منطقة الأعضاء

العودة   ملتقى الثقافة والهوية الوطنية > °ˆ~*¤®§(*§ خاص بالدكتور إبراهيم أبراش§*)§®¤*~ˆ° > الكتب

شريط إعلانات الإدارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 04-04-2012
الصورة الرمزية د.إبراهيم أبراش
د.إبراهيم أبراش د.إبراهيم أبراش غير متواجد حالياً
مدير عام
 

 









افتراضي المجتمع الفلسطيني من منظور علم الاجتماع السياسي

المجتمع الفلسطيني
من منظور علم الاجتماع السياسي






الأستاذ الدكتور
إبراهيم أبراش



2011


مقدمة عامة:
بالرغم من أن علماء الاجتماع والاجتماع السياسي كانوا دوما يتطلعون لوضع نظريات اجتماعية على درجة من التعميم والشمولية بحيث تكون قادرة على تفسير وفهم المجتمعات البشرية في نشأتها وتطورها،إلا أن هذا الطموح كان يصطدم دوما وفي كل مرحلة تاريخية بمجتمعات ذات خصوصيات متباينة عن غيرها ،الأمر الذي كان يستحث العلماء على تحديث وتطوير نظرياتهم ومقارباتهم ومناهجهم،فبعد أن أسس علماء الاجتماع الغربيون علم الاجتماع العام أو علم الاجتماع البرجوازي ظهرت منظومة دول المعسكر الاشتراكي فوضع علماؤها علم الاجتماع الاشتراكي،وبعد ظهور دول العالم الثالث من خارج المنظومتين السابقتين ظهر علم اجتماع التنمية أو علم اجتماع دول العالم الثالث ليعالج خصوصيات هذه الدول بما بينها من وحدة حال.
إذن، فحيث أن لكل مجتمع خصوصياته الثقافية والسسيولوجية والسياسية, فإن دراسة أي مجتمع من المجتمعات وإن كان من الممكن أن توظف مناهج ونظريات عامة إلا أنها ستؤدي لنتائج مغايرة ما دامت الظاهرة المبحوثة – المجتمع – خصوصيات مغايرة. وعليه فالباحث في المجتمع الفلسطيني وإن كان عليه الاسترشاد بالنظريات السسيولوجية المُنتجة والمُطبقة في المجتمعات الأخرى وخصوصاً في دول العالم الثالث, إلا أن هذه النظريات لن تسعفه كثيراً في تفسير وفهم ظهور وتطور المجتمع الفلسطيني , لأنه سيواجه بمجتمع يضرب بجذوره عبر التاريخ بحيث يمكن القول بأنه من أقدم شعوب العالم إلا أنه أنتُزع من أرضه وأُجبرت غالبيته على اللجوء إلى المنافي ومن بقي متمسكاً بوطنه يعيش تحت احتلال يختلف عن كل أشكال الاحتلال, احتلال صهيوني استيطاني إجلائي يستهدف ليس فقط استغلال مقدرات الشعب والأرض , بل نفى وجود الشعب الفلسطيني والاستيلاء على أرضه بزعم أنها أرض إسرائيل التاريخية.
وهكذا في دراسة المجتمع الفلسطيني يتداخل الحاضر مع الماضي , الاجتماعي مع السياسي، الديني من القانوني, الفقر والبطالة والأسرة والانحراف والفساد وأشكال العلاقات العصبوية وأشكال التكافل الاجتماعي الخ , كلها أمور ترتبط بالاحتلال وتداعياته وبالتالي بالسياسة بشكل أو آخر. فحالة عدم الاستقرار التي تَميزَ بها المجتمع الفلسطيني عبر تاريخه وتداخل قضيته الوطنية مع القضايا العربية والإسلامية بفعل الجوار أو الانتماء أو تقاطع المصالح وحالة الشتات , يجعل من المجتمع الفلسطيني حالة خاصة للدراسة.
لا غرو أن تعقد وخصوصية الحالة لا يبرر النكوص عن دراستها بل يشكلا دافعا قويا لدراستها،ومن هنا تأتي أهمية دراسة المجتمع الفلسطيني , ولكن الباحث سيجد نفسه مضطراً لتجاوز نظريات ومقاربات درج الباحثون على الأخذ بها في تحليل بنية أي مجتمع , وفي نفس الوقت عليه اشتقاق مقاربات جديدة , وأيضاً سيجد الباحث في المجتمع الفلسطيني نفسه في حالة تشابك مع المجال السياسي بل والديني والتاريخي أيضا, فهو مضطر لدراسة الظواهر الاجتماعية من خلال أبعادها السياسية أو بمداخل سياسية , والعكس صحيح نسبياً , بمعنى أن دراسة المجتمع الفلسطيني تنتمي إلى حقل دراسة علم الاجتماع السياسي , الذي هو مجال خصب لعلماء الاجتماع السياسي لمقاربة واقع اجتماعي / سياسي غير معهود ولم تعالجه النظريات الاجتماعية والسياسية التقليدية بل أيضاً الحديثة المُنتَجة والمطبقة في المجتمعات الأخرى.
وفي هذا المساق فأن أي باحث في المجتمع الفلسطيني سيواجه بداية بصعوبة تعريف المجتمع الفلسطيني وبالتداخل ما بين كلمة مجتمع كمفهوم سسيولوجي وكلمة شعب كمفهوم سياسي, ذلك أن غالبية الدراسات السابقة كانت تعالج قضايا الشعب الفلسطيني كقضايا سياسية أكثر مما تهتم بقضايا المجتمع الفلسطيني من منظور سسيولوجي،والسبب عدم وجود وحدة حال وتواصل بين أجزاء المجتمع الفلسطيني بعد 1948 أو غياب الدولة الجامعة والناظمة لكل مكونات المجتمع.
عند محاولة تعريف المجتمع الفلسطيني مثلا يبرز سؤال كبير،هل المجتمع الفلسطيني سكان الضفة والقدس الشرقية فقط، باعتبار ما بينهم من وحدة حال مقارنة مع التجمعات الفلسطينية الأخرى في الشتات التي تعيش منفصلة عن الأرض التي نشأت فيها ؟ وهل فلسطينيو الأردن جزء من المجتمع الفلسطيني أم جزء من المجتمع الأردني ؟ وهل يمكن دراسة فلسطيني الشتات كجزء من المجتمع الفلسطيني؟ أم جزء من الشعب الفلسطيني ؟ أم جزء من المجتمعات التي يعيشون فيها؟ وما هو حال فلسطينيو 1948 ؟ فهل هم جزء من المجتمع الفلسطيني أم جزء من المجتمع الإسرائيلي ؟ ومع الانقسام الذي أدى لفصل غزة عن الضفة ووجود حكومتين وسلطتين ومرجعيتين مختلفتين , ما هي آفاق العلاقة ما بين فلسطينيي القطاع وفلسطينيي الضفة ؟ الخ.
البحث في المجتمع الفلسطيني لا يخلو من خطر الانزلاق السياسي بما يضفي شرعية على محاولات تجزئة وحدة الشعب والقضية والتشكيك بوجود مجتمع فلسطيني, ذلك أنه في الوقت الذي يجد الباحث صعوبة منهاجيه وعلمية في التعامل مع كل التجمعات الفلسطينية باعتبارها أجزاء من مجتمع واحد نظراً لما بينها من تباينات فرضها واقع الشتات, إلا أنه يصعب عليه سياسيا ووطنياً قصر المجتمع الفلسطيني على فلسطينيي الضفة وغزة لأن ذلك يتماشى مع الطروحات السياسية التي تروم تقليص الحقوق المشروعة للفلسطينيين بدولة في الضفة وغزة فقط وشطب قضية اللاجئين واعتبارهم خارج المعادلة السياسية , والتخطيط الإسرائيلي الجديد يسعى لحصر فلسطين شعباً ومجتمعاً وكياناً سياسيا بقطاع غزة فقط وتذويب البقية ضمن انتماءات وأوضاع أخرى.
ولأننا نتحدث عن مجتمع في ظل غياب الدولة فإن البحث في الدولة الفلسطينية يصبح ضرورة لفهم المجتمع الفلسطيني،حيث ارتبطت المسيرة النضالية والحياتية للشعب الفلسطيني بسعيه الحثيث لإعادة بناء دولته المستقلة التي تحفظ له هويته وثقافته الوطنية وتثبت وجوده على أرضه.
الكتاب هو محاولة لتأصيل علم اجتماع سياسي فلسطيني والحالة الفلسطينية تحتاج بالفعل لهذا العلم .نتمنى أن يساعد هذا العمل في خدمة الثقافة والبحث العلمي في بلادنا.

الأستاذ الدكتور / إبراهيم أبراش
غزة: سبتمبر 2011










الفهرس


مقدمة عامة .................................................. ............. ................ 2
الفصل الأول :التاريخ الحديث للمجتمع الفلسطيني ............................................6
المبحث الأول :في تعريف المجتمع ومراحل تطوره ..........................................8
المطلب الأول : تعريف المجتمع .................................................. .....8
المطلب الثاني : كيف تنشأ المجتمعات .............................................10
لمطلب الثالث: مراحل تطور المجتمعات الكلية ....................................18
المبحث الثاني :لمجتمع الفلسطيني : خصوصية النشأة ...................................24
المطلب الأول : تداخل الانتماءات وملابسات التشكيل ..........................24 المطلب الثاني : الشعب الفلسطيني في مواجهة وعد بلفور ...............34
المطلب الثالث: فشل المراهنات وانتهاج سياسة الاعتماد على الذات:......40

الفصل الثاني :حرب 1948 (النكبة) وأثرها على المجتمع الفلسطيني...............47
المبحث الأول :أنماط المجتمع الفلسطيني قبل 1948..............................48
المطلب الأول : المجتمع الحضري: ......................................48
المطلب الثاني : المجتمع الريفي .........................................25
المطلب الثالث : المجتمع البدوي : .......................................59
المبحث الثاني :تداعيات النكبة على المجتمع الفلسطيني..........................62
المطلب الأول : التداعيات النفسية ......................................64
المطلب الثاني:التداعيات السياسية.......................................67
المطلب الثالث : التداعيات الاجتماعية:..................................69

الفصل الثالث :المجتمع الفلسطيني ومسألة الهوية.................................78
المبحث الأول : تلازم الهوية والمجتمع.......................................... ..79
المطلب الأول: في مفهوم الهوية..........................................79
المطلب الثاني: الهوية ضمان وجود واستمرار المجتمع الفلسطيني.........83
المبحث الثاني :المجتمع الفلسطيني وتداخل الهويات ..............................87
المطلب الأول: جذور الهوية السياسية الفلسطينية........................87
المطلب الثاني: الهوية الوطنية واستعادة الكيانية السياسية ..............100
المطلب الثالث :مسألة الهوية في المواثيق الفلسطينية ..................111

الفصل الرابع : المجتمع المدني والمنظمات الأهلية...............................118
المبحث الأول :خصوصية نشأة لمجتمع المدني في فلسطين .....................120
المطلب الأول :مؤسسات المجتمع المدني ما قبل نكبة 1948..........120
المطلب الثاني : المجتمع المدني ولد في رحم حركة تحرر ..............127
المبحث الثاني :واقع وآفاق المجتمع المدني في مناطق الحكم الذاتي............136
المطلب الأول : المجتمع المدني وتداخل السياسي والاجتماعي .........136
المطلب الثاني : المجتمع المدني والسلطة الوطنية......................138
المبحث الثالث :الأحزاب والنقابات في المجتمع الفلسطيني .......................146
المطلب الأول : الأحزاب السياسية .....................................146
المطلب الثاني : الحركة النقابية: .......................................156

الفصل الخامس:المجتمع الفلسطيني المعاصر-السكان و الأسرة -...............166
المبحث الأول :التركيبة السكانية والتوزيع الجغرافي ............................167
المطلب الأول : المجتمع الفلسطيني مجتمع تعددي .....................168
المطلب الثاني : اللاجئون الفلسطينيون ...............................175
المبحث الثاني :الأسرة والزواج .................................................1 87
المطلب الأول : تعريف عام للأسرة والزواج ............................187
المطلب الثاني : مؤشرات إحصائية ...................................193:
المطلب الثالث : المرأة ألفلسطينية......................................20 0

الفصل السادس: البناء الاجتماعي والحالة الاقتصادية............................210
المبحث الأول :الثقافة والتعليم .................................................2 11
المطلب الأول : الحالة الثقافية ........................................211
المطلب الثاني : الحالة التعليمية .....................................225
المطلب الثالث :الحالة الاقتصادية والعمالة .........................234
المبحث الثاني :الدين والمجتمع في فلسطين ..................................241
المطلب الأول : الدين كمحدد رئيس للسلوك والتفكير الجمعي..........242
المطلب الثاني : خصوصية الدين في المجتمع الفلسطيني .............252

الفصل السابع : المجتمع الفلسطيني والبحث عن الدولة ........................259
المبحث الأول :دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية..............................260

المطلب الأول :الجذور التاريخية للفكرة .................................261
المطلب الثاني:الدولة في مقررات المجالس الوطنية الفلسطينية .........266
المبحث الثاني : من الدولة الديمقراطية على كامل فلسطين إلى سلطة مرحلية....269
المطلب الأول :الأسباب الموضوعية والذاتية لسياسة المرحلية:..........269
المطلب الثاني :السلطة الوطنية المرحلية: المؤيدون والمعارضون:.......276
المبحث الثالث :دولة فلسطينية في إطار قرارات الشرعية الدولية .................284
المطلب الأول: الطريق الصعب نحو الشرعية الدولية:....................284
المطلب الثاني :فشل المفاوضات والعودة للشرعية الدولية...............293
الخاتمة :................................................. .................................300
المراجع .................................................. .........................................301

السيرة الذاتية للمؤلف :................................................. .................308


الفصل الأول
التاريخ الحديث للمجتمع الفلسطيني
- مقاربة سسيوسياسية -

حتى الحرب العالمية الأولى كانت فلسطين من ناحية إدارية جزءاً من سوريا الطبيعية ولم تعرف لها كياناً سياسياً مستقبلاً مميزاً , ولم تتشكل في وحدة إدارية واحدة , حيث تداخلت تقسيماتها الإدارية في العهد العثماني مع تقسيمات بقية أجزاء سوريا الطبيعية , وعليه لم يكن حتى الحرب العالمية الأولى مجالا للحديث عن مجتمع فلسطيني خالص مستقل ومتميز عن محيطه الطبيعي الإسلامي والعربي والسوري.قبل تبلور تمايز المجتمع الفلسطيني كان هذا المجتمع مدمجا ضمن مجتمع أوسع وهو المجتمع العربي وقبل ظهور الحركة القومية العربية كان جزءاً من المجتمع الإسلامي , إلا أن الفلسطينيين بدءوا يتلمسون خصوصية وضعهم مع بداية الأطماع الصهيونية الهادفة لاقتلاعهم من أرضهم ونفي هويتهم الوطنية. وهكذا وجد الفلسطينيون أنفسهم ومنذ بداية القرن العشرين في وضع لا يحسدون عليه , حيث عملت التحالفات والمساومات الدولية لغير مصلحتهم.فقد شهدت بداية هذا القرن تبلور الحركة الصهيونية ووضوح أهدافها وانتقالها من مرحلة الفكر وتحديد الأهداف إلى مرحلة التنفيذ والفعل , هذا الجهد الصهيوني ترافق مع تكثيف المخططات الاستعمارية للهيمنة على المنطقة العربية. الأمر الذي دفع الفلسطينيين لتلمس طريقهم كمجتمع فلسطيني مهدد بوجوده وهويته وهذا ما يعطي الخصوصية للمجتمع الفلسطيني ودراسته.





















المبحث الأول
في تعريف المجتمع ومراحل تطوره

المطلب الأول : تعريف المجتمع :
كلمة مجتمع لفظ مشتق من الجماعة وهي عكس الفرد , فالجماعة مجموعة من الأفراد تربطهم علاقات وأواصر مشتركة , ولكن ليس كل مجموعة من الأفراد يشكلون مجتمعا بالمفهوم السسيولوجي , فمائة ألف شخص مجتمعون في ملعب لكرة القدم أو يخرجون في مظاهرة لا يشكلون مجتمعاً , بينما قبيلة من ألف شخص تشكل مجتمعا. وهكذا حتى يشكل تجمع من الأفراد مجتمعا بالمفهوم السسيولوجي يجب أن يكون لهذا التجمع غرضاً اجتماعياً مشتركا, أي يخص كل أفراد الجماعة ,كما يشترط أن تكون العلاقة بين هؤلاء الأفراد علاقة تواصل واستمرارية مصحوبة بقوة إلزام أو إكراه تفرضها الجماعة , كما يشترط في هذا التجمع أن يوفر للإنسان حياة كلية مشتركة يستطيع من خلالها أن يحدد لنفسه هدفاً وهوية وانتماء لا يتوفرون في جماعة أخرى.
يقابل كلمة مجتمع باللغة الإنجليزية معنيان , الأول Community والثاني هو Society والكلمة الثانية أكثر شمولية من الأولى , ومن جهة أخرى هناك من يشترط وجود الأرض أو الإقليم حتى تكوَن الجماعة مجتمعا وهذا ما نلاحظه من خلال تعريف هربرت ستروب. H.stroup للمجتمع , فعناصر المجتمع عنده هي الشعور المشترك بالانتماء الواحد والأرض الخاصة بالجماعة , النظام أو النسق الذي يسمح للأفراد بالتعبير عن آرائهم والتفاعل المشترك داخله , وتمكن الأفراد من تلبية احتياجاتهم الأساسية داخل المجتمع , وأخيرا يشكل المجتمع بناء خاصا للجماعة تجري بداخله العمليات الاجتماعية الأساسية من تعاون وصراع... الخ
إلا أن اشتراط وجود الأرض للقول بوجود المجتمع , يجافي بعض الوقائع حيث توجد مجتمعات كاملة وعريقة ولكن لا تقيم على ارض محددة أو لها ارض ولكن غير قادرة على العيش فيها بسبب الاستعمار أو ملابسات تاريخية كالمجتمع الفلسطيني مثلاً وهذا استدركه وركز عليه بعض المفكرين الذين أكدوا على العوامل النفسية والهوية المشتركة للجماعة كأساس لوجود المجتمع , فالأرض أو الإقليم من العناصر الأساسية لوجود الدولة أما المجتمع فأمر مغاير،من هؤلاء آرثر مورجان A.Morgan الذي لا يشترط وجود الأرض بل يولي اهتماماً للبشر والتفاعلات والعلاقات التي يقيمونها مع بعضهم بعضا والتي يتميزون بها عن الآخرين .
أيضاً يمكن التمييز ما بين الجماعة والمجتمع الكلي من حيث النطاق والوظائف , فداخل كل مجتمع كلي توجد جماعات كالأسرة والقبيلة والطائفة إلا أن هذه الجماعات جزء من كل ولا تعيش مستقلة بذاتها – إلا بمراحل زمنية غابرة قبل تشكل الدولة , أي في مرحلة ما قبل الدولة – كما أن هذه الجماعات تقوم على روابط القرابة والدين , أما المجتمع الكلي فيمكن تعريفه من خلال ثلاثة عناصر كما يقول موريس دفرجيه:
" إنه يفترض أولاً أن المجموعات الإنسانية المتعددة والمختلفة – العائلات , الطوائف المحلية , النقابات , الجمعيات , الأحزاب , الكنائس – أو المساجد – الزمر , العصابات الخ , تترابط الواحدة مع الأخرى في مجموعات أوسع.ويفترض ثانياً : أن تكون هذه المجموعات مندمجة بقوة , شكل يشعر فيه أعضاؤه بتضامن عميق بينهم , ويترجم نفسه بواسطة أفعال متبادلة مطابقة لتلك التي تحصل في إطار المجموعات الخاصة , وهو يفترض ثالثاً : أن يكون لهذا التضامن ولهذه العلاقات بين أعضاء المجتمع الكلي قوة أعلى من قوة تضامنهم وعلاقاتهم مع الخارج. وكل هذه العناصر تنجم عن سمة أساسية تكون تلك من نتائجها , فالمجتمع الكلي يشكل المجموع الثقافي الأساسي "
وعلى هذا الأساس فإن ما يعطي للمجتمع كينونته ليس فقط مجموع الأفراد أو العلاقات وأشكال التضامن بينهم , بل أيضا عنصر الثقافة , فالمجتمع الكلي هو وحدة ثقافية أيضاً فالثقافة محدد رئيس في تميز المجتمعات بعضها عن بعض وكل الجماعات تتوفر على ثقافة خاصة بها ،إن المجتمع الكلي هو الذي يربط أفراده بثقافة مشتركة , عنصر الثقافة هو الذي يربط المواطن بمجتمعه ووطنه وإن لم يكن على تواصل مباشر مع مجتمعه أو كان يعيش خارج وطنه فلكل مجتمع ثقافته المعبرة عن هويته – وسنتحدث عن الثقافة بتوسع في فصل قادم -.
أيضاً ما يعطي للجماعة صفة المجتمع بالإضافة للعناصر المشار إليها هو كون الجماعة تعرف حياة ممأسسة و منظمة , فالهدف المشترك والمصير المشترك والهوية المشتركة أمور لا بد من وجود أطر أو مؤسسات اجتماعية تعبر عنها , من هنا تلازم وجود المجتمع مع وجود المؤسسات الاجتماعية والسياسية المعبرة عن كينونته والحافظة لها, كالنظام التعليمي والأسرة والقبيلة والأحزاب والنقابات والجمعيات الخ.
المطلب الثاني : كيف تنشأ المجتمعات :
فحيث أن الوحدة الأساسية للمجتمع هي الإنسان وحيث أن الإنسان حيوان عاقل واجتماعي بطبعه , إذن فهو يسعى للاجتماع ببني جلدته. فمنذ القدم ذهب أرسطو إلى أن المجتمع الكلي ( الدولة ) هي شكل طبيعي من أشكال الطبيعة الإنسانية , فهي لا تؤسس على أساس اقتصادي فقط أي على التبادل وإشباع الحاجات المادية للناس كما يقول أفلاطون بل هي مجتمع ناتج عن طبيعة الإنسان كحيوان أو كائن سياسي خُلق طبيعيا للعيش في مجتمع , فالإنسان الذي لا يعيش في مجتمع إما أنه أقل شأنا من الإنسان أي حيوان أو حشرة , أو أعلى شأناً من الإنسان ملاك مثلاً.ويقول أيضاً : إن المدينة تدخل في عداد الوقائع التي توجد بشكل طبيعي , إن الإنسان بحكم الطبيعة حيوان سياسي , والإنسان الذي يعيش بشكل طبيعي وليس نتيجة لظروف ما خارج المدينة , هو إما كائن منحط , أو فوق مستوى البشر... إنه إما وحش وإما إله... إن من البديهي أن يكون الإنسان حيوانا سياسيا على درجة أعلى من نحله أو من حيوان آخر يعيش في قطيع , والإنسان وحده من بين كل الحيوانات يمتلك الكلام.
المجتمع الكلي – الدولة – كجماعة ذات تنظيم مشترك تهدف لكفالة الخير لأعضائها تأتي نتيجة تطور طبيعي للإنسان وتأتي بفعل كون الإنسان عاقلا , فالعقل الإنساني هو الذي يهدي الإنسان لتكوين الحضارة , وهكذا ينتقل الإنسان من الأسرة إلى القرية , ثم أسمى الجماعات وهي الدولة , والدولة أسمى من الفرد ومن الأسرة ومن القرية , لأن الكل أسمى من الجزء بالضرورة , حيث يقول : وما أختص به الإنسان دون سائر الحيوان وانفراده بمعرفة الخير والشر والعدل والظلم وما إليها. وتبادل تلك المعرفة ينشئ الأسرة والدولة... والدولة بالطبيعة مقدمة على الأسرة وعلى الفرد. لأن من الضرورة أن يتقدم الكل على الجزء. فإن قضى على الجسم فلا رجل ولا يد إلا بالاسم, كأن تقول يد من حجر , فإذا شلت اليد أضحت كأنها من حجر.
إذا كانت الدولة تنشا بشكل طبيعي من خلال ائتلاف عدة أسر ليشكلوا قبيلة وائتلاف عدة قبائل لتشكل دولة – الحاضرة – فإن هذا الشكل أو النشوء للدولة لا يكون ممكنا إلا إذا قام على أساس الاكتفاء الذاتي بين أفراد المجتمع, آنذاك تكون نشأة الدولة طبيعية , وتكون نشأة الدولة طبيعية أيضا إذا ما كانت الجماعات السابقة طبيعية , لأن الدولة غاية تلك الجماعات... ومن ثم فالاكتفاء الذاتي غاية وأسمى الخيرات. وعليه فالدولة تنشا ضرورة حالما تتوفر لديها جماعة من المواطنين تحقق لها الاكتفاء الذاتي والعيش الرغيد الفاضل , طبقاً لسنن الاشتراك السياسي.
الأسرة أساس المجتمع الإسلامي:
تعتبر الأسرة أصل المجتمع والنواة الأولى له حيث ربط الإسلام بين الزواج والأسرة من جانب وتأسيس المجتمع من جانب أخر وهذا ما ورد في آيات , منها قوله تعالى  يا ا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ  (الحجرات /113).
وقوله وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (الروم/ 21).
وقوله سبحانه : أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ ‏نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً ورحمت ربك خير مما يجمعون( الزخرف /32)
ويمكن القول بأن أصل الاجتماع البشري في الإسلام يؤسس على ما يلي :
1- يعتبر قانون الزوجية الطبيعي المتمثل في التركيب الغريزي للمرأة والرجل أساس بناء المجتمع لأنهما عنصرا البناء الاجتماعي وأساس البنية الحيوية من الناحيتين العضوية والنفسية , فهذه العلاقة الغريزية تخلق ظروفا وعلاقات نفسية واجتماعية من الود والرحمة وتوفير الطمأنينة تؤدي لحفظ النوع , بمعنى أن الزواج ليس علاقة جنسية خالصة بل بالإضافة لها يخلق تآلف ومحبةـ وبذا اعتبر القرآن المرأة والزواج قاعدة بناء المجتمع السوي السليم نفسياً واجتماعياً ووظيفياً، لأنهما مصدر السكن والود والحنان والرحمة في الحياة الاجتماعية.
2- التعارف : أما الدافع الثاني الذي دفع الإنسان لتكوين الحياة الاجتماعية فهو عنصر التعارف بين أبناء النوع البشري القائم على أساس غريزة حب الاجتماع التي عبر عنها الفلاسفة اليونان الأوائل وخصوصا أرسطو بالقول بان الإنسان اجتماعي بطبعه.
فقد اثبت الواقع ومن خلال تجارب ميدانية على مجموعات بشرية بان الإنسان لا يشعر بالاستقرار والراحة ولا تكتمل إنسانيته إلا بالاجتماع ببني جلدته , لذلك قال تعالى لِتَعَارَفُوا  , فعبارة التعارف تعبر عن الدافع الإنساني الكامن وراء الاجتماع , وتكوين المجتمع البشري.
3- تبادل المنافع : والسبب الثالث من أسباب بناء المجتمع , هو تبادل المنافع المادية المختلفة فقد شاء الله سبحانه أن يتكامل الأفراد بقابلياتهم وطاقاتهم الفكرية والجسدية والنفسية , ويتحقق هذا التكامل عن طريق تبادل المنافع بين الأفراد. فللفرد حاجات ومتطلبات متعددة , ليس بوسعه أن يوفرها جميعها لنفسه , لذا فهو يحتاج الآخرين ويحتاجونه , وهذا الاختلاف في القابليات الذي ينتج عنه الاختلاف في نوع الإنتاج والخدمات التي يستطيع أن يوفرها الفرد للآخرين , وتبادل تلك المنتجات والمنافع والخدمات لإشباع الحاجات هو الذي عبر عنه القرآن بقوله :  وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً. وعلى هذا الأساس نشأت الوظيفة الاجتماعية , وفسر مبدأ النشوء الوظيفي في المجتمع لتتكامل الحياة كما تتكامل أجهزة البدن في أداء وظائفها.
وانطلاقا من نظرية التكامل الوظيفي التي وضحها القرآن كما ورد أنفا فإن الإسلام يقول بالتكامل الوظيفي بين المرأة والرجل , فالإسلام يدرس دور المرأة في بناء المجتمع كما يدرس دور الرجل على حد سواء ضمن أطر الأهداف والقيم الإسلامية , وليست المرأة عنصراً ثانوياً ولا وجوداً إضافيا على الرغم من التجربة البشرية التي تثبت أن دور الرجل في بناء العلم والاقتصاد يتفوق كثيراً على دور المرأة , كما أن دورها في تكوين القاعدة النفسية لبناء الأسرة أكبر من دور الرجل الذي عبر عنه القرآن بقوله : وجعل منها زوجها ليسكن إليها , فالزوج هو الذي يسكن إلى الزوجة , ويستقر بالعيش معها , فهي مركز الاستقطاب في إطار الاستقرار والود والمحبة.
ويتحدث القرآن عن (السكن) في مواضع عديدة , ومن خلال ذلك نستطيع أن نفهم معناه الذي توفره الزوجة لزوجها , نفهمه من خلال قوله تعالى وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً وقوله وجعل منها زوجها ليسكن إليها.ونفهم قيمة ( السكن ) في الاجتماع عندما نعرف أن القرآن وصف العلاقة بين الزوج والزوجة بأنها علاقة ( سكن وود ورحمة ).إذن فلنقرأ كلمة ( سكن ) في مواضع عدة من القرآن , لنعرف دلالتها الاجتماعية والأسرية , قال تعالى  وجعل الليل سكنا أي يسكن الناس سكون الراحة.
وقال تعالى :  صل عليهم أن صلاتك سكن لهم  أي إن دعواتك يسكنون إليها , وتطمئن قلوبهم بها , والسكينة على وزن فعليه تأتي من السكون , يعني السكون الذي هو الاستقرار,  هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين , أوجد الثبات والاطمئنان.
وحسب المراجع اللغوية فإن ( السكن ) يرتبط بالاستقرار كقولهم :"... سكن الريح : هدأت. وسكن النفس بعد الاضطراب : هدأت. وسكن النفس إليه : استأنس به , واستراح إليه... والسكن : المسكن , وكل ما سكنت إليه , واستأنست به , والزوجة والنار والرحمة والبركة والقوت " والطمأنينة والاستقرار والرزانة. ومن هنا يتجلى معنى (السكن) الذي توفره الزوجة لزوجها وأسرتها وهو : الراحة والاستقرار والاستئناس والرحمة والبركة والوقار , وكل هذه الأمور لا تكون إلا بحياة اجتماعية مستقرة وهذا ما قصده القرآن الكريم.
أما بالنسبة للعلماء المسلمين , فبالإضافة إلى مرجعيتهم الدينية فقد تأثروا بالفكر اليوناني حول أصل المجتمعات فيذهب الفارابي إلى أن الإنسان اجتماعي بطبعه , لأن الإنسان لا يستطيع تحصيل كمالاته بنفسه , فيحتاج إلى مساعدة الآخرين ومن حاجة كل فرد إلى الآخرين تنشأ الدولة , فكمالات الإنسان ليس يمكن أن يبلغها الإنسان وحده بانفراد دون معاونة أناس كثيرين له , وإن فطرة كل إنسان أن يكون مرتبطاً فيما ينبغي أن يسعى له بإنسان أو ناس غيره وكل إنسان من الناس بهذه الحال , وانه لذلك يحتاج كل إنسان فيما له أن يبلغ من هذا الكمال إلى مجاورة ناس آخرين واجتماعه معهم , وكذلك في الفطرة الطبيعية لهذا الحيوان أن يأوي ويسكن مجاورا لما هو في نوعه , فذلك يسمى الحيوان الإنسي والحيوان المدني.
ولكن هذه المجتمعات التي كونها الإنسان لا تكون على شاكلة واحدة , من هنا أولى الفارابي اهتماماً للحديث عن أنواع المجتمعات , قبل أن يتحدث عن أفضلها , وهي ( المدينة الفاضلة ). ويقسم الفارابي المجتمعات إلى :
1- المجتمعات الكاملة : وهي على ثلاثة أنواع :
‌أ- عظمى وتتشكل عندما تجتمع أمم كثيرة بقصد التعاون.
‌ب- وسطي هي اجتماع أمة في جزء من المعمورة
‌ج- صغرى وهي اجتماع أهل مدينة في جزء من سكن الأمة.
2- المجتمعات غير الكاملة : وهي الاجتماعات في القرى والمحال والسكة والبيوت , وهذه قد تتطور فتصبح مجتمعات كاملة حيث يقول : وهذه منها ما هو انقص جدا , وهو الاجتماع المنزلي وهو جزء للاجتماع في السكة , والاجتماع في السكة هو جزء للاجتماع في المحلة , وهذا الاجتماع هو جزء للاجتماع المدني , والاجتماعات في المحال , والاجتماعات في القرى , كلتاهما لأجل المدينة غير أن الفرق بينهما أن المحال أجزاء للمدينة , والقرى خادمة للمدينة , والجماعة المدينة هي جزء الأمة , والأمة تنقسم مدنا , والجماعة الإنسانية الكاملة على الإطلاق تنقسم أمما
أما الماوردي فيرى أن الإنسان كمخلوق عاقل مدني بطبعه , يعرف مصالحه ويسعى إلى الحياة الأفضل , وهو ما يتفق فيه مع سابقيه من فلاسفة المسلمين واليونان , فالإنسان يحتاج إلى غيره لأنه لا يستطيع أن يلبي كل احتياجاته. ولكن الماوردي يرجع حالة العجز هذه إلى أسباب دينية , فالله سبحانه وتعالى خلقنا عاجزين وبالتالي محتاجين إليه , نتجه إليه سبحانه وتعالى ليرزقنا ويفتح أمامنا السبل حيث يقول :اعلم أن الله تعالى لنافذ قدرته , وبالغ حكمته , خلق بتدبيره , فطرهم بتقديره , فكان لطيف ما دبر وبديع ما قدر , وأن خلقهم محتاجين , وفطرهم عاجزين , ليكون بالغني منفردا , وبالقدرة مختصا , حتى يشعرنا بقدرته أنه خالق , ويعلمنا بغناه أنه رازق , فنذعن بطاعته رغبة ورهبة , ونقر بنقصنا عجزا وحاجة
ويستشهد الماوردي بقوله تعالى خلق الإنسان ضعيفاً ليدلل على حاجة الإنسان لله أولا ولأخيه الإنسان ثانياً , فالإنسان دوما بحاجة لمساعدة الآخرين وهذه الصفة ملازمة لطبعه , والله سبحانه وتعالى من خلال خلقه للإنسان ضعيفا يريد أن يشعر الإنسان بعظمته وأن لا يستكبر ويتمرد وإنما خص الله تعالى الإنسان بكثرة الحاجة وظهور العجز , ويمنعانه من طغيان وبغي القدرة .
أما العلامة ابن خلدون فيرى بأن الاجتماع البشري ضروري (فالإنسان مدني بطبعه ) وهذا الطبع الإنساني هو الذي يؤسس المدينة وهو معنى العمران وهذا الاجتماع يعود إلى حكمة ربانية , فالله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان وركبه فإنما على صورة لا يصح بقاؤها واستمرارها إلا بالغذاء , وبين له سبل تحصيله , ولكن الإنسان لا يستطيع أن يلبي كل احتياجاته من الغذاء حتى على مستوى قوت يومه , وهو الخبز , فهذا يحتاج إلى الحنطة وهذه تحتاج إلى من يزرعها وإلى من يطحنها وإلى من يعجنها وإلى من يخبزها , فكيف الحال بالنسبة للاحتياجات الأخرى , إذن " فلا بد من اجتماع القدرة الكثيرة من أبناء جنسه ليحصل القوت له ولهم , فيحصل بالتعاون قدر الكفاية من الحاجة لأكثر منهم بأضعاف"
وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل قوت ولا غذاء ولا يتم حياته , لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته ولا يحصل له أيضاً دفاع عن نفسه لفقدان السلاح فيكون فريسة للحيوانات ويعالجه الهلاك عن مدى حياته , ويبطل نوع البشر
إذن فالضرورة الحياتية هي الدافع نحو الاجتماع البشري , هذا الاجتماع هو الذي يحفظ الجنس البشري ويحول دون انقراضه , وهذه حكمة الله في خلقه " هذا الاجتماع ضروري للنوع الإنساني , وإلا لم يكتمل وجودهم وما أراده الله من اعتمار العالم فيهم واستخلافه إياهم وهذا هو معنى العمران .

