقصد بالانقسام ، الخلافات والصراعات السياسية داخل النظام السياسي وفي إطار ثوابته ، فهذه خلافات عادية تدخل في إطار التعددية السياسية وهي موجودة في كل الأنظمة السياسية وخصوصا الديمقراطية، ومن المعروف أن التاريخ السياسي الفلسطيني حافل بالخلافات وكل أشكال التعددية سواء الأيديولوجية أو تلك المفروضة بفعل أيديولوجيا البعد القومي أو البعد الإسلامي للقضية الفلسطينية .
فقد شهدت فلسطين قبل النكبة تعددية سياسية وحزبية وإن كان يجمعها التوجه الوطني المُطالب برفض وعد بلفور وصك الانتداب والمطالبة بالاستقلال ، إلا أن حدة الخلافات والصراعات العائلية والطبقية أدت إلى حدوث شرخ في الحركة الوطنية وحالة من الانقسام ما بين تيار يسمى بالمحافظ والتقليدي وتيار وطني ، وهو انقسام اضعف من قدرة الفلسطينيين على مواجهة الخطر المزدوج : الانتداب البريطاني من جهة والهجرة اليهودية من جهة أخرى ، وهذه الخلافات الداخلية أو الانقسام أثر على فاعلية ثورة 1936 وعلى مواجهة الحركة الصهيونية الناشئة .
كان ظهور منظمة التحرير الفلسطينية منعطفا وتحولا نوعيا في العمل السياسي الفلسطيني حيث استنهضت الوطنية الفلسطينية بعد سنوات من التيه السياسي والغياب ، كما مثلت المنظمة إطارا موحدا للفلسطينيين وهذا ما نصت عليه المادة 8 من الميثاق الوطني حيث جاء فيها :
" المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي فيما بين الصهيونية والاستعمار من جهة وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية، وعلى هذا الأساس فإن الجماهير الفلسطينية سواء من كان منها في ارض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفرادا جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح . "
إلا أن وجود المنظمة لم يمنع من ظهور تباينات وتيارات سياسية داخل المنظمة وأحيانا تخرج عن إطار المنظمة . كما لعبت خلفية نشأة المنظمة والتداخلات العربية فيها , وطبيعة العلاقة التي ربطت احمد الشقيري مع جمال عبد الناصر , في سيطرة الاتجاه الوحدوي القومي على المشاورات التي مهدت لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الأول. وقد ذكر الشقيري في خطابه الافتتاحي للمجلس الوطني الفلسطيني الأول إن الوحدة طريق التحرير , إلا أن الشقيري وبصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية وللشعب الفلسطيني بكل اتجاهاته , حاول أن يوازن بين التيارات الموجودة على الساحة وخصوصاً تيار( الوحدة طريق التحرير) وتيار(التحرير طريق الوحدة).
الهزيمة العربية في 1967 شككت في أطروحة الحرب النظامية العربية وأدت لتراجع فكر الوحدة العربية وفي نفس الوقت كانت بمثابة الشهادة بصحة منطلقات منظمات الكفاح المسلح و حرب التحرير الشعبية. وجاء تصاعد العمليات الفدائية في الأرض المحتلة , ومعركة المواجهة في ( الكرامة ) مارس 1968 , لتعزز من أطروحات التيار الوطني الفلسطيني المقاتل , مما ساعد على فرض هيمنته على منظمة التحرير الفلسطينية ابتداء من 1968 وليدخل تغييراً على بعض بنود (الميثاق القومي الفلسطيني ) لتتوافق مع النهج الجديد , حيث تم التأكيد في ( الميثاق الوطني الفلسطيني ) الجديد على استقلالية القرار الفلسطيني والشخصية الفلسطينية ، كما أن المادة الثانية عشرة نصت على أن " الوحدة العربية وتحرير فلسطين هدفان متكاملان يهيئ الواحد منها تحقيق الأخر , فالوحدة العربية تؤدي إلى تحرير فلسطين , وتحرير فلسطين يؤدي إلى الوحدة العربية , والعمل لهما يسير جنباً إلى جنب".
إلا أن الواقع أن منظمات الكفاح المسلح التي وجدت تجاوباً كبيراً من الشعب الفلسطيني وتحولت إلى ثورة فلسطينية أو ما بات يسمى بالمشروع الوطني الفلسطيني كانت متعددة الأفكار والإيديولوجيات, وكانت تعكس كل الانقسامات والأيديولوجيات السياسية العربية , إلا أنه يمكننا التمييز بين ثلاثة تيارات في داخلها:
1- التيار القومي الوحدوي:
مثلته على الخصوص منظمة الصاعقة وجبهة التحرير العربية , وكانتا امتداداً لحزب البعث العربي الاشتراكي بشقية السوري والعراقي.
2- التيار الماركسي:
بالرغم من نشأته بداية داخل (حركة القوميين العرب) , إلا أنه أخذ طابعاً فلسطينياً خالصاً مع انتهاء الحركة الأم وتبنيه بوضوح مبادئ نظرية الصراع الطبقي والفكر الماركسي اللينيني . يمثل هذا التيار على خصوص – الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ، بالإضافة لهما كان الحزب الشيوعي الذي غير اسمه وبات يسمى حزب الشعب.
3- التيار الوطني
ومثلته حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح), والتي كانت سبَّاقة في ممارسة استراتيجية الكفاح المسلح وفي الدعوة لاستقلالية العمل الفلسطيني. ويبرر ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وقائد الحركة أسباب التوجه الفلسطيني للبحث عن هوية مستقلة للفلسطينيين بالقول :
" إننا لم نكن نجد على مستوى البعد الوطني الفلسطيني عملاً قومياً ملموساً ينسجم مع هذا النهوض , لقد كانت اليقظة القومية كبيرة , ولم يكن العمل من أجل فلسطين يحتل المرتبة الأولى من الأولويات القومية , وخصوصاً عندما قال عبد الناصر الذي يقول لكم أن عنده خطة لتحرير فلسطين يضحك عليكم , وهكذا فتحركنا في بداية عملنا ( فتح ) كان لعلمنا أنه لا يوجد عمل عربي من أجل فلسطين : أي أن المناخ الموضوعي الذي أولد الفكرة هو غياب عمل قومي حقيقي لفلسطين " .
وقد أوضحت حركة فتح الدوافع الكامنة وراء انطلاقتها في مذكرة قدمتها إلى ملوك ورؤساء الأقطار العربية في مؤتمرهم الثالث في الدار البيضاء في سبتمبر 1968 حيث ذكرت : " أن الحركة – فتح – بكل صراحة لا تنتظر أبداً أن يأتي يوم تعلن فيه الدول العربية بدء معركة التحرير أو الحرب الحقيقية على إسرائيل , لا بسبب من ظروفها ولا بارتباطاتها الخارجية , بل سبب طبيعة الحكم والأوضاع الداخلية التي يحرص الاستعمار على إبقائها في جو من التخلخل والتضارب والعجز يجعلها تميل دائماً إلى تأجيل المعركة إلى ما لا نهاية ".
كما أن كيفية طرح المشكل الفلسطيني على المستوى الدولي لم يكن يتوافق مع حقيقة النزاع وجوهره , فالمسار الذي اتخذته القضية من خلال التبني الرسمي العربي لها , شوه حقيقتها , وجرفها عن طبيعتها , حيث أصبحت القضية الفلسطينية تتداول في المحافل الدولية حسب الرؤية الصهيونية للصراع ، أي كنزاع على الحدود بين الأقطار العربية والدولة الصهيونية – إسرائيل – صراع بين الأقطار العربية بملايين سكانها وثرواتها الباهظة ومساحتها الشاسعة , وبين إسرائيل الشعب صغير العدد والمساحة , المضطَهد عالمياً والمطَارد في كل مكان وينشد الهدوء والاستقرار في بقعة من الأرض ( الفائضة) بالنسبة للعرب!!. وبفعل الصورة السلبية للواقع العربي ( المتخلف ) و( الإقطاعي) و( الدكتاتوري) في نظر العالم الغربي على الخصوص, فإن النزاع أخذ أيضاً صورة بين واحة الديمقراطية التي تمثلها ( إسرائيل) وبين أعداء الديمقراطية والحرية وأعداء الحضارة وهم العرب!.
أما شعب فلسطين فقد غاب عن الصورة, وفي أفضل الحالات كان العالم ينظر للمشكلة على أساس أنها مشكلة لاجئين تُبحث كغيرها من مشاكل اللاجئين في العالم على أسس إنسانية أخلاقية تحلها المساعدات المادية والتعويضات. وجاءت الثورة الفلسطينية لتصحح الصورة , ولترجع المشكل إلى حقيقته كقضية شعب صغير مشرد من أرضه , يعيش بلا مأوى , تقف في وجه حقوقه الوطنية كشعب , دولة صهيونية عنصرية تفوقه قوة وعدة , مدعومة بالإمبريالية والصهيونية العالمية , فأرجعت الثورة بذلك للقضية صورتها الحقيقية كقضية صراع على الوجود , وجود شعب فلسطين وليست قضية نزاع على الحدود.
بالإضافة إلى ذلك شعر الفلسطينيون أن الأنظمة العربية والأحزاب السياسية العربية استغلت القضية الفلسطينية كورقة مساومة لخدمة مصالحها الخاصة , كما شعروا بالضيق لحالة الحصار المفروضة عليهم في المخيمات وإبقائهم كماً مهملاً لا دور لهم في صنع الحدث المتعلق بمصيرهم , يراقبون الأحداث وكأنهم غرباء لا علاقة لهم بها وكانت أية محاولة لإبراز الصوت الفلسطيني والهوية الفلسطينية كفيلة بأن تضع صاحبها في السجن وأن يوضع اسمه في سجلات رجال المخابرات وما أكثر التهم الجاهزة لتلصق بالفلسطيني.
وهكذا يمكن القول إنه إلى حين ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي وقبل ظهور السلطة الوطنية الفلسطينية كان من الممكن إدراج الخلافات والانقسامات في إطار المشروع الوطني حيث لم تُشكِل التعددية حالة انقسام حاد أو بديل للمشروع الوطني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية . صحيح أن بعض القوى السياسية ذهبت بعيدا في نقد نهج منظمة التحرير إلا أنها بقيت أعجز من أن تشكل حالة انقسام مهددة للطابع الشكلاني والرمزي للمشروع الوطني ، إما بسبب ضعف التأييد الشعبي لها أو لممانعة الدول العربية بالاعتراف بأية مرجعية للشعب الفلسطيني غير منظمة التحرير ، أو لأنها بقيت قريبة من أسس المشروع الوطني بطابعه الوطني العلماني التقدمي.
عامل مهم كان يحد ويُخفف من حدة الخلافات الداخلية وهو غياب الصراع على السلطة ، والسلطة بما فيها من مغريات تؤجج من حدة الخلافات . لأن مركز ثقل الحركة الوطنية كان خارج الوطن فلم تكن أي من الفصائل الفلسطينية تمارس سيادة حتى على المخيمات ، فقد كانت الخلافات والانشقاقات تأخذ طابعا فكريا وتنظيما فقط ولم تترك هذه الانقسامات تداعيات جغرافية حيث كان الشعب موحدا جغرافيا تحت سلطة الاحتلال أو خاضعا لسيادة الدول العربية المضيفة وليس لأي حزب حتى منظمة التحرير سلطة مادية فعلية على أي أرض أو على البشر.
الانقسام الخطير محل النقاش ليس فقط الانقسام الجغرافي ، فبالأصل لم يكن هناك تواصل جغرافي بين غزة والضفة إلا في ظل الاحتلال، بل الانقسام الذي يهدد وحدة المشروع الوطني كمشروع حركة تحرر وطني بهدف واحد وإستراتيجية عمل وطني واحدة، الانقسام الذي يهدد المشروع الوطني بحده الأدنى كما صاغه بيان إعلان الاستقلال في الجزائر 1988.
الانقسام محل النقاش هو الذي يهدد ركيزتي المشروع الوطني : المقاومة والتسوية السلمية. إنه الانقسام الذي يضرب بالصميم قدرة الشعب على الوصول لهدفه الوطني من خلال السلام العادل ومن خلال المقاومة كحالة وطنية شمولية، ولا تعارض ما بين السلام والمقاومة، بالتأكيد إن كان الانقسام يهدد مشروع أو هدف الدولة في الضفة وغزة فهو بالأحرى يهدد إمكانية ما هو أبعد من ذلك كالقول بتحرير كامل التراب الفلسطيني من البحر إلى النهر أو التوجه لخيار الدولة الواحدة ثنائية القومية ، إنه الانقسام الذي يؤسس لدولة في غزة كبديل عن تحرير فلسطين .
نعتقد أن الانقسام الذي جرى منتصف يونيو 2007 وإن كان الأخطر في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية إلا أنه كان في جزء منه تتويجا لمفاعيل انقسامية وانقلابية تعرض لها المشروع الوطني. الخلافات والانشقاقات داخل فصائل المنظمة وعدم القدرة على تجاوزها ومعالجتها في حينه أوجدت المناخ المناسب للانقسام المعيق للتوصل لاستراتيجيه عمل وطني ولمشروع وطني محل توافق الجميع ، ومع قيام السلطة الوطنية تعمقت ونشطت المفاعيل الانقسامية ومبررات الانقلاب على المشروع الوطني التحرري، ثم مع تأزم السلطة وتعثر التسوية وتصاعد قوة حركة حماس ثم مع ظهور مشروع الشرق الأوسط الكبير والتفكير الإسرائيلي بالانسحاب من غزة ، أصبح الانقسام ضرورة لمشروع جديد على حساب المشروع الوطني تتقاطع عنده مصالح عدة أطراف .


الفصل الثاني
الانقسام في إطار الصراع على سلطة في ظل الاحتلال

من أهداف إسرائيل ومخططي التسوية أن يكون تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية حالة انقلابية على منظمة التحرير وعلى المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني ، وإن كانت السنوات الأولى لتأسيس السلطة حملت آمالا واعدة عند الفلسطينيين إلا أن السلطة سرعان ما بدأت تنزلق تدريجيا بعيدا عن الآمال والطموحات الوطنية . الخلل الذي شاب ممارسات السلطة سواء على مستوى الفساد الإداري والمالي أو في مفاوضاتها مع إسرائيل أو على مستوى الفوضى والانفلات الأمني ، أعطى لإسرائيل الدافعية لتحيين مخططها لفصل غزة عن الضفة كما أعطى حركة حماس مزيدا من المبررات لتُقدِم على انشقاقها وانقلابها .

المبحث ا لأول
الانقسام الذي أوجدته اتفاقات أوسلو والسلطة

مع توقيع اتفاقية أوسلو تم الانتقال من مشروع وطني مستقل-نسبيا- يمارس المقاومة ويرفع شعاراتها أو على الأقل لا يناصبها العداء ، إلى مشروع وطني خاضع لشروط تسوية غير متوازنة أو تسوية مغامرة ، مما أدى لحدوث تصدع للإجماع الوطني حول هذا المشروع وبالتالي غياب لإستراتيجية فلسطينية واضحة سواء إستراتيجية سلام أم إستراتيجية مقاومة ، وأصبح المشروع الوطني رهينة عملية سلمية انحرفت عن مسارها ، وما أنتجت من اتفاقات . الأخطر من ذلك أن أي تقدم وانجاز للنظام السياسي الذي مثلته السلطة أصبح أسير الموافقة الإسرائيلية وخاضع لاشتراطاتها.
وعليه ، إذا ما قصرنا مفهوم الانقسام على الجغرافيا ووحدة السلطة فوجود السلطة لم يشكل حالة انقسام ، أما إذا تحدثنا عن الانقسام بالمفهوم المشار إليه كتهديد وخروج عن المشروع الوطني فهو ما آل إليه حال السلطة ونهجها . كان اخطر ما نتج عن ربط المشروع الوطني بقراري 242 و338 تحديدا هو إفقاد هذا المشروع لاستقلاليته الوطنية وهي الاستقلالية التي دخلت المنظمة دفاعا عنه عدة حروب ومواجهات مع أكثر من دولة عربية .
لم يعد من الممكن إنجاز المشروع الذي يقول بدولة مستقلة في الضفة وغزة إلا بانسحاب إسرائيل من هذه الأراضي ، والانسحاب مرتبط بنجاح عملية التسوية ، ونجاح العملية السلمية في ظل التوازنات الدولية الراهنة مرتبط بالموافقة الإسرائيلية ، وما يجعل الشرط الإسرائيلي شرط لزوم وضرورة لقيام المشروع الوطني هو الجغرافيا السياسية ، حيث تفصل أراضي (إسرائيل) ما بين الضفة وغزة، وبالتالي استحالة التواصل ما بين شطري المشروع الوطني إلا بموافقة إسرائيل . ولنتصور أن الفلسطينيين في الضفة وغزة قاموا بتحرير هاتين المنطقتين من الاحتلال أو أجبر المنتظم الدولي إسرائيل على الانسحاب منهما، فكيف سيحدث التواصل بين المنطقتين دون موافقة إسرائيل أو وجود قوة تجبرها على ذلك أو هزيمتها عسكريا ؟ .
لم يقتصر الانقلاب والانقسام الناتج عنه الذي أوجدته السلطة ، وخصوصا بعد تحولها من سلطة مؤقتة لسلطة دائمة بعد مايو 1999 ، على أهداف المشروع الوطني وآليات تحققه بل تجاوز ذلك للمسميات . فبحسن نية من البعض وبسوء نية من آخرين تم الانتقال من مصطلح حركة المقاومة الفلسطينية والثورة الفلسطينية والفدائيون الفلسطينيون ، وهو التوصيف الذي كان يطلق على الحالة الفلسطينية ، إلى مصطلح النظام السياسي الفلسطيني أو السلطة الوطنية ، وكأن اعتماد هذين المصطلحين يعني تجاوز مرحلة الثورة والمقاومة والدخول في مرحلة الدولة ، لأن للنظام السياسي وللسلطة أسس ومرتكزات وآليات عمل تتعارض مع أسس وآليات عمل الثورة وحركة التحرر. ونحن نفضل إن كان لا بد من استعمال مصطلح النظام السياسي الفلسطيني أن نقصره على التشكلات السياسية الرسمية والحزبية – سلطة ومعارضة- فيما الحالة الفلسطينية ككل ما زالت في مرحلة التحرر الوطني التي تستوعب أشكالا تنظيمية ونضالية أخرى.
وهكذا ، نتيجة الممارسات الإسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية مع أخطاء صاحبت ممارسات السلطة وزيادة خضوعها لشروط الاحتلال وعجزها عن فرض شروط السلام العادل أصبحت الشقة تتباعد ما بين واقع السلطة واستحقاقات المشروع الوطني ، بل أصبحت في بعض أوجهها معيقة لإنجاز هذا المشروع .
هذه الحالة الارتدادية أو الانقلابية لمسناها خصوصا بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في مايو 1999 المنصوص عليها في اتفاقية أوسلو، بحيث أصبح كل لقاء أو اتفاقية أو مؤتمر أو جلسة مفاوضات تتم في السنوات الأخيرة تحت عنوان التسوية في الشرق الأوسط، إلا وتشكل عائقا حقيقيا على الأرض أمام السلام الحقيقي لأنها تمنح إسرائيل مزيدا من الوقت لاستكمال مشاريعها الاستيطانية والتهويدية وبالتالي تُضعف من فرص السلام بما يُضعف موقف وموقع دعاة السلام لصالح المعارضين من الطرفين. كما أن كل خطوة نحو السلطة أو لتكريسها وحمايتها باتت مرتبطة بالإرادة الإسرائيلية والأمريكية وتخدم سياستهما، أو بدافع المصلحة الشخصية والحزبية الضيقة، وبالتالي تكون على حساب المشروع الوطني وهو ما يعزز حالة الانقسام .
ممهدات الانقسام والانقلاب على المشروع الوطني والتفكير بفصل غزة عن الضفة بدأت تتضح منتصف يونيو 2002 عندما حاصرت القوات الإسرائيلية مقر الرئيس أبو عمار بالمقاطعة يوم 7 يونيو ، وفي 14 يونيو ألقى الرئيس بوش خطابا أعلن فيه مقاطعة أبو عمار وطالب الشعب الفلسطيني بالبحث عن قيادة جديدة وتزامن ذلك مع تصريحات إسرائيلية واضحة وخصوصا من طرف رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون بضرورة التخلص من أبو عمار .
في تلك الفترة لم يكن أبو عمار محاصرا فقط من طرف الجيش الإسرائيلي في المقاطعة وسياسيا من طرف واشنطن ودول عربية رفضت السماح له بمخاطبة شعبه والعالم تليفونيا أثناء عقد قمة بيروت ، بل تمت محاصرته داخليا من تيار كان يتشكل بصمت من قيادات جهاز الأمن الوقائي وقيادات فتحاوية وغير فتحاوية شهرَّت بأبي عمار وشوهت صورته وحاولت أن تلصق به كل سلبيات وأخطاء حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة ، وبدأت تشكل قيادة بديلة لقيادة أبو عمار ونهجه ، قيادة متصالحة مع التوجهات الأمريكية والأوروبية وأقل تصادما مع إسرائيل ، وكان تغيير القانون الأساسي الفلسطيني بما يسمح بوجود منصب رئيس وزراء جزءا من محاصرة نهج أبو عمار .
منذ قرار واشنطن وإسرائيل التخلص من الرئيس أبو عمار انتشرت وبشكل كبير حالة من الفوضى والانفلات الأمني ، بحيث لم يكن يمر يوم إلا وتتم عملية خطف أو قتل أو سرقة أو اعتداء على مؤسسات السلطة أو الممتلكات العامة والخاصة وخطف للأجانب ، وتزايدت الحالات العسكرية خارج الأجهزة الأمنية الرسمية ، وكانت هذه الظاهرة منتشرة في قطاع غزة أكثر من الضفة . في تلك الفترة كان قطاع غزة منطقة نفوذ لمحمد دحلان ومركز قوته ، والمركز الرئيس لحركة حماس كقوة غير شرعية رسميا إلا أن لها حضورا شعبيا كبيرا .
لم تكن إسرائيل وواشنطن من خلال زعمهم عدم وجود شريك فلسطيني للسلام ودعوة الشعب الفلسطيني للبحث عن قيادة جديدة تهدفان البحث عن قيادة فلسطينية تشاركهم تنفيذ الاتفاقات الموقعة والوصول للدولة الفلسطينية ، بل كان الهدف الالتفاف على الاتفاقات الموقعة وتهيئة الأوضاع لتنفيذ مخطط فصل غزة عن الضفة وتصفية الانتفاضة التي باتت فوضويتها المسلحة مزعجة لإسرائيل ، وبالتالي كانوا بحاجة لقيادة فلسطينية جديدة تقبل ولو بالسر هذا المخطط أو تسكت عنه لعجزها عن مواجهته.
في هذه الفترة من عام 2002 تم طرح مبادرة (خطة خارطة الطريق) والتي تُشير إلى الدولة ذات الحدود المؤقتة ، وتصاحب ذلك مع طرح فكرة (غزة أولا) مرة أخرى ، وفي ذلك قال وزير الشؤون المدنية في السلطة الفلسطينية جميل الطريفي في تصريح لجريدة الشرق الأوسط :
" إن ما أثير مؤخرا عن اتفاق غزة أولا ليس اتفاقا بالمعنى المفهوم ، موضحا أن الأمر لا يتجاوز الاتفاق على ترتيبات وتنسيق امني وتوزيع للقوات في غزة أولا باعتبار أنه لا يوجد احتلال داخل غزة ... وقال إنه على هذا الأساس تمت الموافقة على ضبط الأمور والمهام الأمنية والتنسيق في غزة وبيت لحم وطالبنا بأن يشمل الاتفاق رام الله أيضا إلا أن الجانب الإسرائيلي احبط المشروع كله ووضع العراقيل أمامه ورفض تنفيذ الاتفاق في بيت لحم بالتوازي مع غزة ، وكشف عن أنه كانت هناك اعتراضات عديدة على هذا الاتفاق " .
في تلك الفترة الحرجة برز وبقوة محمد دحلان الذي ترأس وأسَس جهاز الأمن الوقائي في غزة وتولى لاحقا منصب وزير داخلية ومنصب مستشار الرئيس أبو مازن للأمن القومي ، وكان الرجل يتصرف وكأنه سيد قطاع غزة والآمر الناهي فيه . لم يكن ظهور دحلان مجرد تعبير عن قيادات سياسية شابة كما حاولت جماعته الترويج ، بل برز كتيار سياسي مدعوم بقوة عسكرية شبه قائمة بذاتها تربطها علاقات ملتبسة بأجهزة السلطة وبقوات فتح العسكرية ، وكذلك بالإدارة الأمريكية وإسرائيل .
بالإضافة لهيمنة محمد دحلان على جهاز الأمن الوقائي فقد شكل فرقة الدعم والإسناد والتي سماها المواطنون في قطاع غزة (فرق الموت) وميلشيات عسكرية تابعة له مباشرة أو غير مباشرة من خلال التمويل والتسليح ، وكان له رأي في تشكيل الحكومات . الأهم من ذلك أن هذه القوة لدحلان تركزت في قطاع غزة فقط حتى أُطلق على قطاع غزة أسم (دحلانستان) وكانت شكوك قوية تدور حول هذا التمركز لقوة دحلان في قطاع غزة متزامنا مع مشروع إسرائيل للانسحاب من قطاع غزة ومع حالة الفوضى والانفلات الأمني التي سادت القطاع مع الدور الغامض لجهاز الأمن الوقائي، هذا الجهاز الذي تم تأسيسه أصلا ليضمن انقلابا سلسا للسلطة على منظمة التحرير، وليقمع كل من يفكر باستنهاض المشروع الوطني كحركة تحرر .

كانت إسرائيل تريد التخلص من أبو عمار ومن الانتفاضة ومن قطاع غزة ، حيث كانت حركة حماس تعزز حضورها العسكري والسياسي . لم تكن إسرائيل تريد إنهاء سلطة أبو عمار لأنه إرهابي أو يدعم المقاومة بل لأنه يريد تطبيق اتفاقية السلام بحذافيرها بما يسمح بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل أراضي الضفة وغزة .
بتشجيع من واشنطن التي اعتبرت أن أبو عمار عقبة في طريق السلام ومن أنظمة عربية تخلت عن أبو عمار وهو محاصر في المقاطعة ، عملت إسرائيل على تغيير الواقع القائم في مناطق السلطة ، من خلال خلق أوضاع في قطاع غزة مختلفة عما هي في الضفة ، وتهيئة قيادات فلسطينية للقيام بأدوار وظيفية منفصلة في غزة والضفة . كان التوجه الإسرائيلي والأمريكي بإسناد أمر قطاع غزة للرجل القوي في غزة آنذاك محمد دحلان .
في تلك المرحلة طفا على السطح خلاف حاد بين الرئيس أبو عمار ودحلان ووقف إلى جانب دحلان في هذا الخلاف قادة الأمن الوقائي وقادة بعض الأجهزة الأخرى وسياسيون ناقمون على أبو عمار، وشهدت هذه المرحلة ظهور التحالف الثنائي بين أبو مازن ومحمد دحلان في مواجهة الرئيس أبو عمار – العباسية في مواجهة العرفاتية – أيضا أُسنِد لدحلان وليس لغيره رئاسة اللجنة المكلفة بالإشراف على عملية الانسحاب من القطاع .
لأن العقيدة السياسية التي تحكم واشنطن وإسرائيل والغرب عموما تقوم على مبدأ (لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة) ، وحيث إن مصالحهم وكما نصحتهم مراكز التفكير الاستراتيجي تكمن في التحالف مع الإسلام المعتدل وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين ، فلم يكن لديهم مانع من التخلي عن حلفاء قدامي إن كان في ذلك خدمة لإستراتيجيتهم الجديدة .
بداية تم التخلي عن أبو عمار لصالح محمد دحلان وأبو مازن في إطار دور وظيفي في معادلة سياسية لتنفيذ خطة الانسحاب أحادي الجانب من غزة وتصفية المشروع الوطني وحل الدولتين ، وفي مرحلة ثانية ومع تبني مشروع الشرق الأوسط الكبير عام 2004 والتوجه نحو التحالف مع الإسلام السياسي تم التخلي عن محمد دحلان (مؤقتا) لصالح حركة حماس التي أدركت مبكرا ومن خلال حلفائها وخصوصا قطر أن إسرائيل لن تنسحب من الضفة الغربية وأن قطاع غزة أقصى ما ستعطيه إسرائيل للفلسطينيين .
نلاحظ أن نفس الدور الذي تقوم به اليوم قطر وتركيا فيما يسمى الربيع العربي قامتا به في فلسطين منذ عام 2004 بحيث يجوز القول بأن ما يسمى الربيع العربي والفوضى الخلاقة بدءا في فلسطين قبل غيرها من الدول . وهكذا التقى المخطط الإسرائيلي مع المخطط الأمريكي من خلال وعد حركة حماس بسلطة في قطاع غزة مقابل التزامها بشروط أهمها أن توقف عملياتها الاستشهادية داخل الخط الأخضر وداخل الضفة والقدس وأن يقتصر نشاطها العسكري على قطاع غزة ، وكان عراب هذا التفاهم وزير خارجية قطر، الدولة التي استضافت قيادة حركة حماس وسخَّرت إعلامها ومالها وعلاقاتها لنجاح هذا المشروع ، أيضا دولة تركيا التي أُسند لها دور مهم في إطار الشرق الأوسط الكبير.
وعلينا أن نلاحظ أن قرار حماس بدخول الانتخابات البلدية عام 2005 بعد سنوات من الممانعة بل اعتبار الانتخابات خيانة وطنية ومحرمة شرعا، جاء تزامنا مع بداية مشاركة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية رسميا بتفاهمات بين واشنطن وأنظمة الحكم العربية ، ففي نفس العام شارك الإخوان بقوة في الانتخابات التشريعية في كل من مصر والأردن وبعدها بعام في المغرب ثم العراق! .
وهكذا حرضت واشنطن وإسرائيل وجماعة الإخوان المسلمين حركة حماس على السلطة الفلسطينية ودفعوها للانقلاب عليها بعد أن شجعوها على الدخول في لعبة السلطة من بوابة المشاركة في الانتخابات. إن من يتابع مجريات الأحداث منذ 2004 سيلاحظ كيف أن شارون طرح خطته للانسحاب من قطاع غزة في 2 فبراير2004 ونشرت رسميا آنذاك في صحيفة هأرتس الإسرائيلية ، وانسحبت إسرائيل بالفعل في سبتمبر 2005، ومباشرة قررت حركة حماس وقف عملياتها العسكرية داخل الخط الأخضر ثم أوقفتها في الضفة والقدس ، وفي نفس العام قررت المشاركة في الانتخابات المحلية التي جرت في ديسمبر، ثم في الانتخابات التشريعية في يناير 2006 ، وتلا ذلك الانقلاب في يوليو 2007 في ظل صمت إسرائيل المطبق وسكوتها على الهجوم الحمساوي لأيام على مواقع السلطة حيث كان مقاتلو حماس يطاردون رجال السلطة حتى الحدود مع إسرائيل دون أن تفعل هذه الأخيرة شيئا.
تم تمكين حماس من السلطة في غزة بتعاون أو تواطؤ بعض رجالات السلطة الفلسطينية. ولا نستبعد أن يكون دحلان وبعض قيادات السلطة العسكريين والسياسيين لعبوا دورا غير مباشر في تمكين حماس من حكم عزة ،مقابل وعد واشنطن وإسرائيل لدحلان بدور قادم في غزة بعد انتهاء الدور الوظيفي لحركة حماس ، ومن هنا نفهم سبب المساعي التي لا تكل لدحلان وجماعته للعودة لغزة، وعودة جماعة دحلان بقوة للمشهد السياسي في قطاع غزة وخصوصا بعد ثورة 30 يونيو 2013 في مصر وسقوط مرسي، حيث يراهن النظام الجديد على محمد دحلان لإنهاء حكم حماس في غزة وربما مساعدته على حكم غزة حتى في ظل استمرار حالة الانقسام .
انطلاقا مما سبق فإن الانقلاب العسكري الذي قامت به حركة حماس منتصف يوليو 2007 لم يكن تصحيحا لمسار السلطة أو حسما عسكريا ضد متمردين على شرعية صناديق الانتخابات وليس استنهاضا أو إنقاذا للمشروع الوطني ولو كان الأمر كذلك لباركنا خطوتها لأن أوضاع السلطة كانت تحتاج لتغيير حقيقي، إلا أن ما قامت به حركة حماس كان انقلابا على المشروع الوطني برمته وتدشينا لمشروع إسلام سياسي وشرق أوسطي جديد يبدأ من قطاع غزة ، وليس عبثا أن يقف القيادي في حماس عبد الفتاح دخان في ذكرى انطلاق حماس في السنة الموالية للانقلاب ويطلب من جميع الوقوف في المهرجان وكان على رأسهم كل قيادات حركة حماس ليقسموا قسم الولاء للإخوان المسلمين، وليس عبثا أيضا أن يرفض بعض قادة حماس الوقوف للنشيد الوطني الفلسطيني أو حتى تحية العلم الفلسطيني .
تواكبت فترة دخول حماس معترك السياسة الرسمية مع تزايد ضعف السلطة الوطنية وحركة فتح ومنظمة التحرير، وتعززت حالة الاستقطاب داخل حركة فتح بين تيارين:العباسية والعرفاتية والدحلانية والتحالف بين الرئيس أبو مازن ومحمد دحلان. إلا أن هذا التحالف بين أبو مازن ودحلان لم يؤسَس على اعتبارات وطنية خالصة بل كان تحالف ضرورة وتقاطع مصالح آنية .
كان كل طرف يعرف ما يضمره له الطرف الآخر ويعرف حدود ما يحتاجه من الطرف الآخر. كان أبو مازن آنذاك ضعيف الحضور شعبيا ولا يملك كاريزما وغير مُلم بحقائق الأمور داخل مناطق السلطة لأنه بطبيعته نخبوي لا يعير اهتماما للعمل الجماهيري ولا يراهِن على الشعب في إحداث تغيير في الحياة السياسية أو في مواجهة إسرائيل، وبالتالي كان بحاجة لمحمد دحلان الرجل القوي على الأرض والمدعوم من واشنطن وإسرائيل، وفي المقابل كان محمد دحلان الشاب أبن الداخل القوي على الأرض يفتقر لمتطلبات قيادة شعب بسبب صغر السن وبسبب أن قيادة السلطة والمنظمة تحتاج لشخصية تاريخية وبسبب توازنات داخل حركة فتح ، وفوق ذلك أن أبو مازن يمكنه مواجهة ياسر عرفات وطرح نفسه بديلا عنه ، بينما لا يستطيع دحلان فعل ذلك .
لذلك فإن (تحالف الضرورة) بين محمود عباس ودحلان لم يعمر طويلا ، حيث كان دحلان يتصرف مع أبو مازن بأن هذا الأخير حالة مؤقتة أو سيكون رئيس مؤقت أو كوبري لحين التخلص من أبو عمار ، فيما أبو مازن الداهية سياسيا كان يُدرك نوايا دحلان والإسرائيليين ، وبالتالي ما أن تمكن أبو مازن من الرئاسة والسلطة حتى بدأ ينفذ مشروعه الخاص الذي وإن لم يخرج عن مخطط تسوية أوسلو وخطة خارطة الطريق بل يمكن القول بأنه كان على علم بمخطط فصل غزة عن الضفة ، إلا أنه حاول أن يضفي خصوصية وطابعا وطنيا على إدارة السلطة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تسوية كان على رأس مهندسيها، وتبديد الإشاعات التي تقول بأنه رئيس ضعيف وأداة بيد أمريكا وإسرائيل بل وبيد محمد دحلان .
كان من الممكن أن يستمر التحالف بين دحلان وعباس وأن يستمر مخطط تسليم قطاع غزة لمحمد دحلان ، لولا حدوث متغيرات إقليمية بسبب طرح واشنطن لرؤيتها للشرق الأوسط الكبير 2004 الذي يستوعب الإسلام السياسي المعتدل، وهو ما له علاقة بتغير رؤية إسرائيل وواشنطن لدور ووظيفة اللاعبين السياسيين الفلسطينيين وخصوصا دحلان وحركة حماس بشأن مصير قطاع غزة .
التحالف بين أبو مازن ودحلان بدأ يتفكك بعد انكشاف أسرار كانت خفية بعد سيطرة حماس على قطاع غزة وفتح ملف المسؤولية عن سقوط قطاع غزة بيد حماس أو بالأصح تسليم القطاع لحركة حماس، ونعتقد أن لجنة التحقيق التي شكلها الرئيس أبو مازن لبحث الموضوع وإن لمَّحت لمسؤولية الأمن الوقائي ومحمد دحلان عما جرى إلا أن أسرارا كثيرة وخطيرة حول ما جرى في قطاع غزة ما زالت خفية ويعرفها الطرفان ولا يستطيعان البوح بها .
استمرت المراهنة على محمد دحلان لتنفيذ مخطط الفصل وصناعة دولة غزة إلى حين ظهور مخطط الشرق الأوسط الكبير والتوجه الأمريكي لإشراك جماعة الإخوان المسلمين في السلطة في العالم العربي في إطار صناعة (الفوضى الخلاقة ) - كما سبقت الإشارة - وآنذاك تم التخلي مؤقتا عن المراهنة على محمد دحلان لصالح المراهنة على حركة حماس لتنفيذ مخطط الفصل وصناعة دولة غزة ، إلا أن دور محمد دحلان لم ينتهي بل فقط تم تأجيله لمرحلة قادمة ، وقد عاد دحلان مجددا لساحة غزة من مدخل المساعدات الإنسانية ، بعد مأزق حركة حماس وفشل مشروع الإخوان السياسي والربيع العربي المزعوم .

المبحث الثاني
الانقسام المُركب والمُدمِر الذي أحدثته حركة حماس

كل الانقسامات السابقة وانقلاب السلطة على المشروع الوطني والخلافات داخل حركة فتح وفوز حركة حماس بالانتخابات ، لم يكونوا بخطورة الانقسام الذي أحدثته حركة حماس يوم الرابع عشر من يونيو 2007. لا شك أن الانقسام الذي أحدثته سلطة خرجت عن المسار الوطني ساعد حركة حماس في انقلابها على المشروع الوطني ، إلا أن الفكرة والمخطط كانا متواجدين منذ تأسيس حركة حماس التي كانت تعمل كل ما فيه إساءة وإفشال للمنظمة وللسلطة وللمشروع الوطني .
كل متابع للأحداث منذ أن بدأت الحركة عملياتها الاستشهادية داخل الخط الأخضر عام 1996 ثم عندما قررت المشاركة بالانتخابات المحلية 2005 ثم التشريعية وبعد ذلك فوزها بهذه الانتخابات 2006، سيلمس أن قيادة الحركة في الخارج كانت تسعى لإفشال مشروع السلطة وتأسيس نظام سياسي جديد ومرجعية جديدة يقطعان مع المشروع الوطني ومع مجمل التاريخ النضالي الوطني ويرتبطان بمرجعية حركة حماس وأصولها أي بجماعة الإخوان المسلمين .
جاءت الأحداث في ظل ما يسمى الربيع العربي والعلاقات الخاصة التي ربطت حركة حماس بإخوان مصر بعد فوز مرسي لتكشف ما خفي من الأمور - وسنعود للموضوع لاحقا-.
لم تعلن حركة حماس عند نشأتها عام 1987 موقفا قاطعا من المنظمة ومشروعها الوطني ، ونعتقد أنها قصدت الغموض لكونها كانت ضعيفة ولا تستطيع مواجهة التيار الوطني علنا ، ولذا تفاوتت المواقف ما بين الرفض المبدئي للدخول في المنظمة والقبول المشروط بالمشاركة فيها ، وبينهما مواقف مبهمة. فميثاق حماس أشار للمنظمة بصورة غامضة عندما قال : " بأن المنظمة من اقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية ففيها الأب والأخ أو القريب أو الصديق وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه ؟ فوطننا واحد ومصابنا واحد ومصيرنا واحد وعدونا مشترك" .
لكن هذا القول المطَمئِن يتلاشى عندما يرفض الميثاق الطابع العلماني للمنظمة بالقول : " إننا لا نستطيع أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لنتبنى الفكرة العلمانية ... ويوم تتبنى المنظمة الإسلام كمنهج حياة فنحن جنودها ووقود نارها التي تحرق الأعداء" . هذا الموقف يؤشر للانقسام الأيديولوجي . و في مقابلة مع الشيخ ياسين أثناء وجوده في السجن قال بأن المنظمة تمثل فلسطينيي الخارج فقط ولا تمثل فلسطيني الداخل و بذلك أضاف عنصرا جديدا للانقسام .
منذ بداية التسعينيات عرفت العلاقة بين الطرفين مدا وجزرا ، ففي مذكرة وجهتها حماس للمجلس الوطني الفلسطيني في نيسان 1990 حددت حركة حماس الشروط التي على أساسها يمكن الدخول في المجلس الوطني وهي عشرة شروط أهمها: اعتبار فلسطين وحدة واحدة من البحر إلى النهر ، التأكيد على الكفاح المسلح ، و أن تُمثل حركة حماس بالمجلس بنسبة تتراوح بين 40 و 50 بالمائة .
مع انعقاد مؤتمر مدريد للسلام في نوفمبر /تشرين ثاني 1991 بمشاركة منظمة التحرير ، تعمقت الخلافات بين الطرفين - مع أن منظمة التحرير شاركت ضمن وفد أردني فلسطيني مشترك -، كما انتقدت الحركة قبل ذلك قرارات المجلس الوطني في الجزائر في أيلول 1991 وهي الدورة التي أقرت المشاركة في مؤتمر مدريد حيث اعتبرت الحركة أن المجلس الوطني الفلسطيني بتشكيلته الحالية غير مؤهل لاتخاذ قرارات مصيرية ، بل وصل الأمر للتحفظ على شرعية تمثيل المنظمة وهو ما ظهر خلال لقاء حماس وفتح في الخرطوم في يناير 1993.
عندما أبعدت إسرائيل 400 شخصية فلسطينية إلى مرج الزهور بلبنان في ديسمبر 1992 توترت العلاقة بين الطرفين مجددا وتوسطت السودان بين الطرفين وجرت مفاوضات في الخرطوم وطالبت حماس بنسبة 45%من مقاعد المجلس مما أدى لانهيار الحوار وحمَّل أبو عمار المسؤولية لممثلي حماس بعمان مشيرا إلى وجود تباين في المواقف بين جناح الداخل وجناح الخارج في الحركة ، مما دفع محمد نزال أحد قادة حماس في الخارج للمطالبة باستقالة قيادة المنظمة ، إلا أنه في يونيو تراجعت حماس عن موقفها المتشدد وأعلنت على لسان إبراهيم غوشة بأن المنظمة هي الإطار السياسي لجميع أبناء الشعب.
ما بين 1994 بداية تأسيس السلطة الوطنية و2004 حيث قرار حماس بالمشاركة بالانتخابات البلدية، مارست حركة حماس كل ما من شأنه تعزيز حالة الانقسام الفلسطيني من خلال رفض المشاركة بالانتخابات التشريعية التي جرت عام 1996 بل صدرت فتاوى من شيوخ حماس تُكفر الانتخابات ومن يشارك فيها ، كما رفضت حماس المشاركة في أية من مؤسسات السلطة ورفضت الاعتراف بشرعيتها كما أثارت الشكوك حول كل تصرفاتها . خلال وجود السلطة وفي ظلها وبمعرفتها شكلت حركة حماس دولة داخل الدولة: مستشفيات ومدارس وجامعات وجمعيات ومليشيات خاصة بها ، بالإضافة إلى علاقاتها وتحالفاتها الخارجية المستقلة عن السلطة .
الشيء الخطير والملفت للانتباه في تلك المرحلة أن كل عملية عسكرية كانت تقوم بها حركة حماس داخل الخط الأخضر أو في مناطق السلطة كانت ترد عليها إسرائيل بضرب مقرات السلطة الفلسطينية المدنية والعسكرية بما فيها المطار ومشروع الميناء والوزارات ، وتحميل الرئيس أبو عمار المسؤولية !، وكانت النتيجة إضعاف السلطة الفلسطينية ثم اجتياح الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس أبو عمار في المقاطعة ، في مقابل تزايد شعبية حركة حماس !.
استمر التوتر بين الطرفين- حركة حماس من جهة والسلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح من جهة أخرى- إلى درجة الاحتكام للسلاح وما يشبه الحرب الأهلية حيث اغتالت حركة حماس عددا من قادة فتح والسلطة وخطفت عددا آخر و اندلعت معارك سقط فيها العديد من القتلى ، ولم تنجح جهود الوفد الأمني المصري المرابط في قطاع غزة من وقف الاشتباكات أو وضع حد للتوتر، الأمر الذي أثار شكوكا حول دور ووظيفة الوفد الأمني المصري ؟ ولماذا موجود في قطاع غزة فقط وليس في الضفة أيضا ؟ وهل أن الدولة المصرية كانت تعرف بما يُحاك من مخططات لفصل غزة عن الضفة ، وبالتالي كانت مشارِكة في هذا المخطط ؟ .
اتهمت حركة فتح حركة حماس بأنها وراء اغتيال عدد من قادتها ومن المسئولين في السلطة ، وجاءت خطة الانسحاب أحادي الجانب في ظل حالة الاحتقان الداخلي والفوضى وخصوصا في قطاع غزة حيث الحضور العسكري والسياسي للحركة أكبر بكثير مما هو في الضفة ، ثم يليها مباشرة انتخابات تشريعية قبل التوصل لمصالحة وطنية أو اتفاق على الثوابت والمرجعيات الوطنية، ليُثير كل ذلك تساؤلات عميقة حول علاقة خروج الجيش الإسرائيلي من غزة بالانتخابات بالانقلاب اللاحق ثم الانقسام ؟ وهل أن خطة شارون جزء من مخطط متعدد الأطراف كانت قيادات في حركة حماس مشاركة فيه بطريق مباشرة أو غير مباشر عن طريق وسطاء ، وهو مخطط وعد حركة حماس بإمارة أو حكومة في قطاع غزة مقابل وقف عملياتها العسكرية ضد إسرائيل في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر؟ .
كان يُفترض أن تكون انتخابات 25 يناير 2006 حلا لأزمة النظام السياسي- المشروع الوطني والسلطة- ولكن وحيث إنها لم تنطلق من حسن نية ولا من منطلق الإيمان بالديمقراطية ولأنه لم يسبقها الاتفاق على ثوابت النظام السياسي ، فقد أدت الانتخابات لتعميق الانقسام حيث فسرت حركة حماس فوزها بالانتخابات التشريعية وكأنه تفويض لها بقيادة الشعب الفلسطيني وبالتالي من حقها تغيير أسس ومرجعيات السلطة والنظام ، متجاهلة أن مرجعية السلطة هي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن الانتخابات التي فازت فيها كانت لأعضاء مجلس تشريعي لسلطة حكم ذاتي ناتجة عن اتفاقات وملتزمة بها.
يبدو أن حركة حماس أرادت أن توظِف آلية ديمقراطية لتنفيذ انقلاب كجزء من مخطط متعدد الأطراف مُعد مسبقا، وعندما فشل الانقلاب عن طريق صناديق انتخابات وتم فرض الحصار على الحكومة التي شكلتها حركة حماس بعد خطف الجندي شاليط بمشاركة من حركة حماس ، تراجعت وقبلت بنتائج تفاهمات مكة وشكلت حكومة وحدة وطنية، إلا أن معسكر الانقسام وتداخل الأجندة الخارجية وخصوصا إسرائيل كان أقوى من معسكر التوافق والمصالحة الوطنية فكان اللجوء للحسم العسكري والانقلاب ، وهو في حقيقة الأمر ليس حسما ولا انقلابا بالمفهوم الدقيق للكلمة بل اصطناع انقلاب لتبرير مخطط الفصل والسيطرة على القطاع .
لا نشكك بأن حركة حماس فازت بالانتخابات ولا نشكك بحقها بناء على ذلك بتشكيل الحكومة ، ولا ننفي أن وضع السلطة قبل الانتخابات كان من التردي بما يستدعي ضرورة التغيير بالانتخابات أو غيرها من الوسائل ، ولكن النوايا المُسبقة عند بعض قيادات حركة حماس والتي أشرنا إليها والفصل الجغرافي الواقع ما بين الضفة وغزة، جعل الانتخابات عاملا معززا للانقسام السياسي و ألبرامجي والجغرافي ، مما أدى لتدمير المشروع الوطني ، سواء كمشروع سلام أو مشروع مقاومة .
مع سيطرة حركة حماس على السلطة في القطاع ضَعُفَ كثيرا المشروع الوطني الفلسطيني بمحدداته ومرجعياته التي صاغتها وثيقة الاستقلال عام 1988 ثم مشروع السلام الفلسطيني المبني على الشرعية الدولية، على الأقل على مستوى قطاع غزة وبالنسبة لحركة حماس، وأصبحت غزة وكأنها تحت حكم جماعة الإخوان المسلمين والمعركة الدائرة في غزة وكأنها معركة الإخوان المسلمين حيث حشدت هذه الأخيرة كل جهودها على مستوى العالم لرفع الحصار عن غزة في تجاهل لما يجري في الضفة والقدس .
مع الانقسام استطاعت إسرائيل فرض معادلة خطيرة وهي إسرائيل في مواجهة عسكرية دموية مع أهل غزة وفصائل المقاومة في غزة ، و إسرائيل في مواجهة السلطة ودعاة التسوية السلمية في الضفة الفلسطينية، وبمقتضى هذه المعادلة لم يعد الصراع كما كان سابقا ، إسرائيل في مواجهة كل الشعب الفلسطيني وهو ما كان عليه الحال طوال تاريخ القضية الفلسطينية وهو ما لمسناه خلال انتفاضة 1987 ثم انتفاضة الأقصى 2000 .
بمقتضى معادلة ما بعد الانقسام أصبحنا نسمع عن حرب إسرائيل ضد قطاع غزة والعدوان على قطاع غزة فيما تتم عملية إخراج الضفة من ساحة الحرب المباشرة، حتى شعارات المتظاهرين في العالم أصبحت تقول لبيك غزة ونصرة غزة وليس لبيك فلسطين ونصرة فلسطين، ونسمع في نفس الوقت عن الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس فيما فلسطينيو غزة مجرد مراقبين عن بعد لا حول لهم ولا قوة في مساندة أهلهم في الضفة .
نخلص فيما يتعلق بعلاقة حركة حماس بالمشروع الوطني أن غموض والتباس موقف الحركة لا يخفي حقيقة أنها ظهرت أصلا كبديل لمنظمة التحرير بل يمكن القول إن ما يجري اليوم من انقسام وسعي من حماس بالتفرد بدولة أو إمارة دينية في قطاع غزة كان واردا منذ فترة طويلة عند قادة حركة حماس ، ليس فقط من خلال استعداد الشيخ احمد ياسين بالقبول بدولة في حدود 1967 وهو الموقف الذي تكرر على لسان السيد خالد مشعل في القاهرة وأخيرا بعد العدوان على القطاع 2015 ، بل واضحا من كتابات لقادة ومفكرين من حماس منذ بداية التسعينيات، فالدكتور احمد يوسف تحدث عام 1990 عن دولة التمكين التي تحكمها نخبة ملتزمة بالإسلام سلوكا ودستورا ومنهاج حياة . ولو لم يتم إسقاط حكم الرئيس ألإخواني مرسي في مصر بعد (ثورة) 30 يونيو 2013 لقامت دولة غزة سواء بحدودها الحالة أو الموسعة باتجاه سيناء .