المطلب الثالث: مراحل تطور المجتمعات الكلية :
أولا : المجتمع القبلي:
حين اتسعت الأسرة وتكاثر أفرادها اتحدت مجموعة من الأسر وكونت العشيرة وباتحاد مجموعة عشائر تكونت القبيلة أول صور المجتمع الدائم أو المجتمعات الإجمالية. فالقبيلة إذن سابقة في وجودها على وجود المجتمع الكلي أو الدولة بمفهومها الحديث , وفي القبيلة تقوم العلاقات الاجتماعية على أساس القرابة , ويحكمها رئيس القبيلة الذي له سلطات قضائية ودينية وحربية , ويستمد رئيس القبيلة سلطته إما من قوته المادية كشجاعة وكثرة عدد أفراد أسرته أو من قوته المعنوية كحنكته ودهائه , أو من مكانته الدينية حيث كان للديانات مكانة مهمة ومرهوبة لدى الأفراد.
ويعرف موريس ديفرجيه القبيلة كأول شكل للدولة , بالقول : "إن الشكل الأول للمجتمع الكلي هو القبيلة , والمقصود هنا جماعة صغيرة الحجم ذات سمات ريفية , والمدن لم تكن موجودة بعد , العلاقات العائلية مهمة جداً فيها إذ أن القبيلة تضم عدداً صغيراً من العائلات و تقنيات الإنتاج فيها قديمة والمردود ضعيف , تقسيم العمل محدود والملكية جماعية , ليس ثمة طبقات اجتماعية , ويتحدثون في هذا الصدد عن شيوعية بدائية " . ويرجع فوستيل دي كولانج أصل سلطة رئيس القبيلة وأصل كل سلطة أو تجمع اجتماعي إلى العامل الديني , فرئيس القبيلة هو الكاهن والقائد , وخضوع الأفراد لسلطته راجع إلى دوره ككاهن ومحافظ على عباده الأسلاف 2wor-Aneestor ship وكما سبق فإن القبيلة سابقة في وجودها على اكتشاف الزراعة والمجتمع الزراعي الرعوي , إلا أن اكتشاف الزراعة ساعد أفراد القبيلة على الاستقرار وتأسيس الحواضر والمدن.
ثانياً: الحاضرة أو دولة – المدينة:state - City
وهي الطور الثاني في سيرورة تشكل المجتمع الكلي أو الدولة , ومن أشهر نماذج الحواضر , بابل وسومر في بلاد الرافدين , ودول المدن في بلاد اليونان القديمة. تشكلت المدن مع اكتشاف الزراعة واستقرار الإنسان على أرض محددة , حيث عملت الزراعة على تكوين فائض إنتاجي , وعلى توزيع للعمل أكثر تقدماً وفي هذه المرحلة بدأت البنى الاقتصادية وتبلورت الطبقية وتعززت الملكية الفردية , يرى لويس ممفورد أن المدن كانت ثمرة زواج بين المجتمع الرعوي الفظ ومجتمع القرية من الفلاحين وإذا كان هذا الزواج زواج مصلحة فإنه أيضاً زواج إكراه حيث مارس الرعاة سلطة القمع والسيطرة على الفلاحين
وفي نفس الموضوع , ويرى فوستيل ديكولانج أن المدينة تكونت باتحاد عدة قبائل مع بعضها البعض , فالمدينة بهذا المعنى هي حلف بين عدة قبائل تتفق على احترام حقوق كل منها , وخصوصاً الديانة الخاصة لكل قبيلة , أما سبب اتحاد هذه القبائل , فأحياناً يكون اختيارنا وأحياناً يكون مفروضاً من طرف قبيلة مسيطرة أو رجل قوي.
يميل العديد من الكتاب الغربيين إلى القول بأن المدن اليونانية التي انتشرت حوالي القرن السادس قبل الميلاد , مثل أثينا وإسبرطة , هي أول المدن وأول الحواضر التي عرفتها البشرية , إلا أن التنقيبات التي أجراها الأثريون دلت على أن مدينة أريحا في فلسطين تعد من أقدم المدن في العالم حيث ترجع إلى حوالي عشرة آلاف سنة و وكانت أريحا محاطة بسور مما يدلل على أنها مدينة –كان السور هو ما يميز المدينة عن القرية - ومع ذلك فإن هناك من يرى أن المدينة أو الدولة – المدينة لم تتبلور إلا في العصر الحجري الحديث حوالي عام 3000 ق.م ففي هذه الفترة عرفت المدن : تقدماً إنتاجياً زراعيا ًساعد على خلق الفنانين وعمال التعدين والمهندسين والكتاب والمحاسبين والبيروقراطيين والأطباء والعلماء والمتخصصين وفي تنظيم مهاراتهم وإنجازاتهم .
كانت المدن اليونانية تملك كل مواصفات الدولة من حيث توزيع السلطات وحقوق الأفراد ونظام الحكم والقضاء. كما أن العلاقات الاجتماعية كانت تقوم على أساس الانتماء إلى الأرض وإلى طبقة اجتماعية , حيث سادت طبقية صارمة في دولة المدينة.
ويرى علماء السياسة أن دولة – المدينة هي مرحلة عابرة في تاريخ تطور المجتمعات نحو الشمولية والكلية , حيث تعرضت دولة – المدينة اليونانية لانتقادات صارمة وخصوصاً من طرف الرواقيين الذين دعوا إلى العالمية
ثالثاً: الإمبراطورية:Empire
ظهرت الإمبراطورية بتجاوز حدود الدولة – المدينة , حيث تخضع الإمبراطورية لسيطرتها مجموعة من المدن , وهذا الإخضاع غالباً ما يتم بالقوة والفتح،فتتولى جيوش الإمبراطورية عملية إخضاع هذه المدن ولا يراعى في تشكيل الإمبراطورية أن تكون شعوبها من جنسية واحدة بل غالبا ما ينضوي تحت لوائها شعوب متعددة الجنسيات.من أشهر الإمبراطوريات التي عرفها التاريخ الإمبراطورية الرومانية التي قامت في القرن الثاني قبل الميلاد , واتسعت لتشمل حوض البحر المتوسط ولتدوم حوالي 1300 عام. إلا أن قيام الإمبراطوريات على الغزو والإخضاع واتساع رقعة الأرض التي تسيطر عليها وتعدد شعوبها , كل هذا ساعد على سقوط الإمبراطوريات , وظهور شكل جديد من الدول وهي الإمارة الإقطاعية.
رابعاً : الإمارة الإقطاعية: Feudal principality
ظهر هذا النموذج بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية , فحيث أن الإمبراطوريات ألغت الكيانات السياسية لدول المدن وأزالت الحدود وخلقت وضعا جدياً على مر السنين , فإنه لم يعد من الممكن , بعد سقوط الإمبراطوريات , الرجوع إلى الوضع السابق لوجودها , فمع انهيار الإمبراطورية أصبحت الأرض في ملكية الملاك الكبار , يستغلونها بتسخير الأرقاء التابعين لهم , وفي النظام الإقطاعي يصبح الملاك الكبار –الإقطاعيون- هم أصحاب السلطة السياسية والعسكرية والقانونية،فهم يملكون الأرض وما عليها.
يرى هالفان بأن الإمارة الإقطاعية مرحلة تراجع بالنسبة لدولة المدينة فالمجتمع الإقطاعي مجتمع يرفض كل تدخل في شؤونه من طرف سلطة خارجة عنه , وفكرة الدولة ومفهوم السلطة العامة التي تعمل باسم المصلحة العامة والتي تمارس نوعاً من الإكراه على الأفراد , هي فكرة بعيدة عنه , وفي نفس الاتجاه يذهب مارك بلوش Marc Bloch حيث يقول " تتطابق الإقطاعية مع الضعف العميق للدول وخصوصاً في وظيفتها الحمائية" ومما لا شك فيه أن غياب سلطة الدولة الإكراهية والحمائية تجعل العلاقة بين أفراد المجتمع علاقة سيد وتابع , وعلاقة تقوم على أساس القرابة أو الجوار , كما يصبح للعلاقات الشخصية دور أساسي في النظام الإقطاعي.
سادت الإمارات الإقطاعية كل أوروبا تقريباً حوالي القرنين الحادي عشر والثاني عشر ولم ينهار هذا النظام إلا مع بداية ظهور النزعة القومية , وظهور فكرة سيادة الشعب والدولة القومية ابتداء من القرن السادس عشر.
خامساً : الدولة – الأمة :nation-State
وهي آخر نموذج للمجتمع الإجمالي , وظهرت ابتداء من القرن السادس عشر على أثر تفكك الممالك الكبرى وانهيار النظام الإقطاعي ويرجع الفضل في التنظير للدولة الأمة لمجموعة من المفكرين أمثال ميكافلي , وروسو , ولوك ومونتيسكيو , وهيغل – الخ , تقوم الدولة – الأمة على انضواء جميع الأفراد الذين ينتمون لقومية واحدة – وحدة لغة وتقاليد وعادات وتاريخ وإقامة على أرض مشتركة – تحت سلطة سياسية واحدة على ارض محددة. والدولة – الأمة مرتبطة بظهور الفكر القومي. ولكن هذا لا يعني أن كل الدول الحديثة والمعاصرة تأخذ شكلاً واحداً في وجودها. فهناك نموذج الدولة الليبرالية الرأسمالية المعروفة في أوروبا , ونماذج خاصة بدول العالم الثالث حيث أن تأسيس الدولة في العديد من دول العالم الثالث لم يحدث اعتماداً على التسلسل المشار إليه سابقاً , وبالتالي لم يحدث اعتماداً على تطور ونضج في البني والمؤسسات الداخلية , بل غالباً كان تأسيساً نتيجة تدخل الاستعمار وفرضه قسراً على هذه المجتمعات , نظماً وهياكل ومؤسسات الدولة , دون أن تكون بنية المجتمع مهيأة للتعامل مع هذه المؤسسات , الأمر الذي أدى إلى انفصال ما بين المجتمع والدولة وبالتالي حالة الصراع والعداء بين الطرفين والتي تتمظهر في عدم الاستقرار والحروب الأهلية والانقلابات والثورات... الخ بالإضافة إلى ذلك فليس جميع الدول تتكون من أفراد ينتمون لقومية واحدة , بل هناك دول تتكون من عدة قوميات كروسيا الاتحادية , إيران , الهند , وهناك قوميات موزعة على عدة دول , كالأمة العربية , بالإضافة إلى وجود قوميات لم تؤسس لنفسها دول خاصة بها حتى اليوم كفلسطين والأكراد.هذا ويبلغ عدد الجماعات العرقية في العالم 5350 جماعة فيما عدد دول العالم أقل من 200 دولة.
إن كانت نظرية الدول القومية هي النظرية الأكثر تفسيراً لواقع الدولة في النظام الدولي المعاصر , إلا أن هذا لا يعني أنها تشكل النهاية أو خاتمة المطاف بالنسبة للتنظير حول الدولة أو المجتمع الشمولي , حيث أن هذه الدولة القومية التي تعبر عنها النظرية السياسية المعاصرة تتعايش مع أشكال أخرى من المجتمعات الإنسانية قد تكون سابقة على مرحلة الدولة القومية , وقد تكونت في مرحلة تخطي وتجاوز للدولة القومية ’ وخصوصاً أن التوجه الحالي في النظام الدولي يسعى إلى إقامة التكتلات الكبيرة التي تتجاوز المفهوم الضيق للسيادة القومية. ويبقى تطور نظرية الدولة كنظام سياسي أو كمجتمع بشري أو كمؤسسة اجتماعية مرتبط بالتطور العام للمجتمعات الإنسانية وللحضارة الإنسانية عموماً , ومرتبط بالظروف السياسية لكل بلد , حيث تكشف لنا التحولات الأخيرة في أوروبا الشرقية عن بداية تفكك دول وظهور دول جديدة لم يكن لها وجود سابق أو كانت قد فقدت استقلالها خلال نزاعات سابقة , كما أن هناك شعوب مازالت تناضل من أجل حقها في إقامة دولتها التي فقدتها بفعل الغزو الاستيطاني , وأهم حالة الشعب العربي الفلسطيني الذي يناضل ضد الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في أرضه فلسطين.هذا الاحتلال لم يلغ الدولة الفلسطينية كوجود تاريخي ولكنه أفقدها عنصر السيادة فتحولت إلى أرض محتلة , واليوم الشعب الفلسطيني يناضل من أجل إعادة بناء دولته .

المبحث الثاني
المجتمع الفلسطيني : خصوصية النشأة

المطلب الأول : تداخل الانتماءات وملابسات التشكيل :
المجتمع الفلسطيني يتميز بخصوصية سواء من حيث النشأة أو من حيث التكوين , فمن حيث النشأة حدث تداخل كبير وما يزال ما بين المجتمع الفلسطيني والمجتمع العربي , ولكون المجتمع الفلسطيني جزءاً من المجتمع العربي فإن سمات المجتمع ومراحل تطوره تنطبق على المجتمع الفلسطيني بالتبعية – تبعية الجزء للكل – وعليه يمكن القول بأن المجتمع الفلسطيني وبالتبعية مر بنفس المراحل المعروفة لتطور المجتمعات العربية , ما عدا مرحلة الدولة – الأمة , التي لم يعرفها المجتمع العربي ككل ومرحلة الدولة الوطنية حيث ما زال خاضعا للاستعمار, فعديد من الدول العربية المعاصرة أوجدها الاستعمار – اتفاقية سايكس – بيكو بالنسبة لبلاد الشام – بمعنى أن هناك مجتمع عربي واحد واثنان وعشرون دولة قطرية. أما من حيث التكوين فالمجتمع الفلسطيني يعرف نفس التكوينات الاجتماعية الأولية المعروفة في المجتمع العربي , إلا أنه يختلف بغياب التواصل بين تجمعات أفراده , وعليه يمكن القول بأن الحديث عن مجتمع فلسطيني راهن هو ضرورة سياسية ووطنية أكثر مما هو توصيف لواقع سسيولوجي إلا ما أوجده الاحتلال من خصوصية كهوية مهددة وثقافة مقاومة وأشكال من التضامن الاجتماعي.
المجتمع الفلسطيني : إكراهات التأسيس:
ليس مجال بحثنا في هذا الكتاب الحفر في تاريخ فلسطين القديم بل البحث في المجتمع الفلسطيني الحديث , ذلك أن تاريخ فلسطين القديم يضرب بجذوره لآلاف السنين , حيث يعود لما قبل الكنعانيين , وقد ذكرت التوراة أنه عندما قدم العبرانيون لفلسطين وجدوا فيها الشعب الفلسطيني , وكما يقال المثل الشعبي (من لسانهم نديهم ). ومع ذلك فأن الغموض يكتنف الأصل الأول لهذا الشعب العريق , فقد ذكرت بعض الروايات بأن الفلسطينيين هو شعب جاء من بحر إيجه وسكن السواحل الجنوبية لفلسطين ونحن نشكك في هذه الرواية ونعتقد أنها من اختراع بعض المستشرقين هدفها التشكيك بأصالة الشعب الفلسطيني وعلاقته بأرض فلسطين التاريخية،إي إظهارهم كشعب جاء من خارج المنطقة مما يعني ان اليهود كانوا سابقين على الفلسطينيين في تواجدهم بفلسطين. فيما ذكر آخرون بأن كلمة (فلسطين) جاءت من كلمة فلسط أو فلست , والفلسط هم اسم ألاه وجد في الألف الثاني قبل الميلاد أو قبل ذلك , وكان موطنه الأصلي عقرون في فلسطين الحالية وكانت الأرض التي تسمى اليوم بفلسطين مسكونة بشعبين , شعب ( الفلسط في الجنوب وشعب ( التكر ) في الشمال , وما يؤكد هذا القول هو وجود نص فرعوني يعود للسنة الثانية عشر من عهد رمسيس أحد فراعنة مصر القديمة , وجاء في هذا النص : ( إنه هزم التكر وأرض الفلسطينيين ), ويذكر نص فرعوني قديم ما يفيد بان الفلسطينيين كانوا شعباً متحضرا يسكن المدن , وجاء في النص الذي يصف الحال قبيل دخول الحرب مع الفلسطينيين بأن (الفلسط كانوا قلقين يختبئون في مدنهم ) .
إذن الشعب الفلسطيني شعب عريق ومن أقدم شعوب المنطقة , إلا أنه بفعل الحروب والهجرات، مرت على أرض فلسطين أقوام متعددة بعضها اختلط بشعب الفلسط الأصلي وأصبح جزءا منه وآخرون كانوا مجرد محتلين أو فاتحين , عمروا لفترات قد تطول أو تقصر :الرومانيين والصليبيين والأتراك والانجليز , ولكنهم في النهاية تركوا البلاد لأهلها , ويعتبر الاحتلال العبراني آخر موجات الاستعمار لأرض فلسطين.
من الممكن تلمس ظهور المجتمع الفلسطيني الحديث ككينونة سياسية وكيانية متميزة عن محيطها العربي والإسلامي عندما اجتمع عاملان :-
الأول : ظهور المطامع الصهيونية بفلسطين وتصدى الفلسطينيون لمواجهة محاولات الحركة الصهيونية للحصول على امتيازات من قبل الباب العالي في الآستانة .
الثاني: ظهور توجهات قُطرية عربية – سوريا ولبنان والأردن والعراق – فصلت نفسها عن المتحد الكلي سواء كان سوريا الكبرى أو حلم الدولة العربية – وهو ما سنتطرق إليه لاحقاً.
وهكذا مع استفحال الأخطار الصهيونية وممارسة الحركة الصهيونية ضغوطاً على السلطان العثماني وإغرائه بالمال لأجل فتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين , نشط الأعضاء الفلسطينيون في جماعة الاتحاد والترقي , وفي مجلس المبعوثان – البرلمان العثماني- في شرح أخطار الحركة الصهيونية وأطماعها في فلسطين. وقد تساءل نائب يافا في " مجلس المبعوثان " حافظ بك السعيد في حزيران / يوليو 1909 عما إذا كانت الحركة الصهيونية الهادفة لاستيطان فلسطين متوافقة مع مصلحة الإمبراطورية العثمانية ؟ وطالب باتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحد من الهجرة اليهودية وإغلاق ميناء يافا في وجه المهاجرين. ومع بداية عام 1911 أثير المشكل من جديد في المبعوثان " من طرف شكري العسلي وروحي الخالدي .
يبدو أن هذا الإحساس بخطورة الهجرة اليهودية والأطماع الصهيونية في فلسطين وتهديدها لعروبة البلاد كان مقتصراً على الفلسطينيين أنفسهم , ولم يكن ضمن الاهتمامات الأساسية للحركة القومية العربية الوليدة , والتي كانت مجسدة آنذاك بعدد من الجمعيات مثل حزب اللامركزية , والعربية الفتاة وحزب العهد... ومن الواضح أن الحركة القومية آنذاك كانت منهمكة بهمومها الخاصة وبصراعها مع السلطات العثمانية للحصول على ما يمكن الحصول عليه من امتيازات ضمن الجامعة العثمانية. ويظهر لنا قصور الحركة القومية عن استيعاب المسألة الفلسطينية آنذاك والخطر الصهيوني , في المؤتمر العربي الأول المعقود في باريس عام 1913 , حيث تجاهل المؤتمرون الخطر الصهيوني في فلسطين بالرغم من ورود عشرات الرسائل تنبه المؤتمرين إلى هذا الخطر , فمن بين 378 برقية وصلت للمؤتمر كان 139 من فلسطين.
كان تأثير الخطر الصهيوني على الفلسطينيين والإحساس به أكبر بكثير مما هو على بقية المجتمعات العربية الأخرى , حيث كان مادياً ومباشراً على الفلسطينيين , وكان مجرد احتمال خطر بالنسبة لبقية العرب , وعليه شعر الفلسطينيون بأن غبنا قد وقع عليهم من قبل مؤتمر باريس لتجاهل المؤتمرين خصوصية وضعهم , وهذا ما حدا بالصحف الفلسطينية لدق ناقوس الخطر والتنبيه إلى احتمال حدوث " انشقاق " في وحدة الحركة القومية العربية الوليدة و واحتمال دفع الفلسطينيين لفقد الأمل في التعويل على الحركة القومية الناشئة لحل مشاكلهم مع الصهيونية. فصحيفة الكرمل لصاحبها نجيب نصار كتبت يوم8/7/1913 , تقول... " هل جرى الاتفاق على المضي بمناهضة كل حركة حياتية تظهر منا وترك أبناء الصهيونية.. يحيون قوميتهم بموت قوميتنا... ؟ هل جري الاتفاق على أن نبيعهم وطننا قطعة ليرحلونا عنه فرادي وجماعات " .
أثار تجاهل مؤتمر باريس القومي للخطر الصهيوني ، في وقت كانت فيه عملية شراء الحركة الصهيونية للأراضي الفلسطينية من ملاكها من الإقطاعيين العرب وبدعم من السلطات العثمانية تتم بصورة مفضوحة ، حفيظة الفلسطينيين. وتصدرت جريدة الكرمل للموضع متسائلة " يا طلاب الإصلاح في بيروت ومصر , كيف تطلبون للبيت سقفا وتغفلون عن وضع أساسه , تطلبون الإصلاح لبلاد يسعى لتملكها الصهيونيون وأن تشاهدون هذا ولا تعارضون كأنكم لا صلة بينكم وبين إخوانكم في العروبة والعثمانية والوطنية في فلسطين , وكأنكم لا تعلمون أن ضياع فلسطين يقضي على آمالكم وحياتكم الاقتصادية .
مع تجاهل الحركة القومية الوليدة للمعاناة الفلسطينية وتسبيق الحركة للهموم العربية المتعلقة بالإصلاح واللامركزية ضمن الحكومة العثمانية , وعدم رغبتها في فتح معارك جانبية , أدى هذا التجاهل إلى ردة فعل فلسطينية تمثلت في عودة الفلسطينيين للاعتماد على النفس , وإنشاء جامعة خاصة بهم تهتم بالشؤون الفلسطينية دون انتظار العون الخارجي , وتردد المثل القاتل " ما حك جلدك مثل ظفرك." مما أدى إلى مخاوف من ظهوره ردة إقليمية تنفصل عن الحركة القومية الناشئة.
إلا أن هذه المخاوف لم يكن لها أساس من الصحة فالانتماء القومي للفلسطينيين كان جارفاً , وحالة اليأس من أي دعم عربي للفلسطينيين آنذاك لم يدفع إلى الكفر بالقومية العربية , بل ربط الفلسطينيون ما بين الأطماع الصهيونية في أرض فلسطين وبين الإستراتيجية الصهيونية الاستعمارية في المنطقة العربية الهادفة إلى تجزئة المنطقة تمهيداً للسيطرة عليها. وقد بين خليل السكاكيني احد الأقطاب الفلسطينيين آنذاك في مقابلة أجرتها معه جريدة الأقلام القاهرية في آذار / مارس عام 1914 هذا الترابط حيث أكد "... إن الصهيونيين يريدون أن يمتلكوا فلسطين قلب الأقطار العربية والحلقة الوسطى التي تربط شبه الجزيرة العربية بأفريقيا , وهكذا يبدو أنهم يريدون كسر الحلقة وتقسيم الأمة العربية إلى جزئن للحيلولة دون توحدها " . كما أن مناشدة الفلسطينيين للعرب بالتدخل لنصرتهم يؤكد شعورهم بالرابطة الواحدة التي تربطهم بالأمة العربية , فوحدة المصير والتاريخ المشترك يحتمان على العرب نصرة الفلسطينيين ".... فنحن إخوانكم الفلسطينيون نشاطركم في كل مواقفكم أنواع المحن فلماذا لا تشاطرونا على الأقل , شيئاً من الشعور بالمصائب التي تنصب على رؤوسنا ".
انتهت فترة القلق والانتظار التي عاشها الفلسطينيون , وتلاشت تخوفاتهم من أن تسوى الحركة القومية العربية الناشئة مشاكلها مع السلطات العثمانية دون الأخذ في الحسبان الخصوصية الفلسطينية , أو أن تدخل في اتفاقيات مع الحركة الصهيونية على حساب حقوق شعب فلسطين , وهو الأمر الذي أثير من خلال الاتصالات التي أجراها عدد من قادة حزب اللامركزية مع الحركة الصهيونية. فالسلطات العثمانية تشددت في مواقفها الرافضة لأي إصلاح يعطي حكماً لا مركزياً للعرب في موطنهم , كما أن المباحثات العربية الصهيونية آلت إلى الفشل حيث صرح رشيد رضا باسم حزب اللامركزية أن الخطر الصهيوني لا يقتصر على فلسطين بل يتعداه إلى سوريا حتى الفرات , وفي نفس الوقت أعلن محمد المحمصاني أحد قادة جمعية (العربية الفتاة) ومن مندوبي المؤتمر الأول , أن الشعب العربي يعارض الحركة الصهيونية , كحركة سياسية هدفها إيجاد وطن اليهود في فلسطين , وقامت الصحف العربية مثل الأهرام والمقطم وفتى العرب والمؤيد بحملة صحافية بينت فيها أخطار الحركة الصهيونية ليس على فلسطين بل على المنطقة العربية ككل وبذلك دخلت القضية الفلسطينية في صميم الحركة القومية العربية , وأصبحت مهمة تأكيد عروبة فلسطين ومعاداة الخطر الصهيوني من المهمات التي تصدت لها الحركة القومية والتي رفدها الفلسطينيون بكل إمكانياتهم لإنجاحها.
المزاوجة بين وطنية مهددة وقومية متعثرة الولادة:
ولج الفلسطينيون الحركة القومية العربية , وشكلوا دعامة أساسية من دعائمها , وتبوأ البعض منهم مراكز قيادية فيها , ونظراً لتداخل العامل القومي بالخصوصية الفلسطينية فقد اعتبر الفلسطينيون انتصار الحركة القومية العربية لا يعني تحرر الأقطار العربية من الحكم التركي وإقامة حكومة عربية مستقلة فحسب بل انتصارا للحركة القومية العربية القادرة على مواجهة الخطر الصهيوني وإنقاذ شعب فلسطين منه.
ولكن كيف تعاملت الحركة القومية العربية بعد الثورة مع القضية الفلسطينية ؟وهل وعت العلاقة الجلدية القائمة ما بين عروبة فلسطين وبين الوحدة العربية ؟
إن المتتبع لمعالجة قادة الثورة العربية مع المسألة الفلسطينية , سيلمس بوضوح شيئاً من الغموض اكتنف موقفهم تجاه عروبة فلسطين , سواء فيما يتعلق بمراسلات حسين مكماهون أو موقف الأمير فيصل بعد ذلك من الموضوع.
ففي الفترة الأولى من قيام الثورة أوضح الشريف حسين مطالب الحركة القومية العربية في رسالة بعثها إلى السيد هنري مكماهون. ونظراً لسياسة بريطانيا المتسمة بالمماطلة والغموض و المعادية لطموحات العرب , فقد رد مكماهون على مطالب الشريف حسين لبريطانيا بالتعهد باستقلال العرب بالموافقة على استثناء بعض المناطق , وهي التي حددت في رسالة مكماهون بأنها أجزاء من بلاد الشام , الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق الشام حمص وحماة وحلب , وكان تفسير بريطانيا لذلك , أنه لا يمكن أن يقال أن هذه المناطق عربية تماماً .
أثار الغموض الذي صاحب موافقة حسين على هذا الاستثناء كثيراً من الالتباس حول مدى جدية قادة الحركة القومية العربية في التمسك بعروبة فلسطين , وخصوصاً أن الحركة الصهيونية وبريطانيا فسرتا الاستثناء المشار إليه في مراسلات حسين - مكماهون بأنه موافقة ضمنية من العرب على استثناء فلسطين من المناطق المطالب باستقلالها , واعتبروا أن فلسطين تقع ضمن المناطق الواقعة غرب دمشق وحمص وحماه. في تصريح لتشرشل في 11/7/1922 -كان آنذاك وزيراً للمستعمرات – أكد أن فلسطين كانت مستثناة من تعهدات الحكومة البريطانية للعرب بالاستقلال. وادعي بأن فيصل بن الشريف حسين كان قد اتفق أثناء مباحثاته مع البريطانيين عام 1921 على ذلك. أثيرت المسألة من جديد مع تدهور الأوضاع في فلسطين , الصدمات التي وقعت في عام 1929 – انتفاضة البراق – بين شعب فلسطين والحركة الصهيونية , ففي التاسع من كانون الأول / ديسمبر 1929 , وأثناء بحث المسألة الفلسطينية في لندن , أعلن المستر شليز وكيل وزارة المستعمرات أن فلسطين لم تكن مشمولة بالوعد الذي قطعته بريطانيا للشريف حسين.
ولسنا هنا في مجال التشكيك حول النوايا الحقيقية للشريف حسين أو ابنه فيصل تجاه فلسطين , خصوصاً أن المخطط الصهيوني الاستعماري كان أقوى من أن يؤثر فيه موقف الشريف حسين أو أن يعرقله اعتراض هذا الزعيم أو تلك الحركة. كان الوجود الصهيوني على ارض فلسطين قد أصبح واقعا لا يستمد شرعيته من تعهدات الشريف حسين أو غيره ولكن يستمدها من قوة السلاح وجبروت القوة والتضليل المبرمج للرأي العالمي. ومع ذلك يبدو أن قادة الحركة القومية , وقد وجدوا أنهم الطرف الضعيف في المفاوضات , ونظراً لتورطهم في التآمر مع بريطانيا ضد تركيا , كانوا على استعداد للاعتراف لليهود بوضع خاص في فلسطين إذا ما تعهدت الحركة الصهيونية والقوى الاستعمارية بإقامة دول عربية تحت حكم عربي في بلاد الشام. هذا الأمر أكدته ملابسات لقاء فيصل – وايزمان في باريس.
ففي أثناء وجود فيصل في باريس 1919 اجتمع في كانون الثاني / يناير من نفس العام مع الصهيوني وايزمان , بوساطة بريطانيا , وحسبما هو ثابت في محاضر اللقاء تعهد فيصل بتوثيق التعاون مع الحركة الصهيونية وفتح باب الهجرة أمام اليهود , واعترافه بوعد بلفور. وقد حاول فيصل تبرير موقفه هذا بالحالة النفسية التي كان يعيشها وحيداً محاصراً في أوروبا , وبالضغوط التي مارستها عليه بريطانيا , وخداع لورنس له !.
إن ضعف الموقف التفاوضي لفيصل في تلك الفترة التي كرست فيها الدول الاستعمارية واقع تواجدها في البلاد العربية , ونالت بمساعدة الحركة القومية العربية كل ما تريد في المنطقة،لا يمكن أن يكون مبرراً لتقديم أي تنازلات حول أي جزء من أرض العرب , وخصوصاً أن المناضلين في الحركة القومية العربية كانوا رافضين لأي تنازل للصهاينة في فلسطين.
وعليه فإن المواقف المترددة لفيصل تجاه عروبة فلسطين , لم تؤثر على تمسك غالبية الحركة القومية العربية بعروبة فلسطين ورفضها لجميع الخطط الاستعمارية الصهيونية الهادفة لاقتطاع فلسطين من جسم القمة العربية. ففي المؤتمر السوري الأول المنعقد في دمشق يوم الثامن من تموز 1919 أكد المؤتمرون على المطالبة بالاستقلال وإقامة حكومة نيابة , وفيما يخص فلسطين فقد تطرقت لها البنود السابغ والثامن والعاشر من مقررات المؤتمر, فنص البند السابع على رفض المطالب الصهيونية بجعل القسم الجنوبي من سوريا ( أي فلسطين ) وطناً لليهود , أما البند الثامن فعبر عن استنكار المؤتمرين لاتفاقية سايكس – بيكو الهادفة لتقسيم بلا الشام وفصل فلسطين عن سوريا وفي البند العاشر عبر المؤتمرون عن رفضهم لوعد بلفور , ومما يجدر ذكره هنا أن هذا المؤتمر حضره ممثلون عن جميع سكان ( سوريا الكبرى ) , وكان الوفد الفلسطيني في المؤتمر ممثلا في كل من عزة دروزة،أمين التميمي،رفيق التميمي،عادل زعيتر , إبراهيم عبد الهادي،الدكتور احمد قدري،معين الماضي،صلاح الدين يوسف،سليم عبد الرحمن , يوسف العيس،عبد الرحمن الخولي،إبراهيم العلي،رشيد الحاج إبراهيم،حسين الزغبي وعلي مهدي.
ولكن يبدو أن أماني الشعوب وطموحاتها بالتحرر والاستقرار لا تجد مكانا لها في مواجهة سياسة الأمر الواقع المدعوم بالقوة العسكرية , إن لم تلجأ هذه الشعوب إلى استعمال أسلوب العنف في مواجهة العنف فقرارات مؤتمر دمشق لم تستطيع أن تغير شيئا من الواقع التي فرضه الاستعمار على أرض العرب.فردا على إعلان استقلال سوريا اجتمع المجلس الأعلى للحلفاء في سان ريمو في نيسان / ابريل عام 1920 واتخذ قراراته القاضية بتقسيم سوريا إلى ثلاثة أجزاء منفصلة ( فلسطين , لبنان , وما تبقى من سوريا ) وإن توضع فلسطين بالإضافة إلى العراق تحت الانتداب الذي سيلتزم بتطبيق وعد بلفور بإقامة وطن لليهود في فلسطين. وبهذا استكملت فصول المؤامرة الاستعمارية الصهيونية , بتجزئة البلاد العربية وبوضع الأساس للمحافظة على واقع التجزئة بالتهيئة لإقامة دول يهودية في فلسطين , وتكريس هذا الواقع بتشتيت الحركة القومية العربية إلى جداول إقليمية , تفرعت لمواجهة متطلبات العمل الوطني الإقليمي. وحده شعب فلسطين بقي في الميدان، محتلة أرضه،مهددة قوميته ومعرض وجوده كشعب للخطر،فبدا مرحلة جديدة من النضال تقوم على اعتماده على نفسه محاولا أن يلعب أوراقه الوطنية المحدودة. فهل يستطيع الفلسطينيون الانتصار في هذه المعركة وهل يمكنهم العمل منفردين بعيداً عن حركة الوحدة العربية ؟

المطلب الثاني : الشعب الفلسطيني في مواجهة وعد بلفور:
في الوقت الذي كانت فيه الحركة العربة الناشئة منشغلة بمصير البلاد العربية بعد الحرب, مراهنة على تنفيذ الانجليز لتعهدهم للشريف حسين , تم الكشف عن وثيقتين خطيرتين لعبتا دورا في رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة وما زالت تداعياتهما متواصلة حتى اليوم. الأولى هي اتفاقية سايكس – بيكو 1916 والتي بمقتضاها اتفقت بريطانيا وفرنسا على تقسيم المنطقة العربية الخاضعة للإمبراطورية العثمانية بعد الحرب , وما كان لهذه الاتفاقية أن ترى النور آنذاك لولا خروج روسيا من التحالف ومن الحرب وكشفها للوثيقة. وقد أكدت هذه الاتفاقية الخداع الاستعماري وقدرة بريطانيا على توظيف والي الحجاز الشريف حسين والقوميين العرب لخدمة الأهداف الاستعمارية مقابل وعود زائفة – سبق الإشارة إلى الموضوع.
إلا أن الوثيقة الأخطر والتي لعبت دورا في تأجيج الصراع في فلسطين وفي فتح أبواب الهجرة أمام اليهود لفلسطين , فهي وعد بلفور 1917 , حيث وعد من لا يملك بمنح فلسطين لم لا يستحق –الصهاينة-, حيث وعد وزير خارجية بريطانيا آرثر بلفور اليهود بمنحهم وطن قومي في فلسطين , وجاء هذا التعهد نتيجة التقاء المصالح بين الحركة الاستعمارية المتطلعة للهيمنة على المنطقة والحركة الصهيونية المتطلعة لتأسيس وطن في فلسطين كما طالب المؤتمر الصهيوني الأول في بال عام 1879 بالإضافة إلى رغبة بريطانيا بمكافأة اليهود على دعمهم لها في الحرب بشراء سندات خزينة بملايين الجنيهات والمشاركة اليهودية بمجهودات الحرب علميا. وقد عمل وعد بلفور على منح شرعية للهجرة اليهودية إلى فلسطين وفتح المجال أمام اليهود لمباشرة سياسة السطو على الأرض الفلسطينية تحت ذرائع شتى.
تفاقم الخطر الصهيوني وصعود الخصوصية الوطنية الفلسطينية :
في ظل هذه الأجواء الخطرة ومع انكشاف حقيقة المؤامرة على فلسطين , أخذ الفلسطينيون يتلمسون طريقهم الخاصة في النضال , وليخوضوا مسيرة العمل الوطني بما يكتنفها من غموض وصعوبة , نظراً لجسامة الأخطار المحدقة بفلسطين , وكانت أهم صعوبة واجهت الحركة الوطنية الفلسطينية في بداية مسيرتها تتجسد في قوة الخصم الواقف في مواجهتها والمتمثل في التحالف الصهيوني الاستعماري , وكان هذا أكبر من طاقتها على المواجهة , مما دفعها إلى محاولة الفصل في هذا المرحلة ما بين الصهيونية وبين سلطات الانتداب البريطاني , وانتهاجها لسياسة مهادنة مع بريطانيا واعتبار الحركة الصهيونية هي الخطر الأساسي , وقد استغلت السلطات البريطانية هذه السياسة المهادنة تجاهها ونصبت نفسها حكما في الصراع الدائر على أرض فلسطين. وهذا ما تجسد في تشجيعها على السكوت على نشاط سياسي فلسطيني أخذ اسم " الجمعيات الإسلامية – المسيحية ".
ابتداء من مارس عام 1918 بدا تشكيل جمعيات إسلامية – مسيحية في كل مدن وقرى فلسطين , وأخذت على عاتقها قيادة العمل السياسي في البلاد , وتوجيه الجماهير إلى أنجح الطرق والوسائل الكفيلة بمواجهة المشاكل التي تواجهها البلاد. وفي بداية تشكلها كانت تحمل اسم ( المؤسسات العربية ) ولكن البريطانيين اقترحوا تسميتها بالجمعيات الإسلامية – المسيحية , ولم يخف مؤسسو هذه الجمعيات دور بريطانيا في ظهور هذه الجمعيات وتشجيعها لهم و فقد ذكر احد هؤلاء – حمدي الحسيني بأن ".... مجموعة من قادة البلاد قابلوا الحاكم العسكري البريطاني لفلسطين عام 1918 وأعربوا عن مخاوفهم من نتائج وعد بلفور. وقد طلب منهم الحاكم العسكري البريطاني أن يسلكوا نفس مسلك اليهود حين طلب هؤلاء بالوطن القومي , وفعلا خرج قادة البلاد ليشكلوا " الجمعيات الإسلامية – المسيحية " في كل مدينة وقرية , لمطالبة الحكومة البريطانية من خلال تلك الجمعيات وكنصيحة الحاكم العسكري بإلغاء وعد بلفور ".
لم يكن تشجيع السلطات البريطانية , على خلق نواة حركة سياسية في فلسطين , حرصاً منها على شعب فلسطين وتفهماً لعدالة قضيته ورغبة صادقة في خلق معرضة عربية تقف في وجه المخططات الصهيونية في فلسطين. ولكن الهدف الأساسي من وراء ذلك كان إبعاد الشعب الفلسطيني عن محيطه العربي وحرف تطلعاته الوحدوية القومية , من خلال خلق مجالات للعمل السياسي الإقليمي مُسيطَر عليها وموجَهة من قِبَل بريطانيا،وبذلك تضع إسفينا بين شعب فلسطين وبين حركة الوحدة العربية التي كانت آنذاك تطالب بإقامة دولة عربية موحدة في البلاد التي كانت خاضعة لتركيا بما فيها فلسطين.
تغاضت السلطات الانتدابية بداية عن نشاط الجمعيات الإسلامية, وبرزت الإرهاصات الأولى لإقليميات عربية عبر عنها ساطع الحصري في كتاب ( يوم ميسلون ) كما يلي : " فهذا فلسطيني يعتبر الصهيونية أول ما يجب أن يهتم به من مشاكل , ذلك سوري يرى في أطماع فرنسا أكبر الأخطار التي تهدد القضية العربية , وذلك عراقي يقول بوجوب الثورة ضد الإنجليز قبل كل شيء". في ظل هذه الأوضاع اتجهت الجمعيات الإسلامية –المسيحية , نحو التمركز التنظيمي , فدعت إلى عقد مؤتمر عام لها ما بين السابع والعشرين من كانون الثاني / يناير والعاشر من شباط / فبراير عام 1919 اتخذ نشاط هذه الجمعيات في البداية طابعاً قومياً وظهر ذلك جليا في النقاشات التي دارت بين الأقطاب الفلسطينيين قبل انعقاد المؤتمر , فيذكر أنه مع وجود تيار إقليمي يدعو إلى أن تكون فلسطين للفلسطينيين ’ إلا أن التيار الغالب كان تيار الوحدة العربية , وان وجهة النظر الغالبة قبيل انعقاد المؤتمر هي " رأينا أن نجرب أن نوحد كلمة الوفود كلهم على عقيدة الجامعة العربية , وأن فلسطين ليست للفلسطينيين بل هي للجامعة العربية , وقررنا أن تقيم الأندية الوطنية في القدس حفلات تكريم لهم , ويقوم فيها الخطباء ويدعون إلى الجامعة العربية".
وقد تأكد عمق الانتماء القومي عند الفلسطينيين وإيمانهم بالوحدة العربية من خلال القرارات التي أصدرها مؤتمرهم الوطني هذا فالإضافة إلى إصدار قرار من المؤتمرين بتسمية فلسطين ( سوريا الجنوبية ) فقد ورد في القرارات ما يلي :
أولاً : إننا نعتبر فلسطين جزءاً من سوريا العربية , إذ لم يحدث أن انفصلت عنها في أي وقت من الأوقات ونحن مرتبطون بها بروابط قومية ودينية ولغوية , وطبيعية واقتصادية و وجغرافية.
ثانياً: إن التصريح الذي أدلى به المسيو بيكو وزير خارجية فرنسا وقال فيه إن لفرنسا حقوقاً في بلدنا مبنية على رغائب ومطامح السكان ليس لها أساس. ونحن نرفض جميع التصريحات التي أدلى بها في الخطاب في 29كانون الأول / ديسمبر عام 1918 لأن تمنياتنا ومطامحنا تنحصر في الوحدة العربية والاستقلال التام .
ثالثاً: بناء على ما تقدم , إننا نعرب عن رغبتنا بأن لا تنفصل سوريا الجنوبية ( فلسطين ) عن حكومة سوريا المستقلة , وأن تكون متحررة من جميع أنواع النفوذ والحماية الأجنبية . وفي نهاية المؤتمر قرر المؤتمرون إرسال وفد إلى بلاد الشام للاجتماع مع قادة البلاد القوميين وللتعبير عن عواطف أهل (سوريا الجنوبية ) في بقائهم وإياهم كتلة عربية مستقلة , إلا أن الإنكليز منعوا الوفد من السفر إلى دمشق.
كان أمل الانضمام وتأكيد الانتماء لسورية الطبيعية قد راود أحلام الفلسطينيين, باعتباره المخرج الوحيد أمامهم من المأزق الذي كانوا يواجهونه , ولم يتركوا مناسبة إلا وعبروا عن طموحاتهم هذه. ففي اجتماع لقادة الحركة الوطنية الفلسطينية يوم الثاني عشر من نيسان /أبريل 1919 حددوا المطالب الواجب تقديمها للجنة " كنج كرين " , والتي تركزت على اعتبار "سوريا" التي تمتد من جبال طوروس شمالاً إلى ترعة السويس جنوباً مستقلة استقلالاً تاماً ضمن الوحدة العربية و أن فلسطين جزء لا يتجزأ عنها .
وفي كانون الثاني /يناير 1920 رفعت الجمعية الإسلامية المسيحية بنابلس مذكرة إلى مؤتمر الصلح في باريس بينت فيها. " إننا لا نريد غير استقلال بلادنا السورية واحدة غير متجزئة و وإننا نرفض المزاعم الصهيونية والهجرة اليهودية....ففصل فلسطين عن سوريا يفهمنا بصراحة تامة أن المراد منه تمزيق البلاد العربية إرضاء للمصالح الاستعمارية , وأنه لم يكن إلا تطبيقا لمعاهدة 1916, التي هي تعد صريح على حقوقنا والتي يقصد من ورائها تلاشي قوميتنا .
أن المتتبع للعمل السياسي داخل فلسطين منذ قيام الثورة على 11916 وحتى أواخر 1920 , يلاحظ تقاطع النضال الفلسطيني مع نضال الحركة القومية العربية وامتداد لها بالرغم من الالتباس الذي صاحب نشوء الأولى. ويرجع هذا التداخل كما سبقت الإشارة إليه إلى عدة عوامل. كإن الخطر الصهيوني وقوة معسكر الأعداد سبب / لا يستهان به في هذا المجال , وهو ما أكده تقرير المخابرات البريطانية في تشرين الثاني / نوفمبر 1919 حيث أوضح أن الخوف من الصهيونية هو " السبب الرئيسي الذي يدفع الشباب من العناصر الموالية للوحدة العربية نحو العطف على الاتحاد مع سوريا العربية المستقلة , فبانضمام فلسطين إلى سوريا العربية , يصبح في وسع شعب فلسطين , بمساعدة العرب الآخرين , أن يقاوموا بنجاح الهجرة اليهودية .
إلا أن سنة 1920 شهدت متغيرات جديدة. فرضت على الحركة الوطنية الفلسطينية انتهاج سياسة جديدة وتبني مواقف جديدة تجاه الوحدة العربية.