الفصل الثالث
خطة الانسحاب من غزة تكشف المستور
سنوظف في هذا الفصل المنهج الكرونولوجي chronology الذي يعتمد التسلسل الزمني للأحداث ذات العلاقة المباشرة بصناعة دولة غزة . ولكوننا عاصرنا وتتبعنا الحدث كتابة منذ لحظة حدوثه فسنتابع مسلسل صناعة دولة غزة من خلال مقالاتنا التي غطت الأحداث أولا بأول .
كما سبقت الإشارة فإن سيطرة حركة حماس على قطاع غزة بالقوة العسكرية كان مرحلة أو خطوة من مخطط إسرائيلي استراتيجي كان حاضرا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي منذ انطلاق مسلسل التسوية ، وكانت الخطوة العملية لتنفيذه عندما انسحب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة في خريف 2005 ، ولو لم تنسحب إسرائيل من القطاع ما تمكنت حركة حماس من السيطرة على قطاع غزة لاحقا .

المبحث الأول
غياب إستراتيجية فلسطينية لمواجهة خطة شارون
لم يكن الانسحاب من غزة قرارا مفاجئا لكثير من الأطراف بل جاء تنفيذا لمخطط استراتيجي بدء التفكير به رسميا بعد فشل مباحثات كامب ديفيد الثانية عام 200 . فكرة الانسحاب من قطاع غزة من جانب واحد كان حاضرا عند المفكرين الاستراتيجيين الإسرائيليين قبل الانسحاب بوقت طويل ، فقد تم تناول الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة كسيناريو محتمل في تقرير صادر عام 1989 عن مركز جافي الإسرائيلي ، وفي التعقيب على نتائج هذا السيناريو يقول التقرير:
" ومن الممكن أن تكون الآثار الناجمة داخل القطاع حادا بشان السلطة بين وطنيين علمانيين –مدعومين بعناصر من منظمة التحرير يأتون من الخارج- وبين مسلمين أصوليين يتمتعون بقوة اكبر من قوتهم في الضفة الغربية . وأي تكن النتيجة فان الدويلة في غزة ستلهب نزاعا مطردا باستمرار مع إسرائيل ولن يجني أي من الفلسطينيين الآخرين فائدة فورية منه.وستجد السلطات الغزية صعوبة في احتواء العنف الموجه نحو إسرائيل وفي حين أنها ستكون قلقة بالتأكيد من ردات إسرائيلية انتقامية عنيفة وغير متحمسة لعودة الاحتلال فمن غير الواضح إلى أي درجة سيرتدع السكان عامة بفعل الخطر الأخير فالأحوال في غزة قد تسوء إلى درجة أن بعض الغزيين قد يستعيد ذكرى الاحتلال الإسرائيلي بشيء من الحنين" .
في 1 نوفمبر 2004 صدرت وثيقة عن مؤسسة TOLEDANE تتضمن ورشات عمل غير رسمية عقدها فريق مشترك فلسطيني /إسرائيلي في مدريد دعا لها شلومو بن عامي وزير خارجية إسرائيل الأسبق والذي كان يعمل نائبا عن مدير مؤسسة TOLEDANE . في ذاك الوقت كان الرئيس أبو عمار محاصرا في مقر المقاطعة في رام الله ، وكان جوهر النقاش يدور حول الكيفية التي سيتم فيها فصل غزة عن الضفة وتشكيل إدارة انتقالية للسلطة في قطاع غزة بعيدا عن السلطة الفلسطينية، وكان يترأس فريق العمل الفلسطيني خالد اليازجي وكان آنذاك الذراع الأيمن للسيد محمد دحلان. تم عقد هذه الورشة في خضم العداء الأمريكي والإسرائيلي للرئيس أبو عمار، واتفاق الطرفين على البحث عن قيادة فلسطينية جديدة ، ولم تكن الأطراف العربية المعنية وخصوصا مصر وأطراف دولية بعيدة عما يجري .
في ذاك الوقت كان لمحمد دحلان حضور أمني واضح وخصوصا في قطاع غزة وكان من الواضح انه يسعى للهيمنة على القطاع ، وفي نفس الوقت كانت اتصالات وعلاقات مكثفة ما بين السيد دحلان والإدارة الأمريكية وحديث عن مساعدات مالية وأجهزة عسكرية للسيد دحلان لتجهيز قوة عسكرية في القطاع لمواجهة حركة حماس والتداعيات المستقبلية للانسحاب الإسرائيلي .
كانت النقاشات واضحة ومركزة على خلق إدارة انتقالية فلسطينية في قطاع غزة (PAT ) وهذا يعني أن قطاع غزة : " يجب أن يكف عن كونه منطقة محتلة كما أعلنت خطة الانسحاب الإسرائيلية ، إذ يجب تغير وضعه القانوني استجابة لهذا التغير ، وسيحتاج إلى بنى سياسية وقانونية جديدة يجب إقامتها لإدارة الإقليم بشكل فعال ، ومع ذلك ، عملية التخطيط لبنية عملياتية سياسية وإدارية في غزة يجب أن لا تعيق طريق مفاوضات الوضع النهائي لحل الدولتين" .
كما تحدثت الوثيقة عن تشكيل (ميثاق غزة ) من أشخاص من منظمة التحرير أو من السلطة أو من خارجهما ومن المجتمع المدني: " ويجب أن يتم التصديق على رئيس تنفيذي ، أو رئيس (Chief ) للإدارة الانتقالية الفلسطينية وكذلك على وزارة لمساعدة المعينين لإدارة شؤون المناطق المخلاة في غزة " ... وترى الوثيقة أنه من الممكن إيجاد الشخص أو الهيئة التي ستدير القطاع : " إذ قامت مصر والمجتمع الدولي بالضغط على السلطة الفلسطينية والرئيس عرفات من أجل الموافقة على تعيين شخص أو لجنة لتولي مسؤولية الحكم والإدارة في غزة بعد الانسحاب إلا أن هذا الضغط لم يحرز أي نتيجة ".
المواقف المعلنة للسلطة والمعارضة من خطة شارون لم تكن تعبر عن الحقيقة ، ذلك أن القادة الكبار وخصوصا في فتح وحماس كانوا يعلمون حقيقة مخطط شارون ، وقد أرسل ناصر القدوة مندوب فلسطين في الأمم المتحدة رسالة للرئيس أبو عمار مباشرة بعد إعلان شارون عن عزمه الانسحاب من القطاع محذرا من وجود مخطط لفصل غزة عن الضفة وتحويل قطاع غزة لكيان قائم بذاته ، "وكشف القدوة في رسالته أن مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط تيري رود لارسن طلب دراسة الوضع القانوني لقطاع غزة كوحدة جغرافية مستقلة عن الضفة الغربية إضافة إلى قيام البنك الدولي بإجراء دراسات تقتصر على قطاع غزة لتقديمها إلى الدول المانحة ".
في تقرير مجلس الأمن المشار إليه والذي تم تقدمه في 13 يوليو 2004 جاء فيه أيضا أن هناك رغبة متزايدة من أعضاء الرباعية والمجتمع الدولي لتقديم اعترافهم بسلطة فلسطينية بديلة وقادرة ، ويمكن للسلطة الفلسطينية الحالية أن ترفض إقامة مثل هذه السلطة في غزة ، وكررت الرباعية في بيانها في 23 سبتمبر 2004 ، بشكل لا لبس فيه : " استعدادها المستمر للتعاطي مع قيادة فلسطينية أعيد إصلاحها وقابلة للحساب " .
كما حذر جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية في تصريحات لصحيفة القدس العربي في نفس التاريخ من وجود مخطط لإقامة كانتون في قطاع غزة بانفصال عن الضفة كما حذر من وجود محاولات لصناعة قيادة مستقلة في قطاع غزة معتمدا في تخوفه على عمليات العنف التي سبقت الانسحاب من القطاع .
جاءت الظروف لتنفيذ الخطة بعد وصول عملية التسوية لطريق مسدود واندلاع انتفاضة الأقصى 2000 حيث تم طرحها علنا من طرف شارون في مؤتمر هرتسليا يوم 18-12- 2003، وصادقت الحكومة الإسرائيلية على خطة الفصل المعدلة يوم 4-6 -2004 حيث كان الحديث عن الانسحاب من مستعمرات قطاع غزة وأربع مستوطنات في الضفة، كما تم تفعيل الخطة مع احتدام الصراع مع أبو عمار وسعي إسرائيل وواشنطن لتصفيته سياسيا والبحث عن قيادة بديلة .
منذ بداية الحديث الجاد عن عزم إسرائيل إعادة نشر قواتها في القطاع وسحب مستوطنيها قلنا وكتبنا حينها بأن المرحلة القادمة ستكون حبلى بالتطورات والتوقعات والمراهنات ، منها ما نملك خيوطها والقدرة على تحديد مسارها وضبط تداعياتها، وغالبيتها تملك إسرائيل وقوى خارجية أخرى خيوطها وتحديد مسارها . وقلنا بأن المرحلة القادمة والتي عنوانها تطبيق خطة شارون شبيهة بمرحلة أوسلو، فالآتي مخطط سياسي جديد ولكنه يأتي في ظل متغيرات محلية ودولية أقل تفاعلا وتجاوبا مع حقوقنا المشروعة وفي ظل موازين قوى عسكرية وحضارية أكثر ميلا لصالح إسرائيل .
عندما أعلن شارون عن خطته انبرت المعارضة لتقول إن شارون يهرب من غزة تحت وقّعِ ضربات المقاومة، وبما أنه يهرب فلننتظر حتى يُكمل هروبه ثم نرفع رايات النصر على جدران مستعمراته ولنجعل غزة قاعدة لاستكمال المشروع التحريري ! وفي السلطة كرر بعضهم خطاب المعارضة مع شيء من تلطيف اللهجة ، وبعضهم وخصوصا في الحكومة قالوا بما أن شارون سينسحب بإرادته المنفردة وسيفك الارتباط من طرف واحد فلا أحد يمنعه وعلينا أن نجلس وننتظر! هذا ما قاله أحمد قريع رئيس الوزراء آنذاك .
إذن، فإن قيادات فلسطينية كانت تعلم بالمخطط وتعلم بأن شارون لا يهرب من غزة بقدر ما أنه يقدم القليل ليأخذ الكثير وخصوصا تدمير وحدة المشروع الوطني والتخلص من الكثافة السكانية في القطاع ، ـويعلمون بأنه لن يخرج دون شروط سيفرضها على الفلسطينيين وبضمانات أمريكية وأوروبية وعربية – وهذا ما جرى في قمة شرم الشيخ - . مقابل هذه المواقف استهترت أو هونت بعض القيادات من الخطة إما لجهلهم بأبعادها أو لأن شارون أربكهم بخطته ولأنهم لا يملكون البديل، فالانتفاضة وصلت لمأزق والمفاوضات وصلت لمأزق.
تم تشكيل لجنة تحت رئاسة محمد دحلان للتعامل مع خطة شارون ، وفرضت تساؤلات نفسها حول الموضوع ، مثلا لماذا السيد محمد دحلان تحديدا ؟. تشكيل لجنة للإشراف على الانسحاب بتزامن مع قرار من حركة حماس وبقية فصائل المقاومة بوقف الأعمال العسكرية أثناء فترة الانسحاب معناه اعتراف بعض الأطراف الفلسطينية بالخطة بل واستعدادهم باعتمادها كمرجعية لتسوية جديدة وهو ما يريده شارون .
لم يكن الخروج من غزة هروبا لجيش الاحتلال بل مخططا سياسيا متكاملا له تداعيات خطيرة سياسية واقتصادية وقانونية . في هذا السياق تمنينا على من سيتكلف بالتعامل مع خطة شارون الانتباه للقضايا التالية :
1- الطريقة التي سيتم فيها الخروج من مستوطنات غزة – سحب الجيش مع بقاء السيادة الإسرائيلية - ستكون سابقة لأية انسحابات في الضفة وهذا كان يتطلب من السلطة الفلسطينية الاستعانة بخبراء من مختلف التخصصات وخصوصا القانونية والاقتصادية قبل أية خطوة تُقدِم عليها حول الموضوع .
2- وبالنسبة للعلاقات الاقتصادية المستقبلية بعد الخروج من غزة ، كان الأمر يحتاج إلى بحث معمق حتى لا نكرر تجربة بروتوكول باريس سيئ الصيت . فهل سيبقى اقتصاد غزة مرتبط بالاقتصاد الإسرائيلي ومحكوم بمقتضيات بروتوكول باريس؟ أم سيرتبط بالاقتصاد المصري وهو ما سيجعل الأمر أكثر سوءا ؟ أم سيكون اقتصادا فلسطينيا مستقلا يعتمد على المناطق الحرة ؟ وفي هذه الحالة سيحتاج الأمر للتحكم بالمعابر والحدود . وما طبيعة العلاقات الاقتصادية التي ستنشأ ما بين غزة والضفة؟.
3- ما هي الوضعية القانونية لغزة بعد خروج الجيش الإسرائيلي ؟ هل هي سيادة فلسطينية أم حكم ذاتي موسع ؟ هل سيكون الانسحاب تطبيقا لقرارات الشرعية الدولية أم تطبيقا لخارطة الطريق أم دون أية مرجعية إلا مشيئة شارون ؟ والوضعية القانونية لغزة ستختلف حسب مرجعية الانسحاب .
4- كان الأمر يحتاج إلى بحث في طبيعة العلاقة ما بين السلطة الملتزمة بعملية التسوية والفصائل المسلحة المعارضة للسلطة ولعملية التسوية السلمية بعد خروج إسرائيل من غزة ، وهذا لم يحدث .

ملابسات وأسباب طرح شارون لخطته
عكس ما يُفترض أن يكون في الأحوال العادية ، حيث يُعتبر انسحاب قوات الاحتلال من أي شبر من ارض الوطن نصرا للشعب ، فالخطة أثارت من القلق والخوف عند غالبية الفلسطينيين أكثر مما أثارت من الفرح . لا شك أن غزة كانت خنجرا في خاصرة إسرائيل تتمنى التخلي عنها منذ سنوات ،وصحيح أنه لو كان الاحتلال الإسرائيلي مريحا ما فكر الاحتلال بالخروج من غزة ، إلا أن خطة الانسحاب طرحت تحديات وتساؤلات خطيرة وعميقة ، تساؤلات تمس أسس المشروع الوطني الفلسطيني حاضرا ومستقبلا .
يبدو أن كل الأطراف الفلسطينية المتعاملة مع الخطة أو القابلة بها ضمنيا، كانت تجهل أو تتجاهل عن قصد بأن الخطة لن تكون في نهاية المطاف أحادية الجانب . نعم، شارون كان يقول ذلك حتى يبدو صادقا مع نفسه بعدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض معه، ومقولة شارون هذه كانت ترمي لخلق فتنة داخلية قد تأول في نظره لانبثاق قيادة جديدة تملأ فراغ غياب القيادة الذي تزعمه إسرائيل، أيضا الهدف من الزعم بأنها خطة من طرف واحد هو تمرير الخطة عند الفلسطينيين حيث قبلها البعض منهم تحت مقولة أن إسرائيل ستخرج من غزة بدون ثمن فلماذا نرفض الخطة؟ .
لم تكن خطورة خطة شارون في ضيق مساحة قطاع غزة بل في كونها محاولة لإجهاض المشروع الوطني الفلسطيني -كيانا سياسيا وهوية وطنية- وعلى هذا الأساس فإن الخطة أكثر خطورة وسوءا من خطة خارطة الطريق حتى بالتحفظات الأربعة عشر التي وضعها شارون عليها ، فخطة خارطة الطريق حتى بالصيغة الإسرائيلية كانت تعترف بوجود طرف فلسطيني مفاوض ، وكانت ترتب حقوقا والتزامات على كلا الطرفين، وكان لها مرجعية دولية بشكل ما، والأهم من ذلك أنه كان يلوح بالأفق دولة فلسطينية ، وكلها أمور مفتَقَدة في خطة الانسحاب .
كانت خطة الانسحاب تقضي على كل المرجعيات القانونية والسياسية التي كانت تعترف للفلسطينيين بحقوق سياسية ، حيث تجاهلت منظمة التحرير والسلطة وبالتالي تجاهلت الحقوق السياسية الوطنية التاريخية ، كما تجاهلت قرارات الشرعية الدولية كالحق بدولة حسب قرار 181 وحق العودة حسب قرار 194 وحق تقرير المصير حسب قرارات متعددة للجمعية العامة بالإضافة إلى قرار 242 الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة ، وغيرها من القرارات . والأخطر من ذلك أن تجاهل الخطة للشرعية الدولية هو تجاهل لحقيقة الصراع وأصل القضية وهو الاحتلال الإسرائيلي .
كانت خطورة الخطة على المشروع الوطني تكمن أيضا في كونها لا تتحدث بوضوح عن انسحاب من غزة بل من مستوطنات غزة مما يعنى أن إسرائيل ستستمر في سيطرتها على المياه الإقليمية للقطاع بالإضافة للشريط الحدودي. والخطة تحدثت عن إعادة انتشار وعدم وجود عسكري إسرائيلي دائم، كما أنها لا تتحدث عن سيادة فلسطينية على غزة . أيضا الخطة تحدثت عن فك الارتباط مع الفلسطينيين وليس مع فلسطين أو أرض فلسطينية .
كان من الواضح أن غزة ستستمر تحت حكم ذاتي فلسطيني وسيطرة أمنية فلسطينية مصرية محدودة ، فيما السيادة والأمن العام بيد إسرائيل وهو ما كان في اتفاقية أوسلو حيث استغلت إسرائيل هذا النص وغيره لتبرير إعادة اجتياحها لمناطق السلطة .
تحدثنا عن الثمن الذي سيضطر الفلسطينيون لدفعه مقابل إشرافهم على غزة ، والثمن هو الضفة الفلسطينية والقدس ، كما أن الفلسطينيين لن تكون لهم سيادة على غزة أيضا، والحكم الذاتي الذي سيمارسونه على غزة هو كقصور على رمال متحركة ، فبالإضافة إلى محدودية سلطتهم - حيث سيشاركهم فيها المصريون من خلال تحكمهم بالمعابر- قد تتحول غزة إلى ساحة لمواجهات قد تأخذ أبعادا خطيرة بين الفصائل ، فالمناصب المتاحة وخيرات القطاع المحدودة هي دون القدرة الاستيعابية لشباب غزة الذين يتزايدون باستمرار وسيكون الأمر أكثر صعوبة إذا ما توقفت المنظمات عن عملها العسكري وتحولت إلى العمل السياسي ، آنذاك ستطالب بنصيبها من المناصب والخيرات التي هي محدودة في غزة .
هذه المحاذير السياسية تجرنا للحديث عن التداعيات القانونية للخطة ، وفي السياسة يصعب الفصل بين السياسة والقانون بشكل عام وفي الحالة الفلسطينية على وجه التحديد . كان من الواضح أن الانسحاب الإسرائيلي سيقتصر على غزة، وفي هذه الحالة ما هي طبيعة العلاقة التي ستربط الضفة المحتلة بالكامل مع غزة الخاضعة لسلطة إدارية وأمنية فلسطينية ومصرية ؟ وهل سيكون هناك نظام سياسي في غزة ونظام آخر في الضفة ؟ وما هي التداعيات النفسية والسياسية على أهالي الضفة الغربية ؟ .
كما ذكرنا فإن تجاوز خطة شارون للمرجعيات الوطنية الفلسطينية والدولية ، كان يطرح تساؤلات حول التكييف القانوني لوضعية قطاع غزة ووضعية الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف . مفردات خطة شارون وتصريحاته وتصريحات المسئولين الإسرائيليين تقفز على حقيقة أن جوهر المشكلة هي الاحتلال ، وبالتالي الخطة لا تتحدث عن انسحاب جيوش احتلال عن أراضي محتلة ، وهذا الغياب لجوهر المشكلة هو الذي كان يطرح إشكالات قانونية حول مصير غزة والضفة بعد الانسحاب ، في الوضع الطبيعي يفترض أنه بعد خروج جيوش الاحتلال تعود الأراضي المحتلة لأصحابها الشرعيين ليمارسوا عليها سيادتهم ويقرروا مصيرهم بأنفسهم ، هذا الوضع غائب في الحالة الفلسطينية .
كانت إسرائيل تريد الخروج من غزة دون تسليم السيادة للفلسطينيين، وتطالب مصر بأن يكون لها دور في إدارة غزة ، وربما تريد إسرائيل من خلال ذلك إعادة وضع غزة إلى ما كانت عليه قبل 1967 . إلا أن ما هو غير مصرح به في خطة شارون أخطر مما ورد في نصوصها، ونقصد الإشكال القانوني حول مصير الضفة الفلسطينية .
بداية يجب الإشارة إلى أنه قبل 1967 كان قطاع غزة والضفة كل منهم يعيش وضعية سياسية وقانونية مغايرة للأخرى ، وبعد الاحتلال الإسرائيلي عملت إسرائيل على خلق حقائق وترتيبات ديمغرافية وقانونية تَحُول دون التواصل بين المنطقتين ، كرفض فتح المعبر الآمن بين المنطقتين ، كما أنها تعاملت مع الضفة الغربية ليس كأرض محتلة بل كأرض إسرائيلية محررة أو في أفضل الحالات كأرض متنازع عليها ، ومما ساعدها على ذلك قرار الأردن بفك الارتباط مع الضفة عام 1987 - مع أنه فك ارتباط إداري وليس سيادي-. من هنا نلاحظ تكثيف الاستيطان في الضفة بشكل مدروس وممنهج وتسمية الضفة في وسائل الإعلام الإسرائيلية بيهودا والسامرا وهو الاسم اليهودي للضفة ثم بناء جدار الفصل العنصري الذي يقتطع أكثر من نصف مساحة الضفة بالإضافة إلى تدمير مؤسسات السلطة وتعطيل نشاطها بشكل أكثر مما هو حادث في غزة .
كان التصرف السليم الواجب الأخذ به لتعطيل المخطط الشاروني لفصل الضفة عن غزة ، والهادف ليكون الانسحاب من غزة آخر الانسحابات ، هو أن تتعامل السلطة الوطنية الفلسطينية مع غزة كأرض محررة أو مُدارة فلسطينيا مع استمرار التعامل مع الضفة كأرض محتلة وتستمر السلطة صاحبة القرار وصاحبة الحق في العمل السياسي لتحرير الضفة من الاحتلال حسب قرارات الشرعية الدولية وحسب خطة خارطة الطريق المعتمدة دوليا.
المبحث الثاني
الانتخابات تعزز حالة الانقسام
ما أن بدأ الحديث عن الانسحاب من قطاع غزة حتى تزايدت المطالبات بإصلاح النظام السياسي وضرورة إجراء انتخابات ، وحركة حماس التي كانت ترفض الانتخابات بل وتعتبرها كفرا وخيانة وطنية باتت متحمسة للمشاركة في الانتخابات البلدية والتشريعية ، تشاركها في ذلك واشنطن . لا نريد تكرار ما سبق وان أكدنا عليه من أننا لسنا ضد الديمقراطية من حيث المبدأ، وأن حركة حماس فصيل فلسطيني فاعل واكتسب ثقة ناخبيه ، كما أننا دوما نؤكد على أن النظام السياسي الفلسطيني منذ نشأته الأولى مع منظمة التحرير وهو يعيش مأزقاً متعدد الأسباب والتجليات ، ومع وجود السلطة تعمق هذا المأزق ، مما كان وما زال يتطلب عملية إصلاح شاملة لهذا النظام ، إصلاح لنهج وسياسات المجال السياسي لحركة تحرر وطني أكثر مما هو إصلاح سلطة حكم ذاتي ، وآليات إصلاح حركة تحرر تختلف عن آليات إصلاح سلطة حكم ذاتي .
أيضاً يجب التذكير بأن خطاب الإصلاح كان خطاباً فلسطينياً قبل أن تصادره الولايات المتحدة والأوروبيون ليجعلوه خطاباً خارجياً يهدف لمواجهة الرئيس أبو عمار، ذلك أن فشل القوى السياسية الفلسطينية بالتوصل لآليات إصلاح المجال السياسي الفلسطيني على أسس وطنية وبأدوات وطنية منح القوى الخارجية فرصة لركوب موجة الإصلاح ليوجهوها لخدمة أغراض غير بريئة بالتأكيد ، حيث انصبّت آليات الإصلاح على بعض ممارسات ومؤسسات السلطة دون مراجعة استراتيجية لمرجعية السلطة وأسباب تفاقم مشاكلها .
كنا نتمنى لو نجحت دعوات الإصلاح وجلسات الحوار المتعددة بالتوصل لقيادة وحدة وطنية تضع إستراتيجية عمل وطني وثوابت وطنية يتم الاتفاق والاختلاف فيها لا عليها قبل دخول متاهة الانتخابات الموجهة خارجياً ، ولكن وللأسف فشلت كل جولات الحوار ، ليس فقط لأن القوى الخارجية تريد إفشال الحوار بل لأن هذه القوى وجدت أدوات داخلية تُسهل عليها المهمة ، وكانت تعمل على إفشال الحوار عن دراية وسبق إصرار أو جهل وسوء تقدير . فشل المتحاورون بالتوصل لمرجعيات حيث كان الوطن والمصلحة الوطنية هو المبتغى والهدف ، يشكك بإمكانية نجاحهم في التوصل لاتفاق عندما تصبح السلطة والسلطة فقط هي المبتغى والهدف .
ولنكن صريحين ودون مكابرة ، فإن دخول حركة حماس العملية الانتخابية لم يكن تعبيراً عن نضج الوعي الديمقراطي عند حركة حماس بقدر ما كانت آلية للسيطرة على السلطة . الانتخابات فُرِضَت بداية كجزء من استحقاقات التسوية ، ولأن الحكومات السابقة كانت مأزومة ليس فقط بالفساد والانفلات الأمني ، بل أيضا بالإعاقات التي وضعتها في وجهها إسرائيل ، فلم تكن تستطيع معارضة المطلب الأمريكي والأوروبي بإجراء الانتخابات . ولأن حركة حماس كانت تتطلع للسلطة ، فقد تمسك الطرفان بالانتخابات وتزينوا بزي الديمقراطية ، وهم في داخلهم يدركون الحقيقة بأن ما يجري هو مخطط خارجي لا علاقة له بالديمقراطية الحقيقية .
الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها لم يكونوا حريصين بأن نكون ديمقراطيين ، ولا يريدون الانتخابات التي تهيئ الأمور للعودة لنهج السلام ، بل إن حديثهم عن الإصلاح والانتخابات وسعيهم لذلك إنما بهدف استمرار سلطة فلسطينية تنوب عن سلطة الاحتلال وتتعايش مع حالة ( ألا سلم وألا حرب ) ، وحالة السلطة قبل الانتخابات وصلت لدرجة من التردي والخطورة بحيث باتت مهدَدة بالانهيار وانفلات الأمور من تحت الضبط ، فكان لا بد من تحديث أو تغيير في السلطة ولو على حساب حكومة حركة فتح مؤسِسة السلطة .
أيضاً شعرت الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها من عرب وعجم بأن حركة حماس في الوقت الذي تتزايد شعبيتها فإنها أيضاً تعيش حالة من انسداد الأفق واليأس الذي قد يدفعها لقلب الطاولة وتخريب حالة ألا سلم وألا حرب وذلك بتدمير مشروع السلطة ، فكانت الانتخابات هي الحل الذي ينقذ السلطة ويستدرج حماس لتصبح جزءاً من السلطة وخصوصا أن واشنطن بدأت بالتخطيط لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يستوعب جماعات الإسلام السياسي المعتدل وحركة حماس جزء من الإخوان المسلمين المعنيين بهذا المشروع .لأن وجود حماس داخل النظام السياسي الفلسطيني وداخل النظام الشرق الأوسطي الجديد يجعلها أكثر خضوعاً للابتزاز ولتغليب مصالح الجماعة على المصلحة الوطنية فقد حدث التقاطع بين أهداف حركة حماس وواشنطن وإسرائيل .
أما الشعب فقد ساير الانتخابات لأنه يريد الخروج من حالة الركود والعجز التي وصلت إليها الحكومات السابقة ، وليقيم سلطة قادرة على استكمال المشروع الوطني على قاعدة التسوية العادلة حيث لا يمكن لسلطة عاجزة داخلياً أن تكون قوية على طاولة المفاوضات ، والأمريكيون والإسرائيليون أرادوا الانتخابات لإدماج حركة حماس في النظام السياسي الرسمي ولإدخال الساحة الفلسطينية في صراعات داخلية حول السلطة تبعدها عن الهدف الحقيقي لوجودها كفصائل حركة تحرير ضد الاستعمار .
لماذا انتخابات إن لم تؤد لحكومة ائتلافية؟
وحتى نكسب الرهان على الانتخابات طالبنا بضرورة مباشرة حوار وطني يسبق الانتخابات التشريعية ، هدفه التقريب بين البرامج والمواقف والتوصل لمرجعيات وثوابت وطنية ويكون الاختلاف داخلها وليس عليها ، من منطلق أن الانتخابات كآلية لتداول السلطة لن يكتب لها النجاح إن كانت تنافساً بين استراتيجيات متناقضة ، لأن ذلك سيصعب من إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية بل قد يؤدي لأن يثأر الفائزون من المنهزمين وعدم اعتراف المنهزمين بالهزيمة وبالتالي الارتداد على العملية الديمقراطية برمتها ، وللأسف جرت الانتخابات دون الاتفاق على ثوابت ومرجعيات وطنية ، وكانت النتيجة أن المنهزِم بالانتخابات مأزوم بهزيمته والمنتصر مأزوم بنصره .
لا شك أن نتائج الانتخابات التي جرت يوم 25-1-2006 وفازت فيها حماس بالأغلبية كانت ضربة قوية لحركة فتح ولقوى اليسار ولمن طرحوا أنفسهم كتيار ثالث ، ولكن المصلحة الوطنية وروح الديمقراطية كانت تحتم على الجميع تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية .
حركة حماس حركة شعبية ولها جمهورها واختارها الشعب بحرية ، ليس بالضرورة إيماناً ببرنامجها ولكن رغبة بتغيير وإصلاح سلطة كَثُرَ فيها الحديث عن الفساد والفوضى وحُملت حركة فتح مسؤولية ذلك .الديمقراطية لم تُشَرِع الانتخابات كآلية لاستبدال استبداد باستبداد بل للانتقال من نظام الحزب الواحد إلى التعددية ، الديمقراطية تقوم على مبدأ الاعتراف بالآخر والمشاركة بالقرار. وفي الحالة الفلسطينية إن لم تؤد الانتخابات لتشكيل حكومة وحدة وطنية أو ائتلافية فما الفائدة منها ؟ .
ومع كامل تفهمنا لما أصاب حركة فتح من صدمة نتائج الانتخابات ، وهي تتحمل قدرا كبيرا من المسؤولية عنها ، فإن المصلحة الوطنية كانت تتطلب أن تشارك حركة فتح في الحكومة الجديدة ، ولكن ليس في ظل البرنامج الانتخابي لحماس وإستراتيجيتها قبل الانتخابات ، بل في سياق سياسة الالتقاء وسط الطريق .
حركة فتح لها تجاوزاتها وأخطاؤها ، وحركة حماس لها أخطاؤها وكان عليها أن تعيد النظر بكثير من شعاراتها وممارساتها . كان على حركة حماس أن تتحلى بالصراحة والواقعية وأن لا تتلكأ كثيرا في النزول من فوق الشجرة ، فالواقع عنيد والحقيقة جلية بأنه لا يمكن للعالم – وهو محق حسب مبادئ وأصول القانون الدولي والأعراف الدولية - أن يعترف ويدعم حكومة فلسطينية تطالب بالقضاء على دولة عضو في الأمم المتحدة وتعترف بها غالبية دول العالم بما فيها دول عربية وإسلامية .
كنا نتمنى أن تباشر كل القوى السياسية حواراً لصيغة من الشراكة داخل المجلس التشريعي تمهد الطريق لحكومة وحدة وطنية ، لأن حركة حماس لا يمكنها تشكيل حكومة ناجحة بدون حركة فتح ، وحركة فتح صاحبة مشروع السلطة الوطنية والتي تقود منظمة التحرير الفلسطينية لا يمكنها أن تكون خارج السلطة وخارج الحكومة .
فوز حركة حماس ومأزق التوفيق بين المقاومة والسلطة
إن كانت حركة حماس لا تريد الاعتراف بإسرائيل ، ولا بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير مع إسرائيل ، ولا بالمبادرة العربية ، ولا بقرارات الشرعية الدولية... فلماذا دخلت الانتخابات أصلاً وهي تعرف أنها انتخابات سلطة حكم ذاتي مرجعيتها اتفاقات أوسلو؟ وماذا تريد من خلال وجودها بالسلطة ؟ الجواب الذي يتبادر للذهن مباشرة أنها تريد مواصلة نهج المقاومة المسلحة والتمسك بالشرعية الدينية والتاريخية . ولكن كيف نوفق بين ذلك وبين دعوة حماس لهدنة طويلة المدى ؟ وكيف يستقيم ذلك وإسرائيل تسمح لقادة حماس بالتنقل العلني داخل الوطن وخارجه ، وعقد لقاءات وندوات داخل الوطن وخارجه ؟ أيضاً ، السؤال الذي فرض نفسه : هل ما جري فاجأ حماس وبالتالي وقَعت في مصيدة أُعدت لها ؟ أم كان أمراً متوقعاً ، وبالتالي فهي كانت تعرف ما تريد وليست منزعجة مما جرى من حصار واعتقالات لقادتها ونوابها ؟ .
نعتقد بأن حركة حماس لم تدخل الانتخابات عن جهل ورعونة ، ربما فوجئت بالنسبة الكبيرة من الأصوات التي حصلت عليها ، ولكنها كانت راغبة بالسلطة وتسعى إليها ليس لذاتها ولكن كمدخل لمشروع إسلامي أكبر كانت قيادة الإخوان المسلمين تخطط له . كما نعتقد بأن ما جرى من حصار لم يفاجئ كثيراً قادة حماس لأنهم ليسوا من الغباء السياسي ليعتقدوا أنه بمجرد نجاحهم بالانتخابات فإن العالم الخارجي سيغيّر استراتيجياته ومواقفه تجاه الصراع العربي الإسرائيلي وسيشتغل على أجندة حماس السياسية المُعَبر عنها بشعاراتها المعادية لإسرائيل والمطالبة بإزالتها ! وقادة حماس يدركون جيداً بأن إسرائيل وحلفاءها لم يعارضوا منح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة لأنهم كانوا غير ديمقراطيين وكانوا يريدون انتزاع حقوقهم بالكفاح المسلح ، وعندما يصبحوا ديمقراطيين ويعلنوا الهدنة سيقدمون لنا هذه الحقوق وخصوصا الدولة المستقلة على طبق من الفضة !.
مباشرة بعد فوز حماس صدرت عدة إشارات توحي بأن لدى حماس استعداد للتعامل مع اشتراطات التسوية ، منها الرسالة التي وجهها وزير الخارجية الدكتور محمود الزهار إلى الأمين العام للأمم المتحدة ، وحديث بعض قادتها عن الاعتراف بإسرائيل كأمر واقع أو الاعتراف بالمبادرة العربية ، وقد فسرت هذه الإشارات بأن لدى حماس استعداد مسبق بالدخول في نهج التسوية أو مسايرته ولكنها تحتاج لوقت حتى تستطيع تمرير خطاب التسوية واستحقاقاته السياسية على قاعدتها الشعبية المعبأة بثقافة مناقضة لثقافة التسوية.
مقابل هذا السيناريو هناك سيناريو أكثر احتمالا لمسنا ملامحه أيضاً من تصريحات متعددة لقادة حماس بالداخل والخارج ، وهو الرفض المطلق للاعتراف بإسرائيل أو بالاتفاقات الموقعة . فإذا كانت حماس لا تريد السلام والتسوية ضمن الاتفاقات الموقعة وفي نفس الوقت لا تريد الدخول في مواجهة مسلحة مع إسرائيل وقد ثبت أنها أكثر التنظيمات التزاما بالتهدئة... إذن ماذا تريد حركة حماس؟ هنا يقفز للذهن مشروع الشرق الأوسط الكبير ورغبة واشنطن في تمكين الإسلاميين من السلطة في العالم العربي وحركة حماس جزء من جماعة الإخوان المسلمين ، وبالتالي تتراجع قضية الاعتراف بإسرائيل أو باتفاقية أوسلو ما دام المخطط يسعى لفصل غزة عن الضفة وتمكين حماس من حكم قطاع غزة .

المبحث الثالث
احتدام الخلافات والبحث عن مخارج
وهكذا وبدلا من أن تؤدي الانتخابات التشريعية إلى إخراج النظام السياسي من مأزقه والتأسيس لمرحلة جديدة من الشراكة السياسية فقد أدت لمزيد من الفتنة والفوضى بل واندلاع مواجهات مسلحة بين مقاتلي حركة فتح ومقاتلي حركة حماس أساءت للكل الفلسطيني .
كنا نتمنى أن يتوج (العرس الديمقراطي) بتشكيل حكومة وحدة وطنية ، إلا أن حسابات حزبية ضيقة وخاطئة عند البعض في حركة فتح وحسابات عقائدية خارجية عند حركة حماس حالت دون تشكيل هذه الحكومة وتفردت حركة حماس بالحكومة كما كان الأمر مع حركة فتح سابقا . لكن الحكومة هذه المرة لا تلتزم بالبرنامج السياسي الذي تلتزم به السلطة والرئاسة ، مما أوجد نظاما سياسيا رسميا برأسين وإستراتيجيتين ، فعمقت الانتخابات من أزمة السلطة والنظام السياسي بدلا من أن تكون عونا ومخرجا لهما من مأزقهما .
تراجيديا حكومة الوحدة الوطنية
إنه لأمر مأساوي أنه في الوقت الذي كانت تواصل فيه إسرائيل عدوانها العسكري على قطاع غزة والعدوان الأكثر خطورة الذي يجري في الضفة من استمرار الاستيطان وتزايده واستمرار بناء الجدار واستمرار تهويد القدس والتراجع عن تنفيذ خطة الانطواء ، في هذا الوقت كان السياسيون يتجادلون حول تشكيل حكومة وحدة وطنية ، وهو اختلاف وصراع في الحقيقة على السلطة والمواقع والمناصب . لو كان الحوار ديمقراطياً لاستبشرنا خيرا لأن الحوار الديمقراطي جزء من العملية الديمقراطية ، ولكنه للأسف حوار يكشف زيف ما سموه العرس الديمقراطي والتجربة الديمقراطية الرائدة ! . أي حوار لا ينطلق من اتفاق على المبدأ و ثوابت ومرجعيات وحسن النية ويكون فيه المتحاورون مشبعين بثقافة الديمقراطية ، لا يمكنه إلا أن يؤدي لتعميق الخلاف أو تحويل الحوار لحوار الطرشان .
لا نريد العودة مجدداً إلى الانتخابات والتساؤل هل كانت الانتخابات خياراً وطنياً فلسطينياً ؟ ولكننا سنسلم بنتائج الانتخابات التي أدت لفوز حركة حماس ومن ثم تشكيلها للحكومة ونتساءل ، أليس من المفروض على حكومة منبثقة عن عملية انتخابات ديمقراطية أن تحترم ثقافة وقيم وآليات الممارسة الديمقراطية ؟ أليس من المفترض من حزب فاز بالانتخابات تحت شعار (الإصلاح والتغيير) أن يصلح ويغير إلى الأفضل حياة الناس في إطار الصلاحيات المسنودة لحكومة حكم ذاتي إداري محدود ، وهو إصلاح في القضايا التي كانت الحكومات السابقة مقصرة فيها أو كانت حكومات فاسدة الخ؟ أليس مطلوب ومفترض من الحكومة أن تؤمن تعليم أفضل وصحة أفضل وفرص عمل أفضل الخ ؟ .
كانت حركة حماس تدرك والناس يدركون بأن الناخبين لم ينتخبوها لأنها تريد تحرير كل فلسطين والسابقون كانوا يريدون أقل من ذلك ، وحركة حماس كانت تدرك بأن الشعب لم ينتخبها لأنها حركة مقاومة مسلحة فيما السابقون تخلوا عن المقاومة ، الكل يدرك بأن الشعب في الضفة وغزة انتخب حماس نظراً لكثرة الحديث عن وجود فساد مالي وإداري في الحكومات السابقة ، ولأن مسار التسوية تعثر وآفاق الحل السلمي أغلقت، ولأن حالة من الفوضى كانت تسود مناطق السلطة ،وبالتالي انتخب الشعب حماس لتُخرِج السلطة والنظام السياسي من مأزقه وتؤمن له حياة كريمة وتفتح آفاق حل سلمي عادل ومشرف .
كان خطاب رئيس الوزراء السيد إسماعيل هنية يوم الجمعة 8/8 /2006 والذي قال فيه بأن الحكومة ستبقى لأربع سنوات وفي نفس الوقت يقول بأنه مع حكومة وحدة وطنية ، طرح أكثر من علامة استفهام حول جدية التعامل مع تشكيل حكومة وحدة وطنية ، وبأي معالجة عجائبية يمكن التوفيق بين التأكيد على استمرار الحكومة بنفس برنامجها وسياساتها ، والقول بتشكيل حكومة وحدة وطنية ؟ إذا ربطنا حديث رئيس الوزراء بتصريحات سابقة لمسئولين حمساويين آخرين كالقول بأن حكومة حماس وُجِدت لتبقى وقول آخرين بأن حماس مستعدة لقلب الطاولة على الجميع ، وقول نائب عن حماس في لقاء إذاعي مباشر كنت أحد طرفيه ، قوله : "هذا هو برنامجنا ومواقفنا ومن لا يعجبهم أعلى ما في خيلهم يركبوا " ! ، أيضا تشكيل قوات الإسناد التي لم توجد لوضع حد للانفلات الأمني بل كقوة حماية وإسناد للحكومة ضد أي محاولات انقلابية ضدها ، إذا ربطنا كل هذه الأمور مع بعضها البعض يحق لنا التساؤل: هل أن حركة حماس ومن حيث المبدأ كانت مع تشكيل حكومة وحدة وطنية؟ . ولنكن أكثر وضوحاً وصراحة فإن ضغوطاً مورست على قيادة حركة حماس في الداخل لإفشال حكومة الوحدة الوطنية إن كان برنامج هذه الحكومة متطابق مع برنامج منظمة التحرير أو حتى قريب منه ، لأن هؤلاء يرون أن حماس جزء من جماعة الإخوان المسلمين وهي حركة متكاملة وشاملة ولا يمكنها أن تكون جزءاً من كل حتى وإن كان هذا الكل هو الكل الوطني ، فهي الكل وعلى الآخرين الالتحاق بها إن أرادوا ، وهذا هو تفسيرنا لخطاب السيد رئيس الوزراء آنذاك والمشار إليه أعلاه ، فمفهومه للوحدة الوطنية هو الحفاظ على برنامج حكومة حماس وما تعتقد الحركة أنها ثوابت وعلى الآخرين الالتحاق بهذه الحكومة وليسموها حكومة وحدة وطنية إن شاءوا ! .
في المقابل كان هناك من يريد أن يفشل حكومة الوحدة الوطنية خدمة لأغراض أمريكية وإسرائيلية أو خدمة لمصالحهم الخاصة ، فحكومة وحدة وطنية تتعامل بجدية مع مسألة السلام والتسوية ومع المبادرة العربية والشرعية الدولية قد تؤدي للعودة للتسوية من منطلق قوة الموقف الفلسطيني وبالتالي فتح أفق جديد للسلام الحقيقي وهو ما لا ترغب به أمريكا وإسرائيل .

الفصل الرابع
حكومة حماس والبحث عن ذرائع للانقلاب على الشرعية
أكثر المسئولون في حركة حماس بعد فوزهم بالانتخابات من القول بأن الحكومة الفلسطينية التي يترأسونها مستَهدَفة من طرف إسرائيل والولايات المتحدة بل أحيانا يقولون بأن كل دول العالم تحاصر هذه الحكومة ، وكأن الحكومات السابقة –حكومات حركة فتح- صديقة أو موالية لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ! ، وهذا القول يحتاج لوقفة تمعن .


المبحث الأول
كل الحكومات الفلسطينية مستهدفة إسرائيليا
لا محاجة بأن الحكومة الفلسطينية التي تشكلت برئاسة حماس والمنبثقة عن المجلس التشريعي المنتخب ديمقراطيا في يناير 2006 تعرضت لحصار متعدد المجالات ومتعدد الأطراف ، فهناك حصار مالي واقتصادي وحصار سياسي ودبلوماسي، وأطراف الحصار متعددون على رأسهم بطبيعة الحال إسرائيل .
المشكلة في رأينا ليس وجود الحصار ولكن في كيفية تعامل حركة حماس مع الحصار ، وكيف فهمته وسوقته للجمهور ، المشكلة في استغرابها واستهجانها لما تتعرض له الحكومة التي شكلتها للحصار واعتباره كأمر غير متوقع وكمؤامرة على الحكومة الفلسطينية فقط لأنها حكومة حمساوية !.
تفكيك الخطاب السياسي للحكومة ولحركة حماس في تلك المرحلة سيكشف أن هذا الخطاب يعتريه تناقض كبير يعبر عن مأزق حقيقي تعيشه الحركة داخل فلسطين ، وهو مأزق الانتقال من حركة جهادية ترفض المبدأ والأساس الذي قامت عليه سلطة الحكم الذاتي إلى حركة سياسية تترأس حكومة هذه السلطة ، وهو أيضا مأزق التوفيق ما بين المرجعية الأيدلوجية الدينية الأممية باعتبار الحركة امتداد لجماعة الإخوان المسلمين كما يرددون دوما ، ومن جهة أخرى متطلبات العمل الوطني النابعة من خصوصية الحالة الفلسطينية وتميزها عن ساحات العمل السياسي التي تشتغل فيها جماعة الإخوان المسلمين .
هناك تناقض ثالث انتاب الخطاب السياسي للحكومة وللحركة وهو يستشف عندما تلجا للدفاع عن نهجها ورفضها للضغوط الممارِسة عليها للتعامل مع استحقاقات التسوية بالقول إن الحكومات السابقة والرئيس أبو عمار لم يشفع لهم كل التنازلات التي قدموها حيث لم تعترف إسرائيل بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بل قُتل الرئيس أبو عمار على يد الإسرائيليين. فالحركة هنا وكأنها تعترف بأنها ليست الوحيدة المستهدفة بل كل الحكومات السابقة، فالمشكلة إذن هي ليست الاعتراف أو عدم الاعتراف بإسرائيل وبالتسوية ، بل في أن إسرائيل التي ترفض أية كيانية سياسية فلسطينية ، وهذا يعني أن الحكومة الحالية لا تُحاصر لأنها حكومة حمساوية بل لأنها حكومة فلسطينية ، وهذا ما نود توضيحه.
وسط الصراعات والخلافات بين الأحزاب السياسية على السلطة وعلى كسب تأييد الشارع ، نسى كثيرون حقيقة أن ما يجري ليس سلاما بل مشروع تسوية ، ونسوا بأن منظمة التحرير لم تدخل التسوية في ظل أوضاع مريحة وبالتالي لم تشارك فيها على قاعدة الندية ، ونسى الجميع بان الولايات المتحدة وإسرائيل غير جادتين بالسلام ، وبالتالي لم تكونا مرتاحتين لوجود سلطة وطنية حقيقية وحكومة فلسطينية قادرة على القيام بمهامها بجدارة واقتدار، ونسى أو تناسى الجميع بأنه طوال سنوات وجود السلطة كان هناك صراع حاد بين الفلسطينيين والإسرائيليين على شكل وطبيعة السلطة .
كان الفلسطينيون وعلى رأسهم المرحوم ياسر عرفات – الذي مارس بعض الأمور البروتوكولية التي كانت محل سخرية من البعض كالسجاد الأحمر وطقوس رئاسية تقليدية - يريدونها سلطة وطنية تؤسس للدولة وتحافظ على الكيانية السياسية والشخصية الوطنية في ظروف دولية وإقليمية غير مواتية ، كانت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأمريكية يريدونها سلطة شكلية يتلهى بها الفلسطينيون عسى ولعل أن تنسيهم حقيقة أنهم شعب تحت الاحتلال، ولم يتورع كل طرف في استعمال كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق أهدافه ، وكانت أهم ورقة تستعملها إسرائيل للتخريب على السلطة وإعاقة عملها هو التأثير على عمل الحكومات المتعاقبة والحيلولة بينها وبين القيام بمهامها بالرغم من أنها أيضا كانت حكومات منبثقة عن مجلس تشريعي منتخب .
وهكذا ولغياب الجدية عند تل أبيب وواشنطن لتحقيق التسوية العادلة ، فقد أيدوا السلطة الفلسطينية علنا، فيما كانوا يعملون كل ما من شانه تفريغها من مضمونها الوطني ووضع العراقيل أمامها لمنعها من القيام بمهامها الوطنية .
إذن ، كل حكومة فلسطينية هي محل استهداف من طرف إسرائيل وليست حكومة حماس وحدها ،لأن إسرائيل لا تريد لأية حكومة فلسطينية أن تنجح في تسيير أمور الناس وخلق استقرار وطمأنينة ، بل تعمل دوما على إغراق كل حكومة فلسطينية بمشاكل لا تنتهي ، لأن نجاح الحكومة الفلسطينية في مهامها الوظيفية من إدارية واقتصادية سيجعل مناطق السلطة مناطق جاذبة للفلسطينيين فيما إسرائيل تريدها مناطق طاردة لهم .
من جهة أخرى فإن نجاح أية حكومة فلسطينية سيقوي السلطة مما يدفع بالانتقال لخطوة أخرى وهي التفرغ للقضايا الإستراتيجية المتعلقة بالتسوية والمفاوضات ، حيث سيكون المفاوض الفلسطيني المستند على حكومة وسلطة مستقرة أكثر قوة على طاولة المفاوضات ، وإسرائيل لا تريد أن تجلس على طاولات المفاوضات مع مفاوضين فلسطينيين أقوياء ،هذا إن كانت أصلا تريد المفاوضات .
كان على الحكومة الفلسطينية التي تترأسها حماس أن تقرأ جيدا أسباب تعثر وفشل الحكومات السابقة بالقيام بمهامها ، لو قرأت حركة حماس جيدا وبصدق تجربة الحكومات السابقة لأدركت جيدا أنها ليست الحكومة الوحيدة المستهدفة ، وإنها حتى لو اعترفت بإسرائيل وبالتسوية فلن يُسمح لها بالنجاح كحكومة ليس لأنها حكومة حمساوية بل لأنها حكومة فلسطينية . هذا كان يتطلب من حركة حماس الخروج من عقدة تضخيم الذات والتمركز على الذات ، فإسرائيل تريد ترويج أن المشكلة هي مع حركة حماس التي ترفض الاعتراف بإسرائيل حتى تحرض العالم الخارجي وخصوصا الذي يؤيد عملية التسوية على حماس، وحتى تخلق فتنة داخلية وتؤلب الفلسطينيين بعضهم على بعض ، فيما مشكلة إسرائيل هي مع كل الشعب الفلسطيني، هذا ما كان يجب أن تفهمه حكومة حماس وأية حكومة قادمة .
تنازع شرعيات وحروب بالوكالة
سواء سميناها مواجهات مسلحة أم اقتتالا داخليا أم مناوشات الخ ، وسواء عبرنا عن أسفنا أو خجلنا أو غضبنا أو تنديدنا لما كان يجري، فلن يغير كل ذلك من الواقع شيئا، والواقع يقول إن معادلة الصراع في فلسطين لم تعد صراعا فلسطينيا في مواجهة احتلال إسرائيلي، بل صراع على السلطة بين من يُفترض أن يكونوا في نفس الخندق ، صراع على ما هو متاح من سلطة كمدخل ضروري حتى وإن كان دمويا للهيمنة على مجمل (المشروع الوطني) ، كل طرف حسب تصوره ومفهومه للمشروع الوطني ، ومؤكد عندما يوجد أكثر من مشروع وطني لنفس الشعب الخاضع للاحتلال ، ولكل مشروع إستراتيجيته ومؤسساته وامتداداته الخارجية ، فلا يوجد مشروع وطني .
فحسب إحصائيات صدرت عن الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن فإن :
" ارتفاعا كبيراً في نسبة جرائم القتل التي وقعت في ظل تصاعد ظاهرة الفلتان الأمني خلال العام 2006 , مقارنة بالأعوام السابقة. وأفادت الهيئة أن 322 مواطنا فلسطينيا قتلوا داخل مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية حتى تاريخ 30/11/2006, بنسبة زيادة 51.5% عن العام 2005 ، منهم 236 مواطنا قتلوا في قطاع غزة و86 مواطنا قتلوا في الضفة الغربية ، وأشارت الهيئة إلى أن 93 حالة قتل تمت خلال 2004، بينما خلال عام 2005 قتل 176 مواطنا فلسطينيا داخل مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة منهم 97 حالة في قطاع غزة و79 في الضفة الغربية بنسبة ارتفاع 90% عن 2004 " .
ما شهدته مناطق السلطة وخصوصا قطاع غزة من أحداث دموية بعد ( العرس الديمقراطي الفلسطيني) كان تعبيرا صارخا ومكثفا عن أزمة عميقة صاحبت مسيرة النظام السياسي الفلسطيني . إلا أن المنعطف الأخطر في تطور الأزمة جاء من حيث كان يفترض أن يكون الخلاص وهي انتخابات يناير 2006 ، حيث أضيف للخلافات القديمة حول إعادة بناء منظمة التحرير والتسوية والمقاومة ومفهوم الثوابت الوطنية ، قضية أكثر مدعاة للخلاف والصراع وهي السلطة ، ودائما يكون الصراع على السلطة في دول العالم الثالث أشد شراسة ودموية من أي صراعات سياسية أخرى وأحيانا أكثر دموية وأقل أخلاقية من القتال ضد الاحتلال أو العدو الخارجي.
لو جرت الأحداث الدامية التي شهدتها مناطق السلطة في أية دولة عربية أخرى لكانت أحداثا عادية لأنها لن تخرج عن طبيعة الثقافة السياسية السائدة والمنطق الذي يحكم السلطة والصراع حولها في العالم العربي ، إلا أن خطورة ما كان وما زال يجرى في مناطق السلطة أنها مواجهات بين قوى سياسية يُفترض أنها روافد لحركة تحرر وطني تواجه عدوا ما زال يحتل الأرض ويهدد الهوية الوطنية ويدنس المقدسات الدينية ، الأمر الذي يُخرج هذه المواجهات عن كل منطق سياسي عقلاني ، حيث خلقت هذه الأحداث لدى الرأي العام الخارجي صورة سلبية عن القضية والشعب الفلسطيني، صورة جبَّت الصورة المشرقة التي تختزنها ذاكرة العالم عن الشعب الفلسطيني كشعب البطولات والتضحيات وصاحب القضية العادلة التي حشدت من حولها ملايين البشر وتحت شعاراتها ورايتها سارت مظاهرات عارمة في غالبية عواصم ومدن العالم.
بعيدا عن التبريرات التي روجها كل طرف كسبب للخلاف وللفشل في تشكيل حكومة وحدة وطنية ، وبعيدا عن تُهَم التخوين والتكفير التي تم التراشق بها بين حركة فتح وحركة حماس وهو ما يسيء لكل الشعب حيث تجعل من نصف نخبته السياسية كفرة ومن النصف الآخر خونة ! ، فإن المشكلة في عمقها تدور حول مَن هو صاحب الشرعية وبالتالي من حقه صياغة الثوابت والمرجعيات الوطنية ومخاطبة العالم بهذه الصفة ؟ أو بصيغة أخرى، مَن هو الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ؟.
بعيدا عن الخطاب الغامض لحركة حماس حول الديمقراطية والمشاركة السياسية فإن حركة حماس فسرت فوزها بالانتخابات التشريعية بأنه تفويض شعبي لها لتمثيل الشعب الفلسطيني وتطبيق برنامجها ليس فقط البرنامج الانتخابي بل ميثاق حركة حماس كصاحبة مشروع سياسي ديني متكامل مختلف عن المشروع الوطني لمنظمة التحرير ولحركة فتح . كان من الواضح أن الحكومة وحركة حماس كانتا تسعيان لشطب كل المرحلة الوطنية السابقة وتأسيس نظام جديد بمرجعية جديدة . عندما تضفي الحركة على نفسها صفة الحركة الربانية والحكومة حكومة ربانية ، فهذا يعني القطع مع منظمة التحرير (العلمانية) ، والعلمانية من وجهة نظر حركة حماس وكما يتم تثقيف قاعدتها الجماهيرية تعني الكفر ، فكيف يتحالف (الربانيون) مع (العلمانيون) ؟ .
من جهة أخرى لو كان الخلاف مجرد خلاف حول البرامج السياسية وعلى سلطة سيادية كما هو الحال في الدول التي تعيش مخاض الديمقراطية وتعرف تعددية سياسية وحزبية لهان الأمر ، ولكنه خلاف وصراع دامي تداخل فيه الموقف الوطني لكلا الطرفين مع أجندة خارجية متعارضة. القوى الخارجية توظف الفصائل السياسية الفلسطينية من خلال الدعم المالي والسلاح لخدمة مصالحها الخاصة ، الأمر الذي جعل القوى الفلسطينية المتصارعة وكأنها تحارب بالوكالة عن قوى إقليمية ودولية. هذه الحرب بالوكالة والتي وقودها أبناء الشعب الفلسطيني لا تقتصر خطورتها على الضحايا بل تهدد بمزيد من مصادرة القرار الوطني، فهذه المواجهات المسلحة المفتوحة بين حماس وفتح تحتاج لمزيد من المال والسلاح والوضع الاقتصادي الداخلي لا يستطيع تلبية هذه المطالب ، وبالتالي يتزايد الاعتماد على القوى الخارجية ، ومن يتحكم بالتمويل المالي يتحكم بالقرار السياسي لأن علاقة القوى السياسية الفلسطينية مع الأطراف الخارجية لا تقوم على الندية بل على التبعية .
لقد بات واضحا بأن المكونات الوطنية للنظام السياسي الفلسطيني تعكس عجزا متواصلا عن تَحمُّل المسؤولية الوطنية ، وكل الحديث عن الشرعية التاريخية بالنسبة لحركة فتح والشرعية الدينية بالنسبة لحركة حماس أصبح حديثا ممجوجا ولا معنى له ، فلا التاريخ ولا الدين يمنحا شرعية وطنية سياسية ، وحتى صناديق الانتخابات لم ولن تحسم مسألة الشرعية إن لم يسبقها التراضي والتوافق حول الثوابت الوطنية .
اللجوء المكثف للتاريخ والدين في المجال السياسي تعبير عن العجز عن إيجاد حلول واقعية لمشاكل الحاضر و تعبير عن عجز عن الخلق والإبداع والإنجاز. بالرغم من ذلك فما حك جلدك مثل ظفرك وكان يجب الحذر من تسليم مفاتيح القضية لأطراف خارجية ، فهذه الأطراف حتى العربية والإسلامية ليست حريصة على مصلحتنا وقضيتنا الوطنية ، بل يمكن القول بأن الأطراف الخارجية معنية باستمرار أزمة الحالة الفلسطينية بل وتغذيتها .

المبحث الثاني
تفاهمات مكة والبحث عن التعايش المستحيل
حظا اتفاق مكة في 8 فبراير 2007 بقدر كبير من الاهتمام المحلي والدولي وخلق حالة من الترقب والمراهنات ذات المرامي المتعددة والمتعارضة أحيانا، كما تفاوتت التقييمات ما بين مَن نظر للاتفاق كمكسب لحركة حماس وبرنامجها ، ومن اعتبره مكسبا للرئيس أبو مازن وتوجهه السياسي . كان عدم القدرة على الحسم لمصلحة مَن من الحزبين كان الاتفاق يعطي مؤشرا على وجود طرف ثالث مستفيد من الاتفاق وهذا الطرف هو القاسم المشترك أو المصلحة الوطنية والتي تجسدت في التفاهمات حول وقف الاقتتال وتشكيل حكومة وحدة وطنية ووضع أسس تفعيل منظمة التحرير. عندما تقدم حركة حماس تنازلات وتقدم حركة فتح تنازلات للمصلحة الوطنية وتكون هذه التنازلات عن قناعة وليس مجرد مناورة ،لا يكون أي من الحزبين قد خسر شيئا لأن المصلحة الوطنية هي مصلحة كليهما ومصلحة كل القوى السياسية .
الاتفاق حقق في حينه هدفا أسعد كل بيت فلسطيني وكل من يتعاطف مع الفلسطينيين ويعيش قضيتهم ، وهو وقف الاقتتال ولو مؤقتا والانتقال من حالة اليأس والإحساس بالخجل مما جرى إلى حالة ترقب مشوب بأمل ، مع ما صاحب ذلك من تراجع في المظاهر المسلحة وفي حالات التحريض الإعلامي في الإذاعات وفي المساجد التي تحول بعضها إلى منابر لزرع الفتنة وليس للعبادة.
لقاء مكة أنتج مراهنات كبيرة وبالتالي كان يُفترض بمخرجات هذا اللقاء أن تعالج جذور المشكلة ولا تقتصر على التعامل مع إفرازاتها ، وأن يدشن اللقاء مرحلة جديدة من العلاقات الفلسطينية –الفلسطينية تؤسِس لمرحلة جديدة من العلاقات الفلسطينية مع العالم الخارجي على أسس وثوابت فلسطينية محل توافق وطني . ولكن هل كان ضمن أجندة المخططين لاجتماع مكة وللمجتمعين أن يعالجوا جوهر الصراع أم كان هدفهم مجرد تهدئته ؟ .
التقت في لقاء مكة مصالح أطراف متعددة- محلية فلسطينية وإقليمية ودولية – على ضرورة تسكين الحالة الفلسطينية المنفلتة، تسكين دون أن يصل الأمر لحد العمل على حل الأزمة بشكل نهائي. كان كل طرف يريد تسكين الحالة أو تهدئتها ولو لحين من الزمن لأهداف خاصة به ، ويستشف ذلك من خلال سرعة الإعلان عن التوصل لتفاهم على القضايا الأساسية التي استغرق الحوار الداخلي بشأنها سنوات وآلاف الساعات دون التوصل لتفاهم مشترك ، كإعادة بناء منظمة التحرير والشراكة السياسية وحكومة الوحدة الوطنية ، دون التعمق بأي منها ، مع القفز على المسائل الخلافية : وزير الداخلية، برنامج الحكومة ، القوة التنفيذية ، توحيد الأجهزة الأمنية ، مصير الحالات والميليشيات العسكرية ، مصير الحكومة المنشودة إن لم يتم رفع الحصار ، الموقف من المقاومة المسلحة وإطلاق الصواريخ ، و قضية الجندي الإسرائيلي الأسير شاليط .
ولكن ومع القول بأن ما جرى هو مجرد تهدئة تخدم أغراض أطراف متعددة ، إلا أن التحدي أمام الفلسطينيين كان كيفية تحويل تفاهمات مكة إلى منعطف إستراتيجي في المسيرة السياسية ، ذلك أن فشل تفاهمات مكة وخصوصا حكومة الوحدة الوطنية سيؤدي إلى نتائج وخيمة وقد تعود الحالة الفلسطينية لوضع أكثر سوءا مما كان قبل اللقاء حيث سيلقي كل طرف من الطرفين- خصوصا فتح وحماس- بالمسؤولية على الطرف الآخر.
إذن مع عدم استبعادنا لوجود ما لمحنا إليه من وجود أهداف تكتيكية لدى البعض ، ومع الإقرار بأن ما جرى في مكة يؤكد صعوبة التمسك باستقلالية القرار الوطني، بالرغم من ذلك ، كان يمكن تحويل لقاء مكة – وأكرر مر ة أخرى إن صدقت النوايا – إلى منعطف استراتيجي إيجابي لو استكملت المشاورات مع بقية القوى السياسية لتكون الحكومة الموعودة منطلقا لمشاركة سياسية حقيقية ، حيث لا يجوز اتفاق على برنامج لحكومة دون ثوابت ومرجعيات وطنية تكون ضمانة في حالة فشل الحكومة. لو توفرت هذه الشروط فإن لقاء مكة كان سيشكل منعطفا لا يقل أهمية عن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وخصوصا في المنعطف الذي عرفته عام 1968.
حكومة الوحدة الوطنية وتغيير منطلقات التسوية
حكمة الرئيس أبو مازن وبراغماتية حركة حماس أديا لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية في مارس 2007 ، بالرغم من أن طول الحوارات وطابع المحاصصة الذي سيطر عليها أفقد حكومة الوحدة الوطنية كثيرا من بريقها وأظهرها وكأنها حكومة توزيع مغانم ، ومع ذلك فان تشكيل هذه الحكومة كان يراهَن عليه ليكون بمثابة منعطفا وبداية تحول استراتيجي في مسيرة النضال الوطني .
إلا أنه وحتى تكون حكومة الوحدة الوطنية في مستوى هذه المراهنات كان عليها تجاوز مواقف واستراتيجيات وأنماط وممارسة سياسية كانت تحكم الحكومات السابقة والمعارضات السابقة ، حكومة الوحدة الوطنية تعني أن صياغة القرار الوطني ومفهوم الوطن والوطنية ومفاهيم الحرب والسلم لم يعودوا حكرا على حزب واحد ، كما يتطلب إعادة النظر في الشرعيات السياسية التي تؤسس على (الشرعية التاريخية) أو (الشرعية الدينية ) ، وأن حكومة الوحدة الوطنية يجب أن لا تؤسَس على مساومات وصفقات ، والاهم من ذلك أن حكومة الوحدة الوطنية هي بداية صحيحة لطريق طويل مليء بالتحديات الداخلية والخارجية.
كانت قدرة حكومة الوحدة الوطنية على مواجهة التحديات لا ترتبط بكفاءة الوزراء فقط ولا بالدعم الخارجي مع أن الشرطين مطلوبان ، بل بتوفر إرادة النجاح عند حركتي فتح وحماس وذلك بالانتقال من شراكة في حكومة وحدة إلى الشراكة السياسية الحقيقية مع كل القوى السياسية في صياغة وتنفيذ إستراتيجية عمل وطني ، ذلك أن الحكومة هي أداة تنفيذية مؤقتة ، فماذا سيكون عليه الحال إذا ما فشلت الحكومة في مواجهة التحديات ؟ الفشل في الانتقال السريع لشراكة سياسية حقيقية يعني أن فشل الحكومة سيؤدي للعودة لنقطة الصفر .
لم يكن الشعب يطلب من الحكومة الدخول في مواجهة مع الاحتلال ليس فقط لأن القضايا المتعلقة بالوضع النهائي والمفاوضات هي من اختصاص الرئيس أبو مازن ومنظمة التحرير كما تنص تفاهمات مكة ، بل كان ينتظر منها التفرغ لإصلاح الوضع الداخلي وخصوصا الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية ، فإصلاح الوضع الداخلي شرط ضرورة للقدرة على مواجهة الاستحقاقات الخارجية مع إدراكنا بتداخل الأمور مع بعضها البعض أحيانا وخصوصا بالنسبة للوضعية الاقتصادية التي هي مرتبطة بالتحديات والاستحقاقات الخارجية .
كان سبب تعثر اتفاق مكة أن المجتمعين لم يعالجوا جذور الخلاف أو الأسباب الإستراتيجية للخلاف وركزوا على بند واحد من بنود وثيقة الوفاق الوطني وهو حكومة الوحدة الوطنية ، وحتى هذه بالرغم من أهميتها فقد هيمنت عليها حسابات المحاصصة وتوزيع المغانم أكثر من الاهتمام بالشراكة السياسية الحقيقية أو بوضع برنامج واضح ومتماسك للحكومة، ولكن السبب يعود أيضا بأن هناك أطراف خارجية لها امتدادات داخلية تحارب بالوكالة عنها ، أرادت إفشال حكومة الوحدة الوطنية ، وعملية الإفشال في ظل الفقر والحصار وما ينتج عنهما من بطالة للشباب ، لا تحتاج إلا للمال والسلاح وهما العنصران الأكثر انتشارا وحضورا لدى القوى المتقاتلة دون غيرها .
آنذاك كتبنا محذرين من أن المعادلة القادمة ستكون كالتالي :
1- إمارة حمساوية في غزة تحت وصاية مصرية مشددة وتعيش على المساعدات الخارجية، وهذا الأمر يحقق مطلبا حمساويا وللإخوان المسلمين حيث سيعتبر تحقيقا لبداية دولة الخلافة الراشدة، و مع هدنة طويلة المدى بين هذه الإمارة وإسرائيل لن تظهر حركة حماس وكأنها فرطت بالقضية الوطنية .
2- سلطة حكم ذاتي فيما تبقى من الضفة الغربية تقوده حركة فتح مع شكل من التقاسم الوظيفي أو وصاية دينية للأردن على الأماكن المقدسة ، وهذا الأمر قد يرضي شريحة كبيرة من قيادة حركة فتح وفصائل منظمة التحرير حيث سيمنحهم مخرجا للزعم بأن مشروعهم السياسي لم يفشل، كما سيكون في هذه السلطة متسعا لإرضاء تطلعات وغرور كل المتطلعين للمناصب والمواقع .
3- إسرائيل ستستفيد لأنها لن تصبح دولة احتلال وفي نفس الوقت لن تعود لحدود 1967 وستكون قد تخلصت من خطر دولة فلسطينية مستقلة، والولايات المتحدة والرباعية بشكل عام ستبارك هكذا خطوات ما دام الأمر سيؤدي لتخفيف التوتر .
4- دول الجوار وخصوصا مصر والأردن ستتعاملان مع الموضوع من منطلق أنهما حاولا مساعدة الفلسطينيين ولكن هؤلاء لم يكونوا على قدر حمل مسؤولية قضيتهم الوطنية وبالتالي فإنهم يقبلون هذه المعادلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحقوق الفلسطينية وبعض الضغوط والإغراءات المالية ستسهل المأمورية عليهم.
كنا نتمنى أن تكون التداعيات المدمرة والمخجلة لجولة الاقتتال الأولى التي سبقت لقاء مكة قد ردعت أمراء الحرب والفتنة بعدما فشل شرف التوقيع على وثيقة الأسرى على ردعهم وفشل أيضا لقاء مكة وما أنتج من تفاهمات في ذلك. إلا أننا فُجِعنا بأنهم اهتموا وانشغلوا بالمحاصصة ولملمة ملفات الفساد والتجاوزات فيما بينهم أكثر من اهتمامهم بوضع استراتيجيه عمل وطني حقيقية وشراكة سياسية حقيقية، كانت حكومة وحدة وطنية بالمسمى وحكومة محاصصة بالواقع ، كان هناك برنامج للحكومة شكلا وبرامج حزبية تطبق على الأرض واقعا .
نتيجة كل ذلك كان من المحتم أن تفشل الخطة الأمنية التي وضعتها الحكومة قبل بدء تطبيقها وأن يؤدي فشلها لوضع أسوء مما كان قبل لقاء مكة، لأن المحرمات انكسرت ولم يعد الدم الفلسطيني على الفلسطيني حرام واستمرأ البعض حالة الفلتان والفوضى والقتل العبثي ، ولأن تجار فتاوى السوء والفتنة تكاثروا بقدر تكاثر تجار السلاح والفساد السياسي .
ولأننا نؤمن بأنه ما زال في شعبنا خير وفي قيادتنا بقية من عقل فقد استبشرنا خيرا بتوقيع اتفاق وقف الاقتتال الداخلي يوم 18مايو2007 ، بالرغم من أنه كان الاتفاق الخامس خلال ست أيام ، ولأن إسرائيل استغلت الفتنة الداخلية لتعاود عدوانها سعيا منها في أن يؤدي هذا العدوان إلى زيادة الاحتقان الداخلي بدلا من توحيد الجهود الوطنية في مواجهتها. ولكن ... ولأنه ليس لنا بديل لفلسطين إلا فلسطين وليس لنا بديل عن هذه القيادة الآن ما دام الشعب أنزلق بإرادته نحو خيار الانتخابات التي أفرزت هذه القيادات ،انطلاقا من ذلك نتمنى على هذه القيادة أن تصارح شعبها بالحقيقة كل الحقيقة بدلا من الهروب للأمام نحو مقاومة دون إستراتيجية و مفاوضات دون أفق سياسي .



الفصل الخامس
المرحلة الثانية من صناعة دولة غزة
ما جرى يوم 14 يونيو 2007 من هجوم شرس لعناصر حماس على المقرات الأمنية والمؤسسات المدنية التابعة لحركة فتح ولمنظمة التحرير والسلطة الوطنية ، مهاجمة البيوت والمدنيين المحسوبين على حركة فتح وممارسة عمليات قتل بشعة وصلت لحد السحل في الشوارع حتى الموت لأشخاص مثل سميح المدهون ورمي آخرين من أسطح البنايات العالية ، واقتحام وتدمير بيت الرئيس أبو عمار ومكتبه وكذلك بيت ومكتب الرئيس أبو مازن الخ ، كان نتيجة حتمية لما سبقه من أحداث أو بداية المرحلة الثانية لتدمير المشروع الوطني من خلال تمكين حركة حماس من السيطرة على قطاع غزة وصيرورة القطاع كيانا أو حالة سياسية قائمة بذاتها خارجة عن سيطرة أو إشراف منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية . ما جرى من قتال دموي لم يكن حسما كما تزعم حركة حماس ولا انقلابا كما تقول حركة فتح ، بل المرحلة الثانية من مخطط صناعة دولة غزة ، حيث تم تهيئة المسرح لحركة حماس لتقوم بالسيطرة على القطاع بتعاون وتواطؤ أطراف من السلطة .




المبحث الأول
الاستنزاف والتدمير الذاتي

وأخيرا نجح تحالف الـتآمر الخارجي مع الجهل والفساد والتواطؤ السياسي الداخلي في إنجاز المرحلة الأولى من مخطط تصفية المشروع الوطني الفلسطيني ،نجحوا في الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة سياسيا ونفسيا بعد أن باعد الاحتلال بينهم جغرافيا ، وبكل ألم نقول إن الأمور ربما وصلت لدرجة ألا عودة .
(الانقلاب) على السلطة الذي أقدمت عليه حركة حماس في غزة معتقدة أنها تحقق انتصارا ، كان مجرد غطاء لحدث اكبر. غالبية المنخرطين بالأجهزة الأمنية وغالبية أعضاء ومؤيدي حركة فتح لم يشاركوا في هذه الحرب العبثية ، بل لم تكن عندهم أية أوامر أو تعليمات بالقتال لأن كبار الحركة والأجهزة الأمنية والسلطة كانوا خارج القطاع ، وأن اقل من 10% من منتسبي الأجهزة وتنظيم فتح هم الذين شاركوا بالقتال .
بالرغم من أن كل المؤشرات كانت تقول بأن حركة حماس تسعى للسيطرة على قطاع غزة ، وأن إسرائيل معنية بالأمر وهيأت له من خلال انسحابها من قطاع غزة ، بالرغم من ذلك لم تفعل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة شيئا لمواجهة هذا المخطط ، مما يثير تساؤلات وشكوك بأن القيادات العليا كانت على علم بما يجري .
بقدرة قادر اختفى قادة كل الأجهزة الأمنية وتبخرت عناصر الأجهزة الأمنية الذين كانوا يُقدرون في قطاع غزة بأربعين ألف ، وسبق ذلك تأخير دفع مرتبات عناصر الأجهزة الأمنية ، كما تبخرت كل المليشيات والجماعات المسلحة التي كانت تابعة لحركة فتح ولمحمد دحلان ، أما إسرائيل فقد وقفت تتفرج على مقاتلي حركة حماس وهم يقتحمون مقرات السلطة التي تربطها بها اتفاقية تسوية دون أن تحرك جانبا بل وصل مقاتلو حركة حماس أثناء مطاردتهم لعناصر فتح الفارين حتى الحدود مع إسرائيل تحت نظر ومرمى جنود الاحتلال، ولو أرادت إسرائيل إفشال الانقلاب وإنقاذ شريكها في التسوية لكانت تستطيع ذلك باستعمال طائرة هليكوبتر واحدة .
هذا الانقلاب وبغض النظر عن التبريرات التي قدمتها حركة حماس لم يكن بهدف محاصرة ومعاقبة من سمتهم بالتيار الانقلابي في حركة فتح ولو أن حركة حماس قامت باعتقال ومحاكمة هؤلاء على ما نسبته لهم من جرائم فربما كان تصرفها مقبولا ومفهوما بل لوجدت من يصفق لها حتى من داخل حركة فتح ، ولكن الغريب أن كتائب القسام قامت بهجومها وهي تعرف أن كل قيادات حركة فتح في الخارج ، ومن اعتقلتهم من قيادات الصف الثاني أطلقت سراحهم بل قامت بتوصيلهم إلى معبر بيت حانون ، وفي المقابل قامت باقتحام المقرات والمؤسسات الأمنية والمدنية للسلطة بما في ذلك بيت ومقر الرئيس أبو مازن وبيت الرئيس الراحل أبو عمار، وما صاحب ذلك من فتاوى تكفير وتخوين للسلطة وأجهزتها وقادتها صدرت عن بعض شيوخ حماس الذين حللوا إباحة دم العاملين في الأجهزة الأمنية للسلطة وخصوصا الأمن الوقائي، مما يعني القطيعة مع السلطة الوطنية التي قامت مع توقيع اتفاقية أوسلو والتي تتعامل مع الضفة وعزة كوحدة سياسية واحدة ـوكل ذلك يؤكد وجود مخطط معد مسبقا لصيرورة الأمور لما آلت إليه .
جاءت قرارات الرئيس أبو مازن بحل حكومة الوحدة الوطنية وإعلان حالة الطوارئ يوم الخميس 14 من يونيو 2007 ، وتشكيل حكومة طوارئ كرد على ما جرى في عزة لتعزز من القطيعة والفصل السياسي بين الضفة وغزة ، وخصوصا أن هذه الأحداث الدراماتيكية تصاحبت مع عمليات تصفية ممنهجة لمؤسسات ومراكز السلطة وحركة فتح في القطاع وعمليات تصفية لمراكز ومؤسسات حركة حماس في الضفة الفلسطينية ـبمعنى قطع أية إمكانية للشراكة أو التعاون بين الحركتين حتى على مستوى كل شطر من شطري الوطن المحتل .
الواقع يقول - وهو واقع نرفضه ويرفضه كل فلسطيني وطني مخلص لقضيته الوطنية- بأن هناك سلطة لحماس في غزة والتي تمثل 1،5% من مساحة فلسطين و6% من مساحة الأراضي المحتلة عام 1967 وفيها أكثر من مليون ونصف نسمة ، وهناك سلطة ورئيس وحكومة لفتح – أو تنسبا لفتح - فيما تبقى من الضفة الغربية والمنطقتان تخضعان للاحتلال والحصار الاقتصادي بنسب متفاوتة ، وفي المنطقتين لا يحكم فعليا سياسيون بل أجهزة أمنية ، أو بصيغة أخرى حكم العسكر بواجهة سياسية. فما هي آفاق المستقبل وكيف ستتصرف حكومتا وسلطتا الأمر الواقع ؟.
لقد بات واضحا أن الضحية الأولى لهذا الصراع الدامي بين حركتي فتح وحماس هو المشروع الوطني الفلسطيني الذي يقول بدولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين ، فمن سيفكر اليوم بتسوية تقوم على هذا الأساس في ظل وجود حكومتين وسلطتين ، بل مَن سيفكر بحل لصراع فلسطيني إسرائيلي في ظل احتدام الصراع الفلسطيني/ الفلسطيني ؟ ولان أعداء المشروع الوطني والمتواطئين معهم من النخبة الفلسطينية لا يريدون نجاح هذا المشروع الوطني فسيعملون بكل جهدهم على استمرارية الخلافات الداخلية الفلسطينية .
إذن بعد نجاح الفصل الأول من المخطط ، ولأننا نعتقد بأن ما يجرى هو نتاج مخطط، فما زال في جعبة المخططين ما يقومون به للتعامل مع الحالة الجديدة ، ونعتقد بأن المخططين الخارجيين والمحليين سيُفشِلون أية محاولة لرأب الصدع في الصف الفلسطيني وسيعززون حالة الفصل مع تقديم مقترحات وحلول لكل طرف من طرفي المعادلة الفلسطينية لمنحه شيئا من الشرعية والدعم ولكن بالقدر الذي يجعله قادر على مواجهة الطرف الثاني (العدو الداخلي) فقط واستنزافه .
لكن ما نخشاه وهو الأشد خطرا وتقصد بذلك الاستنزاف أو التدمير الذاتي ، فالقوى المعادية للمشروع الوطني ستعمل على تحريك عملائها في قطاع غزة أو ستقوم عناصر فتحاوية بمحاولة الانتقام لما جرى لحركة فتح ، وذلك بقيام الطرفين (دون تنسيق بالضرورة) بأعمال تخريب واغتيال ضد رموز ومؤسسات حركة حماس مما سيدفع كتائب القسام والتنفيذية للرد بعمليات اقتحام للبيوت واعتقال وتشديد القبضة الأمنية وهو ما سيحول قطاع غزة لنظام قمع وإرهاب وحالة من الفوضى ، ونفس الأمر سيحدث في الضفة الغربية حيث سيتحرك عملاء إسرائيل وستتحرك عناصر من حركة حماس للانتقام من السلطة (أيضا دون تنسيق بالضرورة) ، وذلك بالقيام بعمليات اغتيال وتخريب ، وسترد عليها أجهزة السلطة بالقمع والاعتقالات الخ ، وفي جميع الحالات سيتم استنزاف الحركتين باقتتال داخلي مدمر .
سيناريوهات ما بعد الانقلاب في غزة
لن نعود مجددا للبحث المفصل في خلفيات وأسباب ما جرى في قطاع غزة ،الكل متواطئ بنسب متفاوتة وستكشف الأيام حقيقة هذا المخطط ، وقريبا سنسمع عن مشروع جديد للتسوية يُبنى على الأمر الواقع الناتج عن الفصل.
ما جرى في غزة هو انقلاب عسكري تم الإعداد له مسبقا كجزء من المخطط وتم تخريج هذا الجزء من المخطط على شكل انقلاب وانتصار مُبهر لحركة حماس لا يقل عن الانتصار على إسرائيل من وجهة نظرها ، وإلا كيف سيُمرر هذا المخطط ، وأن ترفض حركة حماس وصف ما جرى بالانقلاب أو تبرر ما جرى بأنه موجه ضد من تسميهم بالتيار الانقلابي في فتح لن يغير من الحقيقة في شيء ، فأن تقوم جماعة مسلحة وخصوصا عندما تكون من الحزب الحاكم أو المشارك بالحكومة بمهاجمة مقرات الأمن والجيش والقصر الجمهوري وبيت الرئيس ومحطات التلفزيون والإذاعة لأسباب سياسية ، فهذا هو تعريف الانقلاب في علم السياسة ، أما لماذا الانقلاب ؟ فهذا أمر أخر وهو أيضا محل نظر.
حتى لو سلمنا بأن هناك تيار انقلابي وفاسد في حركة فتح وفي السلطة - وقد كتبنا منذ سنوات حول الفساد والانفلات في حركة فتح وفي السلطة وقبل أن تكون حماس في السلطة وتتحدث عن الموضوع - فإن ما جرى هو أعظم وأخطر من أن يكون مجرد مطاردة وتصفية لهذا التيار وخصوصا انه لم يقتل أو يُسجن أو يُحاكم أي واحد من قيادات هذا التيار ! .ولو كان الأمر مجرد حسم مع عناصر أو أجهزة متمردة على رئيس الوزراء المنتخب لكان من المفترض أن تعود الأمور بعد الانتصار على المنفلتين على ما كانت عليه قبل الحسم وهذا ما لم يحدث.
الآن وقد جرى ما جرى وسواء كان الأمر تخطيطا ومؤامرة أو مجرد تداعيات طبيعية لأحداث آنية كما تقول حركة حماس ، فنحن أمام فصل سياسي وجغرافي ونفسي بين قطاع غزة والضفة الغربية ، إذن ما العمل ؟ وما هي آفاق مستقبل النظام السياسي ؟ .
نحن أمام أربعة احتمالات أو سيناريوهات :-
الأول:- إعادة قطاع غزة لشرعية السلطة والرئيس بالقوة العسكرية.
وهذا غير ممكن فلسطينيا فالرئيس لا يملك جيوشا ليرسلها (لتحرير غزة) ، وبقايا الأجهزة الأمنية وتنظيم فتح لا يستطيعوا ذلك وإن حاولوا فهذا معناه حرب أهلية لا نهاية لها ولن يكون الفوز في نهاية الأمر للمقاتلين باسم حركة فتح وبقايا الأجهزة الأمنية لأن الناس لا يريدون عودة من جربوا حكمهم طوال اثني عشر عاما ولم يكن في حكمهم ما يدفع الشعب للتعاطف معهم وتسهيل مأمورية عودتهم لحكم غزة ، أما محاولة إعادة غزة لشرعية الرئيس بواسطة قوات الاحتلال فهو ممكن عمليا ، ولكن إسرائيل لا تفكر بالرجوع لغزة ولأنها مشاركة في مخطط الفصل ، ولن يُشَّرِف أي فلسطيني أن تعود الشرعية على ظهر دبابات الاحتلال ، وحالة العراق وأفغانستان أمام أعيننا ، وبطبيعة الحال لا تفكر مصر أو قوات دولية بفعل ذلك ، وخصوصا أن حركة حماس ليست كجماعات القاعدة مجرد مقاتلين مستجلَبين ليقاتلوا في بلاد غير بلادهم ، بل هي حركة شعبية وفازت بجدارة بانتخابات تشريعية منحتها أغلبية الأصوات ، وجماعات دينية من هذا النوع من الصعب القضاء عليها نهائيا .
الثاني :- تأبيد حالة الفصل بين شطري مشروع الوطن
بمعنى أن تستقر الأمور لحركة حماس لحكم غزة وتستقر الأمور لحركة فتح لحكم الضفة الفلسطينية ، وهذه رغبة خفية لبعض أطراف الصراع ، ونعتقد بأن هذه الأطراف ستبدأ تدريجيا بالتعامل مع حركة حماس كسلطة في غزة ضمن شروط ، وقد يبدأ هذا التعامل تحت شعارات الوضع الإنساني للسكان وعدم تحويل القطاع لسجن كبير ، والتعامل مع الواقع ، وعدم التحيز في التعامل مع طرقي الصراع الفلسطيني الخ ، وربما نسمع قريبا بهدنة بين إسرائيل وحركة حماس على حدود قطاع غزة ، وربما تكون هدنة ضمنية والاتفاق على صفقة مع حماس لإطلاق الجندي جلعاد شاليط ، وفي نفس الوقت ستبدأ إسرائيل بقطع علاقاتها تدريجيا مع القطاع وانتقال الدور لمصر.
الثالث :- العودة للحوار
إن كان الاحتمالان السابقان مرفوضين وطنيا بغض النظر عن إمكانية تحققهما عمليا ، فالبديل هو محاولة التجاوب مع الدعوات المطالبة بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14 حزيران عن طريق الحوار . هذا الخيار وإن كان هو المفضل لدى غالبية الشعب الفلسطيني إلا أن المراهنة على نجاح الحوار تكتنفها كثير من الشكوك . سبق وان تحاور الطرفان عشرات بل مئات جولات الحوار في القاهرة ومكة وغزة وقبل ذلك في السودان وأماكن أخرى وفي ظل ظروف أفضل من هذه الظروف ، ولم تُنجز الحوارات إلا تفاهمات ورقية لم تحل أي من الإشكالات العميقة للخلاف بين الطرفين .
الانتقال من الحوار عبر طاولة المفاوضات إلى الاقتتال ثم الانقلاب يجعل الحوار أكثر صعوبة وخصوصا مع رفض الرئيس أبو مازن للحوار بداية ثم وضعه شروطا على حماس تنفيذها قبل بدء الحوار ، وهي شروط رفضتها حماس . إلا أن تدخلات من مصر وجامعة الدول العربية قد تهيئ الظروف للجلوس مجددا على طاولة المفاوضات ، ونعتقد أن حوارات ستبدأ بين الطرفين وقد تطول لأشهر ولكنها لن تؤدي إلى أية نتيجة، ليس لغياب الإرادة بالتوافق بين الطرفين بل لأن القوى الخارجية ستمارس ضغوطا على طرفي الحوار لإفشاله ، والكل يعلم بأن القوى السياسية الفلسطينية لاعب صغير بالرغم من كونها صاحبة القضية في مقابل اللاعبين الكبار ، سواء كانت إسرائيل والولايات المتحدة أو دول عربية وإقليمية ، كما أن إسرائيل المستفيد الأول من الانقسام لن تسمح بإعادة توحيد غزة والضفة في إطار حكومة وسلطة واحدة.
ومع ذلك ولقطع الطرق على من يفكرون بالخيارين السابقين لا مناص من الحوار ولكن ليس فقط لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14 حزيران لأن إشكالات كثيرة ستحول دون ذلك ، بل للتفاهم والاتفاق على الثوابت الوطنية ويمكن اعتماد وثيقة الوفاق الوطني كأساس ، فيتم الاتفاق دون لبس - أو ما كانوا يسمونه بالغموض البناء للتهرب من الاتفاق الحقيقي- على مفهوم السلام والمقاومة والهدنة والاتفاقات الموقعة والشرعية الدولية وعلاقة الدين بالسلطة والحكم السياسي ، ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية تترأسها شخصية مستقلة تعمل على إعادة بناء مؤسسات السلطة وخصوصا الأجهزة الأمنية وتهيئة الوضع للانتخابات التشريعية .
الرابع :من التقسيم إلى التقاسم
فحيث أن السيناريوهات السابقة تتراوح ما بين الممكن المرفوض والصعب المُحبَب والمقبول ،وحيث إن الأمر يبقي مفتوح لكل احتمال ، هناك سيناريو رابع يمكن اللجوء له والتعامل معه وطنيا إن فشلت الحوارات في التوصل للنتائج التي أشرنا إليها - وهنا نؤكد بأن هذا ليس خيارنا ولكنه خيار يمكن التفكير به إن أغلقت كل الأبواب – ونقصد بذلك إن كان الفصل أمرا مفروضا على الفلسطينيين الآن ، يمكن آنذاك تحويل التقسيم إلى تقاسم ، والتقاسم يعنى التفاعل والمشاركة في الإعداد للمشروع الوطني ضمن المعطيات المفروضة ، وهذا يحتاج لوقف كل عمليات التحريض من تكفير وتخوين ، ووقف عمليات التصفية الممنهجة من كل طرف للطرف الآخر- تصفية حركة حماس في الضفة وتصفية حركة فتح في قطاع غزة- ومساعدة كل طرف للآخر في أن يستكمل مهامه حسب ظروفه ومعطياته وعلاقاته لتصفية الاحتلال ، وما بعد زوال الاحتلال يمكن البحث قي صيغة توحيدية .
ندرك تماما بان هذا الخيار قد يكون الأصعب والأكثر إثارة للجدل ، ولكن يمكن التعامل معه مرحليا لتجنب مخاطر التقسيم النهائي ، وهناك أمور كثيرة يمكن تقاسمها بالتشارك وتوزيع الأدوار واستمرار الحوار قد يكون مفيدا في هذا السياق .
للأسف هذه السيناريوهات تتراوح ما بين المستحيل والصعب والمرفوض، وأحلاها مر كما يقول المثل ، والأخطر من ذلك أن نجاح أي سيناريو لا يتوقف على الإرادة الفلسطينية فقط بل يحتاج إلى إجازته إما من إسرائيل أو من أطراف خارجية.