المطلب الثالث: فشل المراهنات وانتهاج سياسة الاعتماد على الذات:
منذ منتصف عام 1920 شهدت فلسطين والقضية العربية عموماً أحداثاً مهمة شكلت بالنسبة لتطور الحركة الوطنية الفلسطينية منعطفاً ذا دلالة. فبالإضافة إلى الظروف الداخلية في فلسطين , والتي كان أهمها زيادة الهجرة اليهودية وانتقال الحركة الصهيونية من مرحلة التنظيم والترتيب إلى مرحلة خلق وقائع جديدة والتحرش بالسكان العرب في فلسطين , حصلت متغيرات خارجية كان أهمها عاملين :
الأول : إعلان بريطانيا وفرنسا كدولتين منتدبتين على الأقاليم التي تحتلانها حيث أعلن مجلس السلام الأعلى في نيسان / ابريل عام 1920 هذا القرار دون الرجوع إلى رغبات وأماني الشعوب. وعلى أثر ذلك قامت بريطانيا بممارسة صلاحيتها على فلسطين , وقد ذكر هربرت صموئيل المندوب السامي الذي نصبته بريطانيا في فلسطين أوائل تموز / يوليو 1920 إن مهمته هي " اتخاذ التدابير لضمان إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بالتدريج ".
الثاني : العامل الثاني فقد تمثل في سقوط الحكم الفيصلي في دمشق بعد معركة ميسلون في 24 تمز / يوليو عام 1920. بسقوط الحكومة العربية في دمشق فقد الفلسطينيون آخر أوراق الرهان على الحركة القومية العربية , التي كانوا يعولون عليها كثيراً.
ويبدو أن تضافر العوامل الداخلية والخارجية شكل أساساً موضوعياً لتنحو الحركة الوطنية الفلسطينية نحو الالتفاف على متطلبات النضال الداخلي , بعيداً عن الهموم العربية , دون انتظار عون خارجي اعتماداً على أن فاقد الشيء لا يعطيه.فالسلطات الاستعمارية أخذت منذ نهاية العشرينيات تسوى مشاكلها المعلقة مع تفرعات الحركة القومية العربية , سواء من خلال سياسة المساومات والإغراءات , أو بالضغط وفرض سياسة الأمر الواقع عليها. بالإضافة إلى العوامل السابقة يبدو أن الفلسطينيين وجدوا بأن التركيز على مسألة الوحدة العربية و تسبيق مطلب الوحدة عن غيره من المطالب الوطنية , يفسح المجال للحركة الصهيونية أن تتفرغ لحسم الموقف لمصلحتها على أرض فلسطين. عدا عن كون فكرة الوحدة العربية لم تجد استحسانا من قبل السلطات الانتدابية , التي كانت تعادي كل عمل وحدوي وتحارب الاتجاهات الوحدوية, في الوقت الذي تدعم فيه الشخصيات الفلسطينية المعارضة لفكرة الوحدة العربية.
تبلورت حالة تراجع الفكر الوحدوي في المؤتمر الفلسطيني الثالث , المنعقد ما بين الثالث عشر والتاسع عشر من كانون الأول /ديسمبر عام 1920 , تحت رئاسة موسي كاظم الحسيني , فرغم اعتبار البعض هذا المؤتمر تكراراً للمؤتمر الأول إلا أنه تميز بالدعوة إلى تشكيل حكومة وطنية , هذا المطلب الأول من نوعه في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية وفي تاريخ شعب فلسطين العربي على الإطلاق. وفي الثامن عشر من كانون الأول / ديسمبر رفع رئيس المؤتمر موسى كاظم الحسيني تقريراً إلى المندوب السامي البريطاني في فلسطين – هربرت صموئيل – طلب فيه "... تشكيل حكومة وطنية مسؤولة أمام مجلس نيابي ينتخب أعضاءه من الشعب المتكلم باللغة العربية القاطن في فلسطين حتى أول الحرب " , وكانت مناسبة لرئيس المؤتمر ليعبر للمندوب البريطاني عن ثقته بالحكومة البريطانية وأمله أن تحل طلبة هذا محل النظر والتنبيه
مثلت ( مطالب الحكومة الوطنية ) منعطفاً في الإستراتيجية الفلسطينية , وانفصالاً للحركة الوطنية الفلسطينية عن الحركة القومية العربية , وبالرغم من أن مطلب الحكومة الوطنية لم يكن بالطلب الشاذ أو الغريب عن مطالب الحركات النضالية في الأقطار العربية الأخرى , إلا أن المر مختلف بالنسبة للفلسطينيين , فالسلطات البريطانية التي توجه إليها المؤتمرون بمطلبهم السالف الذكر كانت تنهج نهجاً مناقضاً للطموحات بالاستقلال،فالسياسة التي اتبعتها بريطانيا في فلسطين تدخل ضمن مخطط شامل يهدف أساسا لتطبيق وعد بلفور وإقامة وطن قومي لليهود فيها وبالتالي نفي عروبة فلسطين, وهو الأمر الذي أعلنه بصراحة المندوب السامي هربرت صموئيل كما سبق ذكره , هذا إلى جانب الخصوصية التي تأخذها فلسطين في الإستراتيجية الاستعمارية , والتي تجعل أي سياسة تراهن على إمكانية تحييد بريطانيا في النزاع العربي مع اليهود , سياسة ساذجة ومآلها الفشل نظراً للعداء التناقضي بين الهدف الوطني الفلسطيني والهدف الصهيوني الاستعماري.
لقد خاض الفلسطينيون وطوال فترة العشرينات تجربة العمل الوطني ضمن حدود فلسطين ولجئوا لمختلف السبل والطرق لتحقيق استقلالهم الوطني , أو زحزحة بريطانيا عن مواقفها المنحازة تماماً لجانب الصهاينة , دون جدوى , على العكس من ذلك شهدت ساحة العمل الوطني الفلسطيني حالة من الفوضى تمثلت في الصراعات العائلية والعشائرية , وتفشي الاتكالية والانتهازية , وانحرفت الحركة الوطنية من حركة تعمل لأجل الشعب وضد الاستعمار واليهود , إلى ساحة تتناقض فيها المصالح بين الشخصيات ذات الارتباطات المشبوهة وسماسرة الأرض , وكل من في نفسه مرض السلطة والوجاهة , مما جعل الجماهير الفلسطينية تفقد ثقتها بقيادتها وتلجأ إلى وسائل جديدة في النضال كان أهم سماتها معاداة بريطانيا واعتبارها عدواً أساسيا لها , واللجوء إلى العنف المسلح.
ابتداء من عام 1929 شهدت فلسطين أحداثاً عنيفة , تميزت بتحرك الجماهير الفلسطينية وأخذها زمام المبادرة للتعبير عن السخط والغضب على التعديات الصهيونية على مقدسات المسلمين , ورفضها لسياسة المهادنة التي اتبعتها قيادة الحركة الوطنية تجاه السلطات الانتدابية في فلسطين. وكانت الشرارة التي فجرت الأحداث , قيام اليهود بمظاهرة في تل أبيب في آب/أغسطس 1929 قام العرب على إثرها بمظاهرة مضادة في اليوم التالي , وبدأت معها سلسة من أعمال العنف استمرت عدة أيام , سقط على إثرها العديد من القتلى والجرحى.
مع تزايد أعمال العنف في فلسطين وشموله مجمل التراب الفلسطيني وقفت بريطانيا موقفاً معادياً للعرب ووضعت قوتها إلى جانب اليهود حيث جلبت قوات إضافية من مصر وشرق الأردن لقمع المجاهدين العرب. هذا الموقف العدائي السافر لبريطانيا ادخل تحولا على الإستراتيجية الفلسطينية , حيث أكد فشل سياسة المراهنة على حياد بريطانيا و فشل سياسة المهادنة التي كانت تتبعها القيادة التقليدية للوصول إلى أهدافها. ومن هنا شعر الفلسطينيون أنهم يقفون في تحد مباشر أمام تحالف صهيوني استعماري , وهو الأمر الذي كانوا يتخوفون منه أو يتجاهلون وجوده. وهذا ما حتم عليهم البحث عن المعادل الموضوعي القادر على ترجيح ميزان القوى لمصلحتهم , فكانت العودة للقومية العربية والاستنجاد بالوحدة العربية هما الحل الوحيد القادر على مواجهة الوضع المستجد.
أثار الانحياز البريطاني المكشوف لجانب الحركة الصهيونية موجة من العنف والاضطرابات عمت كل البلاد , اقترنت هذه الحالة بموجة من المشاعر الوحدوية التي عمت كل فلسطين. كانت المشاعر الوحدوية عند الفلسطينيين في هذه المرحلة من الكفاح الفلسطيني تعبر عن وحدة نضالية كفاحية , وحدة من خلال المعركة المشتركة مع العدو المشترك , وهي الظاهرة التي ميزت فيما بعد مضمون الفكر الوحدوي عند الفلسطينيين. وقد شعر البريطانيون بالعلاقة القائمة بين تفجير اضطرابات 1929 وبين المشاعر الوحدوية التي عمت فلسطين. فقد كتب تشانسلور المندوب السامي البريطاني في فلسطين آنئذ إلى اللورد ما سفيلر وزير المستعمرات يصف نتائج انفجار 1929 قائلاً :"... أن موجة من المشاعر العربية الوحدوية قد عمت فلسطين والأقطار العربية لمجاورة،ومن المؤكد أن الحالة السياسية لن تعود مرة أخرى إلى ما كانت عليه قبل آب / أغسطس الماضي "
ويبدو أن قيادة الحركة الوطنية الفلسطينية الممثلة بـ " اللجنة التنفيذية " شعرت بتيار الوحدة العربية الجارف , وبوصول سياستها إلى الطريق المسدود فلجأت إلى محاولة ركوب هذه الموجة وإشراك العرب بالهموم الفلسطينية وتحميلهم جزءاً من مسؤولية ما يحدث على أرض فلسطين، فوجهت في 21شباط/ فبراير عام 1931 بياناً إلى الأمة العربية , دعت فيه العرب إلى الاقتصاص لإخوانكم الفلسطينيين و بمعاملة اليهود في البلاد العربية بمثل ما يعامل اليهود العرب في فلسطين , وأن يعملوا بدون انقطاع للمحافظة على عروبة البلاد المقدسة واستقلالها وفي نفس الوقت دعت لعقد مؤتمر إسلامي في القدس في محاولة منها لاستثارة المشاعر الإسلامية في العالم ضد السياسة الصهيونية البريطانية في فلسطين.
استغل القوميون انعقاد المؤتمر الإسلامي الذي حضرته العشرات من الشخصيات القومية العربية , فدعوا إلى عقد مؤتمر قومي عربي على هامش المؤتمر الإسلامي. وبالفعل عقد المؤتمر في بيت عوني عبد الهادي وحضره خمسون شخصية عربية , حيث أصدر المؤتمرون بياناً يوم الثالث عشر من كانون الأول / ديسمبر عبروا فيه عن أهداف المؤتمرين وتطلعاتهم القومية , وأشادوا بالجهود التي بذلت من أجل تحقيق كيان عربي مستقل يشمل الأقطار العربية المختلفة ويوصل الأمة العربية إلى الاستقلال الذي تتمتع به أمم العالم الحرة وهاجموا السياسة الاستعمارية الهادفة إلى تجزئة الأمة العربية بهدف إشغال أهل كل قطر من الأقطار العربية عن إخوانهم في الأقطار الأخرى بقضايا إقليمية مصطنعة وأوضاع محلية متقلبة " .
كان أهم ما تمخضت عنه أعمال المؤتمر ميثاق سمى " الميثاق القومي العربي " الذي يعتبر وثيقة مهمة من وثائق الحركة القومية العربية آنذاك , عبرت عن عمق الإيمان بالوحدة العربية , والإحساس بالخطر الذي تمثله الحركة الصهيونية ليس على شعب فلسطين فحسب , بل على الأمة العربية عموماً.
وصلت الاضطرابات في فلسطين إلى ذروتها عام 1936 حيث شهدت البلاد قيام ثورة من أعظم الثورات في المنطقة , صاحبها إضراب استمر ستة شهور واتسمت الثورة بلجوء الجماهير إلى ممارسة الكفاح المسلح ضد السلطات البريطانية والحركة الصهيونية , وشملت جميع أنحاء فلسطين. وكان أهم تعبير عن التضامن العربي مع ثورة شعب فلسطين مشاركة متطوعين عرب إلى جانب الشعب الفلسطيني , فمن العراق جاء فوزي القاوقجي على رأس قوة قوامها 500 مناضل وتسلم قيادة الثورة في البلاد , ومن سوريا وصلت قوتان أحداهما بقيادة سعيد العاص , والأخرى بقيادة محمد الأشمر , وكان لهذه القوات تأثير في رفع معنويات شعب فلسطين وإشعاره بأنه ليس وحده في ميدان المعركة.
مقابل التضامن الشعبي العربي مع شعب فلسطين والذي أخذ شكل المساهمة المباشرة في الكفاح والقيام بتظاهرات تأييد ودعم لشعب فلسطين , وقفت الحكومات العربية موقف الحذر والترقب للأحداث الجارية في فلسطين , وعندما قررت أن تتدخل فإنها تدخلت كوسيط وكطرف محايد في النزاع , وساوت بين شعب فلسطين وبين السلطات الانتدابية , هذا التدخل لعب دوراً أساسياً في وقف الثورة والإضراب.
ويبدو أن الأحداث في فلسطين أربكت الزعماء العرب وأوقعتهم في حيرة بين التزامهم القومي تجاه شعب فلسطين و خوفهم على المصالح والالتزامات التي تربطهم مع بريطانيا العظمى , حيث أن معظم القادة العرب آنذاك نُصِبوا حكاماً بدعم من بريطانيا وفرنسا ولم تكن أية من هذه الحكومات على استعداد لمواجهة بريطانيا لأن هذا يعني فقدها الدعم المادي والمعنوي الذي تقدمه لها بريطانيا وتضمن به استمرارهم في الحكم. ومن ناحية أخرى فإن انتصار ثورة فلسطين كان يعني احتمال انتقال حالة الثورة والتمرد من فلسطين إلى البلاد العربية المجاورة , مما يؤدي لخلق مشاكل للحكومات العربية هي في غنى عنها – وكأن التاريخ يعيد نفسه هذه الأيام , حيث حلت أمريكا محل بريطانيا وتغيرت وجوه القادة العرب دون تغير سياسات الأنظمة.
شكل نداء الحكام العرب لشعب فلسطين بوقف الثورة والإضراب , بداية مرحلة جديدة تميزت بالتدخل الرسمي العربي في الشؤون الفلسطينية , وانتقال مركز القرار بالشأن الفلسطيني من فلسطين إلى العواصم العربية , خصوصاً بعد نهاية الثورة وتوقفها النهائي في عام 1939.استمر النضال الفلسطيني متقطعاً ومرتبكاً إلى أن قررت بريطانيا وضع حد للانتداب على فلسطين وكان قرار التقسيم رقم 181 عام 1947 الذي رفضه العرب والفلسطينيون ثم حرب 1948 التي أضاعت ثلثي فلسطين وكانت سبباً في تهجير إعداد كبيرة من الفلسطينيين مما حتم إعادة بناء المجتمع الفلسطيني على أسس جديدة ولكن هذه المرة في ظل أوضاع أكثر قسوة. بعد النكبة دخلت القضية والمجتمع الفلسطيني مرحلة جديدة مازالت تداعياتها متواصلة حتى اليوم.




الفصل الثاني
حرب 1948 (النكبة) وأثرها على المجتمع الفلسطيني

تعتبر حرب 1948 وتداعياتها والموسومة بالنكبة نقطة فارقة في تاريخ وواقع المجتمع الفلسطيني، فقبل النكبة وبالرغم من وجود الاحتلال البريطاني والخطر الصهيوني إلا أن الفلسطينيين كانوا يعيشون كمجتمع مترابط وموحد حياة اجتماعية متوارثة عبر الأجداد فجاءت النكبة لتقتلعهم من جذورهم وتهدم البنية الاجتماعية ولتخلق واقعاً جديداً.
لم تكن النكبة مجرد حرب أو خسارة معركة بل منعطفا مصيريا أثرت على حياة الشعب الفلسطيني وعلى المنطقة بكاملها وما زالت تداعياتها حتى اليوم ،فبالرغم من مرور ثلاثة وستون عاما على النكبة فهي حاضرة في حياة الفلسطينيين ،من خلال المخيمات والشتات والحنين للعودة ،والنكبة حاضرة وبشكل استفزازي من خلال وجود الكيان الصهيوني الذي يذكرنا دوما بما جرى عام 1948 .لأن النكبة أحدثت انقلابا اجتماعيا وسياسيا في حياة الفلسطينيين فسنقارب واقع المجتمع الفلسطيني قبل النكبة ثم نبحث في تأثير النكبة على المجتمع.




المبحث الأول
أنماط المجتمع الفلسطيني قبل 1948
من المعروف أن المجتمعات تنقسم على عدة أسس , فهناك تقسيم طائفي ديني كالقول بالمجتمعات المسلمة والمجتمعات المسيحية أو المجتمعات البوذية أو اليهودية أو الهندوسية الخ , وهذا التقسيم لا يُعتمد كثيراً من علماء الاجتماع نظرا لكون المجتمع الواحد يتشكل من عدة ديانات، بالإضافة إلى أن مفهوم المواطنة في النظم الديمقراطية يتنافى مع التقسيم الطائفي , وهناك تقسيم اقتصادي إيديولوجي كالقول بالمجتمعات الرأسمالية والمجتمعات الاشتراكية ومجتمعات العالم الثالث – وهذا التقسيم بدا يتراجع بعد انهيار المعسكر الاشتراكي منذ منتصف الثمانينيات , وهناك تقسيم أكثر اتساعاً، فتنقسم المجتمعات إلى متقدمة ومتخلفة أو سائرة في طريق النمو و والمجتمع الفلسطيني ينتمي إلى هذا النوع من المجتمعات.
وبغض النظر عن التباين ما بين المجتمعات فكلها تنقسم داخلياً على أسس اقتصادية واجتماعية و فالمجتمع هو بناء أو نسق يعرف تراتبية وتباينا،إما طبقيا كالقول بالطبقة الرأسمالية والطبقة البرجوازية والطبقة الوسطى والطبقة العمالية الخ ،أو حسب أنماط المعيشة والمستوى الحضاري , فنقول مجتمعاً حضرياً ومجتمعا فلاحيا ومجتمعاً بدوياً , ونظراً لخصوصية المجتمع الفلسطيني حيث تضعف الصراعات الطبقية لصالح الصراع من الاحتلال , فسنقتصر على مقاربة أنماط المجتمع.
عرف المجتمع الفلسطيني قبل نكبة 1948 عدة أنماط أو تشكلات وهي:
المطلب الأول : المجتمع الحضري: Urban Society
المقصود بالمجتمع الحضري سكان المدن , فالحاضرة عكس البادية , وقد سبق للعلامة ابن خلدون أن تحدث عن الموضوع ووصف خصائص الحواضر وما تتميز به عن البوادي. وعليه المجتمع الحضري هم سكان المدن , والمدينة مركز للنشاط الصناعي والتجاري والخدمات، وغالبية سكان المدن يشتغلون بهذه المجالات , وهذا لا يعني أنهم ينتمون لطبقة واحدة أو يتشاطرون ذات الحال،فمنهم الفقير ومنهم الغني , كما يتمايزون طبقياً حسب الأصول العائلية أو الأوضاع الاقتصادية،فهناك الرأسماليون والبرجوازيون والحرفيون والعمال الخ. وقد اشتهرت فلسطين بمدنها وصناعاتها فالقدس كانت محجا للمؤمنين من كل الديانات وحيفا وعكا وغزة كانت موانئ مشهورة بتصدير الحمضيات وما تنتجه البلاد من صناعات والتي كانت غالباً صناعات تحويلية.
طوال الحكم العثماني كان النشاط الصناعي والثقافي محدوداً أسوة بما عليه في بقية مناطق الإمبراطورية العثمانية إلا أنه مع بداية الانتداب البريطاني على فلسطين شهدت البلاد تحولا واضحا حيث بدأت بعض الصناعات والأنشطة الخدمية تنشط بالإضافة إلى انتقال عديد من الفلاحين من قراهم إلى المدن ليعملوا عمالا وحرفيين في معسكرات الجيش البريطاني الذي كان يحتاج لهم لشق الطرق , وفي تلك الفترة نشطت صناعة المعدن والنسيج والورق والصناعات الكيماوية والصباغة والخشب والجلود... الخ.
بالرغم من حاجة سلطات الانتداب البريطاني لليد العاملة الفلسطينية وللصناعات الفلسطينية إلا أنها مارست تمييزاً كبيراً ما بين العمال الفلسطينيين والعمال اليهود وبين الصناعات الفلسطينية والصناعات اليهودية , فدعمت بكل الوسائل العمال والصناعات اليهودية من حيث حرية التصدير والاستيراد والتنقل ومنح الرخص وإعفاءات ضريبية الخ , فيما كانت تضيق الأمر على الفلسطينيين ولهذا تميزت الصناعات اليهودية بالازدهار والجودة على الصناعات العربية كما ازدهر ونشط رأس المال اليهودي بشكل أكبر من رأس المال العربي وخصوصاً مع تدفق الرساميل اليهودية من الخارج.
أما بالنسبة للتعليم Education فمن المعلوم أن الإمبراطورية العثمانية لم تول اهتماماً للتعليم ولم تكن سلطات الانتداب البريطاني أفضل حالا من حيث تعاملها مع الشعوب المستعمَرة , ويستدل على ذلك مما جاء في تقرير اللجنة الملكية الذي قدمته إلى البرلمان البريطاني في صيف عام 1937 حيث ورد ما يلي:
من اشد دواعي الأسف أن لا يكون في مقدور نظام الحكومة بعد مرور سبع عشرة سنة على حكم الانتداب أن يسد إلا نصف حاجة العرب إلى التعليم لذا فإن نحواً من خمسين في المائة من طلبات الالتحاق بالمدارس في السنين الأخيرة في المناطق التي توجد فيها مدارس رُفضت بسبب قلة المعلمين وعدم وجود أماكن للتلامذة. هذا فضلاً عن عدم سد الحاجة للتعليم بالمرة في المناطق التي لم تنشأ فيها حتى الآن بنايات للمدارس على مسافة قريبة نوعاً ما من بعضها البعض، ومن بين الأولاد الذين هم في سن التعليم ويقدر عددهم بما يقرب من 260700 ولد، يتعلم في مدارس الحكومة الآن 42700فقط. وقدر شهود العرب أن نحواً من 85% من الفلاحين لا يزالون أميين ومما جعل هذا الأمر أشد إيلاماً أن قسما كبيراً من القرى العربية يرغب في التبرع بالمال لإنشاء المدارس في القرى إذا قامت الحكومة بنصيبها من ذلك ".
أيضا جاء في تقرير لجنة التحقيق الانكليز – الأمريكية التي عينتها حكومتا الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة في عام 1946 ما يلي :
" يتبين لنا أن اقل من نصف عدد الأطفال العرب الذين يودون أن ينتسبوا إلى المدارس يستطيعون أن يجدوا بغيتهم في يومنا هذا. وفي مدينة حيفا الفتية أخبرنا المجلس البلدي أن نصف عدد الصبية من العرب والأغلبية من فتياتهم لا يتلقون أي تعليم أبداً. والوضع في اغلب مقاطعات الريف أكثر سوءاً , ولا سيما بالنسبة إلى الفتيات , ففتاة واحدة فقط بين ثماني تحصل على التعليم الآن بين الطبقات الفقيرة لا في المدن فحسب بل في كل قرية عربية تقريباً. فبعض القرى التي زارتها اللجنة عملت في الواقع إما على بناء مدارس خاصة باشتراكات اختيارية صرفة قام بها الفلاحون أو المساهمة من تلقاء نفسها في تكاليف تلك المدارس على قياس واسع " .
بالرغم من ذلك شهدت فلسطين حركة تعليمية وخصوصاً في المدن , فكان هناك ما يسمى الكتاتيب وهي مدارس أهلية غالباً تهتم بتدريس الصغار مبادئ الكتابة والقراءة وتحفيظ القرآن الكريم , أيضاً وجدت مدارس خاصة بالكبار منها ما هو حكومي ومنها ما هو خاص وكانت المدارس الخصوصية أكثر استيعاباً للتلاميذ وأكثر تطوراً في مناهجها , وأنقسم نظام التعليم إلى مرحلتين : ابتدائية ومدتها سبع سنوات ويقبل في صفها الأول الابتدائي الطلاب الذين تراوح أعمارهم بين السادسة والسابعة , ومرحلة ثانوية مدتها أربع سنوات.
بلغ عدد المدارس الرسمية الابتدائية الكاملة التي تتألف من سبع سنوات دراسية في العام الدراسي 1945-1946،125 مدرسة ضمت 2.503 طالب في الصف السابع الابتدائي, وفي عام 1946-1947 كان في فلسطين أربع مدارس ذات صفوف ثانوية كاملة, ثم بلغت 12 مدرسة في عام 1947-1948 , كما كان هناك نحو ثماني مدارس ثانوية للصبيان والبنات لم تكتمل فيها سنوات الدراسة الثانوية.
جدول (1)
نتائج امتحانات شهادة المتريكيوليشن عامي 1945-1946

امتحان عام 1945
عدد الطلاب
الناجحون
% الحاصلون على شهادة الدراسة الثانوية
% مجموع الذين حصلوا على الشهادات
%
الطلبة العرب 215 129 60 56 26 185 86
الطلبة اليهود 140 42 30 45 32 87 62
المجموع 355 171 101 272
امتحان عام 1946 الطلبة العرب 249 119 48 99 39 218 87
الطلبة اليهود 114 46 40 42 37 88 77
المجموع 363 165 141 306
المصدر: حكومة فلسطين, مديرية التعليم, التعليم في فلسطين, مسح عام 1936–1946, نقلا عن مركز المعلومات الوطني الفلسطيني.

المطلب الثاني : المجتمع الريفي Rural Society
كبقية المجتمعات العربية والإسلامية آنذاك كان المجتمع الفلسطيني في غالبيته مجتمعاً فلاحياً , ووصف المجتمع بأنه فلاحي يعني أن غالبية سكانه يشتغلون بالفلاحة وبالتالي هم من الفلاحين , فقد شكل الفلاحون في فلسطين أكثر من 70 % من إجمالي عدد السكان. إلا أن القول بأن المجتمع الفلسطيني مجتمع فلاحي لا يعني بأن هذه النسبة من السكان كانت كلها مالكة للأرض، فقله كانت تملك الأرض والغالبية كانت من الفلاحين الذين يشتغلون بأرض غيرهم أو يملكون قطع أرضية بالكاد تؤمن لهم المسكن وبعض الفلاحة البسيطة وكانوا يتعرضون دوما للاضطهاد والتضييق من قبل جباة الضرائب أو من قبل الإقطاعيين حتى يضطرون لبيع أرضيهم ومن ثم لاضطهاد من قبل الحركة الصهيونية التي وظفت كل الحيل وأساليب الخداع والتضليل للاستيلاء على أراضي الفلاحين.
وبالعودة للوثائق والدراسات المتعلقة بتلك الفترة نجد أن عدداً قليلاً من الإقطاعيين والأعيان وخصوصاً من سكان المدن كانت تحتكر ملكية الأراضي في فلسطين ,وقد لعب نظام الطابو الذي صدر عام 1861 والذي ينص على ضرورة تسجيل الأراضي وكذلك نظام الضرائب الذي ترتب عليه دورا في التضييق على الفلاحين الذين لم يستطيعوا تسديد الضرائب أو تخوفوا من تسجيل أراضيهم بأسمائهم وبالتالي اضطروا لتسجيلها بأسماء شيوخ القرية والأعيان أو تفويتها للأوقاف ليضمنوا العمل والعيش في الأرض دون دفع الضرائب، إلا أن هذه المحاولات الساذجة من الفلاحين انقلبت عليهم حيث أصبح أعيان المدن وكبار الإقطاعيين هم المسيطرون على الأرض وأصحاب النفوذ الاقتصادي والسياسي والاجتماعي في الريف الفلسطيني.
أنواع الأراضي في العهد العثماني:
أسوة ببقية ولايات الإمبراطورية العثمانية فقد قسمت أراضي فلسطين إلى خمس أقسام:
أ‌- الأراضي المملوكة:
وهي الأراضي المملوكة ملكية خاصة والتي يتصرف بها صاحبها كيف شاء كما يتصرف بالمنقولات فله رقبتها وكافة حقوقها كالرهن والبيع والوصاية والميراث.
ب‌- الأراضي الأميرية:
وهي الأراضي التي تعود ملكيتها لبيت المال وتشمل الأراضي الزراعية والمراعي والغابات الخ , وكان يمكن للفلاحين الاستفادة من تلك الأراضي بإذن وتفويض من مأمور من قبل الدولة أي أن الدولة أصبحت الجهة الوحيدة المخولة بتحديد التصرف بهذه الأراضي فتبيع منها ما تريد بموجب سند طابو , وبين قانون الأراضي كيفية التصرف بالأراضي الأميرية.
ج- الأراضي الموقوفة:
وهي أراضي توقفها الدولة لاعتبارات دينية حيث يعود ريعها لمساعدة المعوزين وللمنفعة العامة , أيضا الأراضي التي خصصها بعض الأغنياء أو الأراضي التي أوقفها بعض الفلاحين وخاصة بعد صدور التنظيمات للتهرب من دفع الضرائب والرسوم كما بينا سابقاً.
إلا أنه مع تدهور الأوضاع السياسية بشكل عام فقد تسلم إدارة الأوقاف أشخاص غير مؤهلين لذلك قاموا بتحويل أملاك الأوقاف إلى أملاك خاصة وتسجيلها في سجلات التمليك ملكاً لهم ثم انقلبت لورثتهم وذلك بتواطؤ مع دائرة الأوقاف.
د- الأراضي المتروكة:
وهي الأراضي التي تٌرك حق الانتفاع بها لعامة الناس أو لأهالي قرية أو مجموعة قرى وقصبات تكون مشتركة فيها،قسمت الأراضي المتروكة وفق قانون الأراضي العثماني إلى قسمين :
1- الأراضي المتروكة لعامة الناس كالطرق والأسواق العامة والساحات والمسطحات المائية من بحار وبحيرات وعيون ومجاري سيول الأودية وغير ذلك مما ترك لاستخدامات الناس.
2- الأراضي التي تركت لأهالي قرية أو قصبة أو التي تركت لأهالي عدة قرى وقصبات كالمراعي والبيادر والمحتطبات.
هـ- الأراضي الموات:
وهي الأراضي الخالية والبعيد عن العمران وليست بتصرف أحد والتي لم تترك ولم تخصص لأهالي القرى والقصبات كما أنها لم تكن بتصرف أحد بالطابو كالجبال وتبعد عن أقصى العمران مسافة ميل ونصف الميل أو نصف ساعة سيرا على الأقدام بحيث لا يسمع فيها صيحة الرجل الجهير الصوت.
وقد طبق قانون الأراضي العثماني الشرع الإسلامي بهذا الخصوص فسمح بإحياء هذه الأراضي من قبل الناس على أن يكون إحياؤها في مدة لا تزيد عن ثلاث سنوات مع دفع بدل الطابو وإذا لم يستصلحها خلال هذه المدة تؤخذ منه وتعطي لشخص آخر.
جدول(2)
توزيع الأراضي في مختلف أنحاء فلسطين على فئات الملاك عام1909م
المنطقة عدد الملاك مساحة ملكيتهم بالدونم معدل المساحة
القدس والخليل 26 240.000 9.231
يافا 45 162.000 3.600
نابلس و طولكرم 5 121.000 24.200
جنين 6 114.000 19.000
حيفا 15 141.00 19.400
الناصرة 8 123.000 15.375
عكا 5 157.000 31.410
طبريا 6 73.000 12.176
المجموع 118 1.131.000 9.750
ويتبين من هذه الإحصائيات أن عددا قليلا من الملاك 116 مالك كانوا يملكون 1,131,000 دونما وذلك بمعدل 9750 دونم للمالك الواحد أما في قضاء غزة وبئر السبع فكان هناك 28 ملاكا يملكون أكثر من مليوني دونم وكان 11 ملاكا منهم يملك كل واحد أكثر من 100 ألف دونم وتتراوح ملكية سبعة ملاك منهم ما بين 30.000-100.000 دونم أما الأسر الفلسطينية الإقطاعية التي كانت تمتلك مساحات واسعة من الأراضي فكان أشهرها سبعة عائلات امتلكت 270.000 دونم وهي :
جدول (3)
اسم العائلة موقع الأرض مساحة ملكيتهم بالدونم
الحسيني القدس وأريحا 50.000
عبد الهادي نابلس وجنين 60.000
التاجي الفروقي الرملة 50.000
الطيان يافا 40.000
أبو خضرة يافا وغزة 30.000
الشوا غزة 100.000
الغصين الرملة 40.000
جدول (4)
بين توزيع الأراضي حسب نوع الملكية
المالك وطبيعة الأراضي المساحة بالدونم النسبة
أراضي مسجلة باسم الدولة ( أميرية) 12.000.000 42.9%
أراضي مسجلة باسم الملاك العرب 13.673.032 52%
أراضي مسجلة باسم اليهود 650.000 2.5%
أنهار وبحيرات 704.000 6.2%
المجموع 27.127.032 100%

ملكية الأراضي في عهد الانتداب البريطاني 1917-1948 :
مع وقوع فلسطين تحت حكم الانتداب البريطاني - من يوليو 1920 إلى مايو 1948 - تم تشكيل إدارة عسكرية في البلاد قامت باتخاذ عدة قرارات لها علاقة بملكية الأرض , ومنها وقف جميع معاملات ملكية الأراضي الميرية الخاصة وإغلاق دوائر تسجيل الأراضي ( الطابو) وتعيين لجنة للأراضي يمثل فيها أعضاء من البعثة الصهيونية لمعالجة المسائل المتعلقة بتملك الأراضي في فلسطين وذلك تمهيداً لتطبيق وعد بلفور. وقد تمكن اليهود بالفعل من شراء بعض الأراضي وخصوصاً في فترة ولاية المندوب البريطاني هربرت صموئيل الذي اصدر قوانين جديدة لتسهيل انتقال الأراضي لليهود وهو الأمر الذي استمر طوال فترة الانتداب. ففي عام 1943 بلغت مساحة أراضي الدولة 1.542.680 دونما كانت موزعة على النحو التالي .

جدول (5)
توزيع الأراضي في فلسطين عام 1943
النوع - الصنف المساحة بالدونم
1- الأراضي التي تستخدم للأغراض العمومية مثل الطرق والسكك الحديدة والغابات 839.553
2- الأراضي التي يشغلها المزارعون العرب منذ صدور القانون العثماني 172.691
3- الأراضي المؤجرة لليهود لفترة طويلة 175.088
4- الأراضي المؤجرة إلى اليهود لفترة طويلة 2.433
5- الأراضي المؤجرة إلى العرب لفترة طويلة 1.222
6- الأراضي المؤجرة إلى العرب لفترة أقل من 3 سنوات 62.522
7- الأراضي التي ليست بيد العرب أو اليهود 3.249
8- الأراضي المقدمة للإيجار لفترة قصيرة 20.082
9- الأراضي الموضوعة للاستخدام العمومي 4.713
10- الأراضي غير المزروعة كالرمال والصخور والمستنقعات 167.429
11- الأراضي غير المشغولة 84.699
المجموع 1.542.680

المطلب الثالث : المجتمع البدوي : Society Nomad
البدو هم سكان البادية والبداوة عكس الحضارة وتختلف عن المجتمع ألفلاحي , فالمجتمع البدوي هم السكان الذين يسكنون خارج المدن وعلى أطراف التجمعات الفلاحية ومهنتهم الغالبة هي الرعي ويعتاشون من تربية المواشي والإبل والأغنام مع بعض الزراعات البسطة , ويسكنون الخيام , وتتميز حياتهم بالتنقل والترحال بحثاً عن الكلأ ومصادر المياه، ومن المعروف بان غالبية المجتمعات مرت بمرحلة البداوة قبل أن تتحضر. يرى ابن خلدون أن أصل الحضر والمدن هم البدو والبداوة , وأول أشكال المجتمع كانت بدوية:
" فقد تبين أن أجيال البدو والحضر طبيعية لا بد منها ". فالبدو أصل المدن والحضر وسابق عليها لأن أول مطالب للإنسان الضروري, ولا ينتهي "إلى الكمال والترف إلا إذا كان الضروري حاصلا, فخشونة البداوة قبل رقة الحضارة ،فأول اجتماع بشري حدث عند البدو " إنما هو للتعاون على تحصيله ( المعاش) والابتداء بما هو ضروري منه وبسيط قبل الحاجي والكمالي , فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة والزراعة , ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والمعز والنحل والدودي لإنتاجها واستخراج فضلاتها... وكان حينئذ اجتماعهم وتعاونهم في حاجاتهم ومعاشهم وعمرانهم من القوت والكن والدفاءة إنما هو المقدار الذي يحفظ الحياة ويحصل بلغة العيش من غير مزيد عليه للعجز عما وراء ذلك ".
ثم تتبدل أحوال هؤلاء بتغير حاجاتهم وتزايدهم , فتلبية الضرورات الأولى يدفعهم إلى البحث عن مزيد من الرفه والكماليات " واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها وتوسعه البيوت واختطاط المدن والأمصار للتحضر. ثم تزيد أحوال الرفه والدعة فتجئ عوائد الترف البالغة مبالغها في التأنق في علاج القوت واستجادة المطابخ وانتقاء الملابس الفاخرة في أنواعها من الحرير والديباج وغير ذلك ومعالاة البيوت والصروح وأحكام وضعها في تنجيدها والانتهاء في الصنائع في الخروج من القوة على الفعل إلى غاياتها , فيتخذون القصور والمنازل... وهؤلاء هم الحضر , معناه الحاضرون , اهل المطار والبلدان ".
وسسيولوجيا يتميز المجتمع البدوي بأنه مجتمع تقليدي ومحافظ في لباسه ومأكله وعاداته وتقاليده , والتقسيم الطبقي فيه ضعيف ويحل محله التقسيم القبلي ونظام القرابة , حيث ينقسم لعدة قبائل وكل قبيلة عدة عشائر وكل عشيرة عدة حمائل وهذه تنقسم إلى أسر , وتتميز الأسرة البدوية بأنها أسرة ممتدة كما هو الحال بالمجتمع ألفلاحي عكس الأسرة في المجتمع الحضري فغالباً هي أسرة نووية. هذه التركيبة السسيولوجية جعلت المجتمع البدوي مجتمعاً عصبوياً أي تسود فيه العصبية القبلية التي تقوم على مبدأ (انصر أخاك ظالما أو مظلوماً) وعلى الأخذ بالثأر. أيضا يمتاز المجتمع البدوي بنظامه القضائي الخاص به وهو ما يسمى بالقضاء العشائري .
لم يشذ المجتمع البدوي الفلسطيني عن التوصيف السابق للمجتمع البدوي عموماً والعربي على وجه الخصوص , وتعتبر منطقة النقب ومنطقة نهر الأردن أهم تجمعات البدو , وفي كثير من الحالات تتداخل القبائل البدوية في فلسطين مع قبائل الأردن ومصر وقبل الانتداب البريطاني لم تكن هذه القبائل تعرف حدوداً أو جوازات سفر لترحل من مكان لآخر بين دول الجوار.
أهم القبائل البدوية في فلسطين ومنازلها قبل 1948:
1- بدو النقب:
يشكل النقب ما يقارب نصف مساحة فلسطين حيث تبلغ مساحتها 12577كم2 وقدر عدد سكانه من البدو في أواخر فترة الانتداب البريطاني بنحو 92 ألف سنة ينتمون على قبائل "صفوف كبرى" هي :
الترابين – التياها – العزازمة – الجبارات – وقبائل أخرى اقل عدداً منها:
الحناجرة – السعيديون – الحيوات.
2- بدو برية القدس والخليل :
برية القدس والخليل هي الأراضي الواقعة إلى الشرق من جبال القدس والخليل والممتدة حتى البحر الميت شرقاً. وبلغ عدد سكانها من البدو المستقرين والمتنقلين في عام 1945 زهاء 9000 نسمة , منهم سبعة آلاف في برية القدس وألفان في برية الخليل.
3- السعيديون:
تقع منازلهم في شمال وادي العربة , وهم فرع من قبيلة الحويطات التي تقطن شرقي الأردن.
4- الحيوات:
معظم أملاك القبيلة في سيناء , وتمتد منازلهم إلى القسم الجنوبي من وادي العربة المتاخم للعقبة , ويقال لهم " الأحيوات " نسبة إلى "الحوي" الذي قيل إنهم أول من أكله في سيناء فسموا به والحوى : نبت ربيعي يأكله البدو زهراً وورقاً. ومن عشائرهم التي تسكن فلسطين , الخلايفة.
هذا , وقد نزح القسم الأكبر من سكان قضاء بئر السبع إلى قطاع غزة والأردن , وفي عام 1954 قام اليهود بإحصاء البدو الضاربين خيامهم في قضاء بئر السبع فكان عددهم حوالي اثني عشر ألف نسمة , ينتمون إلى تسع عشرة عشيرة , مع أن عشائر بئر السبع بلغت حوالي ثمانين عشيرة , ومن بقي ذكر الإحصاء منهم : أبو رفيق , من القديرات تياها , وعشيرة أبي ربيعة من الظلام تياها , وعشيرة الهزيل من الحكوك تياها وذكرت إحصائية سنة 1966 م إن عدد البدو في فلسطين المحتلة سنة 1948 م بلغ 22 ألف نسمة , بينهم خمسة عشر ألفاً في منطقة النقب.
القبائل العربية في شمال فلسطين والغور ونواحي أخرى غير النقب:
" القبائل العربية في شمال فلسطين وشرقها ووسطها لم يذكروا لها فروعاً وأفخاذا , وتضاف عادة إلى المكان الذي نزلت فيه , أو إلى المهنة التي كانت تعمل فيها , وكل تجمع من هؤلاء يقال له "عرب" فيقولون : عرب السواحرة , أو عرب العلاقمة.... الخ ويريدون بقولهم "عرب كذا " أن هؤلاء الناس ليسوا من المدينة أو القرية , وقد يسكنون في خيام , أو بيوت ليست دائمة , وقد ينتقلون من مكان إلى آخر و ويسكنون في أطراف المدن والقرى , على ضفاف الأنهار والوديان والمستنقعات,وفي الوقت نفسه يكون تجمعاً مبنياً على النسب والقرابة غالباً , هذه الميزات كانت وراء إطلاق اسم " العرب " عليهم ويريدون بذلك " البدو الرحل " وليس معنى ذلك إن هؤلاء هم العرب فقط , وغيرهم من أهل القرى والمدن من العجم , بل جميع أهل فلسطين من العرب بلا شك.
وقد يطلقون على أهل البادية والقبائل الطارئة على الريف اسم " العريان " أيضاً. وقد أخذت القبائل العربية المتنقلة اسم العرب أو العربان منذ القرن السادس أو السابع الهجريين لتمييزهم عن العرب الذين تبلدوا أو تحضروا واستقروا , أو نزلوا الحواضر والقرى , حيث ورد ذكر اسم " العرب " مراداً به أهل البادية في مذكرات أسامة بن منقذ التي سماها " الاعتبار " وتوفى أسامة بن منقذ سنة 584 هـ , وهو أمير عربي من بني منقذ من كنانة" .