المبحث الثاني
حتى لا نكون شهود زور على مخطط تصفية المشروع الوطني

مع أن كل كاتب يشعر بشيء من الرضا عن الذات عندما تأتي الأحداث مصدقة لتوقعاته وتحليلاته ، إلا أن شعورا بالألم والحزن الشديد ينتابنا لأن الأحداث جاءت متوافقة مع توقعاتنا . حزن لما آلت إليه الأمور وحزن أشد لأن ملامح مخطط تحطيم المشروع الوطني وفصل غزة عن الضفة كانت واضحة لدرجة أن أي مسئول يزعم بعدم توقعها هو تبرير لإخفاء التواطؤ أو إخفاء العجز عن وقف المخطط، مؤشرات الانقسام والاشتغال لصيرورته واقعا بدأت سنوات قبل انقلاب حماس ، ولا داع لتكرار ما سبق و كتبناه.
فقد توقعنا وحذرنا من خطورة غياب إستراتيجية عمل وطني وتعدد الاستراتيجيات والسلطات ، وحذرنا من إجراء انتخابات تشريعية قبل الاتفاق على مرجعيات وثوابت النظام السياسي ، وحذرنا من خطورة الفلتان الأمني وقلنا إنه ليس عفويا أو بالمصادفة بل هو ضمن مخطط لتدمير المشروع الوطني وان هناك أطرافا محلية تشارك بهذا المخطط ، كما حذرنا من مخطط للفصل ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة والالتفاف على القرار الوطني المستقل وعودة الوصاية على الشعب الفلسطيني الخ .
كما اشرنا ، فإن السيناريو الأسوأ الذي حذرنا منه هو تأبيد حالة الفصل لقوة تأثير الأطراف المشاركة بهذا المخطط بما فيها أطراف متعادية ومتصارعة ولكنها تتقاطع عند نقطة فصل غزة عن الضفة للالتفاف على المشروع الوطني الفلسطيني ، إلا أن السيناريو الذي سميناه (من التقسيم إلى التقاسم ) وقلنا بأنه أهون الشرور إن لم تتوفر شروط الحوار الناجح على المدى القريب ، و بعد ما جرى من أحداث من الضروري التفكير به كخطوة مرحلية ومؤقتة أو كمدخل لحل جذري للخلاف الداخلي.
قبل أن نوضح فكرتنا ، دعونا نستقري باختصار وبموضوعية تداعيات الأحداث في الفترة الأخيرة . فشل جولات الحوار ، فشل الخطة الأمنية ، ثم فشل حكومة الوحدة الوطنية . بعد انقلاب حماس الدموي منتصف يونيو ، حماس تستولي على المراكز الأمنية ثم على مقرات الوزارات والسلطة ، عجز حماس عن تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان ، امتداد الخلاف من خلاف مع حركة فتح لخلاف مع كل القوى السياسية ، قطع رواتب آلاف من الموظفين، تزايد النقمة الجماهيرية ضد حكم حماس، تحول حكم حماس من حكومة ربانية أو منتخبة كما كانوا يزعمون لحكومة وحكم بالبطش والقوة ، مداهمات واعتقالات وإطلاق نار على الشباب والمسيرات السلمية، الحد من الحريات السياسية والإعلامية ، وقف حركة حماس لعملياتها العسكرية داخل إسرائيل واستجداءها لهدنة من الإسرائيليين ، وقوع عمليات مسلحة داخلية ضد مواقع وعناصر حكومة حماس ، وتخطيط حمساوي لزعزعة الاستقرار في الضفة الغربية ، تزايد عمليات التحريض والتشكيك والتخوين عبر الفضائيات ومختلف وسائل الإعلام بشكل يسيء لكل الشعب الفلسطيني ، إعلان إسرائيل قطاع غزة كيانا معاديا ، توقف الجهات المانحة عن إنجاز مشاريع تنموية في القطاع ، تراجع التأييد والاهتمام العربي والدولي بحركة حماس وبمعاناة سكان القطاع ، ثم عقد مؤتمر انابولس دون تحقيق إنجاز سياسي كبير ، غياب أي مسعى جدي للحوار مع تمسك حركة حماس بمواقفها ورفضها الاعتراف بالخطأ الذي ارتكبته، تزايد العدوان الإسرائيلي متزامنا مع عقد مؤتمر باريس مما دفع البعض بالربط بين الأمرين ، الأهم من كل ذلك أن أكثر من مليون ونصف المليون من أهلنا في القطاع أصبحوا يعيشون حالة غير مسبوقة ليس بفلسطين فقط بل في كل النزاعات الدولية، من حصار وجوع وإحباط وفقدان الثقة بالحاضر والمستقبل وتراجع المستوى الحضاري وحالة من الخوف والقلق، وكل هذا حدث بعد الموت غير المعلن للانتفاضة، إن لم يكن فشلها في تحقيق أهدافها، دون أن يجرؤ أحد على عمل مراجعة وتقييم ومحاسبة لست سنوات، نتيجتها آلاف الشهداء وعشرات آلاف المعتقلين والجرحى، وتدمير البنية التحتية في الضفة والقطاع وعدم تحقيق أي إنجاز سياسي، بل تراجع مهول للقضية الوطنية على كافة الأصعدة .
لقد بات واضحا أن المخطط الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه هو مخطط يتجاوز الأطراف الفلسطينية، دون تجاهل الدور المركزي لفساد وجهل سياسي استشرى عند النخبة الفلسطينية ، في إنجاح المخطط ، كما بات واضحا أن إسرائيل والأطراف الإقليمية المعنية بالأمر تريد استمرار حالة الفصل والانقسام للنظام السياسي و للمجتمع الفلسطيني ليس حبا بحركة حماس أو إعجابا بالنظام الذي تؤسسه ، بل توظيفا لهذا النموذج الفاشل من حكم الإسلاميين في تسوية حسابات داخلية مع التيارات الدينية ، أو انطلاقا من رؤية سياسية للتسوية ترى أن الحل يمكن أن يكون ممكنا إذا عادت الأمور لما قبل حزيران 67، أي التعامل مع قطاع غزة كحالة سياسية مختلفة عن حالة الضفة الغربية- وهناك دول عربية تفضل هذا التوجه وتشتغل عليه-، أيضا هناك دول تريد توظيف الحالة الفلسطينية المتوترة لخدمة أجندة سياسية خاصة.
وعليه، ولأن الحالة الفلسطينية اليوم هي أضعف مما كانت عليه قبل الانتفاضة ، فإن إنهاء حالة الفصل لن يكون بقرار فلسطيني خالص في المنظور القريب على أقل تقدير - وإن كان التوافق الداخلي شرط ضرورة لنجاح أي مساع في هذا الاتجاه - كما أن إسرائيل لن تسمح بإحداث هذه المصالحة ، وما يزيد الطين بلة أن بعض الأصوات في حركة حماس تتصرف وكأنها تحقق إنجازا أو تنفذ مخططا معد مسبقا وهو أن تكون حماس سلطة حاكمة في قطاع غزة ، وهو تَطَلُع ينسجم أيضا مع أيديولوجيتها الدينية التي تنظر لمفهوم الدولة خارج سياق المفهوم الوطني والدولي، فعودة الخلافة الراشدة يمكن أن تبدأ على أية بقعة من أرض المسلمين، أيضا فإن ممارسات حركة حماس وتصريحات قادتها الاستفزازية والمرتبكة تُصَعِب على الحكومة و السلطة الشرعية ومنظمة التحرير وضع إستراتيجية لحل وطني عاجل للوضع الراهن أو للمستقبل في القطاع، وتجعل خيارها الوحيد هو الدعوة للحوار والعودة لخيار الشعب وهو الانتخابات، الأمر الذي ترفضه حركة حماس حتى الآن .
ضمن هذه المعطيات ، ومع الخط ألتصعيدي للخلاف - والذي للمفارقة والغرابة أنه يتزامن من مأزق يتعاظم كل يوم للطرفين ، مأزق ما تسميه حركة حماس خط المقاومة والممانعة ،ومأزق نهج التسوية الذي تراهن عليه السلطة بسبب التعنت الإسرائيلي –فإن كل يوم يمر إلا و يتعمق الشرخ وتتزايد حالة القطيعة وتتزايد معاناة الناس في القطاع، معاناة غالبية الشعب وليس حركة حماس ، بل تظهر مؤشرات مقلقة على تزايد الاستعداد النفسي عند شرائح شعبية في الطرفين للتكيف مع الوضع، وتعمل قوى متعددة لتغذية الاستعدادات النفسية لقبول عملية الفصل، أيضا وجود قناعة عند البعض من النخبة السياسية في الجانبين لاعتبار ما جرى أمرا مقبولا أو يدخل في باب (رب ضارة نافعة)، وتواتر الحديث عن (الغزيين) و(الضفويين) وإن ما جرى هو تصحيح لخطا حدث بسبب الاحتلال والوضع الطبيعي في نظرهم أن قطاع غزة – المنفصل جغرافيا عن الضفة - حالة مختلفة عن الضفة الغربية والمجتمع (الغزي) مختلف عن المجتمع في الضفة الخ. إذن ما العمل ؟.
إن كان خيار الحسم العسكري مرفوضا وطنيا وعملياتيا عند الرئيس أبو مازن والحكومة وعند حركة فتح وكل القوى الوطنية، وإن كانت النية الحقيقية لطرفي المشكل متجهة بالفعل لوضع حد للفصل بين شطري الوطن (كما تقول تصريحاتهم المعلنة)، فلا بديل عن الحوار، حوار ليس على استعادة مواقع أمنية أو محاصصة سياسية ،أو لمجرد رفع العتب بالقول إننا لسنا ضد الحوار ، بل حوار حقيقي وجاد حول القضايا الإستراتيجية، مثل مفهوم الدولة والتسوية والسلام والمقاومة، أي حول الثوابت الوطنية، التي كان من المفترض الحسم بها قبل إجراء الانتخابات التشريعية، هذا الحوار يحتاج لجهد ووقت كما أنه سيواجَه بممانعة من إسرائيل ومن أطراف متعددة مستفيدة من الانقسام الفلسطيني الداخلي.
ولأننا نؤمن أن لا مجال للتقدم بالمشروع الوطني ولا بعملية السلام إلا بالمصالحة الداخلية قبل المصالحة مع إسرائيل ، ولأننا نؤمن أن لا شرعية لحكومة إن لم تكن حكومة كل الشعب وكل الوطن، ولأن الواقع يقول بأن الوفاق والوئام الداخلي المؤَسَس على إستراتيجية عمل وطني يحتاج لوقت، إذن يجب التعامل بعقلانية مع مرحلة وسط أو انتقالية تمهد لعودة الوئام وهي مرحلة ضرورية لتهيئة شروط نجاح الحوار الإستراتيجي ، وأقصد التعامل مؤقتا مع واقع الفصل دون منح أية شرعية لأمر واقع مفروض بالقوة، ويكون ذلك من خلال وقف كل أشكال التحريض والاعتقالات وأعمال العنف المتبادل من الطرفين - لمدة شهرين مثلا-، وذلك لخلق الأجواء المهيأة للحوار الجاد ثم للمصالحة.
أن تستمر العلاقة بين حركتي فتح وحماس علاقة عدائية ، وان يستمر التحريض ، لن يساعد على إنجاح الحوار. إن إنجاح هذا السيناريو أو الفرصة الأخيرة هو مسؤولية جميع الأطراف ولكن بالدرجة الأولى مسؤولية حركة حماس التي انقلبت على الشرعية ، والكرة عندها لأن أعمالها هي التي تعمق الهوة بينها وبين كل فصائل منظمة التحرير ومع الشعب داخل القطاع ، ولكن في نفس الوقت فإن تمترس القيادة الفلسطينية حول شرط ضرورة تراجع حركة حماس عن عملها الانقلابي قد يبدو مبهما وتعجيزي ، فما هو مفهوم التراجع عن الانقلاب ؟ ومن سيملأ الفراغ ؟ وما ضمان عدم حدوث عمليات ثأرية من الشعب ضد قيادات وعناصر حماس في غزة ؟ وأسئلة كثرة تفرض نفسها.
قد يقل قائل ، كيف سيتم الاتفاق بين الطرفين ما دامت حركة حماس لا تقر بمرجعية منظمة التحرير وتقول بعدم الاعتراف بالاتفاقات الموقعة ؟.في السياسة لا توجد ثوابت مطلقة ، فثوابت السياسة هي المتغيرات التي تحددها الأمة وتعبر عن المصلحة الوطنية وتخدمها في كل مرحلة من مراحل تطور الأمم ، وعليه فإن توفرت إرادة المصالحة ومتطلبات المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية فالحلول ممكنة والعقبة التي تسمى الخلاف حول الثوابت يمكن تذليلها.
لا يُعقل أن نتفاوض مع إسرائيل التي تحتل الأرض وتمارس كل أنواع الإرهاب ضد شعبنا وهي مفاوضات مشروعة ومبررة بمنطق الواقعية السياسية ، ولا يُعقل أن تستجدي حركة حماس هدنة مع إسرائيل وحوارا مع الأمريكيين إن استطاعت ، فيما هما عاجزان عن الحوار مع بعضهم بعضا ، ولا ندري أيهم أقسى على النفس ، الجلوس مع مَن يحتل الأرض ويقتل ويدمر ويمتهن الكرامة ، أم الجلوس مع الخصم الوطني السياسي حيث جمعت الطرفين المعاناة والتشريد والخندق الواحد ؟ أيهم أقسى على النفس ، هدنة مع العدو المحتل مقابل الاحتفاظ بسلطة بدون سيادة على جزء مما تبقى من الوطن ، أم التخلي عن السلطة والعودة للصف والكل الوطني بما يحافظ على المشروع الوطني؟.
إن أهمية السرعة في التوصل لمصالحة وطنية مستمدة أيضا من إمكانية التوصل لهدنة ما بين حركة حماس وإسرائيل تمهد لمفاوضات بين الطرفين قد تؤدي لشكل من الدولة في قطاع غزة وفي هذا تحقيق لرؤية بوش حول الدولة وتطبيق لخطة خارطة الطريق حول الدولة المؤقتة ، وبذلك يتم إخراج إسرائيل من مأزقها ، إلا أن ذلك يعني أيضا قطع الطريق على أي مصالحة وطنية ونهاية المشروع الوطني الذي يقول بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع .
نقول هذا حتى نبرئ أنفسنا وحتى لا نكون شهود زور على مؤامرة تصفية المشروع الوطني الذي قدم شعبنا في سبيله عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين ومعاناة وتشرد وحروب ، وأحلام وتشوقات ، المصالحة فرصة أخيرة إما أن نلتقطها ونباشرها قبل فوات الأوان وتتجاوز النخبة السياسية المكابرة والإغراءات والحسابات الصغيرة ، وإما أن يسجل التاريخ أن أعدل قضية ضيعتها نخبة وقيادة لم تكن في مستوى عدالة وعظمة القضية .

وحتى لا أكون شاهد زور قدمت استقالتي من الوزارة
لم يكون موقفي الرافض للانقسام وللمشاركة بأي فعل معزز له مجرد موقف نظري بل كان سلوكا ومنهجا تجسد عندما قدمت استقالتي من منصب وزير الثقافة الذي شغلته ما بين يوليو 2007 و فبراير 2008 وهذا هو مضمون كتاب استقالتي الذي قدمته للرئيس أبو مازن ولرئيس الوزراء سلام فياض وحيثيات قبولي للمنصب ثم استقالتي :
لم أكن بالوضع الذي أحسد عليه عندما تلقيت مكالمة هاتفية تطلب مني المشاركة بالحكومة الفلسطينية التي شكلها الدكتور سلام فياض على اثر الانقلاب المسلح الذي أقدمت عليه حركة حماس وأطاح بحكومة الوحدة الوطنية، فكوني أكاديميا وكاتبا تحدثت وكتبت كثيرا عن السلطة ومساوئها وعن الخلل في الأداء السياسي بل عن جدوى وجود سلطة وحكومة في ظل الاحتلال... فقد كان قبولي بمنصب وزير وكأنه يحمل في طياته حالة من التناقض بين القول والممارسة، بين الموقف والموقع.
وبالفعل تعرضت لانتقادات وعتب من كثير من الأصدقاء من فلسطين ومن خارجها لقبولي المنصب، وتفهمت موقف أصدقاء وتفهم بعضهم موقفي، ولو كانت الظروف غير الظروف لاعتذرت عن قبول العرض لأني كنت منسجما وراضيا عن نفسي وعملي الفكري والأكاديمي،ولكن كان يقلقني المصير الذي آل إليه المشروع الوطني ،مشروع الاستقلال والدولة،المشروع الوطني الذي لم ننجز منه شيئا، بل أصيب بمقتل في أكثر من جانب من جوانبه ،ذلك أنه بعيدا عن أوهام :سلطة وحكومة ومجلس تشريعي ووزارات ومؤسسات، والتي أصبحنا أسرى لها ولاستحقاقاتها الوظيفية ومغرياتها المالية... بدلا من أن تكون هذه المؤسسات أدوات في معركة التحرير،وبعيدا عن ملهاة الانتخابات والصراع على السلطة والمعابر والرواتب، حتى قضية الأسرى أصبحت قضية رواتب وكانتينا...، بعيدا عن هذه الملهيات والمنزلقات المقصودة فإن الواقع يقول بأن الاحتلال ما زال جاثما على كل الوطن بل تتم عملية شرعنة وتجميل بعض أشكال وجوده .
ما دفعني لقبول المنصب في حينه هو معايشتي لأحداث الانقلاب الذي أقدمت عليه حركة حماس وقبل ذلك متابعتي لنهجها السياسي وممارساتها على الأرض والذي كان يشير إلى انزلاق حماس بوعي أو بدون وعي نحو مخطط لتدمير المشروع الوطني ، فالانقلاب كان تتويجا أو مرحلة من مخطط لتدمير المشروع الوطني بفصل غزة عن الضفة تمهيدا لوصاية بمفاهيم وتخريجات جديدة ونقل ساحة الصراع بل تغيير طبيعة الصراع، من صراع مع العدو المحتل، لصراع فلسطيني داخلي حول مَن يحكم غزة التي يسعى المخططون لأن تكون هي الدولة الفلسطينية التي يتحدثون عنها، ليتفرغ العدو لاستيطان ما تبقى من القدس والضفة.
لذا كنت في حالة يتوجب فيها تحديد موقف، إما الانحياز للمشروع الوطني الذي عنوانه الرئيس أبو مازن حيث القول الواضح بالتمسك بالثوابت وبوحدة شطري الوطن، أو رفض المشاركة بحكومة فياض وبالتالي الانحياز لحكومة الأمر الواقع في غزة التي لم المس يوما أنها تجسد مشروعا وطنيا أو لديها رؤية سياسية وإستراتيجية واضحة للصراع مع العدو. حتى الوقوف موقف الحياد من الطرفين كان بمثابة الانحياز للأمر الواقع الذي فرضته حركة حماس.
وعليه كان قبولي بالمشاركة بحكومة الدكتور فياض نوعا من المراهنة أو الأمل أنها مرحلة انتقالية لن تدوم أكثر من شهرين أو ثلاثة وتعود الأمور مجددا لحكومة وحدة وطنية، حكومة كل الوطن وكل الشعب، بالرغم من شكوك قوية عبرت عنها في أكثر من مقال وفضائية بأن ما جرى في غزة هو مخطط والفلسطينيون المشاركون فيه مجرد لاعبين صغارا فيه لعبوا أدوارا عن جهل من البعض وتواطؤ من البعض الآخر.ولكن في المنعطفات المصيرية الحرجة يجب التشبث بأي أمل ولو كان واهيا.
انطلاقا من ذلك، مارست عملي منذ منتصف يوليو كوزير للثقافة، بنية صادقة بأن اخدم المشروع الوطني وأساعد على استنهاض الحالة الثقافية إيمانا مني بأن ما جرى لمشروعنا الوطني هو اختراق لثقافتنا الوطنية وليس مجرد اختراق أمني أو سياسي فلو كانت ثقافتنا الوطنية محصنة لما جرى ما جرى، أيضا كنت أراهن بأنه من الممكن أن نصلح بالثقافة ما تفسده السياسة. إلا أن الأمور جرت عكس ما كنا نتمنى، فالانشقاق والفصل يُكرس يوما بعد يوم والتحريض المقيت يتعاظم ومفهوم العدو يتبدل من خارجي لداخلي، والحكومة تُسير الأعمال دون إستراتيجية عمل وطني وأهلنا في القطاع يعانون الأمرين: إرهاب وحصار وتجويع على يد الاحتلال، وقمع للحريات على يد سلطة الأمر الواقع، والعدوان الإسرائيلي يحصد كل يوم عديد الشهداء في القطاع ويحصد مزيدا من الأرض والكرامة الوطنية بالاستيطان المتواصل في الضفة الغربية وخصوصا بالقدس - وهنا يجب التحذير بأن ما يجري بالقدس والضفة أكثر خطورة مما يجري بغزة، وكأنه مقصود تسخين وتوتير المشهد في القطاع لإخفاء الممارسات الاستيطانية والأمنية في الضفة -، وآفاق التسوية المشرفة تبدو أبعد منالا، وعلى مستوى وزارة الثقافة فلا توجد موازنات والقليل المتاح لا يساعد بالمطلق على استنهاض الحالة الثقافية وتعزيز الثقافة الوطنية التي هي اليوم مهددة بالتلاشي أو التشويه، هذا بالإضافة إلى أن الثقافة الوطنية بشكل عام ليست على سلم اهتمامات السلطة والحكومة وكأنه أمر مقصود تحويل الشعب لمجرد جموع بشرية تُختزل طموحاتها بالمأكل والمشرب ومتطلبات الحياة اليومية دون ناظم يحفظ لها هويتها وانتماءها وهو الثقافة الوطنية.
لكل ذلك وحيث لا أستطيع أن أكون متفرجا على عملية تقسيم ما كان مفترض أن يكون أرض الوطن المستقل ، وعلى عذابات أهلنا في القطاع وعلى ما يجري بالضفة ، و بالتالي غير قادر على الوفاء بقسم الولاء الذي أقسمته عند تولى المسؤولية ، وهو قسم ولاء للوطن وللمشروع الوطني ، قررت تقديم الاستقالة من الحكومة الفلسطينية الثانية عشر التي يترأسها الدكتور سلام فياض.
وبالفعل قدمت استقالتي للرئيس ولرئيس الوزراء يوم الخميس الموافق للسابع من فبراير 2008، كصرخة احتجاج على الوضع العام وعلى العبثية التي تحكم نهج من يقولون بالمقاومة ولكن يمارسونها بعيدا عن شروط ومتطلبات المقاومة الوطنية الحقيقية ، وعبثية المفاوضات في ظل السياسة الإسرائيلية الراهنة ، وفي كلا الحالتين هي عبثية مدمرة للمشروع الوطني.
قطاع غزة : كيان مستقل أم أرض محتلة ؟
ليس بالمصادفة العابرة تزامن ما يجري في قطاع غزة من توجيه للأمور نحو الفصل والقطيعة مع الضفة ، مع ما يجري في الضفة من تكثيف للاستيطان وتعثر للمفاوضات أو حرف مسلسل التسوية بعيدا عن التسوية العادلة، فكل منهم لزوم الآخر، بمعني أن القوى المعادية وعلى رأسها إسرائيل ترى أنه يجب أن تكون مشكلة انفصال غزة حتى تتوقف إسرائيل عن دفع ما عليها من استحقاقات للتسوية ،ويجب أن تتعثر المفاوضات أو تتوقف حتى يتم تعزيز وتقوية المخطط الرامي لفصل غزة عن الضفة ، وعليه لا يمكن الفصل بين فشل المفاوضات مع الإسرائيليين حول الضفة والقدس من جانب وتعزيز الحالة الانفصالية في غزة من جانب آخر ، وضمن هذا السياق يمكن فهم مجريات الأحداث السياسية الأخيرة ، وضمن نفس السياق أيضا يجب التعامل مع التهديدات الإسرائيلية المتكررة باجتياح قطاع غزة حيث إسرائيل تتحدث عن اجتياح قطاع غزة وعيونها على الضفة والقدس .
التهديد الإسرائيلي المتكرر باجتياح قطاع غزة لا يعبر عن نية حقيقية بإعادة احتلال قطاع غزة بقدر ما تسعى إسرائيل من ورائه لتحقيق أهداف متعددة كانت واردة منذ تعاملها مع مسلسل التسوية في مؤتمر مدريد ثم اتفاق أوسلو ، و إذ نستحضر بداية الحديث عن التسوية عام 1994 تحت شعار (غزة وأريحا أولا) و الإعلان عن اتفاقية أوسلو ، حيث حذر كثيرون من أن تكون (غزة أولا وأخير) ، ندرك أنها لم تكن كتابات مشاكسة أو متشائمة ، بل كانت تعبر عن رؤية ثاقبة للأمور.
لا شك أن حركة حماس تم انتخابها من الشعب ، ولا شك أيضا أن قرارات المجلس الوطني الفلسطيني شرعية ، ومن هذه القرارات ما ورد في البرنامج المرحلي لعام 1974 حيث جاء أنه يمكن لمنظمة التحرير إقامة سلطة وطنية مقاتلة على أي جزء من فلسطين يتم تحريره أو يُعطى لنا... لكن دعونا نسأل حركة حماس : هل قطاع غزة أرض محتلة أم منطقة محررة ؟ .
إن كان القطاع أرضا محتلة فعلى حماس أن تعلن ذلك وآنذاك عليها أن تجيب على الأسئلة التالية: لماذا تقيم حركة حماس في أرض محتلة: سلطة وحكومة ومجلس تشريعي ؟ ولماذا تُريح الاحتلال من مسؤولياته تجاه الشعب الخاضع للاحتلال المنصوص عليها في القانون الدولي ، وذلك بسعي الحركة لتوفير متطلبات الحياة اليومية للمواطنين ؟ ولماذا تطالب بفتح الحدود مع مصر كحدود فلسطينية –مصرية ؟ وإن كانت غزة أراضي محتلة فلماذا تستقبل حركة حماس الوفود العربية والأجنبية على أراضي محتلة وتتباهى أمامهم بأنها حررت غزة بالمقاومة وتطالب العرب والمسلمين والأجانب بزيارة غزة للإطلاع على تجربة الاستقلال الفريدة من نوعها؟.
أما إذا كان القطاع منطقة محررة أو مستقلة ، فهذا يتطلب الإجابة على التساؤلات التالية: لماذا استمرار العدوان والتوغلات الإسرائيلية على القطاع ؟ ولماذا استمرار إطلاق الصواريخ على إسرائيل ؟ ولماذا لا تحدد حركة حماس العلاقة التي تربط غزة بالضفة ؟ ولماذا لا تعلن استقلال قطاع غزة ؟ وإن كانت غزة محررة ، فلماذا لا تمارس السلطة القائمة في القطاع سيادتها على المجال الفضائي والبحري للقطاع ؟ ولماذا فقط تضغط لفتح الحدود مع مصر دون أن تحاول فتح الحدود البحرية والمجال الفضائي ؟ ألا تعلم حركة حماس أن فتح الحدود مع مصر فقط دون سيادة على الحدود البحرية وعلى المجال الفضائي ، يعني إلحاق القطاع دون سيادة، لمصر؟ ألا تدرك حركة حماس أن مطالبتها للعالم للتخاطب والتفاوض معها كسلطة شرعية في قطاع غزة ، يعني تكريس فصل القطاع عن الضفة ؟.
أسئلة كثيرة وكبيرة بعضها سياسي وبعضها قانوني وفي الحالة الفلسطينية يتداخل القانون بالسياسة كما يتداخل الاقتصاد والدين بالسياسة ، وهنا نذكر بالبعد الدولي للموضوع . مثلا أن قرارات الشرعية الدولية تتعامل مع الضفة والقطاع كوحدة واحدة ، والشرعية الدولية تعتبر أن منظمة التحرير الفلسطينية هي ممثل الشعب الفلسطيني وبالتالي هي المخاطِب والمخاطَب بهذا الشأن .
لا نروم من هذه الأسئلة التقليل من أهمية أن يكون وجود الاحتلال في جزء من الوطن أقل حضورا من بقية أجزاء الوطن ، ولكننا لا نريد للشجرة أن تخفي الغابة ، ولا نريد لتضحيات آلاف الشهداء والمعتقلين وما خلفوا من آلاف اليتامى والأرامل والمنكوبين ، عبر أكثر من أربعة عقود من النضال داخل الوطن وخارجه ، لا نريد لها أن تأول لمجرد كيان سياسي دون سيادة مرتبط بمشروع خارج حدود الوطن يضع حدا للمشروع الوطني ، مشروع الدولة الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشريف وحق عودة اللاجئين . وهنا نعيد التأكيد بأنه ليس المهم من يحكم في غزة ؟ حركة فتح أو حركة حماس ؟ بل المهم أن تكون الحالة السياسية بالقطاع جزءا من المشروع الوطني ونقطة منطلق لاستكمال هذا المشروع . وأن لا يكون ثمن تمكين حركة حماس من حكم مريح للقطاع ، إطلاق يد إسرائيل بالضفة والقدس ووأد المشروع الوطني .

الفصل السادس
الحصار : المخاض العسير لولادة (إمارة) غزة

منذ أن أعلن شارون عام 2004عزمه الخروج من غزة في إطار خطته للانسحاب أحادي الجانب ، أنشغل الفلسطينيون بقضية غزة حتى هيمنت على المشهد السياسي الفلسطيني والدولي ، وغَيَّبت غزة القضية الوطنية بكل مكوناتها الأساسية من لاجئين والقدس وحق العودة وحتى المفاوضات والتسوية أصبحتا موضوعا هامشيا أو مؤجلا لحين الحسم بمصير غزة وحصارها . الحصار الذي يتعرض له أهلنا بالقطاع ، أهل غزة الذين احتضنوا المشروع الوطني عبر التاريخ وحملوا اسم فلسطين وحافظوا عليه ودفعوا ثمنا باهظا للحفاظ على الهوية الوطنية وشعلة الثورة ، حصار ظالم وغير أخلاقي تتحمل مسؤوليته كل الأطراف المشاركة بتسوية الأمر الواقع غير المعلنة تسوية فصل غزة عن الضفة وتصفية المشروع الوطني الفلسطيني .



المبحث الأول
مشكلة غزة ليست إنسانية كما أن غزة ليست المشكلة

كل الذين يتباكون على أهل غزة سواء كانت حركة حماس أو السلطة في الضفة أو مراكز الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في الخارج أو دول عربية وأجنبية ، كلهم يدركون أن مشكلة غزة ليست إنسانية بل سياسية وإستراتيجية ، وأن الأمر لا يتعلق فقط برفع الحصار المالي والغذائي بل بتحديد مصير غزة ووضعيتها القانونية وشرعية السلطة القائمة عليها .
ما يجري هو مخاض مؤلم وقاس لتنفيذ المرحلة الثانية لخطة شارون للانسحاب من القطاع ، مخاض ولادة دولة غزة أو الإمارة التي ستشكل قاعدة لمشروع سياسي إسلامي يحل محل المشروع الوطني الفلسطيني الذي وصل لطريق مسدود أو أوصلوه لذلك ، الأمر ليس كسر حصار لأسباب إنسانية بل تحديد الوضعية القانونية لقطاع غزة ورسم الحدود والعلاقات الدولية ما بين قطاع غزة ككيان سياسي منفصل عن كيان منظمة التحرير وسلطة الحكم الذاتي من جهة والعالم الخارجي من جهة أخرى.
الحديث عن حصار غزة والدعوات المتكررة لرفع الحصار عنها وتوالي الزيارات لغزة من شخصيات سياسية أوروبية وأمريكية وغيرها عبر معبر رفح ، طرح أكثر من سؤال حول دوافع الزوار و دوافع هذا التحمس الكبير لرفع الحصار عن غزة في الوقت الذي تتعاظم فيه الممارسات الصهيونية في الضفة والقدس لتهدد الوجود الوطني برمته ؟ .
مشكلة غزة ليست إنسانية فقط ، صحيح يوجد بعض النقص في الغذاء والدواء والكساء في غزة والتعليم مدمر والمياه ملوثة والبيوت التي دمرها الاحتلال ما زالت ركاما وحرية سفر أهل غزة ما زالت مقيدة ، ولكن هذه كلها تداعيات لجوهر المشكلة وهو استمرار الاحتلال وإعاقة إسرائيل لعملية السلام والانقسام الفلسطيني الداخلي .
التركيز على البعد الإنساني للأوضاع في قطاع غزة وهو ما يجري أيضا في الضفة حيث يتم تحويل ومحاصرة الحكومة والسلطة هناك ليقتصر دورهما على الجانب الاقتصادي والمعيشي للناس ، معناه إعادة القضية الفلسطينية لأكثر من خمس وأربعين سنة للوراء حيث كان يتم التعامل مع القضية الفلسطينية كقضية إنسانية يمكن التعامل معها من خلال وكالة الغوث ، ولكن هذه المرة يتم توسيع للتغطية الإنسانية لتشمل اللاجئين والمواطنين وتوسيع الجهات المُغيثة لتشمل دولا متعددة ، والأخطر من ذلك مشاركة فلسطينيين في هذا التوجه .
هذا التعامل مع القضية من منظور إنساني واقتصادي يتجاهل عقود من النضال العسكري والسياسي الذي حول القضية من قضية لاجئين لقضية سياسية لشعب خاضع للاحتلال من حقه نيل حريته ، الفلسطينيون لم يعودوا جموعا من اللاجئين والمتسولين بل جماعة سياسية لها وطن محتل ومن حقها أن تعيش بكرامة في وطن مستقل . المشكلة في غزة سياسية كما أن غزة ليس أصل المشكلة فما يجري في غزة مجرد تداعيات لجوهر المشكلة وهو تهرب إسرائيل من استحقاقات عملية السلام وأزمة المشروع الوطني التي عمقها الانقسام .
إن كانت أطراف خارجية تريد التهرب من مسؤوليتها السياسية عن الشعب الفلسطيني بالهروب نحو القضايا الإنسانية لكونها أسهل بالتعامل ويمكن لهذه الأطراف أن تزعم بأنها قامت بواجبها من خلال بعض المساعدات ، وإن كانت أطراف من الإسلام السياسي توظف أيضا معاناة أهل غزة لترفع الحصار عن غزة لتثبيت سلطة حركة حماس ككيان سياسي منفصل عن الضفة ومجمل الوطن ، فإننا نقول بأن غزة ليست فلسطين ولا قيمة لأي كيان سياسي في غزة بمعزل عن الوطن الفلسطيني والمشروع الوطني الفلسطيني الذي يجب إعادة بناءه وليس الهروب من استحقاقاته ،والذين يركزون اليوم على رفع الحصار عن غزة فقط إنما يستكملون تنفيذ خطة شارون للانسحاب من القطاع عام 2005 سواء كانوا مدركين ذلك أم لا .
مع كامل التقدير لكل من يتعاطف مع معاناة أهل غزة إلا أنه يجب الحذر من توظيف بعض الأطراف للأوضاع في قطاع غزة لسلخ غزة عن الضفة والدفع لخلق حالة كيانية سياسية في القطاع منفصلة عن بقية الأرض الفلسطينية .من يعتقد أن رفع الحصار عن قطاع غزة وصيرورة غزة كيانا سياسيا مستقلا هو إنجاز وطني ، فليسأل نفسه لماذا قدم الشعب الفلسطيني آلاف الشهداء والأسرى والجرحى بالإضافة إلى المعاناة والدمار خلال السنوات الأخيرة وقد عُرضت غزة على الراحل أبو عمار ورفض العرض لأنه لا يرى في غزة إلا جزءا من وطن وليس الوطن ؟ من يعتقد أن رفع الحصار عن غزة وصيرورتها كيانا سياسيا إنجاز وطني فليعترف بأن ممارسته للمقاومة المسلحة ودفعه آلاف الشباب للموت والأسر وتعريض بنيات الوطن للدمار الخ لم يكن من أجل تحرير فلسطين بل من أجل سلطة هزيلة في قطاع غزة .
سيكون واهما من يعتقد أنه إذا ما رُفِع الحصار عن غزة ستتحول غزة لكيان وطني مستقل وتشكل قاعدة نضالية ومنطلقا لاستكمال تحرير الوطن ، فغزة التي لا تمثل سوى 1،5% من مساحة فلسطين وسكانها الذين لا يشكلون سوى 15% من مجموع الشعب الفلسطيني ، وغزة المحاصرة من مصر جنوبا ومن إسرائيل من بقية الجهات لن يكون حالها بعد الحصار ، ولن يسمح له أن يكون أفضل كثيرا من حالها الراهن، إلا في حالة واحدة وهي إن قرر أهل غزة والحكومة القائمة فيها قطع صلتهم بالمشروع الوطني وبكل ما يمت بصلة للمقاومة .سيكون نهج المقاومة ورأس المشروع الوطني هو الثمن لرفع الحصار وتمكين حركة حماس من الحكم المريح في غزة .
لا شك بأن العدوان على غزة وحصارها والممارسات الاستيطانية والإرهابية الصهيونية في الضفة والقدس أحدثت تحولات إيجابيه لصالح عدالة القضية من حيث التحول في موقف الرأي العام العالمي وحتى موقف حكومات أجنبية تجاه القضية الفلسطينية ، لأن الظلم والتعنت والإرهاب والصلف الصهيوني لم يعد من الممكن السكوت عليه ، هذا التحولات وإن كانت دون المأمول إلا أنه يمكن استثمارها ليس فقط لرفع الحصار عن غزة بل لإعادة الاعتبار للقضية الوطنية كقضية سياسية ، قضية شعب تحت الاحتلال ومن حقه نيل استقلاله والعيش بدولة مستقلة ، والكرة في ملعب القيادات السياسية الفلسطينية لتنهي الانقسام وتُغَلِب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية وعلى حسابات السلطة .
معادلة صعبة : رفع الحصار أم تكريس الانقسام؟
هل توجد رؤية سياسية وقانونية فلسطينية لمستقبل قطاع غزة إذا ما رُفع الحصار عنه ؟ وهل رفع الحصار يُفهم ويأخذ نفس المعنى عند القائلين به والمشاركين في حملات رفع الحصار؟ أم أن رفع الحصار مصطلح مراوغ يخفي من النوايا السياسية أكثر مما يظهر من الشعارات الإنسانية ؟ أسئلة تفرض نفسه ونحن نشاهد الجهد الخارق الذي تبذله حركة حماس ومن يشايعها وخصوصا من الإسلام السياسي لرفع الحصار عن قطاع غزة - حماس تسعى لرفع الحصار السياسي وليس الاقتصادي – ، ونسمع حركة فتح تعلن على لسان مسئوليها تأييدها لرفع الحصار عن غزة ، دون أن يقول أي منهما ماذا سيكون عليه حال قطاع غزة بعد رفع الحصار في ظل الانقسام ؟!.
لا أحد فلسطيني أو عربي أو أي إنسان كان ، غير الصهاينة ، يؤيد الحصار ولا يتعاطف مع معاناة أهل غزة ، ولكن ماذا بعد رفع الحصار عن قطاع غزة ؟ وكيف سيتم هذا الرفع ؟ هل بقرار إسرائيلي ؟ أم بقرار دولي ؟ أم بالأمر الواقع دون أية ترتيبات قانونية كما جرى مع الانسحاب عام 2005 ؟. وهل لدى حركة حماس أو السلطة أو منظمة التحرير الفلسطينية رؤية سياسية لمستقبل قطاع غزة بعد رفع الحصار، من حيث علاقته بالضفة الفلسطينية وبالسلطة الفلسطينية وبالمشروع الوطني الفلسطيني أو من حيث علاقته بمصر والعالم الخارجي ؟ ألا توجد خشية عند القيادات الفلسطينية بأن يشهد القطاع ، في حالة كسر الحصار بقوافل السفن وغيرها حالة من الفوضى القانونية والحدودية قد تستغلها إسرائيل وواشنطن مجددا لفرض ترتيباتها وتصوراتها الأمنية والقانونية والسياسية الخاصة للقطاع ولمجمل القضية الفلسطينية ؟.
لا يحاجج احد أن أهالينا في قطاع غزة يعانون من حصار جائر فرضه العدو الصهيوني وأن من يعاني من الحصار ليس حركة حماس والتي تزعم إسرائيل أنها المستهدفة من الحصار ، فحركة حماس ونخبتها باتت تعيش في بحبوحة اقتصادية تحسدها عليها نخب سياسية عربية ، بل تفوقت في ثرائها على ثراء نخبة السلطة ، وأهل غزة يلمسون ذلك يوميا ، ومُن يعاني من الحصار ليس قيادات الفصائل ، فهؤلاء وعائلاتهم يتحركون بسهولة ، وليس أغنياء الحصار من تجار وأصحاب الأنفاق والمهربين الخ .
من يعاني من الحصار هي الغالبية الشعبية من كل الشرائح التي لا تنتمي إلا للوطن : الطلبة حيث يُحرمون من الالتحاق بالجامعات العربية والأجنبية ، المرضى حيث يُحرمون من تلقي العلاج المناسب ، الأكاديميون حيث يُمنعون من التواصل مع الجامعات ومؤسسات البحث في الخارج ، أصحاب رأس المال الوطني وهم يشاهدون مصانعهم يأكلها الصدأ دون أن يتمكنوا من تحديثها أو تشغيلها ، صاحب الأرض وهو يرى أرضه تُخصبها الطبيعة دون أن يتمكن من تصدير محصولها ، والزوج أو الزوجة أو الابن وهو غير قادر على الالتحاق بذويه وجمع شمله مع أسرته .
كل هؤلاء إن لم يكونوا ممن تسعفهم أوضاعهم المالية على الحصول على تنسيق خاص بدفع آلاف الدولارات أو يكونوا من نخبة حركة حماس وبقية الفصائل التي على صلة مباشرة بالمخابرات المصرية أو بسفارة فلسطين في القاهرة ...، فلا حظ لهم من السفر ، حتى وإن حالف الحظ بعضهم ووصل لمعبر رفح الحدودي وغادر المعبر فإنه يُقسم أغلظ الأيمان أن لا يسافر مجددا بسبب ما يلقاه من إهانة ومذلة من المصريين العاملين في المعبر .
لا غرو أيضا أن الحصار كسياسة صهيونية ليس جديدا حيث تم فرضه على السلطة بكاملها في الضفة وغزة قبل فوز حركة حماس في الانتخابات الأخيرة ، كما فُرض على الرئيس أبو عمار في المقاطعة قبل اغتياله . الجديد أن الحديث والتركيز الإعلامي يدور حول الحصار في ظل الانقسام مما يجعل مفهوم الحصار ومفهوم رفع الحصار يدخل في حيز الالتباس والتوظيف السياسي حتى بات مصطلحا مخادعا وحمال أوجه ، ففيما ينظر عامة الناس في الخارج لرفع الحصار من منظور إنساني بأنه توفير متطلبات الحياة المعيشية لمواطنين في غزة من غذاء وكساء وسكن وصحة ، فإن سياسيين ،يفهمون ويمارسون على أساس هذا الفهم، رفع الحصار بمعنى الاعتراف بالحكومة القائمة في القطاع والتعامل معها كحكومة شرعية و فتح الحدود بين القطاع والعالم الخارجي.
الجديد في خطاب الحصار أنه يتجاهل ما يجري في الضفة من ممارسات صهيونية لا تقل خطورة عن حصار قطاع غزة ، وأن الجهد الإعلامي والمالي– وخصوصا من الحركات والفضائيات المحسوبة على الإسلام السياسي - المبذول فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ثم أصبح دوليا لرفع الحصار عن قطاع غزة يوازيه صمت وخنوع لما تتعرض له الضفة والقدس ، حتى بتنا نشك بان غزة في عيون (الإسلاميين) أكثر قدسية من القدس ، فلا نسمع عن حملات شعبية عربية وإسلامية ودولية لوقف الاستيطان في الضفة وتهويد القدس ، حتى حركة حماس لا تقوم بأي نشاط هناك لا مقاومة مسلحة ولا مقاومة شعبية ، وكأنها تكتفي من الوطن بغزة .
لا يعني ذلك أن تستمر معاناة المواطنين في قطاع غزة لحين إيجاد حل للضفة الغربية والقدس ، ولكن ما نخشاه أن يدفع الفلسطينيون ثمن رفع الحصار عن غزة من حقوقهم الوطنية في الضفة والقدس ، وأن يكون الثمن السياسي لرفع الحصار عن غزة أقسى وأخطر من الحصار نفسه ، وهذا الثمن هو تثبيت وشرعنة الانقسام وضياع الضفة والقدس .
كل فلسطيني وكل حر في العالم يريد رفع المعاناة عن غزة ، ولكن ، كيف يمكن تجنب أن لا تؤول جهود الصادقين والمخلصين المشاركين والداعين لرفع الحصار، لخطوة تخدم المشروع الصهيوني وتحديدا تنفيذ المرحلة النهائية من خطة شارون لتدمير المشروع الوطني ؟. ندرك أن كثيرين من المشاركين في حملات رفع الحصار برا أو بحرا صادقون في مسعاهم ومشاعرهم وخصوصا عندما يشاهدون ما تبثه بعض الفضائيات ، وبشكل مبالغ فيه أحيانا ، من مشاهد للدمار ومناشدات لمرضى وأطفال ونساء يشكون سوء حالهم ، ولكن يجب الحذر من قوى سياسية فلسطينية وغير فلسطينية بدأت تتسلل لحملات رفع الحصار ليس بدوافع إنسانية ولكن لأهداف سياسية حيث ترمي لخلق حالة شعبية ورسمية ضاغطة لرفع الحصار وآنذاك سترفع إسرائيل ومعها مصر الحصار وتفتحا الحدود ضمن شروط ، وآنذاك سيبدو رفع الحصار الذي سيُثَبِت ويُشرعن الانقسام الفلسطيني وكأنه جاء نتيجة مطلب شعب فلسطيني ونتيجة جهد دولي ،آنذاك سيصح المثل الذي يقول (الطريق إلى جهنم معبدة بأقدام ذوي النوايا الحسنة) .
بات واضحا أن التقدم نحو رفع الحصار السياسي عن قطاع غزة وعن حركة حماس يسير بنفس سرعة وتيرة تعزيز الانقسام و فشل المصالحة ، وإن الاقتراب من حركة حماس سواء أمريكيا أو أوروبيا ودوليا يسير بنفس وتيرة ابتعاد المصالحة الفلسطينية واستمرار وقف المقاومة وتأزم عملية المفاوضات ومجمل التسوية التي وضعت أسسها اتفاقات أوسلو ، وإن سرعة التقدم نحو (دولة عزة) تساوي سرعة انهيار ممكنات قيام دولة سيادية في الضفة الغربية والقدس أو بهما وغزة معا.