المبحث الثاني
تداعيات النكبة على المجتمع الفلسطيني

لم تكن النكبة مجرد هزيمة عسكرية أو سياسية , ولم تكن مجرد جولة من الجولات التي خاضها الشعب العربي الفلسطيني ضد الاستعمار , أو التي تخوضها الشعوب المقهورة ضد مستغليها وقاهريها , بل كانت حدثاً فريداً من نوعه استهدف اجتثاث الكيان الفلسطيني من جذوره ،وبعد أن كان اليهود لا يملكون سوى 5،2% من مساحة فلسطين باتوا يملكون 78% من فلسطين أي أكثر من مما خصصه لهم قرار التقسيم . كما أدت النكبة إلى شطب اسم دولة فلسطين من على خارطة العالم وإحلال اسم " دولة " جديدة مصطنعة محله –إسرائيل-بالإضافة إلى تداعياتها المدمرة على المجتمع الفلسطيني كوحدة جغرافية وديمغرافية ونفسية.

المطلب الأول : التداعيات النفسية :
أن يُقتلع مجتمع من أرضه أو يخضع للاحتلال فهذا معناه زعزعة وتشويه القيم وأنماط السلوك والعادات و وهذا ما يجعل ثقافة المجتمع عاجزة عن القيام بدورها الضابط والمحدد لسلوك المجتمع , فهناك علاقة وثيقة بين قيم المجتمع وعاداته وأعرافه وتراتبيته الاجتماعية من جانب والأرض التي عاش فيها على مر الأجيال من جانب آخر, الأرض والوطن يمنحان الإنسان قيمة وثقة بالنفس لا يجدها في أي موطن غير موطنه. وإن ينتزع حوالي 850 ألف مواطن من أرضهم ويتحول الباقون لأقلية في وطنهم وتحت الاحتلال فهذا معناه أن المجتمع الفلسطيني لم يعد هو المجتمع الفلسطيني.
بفعل النكبة أصبح الفلسطينيون شعباً تائهاً مشرداً , يعاني الأمرين في معسكرات للتجمع تتناثر في الأقطار العربية و فاقداً وعيه وفكره , يعيش في ذهول بسبب الحركة السريعة التي تطورت بها الأحداث من حوله .
كان وقع النزوح واللجوء قاسياً رهيباً حيث زعزع أسس المجتمع الفلسطيني وأحدث اضطراباً في قيمه ومعتقداته، كانت الضربة قاسية على النفس , جارحة للإحساس , أن يتحول الإنسان فجأة من مواطن كريم في وطنه إلى لاجئ يعامل كمواطن من درجة ثانية شيء لا يطاق. لقد تحول الشعب الفلسطيني بفعل النكبة إلى شعب مفكك البنية الاجتماعية , فاقد لعملية التفاعل والتواصل الاجتماعي بين أفراده وطبقاته , هذه العملية التي تشكل الأساس الضروري في تشكيل القاعدة التي تنبع منها القيم والأفكار والمبادئ وعلى أرضيتها تصاغ أسس التعامل وأهداف المستقبل.
في أرض الغربة أصبحت مهمة غالبية الفلسطينيين البحث عن لقمة العيش وما يسدون به رمقهم،في المنفى عاش اللاجئون في ظروف تنظر إليهم فيها الحكومات العربية كحمل تقيل , ومصيبة نكراء وقعت عليهم وعلى حد قول الشاعر الفلسطيني محمود درويش " منذ أن ألقت حراب الاحتلال الإسرائيلي بالفلسطيني " ضيفاً" على إخوته العرب – هكذا سموا اللاجئ في البداية – قدموا له كل الوعود التي لا تتحقق وظل مطارداً بما هو أكثر من التمييز , كان موسوماً بالعار , إنه متهم ومطارد ومشار إليه أنه لاجئ , أنه التائه الجديد " فكيف يمكن لإنسان دون مأوى ودون أمل ودون مستقبل , جائع عار , مطارد , أن يفكر بشيء غير لقمة العيش؟
كانت هموم الفلسطيني " التائه " متواضعة محدودة في نظر الإنسان العادي لا تتعدى تأمين المأوى ولقمة العيش ورد المهانة , ولكنها بالنسبة للفلسطيني كانت بمثابة رحلة طويلة مع العذاب والمعاناة , فلا الأقطار العربية كانت مهيأة لاستقبال اللاجئين الفلسطينيين ولا الأمم المتحدة مهتمة جدياً بهذه القضية بالإضافة إلى غياب القيادة الفلسطينية المسئولة وسياسياً فرض واقع الغربة والتشرد على من كان نشيطاً سياسياً من الفلسطينيين , أن يعيش حيلة اللجوء السياسي التي تُحيل الحياة إلى معاناة وقلق رهيب , كفيلة بتشويه أحاسيس كل مناضل يحترم نفسه , وتدمير إيمانه بالغد وتشويه نظرته إلى الوجود .
وكانت المعاناة أكثر وطأة وقسوة , عندما كانت أصابع الاتهام تشير على الفلسطيني بأنه مسئول عن نكبته و وبأنه باع أرضه لليهود !! وقد حاولت بعض الأنظمة العربية زرع مثل هذا الوهم عند جماهيرها لتسقط عن نفسها مسؤولية ما حدث في حرب 48 , ومارست على الإنسان الفلسطيني كل أنواع القهر والاضطهاد , وقتلت كل بارقة أمل أمامهم , وجعلتهم مجرد أرقام في سجلات المخابرات ومكاتب وكالة غوث اللاجئين. ومما زاد الأمور تعقيداً بالنسبة للفلسطيني , أنه فقد كل مؤسساته الاجتماعية والسياسية التي كانت تنظم حياته , وتقود مسيرته النضالية , فلم يحمل منها معه إلا إطاراً شكلياً " الهيئة العربية العليا " وحتى هذه أفرغتها الحكومات العربية من محتواها بالرغم من أنها صنعتها , فالخطة كانت محكمة... ومن ساهم في ضياع فلسطين تواطؤاً أو تخاذلا أو جهلاً , فإنه لن يسمح بوجود أي شكل من أشكال التمثيل الفلسطيني تبقي على القضية الفلسطينية صفة الحياة والديمومة،حتى الجزء الباقي من فلسطين بعد الاحتلال والضم – قطاع غزة – رفضوا أن يكون موطناً لحكومة فلسطينية أو أن يجسد رمزاً للكيان الفلسطيني , الفلسطينية كانت تهمة وكلمة فلسطين كانت تشكل عند البعض استفزازاً ولو كان المقصود منها التعريف بالهوية.
ضمن هذه الظروف والأوضاع تشكلت نفسية الإنسان الفلسطيني "لاجئ" ابغض كلمة في قاموس اللغة العربية على قلب الإنسان الفلسطيني, بما أضحت توحي به من معاني القهر والسحق والإذلال , نفسية تفشت فيها روح إتكالية , أفقدت الفلسطيني الرغبة في عمل أي شيء وفقد الأمل في تحقيق أي شيء , وتفشت اللامبالاة , التي جعلت الفلسطيني رقماً مهمشاً في مجريات الأحداث , وكأن ما يجري حوله لا يعنيه , فقد الثقة بنفسه وبمن حوله , وأصبح يعيش حالة من الإحساس بفقدان الأمان المستمر والدائم , والذي عززته حالة التسلط التي مارستها عليه بعض الأنظمة ومعاملته كمواطن من درجة ثانية , الأمر الذي ولَّد لديه عقدة الاضطهاد.
وضمن هذا الجو المحبط لكل شيء غرق الفلسطيني في متاهات الشك , فأصبح يشك في كل شيء , وهي حالة نفسية من الصعب على الفرد أن يُكوِن قناعة تامة وثابتة حول أية أيديولوجية , أو فكر أو موقف , والكفيلة بتدمير كثير من القيم التي تربى عليها , وفي الوقت نفسه تجعل من الصعب عليه فرز قيم جديدة وقناعات جديدة , ويبقى موقفه سلبياً يتابع الأخبار والأحداث التي يصنعها أو يصنعها له غيره .
إلا أن كل هذا لا يعني الوقوف أمام طريق مسدود , خصوصاً أن الفلسطيني لم ينته تماماً, فحالة القهر والتشرد التي عاشها الفلسطينيون بفعل النكبة , لم تخمد تماماً نار الوطنية التي بقيت مشتعلة في صدورهم , فالجوع والإرهاب إن لم يقضيا على الإنسان فأنهما يصنعان منه إنساناً جديداً صلباً ومتمرداً. وهكذا التفت الفلسطينيون حولهم يبحثون عن طريق يضعون فيه أقدامهم , ونهجاً يعتقدون أنه موصلهم للهدف , ونظراً لعدم امتلاكهم وسائلهم الخاصة , بل حتى صعوبة الاختيار لديهم , فإنهم امتدوا بأنظارهم نحو الحركة السياسية العربية يستقرئون اتجاهاتها ويستشرفون الأقرب إليهم في توجهاتهم نحو فلسطين.

المطلب الثاني:التداعيات السياسية
كان الشعب الفلسطيني قبل النكبة يعيش في إطار دولة ويمارس حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في إطارها،صحيح أن الدولة الفلسطينية كانت خاضعة للاستعمار -الانتداب البريطاني - ولكن كان هذا حال غالبية الدول العربية آنذاك.وجود الدولة كان يتيح للأحزاب والنقابات وكل أشكال التفاعلات والعلاقات الاجتماعية بالعمل في إطار وحدة الحال بحيث كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تستوعب كل القوى السياسية وتشتغل بكل ربوع الوطن،وآنذاك كان ممكنا الحديث أيضا عن اقتصاد فلسطيني وثقافة فلسطينية ومجتمع فلسطيني واحد.
بعد النكبة انهار كل شيء ،فالدولة التي كانت تنظم حياة المجتمع جزء منها تحول لدولة إسرائيل وما تبقى من فلسطين خضع لسلطات دول أخرى –مصر والأردن- والحركة الوطنية تفتت وأحيانا تم التآمر عليها من دول الجوار.كانت الحركة القومية العربية بالنسبة للفلسطينيين هي المنفذ الوحيد أمامهم في هذه المرحلة لخروجهم من حالة الحصار والتيه إلى حالة الإسهام في المعركة الجارية على الأرض العربية لخلق الوحدة العربية , لأن الوحدة في المفهوم الفلسطيني تعني القوة , والقوة هي سبيلهم للعودة إلى ديارهم. هكذا في ظل غياب البديل توزع الفلسطينيون على كافة الولاءات الحزبية القومية الموجودة في الساحة . في كثير من الأحيان كان الولاء على حساب فلسطينيتهم , ولكن أيضاً شعوراً منهم بأن القومية العربية , والوحدة العربية هما التعويض عن فقدانهم الوطن والكيان وما ساعدهم في ذلك عيشهم في مخيمات وسط هذه المجتمعات العربية.
هكذا ناضل الفلسطينيون سياسياً تحت شعارات قومية عربية واعتبروا أنفسهم جزءاً من المجتمع العربي الكبير , ساعد اللجوء وكونهم ضيوفاً – غير مرحب بهم – في البلاد العربية على توهم البعض منهم بأن مشكلتهم وقضاياهم الاجتماعية جزء لا يتجزأ من مشاكل وقضايا المجتمع العربي وأن إعطاء الأولوية لحل قضايا المجتمع العربي هو المدخل الصحيح للتفرغ لحل قضايا المجتمع الفلسطيني. ومن هذا المنطق كان موقف غالبية الفلسطينيين من الوحدة العربية مثلا متطابقاً مع موقف الأحزاب القومية المنتمين إليها وهو ( الوحدة طريق التحرير ) , ولم يحاولوا أن يبلوروا لأنفسهم موقفاً مميزاً داخل أحزابهم القومية إلا في نهاية الخمسينيات وبداية الستينات مع بروز الدعوة للكيان الفلسطيني وإحياء الشخصية الوطنية الفلسطينية , حيث نظم الفلسطينيون أنفسهم في إطارات خاصة بهم وبلوروا رؤيتهم المستقلة للمستجدات الحاصلة في الساحة الفلسطينية ولكن ضمن إطار الشعارات القومية العربية والتزاماً بمنهجية ( الوحدة طريق التحرير) .
إذا طوال الخمسينيات وحتى منتصف الستينيات ربط الفلسطينيون مصيرهم بمصير الأنظمة والأحزاب العربية , ما دامت هذه تسعى للوحدة التي تعني ( الكماشة التي ستخنق إسرائيل ) , وتحشد جيش الوحدة العربية للمعركة الفاصلة معها !, وكان هذا أقصى ما يتمناه الفلسطينيون. إلا أن الالتزام الفلسطيني بالوحدة العربية ورفعهم شعار الوحدة على غيره من الشعارات , وتجاوبهم مع القضايا العربية ومشاركتهم في معارك البناء والتنمية العربية , كان مرتبطاً بإعطاء الأحزاب القومية الأولوية للقضية الفلسطينية , وتقديمها على غيرها من القضايا , وهو الأمر الذي تجاوزته الأحزاب والحركات القومية العربية بفعل التطورات الاجتماعية والسياسية الجارية في الوطن العربي , وبفعل تغلغل الأفكار اليسارية ذات المضامين الاجتماعية إلى معاقل الفكر القومي , وبفعل ترسخ وتعزز الاتجاهات الإقليمية المتسربلة بلبوس الوطنية القومية والوحدة.
إذن اقترن تراجع مركزية القضية الفلسطينية في اهتمامات الحركة القومية العربية مع انحسار الحركة القومية العربية عموماً وتراجع مواقعها , إلا أن الحدث الأهم هو الوعي الكياني الفلسطيني وظهور الثورة الفلسطينية التي طرحت تصورها الخاص سواء حول منهجية حل الصراع أو للشكل الذي سيأخذه هذا الحل وكان شعارها المميز " التحرير طريق الوحدة ". بما يتضمنه هذا الشعار من إعطاء الأولوية للقضايا المجتمعية والسياسية الوطنية الفلسطينية على غيرها من القضايا.

المطلب الثالث : التداعيات الاجتماعية للنكبة على وحدة وتواصل المجتمع:
بالإضافة إلى هذه التداعيات النفسية والسياسية فقد خلقت النكبة وضعاً اجتماعياً جديداً , فحولت المجتمع الفلسطيني إلى مجتمعات متناثرة (تجمعات ) يخضع كل منها لظروف سياسية واجتماعية وقانونية مغايرة للآخر. فقبل النكبة وبالرغم من ظروف الاحتلال كان المجتمع الفلسطيني أسوة ببقية المجتمعات العربية يعرف درجة من الانسجام والاستقرار المجتمعي والانقسامات التي كانت فيه هي انقسامات اجتماعية طبيعية لم تمنع من القول بوحدة المجتمع والثقافة.أما بعد النكبة فقد تناثر وتوزع في المنافي ومن بقى في الوطن فلسطين خضع قسريا إما لسلطة دولة الاحتلال أو لنظم سياسية أثرت بشكل أو أخر على خصوصيته الاجتماعية والثقافية , نعم حافظ المجتمع على هويته الوطنية وقاتل من أجل ذلك إلا أنه كان للغربة وفقدان السيادة ثمنها.
وهكذا أدت النكبة إلى وجود تجمعات فلسطينية متعددة يقوم كل منها حسب ظروفه الخاصة بما يستطيع للحفاظ على قيم وعادات وخصائص المجتمع الفلسطيني الأصيل.
المجتمعات ( التجمعات ) الفلسطينية التي وجدت بعد النكبة مباشرة هي :
أولاً : المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر:
ونقصد بهم الفلسطينيون الذين بقوا متمسكين بأرضيهم ولم تتمكن القوات الصهيونية من إخراجهم من مدنهم وقراهم في الوطن السليب, وهؤلاء هو الذين يُطلق عليهم ( عرب إسرائيل ) أو فلسطينيو 48 وتعتبرهم إسرائيل أقلية عربية. كان مجموع الفلسطينيين قبل عام 1948 حوالي 1.200.000 نسمة يعيشون في حدود فلسطين الانتدابية، تم تهجير حوالي 850000 وبقي 150000 في المناطق التي أعلن عليها قيام الدولة العبرية،هؤلاء شكلوا ما يقرب من 18% من السكان آنذاك ويقدر عدد هؤلاء اليوم بما ينيف عن مليون فلسطيني ويتمركزون في المنطقة الشمالية ( الجليل ) ويشكلون 50% من سكان المنطقة 18% يعيشون في حيفا ويشكلون 22% من السكان (مدن مختلطة), و12% يعيشون في منطقة الجنوب (النقب ويشكلون 13% من السكان).
فمنذ 1948 وحتى عام 1966 فرضت إسرائيل على الفلسطينيين نظام الحكم العسكري وعملت على عزل الأقلية العربية عن أي نشاط اقتصادي , اجتماعي , سياسي... الخ.تعتبر وثيقة ( كنج) مثالا واضحاً على الميز العنصري الذي فرض على الفلسطينيين , ويطرح فيها اقتراحات لقمع الجماهير العربية وترويضها عبر سياسة عنصرية ومن أهم بنود هذه الوثيقة , الدعوة لمصادرة الأراضي العربية وإغلاق أبواب المعاهد العليا والجامعات الإسرائيلية أمام الطلاب العرب , وذلك بهدف تحويلهم إلى حطابين وسقاة ماء حسب أقواله, واعتبر العرب في إسرائيل قنبلة ديمغرافية تشكل خطراً أمنياً على الدولة.ولأن إسرائيل تركز على الأرض تطبيقاً لسياستها ارض أكثر وسكان عرب أقل , فقد مارست ميزا عنصرياً بهذا الخصوص , مثلاً بالرغم من أن الفلسطينيين يشكلون حوالي 20% من مواطني الدولة , إلا أنهم يملكون 3% ملكية خاصة من الأرض , كما أن مناطق نفوذ السلطات العربية حوالي 2.5 من مساحة الدولة , حوالي نصف الأراضي التي كانت ملكية للعرب الذين بقوا في حدود الدولة عام 1948 صودرت منذ ذلك الحين بقرارات من الدولة , ومنذ قيام إسرائيل لم يسمح للعرب بإقامة تجمعات سكانية جديدة فيما كان اليهود يمارسون حريتهم بالسكن والتنقل والاستيطان في أية منطقة , بالإضافة إلى أنه لا تزال عشرات التجمعات السكانية العربية القائمة قبل قيام الدولة غير معترف بها , والدولة تسعى لإخلائها من سكانها , وهناك حوالي 300 ألف مواطن عربي لاجئون في وطنهم , ويحظر عليهم العودة إلى بيوتهم التي يسكنون على بعد مئات الأمتار منها.
وبالنسبة للحالة الاجتماعية فإن نسبة من هم تحت خط الفقر في إسرائيل بشكل عام بلغت عام 2000 حوالي 17.6% وكانت نسبة الفلسطينيين منهم 42% وبلغ عدد العائلات الفلسطينية في إسرائيل التي تقع تحت الفقر 58.900 عائلة , وحسب مكتب الإحصاء الإسرائيلي لعام 1999 فأن نسبة البطالة الفلسطينية في إسرائيل بلغت عام 1999 11.0% في حين بلغت لدى اليهود 8.5% فيما نسبة الاشتراك في قوى العمل لدى الفلسطينيين 41.6% في مقابل 64% لدى اليهود , أيضاً متوسط دخل الفرد في الشهر في مدينة مثل الناصرة التي تشمل حوالي 60.000 نسمة من الفلسطينيين يبلغ 1834.53 شيكل فإن متوسط دخل الفرد في مدينة يهودية مثل نسيرت عيليت ( الناصرة العليا ) والتي تبلغ عدد سكانها 44.000 نسمة حوالي 2464.9 شيكل. أما في مدينة مثل أم الفحم العربية في الجليل والتي يبلغ عدد سكانها 36.800 نسمة يبلغ متوسط الدخل الشهري للفرد 1153 شيكل بينما في أور يهوداً التي يبلغ عدد سكانها 27.900 نسمة من اليهود فيبلغ متوسط الفرد حوالي 2659.05 شيكل و وتنعكس تلك الفروقات في الأوضاع الاقتصادية على قطاعات التعليم والصحة بين اليهود والفلسطينيين.
وكما سبق الذكر فالمجتمع ليس مجرد تجمع لأفراد بل هو بنية أو نسق , وبالتالي فإن الاستقرار والتواصل شرط بقاء بنية مجتمعية متماسكة تبلور هوية وطنية , وتنتج وتحافظ على الثقافة الوطنية , وهذا بدوره لا يتأتى إلا باستمرار الترابط ما بين الجماعة والأرض , "نزع الأراضي المتبقية في ملكية عرب 1948 يقوض أساس كيانيتهم وهويتهم القومية المستقلة , ويجعل مواطنتهم منقوصة حكما , عندها ينصرف حقهم إلى حق الإقامة دون حق بملكية الأرض , أي تحويلهم إلى مواطني درجة ثانية " وحتى هذا الحق محفوف بخطر الإسقاط" وهو ما نلاحظه اليوم بالنسبة لفلسطينيي القدس الشرقية حيث يتم هدم بيوتهم وتهجيرهم منها.
وما زاد من معاناة فلسطيني الداخل المحاولات الحثيثة لإسرائيل لفرض الطابع اليهودي على الدولة الأمر الذي يغيب الحق بالمساواة تطبيقا لما تزعمه إسرائيل من كونها دولة ديمقراطية. وضمن سياسة فرق تسد في تعاملها مع مجتمع فلسطيني 48" أوجدت إسرائيل فرزاً خاصاً يهدف إلى تكريس مبدأ التعامل مع الفسيفساء الدينية والطائفية المكونة لهذا المجتمع كمجموعات منفصلة , فهي تقسمهم إلى عرب وهذا يشمل مسلمي ومسيحي الجليل والمثلث , ودروز وبدو وشركس , وفي إطار سياسة فرق تسد فرضت إسرائيل قانون الخدمة العسكرية الإلزامية على " الدروز والبدو" دون غيرهم من مكونات مجتمع فلسطيني 48 , ليصبح الحديث هذا عن أقليات دينية وطائفية متفاوتة الاندماج في المجتمع الإسرائيلي , وليس عن أقلية قومية فلسطينية عربية , وأهداف هذه السياسة ضرب الوحدة الكيانية والهوية القومية المتميزة لفلسطيني48" .
كان من نتيجة عدم المساواة ما بين اليهود والعرب في كافة المجالات , بالإضافة إلى سياسة القهر والإذلال والإقصاء إضافة إلى عيش الفلسطينيين وسط أغلبية مختلفة عنهم اجتماعياً وثقافياً , أن أدى كل ذلك لفرض تحديات غير مسبوقة على المجتمع الفلسطيني في الداخل , وكان وقع هذه المستجدات على سكان المدن أكثر تأثيراً مما هو على القرى , فهذه الأخيرة حافظت نسبياً على القيم التقليدية للمجتمع الفلسطيني سواء من حيث العلاقات الاجتماعية من إحياء المناسبات الدينية والعادات والتقاليد والزواج و أو الارتباط بما تبقى من أرض.
في المقابل أدى القهر القومي الممارس على عرب الخط الأخضر لزيادة الوعي بأهمية النضال الجماعي ضد السياسات التمييزية للدولة العبرية تجاههم , وأصبحت الإشكالية الأساسية للفلسطينيين في مناطق عرب 48 هي وضعيتهم القانونية كمواطنين في دولة لا تعترف سوى بحقوق مواطنيها اليهود.., دولة قامت على أنقاض شعبهم وتمثل النقيض لطموحاتهم الجماعية وهذا التناقض في الوضعية أدى لتناقض في أداء الفلسطينيين وردود أفعالهم ما بين رفض الدولة وبنيتها الصهيونية والمشاركة في برلمانها من منطلق المطالبة بالحقوق المدنية والمساواة داخل إطار دولة لجميع المواطنين الأمر الذي فرض واقع مشوه وأكثر ازدواجية مما هو عليه .
وبالرغم من اضطرار هؤلاء لحمل الجنسية الإسرائيلية والعمل في مؤسسات الدولة الصهيونية بل انخراط بعضهم في الجيش الإسرائيلي , إلا أنهم بقوا بشكل عام أمناء على هويتهم الوطنية الفلسطينية ومحافظين على انتمائهم للمجتمع الفلسطيني , بل كانوا ومازالوا يشكلون مجتمعاً فلسطينياً داخل الدولة العبرية.
ثانياً : المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية والأردن:
بعد نكبة 1948 قامت إمارة شرق الأردن يضم الضفة الغربية مستغلة تواجد الجيش الأردني في الضفة الغربية بعد توقيع اتفاقيات الهدنة مع إسرائيل, وأصبحت الضفة الغربية جزءاً من الدولة الأردنية – التي أصبحت تحمل اسم المملكة الأردنية الهاشمية- خاضعة لسيادتها واستمر هذا الوضع حتى حرب 1967 حين احتلت إسرائيل الضفة الغربية بالإضافة إلى قطاع غزة وسيناء والجولان . كان وما زال لفلسطينيي الأردن وضعاً مغايراً عن فلسطينيي إسرائيل وعن بقية التجمعات الفلسطينية الأخرى , فبالرغم من حملهم للجنسية الأردنية – باستثناء أبناء قطاع غزة – واندماجهم ضمن الدولة الأردنية والمجتمع الأردني، إلا أن كونهم يمثلون الغالبية بالنسبة لعدد سكان الأردن وكونهم حملوا معهم إلى الأردن قيم وعادات ومستوى حضارياً أكثر تقدماً مما كان سائداً في الأردن , بالإضافة إلى أن المجتمع الأردني مجتمع تربطه كثير من الأواصر المشتركة بالمجتمع الفلسطيني , كل هذا ساعد على محافظة غالبية الفلسطينيين في الأردن وتحديداً في الضفة الغربية على خصوصيتهم الاجتماعية , وتكرست هذه الخصوصية الوطنية بعد فك الارتباط 1988.
نظراً لخصوصية العلاقة ما بين الفلسطينيين والأردنيين ومرورها بمراحل توتر وصراع أحياناً كما حدث عام 1970 فقد أنشأت الحكومة الأردنية دائرة لشؤون الفلسطينيين وهي مؤسسة حكومية مستقلة كوريث لوزارة شؤون الأرض المحتلة وتعمل على تنفيذ سياسات الحكومة الأردنية وأسند لهذه المؤسسة وظيفتين أساسيتين وهما:
1- التعاون والتنسيق مع وكالة المم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى في جميع أعمالها داخل الأردن فيما يتعلق بالخدمات التي تقدمها.
2- رسم السياسات العامة لعمل الوكالة الدولية من خلال عضوية لجنتها الاستشارية ومنتدى كبار الدولة المانحة والمضيقة للانروا. وفي محاولة من الدولة الأردنية لدمج الفلسطينيين في المجتمع الأردني فأنها توفر خدمات الكهرباء والماء الخدمات الصحية , إضافة لشق الطرق وتعبيدها وتوفير شبكات الصرف الصحي والهاتف , وكما ساهمت الحكومة الأردنية بتقديم خدمات التعليم للمرحلة الثانوية والمرحلة الجامعية لأبناء اللاجئين حيث أن وكالة الغوث يقتصر تقديم الخدمات التعليمية فيها حتى نهاية المرحلة الأساسية والتي تنتهي بالصف العاشر. أيضاً أنشأت في كل مخيم لجنة محلية للإشراف على تحسين الخدمات في المخيم أطلق عليها اسم " لجنة تحسين المخيم " , ويتم تعيين رئيسها وأعضائها من قبل دائرة شؤون الفلسطينية–سنتطرق في فصل قادم على عدد وتوزيع المخيمات في الأردن.
ثالثاً: المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة:
تميز قطاع غزة عن بقية أماكن التجمع الفلسطيني بأنه حمل الهوية الفلسطينية دون تعرض لتهديد من هوية أو سيادة دولة أخرى , فبعد حرب 48 تم وضع القطاع تحت إشراف حاكم عسكري مصري دون أن يُلحق القطاع إدارياً أو سيادياً بمصر , هذا الوضع مكن الفلسطينيين في القطاع من التحرك السياسي بحرية اكبر , كما أن المجتمع الفلسطيني في القطاع حافظ على خصوصيته وعاداته وتقاليده دون أي تشويه أو تهديد.
رابعاً : المجتمع الفلسطيني في الشتات:
بالرغم من عدم دقة إطلاق مصطلح مجتمع الشتات أو المغتربين على الفلسطينيين الذين يعيشون خارج وطنهم إلا أنه في الحالة الفلسطينية الوضع مختلف , حيث أن الهجرة الفلسطينية كانت جماعية وقسرية كما أن الفلسطينيين في المهجر شكلوا تجمعات (مخيمات ) مارسوا فيها نمط وطريقة حياتهم الفلسطينية الأصيلة, كما أنه في بعض البلدان العربية يعيش الفلسطينيون بمئات الآلاف , كما هو الحال في الأردن ولبنان وسوريا , ونصف الشعب الفلسطيني تقريباً يعيش في بلاد الغربة.
خامساً: المجتمع الفلسطيني في المخيمات:
لم يعرف الشعب الفلسطيني قبل 48 ظاهرة المخيمات , كما لم تعرفها مجتمعات أخرى إلا البعض منها ولفترات محدودة , أما في الحالة الفلسطينية بعد النكبة فقد عاش ملايين الفلسطينيين في المخيمات منذ عام 1948 وحتى اليوم. وتتوزع هذه المخيمات ما بين الأردن والضفة وغزة وسوريا ولبنان.
ويعتبر المخيم حالة خاصة من المجتمع الفلسطيني فالمخيم ليس قرية ولا مدينة وبالتالي سكانه ليسوا فلاحين ولا حضريين ولا بدوا , بل هم خليط من كل هؤلاء , حيث يعيش في المخيم ابن القرية وابن المدينة مما يجعل المخيم فسيفساء تعكس كل أشكال الطيف الاجتماعي , من تعدد في اللهجات وفي اللباس وفي الأصول الاجتماعية.













الفصل الثالث
المجتمع الفلسطيني ومسألة الهوية

لا مجتمع دون هوية تميزه عن بقية المجتمعات, بل يمكن القول بأن الهوية هي أهم مكونات المجتمع فهي الكيمياء أو الغراء الذي يربط أفراد المجتمع بعضهم ببعض وهي التي تعبر عن خصوصيتهم ونمط معيشتهم والموجه للروح الوطنية،فبدون هوية وطنية يتحول المجتمع لجموع لا رابط بينها ولا هدف يجتمعون حوله.بالرغم من أن الشعب الفلسطيني شعب عربي مسلم وبالتالي يفتخر بعروبته بدينه ،إلا أن خصوصية الشعب الفلسطيني التي سبق الإشارة إليها وخصوصا التهديد الوجودي الذي يشكله الوجود الصهيوني في فلسطين يجعل للهوية الوطنية الفلسطينية خصوصية تميزها عن الهويات الأخرى.
إن التحليل الموضوعي لملابسات ظهور الهوية الوطنية الفلسطينية وتعبيراتها الأخرى كالشخصية الوطنية أو القطرية الفلسطينية سيؤكد أن الهوية الوطنية الفلسطينية التي تشكل النقيض للكيان الصهيوني ونفياً لمبررات وجوده, وبالتالي فإن تمسك الفلسطينيين بهويتهم وثقافتهم الوطنية وإعلاء شأنها فوق الهويات الأخرى لا يعتبر تناقضا أو نفيا للهويات الأخرى –الإسلام والعروبة – بل معززا لها.



المبحث الأول
تلازم الهوية والمجتمع

المطلب الأول: في مفهوم الهوية Identity
أشتق المترجمون العرب القدامى كلمة الهوية من (الهو), فالمعنى الفلسفي للهوية هو ما يكون الشيء هو نفسه , ويقول الفارابي في ذلك " هوية الشيء وعينيته وتشخيصه وخصوصيته ووجوده المنفرد له , كل واحد , وقولنا إنه هو إشارة إلى هويته وخصوصيته ووجوده المنفرد له الذي لا يقع فيه اشتراك ". وهذا ما يؤكد عليه المفكر المغربي محمد عابد الجابري بالقول بأن معنى الهوية في الفكر الفلسفي العربي "قد استقر ليدل على ما به الشيء هو بوصفه وجوداً منفرداً متميزاً عن غيره" .
لا يختلف مفهوم الهوية في القواميس الأجنبية عن المفهوم العربي إلا في المحتوى الذي يرتبط بالثقافة , فالهوية رديف الأنا الذي هو غير الأخر , بمعنى أن التعريف الابستمولوجي للهوية لم يتغير ولكن مشتملاتها أو تعريفها الثقافي والحضاري هو الذي طرأت عليه تغيرات. وهكذا فللهوية تعريفات متعددة حسب العلم الذي يبحث فيها : علم النفس أو علم الإناسة أو علم الاجتماع , وسنقتصر هنا على تعريفها في مجال علم السياسة وعلم الاجتماع السياسي.
تتفق أغلب التعريفات بأن الهوية هي مجموعة الخصائص التي يمكن للفرد عن طريقها أن يُعرف نفسه في علاقته بالجماعة الاجتماعية التي ينتمي إليها والتي تميزه عن الأفراد المنتمين للجماعات الأخرى. هذه الخصائص أو المميزات الجمعية لا تتكون صدفة أو بقرار في لحظة تاريخية ما , بل تتجمع عناصرها وتطبع الجماعة بطابعها على مدار تاريخ الجماعة من خلال تراثها الإبداعي (الثقافة) وطابع حياتها (الواقع الاجتماعي ) , وتعبيرات خارجية شائعة مثل : الرموز والعادات والتقاليد واللهجة أو اللغة.أهم مكونات الهوية هي تلك التي تنتقل بالوراثة داخل الجماعة وتظل محتفظة بوجودها وحيويتها بينهم مثل : الأساطير والقيم والتراث الثقافي. وبداهة أن الهوية ترتبط بالشخص أو الجماعة سواء كانت الجماعة تعيش على أرضها التاريخية أو موزعة في أرض الشتات , ولكن يجب توفر عنصر الانتماء للجماعة والوعي بالهوية.
انطلاقاً مما سبق هناك ارتباط قوي ما بين هوية الفرد وهوية الجماعة , فهذه الأخيرة جمع لأفراد لهم نفس الهوية , فهوية الفرد تؤثر على هوية الجماعة , وهوية الجماعة تؤثر على هوية الفرد , وتكون الهوية عند الطرفين أكثر قوة وتماسكاً في حالات التهديد الخارجي وإذا ما تشاطر الطرفان نفس البيئة الاجتماعية وبطبيعة الحال نفس الأرض. الهوية عند الفرد تشكل " التعبير الصادق عن ذاتية الإنسان النفسية المستقلة , التي تميزه عما عداه من آخرين في نفس محيطه، وهي تتكون من خلال عمليات توحد وتطابق ومزج بين المسلمات الشخصية للفرد , ومن يؤثرون فيه اجتماعياً ونفسياً ثم تقوم التنشئة الاجتماعية بعملية ربط الهوية الفردية بالهوية الجماعية وتعزيز الشعور بالانتماء للجماعة داخل الفرد , بالإضافة إلى تحقيق بنية دافعة بداخل الفرد وظيفتها قبول هذا الأخير وتكيفه مع النموذج السياسي والاجتماعي والاقتصادي السائد في المجتمع.
تتقوى النزعة نحو الهوية في المجتمع حين تتحول إلى حركات سياسية أو اجتماعية احتجاجية إما في مواجهة تهديد من هويات محلية متعارضة معها أو في مواجهة تهديد من هويات أو ثقافات خارجية كما أن الهوية تتحدد كثقافة في سياق العلاقات الإنسانية حين إدراك المسائل العالمية والوعي بتعقدها . وهذا ما تلمسه اليوم مثلاً فيما يسمى بخطر العولمة الثقافية أو صراع الحضارات. ولكن تكوين الهوية وتمايزها – إنتاجها – يحتاج إلى زمن طويل , حيث يؤكد R.stavenhagen أن الجماعة الإثنية تعد نتاجاً للتاريخ وتقاوم من أجل الأرض أو طريقة الحياة . ومن ضمن المعالم المحددة للإثنية أو الهوية العرقية نذكر ( الخصوصيات الثقافية والدين والعرق والسلالة والاقتصاد والقومية والبيولوجيا....) وهذه كلها بنيات ثقافية وبنيات للهوية تشكل معاني مشتركة للانتماء .
في كثير من الحالات يتداخل المفهوم العام للهوية مع الهوية العرقية , فهذه الأخيرة تتميز بخصائص جسمانية أو عرقية , الدين , اللغة أو في الأصل القومي , أو كل هذه الأشياء مجتمعة , إلا أن قاموس العلوم الاجتماعية يعرف الجماعة الأخرى العرقية بالقول ( يطلق في غالب الأحيان على أي جماعة تختلف عن الجماعات الأخرى في واحدة أو عدد من عادات حياتها ). أيضاً يجب التأكيد على أن تميز جماعة ما بهوية لا يعني تطابق أفراد الجماعة في كل شيء وخصوصاً بعد تجاوز المفاهيم العنصرية للهوية والقومية وانتشار قيم الديمقراطية التي تؤكد على التعدية.إنن التماس الوحدة والتجانس والتماثل أبدا هو التماس لموات الوجود والتماس لخاصية التحجر والجمود وبالتالي تتناقض مع جوهر الديمقراطية. الهوية الحق هي تطابق الهوية مع الاختلاف كما يقول هيجل.
واليوم تتفاهم أزمة الهوية في العالم الثالث كظاهرة يطلق عليها برتراند بادي (أثننة العالم) , فالعالم يشهد اليوم حالة لا تخلو من تناقض ظاهري , فمن جانب تتعرض ثوابت الهوية للزعزعة , ومن جهة أخرى تنبثق هويات كانت يُعتقد أنها تلاشت أو كانت كامنة وخصوصاً في مجتمعات فقيرة وضعيفة وجدت في الهوية العرقية أو الدينية الجدار الأخير الذي يحفظ لها كينونتها ويحول دون اندثارها بعد انهيار الأيديولوجيات. اليوم " يجرى إخراج الإنسان من يقينية وذاتيته وكينونته , وربطه إلى عصر الكونية الذي تذوب فيه كل الخصوصيات " .انقلبت إحدى أدوات العولمة ضدا على مسارها , حيث شجعت هذه الأخيرة , المجموعات الإثنية والدينية والقومية على لبس عباءة الديمقراطية. كما أصبح خطاب الهوية القومية يشكل شعارا إيديولوجيا تحتمي به الجماعات الاجتماعية المهمشة. الهوية لا تصاغ بقوانين ولكنها كالكهرباء تتغلغل في حياة البشر وتكمن في روح القوانين وفي سلوك الناس وتفكيرهم ومشاعرهم.
لا غرو أن التهديد الرئيس للهويات الثقافية في عالم اليوم يتأتى من العولمة الثقافية التي هي تعبير عن الهوية الثقافية للآخر – الثقافة الغربية المسيحية – التي تتوفر على عناصر القوة والتأثير بحيث تصبح الهويات الثقافية للمجتمعات الضعيفة في حالة خطر , إلا أنه ومهما بلغت قوة العولمة , فليس بمقدورها تقديم نموذج ثقافي بديل يستطيع تهميش الثقافات المحلية وإفراغ الهويات الثقافية من محتواها أو الحيلولة دون التصادم بينها وهذا ما أكد عليه شاهد من أهلها وهو هنتنغتون في كتابه (صدام الحضارات) , فتشكل ثقافة عالمية هو نوع من المحال لأن البشر بطبيعتهم مختلفون والله خلقهم كذلك ولم يحدث في تاريخ البشرية أن توجد العالم ضمن هوية مشتركة, فلا الديانات السماوية نجحت في ذلك ولا الإمبراطوريات بقوتها نجحت في ذلك. قد تنجح العولمة الاقتصادية والعلمية أو المعلوماتية لأنها ترتبط بالجوانب المادية من حياة البشر،إلا أن البعد المتعلق بالهوية والثقافة أي بالجوانب المعنوية , من لغة وعقيدة وتراث حضاري غير قابلة للتوحد وبالتالي ستبقى مسالة الهوية ملازمة لوجود الدول والمجتمعات.
وفي حياتنا العربية يعتبر تعدد الهويات وتداخلها أمرا يميزنا عن غيرنا، فمن هوية وطنية أو قطرية إلى قومية إلى إسلامية إلى أممية. وعملت التربية الحزبية والثقافية السياسية للأحزاب العقائدية على تشوه الهوية الثقافية , حيث غلبت الايدولوجيا على الهوية الوطنية والثقافة الوطنية , فالأممية ألغت الوطنية والقومية , والقومية ألغت الوطنية والإسلاموية ألغت كل شيء حتى العلم الوطني والنشيد الوطني. إن أزمة الهوية في مجتمعاتنا مرتبطة بأزمة الدولة وأزمة الدولة مرتبطة بأزمة الهوية وكلاهما يبررا شرعية طرح السؤال من نحن ؟ بالإضافة إلى ما سبق فأن الهوية العربية الإسلامية مشبعة بالأشخاص, فتقديس الأشخاص والرموز أهم من تقديس الأرض والوطن, تاريخ هويتنا وثقافتنا هو تاريخ أشخاص زعماء وليس تاريخ منجزات أو تاريخ دولة ووطن.