المبحث الثاني
رفع الحصار عن غزة ومستقبل المشروع الوطني
الأحداث الساخنة والخطيرة تحتاج لعقول باردة للتعامل معها، وفي هذا السياق جاءت القرصنة الإسرائيلية لقافلة الحرية التي مثلت عنوانا ورأس حربة لرأي عام عالمي يتزايد يوميا مطالبا برفع الحصار عن غزة ، وهو حدث غير منفصل عن جهود رفع الحصار المتزامنة مع فشل المفاوضات وتعثر المصالحة . الهجوم على قافلة الحرية أخذ بعداً عاطفياً انفعاليا كبيرا بسبب العنف الإسرائيلي ، وبعداً دولياً بسبب وقوعه في المياه الدولية ولأن السفينة المستَهدَفة كانت لتركيا غير البعيدة عن الترتيبات التي تجري في المنطقة . إلا أن حادث سفينة الحرية لم يُثر إلا القليل من التفكير العقلاني حول مآل حملات رفع الحصار وكيفية رفعه والوظيفة الحقيقية للحملات الدولية لرفع الحصار وخصوصا في ظل استمرار الحالة الفلسطينية على انقسامها.
عندما تتقدم العاطفة وثقافة الصورة على العقل ، وتتغلب الحسابات الحزبية والأيديولوجية الضيقة على حساب الرؤية الواقعية العقلانية للتعامل مع الحدث من منظور المصلحة الوطنية ،آنذاك فإن الواقع سيعيد إنتاج نفسه مرارا ولكن بصورة أكثر مأساوية ،أو ستكون إنجازات متواضعة لا تصب في المصلحة الوطنية حتى وإن تم تمرير الإنجاز كانتصار من هذا الفريق أو ذاك.
مَن كان يعتقد أن قافلة الحرية وغيرها من القوافل البرية أو البحرية وحدها سترفع الحصار كليا عن غزة سيكون واهما ، فليس هكذا يتم حل مشكلة سياسية معقدة ، ذلك أن حصار غزة غير منفصل عن مجمل ما تتعرض له القضية من مخاطر ولا ينفصل عن السياسات الإقليمية والدولية المحيطة بالقضية. مهمة قافلة الحرية هو تسليط الأضواء على معاناة أهل غزة وتبليغ رسالة عن تأييد قطاع واسع من الرأي العام العالمي لشعب فلسطين ورفضه للاحتلال الصهيوني وممارساته ،وبالتالي يمكن القول بأن قافلة الحرية حققت هدفها ضمن هذه الرؤية بالرغم من الثمن الباهظ الذي دفعه المشاركون فيها . سيجانب الصواب الذين يراهنون على هذه الحملات وعلى الرأي العام فقط لرفع الحصار ، فالحصار قد يُرفع اقتصاديا وإنسانيا ولكن حل أبعاده السياسية يحتاج لآليات مغايرة ، وحتى من يستشهد أو يستحضر ما جرى في جنوب أفريقيا، حيث كان لتحرك الرأي العام العالمي دور في محاصرة النظام العنصري في جنوب إفريقيا فعليهم التذكر بأن الأمور حسمت في جنوب أفريقيا رسميا على طاولة المفاوضات وبقرارات دولية .
نجحت قافلة الحرية وما سبقها من حملات مؤيدة للشعب الفلسطيني في كشف زيف المبررات الأخلاقية والقانونية الدولية للحصار وخصوصا بعد العدوان على القطاع نهاية 2008 وبداية 2009، ولكن لا يجوز أن نبالغ لدرجة الجزم بأن هذه الجهود الشعبية تكفي لكسر الحصار نهائيا أي الحصار كجزء من قضية وطنية متعددة الأبعاد. ذلك أنه مقابل هذه التوجهات الشعبية نحو كسر الحصار تقابلها تصورات مغايرة لرفع الحصار ومواقف دولية لا تتناسب مع توجهات الرأي العام و متغيرات عميقة تمس النظام السياسي الفلسطيني كنظام يقوم على وحدة الضفة وغزة جغرافيا ووحدة السلطة سياسيا .
سيُرفع الحصار اليوم أو غدا، وعليه سيكون الفلسطينيون أمام مفترق طرق : إما أن يُرفع الحصار بقرار مصري منفرد أو دولي /عربي، في ظل الانقسام، أو يتم رفعه في ظل مصالحة وطنية ، والسؤال : ما هو مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ما بعد رفع الحصار عن غزة إن لم تحدث المصالحة قبل ذلك أو لم يكن رفع الحصار ضمن صفقة فلسطينية أو عربية ، تكون المصالحة جوهرها ؟.
لنذكر مرة أخرى بأن الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة يدخل ضمن مخطط سياسي استراتيجي وبالتالي فالمخططون الإسرائيليون يريدون رفع الحصار بعد أخذ الثمن في إطار صفقة سياسية أو تسوية سياسية يجري الإعداد لها ، سيرفعون الحصار عن القطاع عند استكمال حلقات هذا المخطط الذي يحقق نجاحات على الأرض كما سبق الذكر ، أيضا هناك دول وحركات سياسية تسعى لرفع الحصار عن القطاع ولكن ضمن رؤيتها السياسية الخاصة المتعارضة مع المشروع الوطني الفلسطيني ، وهذه الجهات تعتبر رفع الحصار عن القطاع ، حتى إن أدى لتكريس فصل غزة عن الضفة وتكريس كيان سياسي منفصل في غزة ، نصرا لمشروعها الإسلامي العالمي . هذه الأطراف لا ترى في مسعاها هذا خيانة للقضية الفلسطينية بل مدخلا مغايرا للتعامل مع القضية ومع الصراع في المنطقة ،ومسعى هذه الأطراف يجد قبولا تكتيكيا من مراكز قرار أمريكي .
في المقابل لا نرى أو نسمع ،لا من مسئولين سياسيين أو كتاب ومفكرين وطنيين ، عن وجود استراتيجية فلسطينية أو تصور لمواجهة هذه المخططات ، استراتيجية تعمل على رفع الحصار في إطار وحدة المشروع الوطني حتى وإن كان رفعا جزئيا يقتصر على فتح معبر رفح خارج إطار الورقة المصرية التي أصبحت متجاوزة ، لم نسمع من مسئول أو حزب فلسطيني عن إجابة أو تصور لمستقبل النظام السياسي الذي يقوم على وحدة الضفة وغزة تحت سلطة واحدة لما بعد رفع الحصار عن غزة ، لم نسمع عن تصور أو رؤية استشرافية لمستقبل المشروع الوطني برمته ، سواء كان مشروع السلطة أو مشروع التحرر الوطني ، إذا ما تم رفع الحصار عن القطاع خارج إطار المصالحة الوطنية .
هل لأن الموضوع لم يخطر على بال أحد ؟ هل لأنهم فكروا به ولا يجدوا إجابة ففضلوا الصمت ؟ أم لأنهم ، أو بعضهم ، لديهم الإجابة والتصور ولكنهم لا يجرؤوا على البوح به ويتركون الواقع ليفرض نفسه ويتحدث عن نفسه ؟. أم لأن في التسوية الأمريكية القادمة إجابة على هذه التساؤلات ؟.
حصار غزة :هذا المصطلح المراوغ
يبدو أن غزة وضحايا حصارها تحولوا إلي حائط مبكى ومادة إشهارية وإعلامية لأحزاب وأنظمة سياسية لم يعد يعنيها أمر فلسطين ولا الضحايا بحد ذاتهم بل توظف المشهد والخطاب الدرامي للحصار لخدمة مشاريعها السياسية وأجندتها الخاصة . فتحت عنوان رفع الحصار عن غزة يتم إعادة صياغة القضية الفلسطينية والانقلاب على أصولها الأولى ونكران تاريخ طويل من النضال الوطني والقومي والمعاناة الأشد وقعا على الشعب من الحصار ، ويتم تجاهل وإسقاط حقوق وطنية أهم من غزة التي هي جزء من الوطن ولكنها ليست الوطن ، وتحت عنوان رفع الحصار تعمل إسرائيل على أن تكون غزة البداية وغزة النهاية ، مع إخراج غزة من هويتها وكينونتها الوطنية الفلسطينية وتحويلها لورقة يخفي من خلالها البعض فشله وعجزه في القيام بواجبه القومي والإسلامي تجاه القضية المركزية فلسطين ، فيما البعض الآخر وجد في القطاع المحاصر والفقير والمدمر فرصة تاريخية لتحويله لقاعدة منطلق لمشاريع سياسية وهمية يلبسونها لبوس الدين والعقيدة ، وداخل القطاع تشكلت طبقة جديدة راكمت ثرواتها وأقامت مشاريعها الاستثمارية والاقتصادية في ظل الحصار وعلى حساب الشرائح التي تعاني حقيقة من الحصار وأصبحت هذه الطبقة الجديدة تشكل حالة مفارقة مع المشهد العام للحصار كما يتصوره الناس خارج القطاع .
الحصار جزئية من استراتيجية صهيونية أكثر شمولا ، وافتعال مشكلة الحصار في غزة هدفه إبعاد الأنظار عن جوهر القضية في الضفة والقدس وعودة اللاجئين .لا شك أن الحصار يدمر مقومات الحياة الكريمة للبشر ويدمر ممكنات بناء البنية التحتية للقطاع الذي يسكنه أكثر من مليون ونصف المليون نسمه . والحياة الكريمة ليست فقط توفير الغذاء والماء والدواء والكساء فهذه أمور متوفرة بنسبة كبيرة ، وقد يرتد السحر على الساحر إذا ما استمرت حركة حماس بالتركيز على البعد الإنساني للحصار حيث إسرائيل مستعدة لإغراق القطاع بالمواد الغذائية والدواء لتنتزع هذه الورقة من حركة حماس .
الحياة الكريمة أن يعيش المواطن سيدا في ظل حكومة وطنية شرعية سيدة تحترم حقوقه وتحفظ كرامته وتحترم الحريات العامة للجميع ، حكومة تستمد شرعيتها من ولاء واحترام الشعب لها وليس من توازنات إقليمية ودولية وترتيبات أمنية يفرضها العدو .كما أن البنية التحتية للقطاع ليست بناء أجهزة أمنية وسجون أو مشاريع ترفيهية ومشاريع شراء الأراضي والعقارات التي يقدر رأسمال كل مشروع بملايين الدولارات وهي مشاريع تشكلت في ظل الانقسام ومع الحصار.
المطلوب رفع الحصار للتخفيف عن الضحايا وليس تحويل الحصار لحائط بكاء تستغله قوى سياسية لخدمة أغراض سياسية حزبية ضيقة كإقامة إمارة أو دويلة في غزة على حساب وحدة المشروع الوطني والقضية الوطنية ؟ أو لخدمة نخب يتعاظم ثراؤها كل يوم يمر على الحصار حتى بات الفقر في غزة يتعايش مع طبقة رأسمالية طفيلية معنية باستمرار الحصار ولو كشعار مضلل يبرر نهجها غير القانوني وغير الأخلاقي في الثراء ؟.
حتى يكون رفع الحصار مطلبا وطنيا وقوميا ودوليا إنسانيا يجب أن يصب في طاحونة المصلحة الوطنية والمشروع التحرري الوطني وهذا لن يحدث إن تم فصل واقعة فرض الحصار على غزة عن مسبباتها الأولى وعن السياق العام لأزمة النظام السياسي الفلسطيني وعن الاستراتيجية الإسرائيلية التي خططت بداية لفصل غزة عن الضفة.
إن تم التعامل مع الحصار ورفع الحصار خارج السياق الوطني العام فستتحول الدينامية الدافعة لرفع الحصار عن غزة – بغض النظر عن حسن نوايا البعض- لأداة تخدم الاستراتيجية الصهيونية ، وبدلا من أن يتحول الضحايا لقوة ضمن استراتيجية وطنية للانتقام مع العدو الحقيقي – إسرائيل- سيتحولون لأدوات أو حالة معيقة للمشروع الوطني ولورقة ابتزاز يوظفها العدو لاستكمال مشروعه الاستراتيجي وهو السيطرة التامة على الضفة والقدس وتدمير المشروع الوطني التحرري – المقاوم والسلمي – وتحويل قطاع غزة لساحة صراع فلسطينيي /فلسطيني يخوض فيه الفلسطينيون الحرب بالوكالة عن أصحاب أجندة خارجية وغير وطنية.
يبدو أن غزة ستغيب الوطن وان جهود رفع الحصار ستؤدي لولادة دويلة مشوهة في غزة ، وحتى لا نكون مبالغين فلندقق بمفردات الخطاب السياسي والإعلامي اليوم : حصار غزة ،الحرب على غزة، لبيك غزة ، نصرة غزة ، غزة سجن كبير ، قوافل الحرية لغزة ، لجان تحقيق دولية حول غزة، حملات دولية لفك الحصار عن غزة، اجتماعات لمجلس الأمن ومنظمات دولية وإقليمية للبحث فيما يجري في غزة ومستقبلها ، مقترحات أوروبية وأمريكية وإسرائيلية للتخفيف من الحصار عن غزة أو رفعه الخ ، وشعارات وقرارات وتصورات أخرى كثيرة أصبحت تشكل منظومة متكاملة لحالة سياسية قائمة بذاتها تسمى قطاع غزة ، منقطعة الصلة بالقضية الأصلية وهي القضية الوطنية الفلسطينية.
إذا أضفنا إلى ما سبق وجود حكومة وسلطة في القطاع تتصرف كدولة قائمة بذاتها ولا تتعدى سياساتها العامة حدود القطاع ، وقيادة سياسية لحركة حماس بدأ العالم يتعامل معها تدريجيا ليس باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني وللقضية بشكل عام بل كممثلة لقطاع غزة ، حيث لا نسمع إلا نادرا أن لقاءات السيد خالد مشعل وبقية قيادات حماس مع المسئولين الأجانب الذين يلتقون بهم تتطرق لقضايا تتجاوز رفع الحصار عن غزة وعلاقة القطاع بإسرائيل وخصوصا في القضايا الأمنية . وفي المقابل فإن المفاوضات المتعثرة والتي أخذت شكل المفاوضات غير المباشرة أصبحت تقتصر على قضية تجميد الاستيطان وقضيتي المياه والأمن في الضفة الغربية فقط ،وكان لا وجود لقطاع غزة ،أما فلسطين القضية الوطنية قضية الحرية والاستقلال الوطني فقد غابت عن الخطاب الإعلامي والاهتمام الدولي.
حتى لا يكون ثمن رفع الحصار أسوأ من الحصار
حتى لا يبني البعض أمجاداً وانتصارات وهمية على أشلاء المشروع الوطني الفلسطيني نقول يجب الحذر من دعوات رفع أو تخفيف الحصار عن قطاع غزة خارج إطار المصالحة وخارج سياق وحدة المشروع الوطني . بات واضحا بأن المعركة المتشعبة الأبعاد التي عنوانها رفع الحصار عن قطاع غزة تُخفي مخططات ترمي لإعادة تعريف وصياغة مفردات القضية الفلسطينية لإخراجها من سياقها الحقيقي كحركة تحرر وطني تسعى لتحرير فلسطين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين ،وتحويلها بدلا من ذلك لمجرد قضية إنسانية لأهالي قطاع غزة يمكن حلها برفع أو تخفيف الحصار أو قضية اقتصادية ومعيشية لسكان عرب في الضفة والقدس يمكن حلها بما يسميه نتنياهو وبلير بالحل الاقتصادي تمهيدا للتقاسم الوظيفي مع الأردن .
عليه فإن المقياس على الالتزام بفلسطين شعبا وأرضا من أي حزب أو دولة أو شخص وسواء كان التزاما باسم الوطنية أو القومية أو الإسلام لا يكون فقط من خلال المناداة برفع الحصار عن غزة أو تسيير قوافل لرفع الحصار أو حتى بالصدام مع إسرائيل لرفع الحصار عن غزة ، بل من خلال الالتزام بالقضية الفلسطينية حسب أصولها وتعريفها الأول كحركة تحرر وطني لكل الشعب ولكل فلسطين وكحد أدنى تحرير الضفة والقطاع وقيام الدولة. أما الدول والأنظمة التي تملك الجيوش والإمكانيات الاقتصادية والعسكرية والتحالفات الدولية والتي تثور وتهيج وترعد وتزبد مطالبة برفع الحصار عن القطاع فعليها ألا تخفي تقاعسها وتواطؤها تحت شعار رفع الحصار عن غزة ،معركة رفع الحصار عن غزة معركة مؤسسات مجتمع مدني ومنظمات حقوقية وقانونية دولية ومعركة جماهير شعبية، أما الدول والأنظمة العربية والإسلامية فمعركتها الأساسية يجب ألا تقتصر على رفع أو تخفيف الحصار عن غزة بل يجب أن توجه لإنهاء احتلال القدس والضفة وغزة ،رفع الحصار عن قطاع غزة كمطلب وطني وقومي وإسلامي وإنساني ملح ،وسواء كان بجهود تركية أو عربية أو دولية لن يُسقط المسؤولية عن العرب والمسلمين تجاه فلسطين لأن القضية الفلسطينية لن تنتهي برفع الحصار عن غزة ،ولأن غزة ليست فلسطين ،فلا يبني أحد أمجاده على أشلاء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.
نعم ... يجب رفع الحصار عن غزة ،ولكن ألم تلاحظوا أن مشكلة غزة غطت على القضية الفلسطينية ،غطت على الاستيطان في الضفة وتهويد القدس، كما سبق وأن غطت اتفاقات أوسلو على يافا وحيفا والجليل وعكا وعلى قرارات وحقوق تُقر بها الشرعية الدولية ؟ ألم تلاحظوا أن الحديث عن رفع الحصار يسير طرديا مع تراجع المصالحة وتعزيز الانقسام وتوقف المقاومة وتعثر مفاوضات السلام؟ فهل غزة أهم من الضفة والقدس؟ ومتى كانت دولة غزة مطلبا وهدفا وطنيا فلسطينيا ؟ لماذا ذاكرتنا ضعيفة بحيث ننسى بسرعة أن إسرائيل عرضت قطاع غزة على الرئيس أبو عمار أكثر من مرة ليقيم عليه دولة مستقلة مقابل تأجيل البحث في القضايا الأساسية كالقدس والضفة واللاجئين ولكنه رفض ذلك لأن القضية أكبر من غزة ؟ ألم تلاحظوا أن الجميع يتحدث عن رفع الحصار عن غزة ولكنهم لا يتفقون على تفسير وتعريف مفهوم الحصار وكيف سيُرفع الحصار عن غزة وما بعد رفع الحصار؟ إن الخشية أن يكون ثمن رفع الحصار بالحسابات الوطنية أسوأ وأشد وطأة من الحصار نفسه .
نشوة الانتصار السابقة لأوانها التي انتابت حركة حماس بعد تداعيات جريمة مهاجمة أسطول الحرية وحالة الإرباك في تصريحات ومواقف حركة فتح من الحصار وما بعد رفعه ، تدلان على أن العواطف والحسابات الحزبية الضيقة المنقطعة الصلة بالرؤى الوطنية الإستراتيجية بعيدة المدى ما زالتا الموجه لعمل هاتين الحركتين . حركة حماس لم تحقق نصرا يبرر نشوة النصر التي تشعر بها والبادية على وجوه قادتها ومن خلال تصريحاتهم وهي نشوة دفعتها لقطع الطريق على كل يد ممدودة للمصالحة - إلا إذا كانت مفاهيم حماس للنصر هي التي طبقتها على المجزرة الدموية الإسرائيلية في غزة قبل عام ونصف -،كما أن المشروع الوطني التحرري الذي شكل لازمة لحركة فتح ،وهو المشروع الذي يؤكد على وحدة الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة وفي الشتات ويؤكد على رفض الانقسام وأولوية المصالحة على غيرها من الترتيبات سواء التي تخص غزة أو الضفة ،لم ينتهي هذا المشروع حتى يفكر البعض في حركة فتح ومنظمة التحرير بنفض اليد من معركة تحرير الضفة والقدس ونقل معركتهم لغزة والبحث عن نصيب في حكمها بعد رفع الحصار ،لم ينتهي المشروع الوطني حتى يخفي البعض في فتح والمنظمة فشلهم وعجزهم بركوب موجة رفع الحصار عن غزة .
بالرغم من عدم شرعية حصار غزة وصيرورة المطالبة برفعه قضية رأي عام عالمي ، إلا أن القائلين برفع الحصار لا يتشاطرون نفس الرؤية لطبيعة الحصار على غزة ولكيفية رفعه ولمستقبل قطاع غزة بعد رفع الحصار . صحيح أن دوافع إنسانية تقف وراء مطالب بعض الحركات الشعبية المطالبة برفع الحصار حيث لا يرى هؤلاء في رفع الحصار إلا البعد الإنساني والرغبة في التعبير عن رفض السياسة الصهيونية بشكل عام ،وصحيح أيضا أنه ليس مطلوب من المتعاطفين مع الحالة الإنسانية في القطاع الغوص في تفاصيل القضية الفلسطينية ويناقشوا الأبعاد الإستراتيجية الكامنة وراء فصل غزة عن الضفة ووراء رفع الحصار بمعزل عن المصالحة الوطنية وعن مجمل القضية الوطنية ، وصحيح أيضا أن هذه الجماهير والدول المؤيدة لرفع الحصار عن غزة تستحق كل شكر وتقدير لتلمسها عدالة القضية الفلسطينية وفضحها للطبيعة الإرهابية للنظام الصهيوني ووضعها قضية رفع الحصار محل الصدارة في الاهتمامات الدولية ، ولكن ،يبدو أن شعار رفع الحصار تحول لمصطلح مراوغ وحمال أوجه ،تفسره وتتعامل معه أطراف متعددة كل منها حسب تفسيرها للحصار وتفسيرها لرفع الحصار وللثمن المطلوب مقابل رفع الحصار.
إن لم يتدارك الفلسطينيون والعرب الأمر بسرعة ويوحدوا رؤيتهم لمفهوم رفع الحصار والسياق الوطني والقومي لرفعه فإن الحياة ستدب في جسد شارون الميت الحي عندما يسمع أن إسرائيل قبضت ثمن رفع الحصار عن غزة وهو تكريس فصل غزة عن الضفة وإنهاء وحدة وتواصل غزة والضفة تحت راية سلطة وحكومة واحدة وبالتالي تدمير المشروع الوطني ،لان هذا كان هدف شارون عندما انسحب من القطاع عام 2005 وأبقى الحصار عليه .فهل سنستكمل بأيدينا خطة شارون ؟ .

الفصل السابع
الربيع العربي يكشف مستور (انقلاب حماس)
مع أن اندلاع (الثورات) في تونس ومصر وغيرها من البلدان بدءا من يناير 2011 أحدث ارتباكا مؤقتا في إسرائيل وضخم من مراهنات بعض قوى الإسلام السياسي ومنها حركة حماس الحاكمة في قطاع غزة ، إلا أن المفارقة الخطيرة التي تسترعي التوقف عندها ،أنه في زمن ما يسمى بالربيع العربي يتزايد النفوذ الأمريكي والغربي في المنطقة العربية بحيث لم تعد ولو دولة واحدة خارج إطار هذا النفوذ !، وأنه في زمن ما يسمى بالربيع العربي يزداد الاستيطان الإسرائيلي والتهويد في الضفة والقدس وتدنيس المقدسات بشكل غير مسبوق،كما يزداد الوضع المالي والاقتصادي تدهورا ، بل حتى الجهود العربية لإتمام المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام توقفت؟!. لم يعد مجال للشك أن الانقسام الذي يؤسس لإمارة أو دولة غزة جزء من الإستراتيجية التي اشرنا إليها وانجاز متقدم لما يسمى (الربيع العربي) ولذا تعمل كل القوى الفاعلة في المعادلة المُشار إليها على تكريس الانقسام ودعم مشروع دولة غزة .

المبحث الأول
الانقسام جزء من معادلة إقليمية جديدة

كسر الحصار و دولنة غزة
بعد الجولة الخارجية في يناير 2012 للسيد إسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة غزة قال المستشار السياسي لهنية يوسف رزقة وكذلك الناطق الرسمي باسم حركة حماس سامي أبو زهري : إن هذه الزيارة التي أستُقبِل فيها هنية استقبال رؤساء الدول كسرت الحصار المفروض على غزة !. والسؤال ماذا بعد كسر الحصار على غزة إن كُسر بالفعل؟ وهل القول بكسر الحصار يعني أن غزة لم تعد خاضعة للاحتلال الإسرائيلي ؟ وما هو التكييف القانوني الدولي لوضع قطاع غزة الآن ؟.
قبل الإجابة على هذه الأسئلة يجب التأكيد على أن تفكيك الحصار عن القطاع وإعادة تعميره مكسب لأهل غزة، وأن من حق إسماعيل هنية أن يصول ويجول في العالم لأنه يمثل حركة فازت في انتخابات تشريعية أو لأنه يمثل حركة مقاومة كما يقول، ولكن،حسابات الانجازات الصغيرة يجب أن لا تنسينا الحسابات الإستراتيجية المتعلقة بمجمل القضية الفلسطينية أو تكون على حسابها ، فغزة ليست فلسطين ولا نريد أن تُغَيِب غزة فلسطين.
أحداث متزامنة تشهدها القضية الفلسطينية كلها تصب في صيرورة تكريس فصل غزة عن الضفة ودولنة قطاع غزة بحيث باتت دولة أو إمارة غزة تنتظر من يقرع الجرس ويعلن قيامها أو الاعتراف بها رسميا. إنه مخطط تتوالى حلقاته وتتكشف تفاصيله لكل حصيف ومتابع إلا لمن لا يريد أن يرى الحقيقة ،أو يراها ولا يريد أن يعترف بها حتى لا يكشف فشله أو تواطئه:تواطؤ المشارك في المخطط بداية أو المستفيد لاحقا.
ففي الوقت الذي تتعثر فيه التسوية السياسية ويتعاظم الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس و يتم التضييق إسرائيليا على السلطة في الضفة وتغيير وظائفها من خلال تجريدها من كل مظاهر السيادة الوطنية،وفي الوقت الذي تتعثر فيه المصالحة أو تتحول في أفضل الاحتمالات إلى مصالحة إدارة الانقسام،وفي الوقت الذي تمنع إسرائيل غالبية شعبنا من التنقل ما بين غزة والضفة ، وفي الوقت الذي يعلن فيه الاتحاد الأوروبي بأن ما تقوم به إسرائيل في الضفة من ممارسات يجعل من المستحيل إنجاز حل دولة غزة والضفة ؟ ... في هذا الوقت قام رئيس وزراء حكومة غزة بجولة خارجية سماها الناطق الرسمي باسم حماس سامي أبو زهري بأنها عنوان كسر الحصار عن غزة وهو ما أكد عليه رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية نفسه في كلمته أمام أعضاء المجلس التشريعي في غزة بعد عودته . هي تاريخية بحق لأن الاستقبال الذي حضي به هنية في بعض الدول لا يقل عن استقبال رؤساء الدول !.
ليس (الربيع العربي) وحده من ساعد على نجاح زيارة هنية والتعامل معه كرئيس حكومة شرعية كما قال قادة تونس في تبريرهم لاستقبال هنية الأمر الذي أثار حفيظة منظمة التحرير والسلطة في الضفة ، ولكن أيضا مأزق التسوية ومنظمة التحرير وسلطة الضفة جعل الأنظار تتجه لحكومة غزة ولحركة حماس باعتبارهما امتداد لقوى الإسلام السياسي الصاعد ، أيضا أنه منذ سيطرة حماس على القطاع منتصف 2007 وهي تشتغل على دولنة غزة وبالفعل تمكنت من السيطرة على كل مناحي الحياة الرسمية وغير الرسمية وتم إعادة هيكلة الوزارات بحيث باتت مستقلة نهائيا عن حكومة رام الله ، وأسست لنظام جبائي شمولي مكنها من الاعتماد على الذات ماليا بنسبة كبيرة ، بالإضافة إلى المؤسسات الأمنية المتعددة التي تُخضع لسطوتها الجميع.
والسؤال : ماذا بعد كسر الحصار؟ فقد مرت سنوات على سيطرة حركة حماس على القطاع ، خلال هذه السنوات حكمت حركة حماس حكما استبداديا منفردا، وهو شكل نظام الحكم الذي تثور الشعوب العربية ضده ، وخلال هذه السنوات تآكلت الشرعيات التي صيرت حماس الحزب الأول في فلسطين . تآكلت شرعية صناديق الانتخابات لأن المدة الدستورية للحكومة والتشريعي انتهت ، وتآكلت شرعية المقاومة لأن حماس لم تعد نمارس المقاومة . إن كان لدى حركة حماس وبعد رفع الحصار عن غزة رؤية إستراتيجية للمرحلة القادمة غير الاكتفاء بدولة غزة ، فنتمنى أن نسمع عنها ، وحتى على مستوى دولة غزة ، فإلى متى ستبقى حماس متفردة بالسلطة في القطاع ومُهمِشَة للأحزاب والقوى السياسية الأخرى؟.
فلتذهب دولة غزة إلى الجحيم
ما هو قريب من هذا المعنى قال به قادة الصهاينة قبل انسحابهم من غزة في سبتمبر 2005 ،آنذاك كان قطاع غزة وأهل قطاع غزة كابوسا يؤرق الصهاينة وخنجرا دائم الخَزِ في جنوبهم،وقنبلة موقوتة لا يعرفون متى تنفجر وكيف سيكون انفجارها ، نعم كان قادة الصهاينة دائمي التصريح والتمني أن تذهب غزة إلى الجحيم وان يبتلعها البحر،والجحيم والبحر قول مجاز المقصود به التخلص من قطاع غزة لأية جهة تتحمل مسؤولية إدارته وتؤمن حدوده مع إسرائيل ، وقد سبق للرئيس أبو عمار أن رفض عرضا إسرائيليا بتسلم قطاع غزة وإقامة دولة به. مرد قول إسرائيل ذلك أن غزة كانت آنذاك تمثل حالة فلسطينية نضالية مستعصية على الاحتلال،حيث كل عملياته الإجرامية من تجريف للأراضي وتوغلات وقصف للبيوت وقتل للمدنيين لم تزد أهل غزة إلا إصرارا على الصمود وثباتا على المواقف ، ولأن غزة آنذاك كانت بؤرة تأجيج وتحريض على الثورة تتعدى تأثيراتها فلسطين لتشمل العالم اجمع.
نعم ، فغزة تلك المنطقة الصغيرة من جنوب فلسطين والفقيرة وشبه الصحراوية لم تتميز فقط من خلال دورها النضالي بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 67 بل كان دورها النضالي قبل الاحتلال لا يقل أهمية عن دورها بعد الاحتلال. فقطاع غزة حافظ على الهوية الفلسطينية بعد النكبة وفي سنوات التيه والضياع بعد أن فرضت إسرائيل جنسيتها وقوانينها على فلسطينيي الخط الأخضر ، وفرض الأردن جنسيته وقوانينه على فلسطينيي الضفتين ، فيما كان ممنوعا على فلسطينيي الشتات التعبير عن هويتهم أو ممارسة حقهم بالنضال الوطني.
خلال سنوات التيه والضياع استمر فلسطينيو القطاع في حمل راية الهوية الوطنية والحفاظ على الشخصية الوطنية وخصوصا أن ثلاثة أرباع القطاع من اللاجئين الذين كانت الغربة وحياة اللجوء دافعا قويا عندهم لرفض الواقع والنضال من اجل العودة لأرضهم التي شردوا منها ، ولاجئو القطاع جسدوا وعبروا عن خصوصية كل قرية ومدينة فلسطينية بملابسها ولهجاتها ومأكولاتها وتجاربها النضالية وذاكرتها التاريخية ، وفي قطاع غزة تشكلت أولى خلايا المقاومة الوطنية منذ الخمسينيات، وأبناء القطاع رفدوا الثورة في الخارج بخيرة القيادات والمقاتلين ، ومن قطاع غزة انطلقت شعلة الانتفاضة الأولى 1987، وقطاع غزة احتضن اللبنات الأولى لمؤسسات كان يؤمل منها تجسيد حلم الدولة ولو في إطار تسوية مشكوك بنجاحها، فكان المطار ومقر الرئاسة (المنتدى) ومقرات وزارية والمجلس التشريعي والبدء بمشروع ميناء غزة ، بالإضافة إلى الممثليات الأجنبية ومشاريع تنموية واعدة الخ .
إن كانت غزة بالنسبة إلى الفلسطينيين تمثل جنوب فلسطين أو منطقة من فلسطين يحبونها كما يحبون فلسطين ، فإنها بالنسبة لأهل غزة المقيمين أو المغتربين تمثل مسقط الرأس أو الوطن الصغير وخصوصا بالنسبة لمن لم يرى أية منطقة أخرى من فلسطين. فطوال ثلاثة عقود من غربتي الإجبارية كانت صورة وذكريات الوطن الذي تختزنه ذاكرتي هو قطاع غزة وخصوصا مخيم البريج الذي وُلِدت وترعرعت فيه ،ولكن وطن الذاكرة أو وطن مسقط الرأس مجرد إثبات مكان مولد أو ذكريات جميلة عن مرحلة الطفولة والمراهقة،إنه حب أضافي لفلسطين الوطن الكبير، كما هو الحال لحب أبن الخليل لمدينته وحب أبن القدس لمدينته وأبن يافا لمدينته.لا يمكن لمسقط الرأس أن يشكل وطنا ودولة، ولا يمكن لأي منطقة تتميز بدور أو بخصوصية نضالية أن تشكل دولة أو كيانا خاصا ، فلكل مدينة في فلسطين تاريخها النضالي، ومقابر شهداء فلسطين في الأردن وسوريا ولبنان لا تميز بين شهداء مدينة ومدينة ،فالشهداء قضوا في سبيل الله والوطن وليس دفاعا عن مدينة بعينها.
لن نقلل من المعاناة التي يعيشها أهلنا في قطاع غزة ، ولكن يجب أن لا ننسى أن كل فلسطين محتلة وأن أهلنا في الضفة والقدس وفي مخيمات لبنان واليوم في مخيمات سوريا عاشوا ويعيشون معاناة لا تقل عن معاناة أهل غزة ، وبالتالي فالتميز بقسوة المعاناة لا يبرر مجرد التفكير بالخروج من الحالة الوطنية من خلال توظيف المعاناة لخدمة تطلعات سلطوية للبعض أو لخدمة أجندة خارجية .وحتى نكون أكثر وضوحا وصراحة ، وبعيدا عن الانتقائية في الحديث عن المعاناة ، فإن أهلنا في الضفة والقدس هم الأكثر معاناة من الاحتلال والمعركة الحقيقية بالمقياس الوطني هي التي تجري هناك، ويجب أن نحكم ونحاكِم ونُقَيم الوضع في الضفة والقدس ليس من خلال سياسة السلطة وممارساتها بل من خلال معاناة الشعب وما تتعرض له الأرض من استيطان وتهويد.
غزة ولا شك تقدم شهداء وتعاني من الحصار والقصف ،ولكن غزة تبقى أرضا فلسطينية وليست محل أطماع احد وليس من خيار أمام فلسطينيي غزة إلا أن يكونوا فلسطينيين ،أما في الضفة والقدس فالاستيطان متواصل في الضفة والمواطنون مهدَدون بمصادرة أرضهم ومياههم وغير آمنين على مزارعهم وأعمالهم ،والقدس تهود بشكل غير مسبوق حتى المساجد ودور العبادة باتت تُحرق وتدنس علنا. يجري هذا في الضفة والقدس في ظل عجز السلطة وتواطؤ بعضها مع الاحتلال ،ولكن أيضا في ظل صمت جماعات الإسلام السياسي التي تريد أن تؤسس مشروعها السياسي ولو على أنقاض المشروع الوطني، يساعدها في ذلك بعض الفضائيات المحسوبة على حكومات أو على جماعات سياسية تفرغت بشكل كلي لما يجري في غزة تحت عنوان وشعار حصار غزة ونصرة غزة مع التركز أكثر على المشاهد المأساوية لجثث الأطفال والعائلات المشردة والبيوت المهدمة.
لأن حركة حماس اختزلت فلسطين بغزة وتركزت مناشدتها للعالم على رفع الحصار عن غزة، فقد وجدت جماعات الإسلام السياسي بما فيها تركيا وكذا الأنظمة العربية والإسلامية الفرصة للتخلص من مسؤوليتها القومية والإسلامية والجهادية تجاه القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، بأن اختزلت بدورها مسؤوليتها لتقتصر على المطالبة برفع الحصار عن غزة والعمل على مساعدة غزة ماليا،وهذا الأمر يُظهر هذه الأطراف وكأنها تناصر الشعب الفلسطيني لأنها لن تكون فلسطينية أكثر من الفلسطينيين ، وفي نفس الوقت يخلصها من عبء الحديث أو العمل على تحرير فلسطين أو مواجهة الاستيطان والتهويد الإسرائيلي بما قد يسببه لها ذلك من حرج مع حليفتها واشنطن.
بفعل الماكينة الإعلامية للإسلام السياسي ومن يسانده من دول غُيبت فلسطين لصالح غزة وأصبحت قضية رفع الحصار عن غزة القضية المركزية ومقياس الحق والعدالة ومقياس الانتماء العربي والإسلامي بالنسبة لجماعات الإسلام السياسي والحكومات العربية والإسلامية،و تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني ، تراجعت قضية القدس والضفة الغربية واللاجئين والمقاومة ووجود إسرائيل بحد ذاته.
استطاعت هذه الفضائيات تغييب ومصادرة العقل والتفكير العقلاني لتختزل القضية الفلسطينية بغزة وحصار غزة، وباتت غزة أكثر قدسية من القدس . نتيجة هذه الجهود سيتم رفع الحصار عن غزة اليوم أو غدا، وإسرائيل عندما خرجت من غزة مبقية على حصارها إنما لتساوم على رفع الحصار مستقبلا بثمن ،وثمن رفع الحصار هو التخلص نهائيا من المسؤولية عن غزة بإلقاء هذه المسؤولية على أية جهة فلسطينية أو على مصر أو على كلاهما،هذا ما كان يقصده قادة الصهاينة بأن تذهب غزة إلى الجحيم أو فليبتلع البحر غزة .واليوم تنجح إسرائيل في تنفيذ مخططها الأصلي ولكن بتخريجة تبدو وكأنها انتصار للفلسطينيين ولكل من طالب برفع الحصار.
لن يغير نفي قيادات من حماس ما يتردد في كواليس حركة حماس حول فصل غزة عن الضفة والإعداد للإعلان عن دولة غزة،لأن ما يجري على الأرض أكثر إفصاحا ودلالة من أي حديث ، فمنذ اليوم الأول للانقلاب والجهود تجري حثيثا لدولنة غزة ، ما يجري مخطط مرسوم وليس خطأ يمكن إصلاحه، مخطط للأسف يصب مباشرة في خدمة السياسة الصهيونية ويعتبر استكمالا لمخطط شارون بالانسحاب من غزة، وفي نفس الوقت يندرج ضمن السياسة الأمريكية لصناعة الشرق الأوسط الكبير و الفوضى البناءة ، وهما جزء من استراتيجيه أوسع تسميها واشنطن محاربة الإرهاب أو التطرف الإسلامي من خلال استيعاب الإسلام المعتدل وتقله من جبهة الجهاد والمقاومة لجبهة السلطة والحكم.
إن انتصار من يوجهون ويمولون ويغطون إعلاميا حملات رفع الحصار ومن يسعون لدولنة غزة هو انتصار للإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. ومع ذلك نؤكد مرة أخرى أن قوى وأحزاب وشخصيات فلسطينية وعربية وأجنبية تشارك في حملات رفع الحصار بحسن نية ،وهؤلاء صادقون في مشاعرهم ولا تدفعهم لهذا السلوك إلا روح الانتماء والتعاطف الصادق والعمل ضمن المتاح، فلهؤلاء كل تقدير واحترام .
(دولة) غزة التي تتشكل اليوم على مساحة 1,5 % فقط من مساحة فلسطين التاريخية والتي يريد البعض تسويقها كانتصار للمقاومة ولفلسطين إنما تتصير دولة نتيجة تقاطع عدة إرادات ومصالح ، ليست الإرادة الوطنية إحداها :-
1- إرادة إسرائيلية بالتخلص من غزة وما تمثله من خطر ديمغرافي وأمني على إسرائيل إن بقيت تحت سيطرتها .
2- إرادة أمريكية بتدجين الإسلام السياسي من خلال تمكينهم من السلطة لإبعادهم عن ميدان الجهاد والمقاومة،وهي إرادة تلتفي مع سياسة بعض الأنظمة العربية التابعة .
3- إرادة الإسلام السياسي وخصوصا حركة الإخوان وفرعها في قطاع غزة في التمكين بدولة إسلامية في سياق المشروع الإسلامي الكبير الذي يروجون له.
4- إرادة نخبة حاكمة في قطاع غزة ذات أفق سياسي ضيق وانتماء وطني ضعيف أغرتها السلطة والامتيازات ترى في دولة غزة ضمانا لمصالحها .
5- إرادة نخبة مصالح في السلطة والضفة تلتقي مصالحها مع مصالح الاحتلال ، نخبة تريد أن تخفي فشل وعجز السلطة السياسي والمالي بتصدير الأزمة من خلال الترويج بأن غزة تشكل عبئا على ميزانية السلطة وبالتالي على سكان الضفة الغربية،وعليه يجب التخلص من غزة ،وبعض من هذه النخبة معبأ تاريخيا بحقد على غزة وأهلها وهي نخبة ليست بعيدة عن توجهات بعض صناع القرار في الأردن.
نعم نحب غزة وأهل غزة ونحترم تضحيات أهل غزة، ولكن حبنا لفلسطين واحترامنا لتضحيات شعب فلسطين عبر التاريخ أهم واكبر من حبنا واحترامنا لغزة وأهلها. نعم ، لشهداء ولصمود أهل غزة كل احترام وتقدير، ولكن، لأن هناك من يريد أن تنقلب غزة على ذاتها وتاريخها ورمزيتها وعلى المشروع الوطني ، ولأن غزة تحولت لساحة صراع على سلطة ومناصب تثير شهوة الصغار فقط ، ولأن فقر غزة وبؤسها أصبح مصدر غنائم لنخبة غيبت فلسطين وتكرش أفرادها حتى باتوا دون رقبة، ولأن غزة تحولت لمقبرة للمقاومة وللمشروع الوطني، ولأن غزة باتت تنزلق يوما بعد يوم لتقوم بدور وظيفي يخدم مشاريع وأجندة إسرائيلية وأمريكية وإقليمية.
لأنه يراد لغزة أن تندرج ضمن هذا السياق وتقوم بهذه الوظائف،نقول: فلتذهب دولة غزة ومن يقولون بها إلى الجحيم .

المبحث الثاني
المشروع الوطني كبش فداء صعود الإسلام السياسي في العالم العربي

قد يقول البعض إن تزامن صعود الإسلام السياسي وسيطرته على الحكم في أكثر من بلد عربي من خلال ما يسمى (الربيع العربي) مع السياسة الأمريكية للهيمنة على الشرق الأوسط من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير وسياسة (الفوضى الخلاقة ) يعود للمصادفة البحتة وبالتالي لا يوجد رابط يربط بينها وأية محاولة للربط بينها ، وأن تصوير الأمر وكأنه مخطط إنما يندرج في إطار فكر ونظرية المؤامرة. نعتقد أن شواهد الواقع وما يتوفر من معلومات يؤكد وجود هذا المخطط الذي يعرفه كثيرون من أصحاب القرار وبعضهم يشارك فيه بوعي ولكنهم يخفون الحقيقة عن الشعب حتى لا تتضرر مصالحهم وتتزعزع مواقعهم .كما أن نظرية المؤامرة التي يتذرع بها كل من يخشى الحقيقة ،جزء أصيل من الحياة السياسية المعاصرة وهي جوهر وقلب السياسة الواقعية التي تؤسس على القوة والمصلحة والتفاهمات والاتفاقات غير المعلنة ،وساذج من يعتقد أن كل سياسات الدول وخصوصا الكبرى تقوم على الشرعية الدولية والقانون الدولي والاتفاقات المعلنة ،فما هو خفي من هذه السياسات أكثر مما هو معلن.
إذا أذكر الأمثلة والحالات التالية ، ليس دفاعا عن الجماعات المتطرفة لأننا ندرك الدمار الذي لحق بالشعوب العربية منذ ظهور هذا الوباء ،كما لا أرمي من ورائها الطعن أو التشكيك بالأنظمة والدول والقوى التي تدافع عن نفسها وعن شعوبها من خلال مواجهة هذه الجماعات ،ولكن ما أرمي إليه هو تأكيد أن الهدف من صعود الإسلام المعتدل بمباركة الغرب كان بهدف خلق فتنة وفوضى وضرب الإسلام المتطرف. بدأ ضرب الإسلام المتطرف بتنسيق أمريكي أطلسي مع بعض الجماعات الإسلامية المعتدلة في أفغانستان ومنها انتقل إلى باكستان والعراق واليمن وغزة – مهاجمة حماس مسجد أبن تيمية وقتل الشيخ عبد اللطيف موسى وكل جماعته في أغسطس 2009 ، ومهاجمة جماعة جيش الإسلام بقيادة ممتاز دغمش في نفس العام - .
نعم ، إن أخشى ما نخشاه أن الفلسطينيين، شعبا وقضية تحرر وطني سيدفعون ثمن وصول وإيصال الإسلام السياسي المعتدل– خصوصا جماعة الإخوان المسلمين- للحكم في إطار أكبر تخطيط استراتيجي غربي /إسلام سياسي عبر التاريخ ،تشارك فيه حركة حماس باعتبارها امتداد لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين . إن كانت مؤشرات التنسيق بين الطرفين تعود لسنوات خلت حيث بداياتها مع العلاقة الخاصة التي ربطت جماعة الإخوان المسلمين في بداية ظهورها مع مراكز القرار الإستراتيجية في بريطانيا ثم تواصلت مع واشنطن وحلف النيتو منذ خمسينيات القرن الماضي لمواجهة الخطر الشيوعي في المنطقة،إلا أن أهداف هذا التحالف تغيرت من مواجهة الخطر الشيوعي إلى مواجهة خطر الإسلام المتطرف ومنه إلى السيطرة الإستراتيجية الكاملة على المنطقة.وعليه فهدف تحالف الغرب /الإخوان المسلمين يتجاوز إسقاط أنظمة دكتاتورية أو تأسيس أنظمة ديمقراطية.
إن كان من حق الشعوب العربية السعي للديمقراطية والتخلص من الدكتاتورية ،ومن حقها قبول الدعم من أي جهة كانت واختيار شبكة علاقاتها وتحالفاتها،كما من حق جماعات الإسلام السياسي المشاركة في الحياة السياسية وتولي السلطة ما دام الشعب اختارها،فإن أهداف واشنطن من وراء دعم الحراك الشعبي العربي تتجاوز نشر الديمقراطية في العالم العربي بل وتتجاوز مواجهة الإسلام المتطرف والإرهاب كما كان مرسوما في البداية. هذه أهداف جزئية أو مرحلية لخدمة هدف أكبر.واشنطن توظيف فزاعة التطرف الإسلامي لتحقيق أهداف أكبر من القضاء على الإرهاب، ولا نستبعد أن جزءا كبيرا من العمليات الإرهابية التي تقوم بها جماعات يُقال إنها منتمية للقاعدة موجهة بطريقة غير مباشرة من أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية التي اخترقت هذه التنظيمات،حتى يجوز القول إن لواشنطن ولإسرائيل (تنظيم قاعدة) خاص بهما ،وما يجري في سوريا يؤكد ذلك.
ما يجري اليوم في العالم العربي والشرق الأوسط سيعيد ترتيب الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة على عدة مستويات أهمها أنه سيجعل المنطقة العربية والشرق الأوسط كله منطقة نفوذ لواشنطن ولحلف الناتو ولإسرائيل، من خلال تجديد أنظمة الحكم والتحالفات في المنطقة بما سيعزز ويؤمن مصالح الغرب لسنوات قادمة،وهي سيطرة ستؤدي أيضا لتعزيز مكانة الغرب في صراعه الاستراتيجي مع منافسيه وخصومه الدوليين الحاليين والمستقبليين كروسيا والصين وأية قوة اقتصادية أو عسكرية صاعدة،ومع إيران إن ساءت العلاقة بينهم. لو اقتصرت نتائج هذه الإستراتيجية أو المعادلة الجديدة في المنطقة على إسقاط بعض الأنظمة الدكتاتورية التي انتهت صلاحيتها لهان الأمر وربما وجدنا عذرا لقوى الإسلام السياسي في التنسيق مع واشنطن، إلا أن الخطورة أن هذه الإستراتيجية تستهدف القوى التحررية و الوطنية والقومية والديمقراطية الحقيقية وتستهدف المشروع الوطني التحرري الفلسطيني سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر.
وهكذا من ليبيا إلى مصر مرورا بتونس وسوريا فإن حركات الإسلام السياسي، التي وصلت إلى السلطة أو شاركت فيها أو تسعى لها، تشارك بوعي أو بدون وعي بجريمة التضحية بالمشروع الوطني الفلسطيني مقابل وصولها إلى السلطة. صحيح أن المشروع الوطني بشقيه المقاوم والمفاوض كان يمر بمأزق بسبب التعنت الإسرائيلي والتواطؤ الأمريكي والتخاذل العربي بالإضافة إلى فشل وعجز السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية عن القيام بواجباتهم الوطنية،إلا أن الفلسطينيين والشعوب العربية لم تكن تنتظر من يطلق رصاصة الرحمة على المشروع الوطني بل كانوا يأملون أن سقوط زعماء تأمروا على الفلسطينيين وتاجروا بقضيتهم سيؤدي لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني واستنهاض حالة شعبية ورسمية عربية مناهضة لإسرائيل وحلفاء إسرائيل وخصوصا واشنطن، ويأملوا التراجع عن كل الاتفاقات والتفاهمات والعلاقات التي كانت تربط العرب بإسرائيل،وكذلك إعادة النظر بالتحالف الأمني والعسكري مع الغرب وإعادة النظر بالقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة،كل ذلك تمهيد لإعادة تشكيل دول الطوق حول فلسطين ووضع إستراتيجية لتحرير الأراضي العربية المحتلة عام 1967 إن لم يكن أكثر من ذلك . أليس هذا هو الحلم العربي طوال العقود الموالية لهزيمة 67 ؟ وما قيمة ربيع عربي أو ثورات عربية إن لم يتم رد الاعتبار للإهانة التي لحقت بالعرب عام 67 ؟.
مع كامل الاحترام والتقدير للشعوب العربية التي قامت بالثورة فإن سقوط الحكام المستبدين لم يكن فقط بفعل الحراك الشعبي بل نتيجة دخول أطراف أخرى على خط الثورة ،أطراف داخلية – جماعات إسلامية وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين - وأطراف خارجية –واشنطن وحلف الناتو– .أطراف تلاقت مصالحها لتوجيه الأمور ضمن معادلة جديدة يتم تخريجها وكأنها انتصار للثورة. ما كان لجماعة الإخوان المسلمين أن تصل للسلطة أو تشارك فيها لو لم تكن تفاهمات مسبقة بينها وبين واشنطن على عدم الإخلال بالوضع القائم بين إسرائيل والعرب،أيضا أن تشجع جماعة الإخوان المسلمين حركات المقاومة الفلسطينية التابعة لها على تهدئة الأوضاع مع إسرائيل. ومن هنا نلاحظ أن كل قوى المعارضة (الإسلامية) وخصوصا إخوان مصر أرسلت رسائل مزدوجة ،رسائل لواشنطن بأنها غير معادية للغرب ولمصالحه وتواجده في المنطقة ،والكل تابع الاتصالات والزيارات التي قام بها ممثلون عن هذه الجماعات للسفارات الأمريكية في بلدانهم ولواشنطن ولعواصم الغرب للتنسيق معها وطمأنتها على التزامها بمصالحها في المنطقة ،أيضا أرسلت هذه الجماعات رسائل عبر واشنطن وعبر ممثلي اليهود في واشنطن لإسرائيل بأنها تحترم الاتفاقات الموقعة معها وبالتالي تستمر باعترافها بوجود إسرائيل.
مما لا شك فيه أن الوضع في دول ما يسمى (الربيع العربي) سيكون مختلفا عما كان عليه سابقا ،والشعوب العربية هي المعنية بتقييم والحكم على هذا التغيير سلبا أو إيجابا ،كما أنها صاحبة الحق في اختيار نظامها السياسي وتوجهاته السياسية والأيديولوجية ،ونحن مع إرادة الشعوب العربية .ما يعنينا كفلسطينيين أن لا ندفع ثمن الصراع على السلطة وعلى تقاسم النفوذ في العالم العربي ،ما يعنينا وما يجب عدم السكوت عنه أن تستمر النخب والحركات السياسية العربية في توظيف قضيتنا ومعاناة شعبنا كأدوات للوصول إلى السلطة وتتكرر تجربتنا مع القوى والأنظمة القومية والثورية التي صادرت قضيتنا وقرارنا المستقل لأربعة عقود ،فانتكست وانتكست قضيتنا معها. لا نريد ان نخرج من سطوة أنظمة مستبدة تاجرت بالقضية وساومت عليها تحت شعارات وأيديولوجيات قومية ووطنية وثورية الخ ، إلى أنظمة إسلامية تضحي بالمشروع الوطني الفلسطيني وبحقنا في دولة مستقلة تحت شعار المشروع الإسلامي أولا، أو تبرير مهادنتها وتحالفها مع واشنطن وإسرائيل بضرورات بناء الوضع الداخلي أولا.
قطاع غزة : أدوار وظيفية ورهانات متعددة
بعد خمس سنوات على انقلاب حماس على منظمة التحرير والسلطة وحدوث الانقسام، يحق للمرء أن يتساءل لماذا حدث الانقسام وتصير انقساما جغرافيا ؟ ولماذا فشلت كل محاولات المصالحة الفلسطينية ؟ ولماذا تراجعت الجهود الجادة تجاه المصالحة الفلسطينية بعد وصول الإسلاميين للسلطة في أكثر من بلد عربي ؟ ولماذا لم تبذل جماعة الإخوان المسلمين ودول مثل إيران وتركيا جهودا جادة لرأب الصدع الفلسطيني؟،وإن كانت نخب وأطراف فلسطينية مستفيدة من الانقسام وتُعيق كل محاولة للمصالحة ،فهل هذه النخب والأطراف تشكل وحدها العائق أمام المصالحة أم هي مجرد أدوات صغيرة في لعبة أكبر ؟. الجواب في ظني أن المصالحة فشلت لأن الانقسام الفلسطيني جزء من مخطط إعادة ترتيب وضع المنطقة أي إنه مرحلة مبكرة وانجاز متقدم من (الربيع العربي)،ولأنه كذلك فإن الدول والجماعات الفاعلة في المعادلة الشرق أوسطية الجديدة معنية باستمرار الانقسام.
إن كان ما يسمى الربيع العربي الذي تُعرف بدايته - يناير 2011 – ولا تُعرف له نهاية ، استحضر تاريخ العلاقة بين جماعات الإسلام السياسي المعتدل - وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين- والغرب، وربط صعود الإسلاميين بإستراتيجية واشنطن للشرق الأوسط الكبير لاستيعاب الإسلام المعتدل وإعادة رسم خريطة المنطقة بما يضمن الهيمنة الإستراتيجية الأمريكية،فإن البداية الحقيقية لتنفيذ هذا المشروع لم تبدأ في تونس ومصر بل في فلسطين عام 2004 ولكن ضمن تطبيق يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الفلسطينية من حيث عدم وجود دولة ونظام سياسي سيادي فلسطيني والواقع الجغرافي المجزأ لمناطق السلطة.
كانت واشنطن تدرك تماما بأنه لا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية إن أرادت إنجاح مخططها لمواجهة التطرف الإسلامي وإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة،وهنا التقت السياسة الأمريكية لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة مع السياسة الإسرائيلية التي تريد الانقلاب على التسوية ومشروع حل الدولتين والتخلص من ياسر عرفات . لأنه لا يوجد في فلسطين دولة ونظام سياسي مستقل كبقية الدول العربية ،ولأن أسلوب تحريض الشعب على السلطة للخروج إلى الشارع والمطالبة بإسقاط النظام كما جرى في الدول العربية مرفوض إسرائيليا حيث تخشى إسرائيل أي حراك شعبي فلسطيني كما أن الشعب الفلسطيني يرفض الدخول في مواجهة مع السلطة في ظل وجود الاحتلال،ولأن في فلسطين ازدواجية سلطة وانقسام سياسي وإيديولوجي طرفاه السلطة ومنظمة التحرير من جانب وحركة حماس من جانب آخر ،فقد قررت إسرائيل وبدعم واشنطن أن الأسلوب الأنجع لتحقيق مصلحتهم المشتركة بـ (إسقاط النظام ) في فلسطين يتمثل في تطبيق خطة موجودة مسبقا تقضي بالانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة مما يؤدي لفصل غزة عن الضفة،وإفشال إمكانية قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة بقيادة منظمة التحرير ورئيسها أبو عمار ،وخلق فتنة فلسطينية داخلية – فوضى خلاقة كما تريد واشنطن- .
لم يكن الحشد والتأييد المالي والإعلامي لحكومة حماس في قطاع غزة ولرفع الحصار عن القطاع ،الذي قامت به جماعات الإسلام السياسي عبر العالم مدعومة بفضائيات لدول عربية حليفة لواشنطن وخصوصا فضائية الجزيرة ،ببعيد عن هذا المخطط،فقد كلن دعما وتأييدا لنقطة انطلاق مشروع إسلامي مدعوم أمريكيا يبدأ من غزة حتى وإن كان على حساب المصالحة والوحدة الوطنية الفلسطينية ،كان شعار لبيك غزة ورفع الحصار عن قطاع غزة وتضخيم حالة الفقر والجوع في القطاع الخ ،كلها آليات وأدوات لإنجاح مشروع إسلام سياسي وليس إنقاذ مشروع وطني أو دعم منطقة محررة للانطلاق منها لتحرير فلسطين كما روجت حماس ومناصروها ،وكما حاول بعض المشبوهين كمحمد رشيد الدفاع عن دولة غزة بالقول بأنه يتوافق مع قرار المجلس الوطني لعام 1974 الذي دعا (لقيام سلطة وطنية مقاتلة على أي قطعة أرض يتم تحريرها أو تعطى لنا ).
كان أمرا غريبا بالنسبة للبعض أن يتوجه كل اهتمام الإسلام السياسي لقطاع غزة ويتجاهل المعركة الرئيسة في الضفة والقدس وكأن غزة في نظرهم أهم من القدس وفلسطين،فلم يفكر الإسلام السياسي وحلفاؤه كقطر وغيرها ،بما لهم من قوة ونفوذ عبر العالم في عمل شيء من أجل مواجهة المخططات الاستيطانية في الضفة والقدس وتركوا أهلنا هناك يواجهون الاحتلال لوحدهم،ولو قدم الإسلام السياسي ومن معه ربع الأموال التي تدفقت على غزة لأهلنا في الضفة ، والقدس على وجه التحديد، ما ضاعت القدس وما تغولت إسرائيل على أهلنا هناك. حتى تركيا لم تكن بعيدة عن المؤامرة حيث تجاهلت المعركة الحقيقية في فلسطين والقدس وافتعلت معركة رفع الحصار عن غزة وهي معركة خدمت تركيا وإسرائيل معا ولم تخدم الفلسطينيين وإن خدمت النخبة النافذة في غزة. إيران أيضا تتقاطع مع هذا المشروع في صالح توظيف القضية الفلسطينية لصالح مشروعها القومي الفارسي الشيعي،وقد انخدع فلسطينيون كثيرون بإيران وشعاراتها،ولكن يبدو أن إغراء المال كان أكثر تأثيرا من توافق الرؤى والأيديولوجيات.،وقد بانت حقيقة الموقف الإيراني في الدعوة المشبوهة التي وجهتها إطراف إيرانية لإسماعيل هنية رئيس وزراء الحكومة المقالة لحضور قمة طهران نهاية الشهر الجاري – أغسطس 2012- فهذه الدعوة ،حتى وإن كانت من مستويات دنيا ، اعتراف بوجود كيانيين سياسيين فلسطينيين وبالتالي بدولة غزة ،وكانت بالون اختبار لو نجح لتوالى توجيه الدعوات لحاكم غزة وبالتالي توالت الاعترافات بكيان غزة .
لا شك أن غزة بوطنية أهلها وروح المقاومة عندهم والعمليات التي كانت تنطلق منها كانت تشكل حالة إزعاج لإسرائيل ،إلا أن انسحاب شارون لم يكن فقط بسبب المقاومة في غزة ولكن لأهداف إستراتيجية أبعد،ولو كان الانسحاب بسبب المقاومة لاستمرت المقاومة من غزة بل وانتقلت إلى الضفة لتحريرها كما تم (تحرير غزة )،إلا أن الذي جرى أن المقاومة المسلحة بدأت تسير في منحى تراجعي وبات انشغال حماس بتعزيز إمارتها في القطاع أهم من انشغالها بتصعيد المقاومة ونقلها لبقية فلسطين. السُذج فقط يعتقدون أن سبب توقف العمل العسكري لحركة حماس في الضفة وداخل الخط الأخضر بعد سيطرتها على القطاع يعود للتنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل ،فمن يطلب الشهادة لا يمنعه تنسيق أمني أو غيره ،والتنسيق الأمني كان موجودا قبل هذا التاريخ بل كان الجيش الإسرائيلي متواجدا في قطاع غزة، ومع ذلك كانت تحدث عمليات عسكرية داخل الخط الأخضر والضفة والقدس.لا يعني ذلك تبرئة السلطة والتنسيق الأمني من مسؤولية وقف المقاومة أو حصارها ، بل المقصود عدم تحميلهم كل المسؤولية عن وقف حماس وبقية الفصائل لعملياتها العسكرية،وعلى كل حال لو كانت حماس جادة بالاستمرار بنهج المقاومة فلا يوجد تنسيق أمني في قطاع غزة يمنعها من القيام بعمليات عسكرية انطلاقا من القطاع ،والتهدئة القائمة في القطاع تؤكد ما قلناه من مخطط مرسوم منذ 2004.لم تكن خطة شارون خروجا من غزة فقط بل إخراجا لغزة من مربع المقاومة ومن ساحة المواجهة مع إسرائيل وبالتالي من المشروع الوطني التحرري.
منذ الانقسام 2007 ومحاولات حثيثة تجري لاستكمال عناصر ومقومات دولة غزة ، ويبدو أن منظمة التحرير والسلطة والرئيس لم يعد لهم حول ولا قوة فيما يجري في غزة، والبعض في السلطة والمنظمة لا يمانع هذا المصير لغزة، وقد سمعنا بعض الأصوات المشبوهة في السلطة تُحمل قطاع غزة مسؤولية الأزمة المالية للسلطة مما يولد حالة كراهية بين أهلنا في الضفة وأهلنا في غزة،وآخرون تحدثوا عن نوع من الكونفدرالية بين كيان غزة وكيان الضفة . للأسف فإن من يلهثون وراء دولة غزة أو يسكتون عن قيامها ينسون الثمن الباهظ الذي تدفعه القضية الفلسطينية وخصوصا الضفة والقدس ،والذين يلهثون وراء دولة أو إمارة غزة يعتقدون انه بمجرد فتح معبر رفح البري للبشر والبضائع أو إقامة منطقة حرة بين مصر والقطاع ،سينتهي الحصار على غزة وتقوم إمارة العتيدة ! وهؤلاء يجهلون وقد يتجاهلون أن لا دولة دون سيادة والسيادة لا تُجزأ ، وبالتالي لن تُكتمل الدولة والسيادة حتى على مستوى دولة غزة إلا من خلال السيادة على فضاء غزة وبحر غزة وهو أمر بيد إسرائيل وليس مصر مهما كان حاكمها،وإسرائيل في ظل أوضاعنا الراهنة لن تسمح بسيادة جوية وبحرية لغزة إلا بثمن باهظ ستأخذه في الضفة والقدس.
من الآن ولحين تغير المعادلة الإقليمية واتضاح مسار المفاوضات سيدفع أهل غزة ثمنا باهظا من أمنهم واستقرارهم ،لأن من يمنح يمنع وللأدوار الوظيفية غير المستندة على حرية وإرادة الشعب نهاية .هناك ثمن ستدفعه القضية الفلسطينية بشكل عام و أهل غزة بالخصوص حتى يتم رفع الحصار نهائيا .ولأن للدور الوظيفي لحماس في غزة نهاية، وما دام الآخرون -حركة فتح وفصائل منظمة التحرير وبقية القوى السياسية – لن تمكنهم إسرائيل من دولة في الضفة فقد يتجه التفكير لدفعهم لمشاركة حماس في حكم قطاع غزة أو يحلوا محلها وخصوصا وقد مرت سنوات على حكم حمساوي متفرد ؟ .ومنطقيا نتساءل إلى متى ستستمر حماس تحكم غزة لوحدها ؟. لم يعد خطاب المقاومة بدون مقاومة ،ولا الحديث عن شرعية صناديق الانتخابات التي تجاوزها الزمن ،ولا التعديلات الحكومية الشكلية تقنع أحدا بشرعية ما يجري في قطاع غزة ،كما أنها لا تغير من الحقيقة شيئا ،حقيقة أن غزة محكومة بسلطة شمولية لحزب واحد.
الصغير والكبير في فلسطين وخارجها بات يشعر بأن دولة غزة قادمة في صيغتها وحدودها الحالية أو في صياغات وحدود أخرى، وقد كتبنا وتحدثنا عبر وسائل الإعلام كثيرا محذرين من هذا المصير للقضية الفلسطينية . لذا نقول لأولئك الذين يطالبون بالاعتراف بدولة غزة كأمر واقع أو يبرروا ويُجَمِلوا حالة الانقسام أن يتوقفوا عن التذاكي وعن الفذلكات السياسية والبحث عن موقع ودور فشلوا في الحصول عليه قبل الانقسام .هناك فرق بين أولئك المتحذلقين والمنافقين الذين يعتبرون صيرورة غزة دولة انتصارا ويعملون على تكريس هذه الحالة و تجميلها وتبرير سلوكيات من أشتغل عليها من جهة ، وأن نعتبر حالة الانقسام أمرا واقعا مرفوضا جاء نتيجة مؤامرة وممارسات خاطئة وعلينا العمل لتجاوزه ،من جهة أخرى.
إن كان البعض يبررون الانقسام لدرجة الدفاع عن دولة غزة ، أمثال محمد رشيد (خالد سلام) ليبعد الأنظار عن ملفات الفساد التي يُتابع بشأنها ويحاول كسب تأييد حماس في مواجهة الرئيس أبو مازن وحركة فتح التي نبذته، فإن آخرين يدافعون عن دولة غزة ويبررون الأمر الواقع يقومون بذلك ممالأة لحركة حماس وحكومتها بحثا عن موقع في التركيبة السياسية الجديدة،وللأسف كثير من كبار تجار السياسة وتجار الأنفاق وتجار الأراضي ، وبعض العائلات الكبيرة ،يؤيدون دولة غزة أو يسكتون عن قيامها المُدَمِر للمشروع الوطني حفاظا على مصالحهم.