المطلب الثاني: الهوية ضمان وجود واستمرار المجتمع الفلسطيني:
فأن يثار اليوم وأكثر من أي يوم مضى موضوع الهوية والانتماء إنما مؤشر على وجود حالة من القلق , الثقافات تعيش اليوم حالة صراع لإثبات الوجود وللحفاظ على الخصوصيات , على الهوية والانتماء , في ظل عالم يتعولم قسراً. إذا كان هذا حال الهوية في المجتمعات المستقلة والمستقرة فكيف بهوية كالهوية الوطنية الفلسطينية التي تتعرض لتهديد متعدد المصادر : من العدو الصهيوني لذي يشكل حالة نفي للهوية الفلسطينية , ومن العولمة الثقافية , وبدرجة أقل من الهويات الصديقة أو التي نتشارك معها في بعض الرموز والقيم المشتركة , كالقومية العربية والإسلام والأممية الإنسانية, هذا ناهيك عن خطر الغربة والشتات.
ومن المعروف أنه عندما توجد جماعة بأكملها في حالة من الحيرة والخوف تجاه موضوع الهوية , فهذا دليل على أن هناك مسببات لهذا الخوف وأن هناك خطر حقيقي على الهوية , فما بالك إذا كانت الهوية هي الهوية الفلسطينية التي تواجه عدواً لا يخفي أنه يمثل حالة نفي وتناقض مع الوجود الفلسطيني والهوية الفلسطينية.
لا شك أن كثيراً من الشعوب العربية تعيش أزمة هوية أو تنازع بين هويات وخصوصاً ما بين القطري والقومي والإسلامي والعلماني , إلا أن هذه الأزمة لديهم فكرية وإيديولوجية أكثر من كونها أزمة وجود , نحن نختلف عن بقية الشعوب العربية بالنسبة للهوية , فالمصري أو السوري أو المغربي , الخ , إن تخلي عن هويته القطرية يبقى مسلماً أو عربياً يعيش على أرضه التاريخية , أما الفلسطيني إن تخلي عن هويته أو وهنت هويته تضيع الأرض أيضا لأن عدوه يريد تغييب هويته لطمعه بالأرض،الهوية الوطنية الفلسطينية مرتبطة بالأرض أكثر من أي هوية أخرى , فأن ضعفت الهوية أو غابت تضيع الأرض ويضيع الوطن.
من هنا يجب أن لا تتملكنا عقدة ذنب أو تقصير , إن طرحنا مسألة الهوية , وإن طالبنا بفك الاشتباك أو إعادة صياغة الأولويات ما بين الهوية الوطنية الفلسطينية والهويات الأخرى المتقاطعة معها. ونعترف أن للحديث عن الهوية الآن محاذير, فإن أعلينا شأن الهوية الوطنية على حساب القومية والإسلام نكون كمن يخدم العدو الذي يريد أن يفصل بين فلسطين ومحيطها العربي الإسلامي ليتمكن من الانفراد بالفلسطينيين، وأن تجاهلنا هويتنا لمصلحة أبعاد مأزومة فهذا يحرف القضية عن مسارها. فالبعد القومي الرسمي هو الذي أضاع ثلثي فلسطين عام 1948 وأضاع بقيتها عام 1967 , والحسم بمسألة الهوية من حيث الدين مخاطر أيضاً , فأن حصرنا دائرة اهتمامنا على البعد الديني دون تعقل نكون كمن يدعم جماعات دينية توظف الدين بطريقة خطأ ونخسر بذلك الرأي العام العالمي , فتطرف بعض المسلمين هو الذي دفع العالم ليدرج حركاتنا الجهادية في قائمة الإرهاب , ولكن إن تجاهلنا البعد الديني نخسر دعم الشعوب المسلمة ولو كان دعماً محدوداً وعاطفياً , في وقت تشهد إسرائيل والعالم المسيحي مد أصولياً.
لسنوات والشعب الفلسطيني يقبل بانضواء هويته وتبعيتها لهذه الإيديولوجية أو تلك ولهذا النظام أو ذاك باسم العروبة تارة وباسم الإسلام أخرى وباسم الأممية تارة ثالثة , لسنوات ونحن نجد عذراً لتعدد التنظيمات الفلسطينية وللتداخل القومي والإسلامي والأممي , حين كانت الآمال واعدة بانتصار هذه الإيديولوجية أو تلك , ولكن بعد انهيار الإيديولوجيات التي كانت تزعم أنها تحتضن قضية فلسطين وبعد سقوط معسكر أو معسكرات الحلفاء يحتاج الأمر إلى وقفة مع الذات ومن أجل الذات. ليس هذا كفرا لا بالقومية ولا بالقوميين الصادقين , وليس كفراً بالإسلام والإسلاميين ولكننا أيضاً كفلسطينيين لن نكفر بفلسطين ولن نتخلى عنها إذا تخلى عنها الآخرون , لأن لا كرامة ولا معنى لوجوده دون هوية خاصة ومتميزة.
ومع كامل احترامنا للتنظيمات العقائدية الفلسطينية , ومع كامل التفهم للدوافع التي حذت بهم لتبني هذه الإيديولوجية أو تلك , أو الالتحاق بهذا النظام أو ذاك , فإن المرحلة التي تمر بها القضية اليوم تحتم على الجميع التمسك بالهوية الوطنية الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى , والاعتراف انه اليوم ما حك جلدك مثل ظفرك , وأن لا مدخل لفلسطين إلا عبر فلسطين والهوية الفلسطينية. وهذا يتطلب الاتفاق على برنامج وطني ودستور متحرر من الضغوطات الخارجية والحساسيات الأيديولوجية , برنامج يكون شعاره إنقاذ ما يمكن إنقاذه من فلسطين الأرض وفلسطين الوطن لإعادة بناء الدولة الفلسطينية على ما يمكن إنقاذه من أرض فلسطين التاريخية. قد لا يعجب هذا القول القوميين والإسلامويين من الأشقاء العرب والمسلمين , ولكن على هؤلاء أن يعرفوا أنهم يُنظرون , منتقدين أو محرضين ورافعين شعارات كبرى , وهم في أوطانهم القطرية وعلى أرضهم ووسط شعوبهم , أما نحن الفلسطينيون ففي مفترق طرق , إما أن نكون أو لا نكون.
اليوم على الفلسطيني أن يرفع عالياً وباعتزاز راية الهوية الوطنية الفلسطينية دون عقدة تأنيب ضمير أيديولوجي أو أخلاقي، الفلسطيني أعطى للأمة العربية والإسلامية الكثير وراهن حتى آخر شعار من شعارات القومين والثوريين والإسلاميين , اليوم لا يمكن للفلسطيني أن يجلس وينتظر زعيما قومياً أو إسلامياً أو أممياً جديداً ليناضل تحت جلبابه , ليس فقدا للأمل بالمستقبل , أمل أن تنهض الأمة من كبوتها , ولا كفراً بالعروبة والإسلام ولكن رفضا لأدعياء العروبة والإسلام وحفاظاً على الهوية الوطنية وصيانة لها من الاندثار.
إن المتابع للسياسة الإسرائيلية في حربها ضد الشعب الفلسطيني , يلمس أن هذه السياسة تعمل على جبهتين : جبهة عسكرية لاحتلال الأرض وجبهة سياسية ثقافية لهزم ذاكرة الإنسان الفلسطيني وتشويه تاريخ القضية , ليصبح الشعب الفلسطيني شعباً بلا تاريخ وبالتالي بلا هوية , وعندما تنتفي الهوية الوطنية عن شعب يسقط حقه في دولة مستقلة بل يفقد حقه بالحياة وبالتالي هناك علاقة توحد ما بين الهوية والدولة , وبدون دولة تحمل اسم فلسطين تصبح هويتنا الفلسطينية مهددة بالزوال.
إن كنا نؤكد على أهمية الهوية وإعلاء شأنها , فالسؤال هو ما المقصود بالهوية الفلسطينية ؟ وهل يمكن أنه تكون شيئاً مغايراً للهوية العربية والإسلامية , وهل حصرها بنصوص دستورية يخدم القضية في هذه المرحلة ؟
من خلال ما سبق يمكن القول إن الحديث عن هوية فلسطينية لا يعني القطيعة مع الهويات الأخرى ولا تطابق أفراد الجماعة – الشعب الفلسطيني – في الدين والفكر والعرق , فالتعددية جزء من الهوية بالمفهوم الحضاري الديمقراطي ولكنها تعددية في إطار الوحدة،هوية لا تقوم على الإقصاء بل على الاستيعاب والتعايش وعلى هذا الأساس يمكن للدين أن يكون جزءا من الهوية لا أن تغيب الهوية الوطنية في إطار الدين أو بالأصح لمصلحة إيديولوجية دينية , ويمكن للعروبة أن تكون جزءا من الهوية الفلسطينية , لا أن تغيب الهوية الوطنية في إطار العروبة أو بالأصح أيديولوجية قومية توظفها لمصالحها أو لخدمة هويات قطرية. فقد أتضح من خلال تجاربنا السياسية في العقود السابقة أن انضواءنا تحت رايات هويات قومية أو أممية أو إسلاموية آل إلى تبعية مقيتة لأنظمة وقيادات لم تكن أمينة لا للقضية الفلسطينية ولا للأيديولوجيات التي يزعمون الانتساب إليها.
إن كان الدين والقومية جزءاً من الهوية الفلسطينية , فهذا لا يعطي للهوية الفلسطينية أية خصوصية لأنها قاسم مشترك بين عدة دول عربية , الهوية الفلسطينية هي ما سبق:ذاكرة الشعب الفلسطيني , تقاليده ولهجته ولباسه ومعاناته ومشاعره وأحاسيسه المشتركة , ورموز أخرى يجب استحضارها إن كانت مغيبة وخلقها إن كانت غير موجودة، أن تكون فلسطينياً معناه أن تكون مختلفاً عن الآخر ليس الاختلاف النقيض بل اختلاف التميز , أيا كان هذا الآخر , وهذا لن يكون إلا بدولة فلسطينية مستقلة.


المبحث الثاني
المجتمع الفلسطيني وتداخل الهويات

المطلب الأول: جذور الهوية السياسية الفلسطينية:
تتميز القطرية الفلسطينية عن غيرها من القطريات العربية بأنها قطرية قسرية نضالية لم تأت اختيار ذاتي أو تعبيراً عن اختمار لمصالح وأفكار إقليمية أرادت أن تعبر عن نفسها علناً , كما أنها قطرية ولدت في ارض المعركة ومن خلال الصراع الدامي مع العدو , وأنها قطرية جاءت كرد فعل على المشروع الصهيوني الهادف إلى اجتثاث فلسطين من قلب الأمة العربية , وإقامة كيان يهودي على أرض فلسطين , على حساب نفي وإنكار وجود الشعب الفلسطيني صاحب الحق التاريخي في فلسطين.
لقد روجت الصهيونية المدعومة إمبريالية مقولة "أرض بلا شعب بلا أرض " , خدعت الرأي العام العالمي وغلطته بهذه المقولة التي تمثل تجنياً صارخاً على الحقيقة والواقع لأنها تتأهل أن أرض فلسطين يقظتها تاريخياً الشعب الفلسطيني وأنه حسب كل القوانين والشرائع لا يمكن أن تعطي المبرر لاغتصاب ارض فلسطين بالإدعاء بأنها أرض بلا شعب , وكأنهم يتحدثون عن ارض مكتشفة في كوكب جديد وليس عن أرض تقع في مركز الكرة الأرضية ومنبع الحضارات والأديان السماوية , وعندما صدر وعد بلفور في 1917 , والذي أعطى اليهود الحق بإقامة وطن قومي لهم في ارض فلسطين , وتجاهلت بريطانياً في وعدها غير الشرعي وغير القانوني وجود الشعب العربي الفلسطيني , واعتبرت الفلسطينيين العرب مجرد أقليات.
هذا التجاهل للوجود الوطني الفلسطيني استمر يحكم السياسة الصهيونية والأمريكية ومن يدور في فلكهم وذلك لأن الاعتراف بحقوق وطنية هذا الشعب على أرضه فلسطين , وعليه لا نستغرب تصريح غولدا مائير في 1969 لجريدة "صانداي تايمز" اللندنية والذي قالت فيه بكل وكل وقاحة " لا وجود للفلسطينيين , ولا يوجد شعب في فلسطين يعتبر نفسه الشعب الفلسطيني , وليس صحيحاً أن هذا الشعب كان موجوداً وأننا طردناه وأخذناه أرضه وبلاده , وإنما المسألة أنه لم وجد بفلسطين قط.
إن التحليل الموضوعي المنزه عن أي أغراض تحريضية تشهيرية والساعي إلى الحقيقة خدمة للحق في تعامله مع القطرية الفلسطينية يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أن هذه القطرية تشكل رداً ثورياً قومياً على المشروع الصهيوني الإمبريالي الذي ينكر الوجود الوطني للشعب الفلسطيني. والمغالطة الكبيرة التي يقع فيها أولئك الذين يلصقون صفة الإقليمية بحركة المقاومة الفلسطينية , إنهم يجهلون أن إبراز الخصوصية الفلسطينية والمطالبة بالتأكيد على الهوية الوطنية للشعب العربي الفلسطيني اسبق من ظهور الحركة القومية العربية المنظمة , فالقطرية الفلسطينية ليست بنت يومها بل وجدت منذ أن وجد الخطر الصهيوني المهدد لعروبة أرض فلسطين وشعب فلسطين وحتى تتضح كل أبعاد القضية سنرجع إلى البدايات الأولى لتلمس الفلسطينيين لخصوصية قضيتهم.
مع اقتراب القرن التاسع عشر من نهايته بدأت تضح معالم المخطط الصهيوني الاستعماري لإقامة وطن لليهود في فلسطين كحل لما سمي بالمسألة اليهودية , وليشكل قاعدة للاستعمار تخدم أهدافه في المنطقة العربية , وكان نجاح هذا المخطط يعتمد اعتماداً كلياً على قدرة أصحابه على جلب اليهود من بقاع المعمورة لإسكانهم في فلسطين , ومن هنا بدأت تتدفق أفواج المهاجرين اليهود مشبعين بالعقيدة الصهيونية والتطرف الديني , وكانوا لا ينظرون لدخولهم إلى فلسطين على أنه مجرد زيارة أو مهرب من الاضطهاد المسلط عليهم في أوروبا , بل اعتبروا دخولهم فلسطين عودة إلى " أرض الميعاد " , العودة التي وعدهم فيها "ربهم" وتعاملوا مع السكان الفلسطينيين أصحاب الأرض على أنهم محتلون لا حق لهم في فلسطين , وعليه اتسمت العلاقة بين الطرفين منذ بداية بالتوتر والتشاحن , وشعر الفلسطينيون بأن هؤلاء الدخلاء يشكلون تهديداً عليهم , وعلى استقرارهم ومعيشتهم فارتفعت النداءات الفلسطينية تندد بهذا الخطر الداهم وتحذر أولى الأمر من السكوت على المشروع الصهيوني الاستيطاني.
حيث أنه في نهاية القرن التاسع عشر حيث بدأت الهجرات اليهودية بالتدفق على فلسطين، لم يكن هناك حركة قومية عربية ولا إستراتيجية قومية عربية, بل لم يكن هناك دول عربية مستقلة يتوجه إليها الفلسطينيون لطلب العون, فقد اتجه الفلسطينيون إلى الإمبراطورية العثمانية التي كانت فلسطين جزءاً منها. ففي 24/6/1891 أرسل عدد من زعماء القدس رسالة إلى الصدر الأعظم في الآستانة يطالبون فيها منع اليهود من دخول فلسطين وتحريم شرائهم الأرض فيها , وقد أصدر الباب العالي قرار في عام 1901 يمنع بمقتضاه أي يهودي من دخول السلطنة إلا إذا كان سيغادر بعد ثلاثة شهور , إلا أن القرار لم يطبق بفعل تدخلات خارجية , كما أن السلطان عبد الحميد رفض الخضوع للإغراءات التي عرضها عليه الصهاينة من أجل أن يبيعهم فلسطين أو يسهل عليهم الهجرة والإقامة فيها .
وبعد وصول جماعة الاتحاد والترقي إلى الحكم في الإمبراطورية العثمانية , ونظراً للعلاقة الجيدة التي كانت تربطهم بالحركة الصهيونية , والتأثير الذي كانت تمارسه الحركة الماسونية عليهم , تزايد النشاط الصهيوني في فلسطين , الأمر الذي أدى بالفلسطينيين إلى أن يرفعوا شكواهم إلى مجلس " المبعوثان " العثماني , حيث تساءل حافظ بك السعيد نائب يافا في المجلس , في يونيو 1909 , عما إذا كانت الحركة الصهيونية ومشاريعها الاستيطانية متوافقة مع مصلحة الإمبراطورية العثمانية وطالب النائب بأن تتخذ الحكومة الإجراءات الكفيلة بالحد من الهجرة اليهودية , وأن تغلق ميناء حيفا في وجه المهاجرين.
وفي العام التالي وجه عبد الله مخلص وهو كاتب فلسطيني كتاباً مفتوحاً إلى مجلس المبعوثان نشرته جريدة المقتبس , يحذر فيه من الخطر الذي يتهدد أرض وشعب فلسطين نتيجة الهجرة الصهيونية واستيلاء اليهود على الأراضي العربية بشتى الطرق ومما جاء في الكتاب " إن البلاد الفلسطينية أصبحت على شفا جرف من الخطر وقد لا يمضي عليها عشرات من السنين إلا ويعمل بها ناموس تنازع البقاء عمله الطبيعي وتصبح البلاد كلياً للاجئين اليهود " , وقد أبدى الكاتب خشيته من " أن ينبذ الدخيل الأصيل ونخرج من بلادنا. ثم نميل بوجوهنا إلى بقعتنا النضرة نبكيها. ويصيبنا ما أصاب الأندلسيين في أواخر أيام أدبارهم " وقد أثبتت الأحداث صدق تخوفاته وتحقق تنبؤاته.
لم تجد المناشدة الفلسطينية بدرء الخطر الصهيوني أي تجاوب من الحكومة العثمانية أو من الرأي العام العربي الذي كان مشغولاً آنذاك بظهور حركة جنينية لفكرة القومية العربية والاستقلال العربي , وكانت الاهتمامات منقسمة ما بين الحركات القومية التي تطالب بالانفصال عن الإمبراطورية وإقامة حكومة عربية وكان أبرز هذه الحركات حزب العربية الفتاه وحزب العهد. وهذه الحركات كان نشاطها محصوراً , وبين دعاة اللامركزية الذين كانوا يطالبون بإعطاء العرب حكماً لا مركزياً في ظل الإمبراطورية العثمانية , وحيث أن هذا التيار الأخير كان نشاطه علنياً وكان على علاقة بالسلطة العثمانية , فقد اتجه إليه الفلسطينيون عسى أن يتفهم قضيتهم ويوصلها على المعنيين بالأمر في الآستانة.
بنا الفلسطينيون آمالاُ عريضة على انعقاد المؤتمر العربي الأول في باريس في يونيو 1913 , الذي دعا إليه دعاة اللامركزية , واعتقد الفلسطينيون أن المؤتمرين سيولون القضية الفلسطينية الاهتمام الذي تستحقه , ومن بين 387 رسالة وصلت للمؤتمر تندد بالخطر الصهيوني وتبارك المؤتمرين , كانت 139 وردت من فلسطين .
إلا أن المؤتمر تجاهل الفلسطينيين ولم يتطرق للخطر الصهيوني , الأمر الذي آثار استنكارا فلسطينياً عكسته الصحف الفلسطينية وأهمها صحيفة الكرمل التي كان يصدرها نجيب نصار , حيث تساءلت الصحيفة " هل جري الاتفاق على الرضا بمناهضة كل حركة حياتية تظهر منا وترك أبناء الصهيونية يحيون قوميتهم بموت قوميتنا ؟. هل جرى الاتفاق على أن نبيعهم وطننا قطعة ليرحلونا عنه فرادي وجماعات ؟" وأوضحت الصحيفة بأن الدفاع عن عروبة فلسطين واجب قومي فهو دفاع عن الأمة العربية وأن المصلحة القومية تتطلب إيلاء اهتمام للمسألة الفلسطينية .
لقد أدى تفاقم الخطر الصهيوني الذي أصبح الهم اليومي للفلسطينيين والموقف السلبي للسلطات العثمانية وللرأي العام العربي المغيب , عن مجريات الأحداث , تجاه الخطر الصهيوني والهجرة اليهودية، إلى الحاجة لأن يتلمس الفلسطينيون حلولا ذاتية لقضيتهم , ومن هنا بدأت الدعوة للتأكد على الخصوصية الفلسطينية , والدعوة إلى وجود شكل ما لحركة وطنية فلسطينية تدافع عن مصالح الفلسطينيين ضد الخطر الصهيوني , فكتب نجيب نصار الفلسطينيين في جريدته الكرمل إلى "أن تجتمع كلمتهم بتأليف جمعية وطنية لا صهيونية تحفظ البلاد لأهلها لترقية شؤونهم الزراعية والاقتصادية والعلمية وإيجاد الألفة الاجتماعية فيما بينهم " .
لقد أكد الفلسطينيون بجلاء بأن دعوتهم لبلورة خصوصية وطنية وهوياتية كانت الوسيلة الوحيدة أمامهم للحفاظ على وطنهم " علينا أن نطلب الحياة من طريقها الصحيح لا أن نقول للغير ارحمونا وادفعوا عنا البلاء ولا للطامعين فينا أشفقوا علينا وكفوا عن الطمع فينا , فهذه الأقوال ليس لها وجود في قاموس تنازع البقاء " تجاوب الفلسطينيون مع هذه الدعوة التي تشكل درع وقاية وحماية لهم في مواجهة محاولات شطب الهوية الوطنية الفلسطينية وانتقلت الفكرة إلى حيز التطبيق لتفتح الباب أمام الفلسطينيين لتلمس دور خاص لهم في معركتهم المصرية.
شهد عام 1914 ظهور عدة جمعيات وطنية فلسطينية وضعت هدفاً أساسياً لها مواجهة الجمعيات الصهيونية , والتأكيد على الهوية الوطنية الفلسطينية , ففي نابلس قامت جمعية ( الشبيبة النابلسية) وفي القاهرة تداعى الطلبة الفلسطينيون إلى تأليف جمعية (اللاصهيونية) , إلا أن نشوب الحرب العالمية الأولى وقيام الثورة العربية الكبرى , أديا إلى أن يجمد الفلسطينيون وجودهم وينظموا للجمعيات القومية ويصبحوا من بين قادتها , كما أعدم العديد من الفلسطينيين في المجازر التي اقترفها جمال باشا السفاح ضد القوميين العرب في سنوات الحرب الأولى , وأصبحت مطالب الفلسطينيين هي نفس مطالب القوميين العرب والتي حددها ميثاق دمشق 1915.
ولم تأت الرياح بما تشتهي السفن. حيث تبددت الآمال التي بناها العرب على تحالفهم مع الحلفاء , وأدت نتائج الحرب إلى خلق وضع جديد في المنطقة وأدت نتائج الحرب إلى خلق وضع جديد في المنطقة أرست دعائمه اتفاقية سايكس - بيكو ووعد بلفور , أي التجزئة وخلق كيان يهودي يحفظ استمرارية هذه التجزئة، وكان لا بد أن تتأثر الحركة القومية العربية الناشئة بهذا الوضع المستجد , فاتفق أعضاء حزب العهد على أن يصيغوا إستراتيجية جديدة لمواجهة متطلبات المرحلة , وانقسموا إلى حزبين: سوري وعراقي , يقوم كل منهم بجهوده في نطاقه الإقليمي , وحل بذلك مفهوم الوطن القطري محل الوطن القومي الذي ناضلوا من أجله, وأصبح ما يشغلهم هو ترتيب أوضاعهم القطرية ومواجهة القوات البريطانية والفرنسية التي حلت محل الجيش العثماني المهزوم , و أصبح المخطط الصهيوني أصبح سافراً ومكشوفاً ولم يعد خافياً على أحد , والقوات البريطانية احتلت فلسطين وعملت على وضع وعد بلفور موضع التطبيق.
صور ساطع الحصري ما آلت إليه الأوضاع العربية بقوله " فهذا فلسطيني يعتبر الصهيونية أول كما يجب أن يهتم به من مشاكل , وذلك سوري يرى في أطماع فرنسا أكبر الأطماع والأخطار التي تهدد قضيته , وذاك عراقي يقول بوجوب الثورة ضد الإنكليز أولاً ". وبقي الفلسطينيون وحدهم في الميدان محبطي الآمال , فحلم الوطن القومي تلاشي وبعد , والوطن القطري أصبح مهدداً بالضياع وغير معترف لهم به.
وجد الفلسطينيون في الحكومة العربية التي أعلن عن قيامها فيصل الأول في سوريا عام 1920 حلا أملا للخروج من المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه أواخر الحرب العالمية الأولى. فالانتماء لسوريا الكبرى حقيقة يؤكدها التاريخ من جانب والانتماء للحكومة الفيصلية يعني الاعتماد على سلطة قومية موجودة تدافع عن حقوق عرب فلسطين الذين لم تتبلور لديهم أية هيئة سياسية معترف بها تدافع عن حقوقهم في مواجهة المخطط الصهيوني البريطاني , وبالإضافة إلى ذلك فإن الإقليمية كانت بالنسبة للفلسطينيين من أسوأ الحلول , وعليه لم تتبلور آنذاك لدى الانتلجنيسيا الفلسطينية , وحتى لدى أصحاب المصالح أية منظومة فكرية إقليمية تقوم على أساس فصل فلسطين عن محيطها العربي.
بداية مأسسة الهوية والشخصية الفلسطينية المستقلة
أحيا الفلسطينيون فكرة إيجاد جمعيات مسيحية إسلامية تقف في وجه الحركة الصهيونية المدعومة استعمارياً وكان 1918 عام تبلور هذه الجمعيات وأخذها شكلاً تنظيمياً تجسد في دعوتها إلى عقد المؤتمر الفلسطيني الأول في فبراير من نفس العام , حيث أكد الفلسطينيون انتماءهم القومي من خلال تأكيدهم على الروابط الجغرافية التي تربطهم بسوريا الكبرى. وقد افتتح المؤتمر بنشيد الأمير فيصل , وصادق المؤتمرون على القرارات التالية:
1- "إننا نعتبر فلسطين جزءاً من سوريا العربية إذ لم يحدث قط أن انفصلت عنها في أي وقت من الأوقات ونحن مرتبطون بها بروابط قومية ودينية ولغوية وطبيعية واقتصادية وجغرافية.
2- إن التصريح الذي أدلى به المسيو بيكو وزير خارجية فرنسا , فقال فيه إن لفرنسا حقوقاً في بلدنا على ضد على رغائب ومطامح السكان , ليس له أساس ونحن نرفض جميع التصريحات التي أدلى بها لأن تمنياتنا ومطامحنا تنحصر في الوحدة العربية والاستقلال الناجز.
3- بناء على ما تقدم نعرب عن رغباتنا بأن لا تنفصل سوريا الجنوبية ( فلسطين ) عن حكومة سوريا العربية وأن تكون متحررة من جميع أنواع النفوذ والحماية الأجنبيين.
4- وفقاً للمبدأ وضعه الرئيس ولسون وأقرته معظم الدول الكبرى نعتبر كل وعد صدر أو معاهدة عقدت فيما يتعلق ببلادنا ومستقبلها لاغيين وباطلين ونحن نرفضها .
وفي خطوة لاحقة طالب الفلسطينيون بالاستقلال مع تأكيد انتمائها إلى سوريا الطبيعية , هذا ما تضمنته العريضة التي قدمها الفلسطينيون إلى لجنة كنغ كرين التي أوفدها مؤتمر الصلح المنعقد في باريس للبحث في المطالب العربية , فقد طالب الفلسطينيون :
‌أ- أن تكون سوريا التي تمتد من جبال طوروس شمالاً إلى ترعة السويس جنوباً مستقلة استقلالا تاماً ضمن الوحدة العربية.
‌ب- أن تكون ففلسطين التي هي جزء لا ينفك عن سوريا مستقلة استقلالها داخلياً , تختار حاكمها من الوطنيين حسب رغائب أهلها وحاجات البلاد.
‌ج- المطالبة بدولة فلسطينية مستقلة.
إذا كانت الدولة القطرية إحدى إفرازات المشروع الاستعماري في المنطقة العربية وشكل وجودها بالنسبة لراسمي مخطط التجزئة والمدافعين عنه الحاجز المعرقل للوحدة العربية والمشتت للجهد العربي , فإن الدولة القطرية الفلسطينية مثلت النقيض لذلك , حيث وضع المخططون الاستعماريون تغييب هذه الدولة ونفي عروبة سكانها كأحد مرتكزات مخططهم في المنطقة. هكذا إذا كان مطلب الوحدة العربية وتجاوز الواقع الإقليمي العربي يشكلان أحد مرتكزات النضال القومي التحريري العربي , فإن المطالبة الفلسطينية بالدولة المستقلة وإقامة الكيان العربي الفلسطيني يصبان في نفس الاتجاه.
ومن هنا نجد أن المطالبة بالدولة الفلسطينية شكل مطلباً نضاليا للشعب الفلسطيني ناضل وما يزال يناضل من أجله ابتداء من عشرينات هذا القرن وحتى يومنا.
منذ 1920 أخذت الأحداث منحي خطيراً , فالمشروع الصهيوني أخذت تتضح أبعاده العدوانية , الحركة الصهيونية أخذت تستقطب المزيد من المهاجرين اليهود , وتقيم المستعمرات المسلحة وتدرب اليهود على أحدث أنواع الأسلحة , وأصبحت أعمال التحرش بالمواطنين العرب وإثارة مشاعرهم الدينية والقومية , عملية يومية مخططا لها. وبدأت بريطانيا نستفز الفلسطينيين وتضيق عليهم سبل العيش وتحد من نشاطهم السياسي. وفي ظل هذه الأجواء المتوترة داخلياً , سقطت الحكومة العربية في دمشق , وضربت الثورة العراقية في نوفمبر 1920 وأعلن الانتداب على فلسطين.
تكالبت كل هذه الظروف المحبطة , لتزعزع ما تبقى لدى الفلسطينيين من أمل المراهنة على الحركة القومية العربية أو على الاحتماء بالانتماء إلى سوريا الكبرى , وشعروا أن الظرف يفرض عليهم , تحديد مطالبهم بوضوح وموضوعية آخذين بعين الاعتبار الوضع العربي العام , وكان بروز حركة وطنية فلسطينية هو الحل المرحلي للرد على متطلبات المرحلة , وكان عقد المؤتمر الفلسطيني الثالث في ديسمبر 1920 تحت رئاسة موسى كاظم الحسيني.وضع المؤتمرون ( الميثاق الوطني الفلسطيني ) وانتخبوا لجنة تنفيذية لتقوم بالسهر على قيادة العمل السياسي ومتابعة تنفيذ القرارات , وقد حدد المؤتمرون مطالبهم في التقرير الذي رفعه رئيس المؤتمر إلى هربرت صموئيل ممثل الحكومة البريطانية في فلسطين , حيث طالبوا بـ " تشكيل حكومة وطنية أمام مجلس نيابي ينتخب أعضاؤه من الشعب المتكلم باللغة العربية القاطن في فلسطين حتى الحرب ".
كان المؤتمر الوطني الثالث بمثابة التطبيق العلمي للدعوة التي سبق أن وجهها نجيب نصار قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى , عبر جريدة الكرمل مطالباً بأن يعتمد الفلسطينيون على أنفسهم , ويخلقوا جامعتهم الوطنية الخاصة بهم وكان المؤتمر إشارة انطلاق لحركة وطنية فلسطينية عبرت عن نفسها في نفس الفترة وأصبحت المطالبة بدولة فلسطينية تشكل جزءاً مركزياً من الفكر السياسي الفلسطيني , تبرز بقوة حينا وتخبوا وتتراجع أحياناً , وفي جميع الحالات كانت تعبر عن وعي كياني غامض المعالم إلا أنه ثابت في الوجدان الفلسطيني.
على أثر إعلان اليهود عن قيام دولتهم في مايو 1948 , طالبت الحركة الوطنية الفلسطينية ممثلة في الهيئة العربية العليا , بإقامة حكومة فلسطينية , استناد على قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في نوفمبر 1947 ,وكان دافع الهيئة العليا وراء ذلك هو الخشية من حدوث فراغ سياسي في المناطق المخصصة للعرب حسب قرار التقسيم إلا أن طلب الهيئة العربية العليا لم يجد تجاوباً عربياً في حينه. وفي خريف نفس العام , مع اقتراب دورة الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية , وما يتطلبه الأمر من وجود فلسطينيين يمتلكون الشرعية لتمثيل الشعب الفلسطيني قانونياً , تحمست الدول العربية لإيجاد هؤلاء الممثلين . وانتهزت الهيئة العربية العليا الفرصة ودعت إلى عقد مؤتمر غزة في أكتوبر 1948 , وأهم ما خرج به المؤتمرون هو تشكيل حكومة عموم فلسطين , وقد جاء في قرار الإعلان الذي أبلغت به الدول العربية " تقرر إعلان حكومة فلسطين بأجمعها وبحدودها المعروفة وإقامة حكومة فيها تعرف بحكومة عموم فلسطين على أسس ديمقراطية " .
على اثر الإعلان عن تشكيل حكومة عموم فلسطين , عقد " المجلس الوطني الأول , الذي أعلن عن استقلال فلسطين وليس عن المطالبة باستقلال فلسطين أو الدعوة للعمل من اجل استقلال فلسطين- حيث أن فلسطين آنذاك كانت خاضعة لقوات أجنبية – وورد في المقررات الختامية للمجلس : " بناء على الحق الطبيعي و التاريخي للشهب العربي الفلسطيني في الحرية والاستقلال , هذا الحق المقدس الذي بذل في سبيله أزكى الدماء , وقدم من أجله أكرم الشهداء وكافح دونه قوى الاستعمار والصهيونية التي تألبت عليه وحالت بينه وبين التمتع به فإننا نحن المجلس الوطني الفلسطيني المنعقد في غزة هاشم نعلن استقلال فلسطين كلها التي يحدها شمالا سوريا ولبنان وشرقا الأردن , وغرباً البحر الأبيض المتوسط وجنوب سيناء".
إلا أن هذه الحكومة جوبهت بالرفض ليس فقط من قبل العدو الصهيوني , بل أيضا بالتجاهل من قبل أطراف عربية ودولية , كانت الوقائع تتعزز وتتكرس بقوة السلاح وقوة الباطل الصهيوني الاستعماري، فالأرض الفلسطينية التي من المفروض أن تمارس حكومة فلسطين سيادتها عليها والتي أعلن عن استقلالها , كانت إما خاضعة للقوات الصهيونية , أو تتواجد عليها جيوش عربية تفرض قوانينها العسكرية عليها , وزاد من حرج موقف حكومة عموم فلسطين واهتزاز شرعيتها أن الأمم المتحدة في دورتها الخريفية لعام 1948 رفضت الاعتراف بها كحكومة شرعية , واعتبرتها حكومة صورية , كما مارست بريطانيا ضغوطا على الدول العربية لتهميش فاعلية حكومة عموم فلسطين ونسقت جهودها مع الأردن , الذي حاول أن يسحب بساط الشرعية الفلسطينية من تحت أقدام الحكومة الفلسطينية بدعوته إلى عقد مؤتمر فلسطيني مناوئ لمؤتمر غزة.
فبعد حوالي شهرين من مؤتمر غزة عُقد مؤتمر فلسطيني سمي " المؤتمر الفلسطيني الثاني " وحضرته شخصيات فلسطينية استمالها الملك عبد الله أو أجبرت على الحضور - حيث أن المجتمعين كانوا من سكان المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الأردني – وقد اتضحت أهداف المؤتمر المعادية للهوية الوطنية الفلسطينية والاستقلالية الفلسطينية من خلال القرار الصادر عن المؤتمر والذي جاء فيه " إرسال برقية للهيئة العربية يشعرها بأنه نزع منها ثقة عرب فلسطين , فهي لا تمثلهم ولا حق لها أن تنطق باسمهم أو تعبر عن رأيهم لأن الحكومات العربية قد احتضنت قضية فلسطين , وهي أصبحت وديعة بين يدي الملوك العرب الذين يطمئن الشعب الفلسطيني إلى مساعيهم في سبيل صيانة عروبتها وتحقيق وحدتها ".
ترافقت الخطوة الأردنية هذه مع بداية شعور الحكومات العربية وخصوصاً المحيطة بفلسطين , بأن حكومة عموم فلسطين أصبحت تشكل عبئاً عليها وحجر عثرة في طريقها نحو إنهاء المشكل الفلسطيني بأي شكل من الأشكال وخصوصاً بعد توقيع الحكومات المشاركة في حرب 1948 على اتفاقيات الهدنة مع إسرائيل , والتي بمقتضاها تخلصت الحكومات العربية من التزامها العسكرية في فلسطين. وعلى المستوى الدولي فمنذ الدورة السابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة 14/10-21/125/1952 طوت الجمعية العامة البند المسمى " القضية الفلسطينية " عن جدول أعمالها كقضية سياسية وأصبحت المسألة تبحث كقضية لاجئين تابعة للبند الخاص بالتقرير السنوي العام لوكالة الإغاثة.
ومما ساهم في سرعة طي القضية الفلسطينية في المنتظم الدولي , أن الحكومات العربية الممثلة في هيئة الأمم المتحدة لم تقف جدياً في دعم حكومة عموم فلسطين دولياً , ولم تستغل علاقاتها مع الدول الأجنبية لكسب هذا التأييد، الأمر الذي ترتب عنه عدم اعتراف دول أجنبية بالحكومة الفلسطينية في الوقت الذي اعترفت غالبية أعضاء الأمم المتحدة بالكيان الصهيوني , كما كان من نتيجة عدم الالتزام العربي اتجاه حكومة عموم فلسطين – التي مثلت الهوية الوطنية الفلسطينية والحق الفلسطيني – أن احتاج الشعب الفلسطيني والأمة العربية لتقديم قوافل الشهداء وخوض نضال على كافة المستويات حتى تستعيد القضية الفلسطينية موقعها الحقيقي كقضية سياسية، قضية شعب تُحتل أرضه , وليس مجرد قضية لاجئين , ومازالت القضية بين اخذ ورد على المستوى الدولي.

المطلب الثاني: الهوية الوطنية واستعادة الكيانية السياسية
منذ نهاية الخمسينيات , وبالتحديد عام 1959 بدأت تظهر الاتجاهات الأولى لانبثاق وعي كياني سياسي عند الفلسطينيين , محورها رفض الوصاية العربية , ورفض نهج التعامل الرسمي العربي مع قضيتهم , ورفض المتاجرة بقدسية القضية , وقطع الطريق على استمرار التعامل الدولي مع القضية كقضية لاجئين , وقد عزز هذا التيار – الذي كان خافتاً ومنبوذاً في البدء – انحسار حركة الوحدة العربية وتراجعها النسبي بعد نكسة انفصال مصر وسوريا عام 1961 وإجهاض أول تجربة وحدوية ثورية في الوطن العربي وما رافقها من انقسام الوطن العربي إلى تيارات متنابذة , متناحرة , لغة التخاطب الوحيدة بينها هي الحرب الإعلامية والنفسية وأحياناً الحرب الساخنة – حرب اليمن – والحرب المغربية الجزائرية.
أسباب استنهاض الشخصية السياسية الوطنية الفلسطينية
أدى فشل الوحدة بين مصر وسوريا عام 1961وتراجع زخم الاندفاعة الثورية للحركة القومية العربية وبروز أطروحات النضال الاجتماعي والأفكار الاشتراكية عموماً بما تعنيه من تقديم قضايا النضال الاجتماعي على قضايا الضال السياسي والوحدة المتجه على فلسطين، إلى تراجع مراهنة الفلسطينيين على البعد القومي لتحرير وطنهم.
بعد عام تقريباً من نكسة الانفصال , حقق الشعب الجزائري بثورته الوطنية انتصار باهراً بالحصول على الاستقلال وإرغام فرنسا على التسليم و هذا ما ساعد على اختمار الأفكار والقناعات عند الوطنيين الفلسطينيين بإمكانية الانتصار في المعركة دون انتظار تحقيق الوحدة العربية , وأنه ليس شرطاً أن تكون الوحدة هي المدخل لمعركة فلسطين , فالمهم البدء بالمعركة وإطلاق الرصاصة الأولى على حد قول الزعيم الجزائري الراحل هواري بومدين , كانت الدعوة لاستقلالية العمل الفلسطيني حذرة في خطواتها الأولى , فأصابع الاتهام كانت ستوصم أي اتجاه قُطري (وطني) بغض النظر عن مبرراته وظروفه , بالانفصال وبالعمالة والإقليمية التي كانت أبشع كلمة في القاموس السياسي العربي في الستينيات.
مع ذلك فقد تصدت مجلة فلسطينينا , والتي عبرت عن وجهة نظر حركة التحرير الوطني الفلسطيني " فتح" قبل أن تظهر هذه الأخيرة للعلن , لتطرح ما يمكن تسميته انتقاداً وتشكيكاً بالطرح " القومي" للقضية الفلسطينية ودعت لما تعتبره تصحيحا للأوضاع وردها إلى نصابها : " نحن الفلسطينيون مع تحمسنا وحثنا على تحقيق الوحدة إلا إننا ومع كل الأسف لا نستطيع أن نفعل شيئاً في الموقف الدولي في المنطقة لعدم وجود كيان يمثلنا ويقف على قدم المساواة مع الكيانات العربية الأخرى للمشاركة في التخطيط لتحقيق الوحدة " , وحملت (فلسطيننا) التيار القومي العربي مسؤولية ما آلت إليه القضية الفلسطينية. حيث تقول : أما معركة فلسطين التي اتخذت شكلاً قومياً من البداية لا بد أن نردها إلى مرتكزاتها الأساسية , وعواملها في حدودها القطرية لنضمن لها النجاح والنصر في الجولة القادمة ".
لم يقتصر أمر إحياء الشخصية الفلسطينية وتحسس الفلسطينيين بضرورة وجود دور خاص لهم وموقف مميز, على غير المتحزبين من الفلسطينيين , بل أنها اخترقت حصون التنظيمات القومية العقائدية المغلقة على أفكارها الوحدوية المعارضة لأي نهج إقليمي أو كياني لتدفع الفلسطينيين المنخرطين فيها إلى التساؤل عن دورهم الخاص في هذه المرحلة من النهوض الفلسطيني.وكان المأزق لهؤلاء الفلسطينيين وللتنظيمات التي ينتمون إليها، فعقيدتهم القومية ترفض أي عمل وطني خارج إطار الحركة القومية العاملة , وترفض أساساً واقع التجزئة الذي تعتبره من مخلفات الاستعمار ويخدم أهداف القوى الطامعة في الأمة العربية , فكيف تسمح بانبثاق كيان جديد , وكيف تتعامل مع نهج جديد يعد تجاوزا لنهجها القومي الوحدوي؟.
وجدت مسيرة إحياء الشخصية الفلسطينية وإبراز الكيان الفلسطيني دعماً من قبل جمال عبد الناصر , الذي طرح على جامعة الدول العربية بحث مشروع إحياء الكيان الفلسطيني وسبل إعداد الشعب الفلسطيني , وقد تبنت الجامعة العربية رسمياً هذا المشروع أثر التهديدات الإسرائيلية لسوريا , ومحاولات إسرائيل لتحويل مجرى نهر الأردن بالرغم من معارضة الأردن , وطرح الموضوع رسمياً في مؤتمر القمة العربي الأول 1964. نتج عن مؤتمر القمة هذا الموافقة على إحياء القضية الفلسطينية وإبراز الكيان الفلسطيني وتحميل الفلسطينيين هذه المسؤولية. وكُلف احمد الشقيري باتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ الفكرة , التي تجسدت علناً بإنشاء " منظمة التحرير الفلسطينية " , والتي وضعت " ميثاقا قومياً فلسطينياً " عام 1964 , تبدل عام 1968 ليصبح ( الميثاق الوطني أفلسطيني ), وذلك بعد هيمنة منظمات الكفاح المسلح ذات التوجه الوطني الاستقلالي على المنظمة.
لعبت خلفية نشأة المنظمة والتداخلات العربية فيها , وطبيعة العلاقة التي تربط احمد الشقيري مع جمال عبد الناصر , في سيطرة الاتجاه الوحدوي القومي على المشاورات التي مهدت لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الأول. وقد ذكر الشقيري في خطابه الافتتاحي " للمجلس الوطني الفلسطيني الأول " إن الوحدة طريق التحرير , إلا أن الشقيري وبصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية وللشعب الفلسطيني بكل اتجاهاته , حاول أن يوازن بين التيارات الموجودة على الساحة وخصوصاً تيار( الوحدة طريق التحرير) وتيار(التحرير طريق الوحدة).
الهزيمة العربية في 1967 شككت في أطروحة الحرب النظامية العربية وأدت لتراجع فكر الوحدة العربية وفي نفس الوقت كانت بمثابة الشهادة بصحة منطلقات منظمات الكفاح المسلح و" حرب التحرير الشعبية ". وجاء تصاعد العمليات الفدائية في الأرض المحتلة , ومعركة المواجهة في ( الكرامة ) آذار / مارس 1968 , لتعزز من أطروحات التيار الوطني الفلسطيني المقاتل وخصوصا حركة فتح, مما ساعد على فرض هيمنته على منظمة التحرير الفلسطينية ابتداء من 1968 وليدخل تغييراً على بعض بنود (الميثاق القومي الفلسطيني ) لتتوافق مع النهج الجديد , حيث تم التذكير في ( الميثاق الوطني الفلسطيني ) الجديد على استقلالية القرار الفلسطيني والشخصية الفلسطينية. وعند تعديل الميثاق عام 1968 جاءت بعض بنود ( الميثاق الوطني الفلسطيني ) لتعكس هذا التوازن , فالمادة الثانية عشرة نصت على أن " الوحدة العربية وتحرير فلسطين هدفان متكاملان يهيئ الواحد منها تحقيق الأخر , فالوحدة العربية تؤدي إلى تحرير فلسطين , وتحرير فلسطين يؤدي إلى الوحدة العربية , والعمل لهما يسير جنباً إلى جنب".
إلا أن الواقع أن منظمات الكفاح المسلح التي وجدت تجاوباً كبيراً من الشعب الفلسطيني وتحولت إلى ثورة فلسطينية كانت متعددة الأفكار والإيديولوجيات, وكانت تعكس كل الفسيفساء السياسية العربية, إلا أنه يمكننا التمييز بين ثلاثة تيارات في داخلها:
1- التيار القومي الوحدوي:
مثلته على الخصوص منظمة الصاعقة "وجبهة التحرير العربية", وفد مثلتا امتداداً لحزب البعث العربي الاشتراكي بشقية السوري والعراقي.
2- التيار الماركسي:
بالرغم من نشأته بداية داخل " حركة القوميين العرب" , إلا أنه أخذ طابعاً فلسطينياً خالصاً مع انتهاء " الحركة " الأم وتبنيه بوضوح مبادئ نظرية الصراع الطبقي وبالفكر الماركسي اللينيني , ويمثل هذا التيار على خصوص – الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين،وبالإضافة لهما كان الحزب الشيوعي.
3- التيار الوطني " المستقبل "
ومثلته حركة التحري الوطني الفلسطيني " فتح", والتي كانت سباقة في ممارسة إستراتيجية الكفاح المسلح وفي الدعوة لاستقلالية العمل الفلسطيني. ويبرر ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وقائد حركة " فتح " أسباب التوجه الفلسطيني للبحث عن هوية مستقلة للفلسطينيين بالقول " إننا لم نكن نجد على مستوى البعد الوطني الفلسطيني عملاً قومياً ملموساً ينسجم مع هذا النهوض , لقد كانت اليقظة القومية كبيرة , ولم يكن العمل من أجل فلسطين يحتل المرتبة الأولى من الأولويات القومية , وخصوصاً عندما قال عبد الناصر " الذي يقول لكم أن عنده خطة لتحرير فلسطين يضحك عليكم , وهكذا فتحركنا في بداية عملنا " فتح " كان لعلمنا أنه لا يوجد عمل عربي من أجل فلسطين : أي أن المناخ الموضوعي الذي أولد الفكرة هو غياب عمل قومي حقيق لفلسطين " .
وقد أوضحت حركة " فتح الدوافع الكامنة وراء انطلاقتها في مذكرة قدمتها إلى ملوك ورؤساء الأقطار العربية في مؤتمرهم الثالث في الدار البيضاء في أيلول / سبتمبر 1968 حيث ذكرت " أن الحركة – فتح – بكل صراحة لا تنتظر أبداً أن يأتي يوم تعلن فيه الدول العربية بدء معركة التحرير , أو الحرب الحقيقية على إسرائيل , لا بسبب من ظروفها ولا بارتباطاتها الخارجية , بل سبب طبيعة الحكم والأوضاع الداخلية التي يحرص الاستعمار على إبقائها في جو من التخلخل والتضارب والعجز يجعلها تميل دائماً إلى تأجيل المعركة إلى ما لا نهاية".
كما أن كيفية طرح المشكل الفلسطيني على المستوى الدولي لم يكن يتوافق مع حقيقة النزاع وجوهره , فالمسار الذي اتخذته القضية من خلال التبني الرسمي العربي لها , شوه حقيقتها , وجرفها عن طبيعتها , حيث أصبحت القضية الفلسطينية تتداول في المحافل الدولية حسب الرؤية الصهيونية للصراع أي كنزاع على الحدود بين الأقطار العربية والدولة الصهيونية – إسرائيل – صراع بين الأقطار العربية بملايين سكانها وثرواتها الباهظة ومساحتها الشاسعة , وبين إسرائيل الشعب صغير العدد والمساحة , المضطهد عالمياً والمطارد في كل مكان وينشد الهدوء والاستقرار في بقعة من الأرض ( الفائضة) بالنسبة للعرب!!. وبفعل الصورة السلبية للواقع العربي ( المتخلف ) و( الإقطاعي) و( الدكتاتوري) في نظر العالم الغربي على الخصوص, فإن النزاع أخذ أيضاً صورة بين واحة الديمقراطية التي تمثلها ( إسرائيل) وبين أعداء الديمقراطية والحرية وأعداء الحضارة وهم العرب!.
أما شعب فلسطين فقد غاب عن الصورة, وفي أفضل الحالات كان العالم ينظر للمشكلة على أساس أنها مشكلة لاجئين تُبحث كغيرها من مشاكل اللاجئين في العالم على أسس إنسانية أخلاقية تحلها المساعدات المادية والتعويضات. وجاءت الثورة الفلسطينية لتصحح الصورة , ولترجع المشكل إلى حقيقته كقضية شعب صغير مشرد من أرضه , يعيش بلا مأوى , تقف في وجه حقوقه الوطنية كشعب , دولة صهيونية عنصرية تفوقه قوة وعدة , مدعومة بالإمبريالية والصهيونية العالمية , فأرجعت الثورة بذلك للقضية صورتها الحقيقية كقضية صراع على الوجود , وجود شعب فلسطين وليست قضية نزاع على الحدود.
إن كان الذوبان الفلسطيني في المد القومي الوحدوي العربي يعد تجسيداً لعمق الشعور القومي الوحدوي لدى الشعب الفلسطيني وتعبيراً عن نظرة قومية متقدمة للخطر الذي تجسده إسرائيل في المنطقة العربية , وعن الإحساس بالبعد القومي للقضية الفلسطينية , إلا أنه كان لغياب الشخصية الوطنية الفلسطينية نتائج مدمرة على القضية حيث خدم هذا الغياب الإستراتيجية الصهيونية الإمبريالية , وعزز المقولات الصهيونية التي رفعتها الحركة الصهيونية لتبرير استعمارها لفلسطين , وهي المقولة التي يحلو للقادة الصهاينة ترديدها كلما طولبوا بالاعتراف بالشعب الفلسطيني. وكما استغلت الدعاية الصهيونية غياب الهوية الوطنية الفلسطينية وعدم وجود حركة وطنية تمثل الشعب الفلسطيني , لتصور للعالم وكأن الصراع الدائر في المنطقة العربية هو صراع بين " دولة إسرائيل واحة الديمقراطية في الشرق " وبين الدول العربية بملايينها البشرية وثروتها المادية , وأن هذه الأخير تود أن تقضي على " الشعب اليهودي الصغير والضعيف".
وعلى الجانب المقابل لا يجد الفلسطينيون ما كانوا يتمنون ويتطلعون إليه , فالإستراتيجية القومية العربية بقيت حلماً بعيد المنال , وأن وجدت فمجرد قرارات وتوصيات لم تجد طريقها للتطبيق , والخلافات العربية أصبحت هي القانون الذي يحكم العلاقات العربية , ومع احتدام الخلافات تكرست الأحقاد بين الأنظمة وهذه بدورها تنقلها وتفرضها على الجماهير , فتتكون النعرات الإقليمية , وتتباعد تبعاً لذلك الوحدة العربية , وكان الشعب الفلسطيني – مع أنه لم يكن طرفاً مباشراً في أي من التجارب الوحدوية المجهضة – يصاب بألم وحسرة على كل تجربة وحدوية فاشلة , ويشعر بأنه المتضرر الأول من هذا الفشل.
بالإضافة إلى ذلك شعر الفلسطينيون أن الأنظمة العربية والأحزاب السياسية العربية استغلت القضية الفلسطينية كورقة مساومة لخدمة مصالحها الخاصة , كما شعروا بالضيق لحالة الحصار المفروضة عليهم في المخيمات وإبقائهم كماً مهملاً لا دور لهم في صنع الحدث المتعلق بمصيرهم , يراقبون الأحداث وكأنهم غرباء لا علاقة لهم بها وكانت أية محاولة لإبراز الصوت الفلسطيني والهوية الفلسطينية كفيلة بأن تضع صاحبها في السجن وأن يوضع اسمه في سجلات رجال المخابرات وما أكثر التهم الجاهزة لتلصق بالفلسطيني.
منظمة التحرير الفلسطينية كتجسيد للكيانية السياسية
شكلت كل هذه التطورات المناخ السياسي المناسب لقيام منظمة التحرير الفلسطينية في مايو 1964 , حيث أبرز ميثاق المنظمة مكاناً مرموقاً للهوية الوطنية الفلسطينية وخصصت المواد السبع الأولى لتحديد الهوية الفلسطينية والوطن الفلسطيني مؤكدة في نفس الوقت على عروبة شعب فلسطين. وجاءت كما يلي :
"المادة(1) فلسطين وطن الشعب الفلسطينيين وهي جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير والشعب الفلسطيني جزء من الأمة العربية.
المادة(2) فلسطين بحدودها التي كانت قائمة في عهد الانتداب البريطاني وحدة إقليمية لا تتجزأ
المادة(3) الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الشرعي في وطنه ويقرر مصيره بعد أن يتم تحرير وطنه وفق مشيته وبمحض إرادته واختياره
المادة (5) الفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947 سواء من اخرج منها أو بقي فيها , وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني
المادة (6) الانتماء الفلسطيني والارتباط المادي والروحي والتاريخي بفلسطين حقائق ثابتة , وأن تنشئه الفرد الفلسطيني تنشئة عربية ثورية واتخاذ كافة وسائل التوعية والتثقيف لتعريف الفلسطيني بوطنه تعريفاً روحياً ومادياً عميقاً وتأهيله للنضال والكفاح المسلح والتضحية بماله لاستيراد وطنه حتى التحرير واجب قومي ".
وبعد ذلك توالت الاعترافات العربية والدولية بمنظمة التحرير الفلسطينية بصفتها تمثل الشعب الفلسطيني , وتعبر عن هويته الوطنية المستقلة الأمر الذي تكرس رسمياً بقرار مؤتمر القمة العربي في الرباط 1976 ثم بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كمراقب في هيئة الأمم المتحدة في نفس العام.
تلاقت مصالح دعاة الخطاب القومي الزائف مع مصالح وسياسات أنظمة عربية إقليمية, حول مسألة مناصبة الهوية الوطنية الفلسطينية العداء والتشهير والتشكيك باستقلالية القرار الوطني الفلسطيني. وأصبحت الهوية الفلسطينية , تهمة تثير الشكوك حول صاحبها وتعرضه للمسائلة والنبذ والملاحقة , مما أوجد تيارا وطنياً يطالب بوضع حد لظاهرة " اللافلسطينية " التي لا تلحق فقط أضراراً بالقضية الفلسطينية بل تصر أيضاً المصلحة القومية العربية.
ولكن حتى لا نسقط في مهاوي الإقليمية المقيتة , وحتى لا نغلب الضرورة المرحلية على المبادئ القومية إلى ما لا نهاية , علينا أن نستدرك الأمور ونؤكد بأن التركيز على القطرية الفلسطينية في تلك المرحلة , وما يترتب عليها من شعارات كإعلاء شأن الهوية واستقلالية القرار الفلسطيني والدولة الفلسطينية المستقلة , لم تكن بالخيار النهائي للشعب العربي الفلسطيني , بل كانت قطرية وهوية مشروطة مرحلياً. وحتى لا تسقط القطرية الفلسطينية في مستنقع الإقليمية , وحتى لا تخرج عن الخط القومي الثوري السائد آنذاك فقد كانت مشروطة بالشروط التالية :
أولاً: أنها قطرية صدامية تمارس الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني.
ثانياً: أنها قطرية لا تعرف بالعدو الصهيوني, وفي حالة اعترافها به يسقط مبرر وجودها.
ثالثاً: أنها قطرية ترد على حالة غياب دولة الوحدة العربية, وعدم وجود إستراتيجية قومية عربية تقوم بعملية تحرير فلسطين, وفي حالة توفر دولة الوحدة العربية أو الإستراتيجية القومية العربية المجندة لتحرير فلسطين, يسقط مبرر وجود القطرية الفلسطينية.
رابعاً أنها قطرية تجمع شتات الشعب الفلسطيني وتحافظ على الهوية الوطنية الفلسطينية من التبعثر والاستلاب
خامساً: أنها قطرية ملتزمة بالانتماء إلى الأمة العربية وبالنضال من اجل إقامة دولة الوحدة العربية.
سادساً: إنها قطرية متشبثة بالعودة إلى أرض فلسطين, وفي حالة ظهور أي بوادر للتوجه نحو الاستيطان في مكان آخر, يسقط عنها مبرر وجودها
سيطرت النقاشات المتعلقة بالشخصية الفلسطينية , والاستقلالية الفلسطينية , على حيز كبير من الجدل الذي صاحب ظهور المنظمة , ذلك أن التيار القومي وخصوصاً الناصريين , كان يشكل قوة ضاغطة حتى تبقى المنظمة أداة خاضعة للإستراتيجية الرسمية العربية , بينما أرادها الوطنيون الفلسطينيون أداة تعبر عن الاستقلالية في العمل الفلسطيني , وسيطر الاتجاه الأول طوال السنوات الأربع (1968-1964) , حيث أن الميثاق القومي المعمول به خلال تلك الفترة , أوضح أن لا أطماع للمنظمة لممارسة أي سيادة فلسطينية , فالمادة الرابعة والعشرون نصت على أن " لا تمارس هذه المنظمة أية سيادة إقليمية على الضفة الغربية في المملكة الأردنية الهاشمية ولا قطاع غزة ولا منطقة ألحمة ".
إلا أن نصوص " الميثاق الوطني (1968) " , كانت أكثر تأكيداً على الشخصية والاستقلالية الفلسطينية وإن كانت تقرن بين الاستقلالية والشخصية الفلسطينية وبين الانتماء القومي والوحدة العربية , فالمادة الثانية عشرة أكدت على أن " العشب العربي الفلسطيني يؤمن بالوحدة العربية , ولكي يؤدي دوره في تحقيقها يجب عليه في هذه المرحلة من كفاحه الوطني , أن يحافظ على شخصية الفلسطينية ومقوماتها , وأن ينمي الوعي بوجودها , وأن يناهض أياً من المشروعات التي من شأنها إذابتها وإضعافها." وجاء في المادة الثامنة والعشرين :" يؤكد الشعب العربي الفلسطيني أصالة ثورته الوطنية واستقلاليتها , ويرفض كل أنواع التدخل والوصاية والتبعية ". أما المادة التاسعة والعشرون , فأكدت على أن " الشعب العربي الفلسطيني هو صاحب الحق الأول والأصيل , في تحرير واسترداد وطنه , ويحدد موقفه من كافة الدول والقوى على أساس مواقفها من قضيته ومدى دعمها في ثورته لتحقيق أهدافه ".
واصلت المجالس الوطنية الفلسطينية التأكيد على الاستقلالية الفلسطينية في كل مؤتمراتها , وكان هذا التشبث بالاستقلالية يتسم بأهمية بالغة ويشكل محور اهتمام الفلسطينيين , عندما تكون هذه الاستقلالية وحرية العمل الفلسطيني محل تهديد أو مصادرة , كما حدث في السنوات الأولى التي تلت خروج المقاومة من الأردن , أو بعد خروجها من لبنان صف 1982 أو عندما تطرح مشاريع تسوية تتجاهل دور الثورة الفلسطينية. كما أن الإحباطات والضربات المتوالية التي تلقها الثورة الفلسطينية من قبل العدو الصهيوني , ومن قبل أطراف عربية , لم تمنعها من مواصلة التركيز على هذه الاستقلالية , بل نجد أن الحفاظ عليها يصبح الشغل الشاغل للحركة الوطنية , بعد كل أزمة تمر بها. وهذا ما بدا واضحاً في الدورة السادسة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر و حيث جاء في البيان الصادر عن المجلس : " يؤكد المجلس الوطني الفلسطيني على استمرارية التمسك بالقرار الوطني الفلسطيني المستقل وبصيانته ومقاومة الضغوط التي تستهدف النيل من هذه الاستقلالية".
إلا أن تأكيد الميثاق الوطني على الاستقلالية الفلسطينية وإبراز الشخصية الفلسطينية لا يعني توافق التصورات وتناغم الاجتهادات بين فصائل المقاومة حول مفهوم الاستقلالية وحدودها ومعنى القطرية الفلسطينية المترتبة على إبراز الشخصية الفلسطينية.
كانت "فتح" أكر التنظيمات الفلسطينية دفاعاً عن الوطنية (القطرية) الفلسطينية, من منطلق خصوصية القضية الفلسطينية, إلا أن هذا لا يعني التنكر للانتماء القومي, ولكنه " البحث عن الخاص الفلسطيني في العام القومي" مع ضرورة وجود علاقة جدلية ترابطية بين الخاص والعام .

المطلب الثالث :مسألة الهوية في المواثيق الفلسطينية ما قبل سلطة الحكم الذاتي:
كما بينا سابقاً نحتاج ولا شك إلى مشروع وطني خاص بنا يعبر عن هويتنا التي يجب أن نبينها ونؤكد عليها كضرورة للبقاء , ويجب الاعتراف أننا نعيش أزمة هوية ليس اليوم بل منذ عام 1948 إن لم يكن قبل ذلك , لأن شعبا دون دولة مستقلة ستكون هويته معرضه للتشويه أو للزوال , فهناك فرق بين الوطنية والثورية من جانب والهوية من جانب آخر , إن أزمة الهوية التي نلمسها من خلال التداخل بين الهوية الوطنية الفلسطينية وهويات أخرى , قومية تارة من 1948 إلى 1965 – وماركسية واشتراكية تارة أخرى , ثم إسلامية أخيراً , وهي هويات إن كانت تفسح المجال للشعب الفلسطيني لممارسة حقه بالنضال من أجل الاستقلال إلا أنها لا يمكن أن تكون بديلا عن هويته الوطنية ولا تشكل ضمانة لهذه الهوية , فإلحاق هويتنا بهذه الهويات وبالقوى السياسية التي تمثلها سيؤدي – وادي بالفعل – لانتكاس هويتنا وقضيتنا بانتكاسه هذه الهويات أو تراجعها , أو نعيش على هامشها وفي تبعيتها.
هذا التغيب والاستلاب للهوية الفلسطينية لصالح هويات شمولية مسيسة , غامضة أو مغامرة , أضر بنا على كافة الأصعدة وفي جميع المجالات , ومن هنا لزاما علينا بلورة هويتنا الخاصة بنا التي لا تقطع من الهويات الأخرى ولكن في نفس الوقت لا تكون تابعة وملحقة بها. ومن المعلوم أن الهاجس الذي سيطر على مفجري ثورة فاتح يناير 1965 هو موضوع الهوية , فالثورة الفلسطينية المعاصرة كانت تجسيدا وتعبيراً عن انبثاق الهوية الوطنية بعد سنوات من التغييب والتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية لاجئين , ومن يراجع أدبيات الثورة الفلسطينية خلال الخمسينيات والستينيات سيلمس التركيز الكبير على مسألة الهوية , سواء كانت أدبيات سياسية أو روائية وشعرية
هذا الغموض للهوية الفلسطينية و البحث عنها نلمسه في تعدد وتناقض التعبيرات عنها في المشاريع والمواثيق السياسية :في الميثاق القومي ثم الميثاق الوطني , وفي مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية لعام 1971 ثم وثيقة الاستقلال لعام 1988وفي مواثيق وأدبيات القوى السياسية ليسارية والدينية , حيث لا يتطابق كل تحديد للهوية مع غيره , وفي جميع الحالات كانت المحددات الخارجية تلعب دوراً في تحديد الهوية وفي رسم الاستراتيجيات , الأمر الذي يطرح تساؤلات هل الهوية الوطنية تعبير عن ثوابت ورموز ثابتة أم هي تعبير عن ظروف ومتغيرات خارجية؟.
ولمقاربة إشكال أزمة الهوية التي صاحبت تاريخنا ما بعد النكبة – مع أن الأزمة تمتد إلى ما قبل النكبة – وكيف كان تحديد الهوية خاضع لمتغيرات إقليمية ودولية أكثر مما هو خاضع لمحددات وطنية فلسطينية , سنتطرق إلى ما يدل عليها في المواثيق الفلسطينية التي هي مشاريع دساتير.فمثلاً في الميثاق القومي الفلسطيني لعام 1964 , حيث كان الفكر القومي العربي هو السائد , تراجعت مكانة الهوية الفلسطينية لصالح الهوية القومية, كما لم يشر الميثاق إلى الهوية الإسلامية نظراً لحالة الصراع ما بين القوميين والإسلاميين في تلك الحقبة و بل ونظرا للدور الذي لعبته الدول العربية في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية فقد تجنب واضعو الميثاق الإشارة إلى كلمة وطنية أو هوية وطنية فلسطينية , فحمل الميثاق اسم (الميثاق القومي الفلسطيني) , بل أيضاً أكد هذا الميثاق على عدم أحقية الفلسطينيين فرض السيادة على الضفة وغزة التي كانت تحت الحكم العربي وبالتالي رفض قيام دولة فلسطينية تعبر عن الهوية السياسية الفلسطينية. وفي الميثاق الوطني الفلسطيني 1968 ومع نهوض الوطنية الفلسطينية , تمت الإشارة إلى الهوية الوطنية دون القطع مع الهوية القومية وفي نفس الوقت كانت إشارات للهوية الإسلامية بتأثير الخلفية الدينية لبعض قيادات حركة فتح،إلا أن الميثاق أشار إلى أن النظام السياسي والاجتماعي لفلسطين سيحدد عند التحرير , ولم يكن التأجيل نتيجة عجز بل خوفاً من معارضة بعض الأنظمة والقوي السياسية التي لم تكن مستريحة لنهوض الهوية الفلسطينية , ولأن فتح التي هيمنت على المنظمة طرحت نفسها كحركة تحرر لا تلتزم بإيديولوجية محددة.
أما مفهوم الهوية في مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية والذي طرحته فتح لأول مرة عام 1968 وتبنته مقررات المجلس الوطني عام 1971 فيستشف من النص التالي لفتح " نحن نقاتل في سبيل إقامة دول فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها الفلسطينيون بكل طوائفهم. مسلمين ومسيحيين ويهود في مجتمع ديمقراطي تقدمي, ويمارسون عباداتهم وأعمالهم مثلما يتمتعون بحقوق متساوية. وتأكيداً من فتح على إنسانية الهدف استطرد نفس البيان قائلاً: إن ثورتنا الفلسطينية لتفتح قلبها وفكرها لكل بني الإنسان الذين يريدون أن يعيشوا في المجتمع الفلسطيني الحر الديمقراطي وأن يناضلوا في سبيله بصرف النظر عن اللون أو الدين أو العرق ".
وبالنسبة لحق المواطنة في الدولة الديمقراطية , حددت فتح بوضوح " إن جميع اليهود والمسلمين والمسيحيين من المقيمين في فلسطين أو المشردين عنها بالقوة سوف يكون لهم الحق بالمواطنية الفلسطينية الكاملة وأوضحت بأن فلسطين الديمقراطية التقدمية لن تكن تيوقراطية أو إقطاعية أو ارستقراطية , كما أنها ستنبذ العنصرية والشوفينية والاضطهاد أي كان نوعه .
ولتبعد " فتح " أي التباس أو تشويه لهدف فلسطين الديمقراطية, وحتى لا تذهب الظنون أن الدولة الفلسطينية نقيض لعروبة فلسطين, فإنها حذرت من الوقوع في خطأين قد يلصقان بمفهوم الدولة الفلسطينية الديمقراطية:
الأول : أن فلسطين الديمقراطية اللا طائفية ليست هي الدولة المتعددة الأديان أو المزدوجة القومية , فالمجتمع الفلسطيني الجديد لن ينشأ حول ثلاث ديانات للدولة أو حول قوميتين " فهو وإن كان يرفض التعصب الديني أو العرقي , وينفتح على جميع الأديان , فإنه : لا ينوي توزيع المناصب السياسية وغيرها من الوظائف وفقاً لنسب دينية معينة " وفتح بهذا ترفض النموذج اللبناني وتعتبره نموذجاً غريباً عن الثورة كل الغرابة.
أما الجبهة الشعبية فقد أكدت أن فلسطين الغد التي ستحكمها المبادئ الماركسية اللينينية التي لا خيار عنها في مرحلة التحرير والنضال وفي مرحلة ما بعد التحرير " ستكون جزءاً من مجتمع عربي ثوري جديد " إن المجتمع العربي الجديد الديمقراطي الاشتراكي سيكون قادراً بالاستناد إلى مبادئ الماركسية اللينينية على توفير الحل لكل مشكلات الفقر والتخلف والاضطهاد والاستغلال التي يعاني منها إنسان هذا الوطن وان اليهود في فلسطين بعد التحرر سيمارسون شأنهم شأن غيرهم كافة حقوقهم الديمقراطية كمواطنين في مجتمع ديمقراطي اشتراكي ".
ومن نفس المنطق تبنت الجبهة الديمقراطية شعار فلسطين الديمقراطية , فقبيل انعقاد الدورة السادسة للمجلس الوطني في القاهرة قدمت الجبهة مشروع قرار للمجلس تحت عنوان " حل ديمقراطي للقضية الفلسطينية " دعت فيه إلى إقامة دول فلسطينية الموحدة بعد القضاء بالكفاح المسلح على الكيان الصهيوني , واعتبر المشروع أن هذه الدولة تمثل حلا ديمقراطيا للتناحر القائم بين الشعبين العربي واليهودي , كما تطرق المشروع إلى إعطاء الحق لليهود والعرب بتطوير ثقافتهم القومية،بذلك اختلف طرحها عن طرح حركة فتح الذي يجعل التعاون بين اليهود والعرب على أساس المواطنة دون الإقرار بأي حقوق قومية لليهود.
في يناير 1970 , أعادت الجبهة الديمقراطية , تحديد مفهومها للحل الديمقراطي وأكدت على أن الحل الديمقراطي " يرفض كل الحلول الشوفينية سواء تعلق الأمر بالتوسع الإسرائيلي أو بذبح اليهود ورميهم في البحر , كما رفضت أيضاً الحل الرجعي الذي قدمه قرار مجلس الأمن " يوضح نايف حواتمة طبيعة الحقوق المتساوية التي ستعطي لليهود والعرب حيث يقون " لكل منهم حرية تطوير ثقافته القومية بروح ديمقراطية وتقدمية ".
بعد خروج الثورة من لبنان واستمرار انتكاسه المشروع القومي وبداية تغلغل الإسلام السياسي بعد ثورة الخميني في إيران وبداية المد الإسلامي في فلسطين جاء إعلان الاستقلال الفلسطيني في الجزائر في نوفمبر 1988 ليعكس تأثير هذه المتغيرات على صياغة الهوية الفلسطينية , بحيث جاء بصياغة توفيقية ما بين الهويات الثلاث , وكسابقيه من المواثيق لم يحدد إعلان الاستقلال دين الدولة , فنص على: " مطعما بسلالات الحضارة وتعدد الثقافات , مستلهما نصوص تراثه الروحي والزمني , واصل الشعب العربي الفلسطيني , عبر التاريخ , تطوير ذاته في التوحد الكلي بين الأرض والإنسان وعلى خطى الأنبياء المتواصلة على هذه الأرض المباركة , أُعلي على كل مئذنة صلاة الحمد للخالق , ودق مع كل جرس كنيسة ومعبد ترنيمة الرحمة والسلام.
إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا , فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية , ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق , وتصان فيها معتقداتهم الدينية , والسياسية , وكرامتهم الإنسانية , في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي وحرية تكوين الأحزاب , ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية واحترام الأقليات قرارات الأغلبية , وعلى العدل الاجتماعي , والمساواة , وعدم التمييز في الحقوق على أساس العرق , أو الدين , أو اللون , أو بين الرجل والمرأة , وفي ظل دستور يؤمن سيادة القانون والقضاء المستقبل , وعلى أساس الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي والحضاري في التسامح والتعايش بين الأديان عبر القرون.إن دولة فلسطين دولة عربية هي جزء لا يتجزأ من الأمة العربية , ومن تراثها وحضارتها ومن طموحها الحاضر إلى تحقيق أهدافها في التحرر , والتطور والديمقراطية و الوحدة.
أما ميثاق حماس فكان واضحاً في التأكيد على الهوية الإسلامية دون غيرها بل تأجيل الحديث عن الهوية الفلسطينية حتى على مستوى الشعارات والعلم, ففلسطين بالنسبة لها وقف إسلامي خالص وهي بعد التحرير ستكون جزءا من الدولة الإسلامية ! وحركة حماس واضحة في تغييبها للبعد الوطني لصالح البعد الديني الإسلامي ونشر دين الإسلام , بل اعتبرت أن سبب فشل حركة فتح وقوى اليسار في تحقيق النصر يعود لتسبيق هدف تحرير فلسطين على هدف الدعوة الإسلامية , ولم تخف حركة حماس أنها امتداد لحركة الأخوان المسلمين كما لا تخفي العلاقات الوثيقة سياسياً ومالياً بين الطرفين , نفس التصور للهوية نجده تقريباً عند الحركة الجهاد الإسلامي.
ربما أكثر مكونات الهوية إثارة للجدل هو ما يتعلق بالدين , وما يجعل مسالة الدين إشكال هو طبيعة المرحلة التي تتميز بالمد الأصولي, ويكون العدو يحمل مشروعا دينياً أصولياً , وأن تحدد مسالة الدين في الدستور تحت ضغط الوضع الراهن هو أمر غير صحي.
إن المشكلة الحقيقية للعلمانيين في فلسطين وفي العالم العربي لا تكمن في رفضهم للدين أو في تعارض جوهري ما بين الدين الإسلامي والعلمانية, بل مشكلتهم هي في جانب مع فريق من الإسلام السياسي الذين لهم رؤية مغلقة ومتخلفة عن الدين وعن العلمانية , وفي جانب آخر مع الثقافة الشعبية السائدة المشبعة بتأويلات وأساطير دينية أكثر من فهم حقيقي للدين , وهذا الأمر يتطلب الاشتغال المكثف والمتأني على الثقافة الشعبية لتغيير بعض مفاهيمها المغلوطة , ولإقناعهم أن الإسلام المنفتح هو الذي أسس الحضارة الإسلامية في عصرها الزاهر , وليس الإسلام المنغلق الذي كان مصدر الفتنة والاقتتال , وبالتالي من الخطورة بمكان الدخول في مواجهة مباشرة مع تيار الإسلام السياسي , خصوصاً في هذه المرحلة التي يجد فيها الشعب أن الإسلام هو الحائط الأخير الذي يمكن الارتكان عليه لمواجهة الإمبريالية والمشروع الصهيوني الاستيطاني بعد انهيار الأيديولوجيات الأخرى.







الفصل الرابع
المجتمع المدني والمنظمات الأهلية
المجتمع المدني بشكل عام هو بنية ومؤسسات وعلاقات يؤسسها الأفراد باستقلالية عن الدولة – أو السلطة السياسية وهو المعني الأصح – وهو بهذا المعنى لا ينفصل عن حركة المجتمع الحديث وتطوره ,وما يستجد من تطورات على علاقات أطرافه مع بعضها البعض وعلاقته بمجله بالمجتمع السياسي. كما أنه مفهوما يتأثر بالموجات الفكرية المتسارعة وبتجديد الفكر الديمقراطي لمقولاته , لكل ذلك فإن مفهوم المجتمع المدني لابد وأن يتكيف مع هذه المستجدات , وهكذا فإن المفهوم في السوسيولوجيا السياسية اليوم يستعمل بمعان لا تتفق تماماً مع ما جاء به رواده الأوائل , سواء رواد النظرية التعاقدية – توماس هوبس وجون لوك وجان جاك روسو- حيث اعتبر الأول أن المجتمع المدني هو المجتمع كله عندما انتقل من شريعة الغاب إلى المجتمع المتحضر والمهيكل في إطار دولة ،بينما ربط الثاني المجتمع المدني بالملكية الخاصة , أو الفيلسوف الألماني " هيغل " الذي ربط ظهور المجتمع المدني بالنشاط الاقتصادي الخاص ،أو الماركسي الإيطالي " اأنطونيو غرامش" الذي أعطى دلالة ثقافية للمجتمع المدني.
وعليه يمكن القول بان المجتمع المدني والذي يسمى أحيانا المجتمع الأهلي أو المنظمات الأهلية، يشمل الجمعيات والنقابات والأندية ومراكز حقوق الإنسان ومراكز الدراسات والأبحاث والجامعات الأهلية والأحزاب السياسية – بالرغم من وجود تباين في وجهات النظر حول شمولية المجتمع المدني للأحزاب السياسية- الخ.
في العالم العربي يعتبر ظهور المجتمع المدني ظاهرة حديثة نظرا لحداثة الديمقراطية ،فالمجتمع المدني لا يظهر ويتطور إلا في ظل الحرية والديمقراطية ومجتمعنا العربي حديث العهد بالديمقراطية،وفي بعض المجتمعات العربية حتى اليوم لا يوجد فيها مجتمعا مدنيا مستقلا حيث تهيمن الدولة أو النظام السياسي على المجتمع ولا تفسح المجال لحرية الأفراد لتأسيس جمعيات ومنظمات مستقلة تعبر عن مطالبهم وتدافع عن مصالحهم.
وكما سنلاحظ في الحالة الفلسطينية فقد أخذ المجتمع المدني خصوصية سواء من حيث النشأة أو من حيث المهام والأدوار ،خصوصية مستمدة من خصوصية المجتمع الفلسطيني كمجتمع يخضع للاحتلال ويعتمد اعتمادا شبه كلي على الدعم والمساعدات الخارجية ،هذا ما يلقي عبء مضاعف على المجتمع المدني الفلسطيني حيث يقوم بمهام اجتماعية مطلبية وبمهام سياسية في نفس الوقت كما يجعله عرضة لابتزاز الجهات المانحة.كما انه في الحالة الفلسطينية تداخل المجتمع المدني مع المنظمات غير الحكومية ومع المجتمع الأهلي بحيث باتت هذه المفاهيم وكأنها شيئا واحدا إلا لقلة من المختصين الذين يمكنهم التمييز بينها.