على حماس الاختيار في الأولوية بين : فلسطين و جماعة الإخوان
منذ سنوات ونحن نطالب بضرورة توطين جماعات الإسلام السياسي الفلسطينية لأيديولوجيتها وسياساتها بأن تصبح هذه الجماعات جزءا من المشروع الوطني وأن تعطي الأولوية للمصلحة الوطنية على حساب أية حسابات أو ارتباطات خارجية، وفي أكثر من مناسبة طالبنا حركة حماس بإعادة النظر بارتباطها التنظيمي الإلحاقي بجماعة الإخوان المسلمين وأن توقِف مراهنتها على أجندة الإسلام السياسي الخارجية وتوقِف رهن مصير القضية الفلسطينية وقطاع غزة بتطور الأحداث في دول (الربيع العربي) وخصوصا مصر.
لا يعني ذلك أن تتخلى حماس أو جماعات الإسلام السياسي الفلسطينية عن مرجعيتها الدينية، بل أن تعيد النظر بارتباطاتها التنظيمية والسياسية الخارجية وتنحاز للمشروع الوطني الذي يشكل الإسلام جزءا أصيلا منه، وقلنا ونعيد التأكيد بان في الوطنية الفلسطينية متسع للجميع . إن جماعات الإسلام السياسي ومنها جماعة الإخوان المسلمين ليست الإسلام ، بل هي أحزاب وإن كان لها أهداف دينية بعيدة المدى – الخلافة - ،إلا أنها توظف الدين لأهداف سياسية وعلى رأسها الوصول للسلطة والحكم،وحركة الإخوان المسلمين في مصر تقاتل وتناضل من اجل الحكم والسلطة ، والكل يتذكر كيف أن مرسي بعد وصوله للرئاسة التزم بالاعتراف بدولة إسرائيل بل وتوسط لهدنة بين فصائل المقاومة وإسرائيل بمقتضاها تتوقف المقاومة لأنه يرى أن مصلحة مصر لها الأولوية على المواجهة مع إسرائيل .
أما حركة حماس فيفترض أن قضيتها الأولى أن تتحالف مع القوى الوطنية لمواجهة الاحتلال وليس الصراع من اجل السلطة والحكم في قطاع غزة أو دعم جماعة خارجية تسعى للسلطة والحكم في بلدها . وقد يبدو عبثا مطالبة حماس بقطع علاقتها بالإخوان أو اتخاذ موقف معاد منهم سواء لأسباب تاريخية وإيديولوجية أو من باب رد حماس الجميل للإخوان على ما قدموه لحركة حماس من دعم مادي وغيره ـ ولكن وكما أن جماعة الإخوان تعطي الأولوية لمصر فعلى حركة حماس إعطاء الأولوية لفلسطين وخصوصا في هذه المرحلة الحرجة والصعبة في مصر وفلسطين.
لا غرو أن ما يجري في مصر شأن مصري ومن حق الشعب المصري والحكومة المصرية اتخاذ ما يرتئون مناسبا من قرارات بما يتناسب مع خصوصية الحالة المصرية ، ولجماعة الإخوان المسلمين هناك أن تتصرف بما تريد داخل حدود مصر، وقرار الحكومة المصرية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية هو قرار وطني مصري ولا اعتقد أنه سيتعدى حدود مصر بالنسبة لفروع جماعة الإخوان في البلدان الأخرى لأن هذا سيعتبر تعديا على سيادة الدول الأخرى وتدخلا بشؤونها الداخلية ، و لكن من حق مصر أن تتخذ ما تراه مناسبا من إجراءات ضد المنتمين لجماعة الإخوان من غير المصريين عندما يريدون دخول مصر أو يقومون بأعمال مؤكدة تهدد السيادة والأمن القومي المصري .
مع أن حركة حماس تقول وتؤكد أنها فرع وامتداد لجماعة الإخوان المسلمين إلا أن تَعامُل الحكومة المصرية مع إخوان فلسطين يُفتَرض أن يكون مختلفا عن تعاملها مع إخوان مصر لعدة أسباب أهمها:
1- الجوار الجغرافي المباشر ما بين مصر وقطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس الإخوانية ، وحيث إن مصر منفذ قطاع غزة الوحيد إلى العالم الخارجي .
2- إن قطاع غزة جزء من الشعب الفلسطيني وجزء من الأراضي الفلسطينية التي يترأسها أبو مازن .
3- إن مصر مكلفة بملف المصالحة بين حركة حماس حركة فتح .
4- إن حركة حماس مصنفة كجماعة إرهابية من طرف إسرائيل وواشنطن ودول أجنبية أخرى.
5- بالرغم من كل ـأخطاء حركة حماس بحق المشروع الوطني وإساءتها لكثير من الوطنيين الفلسطينيين إلا أن القاعدة الكبيرة من عناصرها تبقى جزءا من الشعب الفلسطيني ولهم دورهم في العمل الكفاحي ضد الاحتلال ، وبالتالي من الخطأ تصنيفها كحركة إرهابية أو كعدو.
مع إننا لا نتفق مع من يطالب من الفلسطينيين بتصنيف حركة حماس كحركة إرهابية أسوة بما جرى مع إخوان مصر ، إلا أن الوضع المأساوي الذي يعيشه قطاع غزة تحت حكم حماس وفشلها المعمم: السياسي والاقتصادي والمقاوم ، ودورها في تدهور المشروع الوطني من خلال الانقسام ، يضاف إلى تداعيات قرار الحكومة المصرية باعتبار جماعة الإخوان المسلمين حركة إرهابية على قضية المعابر والمصالحة ... كل ذلك يتطلب من حركة حماس إعادة نظر جذرية بسياساتها بما يمنح الأسبقية للمصلحة الوطنية على حساب أية ارتباطات أخرى بما فيها ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين ، لأن فلسطين فوق واهم من كل الأحزاب والأيديولوجيات .
حماس ليست حركة إرهابية ولكنها تفقد شرعيتها الوطنية يوما بعد يوم ، سواء شرعية صناديق الانتخابات حيث انتهت صلاحية المجلس التشريعي وانتهت الشرعية الديمقراطية لرفض حماس الاحتكام لشرعية الانتخابات مجددا ، وانتخابات المرة الواحدة لا تمنح شرعية أبدية ، وحماس تتفرد بالسلطة والحكم في قطاع غزة، كما تفقد حماس شرعية المقاومة حيث الهدنة التي تمتدحها إسرائيل تعني وقف المقاومة أو تحويلها لمقاومة أي عدوان على غزة وليس مقاومة لتحرير فلسطين، كما أن الشرعية الدينية في زماننا مجرد لغو لأن الدين لا يمنح شرعية سياسية لحزب أو نظام سياسي ، وفوق كل ذلك تفقد الشرعية الشعبية حيث يتراجع تأييدها ومصداقيتها بسرعة كبيرة في قطاع غزة وفي الأماكن الأخرى.
انتشار ثقافة الخوف والرعب بين سكان غزة ، خوف من الحاضر وخوف على مستقبل الأبناء، وخوف على الراتب والوظيفة، وخوف على مستقبل الوطن ، بالإضافة إلى جو الخوف الذي تثيره التصريحات النارية لبعض قادة حماس والمُهَدِدة للمعارضة الوطنية ، أو من خلال الرسائل التي تبعثها الاستعراضات العسكرية ومظاهر التجييش وهي رسائل موجهة للداخل وليس لإسرائيل ...كل ذلك قد يثير الخوف لحين من الوقت وعند البعض من الناس ، ولكنه لن يُخيف كل الشعب لكل الوقت ، كما أن الخوف سيتحول مع مرور الوقت لحقد ، والحقد سيدفع إلى ما لا تُحمَد عقباه ، وعلى عقلاء حماس اخذ العبرة مما يجري في العالم العربي من حولنا .
خيارات حماس بعد سقوط المراهنات
مستقبل حركة حماس كسلطة حاكمة في غزة سيكون صعبا ليس فقط بسبب سقوط الإخوان في مصر بل لأسباب سابقة على ذلك أيضا : تآكل شرعيتها الدستورية وشرعية المقاومة والشرعية الشعبية بعد ست سنوات من التفرد المطلق بالسلطة ووقف المقاومة وسياسة فرض الضرائب المرهقة في القطاع ، تفكك تحالفاتها الخارجية ، الأزمة المالية المتفاقمة التي بدأت تزعزع قناعات المنتسبين لها والمتعيشين منها، انكشاف ثم سقوط معادلة الشرق الأوسط الجديد برعاية واشنطن والإخوان المسلمين.... . عليه فإن حركة حماس ستكون أمام مشهد عربي وإقليمي متعارض مع مراهناتها وحساباتها السياسية والإستراتيجية وهو ما سيؤثر على حكومتها وسلطتها في قطاع غزة وعلى مجمل القضية الفلسطينية.
بشكل عام وفي المحصلة النهائية فأن سلطة حماس في قطاع غزة مرتبطة بحالة الانقسام السياسي والجغرافي وهذه لن تنتهي إلا بمصالحة وطنية شاملة أو بتسوية سياسية للقضية الفلسطينية ,وهذا يعني أن سلطة حماس في القطاع لن تسقط في القريب العاجل، وخصوصا أن فصل غزة عن الضفة حيث البديل المفترض لحماس ، كذلك ضعف ومأزق المنظمة والسلطة في المفاوضات وتضعضع شعبيتها ومصداقيتها يعتبر عنصرا مساعدا على إطالة عمر سلطة حماس . حتى وإن شكلت حماس حكومة يشترك فيها آخرون كما تطالب فهذا لن يحل المشكلة وستكون مجرد مسكن لأنها لن تحل الإشكالات الجوهرية، وستكون مجرد تلاعب بالوقت في انتظار القادم ،كما هو الحال مع السلطة والمفاوضات حيث المفاوضات تلاعب في الوقت انتظارا للآتي المجهول. إن أرادت حماس توطين أيديولوجيتها والانضواء في المشروع الوطني التحرري المطلوب، فالطريق معروفة ودون ذلك ستكون حركة حماس أمام تحديات وخيارات صعبة.
هذه الخيارات / السيناريوهات:-
1- استمرارها في السلطة في ظل مصالحة إدارة الانقسام
وهو حل مؤقت وثمنه باهظ وهو استمرار الانقسام ، وهذا حل توافقي بين طرفين عاجزين وأسيري أوضاع داخلية واشتراطات خارجية . سيصمت كل طرف على أخطاء وخطايا الطرف الثاني،كأن تصمت حركة حماس على المفاوضات وما يجري في الضفة مقابل أن تصمت السلطة في الضفة وحركة فتح عن ممارسات حماس بل وتمد لها يد العون للخروج من مأزقها ،وهناك (واقعيون فلسطينيون جدد) مستعدون للذهاب بعيدا في تجميل الانقسام باسم الواقعية وتدبير مصالح الناس اليومية ،بينما الحقيقة أنهم يسعون لمصالحهم الذاتية ولأنهم فاشلون في استنهاض المشروع الوطني أو لا يؤمنون به. ، ونعتقد أن ذلك ما يجري من خلال زيارة وزراء من الضفة لغزة ، وقد تأخذ إدارة الانقسام شكل كونفدرالية والتي أشار إليها الدكتور احمد يوسف قبل أيام في مقال له وهي إشارة تجمع بين الجد والهزل مع ثقتنا في وطنية د.احمد يوسف وحرصه على المصلحة الوطنية.
2- استمرار حماس في السلطة ولكن في سياق دور وظيفي غير وطني .
بمعنى الاستمرار في حكم غزة تحت ضغوط واشتراطات إسرائيلية ومصرية أهمها الاستمرار بالهدنة الموقعة وقد تطلب إسرائيل من حركة حماس التخلص من ترسانة الصواريخ المتواجدة في القطاع ، وقطع حركة حماس لعلاقاتها مع إيران وكل جماعات الإسلام السياسي الخارجية ، في هذه الحالة فإسرائيل لن تمانع بأن يستمر حكم حماس في قطاع غزة وهناك حديث عن وساطة قطرية وتركية بين حماس وإسرائيل.
3- خيار شمشون .
أن تدخل حماس في مواجهة عسكرية مع إسرائيل عسى أن تخلط الأوراق وتستعيد بعضا من الاهتمام العربي والإسلامي. نعتقد انه في ظل الانقسام وفي ظل إغلاق الأنفاق ، والانشغالات العربية والإسلامية بما يجري في مصر وسوريا وانشغال كل دولة عربية بمشاكلها الداخلية فإن فتح جبهة ضد إسرائيل سيكون مغامرة غير مضمونة النتائج وقد تستغل إسرائيل خرق الهدنة لتعمل بدورها على خلط الأوراق بمحاولة إنهاء سلطة حماس في غزة ليس لتعيد القطاع لسلطة الرئيس أبو مازن بل لخلق فتنة وصراع داخل القطاع على السلطة دون أن تسمح إسرائيل بتغيير وضع الفصل القائم بين غزة والضفة.
4- الاستنزاف الذاتي
بأن تتواطأ كل الأطراف على ترك حركة حماس وحكومتها لتتآكل وتُستنزف داخليا من خلال حالة جماهيرية معارضة لها وحالة خارجية غير متعاطفة أو معادية وخصوصا بعد قرار محكمة مصرية يوم 4 مارس 2014 بالتحفظ على أموال وممتلكات حركة حماس في مصر، مع تشديد الحصار على القطاع.وفي هذه الحالة ستتعاظم حالات التمرد على حماس ليس فقط من خارجها بل ومن داخلها أيضا، وهو ما سيستدعي مواجهة الناس بالقمع والاعتقالات والاستدعاءات وهذا ما يجري بالفعل . استمرار هذا السلوك من حماس سيدخلها في حلقة مفرغة من الفعل ورد الفعل ،مما سيدفعها نهاية المطاف إلى كسر هذه الحلقة إما باللجوء لأحد الخيارات السابقة أو تواجه احتمال تدخل خارجي مدعوما بتسوية ما قد تتمخض عنها المفاوضات الجارية برعاية واشنطن .




الفصل الثامن
الحرب على غزة كإحدى آليات صناعة دولة غزة


أنشدت الأنظار في السنوات القليلة الماضية إلى ما يشهده قطاع غزة من أحداث وخصوصا العمليات العسكرية الإسرائيلية التي وصلت أوجها في العدوان الأخير في يوليو 2014 ، بحيث بات مصطلح الحرب أو العدوان على قطاع غزة الأكثر ترددا على ألسنة المواطنين والمحللين السياسيين ، كما غطت أحداث غزة على القضية الوطنية برمتها وخصوصا ، ما يجري في الضفة والقدس من عمليات استيطان وتهويد . بحيث لا يتم الحديث عن حرب وعدوان إلا إذا كان موجها لغزة ، وكأن غزة كيان مستقل قائم بذاته ، وكأن الضفة تعيش استقرارا وهدوء وتربطها بإسرائيل علاقات سلام ومحبة ؟ !.
الاحتلال بحد ذاته عدوان وحرب على الشعب بكامله ، والاستيطان والتهويد حرب وعدوان ، كما أن الحصار على غزة عدوان وحرب ، فلماذا لا تُستعمل كلمة حرب وعدوان إلا إذا أقتصر الأمر على قطاع غزة ؟. لأن المفاهيم والمصطلحات في السياسة ليست بريئة ، ، لذا فإن خدعة لفضية تخفي أهدافا سياسية تجري من خلال استعمال مصطلح الحرب أو العدوان على غزة ، فتخصيص غزة بالحرب والعدوان يوحي وكأنه لا توجد حرب وعدوان متواصل على كل الشعب الفلسطيني ، وهي محاولة لدفع قطاع غزة نحو التموضع كحالة ذات خصوصية منفصلة عن الحالة الوطنية ، وبالتالي إيجاد حل لـ (مشكلة غزة ) بمعزل عن مجريات ومرتكزات المشروع الوطني .

المبحث الأول
الحرب على غزة جزء من صناعة دولة غزة
في الحروب والصراعات الدولية لا تكشف الدول والكيانات السياسية عن كامل أهدافها واستراتيجياتها ، فهناك أهداف معلنة وأهداف خفية ، والحروب العدوانية الإسرائيلية الثلاثة على قطاع غزة لا تخرج عن هذا السياق ، فالخفي من هذه الحروب قد يكون أكثر خطورة على القضية الوطنية من الأهداف المعلنة منها ، وضجيج الصواريخ ودماء الشهداء وحالة الدمار قد تكون غطاء لتمرير مخططات كبيرة عجزت السياسة والمواجهات الصغيرة عن تمريرها ، فالحرب سياسة ولكن بوسائل عنيفة أو أداة لفتح مغاليق السياسة.
لا شك أن صواريخ ومقذوفات كانت تنطلق من القطاع إلى إسرائيل حتى وإن كانت في غالبيتها لا تُوقع إصابات أو أضرار بالإسرائيليين ، ولا شك أن فصائل المقاومة كانت تزيد من تسلحها ، ومن المؤكد أن أنفاقا تم حفرها ، وقد نجح مقاتلون بالتسلل عبرها والاشتباك المباشر مع جيش الاحتلال ، ومع ذلك لا نعتقد أن هذا فقط سبب التصعيد الإسرائيلي على القطاع . صحيح أن الحكومة الإسرائيلية تراقب التسلح في القطاع وتتعرض لضغوطات من سكان جنوب إسرائيل المتخوفين من صواريخ المقاومة وإنفاقها ، إلا أن الحرب أو الحروب الثلاثة على غزة جزء من إستراتيجية محكمة لصناعة دولة غزة.
إسرائيل تعرف أن معركتها الأساسية ليس في قطاع غزة بل في الضفة الغربية والقدس ، إسرائيل تُصعِد عسكريا في القطاع ولكن معركتها تجري في الضفة والقدس ، إنها معركة الاستيطان والتهويد ، وبالتالي فهي تُصَعد عسكريا في القطاع لتُبعد الأنظار عما يجري في الضفة من استيطان وتهويد ولتبعد الأنظار عن فشل المفاوضات ولتتهرب من الاتفاقات الموقعة ، تريد أن تلهينا وتلهي العالم بغزة والحرب على غزة ، وخلف كل ذلك يوجد توجه أو قرار إسرائيلي بفصل غزة عن بقية مناطق السلطة وإيجاد حل لها كحالة سياسية وجغرافية قائمة بذاتها .
لم تخرج الحروب على غزة – 2008 ، 2012 ، 2014 - عن سياق صناعة دولة غزة وتكريس فصل غزة عن الضفة ، حيث نلاحظ ان كل هذه الحروب كانت تجري بين قطاع غزة وإسرائيل ، أما الضفة فكانت دورها محدودا في التأثير في مجريات الحرب . إسرائيل ودول العالم بما فيها مصر التي رعت اتفاقات الهدنة تعرف أن الحرب تدور بين إسرائيل وحركة حماس ومعها بالتبعية فصائل مسلحة اخرى في القطاع ، وأن منظمة التحرير والسلطة الوطنية وحكومة التوافق والدولة الوليدة خارج إطار معادلة الحرب ، حتى عندما تم تشكيل وفد موحد للتفاوض على الهدنة في القاهرة كان الجميع يعرف أن المفاوض الرئيس هو حركة حماس ، وأن الهدف من المفاوضات ليس حل القضية الفلسطينية بل إيجاد حل لمشكلة غزة الخاضعة فعليا لحركة حماس.
لأن قرار الحرب لم يكن وطنيا فلسطينيا ، ولأنه جاء في ظروف فلسطينية وعربية غير مواتية ، ولأن نتائجها كانت محصلة لموازين القوى حيث تتفوق إسرائيل ، فإننا نخشى أن تكون تداعيات الحرب على المشروع الوطني كارثية من عدة جوانب ، بل يمكن القول بأن معركة غزة لها أبعاد إستراتيجية ترمي لإعادة رسم الخريطة السياسية في فلسطين .
الحرب الأخيرة على قطاع غزة ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة ، ولكنها الأولى التي تأتي في سياق متغيرات وطنية وإقليمية : سقوط حكم الإخوان في مصر وانكشاف ما يسمى بالربيع العربي ، أزمة حركة وحكومة حماس ، وقف المفاوضات وفشل عملية التسوية الأمريكية ، الاعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة ، وتأتي اخيرا بعد التوقيع على تفاهمات مخيم الشاطئ وتشكيل حكومة توافق وطني .
بالرجوع إلى كل حالات العدوان السابقة على قطاع غزة سنجد ان إسرائيل تختار الوقت المناسب للعدوان ، ودائما يكون مصاحبا إما لتحريك ملف المصالحة الفلسطينية او لتحريك ملف المفاوضات أو في حالة وجود تحركات دولية ضاغطة على إسرائيل ، فتأتي الحرب لتخلط الأوراق وتُعيد ترتيب الأولويات ليصبح الأمن سابقا على الملفات الأخرى . وفي جميع الحروب كان الطرفان – إسرائيل وحركة حماس - يخرجان منتصرين كما يزعمان ، فيما الانقسام يُكرس ومعاناة أهل غزة تتزايد ، والمشروع الوطني يتراجع .
لو تفحصنا توقيت العدوان الإسرائيلي الأخير – صيف 2014 - على أراضي الدولة الفلسطينية وخصوصا على المحافظات الجنوبية ، سنجده جاء في وقت تحتاج فيه الحكومة اليمينية لنتنياهو لحالة حرب أو حالة أمنية ، لتهرب من مآزقها المتعددة ولتحقيق الأهداف المُشَار إليها . إسرائيل هي التي تحدثت عن اختفاء أو اختطاف ثلاثة مستوطنين ، وهي التي قالت إن حماس قامت باختطافهم بينما لم تعلن آنذاك حركة حماس أو أي جهة فلسطينية مسؤوليتها رسميا عن العملية ، وإسرائيل هي التي قالت إنها وجدت جثث المستوطنين المختفين ، وإسرائيل هي التي قامت ( بردة فعل) كانت مُعَدة مُسبقا على عملية الخطف المفترضة ، سواء تعلق الأمر بإعادة اعتقال أسرى محررين ونواب تشريعي وقيادات من حماس ، أو بمداهمة البيوت في الخليل وشعفاط والقدس ، أو بتشجيع إسرائيليين لخطف وقتل وإحراق الطفل الفلسطيني محمد أبو خضير .
عندما تقوم إسرائيل بكل ذلك كانت تعرف أن الشعب الفلسطيني في القطاع لن يسكت عما يجري في الضفة ، وأن بعض فصائل المقاومة سترد على ممارسات إسرائيل في الضفة ، أو ستوظف ما يجري في الضفة لتحقق بدورها أهدافا خاصة بها في قطاع غزة ، وإسرائيل تعرف أنه ستتشكل حالة وطنية متأججة ستدفع كل الفصائل للرد على ما تقوم به . هذا ما جرى حيث شاركت كل فصائل المقاومة بما فيها فصائل منتمية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، بإطلاق صواريخ على إسرائيل ومحاولات اقتحام لمواقع إسرائيلية ، لتقوم إسرائيل بالتصعيد بدورها.
هناك شبه بين هذه الحرب وحرب تموز في لبنان 2006 بين حزب الله وإسرائيل . فبعد قيام حزب الله بعملية خطف لجنود إسرائيليين والرد القاسي والمدمر الذي قام به الجيش الإسرائيلي الذي طال قوات حزب الله ومدن وقرى الجنوب والضاحية الجنوبية للبنان ، وهي الحرب التي أدت لإخراج حزب الله من جنوب لبنان ومرابطة قوات دولية والجيش اللبناني على الحدود ، آنذاك قال حسن نصر الله لو كان يعرف أن الرد الإسرائيلي كان بهذه القوة لفكر قبل القيام بعملية الخطف .
في الحالة الفلسطينية يبدو أن حركة حماس وخصوصا كتائب القسام كانت تريد حربا مع إسرائيل ، حيث كانت تعتقد أن مواجهة محدودة يمكنها أن تعيد الاعتبار لحركة حماس كحركة مقاومة وتخرجها من مآزقها المالية والسياسية والإستراتيجية ، وقد تُعطل حكومة التوافق الوطني أو على الأقل تجبرها لدفع رواتب لموظفي حماس ، بالإضافة إلى تحقيق مطالب الأجندة الخارجية التي تريد توظيف التصعيد العسكري في قطاع غزة لإحراج مصر . إلا أن قوة رد فعل إسرائيل كانت غير متوقعة وخصوصا بالنسبة للفصائل التي شاركت حماس حربها . إلا أن حركة حماس وبقية الفصائل لا تمتلك فضيلة النقد الذاتي لتراجع حساباتها وتبحث عن مواطن الخلل التي أدت لوقوع هذا القدر الكبير من الدمار والقتلى والجرحى .
مع كامل التقدير للمقاومة وبطولات وتضحيات أهلنا في غزة ، وللتعاطف والتأييد الكبير لأهلنا في الضفة والشتات مع أهل غزة ، إلا أن الحرب الفعلية كانت تدور بين ( قطاع غزة ) وإسرائيل ، وحركة حماس هي من أتخذ قرار خوض المعركة وهي من قاد المعركة ، وكانت وما تزال تتحكم بقطاع غزة ومستقبله ، بمعزل عن أي مرجعية وطنية أخرى . حتى الدول العربية والأجنبية وإسرائيل باتوا يتعاملون بطريقة غير مباشرة ، ومباشرة أحيانا ، مع حركة حماس في كل صغيرة وكبيرة فيما يخص الحرب والتهدئة . أما منظمة التحرير والسلطة والرئيس أبو مازن والوفد المشترك الذي يفاوض في القاهرة فدورهم شكلي وغير حاسم . قد يكون لهم دور في الاتفاق على وقف إطلاق النار ، إلا أن التوصل لهدنة أو إنهاء لحالة الحرب فسيكون لحركة حماس وأطراف إقليمية ودولية الدور الرئيس .
لأن إسرائيل لم تقل إنها ستنهي سلطة حماس في غزة ، ولأن أطرافا عديدة بالإضافة إلى إسرائيل مستعدة للتعامل مع قطاع غزة تحت سلطة حماس مقابل ضمانات بتجريد القطاع من الصواريخ والأسلحة الثقيلة وإنهاء ظاهرة الأنفاق على الحدود بين القطاع وإسرائيل ... فإن هدف الحرب هو فرض تهدئة إستراتيجية وترسيم حدود نهائية بين غزة وإسرائيل ، أو هي حرب من أجل توقيع صفقة شاملة ما بين حركة حماس وإسرائيل برعاية وضمانات عربية وتركية وأوروبية وربما أمريكية . صفقة تتضمن التزام من حماس بوقف إطلاق الصواريخ أو حفر الأنفاق من القطاع سواء من جهتها أو من أي طرف فلسطيني آخر ، وعدم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية المرابطة على حدود القطاع ، ونعتقد أن حماس لا تمانع في ذلك مقابل ممر مائي يربط القطاع بالعالم الخارجي ، أو فتح معبر رفح البري بشكل كامل لتصبح الحدود المصرية مع غزة حدود دولة بدولة ، وتعهد إسرائيلي بعدم استهداف قيادات حماس والمقاومين أو قصف غزة ، وإن تمت الأمور بهذا الشكل لن يكون هناك مبررا لاستمرار عمل الأنفاق سواء بين القطاع ومصر أو بينه وبين إسرائيل ، حيث يتم ردمها أو وقف العمل بها بتوافق مع كل الأطراف.

الحرب والتباس مفاهيم النصر والهزيمة
في آتون الحرب ، ومنظر البيوت التي تهدم على رؤوس أصحابها ، ومنظر أشلاء الأطفال والنساء والشباب والشيوخ ، ومع وضوح التآمر الغربي والعجز العربي ... ، لا يسع المرء إلا أن يتكلم بلغة العاطفة ويمجد ويُعظِّم كل أفعال مقاوم الجيش الإسرائيلي ، بل تمنينا لو أن جبهات عربية أخرى تم فتحها على العدو ، من جنوب لبنان وسوريا والأردن وسيناء ، ولِمَ لا يكون من إيران والعراق . ولكن هذه الـ (لو) لا مكان لها في عالم عربي لا يفكر إلا بمصالحه ، كما أن الحروب لا تُخاض بناء على ما يجب أن يكون بل اعتمادا على موازين القوى الراهنة والمتاحة .
لكن بعد أن تصمت المدافع يجب إعمال العقل ، ليس فقط بما جرى أثناء الحرب ، وكيف جرت ؟ ولماذا انزلقت فصائل المقاومة لها ؟ ولكن أهم من ذلك التفكير بعقلانية ، بعيدا عن أي حسابات حزبية ومصلحية ضيقة ، في كيفية مواجهة ما يُحاك لفلسطين من مؤامرات ، لأن الدم الذي سال دم كل الفلسطينيين ، والدمار الذي جرى مس كل الفلسطينيين في القطاع ولم يقتصر على حزب دون غيره .
حسابات النصر والهزيمة لا تكون أثناء المعركة ولكن بعد أن تصمت المدافع . لا شك أنه في حالة حرب أو مواجهة بين جيش احتلال وشعب خاضع للاحتلال ، كما هو حال حرب غزة ، يتم تقييم النصر والهزيمة بحسابات غير حسابات الحروب بين الدول ، ولكن لا قيمة لنصر إن كان نصرا لحزب وكان ثمنه تكريس الانقسام ونزع سلاح المقاومة مقابل سلطة هزيلة في قطاع غزة بحماية وضمانة أطراف مؤتمر باريس المشئوم .
كما جرى في كل الحروب السابقة ، تحدثت إسرائيل عن تحقيق (انتصارات) وإعادة قوة الردع والهيبة للجيش الإسرائيلي نتيجة الدمار والخراب الذي ألحقته بقطاع غزة وأهله وخصوصا المدنيين والأطفال ، وتحدثت حركة حماس وفصائل المقاومة عن انتصارها على العدو ، وعن عدد الصواريخ التي أطلقتها ومداها وبطولة مقاتليها الخ . ولكن بعد صمت المدافع والصواريخ ، وبعد خطاب الانتصار من الطرفين ، بعد كل ذلك سنجد أمامنا ضفة غربية أكثر استباحة من طرف المستوطنين والجيش الإسرائيلي ، وحالة تباعد ما بين السلطة الفلسطينية والشعب في الضفة الغربية ، وتباعد بل ونقمة من الشعب على حركة حماس والفصائل في قطاع غزة ، وسنجد قطاع غزة في حالة يرثى لها من الدمار والخراب ، وسنسمع عن مزيد من عائلات الشهداء ومن الأيتام والأرامل والجرحى الخ ، وفوق كل ذلك والأخطر من ذلك سيعود الانقسام أكثر ترسخا والعداء الداخلي أكثر استفحالا . فكيف يُعقل أن يتحدث حزب أو أحزاب عن انتصارات على أشلاء وطن ومعاناة شعب ؟ كيف تنتصر أحزاب وينهزم الوطن ؟.
ما سيحدد مقاييس النصر والهزيمة ، إن لم تكن النتائج المادية المُشاهدة للحرب مقنعة ، هي بنود الهدنة القادمة وقدرة الجانب الفلسطيني على توظيف معاناة أهل غزة ، إن لم يكن لتحقيق انجازات ، فعلى الأقل عدم تقديم مزيد من التنازلات والخسائر السياسية . الانتصارات والهزائم لا تنبني على مفاهيم الحق والباطل ، ولا على الشعارات والعواطف ، بل على النتائج المادية على الأرض . حتى وإن كانت حرب غزة حربا بين الخير والحق الفلسطيني والشر والظلم الإسرائيلي ، فالخير والحق لا ينتصران إلا إذا توفرت شروط موضوعية للنصر.
بما أن الأهداف الإسرائيلية من الحرب معروفة ، وهي أهداف غير مقتصرة على غزة وصواريخها ، بل تمس مجمل القضية الوطنية ، ففي الإمكان مواجهة الحرب الإسرائيلية وما ترمي إليه ، من خلال إعادة الحوار الوطني ، للتوصل لتفاهمات على مواجهة المخططات السياسية لإسرائيل وربط العدوان على غزة بمجمل القضية الوطنية ، والتأكيد على أن المواجهة والصراع ليس بين إسرائيل وحماس في غزة ، بل بين إسرائيل وكل الشعب الفلسطيني . هذا يتطلب استمرار التمسك بالمصالحة واستكمال بقية بنودها وعدم توظيف الحرب كذريعة للتهرب من المصالحة ، ومنع إسرائيل من الاستفراد بحركة حماس وبقية فصائل المقاومة ، سواء في الحرب أو في مرحلة التوصل لاتفاق أو تفاهمات هدنة جديدة .
يجب أن تؤسَس أية تفاهمات حول الهدنة على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية ، وليس على واقع الانقسام ، وخصوصا أن التفاعل الشعبي ما بين الضفة وغزة أكد على وحدة الشعب ، وهذا يتطلب أن تستمر المفاوضات حول الهدنة تحت إشراف الرئيس أبو مازن بصفته رئيس منظمة التحرير ورئيس السلطة وهو الجهة الرسمية التي تستطيع مخاطبة العالم والمنظمات الدولية والعربية والإسلامية ، ومع الرئيس يجب أن تكون حركة حماس والجهاد الإسلامي وبقية فصائل المقاومة للتأكيد على وحدة الموقف الفلسطيني من العدوان . بهذا يتم إفشال المخطط الإسرائيلي لتكريس الانقسام من خلال سعيه لهدنة مع حركة حماس فقط .
إذا أصرت حركة حماس على استبعاد الرئيس ومنظمة التحرير عن مفاوضات الهدنة وعن إعمار غزة ، فهذا معناه أنها تريد تكريس الانقسام ، وإذا نأى أبو مازن بنفسه عن الهدنة وعن الإعمار، فهذا معناه التخلي عن مسؤوليته عن قطاع غزة ، ولا مشروع وطني ولا دولة بدون قطاع غزة . إذا ما تم توقيع اتفاقية هدنة بين إسرائيل وحركة حماس فقط ، بوساطة أمريكية أو مصرية أو غيرها ، فهذا معناه توجيه ضربة قاصمة للمصالحة الوطنية وللدولة الفلسطينية الموعودة ، وهذا معناه أن إسرائيل نجحت في تحقيق هدف مهم من أهداف الحرب . حتى في هذه الحالة فستكون حربا بلا نصر كامل ونهائي لأي من الطرفين ، والهدنة لن تنهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بل ستؤجله فقط ، وسيكون لغزة جولات جديدة من العدوان والحرب والدمار .
بعد وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه بعد (حرب الأبراج) أصبحت كل أطراف الصراع والوسطاء والمراقبون والمحللون منشغلون بشكل وشروط الهدنة التي يمكن التوصل لها بين المقاومة في غزة وإسرائيل ، وخصوصا أن إعادة إعمار غزة بات مرتبطا بالهدنة ، حيث تشترط إسرائيل تجريد غزة من السلاح مقابل إعادة إعمارها . هدنة يتعدد فيها الوسطاء وتتعدد المحاور ، وتتضارب المواقف وتتباعد ليس فقط ما بين شروط المقاومة وشروط إسرائيل ، بل ايضا ما بين الاطراف الفلسطينية نفسها ، وما بين الوسطاء أنفسهم ، بحيث بات الأمر يحتاج لهدن أو تفاهمات متعددة ما قبل الهدنة بين المقاومة وإسرائيل . هدنة وتفاهمات ما بين فصائل المقاومة ومنظمة التحرير ، وهدنة وتفاهمات ما بين مصر ومحورها من جانب والمحور القطري التركي الإخواني من جانب آخر ، وتفاهمات مصرية امريكية ، وتفاهمات داخل مجلس الأمن ... بعد ذلك يمكن التوصل لصيغة اتفاق هدنة يتم التفاوض عليه مع إسرائيل .
هذا لا يعني استحالة التوصل إلى هدنة ، لكن كل هذه الاختلاطات والتداخلات يجعلنا أمام صفقة هدنة سياسية وأمنية وعسكرية وليس مجرد إطلاق نار ، مما قد يأخذ وقتا طويلا ، ونتمنى التوصل لهدنة مشرفة تحافظ على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية. مع عدم استبعاد أن تتوصل إسرائيل وحركة حماس لتفاهمات أو أتفاق بينهما متجاوزين كل الاختلاطات والتعقيدات السالفة .
في السياسة - والحرب سياسة بوسائل عنيفة - على القادة أن يفكروا بكل الاحتمالات حتى الأكثر سوءا ، ويجب أن يعمل الجميع على الحفاظ على وحدة الشعب التي تحققت في الحرب ، لأن هدف العدو من شروطه للهدنة هو تكريس فصل غزة عن الضفة وخلق فتنة داخلية ، ونقل المعركة إلى الداخل الفلسطيني ، ونخشى أن تكون معاناة غزة من فتنة ما بعد الحرب أقصى من معاناتهم من الحرب ذاتها.



المبحث الثاني
تداعيات الحرب على المشروع الوطني

إن كان العدوان على غزة يستهدف ماديا ومباشرة قطاع غزة ، إلا أنه استراتيجيا يستهدف كل الشعب الفلسطيني ومشروعه الوطني . وبالتالي وكما سبقت الإشارة فإن مفاهيم النصر والهزيمة لا تؤَسَس على الحسابات الحزبية ، وحتى لا تؤَسَس على ما قد يتحقق من إنجازات صغيرة لقطاع غزة وأهله ، كتوسيع مجال الصيد البحري ، تخفيف الحصار أو رفعه ، وإعادة إعمار غزة ، الخ ، بل تؤَسَس على ما تحقق لمجمل القضية الوطنية وللمشروع الوطني .