المبحث الأول
في تعريف المجتمع المدني وخصوصيته في الحالة العربية والفلسطينية

المطلب الأول: في تعريف المجتمع المدني

لا يسمح المجال بالرجوع إلى البدايات الأولى لظهور المجتمع المدني واقعاً وتداوله مفهوماً وتشكله كنظرية متكاملة، ولكن يمكن الإشارة إلى أن بدايات تداول مصطلح المجتمع المدني كان في أوروبا وتحديداً مع منظري العقد الاجتماعي – توماس هوبس وجون لوك وجان جال روسو ومنتسكيو – وفي بداية تداوله مع توماس هوبس كان يعني الدولة، فالمجتمع المدني كان النقيض لمجتمع ما قبل الدولة أي لحياة شريعة الغابة،نفس الأمر مع لوك حيث لم يكن هذا الأخير يميز بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي، فهما واحد وهو نقيض حالة الطبيعة "فكل الذين يؤلفون جماعة واحدة ويعيشون في ظل قانون ثابت وقضاء عادل يلوذون بهم وبوسعهما البت في الخصومات التي تنشأ بينهم ومعاقبة المجرم، فإنما يعيشون في مجتمع مدني، أما الذين لا ملاذ عام لهم على الأرض فهم ما يزالون في الطور الطبيعي"( ).
أما مونتسكيو فقد عايش دولة مستقرة، وهو عندما يتحدث عن التمدن أو المجتمع المدني إنما يقصد حالة التوازن التي تقوم بين القوى التي تشكل الدولة، والقانون هو عصب هذا التوازن، ومن هنا سمي كتابه روح القوانين، فالمجتمع المدني هو مجتمع القانون واحترام الملكية الخاصة وهو نقيض الاستبداد." أما بالنسبة لجان جاك روسو فق اتخذ المجتمع المدني عنده شكل:
1- حكم القانون.
2- الفصل بين السلطات.
3- التوازن بين السلطات أو التوازن بين القوى في الدولة"( ).
وقول روسو:الرجل الأول الذي سيج قطعة أرض وقال هذه لي ووجد من الناس من هم من البساطة إلى درجة أن يصدقوه، هو أول من أسس المجتمع المدني"( )، ومن هنا أضاف روسو عنصر المساواة إلى المجتمع المدني.
ولكن مع مرور الوقت ومع التمايز الذي بدأ يظهر ما بين الدولة – كجهاز سياسي- والمجتمع كفعاليات ومصالح بدا مفهوم المجتمع المدني ينحو إلى الدلالة عما يميز فعاليات المجتمع عن السلطة السياسية. أو هو كما يرى هيجل، كل الجمعيات وأشكال التضامن التي تقع ما بين الأسرة والدولة مع إضفائه طابعا ماديا اقتصاديا على هذه التجمعات وتقليله من درجة استقلاليتها عن الدولة.
ومن نفس الاهتمام بالبعد الاقتصادي لمؤسسات المجتمع المدني ولكن من منطلق فلسفي مغاير،تناول الماركسيون الأوائل مفهوم المجتمع المدني. ففي كتابه (الأيديولوجية الألمانية) عرف المجتمع المدني بأنه "جماعات العلاقات المادية للأفراد داخل مرحلة من تطور معين للقوى المنتجة، إنه تعبير عن الحياة التجارية والصناعية في مرحلة معينة"، و هو حلبة التنافس الواسعة للمصالح الاقتصادية البرجوازية، هو المجتمع البرجوازي، وهو فضاء الصراع الطبقي. إلا أن ماركسيا أخر ينتمي لجيل جديد من الماركسيين الأوروبيين، ولمقاربة جديدة للماركسية، وهو انطونيو غرامشي، أعطى للمجتمع المدني بعدا ثقافيا وليس بعدا اقتصاديا ماديا كما فعل ماركس، فالمجتمع المدني في نظره هو "الهيمنة السياسية والثقافية لجماعة اجتماعية على المجتمع كله باعتبارها المضمون الأخلاقي للدولة"، وإن كان في مكان آخر من كتابه – كراسات السجن- يعطي مفهوما مغايرا للمجتمع المدني.( )
إذن المجتمع المدني هو جماعات المصالح وهي الجماعات المنظمة من الأفراد الذين تجمعهم مصلحة مشتركة أو رابطة موحدة ويناضلون من اجل حماية هذه المصالح -اقتصادية كانت أو غير اقتصادية -والتأثير على الرأي العام وعلى متخذي القرار، وهذه الجماعات قد تكون ذات طبيعة ثقافية او دينية او مهنية أو جهوية أو فئوية. وعلى هذا الأساس يعرف برتراند بادي في كتابه sociologie politique المجتمع المدني بأنه (كل المؤسسات التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل أو توسط الدولة)( ).
إن النقطة المهمة في هذا السياق هي أن المجتمع المدني تصاحب مع –أو نتيجة لتأسيس الديمقراطية والثورات السياسية والصناعية والعلمية والدينية، وهو رديف لحرية التعبير والتنظيم، وأنه غالباً تأسس من أسف من المجتمع وبالتدريج، وفرض نفسه على الدولة بفعل نضالات متواصلة سلمية غالباً وصدامية في بعض الأحيان.
فالمجتمع المدني بنية وعلاقات ومؤسسات يؤسسها الأفراد بـ "استقلالية" عن الدولة، وهو بهذا المعنى لا ينفصل عن حركة المجتمع الحديث وتطوره، وما يستجد من تطورات على علاقات أطرافه مع بعضها البعض وعلاقته بمجمله بالمجتمع السياسي. كما أنه المفهوم تأثر ويتأثر بالموجات الفكرية المتسارعة وبتحديد الفكر الديمقراطي لمقولاته، لكل ذلك فإن مفهوم المجتمع المدني لابد وأن يتكيف مع هذه المستجدات، وهكذا فإن المفهوم في السسيولوجيا السياسية اليوم يستعمل بمعان لا تتفق تماماً مع ما جاء به رواده الأوائل، سواء رواد النظرية التعاقدية، أو "هيغل" أو "الماركسيون"، ومع ذلك يمكن أن نستخلص من الخطاب السياسي المعاصر الدلالات التالية للمجتمع المدني:
المجتمع المدني هو تلك الفعاليات – علاقات ومؤسسات وثقافة – الاجتماعية والسياسية التي تمكن المواطنين من مراقبة تصرفات الدولة والتدخل عندما تعارض هذه التصرفات مصالح وحقوق المواطنين.
المجتمع المدني هو تنظيمات المجتمع المعبرة عن المطالب والمصالح والثقافة السائدة والتي قد تكون في حالة مصالحة مع السلطة السياسية أو في تعارض معها.
المجتمع المدني هو كل المؤسسات والأنشطة المنظمة التي تتيح للأفراد التمكن من الخيرات والمنافع العامة دون تدخل مباشر من الحكومة.
غالبية التعريفات المتداولة حديثاً حول المجتمع المدني تسير في هذا الاتجاه، ونلاحظ على هذه التعريفات أنها تركز على استقلالية – إلى حد ما – المجتمع المدني عن السلطة السياسية، وهكذا أصبح المفهوم في الأدبيات السياسية المعاصرة – وهي أدبيات ليبرالية في غالبيتها بعد انهيار المنظومة الاشتراكية – يؤكد على الاستقلالية التي يتمتع بها الأفراد عن الدولة سواء على مستوى تشكيل الأحزاب أو الانخراط في النقابات أو ممارسة حق التجمع والتظاهر وكل سبل الاحتجاج السلمية وكل ذلك في إطار القانون. وهذا يعني أنه تم تجاوز الحديث عن العلاقة المباشرة بين المواطن والدولة وتجاوز الهيمنة المطلقة للسياسي على الاجتماعي، "إن الدفاع عن المجتمع المدني كان متزامنا مع تطور الأفكار حول الفردية وحقوق الأفراد في الحرية والملكية"( ).
مع ظهور المجتمع المدني أصبح الحديث يدور عن علاقة غير مباشرة أو علاقة جدلية بين المجتمع والدولة أو السلطة كتجسيد سياسي للدولة، حيث تتوسط بين الطرفين تنظيمات المجتمع المدني من أحزاب( ) وهيئات وجمعيات ونقابات، دون أن يعني الأمر بطبيعة الحال قطيعة بين الطرفين، فالدولة تبقى بنية فوقية ومهيمنة بدرجة ما، لأنها دون هذا الدور لا تستطيع أن تقوم بوظيفتها السياسية والحقوقية، كما أن مؤسسات المجتمع المدني تبقى مقيدة بشبكة من القوانين والضوابط التي تحددها الدولة، و إلا سيتحول المجتمع المدني إلى دولة داخل الدولة.وفي المجتمعات الديمقراطية تسعى الدولة لتقوية دور المجتمع المدني لا لتقويضه، لأنه ضمان الحفاظ على التضامنات المجتمعية وعلى خصوصيات أصبحت اليوم مهددة من طرف العولمة بكل أبعادها.

المجتمع المدني في العالم العربي
إن تاريخ المجتمع المدني العربي هو جزء من تاريخ نضال الشعوب العربية ضد الاستبداد والقهر، وحيث إن طبيعة الدولة العربية من حيث نظامها السياسي وتشكلاتها الاجتماعية وعلاقاتها الخارجية، يبرز لنا حالة الغربة التي تعيشها الدولة عن المجتمع والعكس صحيح، وافتقادها غالباً للشرعية والمشروعية، بالإضافة إلى حضورها السلطوي القاهر في كل شيء، فإن علاقة الدولة – السلطة السياسية – بالمجتمع كانت غالباً علاقة صراع أو سعي إلى الهيمنة، وهذا الصراع – علاقات الضدية – لم تكن أطرافه، السلطة من جانب وقوى اجتماعية، سياسية ودينية واقتصادية من جانب آخر، ترفع بشكل واضح وخصوصاً الطرف الثاني شعار تأسيس المجتمع المدني، لأن مفهوم المجتمع المدني كما أشرنا مفهوم غربي يعبر عن نوع الثقافة السياسية والنظام السياسي السائدين في الغرب. ومع ذلك فإن المطالب الاجتماعية في سياق التحديث السياسي والنضال الديمقراطي كانت تعمل على تأسيس أو تفعيل مجتمع مدني، وعليه يمكن أن تصنف الحركات والجمعيات والأحزاب الموجودة اليوم في الدول العربية كمؤسسات مجتمع مدني بقدر ما تكون معارضة لاستبداد الدولة وتسلطها، وبقدر ما ترفع من شعارات الحرية والاستقلال.
ومن جهة أخرى فإننا نعتقد أن الحديث عن وجود مجتمع مدني عربي أو عدم وجوده أو التساؤل حول تاريخ نشوئه هي أمور متجاوزة الآن، لأن المجتمع المدني لا يؤسس بقرار في لحظة زمنية معينة ومتفق عليها، فتاريخه هو تاريخ النضال من أجل الحرية المدنية والديمقراطية، وحيث إن الديمقراطية ليست شيئاً يحدث بقرار أو يستورد بل هي مراكمة إنجازات حداثية، سياسية واقتصادية واجتماعية عبر الزمن، إنجازات تفرض نفسها بالنضال ومقاومة السلطة أحياناً وبالتفاهم والالتقاء معها في منتصف الطريق إن كان ذلك ممكناً حينا آخر، فكذا الأمر مع المجتمع المدني، إنه مراكمة إنجازات عبر الزمن وعبر النضالات، وحتى النقاش الذي يدور في المجتمعات العربية حول وجود أو عدم وجود مجتمع مدني هو بحد ذاته مساهمة في تأسيس مجتمع مدني أو إرهاص دال على وجوده.
خصوصية الحالة العربية تجعلنا نتساهل في شروط تأسيس المجتمع المدني، فكل محاولة لبلورة توجهات أو تجمعات مصلحية ذات استقلالية نسبية عن الدولة، يمكن اعتبارها تأسيسا لمجتمع مدني حتى وإن لم تدخل في مواجهة مع السلطة السياسية، فلا يمكن ان نطلب من مجتمعات فقيرة ماديا أو فكريا تحكمها القبيلة والعائلة والطائفة، أن تؤسس مرة واحدة مجتمعا مدنيا فاعلا وصداميا. فأن تتمكن جماعات المصالح بداية أن تستقل في نشاطها عن السلطة السياسية فهذا أمر ايجابي، ومن هنا نجد من يتحدث عن بوادر مجتمع مدني حتى في دول محافظة وغير ديمقراطية كالعربية السعودية( )، فالغرف التجارية والجمعيات الخيرية هي بواكير مؤسسات مجتمع مدني سعودي، ونحن نعرف الدور الذي لعبته الجمعيات الخيرية في خلخلة بعض مرتكزات النظام السياسي وفي دعم حركات المقاومة الإسلامية في أكثر من بلد عربي وإسلامي.
ولكن مما لا شك فيه أن وجود مجتمع مدني – بمعنى التشكيلات التضامنية السياسية والاجتماعية والاقتصادية: أحزاب، نقابات، جمعيات، نواد، ملتقيات ثقافية، اتحادات طلابية ونسوية – التي يؤسسها الأفراد باعتبارهم ذوات مدافعة عن مصالح، وفعالية هذا المجتمع واستقلاله ولو نسبياً عن الدولة – هو شرط ضروري من أجل الديمقراطية وإقامة دولة القانون، وعليه لا تتقبل السلطة السياسية بسهولة ولادة مجتمع مدني حقيقي، وهي إن لم تستطع قمعه تلجأ لدفع قوى مجتمعية لمواجهته وهذه القوى تمثل المجتمع المدني المضاد.
إذن في مواجهة تسلط الدولة أو رفضها الاعتراف بمن يخالفها من فعاليات المجتمع تلجأ قوى التحرر والديمقراطية لتأسيس مجتمع مدني. ولكن الدولة وحيث إنها لا تستطيع مقاومة أو إلغاء هذا المجتمع المدني – نظراً لاستحقاقات خارجية تدفع في اتجاه تبني الديمقراطية والحريات السياسة، وكذا بفعل التحولات الإيجابية الدالة على نضج المجتمع العربي والتي تهدد السكونية السياسية السائدة – فإنها تعمل على تأسيس "مجتمعها المدني" الخاص بها: أحزاب سلطة، جمعيات سلطة، نواد سلطة، بل أن الزعيم رئيساً كان أو ملكاً يوظف شخصيته الكارزماتية وشعبيته لتأسيس "مجتمع مدني" خاص به، والسلطة السياسة تحاول من خلال ذلك أن تسحب البساط من تحت أقدام الأحزاب الشعبية وفعاليات المجتمع المدني الأخرى المعارضة للنظام و ركوب موجة الديمقراطية إن لم تنصب نفسها قائدة التحول الديمقراطي. وإن لم تستطع أو أصبحت التحولات الديمقراطية متجاوزة لها ومهددة لمصالحها، فإنها تحاول الحد من هذه التحولات بدفع "مجتمعها المدني" لمواجهة المجتمع المدني الشعبي الحقيقي، وتصبح هي بمثابة الحكم وتتدخل بحزم باسم حماية المجتمع من الحرب الأهلية أو الفوضى وباسم المصلحة الوطنية،والتي هي في هذه الحالة ما هي إلا مصلحة النخبة الحاكمة!.
ومفيد القول إن مجتمعاتنا – بنياتها الاجتماعية والسياسية والدينية – ليست هي مجتمعات الغرب والشروط التاريخية لمجتمعاتنا ليست هي تلك التي عرفها الغرب، وعليه فلا ينتظر أن تكون نظمنا السياسية صورة طبق الأصل لما هو معروف في الغرب. نعم نريد ديمقراطية، ومجتمعا مدنيا، وازدهارا اقتصاديا...الخ، ولكن يجب أن نؤسسها نحن بعقلانيتنا وبإمكانياتنا الخاصة لا أن نستوردها ونقحمها على مجتمعنا. إن المراقب للحياة السياسية في مجتمعاتنا سيلاحظ تعدد الجمعيات والنوادي ودور الثقافة ومنظمات حقوق الإنسان التي وإن كان بعضها من خلق الدولة فإن العديد منها ملاذ يلجأ إليه مثقفون وسياسيون ومهمشون ومن يشعر بالاغتراب في وطنه، بعيداً عن الأحزاب والتنظيمات الرسمية – حكومية كانت أو معارضة – وهذا ملموس في نشاط الجماعات الإسلامية داخل هذه الجمعيات وكذا المراكز الثقافية ومنظمات حقوق الإنسان والمنظمات غير الحكومية التي بدا دورها في السنوات الأخيرة يتزايد، وأحياناً تفوق مؤسسات المجتمع المدني الحقيقية في مواجهتها لخروقات السلطة.
أيضاً يمكن نتساءل لماذا لا نعتبر ما تقوم به بعض الأنظمة العربية التي استقرت على خيار الديمقراطية، من دعم لتأسيس الأحزاب والنقابات والجمعيات هو إسهام منها في خلق "مجتمع مدني" وتفعيلة ما دامت الظروف العامة للمجتمع – انتشار الأمية، الجهل، الفقر، ضعف الوعي السياسي – لا تساعد كثيراً على تسريع عملية تأسيس المجتمع المدني؟ وحتى مع افتراض سوء النية عند الدولة بالزعم أنها تؤسس مجتمعها المدني خوفاً من أن يُفرض عليها المجتمع المدني الحقيقي الذي تلوح بوادر تأسيسه، لماذا لا تبتهل القوى الحية في المجتمع هذه البادرة من الدولة وتجيرها بما يخدم الديمقراطية وتفعيل المجتمع المدني الحقيقي؟. ولماذا لا نأخذ بتصور "هيغل" حول المجتمع المدني حيث رأي أنه في بعض اللحظات التاريخية يصبح إشراف الدولة على المجتمع المدني ضرورة لابد منها، ولكن لحين؟
وقد أثبتت التجربة في أكثر من دولة ثالثية أن غياب إشراف الدولة عن مؤسسات المجتمع المدني يؤدي إلى تمزق المجتمع المدني وتصادمه مع بعضه البعض وبالتالي قد يؤدي إلى حرب أهلية وقد ثبت أيضاً أن الديمقراطية لا تقوم إلا حيث تكون الدولة قوية.

المطلب الثاني :المجتمع المدني في فلسطين ولد في رحم حركة التحرر الوطني
إذا كانت تساؤلات عميقة تنتصب أمام الباحث في المجتمع المدني في دول العالم العربي نظراً لخصوصية الدولة العربية التي هي غالباً مقحمة على المجتمع ومفروضة عليه , ونظراً لخصوصية مجتمعات هذه الدول عن المجتمعات الغربية التي ظهر فيها المجتمع المدني وتم تأصيل مفهومه , فكيف الحال بالنسبة للباحث في المجتمع المدني في فلسطين , التي تعيش خصوصية داخل الخصوصية العربية؟.
لا شك هنا أن المقاييس والمؤشرات المتبعة في التعرف على وجود مجتمع مدني في بلد ما لن تسعفنا كثيراً في الحالة الفلسطينية , لأنه إذا اعتبرنا المجتمع المدني يعني تلمس نقاط ما هو مدني أو اجتماعي عن ما هو سياسي , أو ما هو عام – الدولة – عن ما هو خاص – العلاقات والتنظيمات التي يؤسسها الأفراد للتعبير عن مطالبهم والدفاع عنها - , فإنه في الحالة الفلسطينية يتداخل العام مع الخاص والسياسي مع المدني , نظراً لأن الشعب الفلسطيني ومنذ أمد بعيد وحتى اليوم يعيش تحت الاحتلال , وبالتالي لم يعرف دولة وسلطة سياسية وطنية مستقلة يمكن في مواجهتها بلورة مجتمع مدني أو الخاص في مواجهة العام , فالسلطة القائمة هي دوما سلطة احتلال أو خاضعة للاحتلال.
وهكذا تداخل ما هو سياسي بما هو مدني في التجربة السياسية الفلسطينية , فالشعب الفلسطيني بكل فئاته ومستوياته , انتظم في حركة جماهيرية واحدة: قيادة سياسية , شعب , نقابات , أحزاب , ومجتمعات , لمواجهة الاحتلال. الجميع له هدف واحد هو مواجهة الاحتلال وليس مواجهة بعضهم بعضا , وهنا نلاحظ خصوصية المجتمع المدني الفلسطيني سواء من حيث تكوينه أو من حيث وظيفته , فهو مجتمع لم يولد في إطار حركة مطلبيه اقتصادية أو اجتماعية بل في إطار حركة جماهيرية سياسية نضالية تسعى للاستقلال والحرية وإبراز الهوية الوطنية والحفاظ عليها , وبالتالي فإن المطلب الأساسي لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني هو تأسيس المجتمع السياسي الوطني، دولة وسلطة وطنية , بالإضافة إلى ذلك إن نصف الشعب الفلسطيني عاش ويعيش خارج أرض الوطن وتربطه علاقة خاصة وشائكة مع الدول التي يعيش فيها , وهو الأمر الذي يجعل لمفهوم المجتمع الفلسطيني دلالة رمزية سياسية أكثر مما هي سيسولوجية ومطلبية, وهذه خاصية لا نجدها في تجارب الشعوب الأخرى.
إن المؤسسات المتعارف عليها كمكونات للمجتمع المدني – أحزاب , نقابات , جمعيات واتحادات الخ – كانت حاضرة في المجتمع الفلسطيني إلا أن وظيفتها غير وظيفة مثيلاتها في البلدان الأخرى , فغياب دولة فلسطينية تتمتع بسيادة فلسطينية بفعل الاستعمار البريطاني ثم الصهيوني بدِّل من وظيفة مؤسسات المجتمع المدني وجعلها تصب في اتجاه إبراز الهوية الوطنية والحفاظ عليها , وإعادة تأسيس الدولة , فالمجتمع المدني في هذه الحالة هو المؤسِس للدولة وللسلطة السياسية , وليس العكس وبالتالي يحق تسميته بالمجتمع المدني/السياسي , وليس المجتمع المدني المفارق للسياسي.
مر المجتمع المدني الفلسطيني بعدة مراحل هي المنعطفات التي عرفتها القضية الفلسطينية , ويمكن رصد أربع مراحل في سياق تطور المجتمع المدني الفلسطيني وسنتحدث عن كل مرحلة بمطلب مستقل.

المرحلة الأولى :مؤسسات المجتمع المدني ما قبل نكبة 1948:
واجه الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة خطراً مزدوجاً تمثل بالانتداب البريطاني والحركة الصهيونية , حيث تواكب الاحتلال مع سياسة الحركة الصهيونية للاستيلاء على الأرض وتهويد العمل ومحاولة نفي كل صفة وطنية عربية إسلامية عن فلسطين , وقد ترتب على ذلك أن كل فئات الشعب الفلسطيني تضررت من هذا الخطر المزدوج , رجل السياسة , والعامل , الفلاح , الغني والفقير , الجميع وحدتهم المعاناة وضرورة مقاومة الاحتلال والتصدي لمحاولات الحركة الصهيونية الاستيلاء على أرض فلسطين. ومن هنا وضع الفلسطينيون على سلم اهتماماتهم تحقيق الاستقلال وليس مجرد تحقيق مكاسب اقتصادية أو اجتماعية. وقد عرفت هذه المرحلة تعاظما في تأسيس الأحزاب والنوادي والجمعيات , بالإضافة إلى انتفاضات وهبات وثورات , إلا أن هذا النهوض وهذه الحيوية في المجتمع المدني لم يكونا في مواجهة سلطة وطنية, بل في مواجهة قوات الاحتلال , وبالتالي زالت الفوارق بين ما هو سياسي وما هو مدني اجتماعي إلا في أضيق الحدود.
كانت جميع برامج وأدبيات الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات التي ظهرت في تلك الفترة تتفق على هدف واحد هو مقاومة الحركة الصهيونية والانتداب البريطاني وتحقيق الاستقلال الوطني , هذا لا يعني الغياب الكلي لأنشطة ذات طبيعة مدنية , حيث عرف المجتمع الفلسطيني في بعض المراحل توتراً في العلاقة بين القيادة السياسية التقليدية ومؤسسات تنسب إلى المجتمع المدني , إلا أن هذه الخلافات كانت على قاعدة المصلحة الوطنية وحول كيفية مواجهة العدو المشترك , وليس على قاعدة تقاسم غنائم السلطة أو من أجل الوصول إلى السلطة.
إن الملاحظ على غالبية مؤسسات المجتمع المدني / السياسي التي عرفتها فلسطين في تلك المرحلة , أنها أُسست ضدا عن رغبات قوات الاحتلال , حيث إن قوانين الانتداب لم تسمح للفلسطينيين بتنظيم أنفسهم سياسيا واجتماعياً إلا بالشكل الذي يخدم مصالح الاستعمار , وبالتالي فقد طغى العمل السري على غالبية نشاط مؤسسات المجتمع المدني , ومن جهة أخرى وتحايلا على قوانين الاحتلال أخذت مؤسسات المجتمع المدني طابعا عائليا حيث لعبت العائلات المشهورة والمنتمية إلى الطبقة الإقطاعية والبرجوازية دوراً في تشكيل مؤسسات المجتمع المدني وقيادتها.
المرحلة الثانية : 1948 – 1965 مرحلة التيه الوطني:
أدى الاحتلال الصهيوني لفلسطين عام 1948 ,إلى إضفاء خصوصيات جديدة على واقع حال الشعب الفلسطيني بالإضافة إلى خصوصيته الأولى , وتكمن هذه الخصوصية الجديدة بتقطيع أوصال المجتمع الفلسطيني وبعثرته في مواقع جغرافية متباعدة،فبالإضافة إلى من بقي من الشغب تحت الاحتلال وجدت تجمعات فلسطينية في دول عربية تخضع لسلطة غير فلسطينية , وأهمها في الضفة الغربية , غزة , سوريا , لبنان , و العراق.
مما لا شك فيه أن حياة الفلسطينيين تحت الاحتلال الصهيوني ليست على شاكلة حياتهم تحت الحكم العربي , ومع ذلك فقد غاب عنصر التنظيم المدني الوطني عن المجتمع الفلسطيني , إما قهرا كما جرى في فلسطين المحتلة , أو تحت شعارات وإيديولوجيات قومية وأممية واعتبارات أمنية كما جرى في سوريا ولبنان والأردن ومصر والعراق , واضطرت مؤسسات المجتمع المدني التي ظهرت قبل 1948 إلى تجميد نشاطها أو انحلت تلقائياً لغياب القاعدة المجتمعية الفلسطينية الأساسية لوجودها.
كانت الفترة ما بين 1948 إلى 1965 مرحلة قاسية على الفلسطينيين – كما بينا في الفصل الثاني , وعرفت الحركة الوطنية الفلسطينية حالة من الجمود , سياسياً واجتماعياً بحيث لم يلحظ – خصوصاً في السنوات الأولى للنكبة – ما يدل على وجود مجتمع مدني مستقل في تنظيمات سياسية أو نقابية في بعض البلدان العربية،كالأردن – التي ضمت إليها الضفة الغربية وحمل الفلسطينيون الجنسية الأردنية – وسوريا والعراق، من منطلقات قومية، ومع ذلك شهدت نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات نهوض الوطنية الفلسطينية بفعل الدور النشط للفلسطينيين المنضوين داخل الأحزاب القومية وكذا ظهور جريدة " فلسطيننا" التي كانت تصدرها حركة التحرر الوطني الفلسطيني " فتح " قبل أن تعلن عن نفسها رسمياً. ولكن وحيث أن الوضع العربي لم يكن يسمح بعد بعمل فلسطيني سياسي مستقل , فقد مارس الفلسطينيون نشاطهم السياسي من خلال اتحاديات وتنظيمات شعبية نقابية، ففي عام 1959 تم تأسيس الاتحاد العام لطلبة فلسطين وفي عام 1963 تأسس الاتحاد العام لعمال فلسطين وفي عام 1965 تأسس الاتحاد العام للمرأة. استمر الوضع هكذا حتى قيام منظمة التحرير الفلسطينية 1964 ثم انطلاق الثورة الفلسطينية المسلحة عام 1965 وما جاءت به من مستجدات.
المرحلة الثالثة : من 1964 إلى قيام الحكم الذاتي 1994:
تميزت هذه المرحلة باستعادة الحركة الوطنية الفلسطينية لحيويتها , ذلك أن تيقظ الشعور الوطني الفلسطيني وانطلاق الثورة الفلسطينية المسلحة منذ 1965 , والهزيمة العربية في حرب 1967 , كل ذلك أعاد الحيوية للمجتمع الفلسطيني , ودفع بحركته الوطنية التي تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية إلى تعزيز علاقاتها بالمجتمع الفلسطيني في ارض الشتات ووضعه تحت إشرافها , ومن هنا قام المواطنون وغالبا بتشجيع من منظمة التحرير وبقية القوى السياسية بتفعيل مؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني – نقابات اتحاديات و نواد , جمعيات وتنظيمات – بما يعزز الشخصية الوطنية الفلسطينية في مواجهة محاولات التشويه والإلغاء التي كانت تتعرض لها , ولاستقطاب قطاعات المجتمع الفلسطيني المختلفة , لتصب في مواجهة العدو الصهيوني.
وهكذا عرفت هذه المرحلة بروز العشرات من الأحزاب والتنظيمات السياسية , وكذا النقابات والجمعيات والنوادي , إلا أن استعادة المجتمع المدني لحيويته لم يأت في سياق مواجهة سلطة سياسية فلسطينية أو دولة فلسطينية , بل إن السلطة السياسية الفلسطينية الثورية – منظمة التحرير الفلسطينية – لعبت دورا في تأسيسه ودعمه في إطار حركة مقاومة شاملة لتحرير الوطن من الاحتلال , وهكذا نصت القوانين المؤسسة للاتحاديات الشعبية – اتحادات الطلبة والمعلمين والمهندسين والكتاب والعمال والصحفيين والمرأة الخ -على أنها قاعدة من قواعد الثورة الفلسطينية،ولم يكن مسموحا بأن يدخل الفلسطينيون في صراعات جانبية وينسون العدو المشترك.وحتى مؤسسات المجتمع المدني أو الأهلية من خارج منظمة التحرير كانت تنسق عملها مع التوجهات السياسية العامة لمنظمة التحرير والقوى السياسية الأخرى كحركة حماس والجهاد الإسلامي.
لا غرو أن استعادة المجتمع المدني / السياسي الفلسطيني لحيويته بعد 1967 وممارسته النضالية ضد انتهاكات الاحتلال الصهيوني عزز مواقف م ت ف في أرض الغربة واكسبها احتراما وتقديراً دفع الدول العربية إلى الاعتراف بالمنظمة ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني وذلك في مؤتمر قمة الرباط 1974 , والاعتراف لها بصفة عضو مراقب في هيئة الأمم المتحدة في نفس العام , إلا أن أهم اللحظات التي تجلي فيها المجتمع المدني / السياسي , كانت سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987 حيث تجند الشعب الفلسطيني بكل فئاته لتنظيم نفسه في جمعيات ونواد وتنظيمات ضد الاحتلال الصهيوني , وكان الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة قادراً على تنظيم نفسه ومواصلة انتفاضته تحت قيادة مؤسسات المجتمع المدني لولا تداخلات خارجية سياسية، سواء من الفصائل الفلسطينية أو من أطراف عربية وأجنبية،حيث أفسد المال السياسي مؤسسات المجتمع المدني. مع انتفاضة 1987 دخلت القضية الوطنية بما فيها المجتمع المدني في متاهة جديدة وهي مسلسل السلام وتوقيع اتفاقية أوسلو 1993.
وعلى المستوى الاجتماعي , فقد انتقلت قيادة مؤسسات المجتمع المدني من الشرائح الإقطاعية والبرجوازية وأبناء العائلات إلى عناصر تنتمي إلى البرجوازية الصغيرة والمتوسطة , كما نشطت مؤسسات المجتمع المدني التابعة للجماعات الإسلامية وخصوصاً حماس والجهاد الإسلامي.
إن أهم ما يجب الإشارة إليه في هذه المرحلة هو أن منتسبي مؤسسات المجتمع المدني من اتحادات وجمعيات ومنظمات اجتماعية هم الذين رفدوا حركة المقاومة أو الثورة بداية وكانوا الوقود الذي مكنها من الاستمرارية والانتشار , وعليه , فإن النخبة السياسية الفلسطينية والسلطة الوطنية خصوصاً مدينان بوجودهما للمجتمع المدني , فما هو شكل العلاقة بين الطرفين عندما تحول الثوار إلى رجال سلطة ؟.
المرحلة الرابعة : ما بعد اتفاقية أوسلو وقيام الحكم الذاتي:
بدخول منظمة التحرير الفلسطينية مسلسل التسوية وتوقيعها اتفاقية أوسلو وبدء الحكم الذاتي الفلسطيني في مناطق من الضفة الغربية وقطاع غزة , عرف المجتمع الفلسطيني , والمجتمع المدني / السياسي خصوصاً , تحولا جذرياً , فالعملية سعت إلى نقل المجتمع الفلسطيني من مرحلة الثورة والنضال إلى مرحلة المراهنة على الحلول السلمية وبالتالي إنهاء الثورة وحالة الحرب مع الكيان الصهيوني , مع ما يترتب على ذلك من تغير في وظيفة المؤسسات المدنية والسياسية التي ظهرت في مرحلة الثورة , ونقل مركز قوة حركية المجتمع الفلسطيني من خارج فلسطين إلى داخلها. إلا أن أهم تحول يخص موضوع بحثنا هو بداية ظهور التمايز ما بين مجتمع مدني ومجتمع سياسي , ذلك أن السلطة الوطنية الفلسطينية التي تدير مناطق الحكم الذاتي أصبحت بمثابة السلطة السياسية أو مشروع دولة , وبالتالي لها حساباتها وسياساتها وارتباطاتها الناتجة عن مسلسل التسوية , وهي سياسة وارتباطات لا تتفق بالضرورة مع موقف كل الشعب الفلسطيني ومؤسساته المدنية والسياسية.
وهكذا لاحظنا منذ توقيع اتفاقية أوسلو ظهور ( مجتمع مدني) يمارس دور المعارضة في مواجهة السلطة الوطنية الفلسطينية من جهة وقوى الاحتلال من جهة أخرى ويمكن حصر فعاليات المجتمع المدني في هذه المرحلة كما يلي :
1- مؤسسات المجتمع المدني التابعة للمعارضة السياسية, خصوصاً حماس والجهاد الإسلامي , هذه المؤسسات متعددة : نقابات , جمعيات , اتحاديات , مؤسسات دينية , تعليمية , خيرية , ومما يجب التنبيه له في هذا السياق أن أهمية هذا النوع من مؤسسات المجتمع المدني لا تكمن في قوتها التنظيمية والتأسيسية بل في قدرتها التعبوية والتحريضية , ذلك أن سنوات الاحتلال علمت الجماعات الإسلامية كيف تحافظ على وجودها وتمارس مهامها بشكل سري أو تحت شعارات الدين والعمل الإنساني.
2- مؤسسات المجتمع المدني التي تمارس نشاطها في ظل الاعتراف بشرعية السلطة ,وهذه تتفاوت ما بين اتحادات شعبية وجمعيات ومنظمات حقوقية, الجزء الأكبر من هذه المؤسسات هي التي كانت تابعة لمنظمة التحرير وحولت نشاطها إلى نشاط مدني / سياسي. ومن المؤسف أن الاتحاديات الشعبية كالاتحاد العام للمعلمين والاتحاد العام للعمال والاتحاد العام للمرأة واتحاد طلبة فلسطين واتحاد الفلاحين واتحاد المهندسين وغيرها من الاتحادات والتنظيمات التي كانت فاعلة قبل توقيع اتفاقية أوسلو انحلت أو أصيب بالشلل في مناطق الحكم الذاتي وتحول أمناؤها العاملون إلى موظفين سامين في السلطة وبرتب عسكرية وجوازات دبلوماسية وهو جزء من الشلل المتعمد الذي أصاب منظمة التحرير الفلسطينية!.
3- منظمات واتحادات غير حكومية ذات انتماءات وعلاقات متعددة داخلية وخارجية N. G. O ، وهذه تتمتع باستقلالية عن السلطة والأحزاب السياسية والجزء الأكبر من المؤسسين والفاعلين في هذه المنظمات كانوا ناشطين في القوى السياسية وخصوصا اليسار ولكنهم انفصلوا عنها .
في عام 2000 وصل عدد المنظمات الأهلية في مناطق الحكم الذاتي إلى 2000 منظمة , منها منظمات تطوعية ومنظمات حقوقية , ومنظمات نسوية وأخرى ذات طابع ديني الخ ،ولكن حسب دراسة ميدانية فإن حوالي 700 فقط كانت نشطة وتمارس عملها بجدية.كان لهذه المنظمات والاتحاديات دور فاعل في دعم نضال الشعب الفلسطيني قبل بداية مسلسل التسوية , حيث كانت منظمة التحرير والأحزاب الفلسطينية الأخرى تمارس من خلالها مهاماً وتنسج علاقات مع الجماهير , كانت عاجزة عن أن تقوم بها بشكل مباشر , إلا أنه بعد دخول المنظمة إلى مناطق الحكم الذاتي , التحقت بعض هذه المنظمات بالسلطة وبعضها تحول إلى مؤسسات مستقلة تعارض نهج التسوية.
إن المتتبع لعملية إعادة تأسيس المجتمع المدني في فلسطين وتحديداً داخل مناطق الحكم الذاتي , يلاحظ الصعوبات التي يواجهها الفلسطينيون في بناء مجتمع مدني فاعل،سواء من طرف الكيان الصهيوني ومحاولاته خنق الطموحات الفلسطينية بإعادة بناء الوطن من خلال بناء مؤسسات المجتمع المدني،أو من طرف السلطة واستحقاقات اتفاقات أوسلو التي تضع خطوطاً حمراء لا يستطيع الفلسطينيون تجاوزها , كما أن السلطة الفلسطينية تحولت إلى سلطة سياسية لها أهداف ومصالح تتصادم أحيانا مع فعاليات المجتمع المدني.