تراجع استقلالية القرار الوطني لصالح الأجندة والمشاريع الخارجية
بالرغم من أن الدم الذي سال في حروب غزة دم فلسطيني ، وبالرغم من وجود نوايا وطنية صادقة لكل مواطن يقاوم الاحتلال بما هو متاح من أشكال المقاومة ، إلا أن دولا وجماعات وجدت في فلسطين وتحديدا في غزة الفقيرة والمحاصرة ، تربة ملائمة لصناعة حروب بالوكالة، ولتمرير أجندتها المتعارضة والمتصارعة ، وكلِّ من أصحاب هذه الأجندة والمحاور يريد أن يسجل هدفا لصالحه تجاه خصمه ، على حساب الدم الفلسطيني ومستقبل القضية الوطنية الفلسطينية .
كان الأمر جليا منذ سنوات بأن قطاع غزة بات يدفع ثمن صراع الأجندة والمشاريع الخارجية ، إلا أن الحرب الأخيرة كشفت ثقل وطأة هذه المشاريع على الشعب الفلسطيني والثمن الفادح الذي تم دفعه في الحرب بسبب التدخل الفج لأصحاب هذه المشاريع – خصوصا إيران وقطر وتركيا- في التأثير على مجريات مفاوضات الهدنة في القاهرة . لم تكن مفاوضات الهدنة التي دعت لها القاهرة مجرد مفوضات لوقف إطلاق نار يُوقِف حالة الدمار والخراب التي يُلحقها العدوان بأهل غزة ، بل تحولت لصفقة شاملة فيها ما هو عسكري وأمني ، وما هو سياسي محلي ، وما هو استراتيجي عربي وإقليمي ، صفقة أرادت كل الأطراف الفلسطينية والعربية والإقليمية أن تجد فيها موقع قدم وتحقيق مصالح ، ليس للشعب الفلسطيني وتمكينه من مقومات الصمود ، ومن خلال التنافس على تخفيف المعاناة عن غزة والاستعداد لإعادة إعمارها بعد الحرب ، بل لتصفية حسابات متعددة : حسابات بين مصر وحركة حماس كفرع من فروع الإخوان ، حسابات بين مصر من جانب وتركيا وقطر وجماعة الإخوان من جانب آخر ، والأهم من ذلك تصفية حسابات بين إسرائيل من جانب والمقاومة والشعب الفلسطيني من جانب آخر بحيث أرادت إسرائيل كسر شوكة المقاومة وإذلال الشعب الفلسطيني .
في السياسة وخصوصا الدولية قد تتعدد التحالفات والمحاور وتختلط الأوراق ، ودوما كان هذا ديدن القضية الفلسطينية . لم يكن الفلسطينيون يوما أصحاب قرار مستقل تماما فيما يخص قضيتهم ، ولكن الإبداع الفلسطيني كان يتبدى في القدرة على توظيف المشاريع والأجندة العربية والإقليمية والدولية ذات المصالح المتصارعة في الشرق الأوسط لصالح القضية الوطنية ، والعمل قدر الإمكان لعدم إلحاق المشروع الوطني بأي من أصحاب الأجندات الخارجية .
بات من الواضح أن قوة حضور وتأثير العوامل الخارجية في الشأن الفلسطيني يقابله تزايد تدهور النظام السياسي والمشروع الوطني . فقد وصلت لطريق مسدود كل محاولات إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير ، وحال السلطة الوطنية يسير من سيء إلى أسوء ، وتتعثر كل محاولات التقدم في ملف المصالحة ، وحركة فتح وبقية فصائل المنظمة تفقد فاعليتها وتأثيرها ، وتَضُعف تنظيميا ، وكلما تعمق فشل حماس في خياراتها السياسية داخليا كلما زادت تبعية للخارج .
محاولة تدويل غزة بعيدا عن المشروع الوطني

مفاوضات الهدنة التي بدأت منذ الأيام الأولى للحرب ومتواصلة حتى اليوم والتي تُطبخ على نار هادئة ، تختلف عن تهدئة 2012 وتهدئة 2009 ، بل قد تكون الأخطر على مستقبل القضية الفلسطينية ، فلأول مرة في تاريخ العدوان الإسرائيلي وما يعقبه من هدنة أو تهدئة ، يتم حديث جاد عن تدويل قضية غزة ، وتَكثُر اتصالات ولقاءات أطراف دولية للتداول بشان غزة في ظل جمود مفاوضات التسوية النهائية .
مؤتمر باريس يوم السادس والعشرين من يوليو 2014 ، الذي جمع الأوروبيين والولايات المتحدة وحليفتيهما الإستراتيجيتين قطر وتركيا ، مع استبعاد الأطراف المعنية وخصوصا الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ، لم يكن مجرد مؤتمر لعقد هدنة عادية ، أو مؤتمر لجهات مانحة ، بل هو أخطر من ذلك بكثير ، ويستحضر للذاكرة المؤتمرات الاستعمارية في بداية القرن الماضي حيث كان مصير الشعوب يتقرر في مؤتمرات تغيب عنها الشعوب المعنية وممثلوها .
إذا استحضرنا ما قاله الرئيس الأمريكي اوباما في العام الماضي وكرره رئيس وزراء إسرائيل نتنياهو ، من أن مفاوضات التسوية تستثني قطاع غزة ، وربطنا ذلك بمؤتمر باريس الذي استبعد الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية ، تصبح الصورة واضحة وهي إيجاد حل أو تسوية ما لقطاع غزة منفصلة عن الكل الفلسطيني، مما يسمح في حالة العودة للمفاوضات الاقتصار على موضوع الضفة الغربية فقط .
فمنذ ان طرحت مصر مبادرتها ، والتي قبلت بها إسرائيل خديعة ومناورة ، وتم رفضها من حركة حماس بطريقة فجة ومتسرعة ، في مراهنة منها على تحرك تركي وقطري وأمريكي يُخرجها من خطر تفرد مصر بها ، وبعد الاتصالات والمباحثات التي أجراها الرئيس أبو مازن مع كل الأطراف ، شعرت القيادة الفلسطينية بخطورة ما يحاك ضد المشروع الوطني من طرف أطراف مؤتمر باريس ، الأمر الذي دفع الرئيس للعودة إلى رام الله وإلقاء خطابه الذي تبني فيه مطالب المقاومة وأوحى لأهلنا في الضفة بالتحرك لنصرة غزة .
التوقيع على وقف لإطلاق النار بعد واحد وخمسين يوما من الحرب لم ينه المشكلة ، فهناك فرق بين وقف إطلاق النار والتهدئة والهدنة ، فما جرى هي تهدئات لأسباب إنسانية ثم وقف لإطلاق النار دون حل المشكلة . أما الهدنة فهي الأكثر أهمية وخطورة لأنها ستتضمن مواضيع وترتيبات ذات أبعاد سياسية ، وعليه فإن أطراف مؤتمر باريس ما زالت تشتغل على تسوية لقطاع غزة على حساب المشروع الوطني .
مستقبل حل الدولتين بعد الحرب
عود على بدء فيما يتعلق بأهداف إسرائيل من الحرب ، وارتباط بمفاهيم النصر والهزيمة المُشار إليها أعلاه ، يمكن القول لو أن الفلسطينيين انتصروا بالفعل في هذه الحرب لكان من المفترض إفشال المخططات الإسرائيلية ، سواء المتعلقة بالانسحاب أحادي الجانب أو بالحصار أو بالانقسام ، وفرضنا كفلسطينيين وحدة غزة مع الضفة وإنهاء الانقسام ورفع الحصار . ولكن ولأن مفاهيم النصر والهزيمة ملتبسة كما ذكرنا ، ولأن إسرائيل تقول بأنها انتصرت في هذه الحرب ، ولأنه حتى الآن لم يتم توقيع هدنة يمكن بمقتضى بنودها استشفاف انجازات النصر ، لكل ذلك فإن الخشية أن نتائج هذه الحرب حتى اللحظة لم تخدم فكرة حل الدولتين .
في خضم الحرب حاول الرئيس أبو مازن إحياء عملية التسوية وعودة المفاوضات على أساس حل الدولتين ، رابطا بين شروط حماس للهدنة وشروط منظمة التحرير للعودة للمفاوضات وخصوصا إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى ووقف الاستيطان ، إلا أن هذه المحاولات باءت بالفشل حتى الآن بسبب الرفض الإسرائيلي ، أيضا رغبة حماس بالاقتصار على مشكلة غزة .
كان من الواضح أن إسرائيل لا تريد أن تخسر بالحرب ما أنجزته من خلال خطة الفصل وخطواتها نحو تكريس كيان غزة ، وقد تناول أكثر من محلل سياسي إسرائيلي أن المشكلة التي تواجه نتنياهو في الحرب أنه يريد تحقيق انتصار مع بقاء حركة حماس كسلطة في غزة . وحماس لا تريد أيضا أن يتم تجيير نتائج الحرب لصالح أبو مازن حتى وإن كان الأمر يتعلق بتحسين إمكانية خيار الدولة في الضفة وغزة ، وقد سبقت الإشارة إلى أنه من أهداف حماس بالدخول بالحرب إفشال حكومة التوافق الوطني .
في ظني أنه وبعد كل ما جرى سيكون من الصعب العودة لطاولة المفاوضات ولتسوية تمنح الفلسطينيين دولة مستقلة ، ومع افتراض العودة للمفاوضات تحت ضغوط أو تدخلات أوروبية – كالمبادرة الفرنسية – فإن نتائج حرب غزة ستكون نقطة ضعف وليس ورقة قوة عند الطرف الفلسطيني . ومع ذلك تستطيع إسرائيل أن تُلحق ضررا بالغا بالشعب ولكنها لا تستطيع أن تكسر أنفته وكرامته الوطنية ، أو تفرض عليه إرادتها السياسية .
الحالة الوطنية الجامعة التي ولدها العدوان من حيث لا يدري ، توفر فرصة تاريخية أمام الشعب ومنظمة التحرير والفصائل والرئيس أبو مازن لتصحيح مسار العملية السياسية والخروج من عنق الزجاجة ، وذلك من خلال خوض معركة الدولة والشرعية الدولية إلى نهايتها ، وخروج السلطة من حالة الانتظار والمراهنة على تسوية أو مبادرة أمريكية جديدة ، أو على الزمن ، أيضا فرصة لحركة حماس للخروج من مأزقها ، ولكن في إطار حالة وطنية جديدة وليس بالعودة إلى ما كانت عليه .
الدولة الفلسطينية لن تقدمها لنا الشرعية الدولية على طبق من ذهب ، كما أن صواريخ المقاومة لوحدها لن تجلب لنا الدولة والاستقلال . الاستقلال وقيام الدولة يحتاجان إلى إستراتيجية وطنية تجمع ما بين الاشتباك مع الاحتلال ومواجهته على الأرض ، وتحرك دبلوماسي على المستوى الدولي والعربي والإسلامي ، ونعتقد أن الوقت هو وقت هذه المعركة ، إن كانت توجد نوايا حقيقية عند القيادة والنخبة السياسية في رهانها على الشرعية الدولية ، والعالم سيتفهم الموقف الفلسطيني وسيدعمه ، إذا ما خاض الفلسطينيون معركة الدولة والشرعية الدولية متحدين .
دروس من الحرب يمكن البناء عليها لتصحيح مسار المشروع الوطني
لأن المشروع الوطني ليس وليد اللحظة ، وليس حكرا على حزب أو جماعة ، ولأنه مشروع كل الشعب ، ويستمد شرعيته وقوة حضوره من حقوق تاريخية وقانونية وسياسية ، ومِن تمسك الشعب به وبحقوقه ، ويستمر ما استمرت فلسطين تحت الاحتلال ، فإنه مشروع لا ينتهي بخسارة معركة هنا او هناك ، ولا بخلافات بين مكوناته السياسية . لذا فإن حرب غزة وبغض النظر عن تقييمها نصرا أو هزيمة بالحسابات الحزبية الضيقة ، فإنها كشفت أو أنتجت مجموعة من الاستخلاصات يجب البناء عليها في أي عمل يتوخى إعادة بناء وتفعيل المشروع الوطني في إطار منظمة التحرير وفي الأطر الأخرى .
1- كشفت الحرب أن الدم الفلسطيني بات يُوظَف من طرف محاور عربية وإقليمية في صراعها على قيادة وزعامة الشرق الأوسط ، وهو ما يعطل التوصل لمصالحة وطنية جادة ولهدنة مشرفة تنقذ أرواح الفلسطينيين وتنقذ المشروع الوطني . الخلافات بين المحاور العربية والإقليمية ليس تنافسا على من يحمي الفلسطينيين ولحماية المشروع الوطني ، بل على مستقبل قطاع غزة بعد الحرب ، ولأي محور سيخضع ؟ .
2- كشفت الحرب أن الأنظمة العربية والإسلامية لا يمكنها أن تقدم للفلسطينيين أكثر من بيانات الاستنكار والإدانة وبعض المساعدات المالية والتي تمثل نقطة من بحر أموالها وإمكانياتها المالية الهائلة ، ويجب الكف عن مناشدة هذه الأنظمة أو المراهنة عليها ، وبدلا من ذلك يجب المراهنة على الذات الوطنية.
3- كشفت الحرب فشل جهود المغرضين من سياسيين وإعلاميين عرب ، أولئك الذين شيطنوا الشعب الفلسطيني ، وحاولوا اصطناع قطيعة بينه وبين الشعوب العرب ، حيث تحركت الجماهير العربية مجددا لتؤكد على التحامها بفلسطين وبالمقاومة الفلسطينية ، حتى وإن كان التحرك محدودا ، وهذا يعني إمكانية إحياء البعد العربي والإنساني للمشروع الوطني .
4- كشفت الحرب أن إسرائيل ليست بالدولة المحصنة من الهزيمة ، بل يمكن هزيمتها ، ليس بمعنى القضاء عليها ، ولكن بما يجبرها على احترام الفلسطينيين ومنحهم حقوقهم بدولة مستقلة في حدود 1967 .
5- كشفت الحرب استمرار التحيز الأمريكي والأوروبي الرسمي لإسرائيل . فما كانت إسرائيل تستمر بالوجود ، وما كانت تقوم بحروبها العدوانية وجرائمها بما فيها الأخيرة على غزة ، لولا دعم الولايات المتحدة والغرب لها ، سواء بالمال والسلاح أو من خلال التغطية على جرائمها ، بتحصينها من أي عقوبات دولية .
6- كشفت الحرب وأكدت تحيز الأمم المتحدة لإسرائيل ومحدودية الشرعية الدولية في إنصاف الشعب الفلسطيني ، حتى ما سُميَ بانتصار عضوية فلسطين في الأمم المتحدة لن تكون له قيمة له دون تحرك شعبي والصدام المباشر مع الاحتلال .
7- كشفت الحرب خطورة الخلافات الفلسطينية ، وغياب إستراتيجية فلسطينية للمقاومة ، ولو كانت هناك مصالحة حقيقية لما جرى لغزة ما جرى ، أو على الأقل لكانت المعركة أخذت معنى وسياق مختلف .
8- كشفت الحرب أن المصالحة الحقيقية ، ووضع حد للانقسام لن يتحققا من خلال جلسات حوار عبثية ، أو بوساطة هذه الدولة أو تلك ، بل من خلال وحدة ميدانية للشعب تفرض الوحدة السياسية على القيادات كما جري خلال تحرك أهلنا في الضفة والقدس وداخل الخط الأخضر وفي الشتات.
9- كشفت الحرب حقيقة الجماعات الدينية التي ترفع شعارات الجهاد ، من داعش والقاعدة إلى مئات التنظيمات الأخرى ، ومن يقف وراء هذه الجماعات ويمدها بالسلاح . كيف يُعقل أن هذه الجماعات بما تملك من إمكانيات مالية و عسكرية هائلة مكنتها من احتلال مدن في سوريا والعراق وخوض حروب لعدة سنوات ، كيف يُعقَل أو يُفهَم أن هذه الجماعات لا تحرك ساكنا تجاه المجاز التي تجري في قطاع غزة وتجاه ما يجري في القدس ؟ ! وهذا يتطلب موقفا حازما بتحرير القضية الوطنية الفلسطينية من أوهام مشروع الإسلام السياسي .

إعمار غزة أكبر وأخطر من كونه مسألة إنسانية
تساؤلات وشكوك كثيرة تدور حول إعمار غزة ، فمع أن مشكلة الإعمار قد تكررت بعد عدواني 2009 و2012 ، إلا أن الموضوع هذه المرة اخذ منحى أكثر أهمية وخطورة لأسباب منها : الدمار الهائل الناتج عن العدوان الأخيرة ، والشروط السياسية والأمنية التي تفرضها الجهات المُتَعهِدة بتمويل الإعمار ، وتداخل موضوع الإعمار مع الخلافات الفلسطينية الداخلية . المواطن العادي يتحدث عن إعمار غزة كموضوع إنساني ومالي ، وكحق لغزة المتضررة من العدوان ،على المعنيين الدوليين والعرب الذين اجتمعوا في القاهرة أن يباشروه دون إبطاء ، ويستغرب المواطنون لماذا لم يبدأ الإعمار ما دامت الدول والمنظمات الدولية تعهدت بدفع المليارات في مؤتمر القاهرة ؟ !.
يوم 1 أغسطس وقبل أن تتوقف الحرب كتبنا مقالا بعنوان ( وقف إطلاق نار بدون هدنة قد يكون أسوء من الهدنة ) وحذرنا من الثمن الباهظ الذي سيدفعه قطاع غزة بعد الحرب وبسبب شروط التهدئة . وجاءت المناكفات التي تصاعدت ما بين حركة حماس والسلطة حتى بعد تشكيل حكومة الوفاق الوطني ، وما بين حركة حماس ووكالة الغوث حول إعمار غزة وشروطه ومتطلباته ، تؤكد أن الإعمار ليس مسألة إنسانية ولا مسألة مالية فقط ، وما خفي في موضوع الإعمار أكبر واخطر مما يُصرح به .
إنه موضوع أكثر تعقيدا وخطورة لأننا لا نتحدث عن عملية إعمار وإنقاذ لمنطقة ضربها زلزال أو كارثة طبيعية ، بل عن إعمار لمنطقة تعرضت لعدوان عسكري إسرائيلي هو جزء من صراع فلسطيني إسرائيلي دامي ومفتوح ، حيث ما زالت حماس تُهدِد بإعادة بناء الأنفاق واستعادة قوتها وجهوزيتها العسكرية وتعزز علاقاتها مع أطراف عربية وإقليمية في حالة عداء مع إسرائيل ، وما زالت إسرائيل تهدد وتتوعد قطاع غزة بالإضافة إلى مواصلة عدوانها الأكثر خطورة في الضفة والقدس ، وما زال الانقسام الفلسطيني قائما . وفي هذا الصراع ، وفي قطاع غزة تحديدا ، تتقاطع مشاريع وأجندات إقليمية ودولية ، بالإضافة إلى أنه حتى الآن لم تصدر إدانة دولية لإسرائيل على ما قامت به .
ما يجري حول فلسطين وخصوصا في مصر ، واستمرار أصحاب المشاريع والأجندة الخارجية في توظيف معاناة قطاع غزة لخدمة مصالحهم ، وما يجري داخل أراضي السلطة من تآكل هيبة وسلطة السلطة الوطنية ، وتسارع مشاريع الاستيطان ومصادرة الأراضي ، وحالة الاحتقان في قطاع غزة التي تنذر بالانفجار الداخلي أو الحرب الأهلية وخصوصا بعد تفجيرات منازل قيادات فتحاوية ، وما آلت إليه المفاوضات ، وشروط تثبيت وقف إطلاق النار والهدنة النهائية ، ومصير المقاومة وسلاحها ، ورفع الحصار عن غزة ، والانقسام وتنازع الصلاحيات بين طرفي معادلة الانقسام الخ ، كلها تشكل حزمة أو صفقة واحدة في الحوارات والمفاوضات المعلنة والخفية والتي جرت وتجري تحت عنوان (إعادة إعمار غزة ) . وكل هذه الأمور غير منقطعة الصلة بمؤتمر باريس التآمري الذي ضم وزراء خارجية أمريكا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وتركيا وقطر وانعقد يوم 26 يوليو 2014 في معمعة العدوان على غزة ، وأطراف هذا المؤتمر ما زال يشتغلون على صناعة دولة غزة .
فواهِمّ من يعتقد أن مؤتمر القاهرة المنعقد يوم الأحد الموافق 12 أكتوبر 2014 كان مخصصا فقط لبحث إعمار القطاع ، وسيجانب الصواب كل مَن يعتقد أن وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ، والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ، والمنسق الأوروبي لعملية السلام في الشرق الأوسط روبرت سيري ، وممثل الرباعية طوني بلير ، ومشاركة ستون دولة نصفها كان التمثيل على مستوى وزير خارجية ، أن كل هؤلاء جاءوا للقاهرة مدفوعين بحالة تأنيب ضمير على تقصيرهم بحق أهالي غزة ، أو مدفوعين بمشاعرهم وعواطفهم التي يريدون تحويلها لمليارات تُعيد بناء غزة أفضل مما كانت قبل الحرب ، أو ليُدينوا إسرائيل على ممارساتها - حيث لم تصدر في المؤتمر أية إدانة لإسرائيل على عدوانها وجرائمها في قطاع غزة - .
جزء من أسباب وأهداف عقد مؤتمر القاهرة تمت الإشارة إليه في موقع وزارة الخارجية المصرية الذي حدد الهدف من عقد المؤتمر بـ : ( تعزيز أسس وقف إطلاق النار وتحسين آفاق الحل السياسي للصراع عن طريق تعزيز قدرة الحكومة الفلسطينية في تَحَمُل مسئوليتها بشأن إعادة تأهيل قطاع غزة ، تعزيز آلية الأمم المتحدة القائمة لاستيراد وتصدير البضائع والمواد من وإلى قطاع غزة ، توفير الدعم المالي الخاص بإعادة إعمار القطاع ) . هذه الأهداف عبر عنها أيضا وزير الخارجية الأمريكية عندما دعا للعودة إلى طاولة المفاوضات وبحث مسالة السلاح في قطاع غزة ، كذلك كلمات ممثلي الدول الأجنبية في مؤتمر القاهرة وفي تصريحات لاحقة .
إذن فالمؤتمرون في اجتماع القاهرة والجهات المانحة التي تقف وراء آلية الإعمار التي اقترحتها الأمم المتحدة ووافقت عليها الأطراف الفلسطينية الرئيسة وخصوصا السلطة الفلسطينية وحركة حماس ، في لقاءات مشتركة معهما ، وأخرى منفردة مع حماس وهو ما أثار شكوكا عند حكومة التوافق وحركة فتح . هذه الآلية تأخذ بعين الاعتبار مطالب إسرائيل بكل صغيرة وكبيرة خاصة بقطاع غزة .
جوهر هذه الآلية إنه حتى يتم إعادة إعمار قطاع غزة يجب تثبيت وقف إطلاق النار والتوصل لهدنة دائمة بين فصائل المقاومة في قطاع غزة من جانب وإسرائيل من جانب آخر، وهي هدنة قد تتضمن شروطا أشد من شروط هدنة 2012 والتي كان عنوانها الرئيس ( وقف الأعمال العدائية بين الطرفين) ، وبطبيعة الحال فإن وقف إطلاق النار والهدنة ووقف الأعمال العدائية ستشمل الضفة والقدس وأراضي 48 ، وهذا يعني أنه سيُحظَر على فصائل المقاومة الفلسطينية المشمولة بالهدنة القيام بأي عمل عسكري ضد إسرائيل مهما مارست إسرائيل من أعمال إجرامية في الضفة أو القدس .
مكمن الخطورة ، أن إسرائيل تريد أخذ ثمن إعمار قطاع غزة من الضفة والقدس وعلى حساب المقاومة ، أو بصيغة أخرى أن تضع فصائل المقاومة في قطاع غزة أمام خيار : غزة أو فلسطين . بالإضافة إلى أن آلية الإعمار التي تم التوافق عليها لا تشترط إنهاء الحصار ولا إنهاء الانقسام ، بل تتعامل مع الأمر الواقع القائم في غزة .
في حالة قبول الفلسطينيين وخصوصا فصائل المقاومة بشروط الإعمار فهذا معناه تخليهم عن المقاومة ، حقا وممارسة ، والتوقف عن مواجهة الممارسات الصهيونية في القدس وبقية الأراضي الفلسطينية ، وبالتالي ستنتهي القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني. في هذه الحالة لا نعتقد أن أية دولة أو شعب عربي أو إسلامي سيفكر بالحرب أو الدخول بمواجهة مع واشنطن وتل أبيب من اجل القدس والمقدسات ، حيث سيقول هؤلاء أنهم لن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم وخصوصا قطاع غزة وأهله الذين يقبلون بدور المتفرج على ما يجري في الضفة والقدس .
هناك وجه آخر من إشكالية الإعمار أو تعثر الاعمار له علاقة بالخلافات الفلسطينية الداخلية حول الإشراف على الإعمار، حيث كل طرف يريد توظيف الإعمار كإنجاز يُثَّبِت سلطته وحضوره السياسي في قطاع غزة . فحركة حماس التي تقول بأنها انتصرت في الحرب تريد أن يؤدي الإعمار إلى تثبيت سلطتها في القطاع أو على الأقل عدم تجاهل سلطتها ، فلا نعتقد أن اللقاء بين ممثل الأمم المتحدة وقيادة حماس كان يدور حول كيفية تنازل حماس عن السلطة في قطاع غزة ، وفي المقابل فالسلطة الفلسطينية التي ترى نتائج الحرب غير ما تراه حركة حماس تريد أن يكون الإعمار من خلالها وبما يعزز حضورها كسلطة وحكومة شرعية تم التوافق عليها في لقاء مخيم الشاطئ .
وهكذا وبعد الشروط والمطالبات الكبيرة للفلسطينيين في مباحثات وقف إطلاق النار وقُبيل مؤتمر الإعمار كالمطالبة بميناء ومطار ورفع الحصار الخ ، تمت الموافقة من السلطة الفلسطينية ومن حركة حماس ، ومن خلال لقاءات دولية منفردة علنية وسرية مع كل منهما ، على تثبيت وقف إطلاق نار وخطة إعمار لا يتضمنا أي من المطالب السابقة ، بل يتم تشديد الحصار أكثر من السابق ويتم رهن كل دولار وكيس اسمنت يدخل للقطاع بالإرادة الإسرائيلية وتحت إشرافها .
وكخلاصة نقول : سيتم تمييع موضوع الإعمار واختزاله بدخول بعض الأموال والمساعدات العينية إلى القطاع مع استمرار الحصار والانقسام ، وسيتم إلهاء أهل غزة بتفاصيل الحياة اليومية والبحث عن أمنهم الغذائي والأمني ، وسيستمر التراشق الإعلامي والاتهامات المتبادلة بين القوى السياسية ، ووسط ذلك سينسى أو يتجاهل الجميع الثمن الباهظ وطنيا واستراتيجيا الذي يتم دفعه مقابل عمليات الإغاثة والترقيع التي تسمى الإعمار .

المبحث الثالث
التهدئة تضع النظام السياسي الفلسطيني على مفترق طرق

سواء اليوم أو غداً ستصبح تهدئة سارية المفعول بين حركة حماس في قطاع غزة من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، ليس المهم تفاصيل التهدئة أو مدة سريانها، وليس المهم كيف يسوق كل طرف لشعبه تفاصيل ومبررات التهدئة بحيث يبدو وكأنه لم يتنازل للخصم ولم ينخرط بالتهدئة من موقف الضعف، بل المهم المغزى والدلالة السياسية بل الإستراتيجية للتهدئة بالنسبة للطرفين.
كان مجرد الحديث عن تعايش ما بين حركة حماس وإسرائيل يعتبر خوضا بالمحرمات، فحماس بالنسبة لإسرائيل حركة إرهابية لا يمكن التعامل أو الحوار معها فبالأحرى التجاور والتعايش معها بهدوء، لسنوات وحتى قبل أيام كانت المقاومة وخصوصاً إطلاق الصواريخ من غزة بالنسبة لحركة حماس ترقى لدرجة القدسية وأي شخص يطالب بوقفها كان يصنف كخائن... أما اليوم ومع التهدئة فكل شيء قابل لإعادة النظر، إعادة نظر باسم العقلانية والواقعية أو إعادة نظر باسم التكتيك والمناورة أو إعادة نظر باسم الظروف الإنسانية ورفع المعاناة سواء عن أهالي غزة بالنسبة لحركة حماس أو سكان سديروت والنقب بالنسبة لإسرائيل، أو إعادة نظر بسبب وصول الخيارات المطلقة لطريق مسدود.
قد يقول قائل هذه هي السياسة، ونحن نقول نعم هذه هي السياسة فالسياسة لا تقبل المطلقات وفي عالم اليوم كل شيء نسبي حتى الدين أصبح اجتهادات وتفسيرات وتأويلات، ولكن صحيح أيضاً أن السياسة علم واستفادة من تجارب سابقة وانتهاز فرص وعدم تفويت فرص، السياسة رؤى ثاقبة واستراتيجيات ومراكمة إنجازات وليس حقل تجارب لكل من هب ودب من أحزاب وقوى سياسية، وعندما يتعلق الأمر بسياسة تخص مستقبل وحقوق شعب تصبح الارتجالية والاجتهادات الخاطئة وعدم الاستفادة من الأخطاء والتجارب السابقة بمثابة الجريمة السياسية بحق الشعب.
التهدئة ما بين حركة حماس وإسرائيل تضع النظام السياسي الفلسطيني على مفترق طرق، فإما أن تنجح إسرائيل في توظيف التهدئة لتعزيز حالة الفصل ما بين الضفة وغزة وتجعل من التهدئة منطلقاً لفتح قناة اتصال مباشر أو غير مباشر مع حركة حماس بكل ما يخص قطاع غزة بعيداً عن السلطة الوطنية والرئاسة، وإما أن تكون التهدئة منطلقا لإعادة بناء النظام السياسي ووضع حد للفصل ما بين شطري المشروع الوطني، فالتهدئة تتضمن اعترافا واقعياً من حماس بإسرائيل وقبولاً واضحاً بوقف المقاومة، وإسرائيل بالهدنة قبلت بالتعايش ليس مع حكومة وحدة وطنية تشارك فيها حماس بل مع حكومة وسلطة حمساوية خالصة.
حتى لا تحصد إسرائيل بالهدنة ما عجزت عنه بالحرب
في كل عدوان إسرائيلي تتحدث قيادة الجيش الإسرائيلي عن وجود بنك للأهداف التي سيتم التعامل معها، وهي دائما أهداف عسكرية وأمنية ، كاغتيال قادة ورجال المقاومة ، تدمير مواقع وحظائر الصواريخ ، معسكرات تدريب ، مواقع أمنية ، ومصانع أسلحة العدوان من الأطفال والنساء والشيوخ.
من حيث المبدأ لا توجد حرب من أجل الحرب ، أو حرب من أجل تحقيق أهداف عسكرية فقط ، فالبشر تجاوزا مرحلة أن يقتلوا بعضهم بعضا من أجل القتل فقط . لكل حرب هدف سياسي حتى وإن لم يتم البوح به علنا . المعارك والانتصارات والهزائم العسكرية ليست إلا مؤشرات وإعلانات عن تحقيق أو عدم تحقيق الأهداف السياسية،والانجاز العسكري الذي لا يحقق الأهداف السياسية لا يعتبر انتصارا كاملا .
تبرير إسرائيل عدوانها بأسباب عسكرية وأمنية مجرد خدعة كبرى، تسعى من خلالها لإخفاء الأسباب الحقيقية للحرب ومحاولة استجلاب عطف وتأييد الرأي العام الخارجي وتبرير العدوان ، وهدفها الظهور بمظهر الدولة المسالمة التي يتم الاعتداء عليها،وترويج حربها تحت عنوان محاربة الإرهاب والدفاع عن أمن الإسرائيليين . بل حتى مصطلح الحرب على غزة مصطلح مضلل لأنه يوحي وكأن غزة دولة أو كيان مستقل يعتدي بالصواريخ على إسرائيل ،وهذه الأخيرة تمارس حقها بالرد ! ، بينما الواقع أن غزة كالضفة جزء من الأراضي الفلسطينية الخاضعة للاحتلال الإسرائيلي، ومن حق الفصائل الفلسطينية والجماهير ممارسة كل أشكال مقاومة الاحتلال حتى وإن شاب هذه الممارسة أخطاء وتجاوزات ، لأن لإسرائيل لم تترك لهم من خيار آخر.
بما أن العدوان الإسرائيلي على القطاع تكرر أكثر من مرة ، بل هو عدوان متواصل،هذا معناه أن إسرائيل لم تنتصر انتصارا كاملا في كل حروبها السابقة مع الفلسطينيين ، لا في تحقيق الأهداف العسكرية والأمنية ولا في تحقيق الأهداف السياسية ، لأن النصر في الحرب يعني أن ترغم الخصم على الخضوع لإرادتك والتسليم بشروطك. وفي ظني أن شراسة العدوان العسكري الحالي والتهديد بالانتقال لمرحلة الحرب البرية، إنما يخفي فشل إسرائيل في تحقيق أهدافها السياسية خلال كل حروبها ومواجهاتها مع الفلسطينيين، سواء جولات الحرب والمواجهة الميدانية، أو في ميدان الدبلوماسية والشرعية الدولية،هذا لا يعني أن الفلسطينيين انتصروا ، ولكن بالنسبة لشعب ضعيف خاضع للاحتلال ،فإن الصمود وعدم الاستسلام يعتبر نصرا بشكل ما.
إذن بعيدا عن الأهداف العسكرية والأمنية المعلنة للحرب على غزة، فهناك أسباب سياسية متعددة تقف وراء قرار إسرائيل بشن هذه الجولة الجديدة من الحرب. إسرائيل تريد استكمال ما بدأته عام 2005، عندما انسحبت من داخل قطاع غزة في محاولة لإفشال أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة ، وفصل غزة عن الضفة للأبد، وإيجاد تسوية ما لقطاع غزة منفصلة عن مسار الأمور في الضفة ، حيث تسعى إسرائيل ومعها واشنطن لضم الضفة تدريجيا لإسرائيل، أو إيجاد تسوية للضفة والقدس بمعزل عن قطاع غزة ، وعلينا أن نتذكر ما قاله الرئيس الأمريكي اوباما العام الماضي وكرره جون كيري ومن بعدهما نتنياهو ، عندما قالوا بوضوح نحن نسعى لتسوية سياسية تستثني قطاع غزة، وقول الرئيس أوباما أنه مستعد للتوسط بين إسرائيل وحماس للتوصل لهدنة، يصب في هذا الاتجاه .
لا شك أنه بعد تسعة أعوام من خروج إسرائيل من قطاع غزة جرت أمور كثيرة وطنيا وإقليميا،مثل: تفرد حماس بالسيطرة على قطاع غزة، تعاظم القوة العسكرية والصاروخية لفصائل المقاومة في القطاع ، واحتمال وجود تنظيمات متطرفة كالقاعدة وداعش غير خاضعة لسلطة حماس،والأوضاع المستجدة في مصر وخصوصا سيناء ، ومزيد من ضعف السلطة الفلسطينية ووصول المفاوضات لطريق مسدود،وانشغال العرب والمسلمين بمشاكلهم وصراعاتهم الداخلية الخ . إلا أن كل ذلك ليس إلا عوامل مساعدة ومشجعة لإسرائيل لتقوم بعدوانها وحربها لتحقيق الهدف الرئيس، منع توحيد الضفة وغزة في سلطة وحكومة فلسطينية واحدة ، سواء كانت سلطة فتح أو حماس أو سلطة تقودها حكومة توافق وطني، أيضا كسر روح الصمود والتحدي عند الشعب سواء في الضفة أو غزة.
إذن الحرب التي تجري اليوم كما هو الأمر بالحربين السابقتين – 2009 ، 2012- ،والتي تبدأها إسرائيل وتستدرج لها فصائل المقاومة، التي لا يكون أمامها إلا الدفاع عن الشعب والأرض ، تعبر عن فشل إسرائيل في كسر أرادة الشعب الفلسطيني ودفعه للاستسلام ، إنها موجهة ضد الدولة الفلسطينية والتي بدأت تتضح بعض معالمها وبشائرها بعد اعتراف 138 دولة بفلسطين دولة مراقب ، وهي حرب موجهة ضد المصالحة الفلسطينية ، حيث بدأ الفلسطينيون يتلمسون طريقهم نحوها ولو بتعثر ، كما أنها تأتي كحرب استباقية لمواجهة حالة نهوض وطني وتمرد في الضفة الغربية والقدس ، ولمواجهة حالة المقاومة والممانعة والوطنية عند أهالي قطاع غزة ، وفي هذا السياق يجب أن لا نقلل من أهمية المواجهات التي تجري بين شعبنا في الضفة والقدس وجيش الاحتلال ، بل يجب التأكيد أن المعركة الحقيقية هي التي تجري في الضفة والقدس وحول مستقبلهما .
هذه الجولة من الحرب كسابقاتها لن يكون فيها منتصرون ومنهزمون ، حتى وإن كانت حربا بين الخير الفلسطيني والشر الإسرائيلي أو الحق الفلسطيني والظلم الإسرائيلي، فالخير والحق لا ينتصران إلا إذا توفرت شروط موضوعية للنصر. كل طرف سيقول إنه حقق انتصارا ، وستتوقف الحرب اليوم أو بعد أيام ، ويتم التوصل لهدنة ،ونتمنى أن لا يطول العدوان ، فغزة لم تتعافى بعد من نتائج العدوانيين السابقتين وهذا العدوان جاء في ظروف هي الأسوأ في تاريخ قطاع غزة وفي ظل ظروف سياسية داخلية ملتبسة. المهم كيف يمكن توظيف إنجاز المقاومة وصمود الشعب بما لا يُمَكِن العدو من أن يحقق بالهدنة ما عجز عن تحقيقه بالحرب.
بما أن الأهداف الإسرائيلية من الحرب معروفة ، وهي أهداف غير مقتصرة على غزة وصواريخها ، بل تمس مجمل القضية الوطنية، ففي الإمكان مواجهة الحرب الإسرائيلية وما ترمي إليه، من خلال إعادة الحوار الوطني ، للتوصل لتفاهمات على مواجهة المخططات السياسية لإسرائيل وربط العدوان على غزة بمجمل القضية الوطنية، والتأكيد على أن الحرب ليست بين إسرائيل وحماس في غزة، بل بين إسرائيل وكل الشعب الفلسطيني . هذا يتطلب استمرار التمسك بالمصالحة واستكمال بقية بنودها وعدم توظيف الحرب كذريعة للتهرب من المصالحة ، ومنع إسرائيل من الاستفراد بحركة حماس وبقية فصائل المقاومة، سواء في الحرب أو في مرحلة التوصل لاتفاق أو تفاهمات هدنة جديدة .
ولكن ، يجب أن تؤسَس أية تفاهمات حول الهدنة على وحدة الشعب والأرض الفلسطينية، وليس على واقع الانقسام، وخصوصا أن التفاعل الشعبي ما بين الضفة وغزة أكد على وحدة الشعب ، وهذا يتطلب أن تكون الهدنة القادمة بوجود وإشراف منظمة التحرير وهو الجهة الرسمية التي تستطيع مخاطبة العالم والمنظمات الدولية والعربية والإسلامية ، ومعها يجب أن تكون حركة حماس والجهاد الإسلامي وبقية فصائل المقاومة للتأكيد على وحدة الموقف الفلسطيني من العدوان .
بهذا يتم إفشال المخطط الإسرائيلي لتكريس الانقسام من خلال سعيه لهدنة مع حركة حماس فقط . إذا أصرت حركة حماس على استبعاد منظمة التحرير عن مفاوضات الهدنة فهذا معناه أنها تريد تكريس الانقسام ، وإذا نأت منظمة التحرير بنفسها عن الهدنة فهذا معناه التخلي عن مسؤوليتها عن قطاع غزة ، ولا مشروع وطني ولا دولة بدون قطاع غزة .
الحرب الأخيرة على غزة كشفت كثيرا من الأوراق وعجلت من انضاج المشروع وخصوصا بعد المؤتمر الدولي حول غزة الذي تم عقده في باريس يوم 26 يوليو 2014 وضم وزراء خارجية أمريكا والاتحاد الأوروبي وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وتركيا وقطر وتم استبعاد الفلسطينيين أصحاب الشأن ، حيث ناقش المؤتمر سرا موضوع رفع الحصار وبناء ميناء وقيام كيان في غزة ، مقابل نزع سلاحها أو هدنة طويلة المدى، وفك ارتباط غزة بالضفة و بالمشروع الوطني .
وبصمت استمر الاشتغال على موضوع هدنة طويلة الأجل بين حركة حماس التي ستستمر في الحكم في قطاع غزة وإسرائيل التي ستوافق على تخفيف الحصار عن غزة والسماح بممر مائي . فالسيد موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس صرح في مقابلة مع قناة القدس يوم الحادي عشر من سبتمبر 2014 و هو ما كتبه أيضا على موقعه على الفيس بوك ، أنه "لا مانع لدى حماس من التفاوض مع إسرائيل، لأنها قد تجد نفسها مضطرة للتفاوض مع إسرائيل بضغط من شعبها في غزة " ، وأن "القضايا التي كانت في الماضي تعتبر من المحرمات يمكن أن يتم تسويتها اليوم". هذه التصريحات تنسجم وتتعزز عمليا مع فشل كل جهود المصالحة الفلسطينية وإصرار حركة حماس على أن تبقى حاكمة لغزة حتى وإن تركت الحكومة – مقولة السيد إسماعيل هنية " لقد تركنا الحكومة ولم نترك الحكم " .
لم يقتصر الأمر على حركة حماس ، فقد كتب الدكتور سلام فياض في مقال له يوم 9 من مارس 2015 مقالا تحت عنوان " سعي الفلسطينيين للدولة يبدأ من غزة" ، وفي ظني أن هذا المقال يحتاج لتوضيح حتى لا يثير توقيته الريبة . أيضا التصريحات الحديثة لممثل الأمم المتحدة روبرت سري في يوم 2 مارس 2015 حيث طالب في تصريحه : " باعتماد استراتيجية غزة أولا ، وأن غزة هي مشكلة سياسية ويجب معالجتها كجزء من إنهاء الاحتلال وتحقيق حل الدولتين ، و لن يكون هناك سلام دون معالجة احتياجات غزة أولا ، وسوف أطلع مجلس الأمن في أواخر شهر آذار للمرة الأخيرة وسوف أؤكد على ضرورة إعطاء الأولوية لغزة " ، وبما هو قريب من هذا المعنى تحدث ممثل اللجنة الرباعية طوني بلير خلال زيارته الأخيرة لقطاع غزة .
إذا ربطنا ذلك بما سربه موقع (والا) الإسرائيلي عن عرض قدمته حركة حماس عبر روبرت سري والقنصل السويسري مفاده القبول بهدنة طويلة المدى مقابل رفع الحصار وبناء ميناء ومطار ، ولم تنف حركة حماس وجود اتصالات معها بهذا الشأن ، وإن قالت إنها ليست المبادِرة لها ولكن أطرافا أجنبية عرضتها عليها وهي محل بحث ، وأن يتزامن ذلك أيضا مع خطاب نتنياهو الأحد 7 مارس من نفس الشهر عندما تنكر لخطابه في جامعة بار إيلان عام 2009 والذي وافق فيه بالاعتراف بدولة على حدود 1967 ضمن شروط ، وأعلن في خطابه الأخير رفضه قيام دولة فلسطينية تشمل الضفة الغربية ... كل ذلك يؤكد أننا في الربع ساعة الأخيرة لقيام كيان غزة رسميا .
إذا ما تم توقيع اتفاقية هدنة بين إسرائيل وحركة حماس فقط ، بوساطة أمريكية أو قطرية أو غيرها ، فهذا معناه توجيه ضربة قاصمة للمصالحة الوطنية وللدولة الفلسطينية الموعودة ، وهذا معناه أن إسرائيل نجحت في تحقيق هدف مهم من أهداف الحرب . حتى في هذه الحالة فستكون حربا بلا نصر كامل ونهائي لأي من الطرفين،والهدنة لن تنهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بل ستؤجله فقط ،وسيكون لغزة جولات جديدة من العدوان والحرب والدمار .

دويلة غزة : ممكنة المستحيل

في إطار نقاشات مع قيادات من الفصائل الوطنية حول سبب عدم حديثهم بوضوح خلال السنوات الماضية عن مخطط فصل غزة عن الضفة بالرغم من كل المؤشرات والمعطيات الظاهرة للعيان التي كانت تجري لصناعة دولة غزة ، تنكر الجميع من تهمة التواطؤ أو المشاركة. كلهم اجمعوا على التخوف من تداعيات انقلاب حماس ، إلا أنهم كانوا يراهنوا بأن الانقسام لن يستمر طويلا. بعضهم كان يعتقد باستحالة قيام دولة في غزة لأن العالم لن يعترف بها ، وآخرون كانوا يعتقدون باستحالة تحويل غزة لدولة بسبب ضيق مساحتها وقلة إمكانياتها ، وآخرون كانوا يراهنوا على حتمية سقوط سلطة حماس في غزة نتيجة تمرد أو ثورة شعبية. وفي ظني كلها تبريرات غير مقنعة تعبر عن حسن نية وافتقار للرؤية الاستراتيجية للسياسة الدولية الواقعية وما كان يُخطط لفلسطين والمنطقة .
أولا : حول القول باستحالة قيام دولة غزة لتعارضها مع الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة
هذه الفئة كانت تعتقد استحالة نجاح مشروع دولة غزة ،لأن العالم لن يعترف بدولة غزة ،وأن دولة غزة تتعارض مع الالتزام الدولي بحل الدولتين والشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة بين السلطة وإسرائيل الخ .غاب عن القوى السياسية الفلسطينية أن العلاقات الدولية والواقع الدولي لا يؤسَسان دائما على الاتفاقات المكتوبة والموقَعة والشرعية الدولية والقانون الدولي، بل في كثير من الاحيان بالأمر الواقع الذي تتم شرعنته لاحقا ، وخير دليل على ذلك أن الفلسطينيين يتصارعون منذ عقود مع دولة الكيان التي لا تحترم قانون دولي ولا شرعية دولية ولا أية اتفاقات موقعة . بالإضافة إلى ذلك أن خطة خارطة الطريق تحدثت عن دولة ذات حدود مؤقتة كما أن اعترافات دول العالم بدولة فلسطينية لا تشير بوضوح إلى حدود هذه الدولة وإلى مكان قيامها وبالتالي قد تؤول الأمور لتصبح غزة هذه الدولة.
بات من الواضح أن دولا أوروبية ومن كل القارات بما فيها إسرائيل بالإضافة إلى دول إسلامية وعربية كالسعودية أصبحت تتعامل مع حركة حماس ،ليس من مدخل الشرعية الدستورية أو الدولية أو من منطلق التعاطف الإنساني مع معاناة سكان غزة ،بل من مدخل السياسة الواقعية التي تقوم على المصالح القومية ،حيث حركة حماس ونتيجة تحالفاتها الخارجية وبراغماتيتها العالية وضعف حضور السلطة ومنظمة التحرير ،أصبحت السلطة الفعلية في قطاع غزة والعنوان الذي يجب مخاطبته والتعامل معه في كل ما يتعلق بقطاع غزة ،كالهدنة طويلة المدى وملفات الإعمار والمعابر الخ ، حتى العربية السعودية ومصر وبعد طول ممانعة أخذت تبحث عن صيغة ما للتعامل مع قطاع غزة تحت سلطة حماس ،لأن المصالح القومية والأمنية لهذه الدول لن تنتظر إنجاز المصالحة الفلسطينية وليست حريصة على المشروع الوطني الفلسطيني ولن ترتهن بهما.
ثانيا: حول القول باستحالة قيام دولة في غزة بسبب ضيق المساحة والإمكانيات
لا شك أن واقع قطاع غزة من حيث المساحة وكثافته السكانية والوضع الاقتصادي يُحبط أي تفكير بتحويله لدولة ، ولكن السياسات الدولية عندما تريد تحقيق شيء فلا تعوزها الحيلة والوسيلة لتحقيقه. فبالنسبة لضيق المساحة فالمخططون المعنيون بمشروع غزة لديهم سناريوهات متعددة مثلا : افتعال حرب جديدة على القطاع أو حرب أهلية أو كليهما معا ، وقد ينتج عن هذه الحرب ، سواء نتيجة توجيه مقصود أو تلقائيا ، اندفاع الآلاف من أهالي القطاع إلى سيناء الخالية من السكان وحيث الوجود العسكري المصري محدودا ، في هذه الحالة لن يتمكن الجيش المصري المحدود العدد والعدة من وقف الزحف البشري ولن يقوم بقتل الآلاف من الفلسطينيين ، وبالتالي سيتم تمرير الأمر بدوافع إنسانية والقول بأنها حالة مؤقتة إلى حين وقف الحرب ، والمؤقت سيتحول إلى دائم ، وفيما جرى في سوريا سابقة يمكن ان تتكرر ،فنتيجة الحرب اندفع أكثر من مليوني سوري إلى الاردن ولبنان دون أن يتمكن أحد من صدهم ! .هذا ما كان مخططا له حسب مشروع الإسرائيلي ايجورا ايلاند ، وبذلك سيتم حل مشكلة محدودية مساحة قطاع غزة.
وهناك سيناريو أو احتمال آخر وهو تفعيل مبدأ تبادلية الاراضي الذي تم التوافق عليه بين إسرائيل والمفاوضين الفلسطينيين منذ سنوات – مع أن البعض في منظمة التحرير ينفي وجود تفاهمات حول تبادلية الاراضي - ، وفي هذه الحالة قد تحدث التبادلية بأن تمنح إسرائيل جزءا من النقب لتوسيع دولة غزة مقابل أراضي المستوطنات في الضفة والقدس .
أما بالنسبة لمحدودية الإمكانيات المادية ،فحيث إن الأطراف المعنية بهذا المخطط قوى ودول نافذة ومتواطئة مع إسرائيل فلن تعوزها الحيلة لحل هذه الإشكالات ، فيمكنها مثلا تحويل ما تقدمه من أموال للسلطة – أو جزء منها - إلى سلطة حماس في قطاع غزة وهذا ما يجري بالنسبة للأموال القطرية والتركية،ويمكنها تشغيل بضعة آلاف من شباب غزة في بلدانها، وقد تعمل لاحقا على تمكين السلطة القائمة في قطاع غزة من نصيب من النفط والغاز المُكتشف في المياه الإقليمية للقطاع ،وكذا تشغيل المنطقة الاقتصادية للقطاع،مع تسهيلات اقتصادية إسرائيلية والسماح بدخول عدة ألاف من عمال غزة لإسرائيل .
في اعتقادي إن كل الجهود الخارجية لتكريس الانقسام وصناعة دولة غزة لن يكون لها قيمة أو فرصة للنجاح لو توفرت إرادة حقيقية عند حركة فتح وحركة حماس بالوحدة الوطنية وإفشال مشروع التقسيم ، ولكن ما يجعل السيناريوهات والاحتمالات المُشار إليها أعلاه قابلة للتنفيذ هو تواطؤ نخب نافذة في فتح وحماس ورغبتها في تكريس الفصل ، ومع ذلك ما زال في الإمكان تدارك الأمر وقطع الطريق على مخطط دولة غزة من خلال تحالف وطني للشرفاء في جميع الفصائل الفلسطينية بما فيها حركتي حماس والجهاد .


الفصل التاسع
بالوحدة الوطنية نواجه مخطط الانقسام ودولة غزة
أية محاولة لوضع برنامج وطني استراتيجي للمرحلة القادمة يجب أن تؤَسَس وتنطلق من تجاوز الوضع الراهن الذي نبحث عن بديل له ، أو نسعى لتصحيحه . فأن تُجمع القوى السياسية وكل فئات الشعب على الحاجة لإستراتيجية وطنية أو برنامج وطني جديد فذلك يتضمن حُكَما الاعتراف بأن ما هو موجود مرفوض أو على الاقل لا يلبي الحد الأدنى من متطلبات استنهاض الحالة الوطنية ومواجهة تحديات المرحلة ،أيضا اعتراف بوجود خلل في الاتفاقات الموقعة حول المصالحة ،وإلا ما سبب بقائها حبيسة النصوص ولم يتم تنفيذها بالرغم من مرور سنوات على توقيعها ؟ . لذا فالبرنامج الوطني الاستراتيجي المنشود يفترض أن يتجاوز ما هو قائم ،إن لم يكن بمعنى القطيعة وهو أمر صعب لاعتبارات متعددة ،فتجديدّ وجديدّ بما يستوعب بعض القديم من البرنامج/البرامج القائمة.
أسئلة كثيرة تتزاحم دون إجابات واضحة مثلا : لماذا لم يتم تنفيذ هذه الاتفاقات والتفاهمات ؟ هل الخلل في الفلسطينيين أنفسهم وخصوصا في القوى السياسية الموقِعة على هذه الاتفاقات ؟ أم في شروط موضوعية خارجية أكبر من إرادة الفلسطينيين بالمصالحة ؟ أيضا يمكن التساؤل هل ما زالت هذه الاتفاقات صالحة للتطبيق أم تحتاج لإعادة نظر في بعض بنودها على الأقل بفعل سرعة الاحداث خلال الأعوام الأربعة الماضية 2011-2015 ؟ .
الحلقة المفقودة في المشهد السياسي الفلسطيني هو غياب البرنامج الوطني الاستراتيجي ،برنامج لا يغرق بالمشاكل الآنية بل يتعامل مع جذورها ومسبباتها الحقيقية ، وهو في ذلك يشبه الدستور الذي يهتم بالمبادئ الاساسية للدولة ويترك التفاصيل للقوانين المُنَظِمة لها .الانتخابات ومواعيدها والمحاصصة وتنظيم الأجهزة الأمنية ليست جوهر المشكل ،حتى تشكيل حكومة توافقية ليس هو الحل.
إن استمرت مكونات النظام السياسي تتعامل مع الأزمة وكأنها أزمة خلاف بين فتح وحماس على الانتخابات والحكومة والأجهزة الأمنية والمحاصصة الوظيفية الحكومية ...فستبقى المعالجات في إطار التسوية واتفاقات أوسلو أو لإدارة الانقسام ،حتى وإن صرحت القوى السياسية غير ذلك.البرنامج الوطني الاستراتيجي المطلوب يتطلب التعامل مع القضية كقضية شعب قوامه أكثر من اثني عشر مليون فلسطيني في الداخل وفي الشتات، دون تجاهل الأوضاع في غزة والضفة كرفع الحصار عن قطاع غزة ومواجهة الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس.
ما سنتطرق إليه في إسهامنا هذا يستلهم ويوظف نتائج عشرات جولات الحوار الوطني والتي تم حوصلة نتائجها في وثيقة الوفاق الوطني في القاهرة 2011 ،إعلان الدوحة فبراير 2012 ،و تفاهمات مخيم الشاطئ أبريل 2014 ، أيضا عديد المؤتمرات والندوات و ورشات العمل التي نظمها مركز مسارات ومبادرة إدارة الأزمات الفنلندية ، وكلها تقريبا اعتمدت واستلهمت المبادئ الاساسية للمصالحة كما نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني مايو 2006 .



المبحث الاول
وحدة وطنية وليس مصالحة طرفي الانقسام

نعلم أنه بعد ثمان سنوات على الانقسام فإن أي حديث عن المصالحة أصبح فاقدا المصداقية وممجوجا عند الجمهور الفلسطيني ،ليس لأن الشعب لا يريد المصالحة بل بسبب التقزيم والتشويه لمطلب واستحقاقات الوحدة الوطنية واختزالها بمصالحة بين فتح وحماس وبالخلاف حول السلطة والحكومة ومنافعهما ،ولأن كثرة استعمال الكلمة وتكرارها على لسان السياسيين لا يقابلها مخرجات تصالحية على أرض الواقع . إلا أن ما يجري في القدس والأقصى من ممارسات صهيونية وردود الفعل الفلسطينية والعربية ،الرسمية والشعبية ، الباهتة والمُخجلة ،إن كان يكشف بؤس النخب السياسية وما وصلت إليه الحالة الفلسطينية الرسمية والشعبية من ترد ، إلا أنه يؤكد على ضرورة وأهمية الوحدة الوطنية.
ما أن يسمع المواطن اليوم مصطلح المصالحة حتى يستحضر الانقسام ومصالحة حركة فتح وحركة حماس وإنهاء الخلافات بينهما في قضايا السلطة والحكومة وحول ما جرى يوم 14 يونيو 2007 وما بعد . ضمن نفس المفهوم والسياق فأن الحوارات الأساسية للمصالحة كانت تجري غالبا بين فتح وحماس ،وإن كانت في بداياتها تتطرق لقضايا استراتيجية كالانضمام لمنظمة التحرير والتسوية والدولة وإنهاء الانقسام ، إلا أنها اخيرا باتت تنشغل بقضايا فرعية كالرواتب والمعابر ،وسيطرت عليها المهاترات والمناكفات السياسية .أما فصائل العمل الوطني ، سواء من كان منها منضويا في منظمة التحرير كالجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحزب الشعب الخ ، أو خارجها كالجهاد الإسلامي ،فإما مُغيبة أو ليست مكوِّنا اساسيا في هذه الحوارات والاتفاقات الموقعة ، لذا نسمع هذه الاطراف تتحدث عن طرفي الانقسام – وتقصد فتح وحماس- وكأنها خارج معادلة الانقسام وخارج معادلة المصالحة أيضا .
لنتصور أن محاولات المصالحة الجارية وصلت لطريق مسدود والتسوية مع الاحتلال وصلت أيضا لطريق مسدود – إن لم تكونا وصلتا بالفعل- ،فهل ستنتهي القضية الوطنية ويستسلم الفلسطينيون للأمر الواقع،واقع الاحتلال وواقع الانقسام ؟ أم يحتاج الأمر لتفكير وطني استراتيجي يعلو ويسمو على السلطة والحكومة والخلافات حولهما ،ووضع استراتيجية عمل وطني شمولية ،استراتيجية لشعب قوامه أكثر من اثني عشر مليون نسمه ،ويضرب بجذوره إلى أكثر من أربعة آلاف عام .
نخب نافذة في كل الأطراف السياسية – منظمة التحرير بكل فصائلها وحماس والجهاد الإسلامي والسلطة الوطنية - باتت تخفي عجزها وفشلها وفسادها من خلال حديثها عن المصالحة وتحميل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية الانقسام وفشل المصالحة .وفي نفس الوقت تعمل بالسر على تمرير مشاريع والدخول في تفاهمات مشبوهة مع إسرائيل وأطراف خارجية ،لتثبيت مواقعها السلطوية والحفاظ على مصالحها وبعضها على مجرد بقائها في المشهد السياسي.
بعد كل ما جرى ويجري من مهازل ومهاترات تحت عنوان حوارات واتفاقات المصالحة ، وفي ظل ما تتعرض له القدس والأقصى من مخاطر تهويد حقيقية يجب الانتقال من مفهوم المصالحة بمفرداتها وعناصرها التي تم الاشتغال عليها خلال السنوات اللاحقة للانقسام إلى مفهوم وإستراتيجية الوحدة الوطنية أو المصالحة الحقيقية كعمل استراتيجي يسمو على الأحزاب السياسية وبرامجها وارتباطاتها الخارجية ، كما تسمو على تدبير الشؤون اليومية للمواطنين وتداعيات ما بعد 14 يونيو 2007 دون تجاهلها كليا لتتصدى لمواجهة الاحتلال .
الانتقال من المصالحة إلى الوحدة والوطنية ليس إبدال كلمات بأخرى للدلالة على المضمون نفسه،بل تحول استراتيجي جوهري في الرؤية الاستراتيجية بأبعادها المكانية والمجتمعية والزمانية ،وفي اولويات العمل الوطني ، وفي الأشخاص أو الاطراف القائمين على كل منهما.
استراتيجية الوحدة الوطنية ليست فقط مصالحة بين فتح وحماس،ولا تتوقف عند الانقسام وتداعياته ،بل مصالحة سياسية واجتماعية وثقافية بين كل مكونات الشعب الفلسطيني ،مصالحة تبحث في جذور الانقسام وأسبابه العميقة وأطرافه المحلية والخارجية ، وتعالج الانقسام في سياق مراجعة استراتيجية لمجمل الوضع العام بما يجعل النظام السياسي موحدا وفي مستوى مواجهة المخاطر الاستراتيجية التي يشكلها الاحتلال وممارساته . أيضا إذا المصالحة تهتم بتوزيع مغانم السلطة والمناصب الحكومية لذا تسيطر عليها الاهتمامات الآنية وتغيب عنها الرؤى المستقبلية ، فإن الوحدة الوطنية تقوم على شراكة الدم والوطن والبناء للمستقبل .
مصالحة حركتي فتح وحماس حتى وإن تحققت لن تؤدي بالضرورة لتحقيق الوحدة الوطنية و حتمية إنهاء الانقسام والفصل بين غزة والضفة ، ليس بسبب الاشتراطات الخارجية فقط بل بسبب التباس الخارطة السياسية الفلسطينية الداخلية . فهل المشكلة مع فتح فقط أم مع منظمة التحرير الفلسطينية بكل فصائلها ؟ وعلى المستويين فإن حركة فتح ضعيفة وشبه منقسمة ، وحال منظمة التحرير ليس بالأفضل ،حتى إن اختزلنا الانقسام بخلاف حركة حماس مع فتح فإن تنظيم حركة فتح ضعيف ويعاني من تصدعات عميقة وبات مهمشا على مستوى القرار الاستراتيجي. وفي المعسكر الثاني إن كانت حركة حماس هي من قام بالانقلاب وهي قوة أساسية عسكريا وشعبيا كما انها المسيطرة على قطاع غزة ، إلا أن قوى اخرى في نفس المعسكر ،كحركة الجهاد الإسلامي والجماعات السلفية وحزب التحرير وداعش ،لا تتفق مع حركة حماس في سياساتها ونهجها ، لذا فمصالحة بين فتح وحماس إن كان يخفف الاحتقان ويُقرب المواقف ويُفكك بعض القضايا العالقة إلا أنه لن يحقق الوحدة الوطنية .
إن أية ممارسة سياسية ،بما في ذلك حوارات المصالحة، خارج إطار استراتيجية وحدة وطنية تصبح نوعا من العبث والتهريج أو مجرد إدارة يومية فاشلة لشؤون الناس وللازمات السياسية دون إمكانية تحقيق أي منجز وطني . الوحدة الوطنية تؤسَس على الإيمان بالعقيدة والهوية والثقافة والدولة الوطنية التي تعلو وتسمو على برامج الاحزاب والحسابات الآنية لسلطة وحكومة في ظل الاحتلال ،وتُخضع كل العلاقات والتحالفات الخارجية للمصلحة الوطنية . الوحدة الوطنية تحتاج لرجال وقادة حقيقيين وليس لمهرجين ومناكفين ضيِّقي الأفق يوظفون قضية كبيرة كالمصالحة لتحقيق مصالح وحسابات صغيرة . فهل يُعقل مثلا أن تتعثر المصالحة ويصبح مصير الشعب والقضية الوطنية في مهب الريح بسبب رواتب موظفي حماس ؟ وهل يُعقل أن يصبح الاهتمام بالحكومة والسلطة والرواتب الخ أكثر أهمية وسابق في الأولوية على التوافق على استراتيجية وطنية لمواجهة الاحتلال وخصوصا ممارساته في القدس والمسجد الاقصى ؟!.
الوحدة الوطنية أو المصالحة الوطنية الحقيقية تحتاج لمراجعات استراتيجية وتراجع عن خطوات وإجراءات اتخذتها أطراف الانقسام خلال السنوات الماضية ، كما تحتاج لمصالحات تمهد لها ، مصالحة داخل البيت الوطني ،داخل حركة فتح وداخل منظمة التحرير ، ومصالحة داخل بيت جماعات الإسلام السياسي ، ولا نقصد بالمصالحة هنا ذوبان الأجزاء في الكل أو تخلى هذه القوى عن خصوصياتها وأيديولوجياتها ،بل التوصل لقواسم مشتركة حول إدارة الشأن الوطني العام ومرتكزات المشروع الوطني كمشروع نقيض للمشروع الصهيوني .
بالإضافة إلى الشرط السابق والذي بالرغم من ضرورته إلا أنه قد يبدو للبعض وكأننا نضع مزيدا من العقبات امام المصالحة ، وحتى نكون واقعيين ، ولأنه لا يبدو في الأفق القريب إمكانية ظهور قوى أو نخب وطنية جديدة ، وحتى لا نعود لنقطة الصفر ،يمكن الانطلاق مما تم الاتفاق في اتفاق المصالحة وهو (الإطار القيادي المؤقت) . ولكن وحيث إن هذا الإطار تم تشكيله بسرعة وتحت ضغط حالة عربية طارئة ،لذا وُلِدَ معيبا وفيه الكثير من العوار ، بل هناك خلاف على مسماه ،والصحيح إنه لجنة مكلفة بالبحث في ملف منظمة التحرير . لذا فالأمر يحتاج لإعادة النظر في هذا الإطار ليس من حيث الفكرة بل من حيث مكوناته ووظيفته .
الدعوة لدورة عادية للمجلس الوطني الفلسطيني بعد خطاب الرئيس أبو مازن في الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 سبتمبر 2015 فرصة للخروج من بؤس حوارات المصالحة كما كانت سابقا إلى رحاب العمل الوطني الاستراتيجي لوحدة وطنية حقيقية . إنه من المخجل أن يطالب الفلسطينيون من الدول العربية والإسلامية عقد قمة عاجلة لبحث ما يجري في القدس واتخاذ قرارات في مستوى الحدث ، بينما لم يتم التداعي لقمة فلسطينية لبحث المخاطر التي تتعرض لها القدس والمقدسات ؟ فهل ننتظر من العرب والمسلمين أن يكونوا فلسطينيين أكثر من الفلسطينيين أنفسهم ؟ وان تكون غيرتهم على القدس وفلسطين أكثر من غيرة الفلسطينيين أنفسهم ؟ .

المبحث الثاني
المصالحة والانقسام والتسوية السياسية
لأن المصالحة ليست شأنا خاصا بالأحزاب فقط، وليست شأنا قطريا أو مصريا أو تركيا، بل قضية مصيرية لشعبنا، فإن تعثر أو فشل حوارات الفصائل حول المصالحة والوحدة الوطنية لا يعني طي صفحة المصالحة والتسليم بالأمر الواقع . المصالحة التي تجسد الوحدة الوطنية ضرورة ومصلحة وطنية مصيرية عليها يتعلق مصير الشعب والقضية برمتها، لأنه بدونها لن ينجح لا مشروع سلام فلسطيني ولا مشروع مقاومة، وبالتالي يجب أن لن تبقى مسألة المصالحة والوحدة الوطنية أسيرة حوارات الأحزاب ورغباتها .
من هذا المنطلق لن نتوقف عن الحديث والكتابة حول المصالحة والوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام حيث لا قيمة أو جدوى أو أمل في أي عمل عسكري جهادي أو سياسي دبلوماسي أو بناء مؤسسات دولة أو في حياة كريمة للمواطنين الخ في ظل الانقسام وغياب المصالحة والوحدة الوطنية وعدم التوصل لإستراتيجية وطنية تقوم على الشراكة السياسية للجميع.
طوال تسع سنوات كابرت وعاندت كل القوى السياسية، وخصوصا حركة حماس، مديرة الظهر للمصالحة والوحدة الوطنية ، وكان كل طرف يراهن أن ينجح ويتقدم مشروعه السياسي أو الجهادي مما يضعه في موقع القوة لإنهاء أو إخضاع مشروع الطرف الثاني، أو أن تأتي متغيرات إقليمية ودولية تنهي مشروع الطرف الثاني . إلا أن إسرائيل الصانعة الأولى للانقسام والمؤمِنة لاستمراره بالإضافة إلى تطور الأحداث الإقليمية والدولية أفشل كل المراهنات. فلا مشروع حل الدولتين أثمر دولة، ولا مشروع المقاومة ألحق بإسرائيل خسائر تجبرها على تغيير مواقفها وسياساتها أو الاستسلام لحركة حماس ومشروعها .
كانت سنوات الانقسام فرصة ثمينة لإسرائيل لتستكمل مشروعها الاستيطاني التوسعي وجعل إمكانية قيام الدولة في الضفة وغزة أكثر صعوبة، كما أن مفاعيل الانقسام امتدت للمجتمع والثقافة والهوية والتعليم، وتحوَّلت مناطق السلطة في غزة والضفة إلى ما يشبه الإقطاعيات يحكمها مبدأ (كل مَن في إيده له) ليس فقط ما بين الضفة وغزة بل وداخل كل منهما، حيث كل حزب أو مسئول على رأس مؤسسة يتصرف كما يحلو له دون خوف من محاسبة أو عقاب ودون مرجعية ناظمة. كما أن الانقسام منح مبررا إضافيا للدول العربية والإسلامية للتهرب من التزاماتها الأخلاقية والقانونية والسياسية تجاه الشعب الفلسطيني .
بعد تسع سنوات تتزايد القناعة لدى غالبية الأطراف الفلسطينية من القاعدة إلى القمة بضرورة المصالحة وأهمية الوحدة الوطنية . صحيح توجد جماعات مصالح مستفيدة من الانقسام إلا أن هذه الجماعات باتت مكشوفة ومكروهة ويشتد الخناق عليها سواء من الشعب الذي يزداد غضبه وقد يصل لمرحلة الانفجار أو من القيادات الوطنية الحريصة على المصلحة الوطنية والتي لا تقبل أن تضحى بالمصلحة الوطنية وبتاريخها الوطني تحت رِهاب جماعات فاسدة ومشبوهة أو خضوعا لأجندات خارجية . وصحيح أيضا أنه توجد الشروط والعقبات الإسرائيلية والشروط والمتطلبات المصرية ، إلا أن الشرط الوطني هو الأساس إن لم يكن لإنهاء الانقسام السياسي والجغرافي فعلى الأقل لتهيئة الظروف لذلك، و تخفيف حدة الاحتقان ومنع الانزلاق نحو مزيد من الانقسام والتدهور.
تصريحات بعض الناطقين الإعلاميين الفلسطينيين وبعض القادة حول المصالحة وإنهاء الانقسام أصبحت أقرب للجدل البيزنطي أو السفسطائية من حيث المناكفات و الاهتمام بالكلام والشعارات وتوليد الأفكار من الأفكار والرد على المقترح بالمقترح ... دون كثير اهتمام بالوقائع على الأرض سواء هموم الناس ومعاناتهم أو تواصل الاستيطان الصهيوني أو المتغيرات العربية والدولية وتأثيراتها على قضيتنا الوطنية .
آخر مستجدات هذه السفسطائية، الجدل حول علاقة المصالحة بإنهاء الانقسام والشراكة السياسية، وما إن كان يجب البدء بالمصالحة وإنهاء الانقسام الحكومي والمؤسساتي ؟ أم البدء بالشراكة في منظمة التحرير؟ وما إن كانت المصالحة تعني إنهاء حالة الفصل ما بين الضفة وغزة؟ أم هناك مصالحة مع استمرار انفصال غزة عن الضفة؟. أيضا الجدل حول العلاقة بين المصالحة والتسوية السياسية .
من المؤكد أن المصالحة وإنهاء الانقسام والتسوية أمور مترابطة مع بعضها، كما ندرك تعقيد الملفات وصعوبتها وكثرة اللاعبين فيها من خارج الساحة الفلسطينية. كما أن جزءا من هذا الجدل يعكس عدم جدية في الخروج من مربع الانقسام، و حالة عجز عن مواجهة حقيقة ترابط هذه الأمور مع بعضها ، كما يعكس وجود خلافات بشأن المصالحة داخل حركة حماس ما بين الداخل والخارج وفي الداخل ما بين العسكريين وبعض السياسيين، أيضا في منظمة التحرير بل وفي حركة فتح نفسها .
يبدو أيضا أن انعدام الثقة ما زال حاضرا عند الطرفين وما زال كل طرف يراهن على مشروعه الخاص وعلى متغيرات تجعله أكثر قوة في مواجهة خصمه السياسي . وهذا ما يتجلى مثلا في التصريحات الصادرة قبل أيام عن السيد إسماعيل هنية رئيس وزراء لحكومة الحمساوية المقالة . ففيما الحوارات تجري في الدوحة لتنفيذ اتفاق المصالحة، يعلن السيد إسماعيل هنية عن حصول تقدم في المفاوضات التي تجريها تركيا نيابة عن حركة حماس مع إسرائيل لفتح ميناء غزة ويتحدث عن القدرات العسكرية لحركة حماس، وقوله أيضا بأن المصالحة لا تعني إنهاء الانقسام، بمعنى أن المصالحة لن تنهي من وجهة نظره سيطرة حماس على قطاع غزة !وفي ظني أن هذه رسالة من حماس الداخل تعبر فيها عن عدم رضاها عما يجري في الدوحة .
حتى نكون أكثر وضوحا وصراحة نقول بأن المصالحة الوطنية الفلسطينية في ظل المعطيات والمواقف والتحالفات الراهنة لن تؤدي لنهاية الانقسام – إن كان المقصود بإنهاء الانقسام إعادة توحيد الضفة وغزة في إطار حكومة وسلطة واحدة والتواصل ما بين غزة والضفة- بل هي عامل مساعد وضروري لتحقيق ذلك . إنهاء الانقسام بمعنى إعادة توحيد غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة مرتبط بالتسوية السياسية ومرتهن بها بنفس درجة ارتباطه بالمصالحة الفلسطينية.
وحدة غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة ليس معطى تاريخي أو أمرا كان واقعا نتيجة إنجاز أو أرادة فلسطينية خالصة حتى نستعيدها بإرادتنا واتفاقنا مع بعضنا البعض .فلم يسبق أن كانت دولة في غزة والضفة ، أو كانت غزة والضفة متحدتان ومتواصلتان إلا في ظل الاحتلال . مشروع التسوية هو الذي أقام السلطة والحكومة عام 1994 ، والسلطة منبثقة من اتفاق أوسلو والحكومة حكومة سلطة أوسلو ، هذه هي الحقيقة ، أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا. وبالتالي فالمصالحة التي تُعيد توحيد غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة لن تتحقق بدون تحريك ملف التسوية السياسية والالتزام بالاتفاقات الموقعة ، إلا إذا امتلكنا القوة لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الضفة وغزة .
توحيد السلطة والحكومة في غزة والضفة في ظل موازين القوى الراهنة وفي ظل المشهد العربي والإقليمي لن يكون إلا في إطار مشروع التسوية. لذا فالمصالحة الفلسطينية في هذا السياق لم تعد شأنا فلسطينيا خالصا بل جزءا من عملية التسوية وجزءا من عملية إعادة ترسيم خريطة الشرق الأوسط الجديد.
لذا لا نتصور أن يتم الآن إنجاز مصالحة فلسطينية بعيدا عن الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة وعن تفاهم وتوافق ما بين مصر وقطر وتركيا وإسرائيل. ما نخشاه أن المصالحة الفلسطينية القادمة ستكون تحت رعاية أمريكية وكجزء من التسوية الأمريكية .
ولكن يوجد شكل آخر من المصالحة والوحدة الوطنية الحقيقية ، مصالحة ليس على قاعدة الصراع على سلطة وحكومة ورواتب في ظل الاحتلال ، بل على قاعدة المصلحة الوطنية العليا واستقلالية القرار الوطني عن أي أجندات خارجية. مصالحة توفِق ما بين العمل السياسي والدبلوماسي وما تم إنجازه في هذا السياق من جهة ، و توحيد الجهود الوطنية ميدانيا بطريقة عقلانية ومحسوبة للحفاظ على درجة من الاشتباك مع الاحتلال ، والانتفاضة أو الهبة الراهنة فرصة يمكن البناء عليها في هذا السياق .
بديل ذلك استمرار الأمور على حالها من حيث وجود سلطة وحكومة في الضفة لها شرعية وطنية نظريا على الكل الفلسطيني وواقعيا على الضفة أو بعضها ، وسلطة وحكومة لحركة حماس في قطاع غزة المحَاصَر مع هدنة أو حالة ألا حرب وألا سلم ، انتظارا للمجهول القادم .



المبحث الثالث
مصالحة استراتيجية لإنهاء الانقسام
طوال سنوات الانقسام انشغل الجميع بالحكومة والمحاصصة بل وبالرواتب والمعابر ومشكلة الكهرباء وكلها قضايا تُبقي الجميع في دائرة حسابات البرنامج السياسي وسلطة الحكم الذاتي واتفاقية أوسلو أو إدارة الانقسام ، وقليل من جلسات الحوار كانت ذات صلة بالحوار الاستراتيجي حول البرنامج الوطني ، وفي كثير من الأحيان كانت الاطراف المتحاورة تقدم تنازلات شكلية وتتوافق على صياغات مبهمة وغير جادة حول عناصر البرنامج الوطني – المقاومة والدولة والشرعية الدولية – لتُجني مكاسب ولو شكلية فيما يتعلق بالسلطة والحكومة ومنافعهما ، أو لكسب الوقت حتى تنضج شروط نجاح المشروع الخاص لكل منهم ، أو في مراهنة أن تطورات الأحداث الداخلية والإقليمية قد تُضعف الطرف الثاني أو تلغيه من ساحة العمل الوطني .
كانت السلطة والحكومة ومنافعهما تحوم على رؤوس المتحاورين ، كما كانت برامج المشاريع والأجندة الخارجية حاضرة بالنسبة للطرفين ، أما البرنامج الوطني الاستراتيجي الذي يؤسَس على استقلالية القرار الوطني وعلى التفكير خارج الصندوق – اتفاق أوسلو واستحقاقاته ،والسلطة ومنافعها – فقليلا ما كان يشغل تفكير المتحاورين .
البرنامج الوطني برنامج استراتيجي أو يعبر عن رؤية استراتيجية للقضية الفلسطينية .والإستراتيجية رؤية وتخطيط ومنهج في العمل تحيط بكل المصالح الوطنية وما يهددها من مخاطر ،تربط الحاضر بالماضي وتستشرف المستقبل ،تنطلق من رؤية علمية للواقع بكل مكوناته وتشابكاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية ،محليا ودوليا ،إنها فن التوفيق بين الإمكانات الوطنية بكل مكوناتها من جانب والأهداف من جانب آخر . هذه الاستراتيجية هي الأساس الذي تقوم عليه سياسات الدول والكيانات السياسية العقلانية . الاستراتيجية تؤسَس على المصلحة الوطنية العليا أو ثوابت الأمة التي هي محل توافق وطني ولا تخضع لألاعيب السياسيين ومناوراتهم .
وضع برنامج وطني استراتيجي يرتبط ارتباطا وثيقا بوجود مؤسسة قيادة جامعة وفاعلة ،وما يميز القيادة كمؤسسة عن رجال السياسة والزعماء العابرين أو المتطفلين على الشأن السياسي ، أنه في الأولى يتم الاشتغال في إطار رؤية استراتيجية للمصالح القومية العليا ،فيما الآخرون يشتغلون ضمن رؤية ضيقة ترتبط بالمصالح الشخصية والحزبية الضيقة وهدفهم السلطة ومنافعها ،الأولون يعتبرون أن السلطة أداة لتحقيق مصالح الأمة فيما الآخرون يعتبرون السلطة هدفا بحد ذاته وقد يضحون بمصالح الأمة من أجل السلطة وما تدره عليهم من منافع .أية ممارسة سياسية بدون برنامج وطني تصبح نوعا من العبث والتهريج أو مجرد إدارة يومية لشؤون الناس وللازمات السياسية دون إمكانية للانتقال من إدارة الأزمة إلى حلها .
الشعوب الخاضعة للاحتلال وحركاتها التحررية أحوج ما تكون لبرنامج وطني استراتيجي لمواجهة الاحتلال . أهم مكونات البرنامج الوطني الاستراتيجي لحركات التحرر الوطني هو توافق اغالبية الشعب والكيانات السياسية على الأهداف الوطنية وعلى الوسائل أو الأدوات التي تضمن تحقيقها ،ودائما يرتبط نجاح أو فشل البرنامج الوطني ليس باختلال موازين القوى مع العدو بل بمدى وجود مؤسسة قيادة قادرة على تعبئة الشعب وحشده حول برنامجها الوطني ، وفي وجود وحدة وطنية.
في الحالة الفلسطينية الراهنة يبرز غياب البرنامج الوطني الاستراتيجي من خلال غياب التوافق على الأهداف العليا أو الثوابت ،والاختلاف حول الوسائل ،والاختلاف في تحديد معسكر الأصدقاء ومعسكر الأعداء .هذا الغياب أدى لفشل معمم على كافة الأصعدة ،وأدى لحالة تيه سياسي تتخبط فيه كل مكونات النظام السياسي وخصوصا بعد انقلاب حركة حماس على منظمة التحرير والسلطة في يونيو 2007 وفصل غزة عن الضفة , لذا فإن حالة الفشل والشلل التي تصيب القضية الفلسطينية ليست قدرا من السماء ولا تعود لإسرائيل فقط ،فالقدر محايد في الشؤون السياسية،وإسرائيل وإن كانت عدوا قويا إلا أن حركة التحرر الفلسطينية ما وجدت إلا لمواجهته وليس تبرير عجزها بوجوده.
الخلل يعود لغياب استراتيجية فلسطينية مُصاغة في برنامج وطني توافقي ،سواء لمرحلة التحرر الوطني وملتزم بمقتضياتها ،أو لمرحلة بناء الدولة ويلتزم باستحقاقاتها،أو الجمع بين المرحلتين . في ظل التباعد الزمني ما بين مرحلة التحرر الوطني التي قامت على أساسها الحركة الوطنية الفلسطينية منتصف ستينيات القرن الماضي والواقع الراهن بما دهمته من متغيرات عربية ودولية وفلسطينية وعلى رأسها الانقسام ،وفي ظل تعدد الاستراتيجيات الإقليمية والدولية المتصارعة حول المنطقة العربية وفي جوهرها القضية الفلسطينية ، فالأمر يتطلب برنامج وطني استراتيجي متعددة المسارات ،لا يقطع مع مرحلة التحرر الوطني ولكن في نفس الوقت ينفتح على مسارات جديدة للعمل السياسي .
إن كان يجوز القول بأن الاختلاف على الأهداف ووسائل تحقيقها أمر محايث للحركة الوطنية الفلسطينية منذ سنواتها الأولى نظرا لخصوصية القضية الوطنية من حيث أبعادها التاريخية والدينية وتداخلها مع قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي ، حيث لم تستقر منظمة التحرير على برنامجها الوطني الأول سوى سنوات قلائل ،إلا أن اختلافات تلك الحقبة كانت في بيئة عربية ودولية تسمح بشكل من الاستراتيجية الواحدة التي تسمح بالتعايش بين القوى المختلفة داخل منظمة التحرير،كما أن عدم وجود سلطة ومغانم سلطة آنذاك كان يحد من إمكانية تصعيد الخلافات إلى درجة الاقتتال الدموي.
بعيدا عن الشعارات الكبيرة والأيديولوجيات المخادعة والوعود البراقة فإن العمل السياسي الفلسطيني ومنذ التعاطي مع عملية التسوية السياسية يشتغل بدون برنامج وطني واضح المعالم ، الأمر الذي أدى إلى حالة التيه السياسي المعممة ،من المواطن العادي حتى المسئول والقيادي ،من السلطة وفصائل منظمة التحرير إلى حركة حماس ، وأصبحت البوصلة السياسية بلا اتجاه عند الجميع ولم يعد بالإمكان إخفاء الحقيقة ،وخصوصا بعد انقلاب حماس على السلطة ومنظمة التحرير في يونيو 2007 .
حالة التيه نلمسها عند السلطة ومنظمة التحرير بكل فصائلها ، من خلال حالة الحيرة والتخبط ما بين العودة للمفاوضات على أساس الاتفاقات الموقعة أو تغيير مسار العملية السلمية بما يتوافق مع مستجد الاعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة ،ونلمسها في التضارب ما بين الحديث عن مقاومة شعبية وانتفاضة ثالثة من جانب ،والخشية من أن تؤدي الانتفاضة إلى فقدان السيطرة في الضفة أو توظيف حركة حماس للانتفاضة للانقضاض على السلطة من جانب آخر،ونلمسه في التضارب ما بين الرغبة في مصالحة تعيد الاعتبار للشعب الفلسطيني وللمشروع الوطني من جهة ،والخشية من مصالحة قد تثير عليها إسرائيل وواشنطن من جهة أخرى.

مرتكزات البرنامج الوطني الاستراتيجي
من حيث المبدأ فالبرنامج المنشودة يجب أن يكون لحركة تحرر وطني ما دامت كل فلسطين تحت الاحتلال وما دامت إسرائيل ترفض حق الشعب الفلسطيني في الحرية والاستقلال ،برنامج تحرر وطني لا يقطع مع كل الوسائل السلمية ومع الشرعية الدولية بغية تحقيق أهدافه .هذه البرنامج يجب أن يُحسم من خلال التوافق في الأمور الخمسة التالية التي تشكل مرتكزات أي برنامج وطني :
1) الهدف
الهدف الاستراتيجي هو الإجابة عن : ماذا يريد الفلسطينيون ؟ أو كيف يرون حقوقهم المشروعة ؟ أو ما هو الحق الذي يناضلون من اجله؟.هل يريدون تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر؟أم دولة في غزة والضفة بما فيها القدس ؟ أم دولة ثنائية القومية على كامل فلسطين الانتدابية ؟ أم دولة غزة ؟ أم دولة غزة الموسعة لتشمل أجزاء من سيناء مقابل التخلي عن الضفة والقدس ؟ أم دولة مؤقتة على جزء من الضفة وقطاع غزة ؟ أم تقاسم وظيفي ما بين أجزاء من الضفة والأردن وإسرائيل ؟ أم اتحاد كونفدرالي ما بين غزة وأجزاء من الضفة وربما الأردن أيضا ؟ أم الأردن وطن للفلسطينيين - ؟ وهل يقبل الفلسطينيون مبدأ تبادل الأراضي ؟ هل يريد الفلسطينيون القدس الشرقية عاصمة للدولة الفلسطينية المستقلة ؟ أم يريدونها عاصمة لدولتين ؟ هل يريد الفلسطينيون عودة كل اللاجئين إلى قراهم ومدنهم الأصلية ؟ أم عودتهم لمناطق السلطة ؟ أم حل عادل متفق عليه ؟.
البرنامج الوطني يجب أن يجيب عن هذه التساؤلات بدلا من البقاء في حالة تردد وتوظيف خطاب أيديولوجي شعاراتي وعاطفي وانفعالي وساذج ومستفز لا يتناسب مع الممكنات الحقيقية للفلسطينيين ولا تناسب مع المتغيرات التي يشهدها العالم. ليس من مصلحة القيادة الفلسطينية التي تتعامل مع القضية دوليا ترك الهدف مفتوحا حسب التطورات وموازين القوى بحيث يتم الانتقال من هدف لآخر اعتمادا على موازين قوى إقليمية ودولية ليسوا طرفا أصيلا فيها ؟. الهدف الوطني يجب أن يميز بين ما نريده كفلسطينيين ، وما تريده أطراف عربية وإقليمية توظف القضية الفلسطينية لخدمة أجندتها الخاصة،لأن البرنامج الوطني لن يكون وطنيا إلا تحت راية الوطنية الفلسطينية :قيادة وهوية وانتماء .
2 ) وسائل وآليات تحقيق الهدف
الاختلاف حول الهدف أثَّر سلبا على وسائل وأدوات العمل ،بحيث باتت الوسائل تتكيف وتتحدد في كل مرحلة حسب الهدف المُعلن أو المُضمر وحسب موازين القوى الداخلية وحسب المصلحة والارتباطات الخارجية لكل حزب وحركة. فهل المقاومة لوحدها تصلح لتحقيق الهدف ؟ أم التسوية السياسية ؟ وإن كانت مقاومة فهل المسلحة أم السلمية ؟ وإن كانت التسوية فهل من خلال التسوية الأمريكية واتفاقية أوسلو والمفاوضات المباشرة ؟ أم من خلال تسوية قرارات الشرعية الدولية كالقرار الأخير الذي يعترف بفلسطين دولة مراقب ؟ وهل اللجوء لمحكمة الجنايات الدولية هدف بحد ذاته أم مجرد اداة لخدمة هدف وإستراتيجية وطنية ؟.
المشكلة لا تكمن في المقاومة كما لا تكمن في التسوية السلمية من حيث المبدأ ، بل من الخطأ وضع تعارض ما بين المقاومة والسلام ،لأن المقاومة ليست قتالا من أجل القتال بل نضال من أجل الحق والسلام ،والمقاومة بدون رؤية سياسية وهدف سياسي قابل للتحقيق تصبح نوعا من العمل الانتحاري أو الارتزاق الثوري والجهادي.المشكلة تكمن في غياب التوافق الوطني حول برنامج محل توافق وطني ، فلا يجوز لحزب أو حركة – حماس والجهاد الإسلامي مثلا- أن تنهج نهج المقاومة المسلحة بما في ذلك العمليات الاستشهادية داخل إسرائيل فيما منظمة التحرير تعتمد خيار التسوية السياسية وتجلس على طاولة المفاوضات مع الإسرائيليين لتنفيذ اتفاقات موقعة !،كما لا يجوز لفصائل مقاومة أن تستمر في إطلاق صواريخ والقيام بعمليات عسكرية فيما تلتزم السلطة الرسمية بتهدئة مع إسرائيل،ولا يجوز لحركة حماس أن ترفض التهدئة وتستمر بإطلاق الصواريخ وهي خارج السلطة وعندما تصبح سلطة في غزة تعلن وقف إطلاق الصواريخ بل وقف المقاومة. هذا لا يعني رفض الجمع بين المقاومة والسلام بل رفض وجود استراتيجيات متعارضة بشأنهما،لو كانت المقاومة والمفاوضات تمارسان في إطار إستراتيجية وطنية وتحت رعاية قيادة وحدة وطنية لعضدت المقاومة من موقف المفاوض وأضفت المفاوضات شرعية على المقاومة .
3 ) المرجعية
المرجعية هي موئل الحق والهوية والثقافة،ومنها تُحدد الأهداف ووسائل العمل وهي التي تمنح هوية للمشروع الوطني الفلسطيني،هذه المرجعية إشكال أيضا،بسبب التداخل ما بين التاريخي والديني والسياسي والقانوني الدولي والوطني والقومي والإسلامي،وبسبب الشتات وخضوع أغلبية الشعب الفلسطيني لسلطات غير وطنية لكل منها أجندتها ورؤيتها الخاصة للصراع في المنطقة.عندما تغيب استقلالية القرار وتتداخل الهويات يصبح الحديث عن مرجعية وطنية ومشروع وطني وثوابت وطنية أمرا صعبا.هذا التداخل صاحب مسيرة المنظمة منذ تأسيسها كما أشرنا سابقا وهو تداخل ما زال مستمرا حتى اليوم مع تغير في ترتيب المرجعيات من حيث الأهمية وهو تغير ناتج عن تغير القوى إقليميا ودوليا ،حلت واشنطن والغرب محل المعسكر الاشتراكي ،وحلت المرجعية الإسلامية محل المرجعية القومية العربية وزادت المرجعية الوطنية وهنَّا وتراجعا.
المرجعية اليوم تحتاج لإبداع خلاق ما بين الوطنية والقومية والإسلام ،وما بين المرجعية التاريخية ومرجعية الشرعية الدولية،وما بين المرجعية الوطنية ومرجعية الأجندة الإقليمية.ولكن الاتفاق على المرجعية لن يكون من خلال الإطار القائم وهو منظمة التحرير الفلسطينية ، وقد يَصلُح (الإطار القيادي المؤقت) لهذه المهمة ولكن بعد إعادة النظر في مكوناته ووظيفته . وهذا ما سنتناوله لاحقا.
4 ) مؤسسة القيادة
من اهم مؤشرات أزمة أو غياب الاستراتيجية عدم وجود قيادة واحدة وممثل واحد للشعب الفلسطيني يتحدث نيابة عنهم ويتصرف باسمهم في كافة المحافل الدولية، وهي أزمة ظهرت بعد ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي من خارج منظمة التحرير . وجود عشرات القيادات والزعامات الحزبية لا يعني وجود مؤسسة قيادة ، كما ان التاريخ والدين لا يمنحا شرعية لأي قائد أو قيادة .
5 ) الثوابت
الثوابت كل ما هو محل توافق وطني،في حالة الاتفاق على العناصر الأربعة المشار إليها أعلاه تصبح ثوابت للأمة.داخل الثوابت يمكن للقوى والأحزاب السياسية أن تختلف ولكن لا يجوز لها أن تختلف حول الثوابت ما دام الشعب يعيش مرحلة التحرر الوطني.بعد إنجاز الهدف وقيام الدولة يمكن للقوى السياسية وللشعب بشكل عام أن يعيد صياغة بعض الثوابت من خلال التوافق أو من خلال الانتخابات والاستفتاء العام .

الخاتمة

إن لم يتم تدارك الأمر بالاتفاق على برنامج وطني كمرجعية لعمل النظام السياسي الفلسطيني في ظل المتغيرات العربية والدولية المفتوحة على كل الاحتمالات ، فستستمر القضية الفلسطينية في حالة تيه وسيسير النظام السياسي نحو مزيد من التفكك.حركة فتح ومنظمة التحرير لن تبقيا موحدتين وستسيران نحو مزيد من التآكل والتخبط وكذا الحال مع السلطة الوطنية التي ستتحول لجابي ضرائب ، أو تقدم و خدمات للمواطنين ، يُفترض أنها من مهام ومسؤولية دولة الاحتلال ، دون أي مضمون وطني تحرري . وحركة حماس ستشهد مزيدا من الانحسار وفقدان الشعبية والتحول إلى حكم شمولي استبدادي كلما توغلت في السلطة والحكم واستمرت ملتزمة بالتهدئة،وقد تشهد انقسامات داخلية وخصوصا بين تيار وطني وتيار أممي مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين وتيار سينحو نحو التطرف.بطبيعة الحال لن يكون مصير بقية القوى السياسية بالأفضل،وقد نشهد ظهور العديد من التيارات أو الأحزاب بمسميات المستقلين أو أية مسميات أخرى يقودها رجال أعمال ورجال دين ،إلا أن هذه القوى لن تشكل استنهاضا للحالة الوطنية بل ستزيد من التيه ومن فرص تدخل أطراف خارجية.
التخوفات الأكثر مأساوية ، فقدان ما تبقى من الضفة ، وقد نشهد قريبا دولنة لقطاع غزة تؤدي لحرب أهلية حول السلطة والحكم. إسرائيل لن تُمكِن الفلسطينيين من دولة ذات سيادة في الضفة الغربية ولو على جزء منها،ولذا فستعمل على خلق المناخ المناسب لفتنة وحرب أهلية في القطاع ،كما سبق وهيأت المناخ لـ (الانقلاب) الذي أقدمت عليه حركة حماس في يونيو 2007.حرب أهلية حول مَن يحكم قطاع غزة :حركة فتح أم حركة حماس ؟ وقد تشارك جماعات أخرى في هذه الحرب ، كما سيكون للعملاء دور مهم في هذه الفتنة .سكوت إسرائيل عن حكم حماس في قطاع غزة ليس قبولا نهائيا أو موقفا استراتيجيا وليس عجزا ، بل لهدف تكتيكي،وعندما تشعر إسرائيل بأنها حققت هدفها من الانقسام وسيطرت على الضفة سيطرة كاملة وأنهت وجود السلطة كسلطة وطنية حقيقية ، فستنقل إسرائيل المعركة لقطاع غزة،وهناك نخب من داخل ومن خارج حركة حماس تراودها شهوة حكم غزة بمعزل عن المشروع الوطني بل على حسابه وهي مستعدة للقتال والقتل دفاعا عن مصالحها وشهوتها في السلطة أو خدمة لأجندة خارجية.



الفهرس

مقدمة

الفصل الأول
مقاربة مفاهيمية للمشروع الوطني الفلسطيني وللانقسام

المبحث الأول:من الشتات والانقسام الجغرافي إلى الانقسام السياسي
المبحث الثاني :في مفهوم الانقسام وجذوره التاريخية (ديناميكيات الانقسام)

الفصل الثاني
الانقسام في إطار الصراع على سلطة في ظل الاحتلال

المبحث ا لأول : الانقسام الذي أوجدته اتفاقات أوسلو والسلطة
المبحث الثاني : الانقسام المُركب الذي أحدثته حركة حماس

الفصل الثالث
خطة الانسحاب من غزة تكشف المستور
المبحث الأول :غياب إستراتيجية فلسطينية لمواجهة خطة شارون المبحث الثاني :الانتخابات جزء من صناعة دولة غزة
المبحث الثالث :احتدام الخلافات والبحث عن مخارج

الفصل الرابع
حكومة حماس والبحث عن ذرائع للانقلاب على الشرعية

المبحث الأول :كل الحكومات الفلسطينية مستهدفة إسرائيليا
المبحث الثاني :تفاهمات مكة والبحث عن التعايش المستحيل

الفصل الخامس
المرحلة الثانية من صناعة دولة غزة

المبحث الأول :الاستنزاف والتدمير الذاتي
المبحث الثاني : حتى لا نكون شهود زور على مخطط تصفية المشروع الوطني

الفصل السادس
الحصار :المخاض العسير لولادة (إمارة) غزة

المبحث الأول :مشكلة غزة ليست إنسانية وغزة ليست المشكلة المبحث الثاني :رفع الحصار عن غزة ومستقبل المشروع الوطني
الفصل السابع
الربيع العربي يكشف مستور (انقلاب حماس)

المبحث الأول :الانقسام جزء من معادلة إقليمية جديدة
المبحث الثاني :المشروع الوطني كبش فداء صعود الإسلام السياسي في العالم العربي

الفصل الثامن
الحرب على غزة كإحدى آليات صناعة دولة غزة

المبحث الأول :الحرب على غزة جزء من صناعة دولة غزة
المبحث الثاني :تداعيات الحرب على المشروع الوطني
المبحث الثالث :التهدئة تضع النظام السياسي الفلسطيني على مفترق طرق


الفصل التاسع
بالوحدة الوطنية نواجه مخطط الانقسام ودولة غزة

المبحث الاول : وحدة وطنية وليس مصالحة طرفي الانقسام
المبحث الثاني : البرنامج الوطني الاستراتيجي وبرنامج الحكومة
المبحث الثالث :مشروع للبرنامج الاستراتيجي الوطني

الخاتمة











السيرة الذاتية العلمية للمؤلف

أ-د/إبراهيم خليل العبد أبراش
- بكالوريوس قانون عام 1976
- ماجستير حقوق – قانون عام – من جامعة محمد الخامس في الرباط 1981
- دكتوراه في الحقوق - القانون العام- من نفس الجامعة 1985.
- ممارسة التدريس الجامعي منذ 1978 حتى 2000 في الجامعات المغربية
- أستاذ في جامعة الأزهر بغزة منذ أكتوبر2000 .
- رئيس قسم الاجتماع و العلوم السياسية بكلية الآداب بجامعة الأزهر- سابقا-.
- عميد كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة - سابقا -.
- الإشراف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه .
- مؤسس ومشارك في العديد من مراكز البحوث والمؤتمرات والندوات العلمية.
- وزير الثقافة المستقيل في الحكومة الفلسطينية الثالثة عشر .

الكتب المنشورة في دور نشر عربية وفلسطينية.
1- البعد القومي للقضية الفلسطينية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1987.
2- المؤسسات والوقائع الاجتماعية :نظرة تاريخية عالمية ، مؤسسة الطباعة والتوزيع للشمال ، الرباط ، 1994.
3- البحث الاجتماعي : قضاياه ، مناهجه ، إجراءاته ، منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش ، جامعة القاضي عياض ، 1994.
4- تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية ، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع ،الرباط، 1998.
5- علم الاجتماع السياسي ، منشورات دار الشروق ، عمان ، 1998.
6- الحركة القومية في مئة عام ( عمل جماعي ) ، منشورات دار الشروق ، عمان ، 1998
7- المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية ، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط ، 1999.
8- تاريخ الفكر السياسي ، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع ، الرباط ، 1999.
9-العرب والنظام الدولي الجديد ( عمل جماعي ) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2000.
10-الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق ، منشورات الزمن ، الرباط ، 2001.
11-الجهاد : شرعية المبدأ والتباس الممارسة ، منشورات ألوان مغربية ، مكناس ، المملكة المغربية ،2003.
12-فلسطين في عالم متغير : فلسطين تاريخ مغاير ، المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي رام الله ،2003.
13-القضية الفلسطينية والشرعية الدولية (دراسة نقدية) ،المركز القومي للدراسات والتوثيق ،غزة –فلسطين ،2000
14- النظرية السياسية بين التجريد والممارسة،مكتبة دار المنارة ،غزة -فلسطين،2005.
15- المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية،دار الشروق ،عمان ،2009 .
16- علم الاجتماع السياسي، طبعة جديدة ،دار المنارة ،غزة- فلسطين ،2011.
17- المجتمع الفلسطيني :التطور التاريخي والبناء الاجتماعي ،دار المنارة، 2011.
18- الثورة العربية والقضية الفلسطينية،مركز التخطيط الفلسطيني،غزة،2011 .
19- الثورات العربية في عالم متغير،منشورات الزمن،الرباط ،2011 .
20- المشروع الوطني الفلسطيني ، دار الجندي للطباعة والنشر ، القدس ،2012 .
21- النظرية السياسية ، دار الجندي للطباعة والنشر ،القدس ، 2012 .
بالإضافة إلى مئات الدراسات والأبحاث والمقالات

تيلفاكس : 00970-8-2623107
00970-599603786 : جوال
ibrahemibrach1@gmail.com :البريد الالكتروني
www. palnation.org: الشخصي الموقع
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 08:21 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd

تركيب و تطوير ][ Pssawa.com ][