المبحث الثاني
واقع وآفاق المجتمع المدني في مناطق الحكم الذاتي

المطلب الأول : المجتمع المدني وتداخل السياسي والاجتماعي :
يجب التعامل بحذر مع مصطلح المجتمع المدني الذي يروج في الخطاب السياسي الفلسطيني اليوم , نظراً لغياب الدولة والسلطة السيدة من جانب وضبابية الحدود الفاصلة ما بين المهام السياسية والمهام الاجتماعية والدينية لمؤسسات المجتمع المدني،أيضا بسبب الاعتماد الكلي لمؤسسات المجتمع المدني أو المنظمات الأهلية كما تسمى على التمويل الخارجي والذي يكون مسيسا ومشروطا في الغالب. ذلك أنه بالرغم من وجود مؤسسات سياسية وأحزاب وسلطة إلا أن ذلك لا يرق لدرجة وجود دولة, كما أن الحركية السياسية التي تشهدها مناطق الحكم الذاتي لا يمكن نسبتها إلى الممارسة الديمقراطية الحقيقية ما دامت السلطة السياسية نفسها فاقدة لحرية اتخاذ القرار السيادي وكل ما يصدر عنها من قرارات يخضع لمراقبة إسرائيلية , أيضاً الخلفية السياسية لناشطي المؤسسات الأهلية وارتباطهم بقوى سياسية لا تخفي تطلعها للوصول للسلطة , هذا ناهيك عن النسبة المرتفعة للتمويل الخارجي لهذه المؤسسات وقوة تأثير الجهات المانحة لدرجة بات ولاء عديد من مؤسسات المجتمع المدني للجهات المانحة لا للوطن.
مما لا شك فيه أن الوضع داخل مناطق الحكم الذاتي ليس وضع دولة أو مناطق محررة فما زالت كل فلسطين محتلة بالرغم من وجود سلطة حكم ذاتي , إلا أن هذا لا يمنع من توحيد الجهود من أجل بناء الوطن , كثيرة هي المجالات التي يمكن للفلسطينيين أن يعملوا ويوظفوا كفاءاتهم وخبراتهم من أجل فلسطين ما دامت الظروف الراهنة لا تسمح لهم بإقامة دولة مستقلة.إن العمل من أجل الوطن أوسع بكثير من العمل السياسي بمفهومه التقليدي , إنه من الاتساع بحث يستوعب كل ممارسة فردية كانت أو جماعية , سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية, ومن أهم هذا المجالات أنشطة المجتمع المدني أو ما يطلق عليه في فلسطين المنظمات الأهلية.
لا غرور أنه في الحالة الفلسطينية يفترض أن تتلاقى وتتصارع القوى السياسية والاجتماعية ليس من أجل الفوز بالسلطة أو السيطرة عليها – مع أن هذا حق مشروع ضمن شروط – بل من أجل بناء المواطن ثقافيا وسياسياً وتفعيل وتخليق الحياة السياسية والثقافية وتشكيل قوة ضاغطة على السلطة الوطنية تؤثر على مواقفها وتراقب سلوكياتها وتصحح أخطاءها , كما أنه من المفترض والملح على مؤسسات المجتمع المدني أن تقوم بوظيفة جد مهمة وهي بناء الهوية الوطنية الفلسطينية وصقل ثقافة وطنية عمل العدو الصهيوني على تشويهها وطمس معالمها، أيضاً للمجتمع المدني الفلسطيني في هذه المرحلة دور في تخليق الحياة السياسية وبناء المجتمع الديمقراطي , وهو بهذه الوظائف يبلغ رسالة قوية إلى العالم مفادها أن الشعب الفلسطيني شعب حضاري وقادر على تسيير أموره بنفسه وبالتالي قادر على إقامة دولته المستقلة. كما أن الاشتغال في وعلى المجتمع المدني هو المجال الذي تستطيع المعارضة الفلسطينية والقوى الحية في المجتمع اليوم – بعد أن سدت في وجهها سبل النضال من الخارج وصعب عليها ممارسة النضال العسكري في الداخل – أن تبدع فيه وتخدم الوطن في هذه المرحلة بدلا من التمترس في مواقع الرفض ألعدمي.
إلا أن واقع منظمات المجتمع المدني تتعثر بقيامها بهذه المهام و مما أربك عملها بالإضافة للتدخلات الخارجية بروز ظاهرة جديدة لم تعرفها بنفس الدرجة والنوع حركات التحرر الأخرى، ألا وهي المنظمات غير الحكومة التي أصبحت تقوم بجزء من مهمات المجتمع المدني وتتداخل معه في كثير من الأحيان وتوجه نشاطه وتلعب دوراً في تفعيل وتنشيط الحياة السياسية الفلسطينية حسب أجندة الجهات الممولة الأمر الذي يتطلب منا التوقف قليلاً عند هذه الظاهرة.

المطلب الثاني : المجتمع المدني والسلطة الوطنية
مع بداية الحكم الذاتي في 1994 ظهر وضع ملتبس لا هو وضع دولة مستقلة ولا هو وضع احتلال حيث وجدت سلطة سياسية فلسطينية:مؤسسات وأجهزة أمنية وسجون الخ وبذا أصبح الشعب يواجه سلطتين : سلطة الاحتلال من جهة والسلطة الوطنية من جهة أخرى , بالتأكيد لا يمكن وضع السلطتين في سلة واحدة ذلك انه يفترض بأن السلطة الوطنية هي امتداد للحركة الوطنية الفلسطينية أو وريثها وكان من الممكن أن تكون مكسبا وطنيا بالرغم من كل الظروف المحيطة بتشكيلها وممارستها , ولكنها تبقى سلطة تمارس التسلط , تأمر وتنهى و تصدر قوانين وتنفذها بالقوة , تعتقل وتحاكم , تمنح وتمنع , وهي في كل ذلك مقيدة باتفاقيات تفرض استحقاقات يشعر جزء من الشعب الفلسطيني أنها تضيق عليهم حريتهم،ومما زاد من توتر العلاقة بين الطرفين وجعل وضع السلطة أكثر إحراجا،غياب دولة قانون تعبر عن سيادة وطنية قابلة للتطبيق , ذلك أن السلطة تطبق حزمة من القوانين ذات السمعة السيئة , كقوانين الانتداب البريطاني أو القوانين المصرية التي كانت تطبق في قطاع غزة أيام الحكم المصري أو قوانين أردنية أو القوانين الإسرائيلية أيام الاحتلال , هذا الوضع يجعل مناطق الحكم الذاتي وكأنها تعيش حالة الطوارئ.
في ظل هذه الظروف شعر المجتمع الفلسطيني في مناطق الحكم الذاتي أنه في الوقت الذي عليه واجب مساندة السلطة في عملية إعادة بناء الدولة الفلسطينية ومواجهة مخططات العدو الاستيطانية , عليه في نفس الوقت العمل على تأسيس مجتمع مدني يمكن اللجوء إليه للحد من تسلط السلطة وللتعبير عن مطالبات والدفاع عن مصالح لم تلبها السلطة الفلسطينية وخصوصاً في إطار حقوق الإنسان الأساسية كالحق في العمل والصحة والتعليم وحرية الرأي والتعبير , بالإضافة إلى ذلك أن قطاعاً من المجتمع يشعر أن مرحلة الثورة لم تنته بعد وأن الواجب الوطني يحتم توجيه كل الجهود لمقاومة الاحتلال الصهيوني بدلا من انشغال بقضايا ثانوية كالصراع على سلطة لا تملك إلا القليل من مزايا وصلاحيات السلطة السياسية الحقيقية.
بفعل التداخلات الخارجية للتسوية أستجد عنصر جديد على علاقة السلطة بالمجتمع المدني وهو ظهور ما يعرف بالمنظمات الدولية غير الحكومية أو المنظمات غير الحكومية الممولة والموجهة من الخارج ،والتداخل في المهام ما بينها والمجتمع المدني الوطني والتقليدي, فكلاهما يتكون من التنظيمات والعلاقات التي يؤسسها المواطنون للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أو للدفاع عن قيم إنسانية عالمية بعيداً عن السلطة السياسية أو بالأحرى بعيدا عن سيطرتها أو تدخلها المباشر , إلا أن نقطة الاختلاف بينهم تكمن في الامتداد الخارجي أو العلاقات الخارجية , فإذا كان من شروط قيام مجتمع مدني حقيقي أن يقوم الأفراد لا السلطة بتشكيله وأن يكون مستقلا عنها وغير تابع لها , فمن المنطقي أذن أن تكون مؤسسات المجتمع المدني ذات طابع وطني أي أن لا تؤسس بإيحاء خارجي أو تمول من الخارج حتى لا تصبح أداة في يد مموليها , فللمجتمع المدني وظيفة وطنية خالصة .
أما المنظمات غير الحكومية وخصوصا الدولية فهي وإن كانت تشترك مع منظمات المجتمع المدني في استقلاليتها عن الدولة وفي طبيعة النشاط الذي تقوم به فأنها تختلف معها في أنها امتداد لمنظمات ذات صبغة دولية وأهداف إنسانية أو إيديولوجية عالمية وغالباً ما تتعلق بحقوق الإنسان أو بالمرأة أو بالجوانب الدينية ،الأمر الذي يجعلها أكثر إثارة للجدل. وتعرف المنظمة غير الحكومية الدولية بأنها : منظمات ذات صفة دولية ولها هدف عام يشمل عددا كبيرا من الدول ولا يتعارض مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أو ميثاق هيئة الأمم المتحدة , وليس لها هدف تجاري أي لا تسعى إلى الربح المادي وأن يكون لها أجهزة علنية ودائمة ومعترف بها من طرف الدولة حيث تمارس نشاطها.
بالرغم مما أشرنا إليه من اختلاف ما بين المنظمات غير الحكومية الدولية والمجتمع المدني إلا أنهما يشتركان ظاهريا في كونهما منظمات يجمعها النضال من أجل الحرية وحقوق الإنسان ومواجهة تعسفات الحكومات , فوجودها مرتبط بوجود ديمقراطية أو النضال من أجل الديمقراطية , فالدول غير الديمقراطية عدو لهذه المنظمات ولا تسمح لها بالوجود وأن اضطرت لذلك فهي تضيق الخناق على عملها .
كان ظهور المنظمات غير الحكومية في بداية الأمر نوعا من التحايل على الاحتلال الذي كان يمنع تشكل أي أحزاب سياسية أو تجمعات تضامنية فلسطينية , وتزايد عددها ونشاطها في مرحلة ثانية عندما تحولت م-ت-ف داخل فلسطين إلى سلطة سياسية , حيث وجدت قوى المعارضة الفلسطينية التي أبعدت أو أبعدت نفسها عن السلطة ومؤسساتها في هذه المنظمات مجالا للعمل السياسي بستار اجتماعي وحقوقي , إلى هنا يبقى الأمر مفهوما ومقبولا , إلا أن الوضع تغير وأخذ منحى مغايرا عندما أخذت أطراف خارجية وخصوصاً المنظمات غير الحكومية الدولية والدول المناحة , تمول وتدعم ما يفترض أنها مؤسسات المجتمع المدني , هذه الأخيرة التي أصبحت تستقطب أعدادا متزايدة من النخبة السياسية والمثقفة وتدفع لهم رواتب وحوافز مادية جد مرتفعة , مما أدى إلى تسابق أفراد النخبة على الانخراط في هذه المنظمات التي بدأت تشتغل على أجندة تتفق مع توجهات وسياسات الدول المانحة كالدفاع عن حقوق الإنسان أو المرأة أو الديمقراطية والمشاركة السياسية الخ , ومن هنا لاحظنا كثرة عدد المنظمات الحقوقية ومراكز البحوث والدراسات والنوادي والجمعيات في مناطق الحكم الذاتي بل تسابق برلمانيون ووزراء وسياسيون لتأسيس جمعيات ومؤسسات موظفين مواقعهم ونفوذهم لجلب تمويل خارجي , وهو الأمر الذي أدى إلى تنافسها وتسابقها على عقد ندوات وأنشطة دون إستراتيجية واضحة ودون مرجعية تراقب وتحاسب،بل وصل الأمر ببعض المنظمات الأهلية المرتبطة خارجيا لتصبح جامع معلومات ذات طبيعة أمنية ترسلها للجهات المانحة.وفي السنوات الأخيرة أخذت بعض الجهات المانحة وخصوصا الأمريكية تشترط من المؤسسات الفلسطينية المتلقية للمنح والمساعدات التوقيع على تعهد بعد توظيف هذه المساعدات بما يخدم (الإرهاب) أي المقاومة،وهناك جهات مانحة إسلامية التوجه لا تقدم مساعدات إلا للأحزاب والمؤسسات المنتمية لنفس توجهها الديني مما يحرم قطاعات واسعة من المجتمع الفلسطيني من هذه المساعدات.
لا نقصد من كلامنا أعلاه التشكيك بالمنظمات غير الحكومية أو الزعم أن ملف حقوق الإنسان في مناطق الحكم الذاتي ناصع البياض أو أن المجتمع الفلسطيني لا يحتاج لهذه الأنشطة المدنية , ولكننا نرى أن هناك قوى خارجية تلعب لعبة خطيرة توظف فيها البعض من السلطة والبعض من المنظمات غير الحكومية، هذه اللعبة الخطرة إن كان من ضمن أهدافها افتعال مواجهة ما بين المجتمع المدني الفلسطيني والسلطة الفلسطينية بحث ينشغل كل طرف بالأخر وينسى الجميع العدو المشترك الذي ليس فقط المنتهك الرئيس لحقوق الإنسان الفلسطيني بل أيضا محتل الأرض ومدنس المقدسات،إلا أن هناك هدفا لا يقل خطورة يتمثل في خلق فجوة كبيرة ما بين النخبة والشعب, وإفراغ المجتمع الفلسطيني وحركته الوطنية من الكوادر والأطر المثقفة والفاعلة إما بإدماجهم بالسلطة ومنحهم مواقع ورواتب متميزة أو استقطابهم في منظمات غير حكومية حقوقية أو غير حقوقية وفي مراكز بحث ودراسات تنبت كل يوم كالفطر وتحت مسميات مختلفة دون رقيب أو حسيب.
دون التشكيك بذوي النوايا الحسنة من الجانبين , نقول إن عملية إفساد وارتشاء كبيرة تجري للنخبة الفلسطينية لتنشغل هذه الأخيرة بمصالحها المادية وامتيازاتها ولتدخل في مواجهة مع بعضهما البعض على اقتسام كعكة المنح والمساعدات الأجنبية فيما يواصل العدو سياسته الاستيطانية ويفرض مزيدا من سياسية الأمر الواقع.بالإضافة إلى أن مخرجات أنشطة هذه المؤسسات لا تتناسب مع حجم التمويل الذي تحصل عليه.
إن معالم نجاح هذه المخطط أصبحت جلية ذلك أن كل زائر لمناطق الحكم الذاتي يلمس انقسام المجتمع الفلسطيني إلى نخبة – أقلية – مرفهة مكونة من كبار رجالات السلطة-سلطة منظمة التحرير في الضفة وسلطة حماس في القطاع- ورجال الأعمال ومن النخبة العاملة في إطار المنظمات غير الحكومية من جهة , وغالبية الشعب حيث الفقر والبطالة التي زادت نسبتها ووصلت إلى ستين بالمائة من جهة أخرى.لقد أدى هذا الوضع الخطير إلى إخراج أعداد كبيرة من المثقفين والنشطين سياسياً من ساحة العمل الشعبي والوطني , إما بانكفاء واغتراب بعضهم داخل الوطن نتيجة إصابتهم بالإحباط , وإما بتحول البعض إلى نخبة مرفهة تتعارض مصالحها مع أي توجه نضالي ضد العدو , نخبة مصلحتها في إبقاء الأمور على حالها وكبح أية تحركات احتجاجية أو نضالية , كما أدى هذا الوضع بالمقابل إلى تحويل الجماهير الشعبية إلى جموع جائعة ومحبطة واقعة ما بين مطرقة الاحتلال وسندان الفقر والجوع.
لعلاقة السلطة بالمعارضة وبالمجتمع المدني وجه أخر يرتبط بخصوصية القضية الفلسطينية – التي سبق التطرق إليها , حيث إن البعدين القومي والديني للقضية يفرضا إيجاد نوع من التعاون مابين الفلسطينيين – سلطة ومجتمع مدني -والعالمين العربي و الإسلامي , فكيف يمكن أن نتحدث عن البعد القومي والمسؤولية العربية دون تنسيق ما بين التنظيمات الفلسطينية ذات الخطاب القومي والأنظمة والحركات القومية العربية ؟ وكيف يمكن الحديث عن البعد الإسلامي والمسؤولية الإسلامية وخصوصاً في موضوع القدس دون تنسيق مع الدول والمنظمات الإسلامية وقبول دعمها المادي والمعنوي ؟ بالإضافة إلى أن تردي الأوضاع الاقتصادية لمناطق الحكم الذاتي وسياسة الأرض المحروقة التي تمارسها إسرائيل تجعل قدرة المجتمع المدني الفلسطيني على النهوض اعتماداً على قدراته الذاتية أمراً صعباً.
لا غرو أن تمارس السلطة حقوقها السلطوية على المجتمع الفلسطيني لأن لا دولة أو كيان سياسي دون سلطة ولا سلطة دون تسلط , ولكن على السلطة في نفس الوقت أن تقوم بما يمليه عليها واجبها كوريثة لحركة التحرر الوطني وكمشروع لدولة ديمقراطية عصرية , وذلك بأن تحترم إنسانية وكرامة المواطن الفلسطيني وإن تعطي الأولوية لتحقيق الاستقلال الفلسطيني على الخضوع لابتزاز الكيان الصهيوني أو الانسياق وراء أشباه الوطنين ممن تسللوا لنهب مقدرات الوطن وتحقيق مصالحهم الشخصية , ومن جهة أخرى على العاملين في مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية منها أن يضعوا نصب أعينهم المصلحة الوطنية لا ما تطلبه منهم الجهات الأجنبية الممولة فهذه الأخيرة لا تهدف بالضرورة لخدمة المصلحة الوطنية أو الاهتمام بالوضع الحقوقي للفلسطينيين،فالانتهاك الرئيسي لحقوق المواطن والوطن لا يأت من السلطة الفلسطينية بل من إسرائيل , الأمر الذي يعيدنا إلى نقطة البدء بالتذكير أن فلسطين لم تستقبل بعد وهو ما يتطلب بدوره إيجاد صيغة لتوحيد جهود المجتمع المدني والسلطة لمواجهة العدو المشترك دون تجاهل حقوق الإنسان الفلسطيني داخل مناطق الحكم الذاتي لأنه عندما تنتهك حقوق الإنسان وتصادر حريته داخل وطنه وعلى يد مواطنيه لا يستطيع أن يطالب بحقوقه وحريته في مواجهة الآخرين.
إن كان المجتمع المدني فضاء لممارسة الحرية و منبرا للتعبير عن المطالب وأداة لانتزاع هذه المطالب،إن كانت إسرائيل تاريخيا هي المهدد لتأسيس هذا المجتمع والقامع لحريته بالعمل وخصوصا فيما يتعلق بالحريات العامة فإن الانقسام الفلسطيني الذب تكرس مع أحداث منتصف يونيو 2007 غير من معادلة الصراع بحيث حل العدو (الفلسطيني) محل العدو الصهيوني، فالانقسام اوجد سلطتين واحدة في غزة وأخرى في الضفة واوجد حالة من العداء المقيت بين طرفي الصراع –فتح وحماس- بحيث أصبحت حركة حماس مستهدفة في الضفة وحركة فتح مستهدفة في قطاع غزة،الأمر الذي ترك أثرا سلبيا على مؤسسات المجتمع المدني حيث يتم التضييق على مؤسسات المجتمع المدني في الضفة التابعة لحركة حماس والتضييق على مؤسسات المجتمع المدني في القطاع التابعة لحركة فتح بل وصل الأمر لاقتحام جمعيات وتدميرها واعتقال أعضائها لمجرد أنهم ينتمون لهذا الحزب أو ذلك،وبالتالي أصبحت مؤسسات المجتمع المدني بكل أشكالها تعيش حالة من التوتر والرعب ومضطرة إما إلى وقف نشاطها أو تكييفه بما يرضي السلطة القائمة أو تلجأ لطلب الحماية من جهات أجنبية.
ما جرى مع الانقسام وبعده وحالة الحرب الأهلية غير المعلنة بين حكومتين وسلطتين وتراجع احترام حقوق المواطن حيث الاعتقالات وعمليات التعذيب والمنع من السفر بالإضافة إلى تدهور الوضع الاقتصادي وتفكك النسيج الاجتماعي ،كل ذلك يؤكد ان مخرجات عمل مؤسسات المجتمع المدني أو المنظمات الأهلية لا تتناسب مع خطاب هذه المؤسسات ولا مع حجم التمويل التي تتلقاه مما يحتم إعادة النظر في عمل هذه المنظمات الأهلية إن لم يكن محاسبة القائمين عليها،فلا يجوز ان تثري نخبة المجتمع المدني على حساب المصالح الوطنية .
المبحث الثالث
الأحزاب والنقابات في المجتمع الفلسطيني
نظرا للتداخل ما بين السياسي والاجتماعي في الحالة الفلسطينية فسنتطرق للأحزاب السياسية والحركة النقابية كنموذج لمؤسسات المجتمع المدني نظرا لصعوبة تناول كل مؤسساته ولأنها أقدم المؤسسات المدنية في فلسطين،فالأحزاب وبالرغم من وظيفتها السياسية كانت تلعب أدوارا وتقوم بمهام تنتمي للمجتمع المدني كما سبقت الإشارة ،أيضا فإن النقابات وبالرغم من وظيفتها المطلبية الاجتماعية فق كانت وما تزال تلعب أدوارا سياسية .

المطلب الأول : الأحزاب السياسية Political party
بالرغم من وجود خلاف بين المختصين حول كون الأحزاب السياسية تنتمي للمجتمع المدني او المجتمع السياسي ،إلا أننا سنميل للرأي الذي ينسبها للمجتمع المدني نظرا لخصوصية الحالة الفلسطينية.والحزب السياسي مجموعة من الأفراد لهم برنامج سياسي ويسعون للسلطة ويمارسون عملهم من خلال تنظيم منتشر في كل ربوع الوطن.
1- تاريخ الأحزاب السياسية في فلسطين قبل النكبة:
ارتبط ظهور الأحزاب السياسية في فلسطين بحركة الشعب ضد الاستعمار والصهيونية، حيث كان ظهورها من جهة تعبيرا عن الوعي السياسي بالخصوصية الفلسطينية في مواجهة سياسة تهويد الأرض التي مارستها الحركة الصهيونية منذ بدايات القرن، ومن جهة أخرى أداة من أدوات النضال ضد الاستعمار البريطاني، إلا أن هذا لا يعني وحدة الأحزاب السياسية الفلسطينية وتطابق برامجها وتعبيرها عن نفس المطالب، فإذا كانت مطالب الحرية والاستقلال ومواجهة الصهيونية والانتداب البريطاني، تعد القاسم المشترك بينها، فإن الخلفية الطبقية والاجتماعية لمؤسسيها والمصالح التي يعبرون عنها باعدت ما بين هذه الأحزاب.
هذه الخصوصية التي ميزت الأحزاب الفلسطينية قبل النكبة وعند لحظة التأسيس استمرت تميزها بعد النكبة 1948 وبعد انطلاق الثورة الفلسطينية 1965 حيث أن تجمع الأحزاب والمنظمات في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، لم يمنع تباين برامجها على أسس سياسية أو اجتماعية أو نتيجة ارتباطات خارجية، ومع ذلك تبقى الظاهرة الحزبية في فلسطين لصيقة بالنضال السياسي، فهي أحزاب ثورية مناضلة من أجل الحرية أكثر مما هي أحزاب تتنافس من أجل الوصول إلى السلطة أو تعبيرا عن مطالب قطاع محدد من الجمهور.
لم يعرف الفلسطينيون أحزابا سياسية خاصة بهم حتى بداية العشرينات من القرن العشرين ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب:
الأول: إن الشعب الفلسطيني كان جزءا من الأمة العربية الخاضعة في غالبيتها للهيمنة العثمانية، وبالتالي كانت حركته السياسية جزءا من الحركة القومية العربية المعبرة عن طموحاتها في أحزاب قومية.
الثاني: إن الفلسطينيين تحت الانتداب البريطاني كانوا محرومين من حق تأسيس أحزاب سياسية خاصة بهم، فلجئوا إلى إنشاء جمعيات ونواد كنوع من الالتفاف على قانون المنع السابق.
الثالث: إن إعلان وعد بلفور 1917، والدعم البريطاني للحركة الصهيونية، شكلا عاملا دافعا للفلسطينيين لتأسيس حركة سياسية فلسطينية خاصة بهم، وأحزاب سياسية تعبر عن مطالبهم.
لهذه الأسباب لم تظهر الأحزاب السياسية الفلسطينية إلا في العقد الثاني من القرن العشرين أما قبل ذلك فكانت الجمعيات والنوادي هي الإطار السياسي المعبر عن المطالب الفلسطينية، وقد نشطت هذه الجمعيات بشكل كبير مباشرة بعد إعلان وعد بلفور.
ولدت الأحزاب من رحم الجمعيات والنوادي التي جمعت المسيحيين والمسلمين واتخذت رمزا لها شارة الهلال وبداخله الصليب، أسست هذه الجمعيات فروعا متعددة فتواجدت في يافا والقدس وحيفا وغيرها من المدن الفلسطينية، ولعبت سلطات الانتداب البريطاني دورا في إفشال جهود هذه الجمعيات كما فشلت في استمالتها إليها، وتفاديا لهذا المخطط تمت الدعوة إلى توحيد الجمعيات في جمعية واحدة وبرنامج واحد، ومما عزز هذه الدعوة قرر عقد مؤتمر السلام في باريس وحاجة الفلسطينيين إلى من يمثلهم، وهكذا تم توحيد هذه الجمعيات في إطار (الجمعية الإسلامية المسيحية الفلسطينية) ومقرها القدس.
إلى جانب الجمعيات الإسلامية المسيحية، ظهر تنظيم سياسي سمي (المؤتمر العربي) وقد أخذت هذه التسمية كرد على سياسة المؤتمرات التي كانت تعقدها الحركة الصهيونية في فلسطين. فردا على عقد اليهود مؤتمرا في ديسمبر 1918، وجهت الجمعية الإسلامية المسيحية في القدس في أوائل يناير 1919، الدعوة لعقد مؤتمر (للبحث في أمر عرض المطالب الفلسطينية بشأن تقرير المصير على مؤتمر السلام، والإعراب عن مخاوف العرب الفلسطينيين من الصهيونية ومن احتمال السيطرة اليهودية). وقد تحول المؤتمر إلى تنظيم دائم يجتمع وقت الحاجة للتعبير عن موقف العرب الفلسطينيين، حيث عقد مؤتمره الثاني في دمشق في 27 فبراير 1920 والثالث في ديسمبر 1920، والرابع في مايو- يونيو 1921، والخامس في أغسطس 1922، والسادس في يونيه 1923، وفي هذا المؤتمر الأخير ظهرت اختلافات في وجهات النظر حول كيفية التعامل مع الانتداب البريطاني، وهي خلافات مهدت لظهور أحزاب سياسية بالمعنى الدقيق للكلمة.
عن المؤتمر العربي انبثقت اللجنة التنفيذية، التي استمرت المتحدث الرئيس باسم الفلسطينيين، إلا أن ذلك لم يحل دون ظهور أحزاب سياسية أخذت في كثير من الحالات شكل تكتلات عائلية وعشائرية بحيث افتقدت مقومات التنظيم السياسي الحقيقي، ويقول عزة دروزة السياسي والكاتب الفلسطيني الذي عاصر الحركة الوطنية الفلسطينية قبل 1948" إن أكثر الأحزاب والكتل السياسية التي نشأت في بلادنا هي متقاربة في المبادئ والأساليب والمميز لها هو أشخاص القائمين عليها وكثيرا ما نشأت الأحزاب عندنا كانشقاقات عن الهيئة الأولى- اللجنة التنفيذية العربية- التي حملت لواء النضال الوطني، "نفس الأمر عبر عنه أحمد الشقيري حيث قال:" لم يكن بين هذه الأحزاب خلاف على المبادئ الوطنية، فقد كان ميثاق كل حزب هو ميثاق الحزب الآخر، وإنما هي (الشهرة) في الزعامة والقيادة، ولم تكن لهذه الأحزاب قواعد شعبية عريقة" .
الاحزاب الفلسطينية قبل 1948
• الحزب الوطني 1923:
في يوليو 1923 بدأت الصحف الفلسطينية والمصرية تتحدث عن تشكيل حزب سياسي فلسطيني اسمه (الحزب الحر المعتدل)، دعا بوضوح لمفاوضة الحكومة البريطانية مباشرة والاتفاق معها على تسوية القضية الفلسطينية، وفي أكتوبر من نفس العام نشرت جريدة (مرآة الشرق) خلاصة مبادئ الحزب الذي غير اسمه ليصبح الحزب الوطني، وهذه المبادئ هي السعي للوحدة العربية وعدم الاعتراف بوعد بلفور ومقاومته، ووضع دستور للأمة وتأليف مجلس نيابي وتشكيل حكومة وطنية .
• الحزب الزراعي 1923:
سمي هذا الحزب في بداية تشكيله (الحزب القروي) ثم حمل اسم حزب الزراع، وقد ظهر هذا الحزب في نهاية عام 1923 في منطقة الخليل، كما هو ظاهر في التسمية فإن تأسيسه يقوم على التمييز ما بين المدينة والقرية، ومع أن البرنامج السياسي لهذا الحزب كان قريبا من برنامج الحزب الوطني، إلا أنه وبالرغم من نشاطه الواسع في بداية ظهوره لم يستطع الاستمرار أو كسب احترام الشعب بسبب دخوله في مواجهات مع الحركة الوطنية الفلسطينية.
• حزب الأهالي 1925:
تأسس في أبريل 1925، واستقطب "العناصر الشابة المثقفة، ذات المصالح الاقتصادية الخاصة وذات التطلعات الطبقية الخاصة" ويعد أول حزب يضع برنامجا حزبيا متكاملا، ويمكن التعرف على التوجهات السياسية للحزب من خلال ما جاء في المادة الثانية من برامجه، تقول هذه المادة إن غايته "نشر المبادئ الديمقراطية بين الأهالي، اتخاذ الطرق العلمية والتدابير الايجابية المتواصلة التي تهدف تحقيق مثل الأمة الأعلى وهو الاستقلال التام والتي ليس من شأنها الاعتراف بوعد بلفور" .
• الحزب الحر الفلسطيني 1927:
تأسس في ديسمبر 1927، على يد مجموعة من شباب مدينة يافا، وقد مثل هذا الحزب الطبقة الوسطى، بحيث ضم محامين وأصحاب صحف ومدرسين وتجار.
• حزب الاستقلال العربي 1932:
يعتبر تأسيس حزب الاستقلال العربي منعطفا في مسيرة الحياة السياسية لأنه ساهم في تجديد حيوية الحركة الوطنية الفلسطينية ولأنه استقطب عناصر وطنية ذات وزن في المجتمع الفلسطيني، وقد بدا التفكير بتأسيس الحزب منذ ربيع 1930، إلا أن الفكرة وجدت مقاومة من طرف القيادة التقليدية بزعامة الحاج أمين الحسيني، ولم يعلن عن تأسيس الحزب رسميا إلا يوم 2 أغسطس 1932 ويظهر من القانون الأساسي للحزب أنه اتخذ موقفا وطنيا لا يقبل المساومة أو المهادنة مع الإنجليز والصهاينة، حيث نصت مبادئه على استقلال البلاد العربية استقلالا تاما وأن فلسطين بلاد عربية وهي جزء طبيعي من سورية وطالب الحزب بإلغاء الانتداب ووعد بلفور وإقامة حكم عربي برلماني في فلسطين .
• حزب الدفاع الوطني 1934:
تأسس في 2 ديسمبر عام 1934 برئاسة راغب النشاشيبي وقد عبر هذا الحزب عن تكتل آل النشاشيبي ومجموعة من الأغنياء والأعيان، حيث كان معظم أعضاء هيئة الحزب المركزية من رؤساء البلديات أو من أصحاب المصالح، أما برنامجه السياسي، فقد قام على السعي لاستقلال فلسطين- وهي إشارة إلى صك الانتداب ووعد بلفور-.
• الحزب العربي الفلسطيني 1935:
عبر هذا الحزب عن رغبة القيادة التقليدية بزعامة الحاج أمين الحسيني بدخول معترك الحياة الحزينة، ويظهر ذلك من خلال أخذ جمال الحسيني بادرة تأسيس هذا الحزب، ففي حديث صحفي لهذا الأخير، أشار أن دافعة لتأسيس هذا الحزب يتطابق مع قرار اللجنة التنفيذية- التي يرأسها الحاج أمين الحسيني- الداعي لتأسيس أحزاب وطنية تجدد الحركة الوطنية وتنشطها، وقال "إنه تنفيذا لهذا القرار عقد بعض الإخوان المتجانسين في المبدأ والأساليب الوطنية عدة اجتماعات، ووضعوا فيها مشروع تأسيس حزب يضم إخوانهم في العقيدة والأسلوب" وفي 27 مارس 1935 عقد المؤتمر التأسيسي للحزب واختار جمال الحسيني رئيسا وظهرت مبادئ الحزب في قانونه ونظامه الداخلي اللذان نشرا في 24 أبريل من نفس العام حيث أعلن الحزب أن غاياته "استقلال فلسطين ورفع الانتداب والمحافظة على عروبة فلسطين ومقاومة تأسيس وطن قومي يهودي"
• حزب الإصلاح 1935:
نشأ في يونيو 1935، برئاسة حسين فخري الخالدي وتركز برنامجه السياسي حول السعي لاستقلال فلسطين ضمن الوحدة العربية، واعتبار قضية فلسطين جزءا من القضية العربية الكبرى، ومقاومة السياسة والطائفية، كما طالب بوقف الهجرة اليهودية.
• حزب الكتلة الوطنية:
تأسس في أكتوبر من نفس العام بزعامة عبد اللطيف صلاح، وذلك في مدينة نابلس، وكانت أهداف هذا الحرب متقاربة مع أهداف الحزب العربي الفلسطيني .
• اللجنة العربية العليا:
خلال عامي 1936- 1935 تضافرت عدة عوامل وشكلت حالة من الضغط على الشعب الفلسطيني دفعته لإعادة النظر في حالة الشتات التي تعرفها حركته الوطنية من أهم هذه العوامل القمع الشديد الذي وجهت به ثورة عز الدين القسام وتزايد الهجرة اليهودية إلى فلسطين مما أدى إلى إفقار الفلاحين وطردهم من أراضيهم وزيادة تعسف قوات الانتداب ضد الفلسطينيين، بالإضافة إلى موجة العداء ضد الاستعمار الغربي التي اجتاحت العالم العربي وانتقلت عدواها إلى فلسطين، كل هذه الظروف هيأت مناخ الثورة الكبرى في فلسطين ثورة 1936 والتي بدأت بإضراب شامل تحول إلى ثورة، وكانت لا بد للحركة الوطنية الفلسطينية أن تكون على مستوى التحدي، وأن تتكتل لمواجهة الأحداث.
وبالفعل تشكلت لجنة سميت باللجنة العربية العليا برئاسة الحاج أمين الحسني، وفي يوم 25 أبريل وهو يوم تأسيسها صدر قرار عنها يقضي باستمرار الإضراب العام ووقف الهجرة اليهودية وإنشاء حكومة وطنية هذا وقد استمرت اللجنة العربية العليا في قيادة الشعب الفلسطيني حتى حرب 15 مايو 1948.
2- الأحزاب الفلسطينية ما بعد 1948:
يصعب علينا الحديث عن أحزاب سياسية فلسطينية ما بعد 1948، فالأحزاب السياسية التي كانت في فلسطين تم وقف نشاطها قسرا بسبب الاحتلال، وهكذا منعت إسرائيل الفلسطينيين داخل فلسطين المحتلة من ممارسة أي نشاط وطني سياسي وحظرت تشكيل أحزاب سياسية فلسطينية، بل حضُرم الفلسطينيون من تأسيس جمعيات أو نواد يستشف منها أي طابع سياسي، الأمر الذي دفع بعض الناشطين سياسيا داخل فلسطين المحتلة إلى الانخراط في الأحزاب الإسرائيلية وخصوصا ذات التوجه الشيوعي، وذلك للتعبير عن مطالب الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال.
أما خارج فلسطين المحتلة، فقد تم ضم الضفة الغربية إلى الأردن بعد النكبة، وخضع قطاع غزة لحكم عسكري مصري، وفي هاتين المنطقتين من فلسطين وكما هو الأمر في التجمعات الفلسطينية في البلاد العربية، اضطر الفلسطينيون إما لممارسة العمل السياسي بشكل سري أو الانخراط بالأحزاب العربية وخصوصا ذات التوجهات القومية- مثل حزب البعث العربي الاشتراكي وحركة القوميين العرب، وما كان حائلا دون تبلور أحزاب سياسية فلسطينية، أن المرحلة الممتدة ما بين 1948- 1964 كانت مرحلة مد قومي، طغت عليها شعارات الوحدة العربية وهي مرحلة تعاملت مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية العرب جميعا، وبالتالي لم تسمح بظهور حركة وطنية فلسطينية واستمر الحال إلى منتصف الستينات، حيث انتفض الشعب الفلسطيني على محاولات طمس هويته الوطنية وأعلن انطلاقة ثورته المسلحة.
منذ منتصف الستينات برزت أحزاب سياسية وطنية فلسطينية، إلا أن هذه الأحزاب كانت أقرب إلى حركات التحرير منها إلى الأحزاب، بمعنى أن هدفها سياسي تحريري أكثر مما هو سياسي اجتماعي يسعى للوصول إلى السلطة، وإذا كان من الصعب اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية التي ظهرت أثر عقد المؤتمر الفلسطيني الأول في القدس في 28 مايو 1964 حزبا سياسيا، إلا أنها أعطت الانطلاقة لتنظيم الشعب الفلسطيني في أحزاب ومنظمات.
مع تأسيس السلطة الوطنية ووجود نظام للانتخابات وتنافس على السلطة ظهرت الحاجة لتنظيم المسألة الحزبية، ففي عام 1995 وعشية انتخابات 1996 أصدر الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مرسوما اعتبر بمقتضاه جميع الفصائل الفلسطينية المنضوية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية أحزابا سياسية مسجلة في وزارة الداخلية، كما عرفت المادة (1) من قانون الانتخابات رقم (13) لعام 1995 الهيئة الحزبية بأنها (كل حزب سياسي وكل تجمع ناخبين تم تسجيله لدى وزارة الداخلية، واتخذ له اسما ورمزا لغاية تسمية مرشحيه والاشتراك في الانتخابات تحت ذلك الاسم والرمز) وفي المادة (5) من القانون الأساسي المعدل لسنة 2005 نصت المادة (26) في فقرتها الأولى على تشكيل الأحزاب السياسية والانضمام إليها وفقا للقانون وبالرغم من ذلك بقيت المسألة الحزبية غير واضحة نظرا للتداخل بين الأحزاب السياسية والفصائل المسلحة والجماعات العسكرية، وحتى نهاية عام 2005 وصل عدد الأحزاب المسجلة لدى وزارة الداخلية إلى 22 حزبا سياسيا بالإضافة إلى 4 قوى سياسية ذات حضور سياسي ولكنها لم تأخذ ترخيصا كحزب سياسي بالرغم من مشاركة بعضها في الانتخابات .
وأهم الأحزاب السياسية والقوى السياسية المتواجدة اليوم:
1) حركة المقاومة الإسلامية (حماس).
2) حركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح).
3) الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
4) حركة الجهاد الإسلامي.
5) حزب الشعب الفلسطيني.
6) جماعة المبادرة الوطنية.
7) الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين.
8) الجبهة الشعبية –القيادة العامة، 1969.
9) حركة الاتحاد الديمقراطي (فدا).
10) جبهة التحرير العربية
11) جبهة النضال الشعبي
12) لجان المقاومة الشعبية
13) حزب التحرير الإسلامي
14) وفي الفترة الأخيرة ظهرت جماعات جديدة ذات توجهات دينية وخصوصا في قطاع غزة.

المطلب الثاني: الحركة النقابية: The Syndicalism Movement
عرف القاموس السياسي النقابة بأنها: "اتحاد تضم المشتغلين بمهنة أو صناعة أو حرفة واحدة، أو مجموع صناعات أو حرف متماثلة أو مرتبطة بعضها ببعض، أو التي تشترك منها في إنتاج واحد، ويكون الغرض منها حماية مصالح العمال والدفاع عن حقوقهم والعمل على تحسين حالتهم المالية والاجتماعية، إلى جانب هذا التعريف العام للنقابات العمالية، هنالك ما يسمى بالنقابات المهنية أو نقابات المهن الحرة وتعرف هذه الأخيرة بأنها: "اتحاد يضم المتخصصين في مهنة معينة أو مؤهل خاص أو لقب من ألقاب المهنة"... ومعنى هذا أن النقابات المهنية هي فرع أو جزء من النقابات العمالية.
1- : تاريخ الحركة النقابية في فلسطين:
ولدت الحركة النقابية الفلسطينية في رحم الشروط التاريخية الموضوعية المتسمة بتداخل الصراع الوطني السياسي بالطبقي الاجتماعي، وقد تميزت هذه الحركة بميزات نابعة من خصوصية القضية، وهي وجود الاحتلال وتشتت الشعب الفلسطيني وبالتالي تشتت الطبقة العمالية، وضعف وجودها وفعاليتها، كل ذلك يجعل الحركة النقابية الفلسطينية أقرب إلى التنظيم السياسي الاجتماعي، منها إلى التنظيم النقابي بالمفهوم التقليدي للكلمة فالعامل ورب العمل كلاهما مستهدف من عدو مشترك –الاحتلال- وهذا يؤكد كما ذكرنا تداخل السياسي بالاجتماعي في الحالة الفلسطينية.
عرفت فلسطين كما هو الحال في بقية البلدان العربية، نظام الطوائف، وذلك في العهد التركي، حيث وجد ما كان يسمى (قانون الحرف العثماني)، الذي يقوم بتنظيم أصحاب المهنة الواحدة وجعل كلا منها تخضع (لشيخ الكار- المهنة)، وهو عادة أقوى شخص من العاملين في المهنة، إلا أن هذه التنظيمات –الطوائف- لا تعتبر نقابات بمعنى الكلمة. وفي نهاية العهد التركي شهدت فلسطين تطويرا في نظام الطوائف جعلها قريبة من النقابات، ففي أوائل القرن العشرين ظهرت "جمعية الإخاء والعفاف" في فلسطين والمشَكَلة من طبقة العمال وأصحاب الحرف ويعود سبب ظهورها إلى الانتشار الجزئي للصناعة الحديثة وخصوصا الإنتاج السلعي الصغير، وتطور المنشئات الحرفية المشار إليها.
كان أولى علامات ظهور وعي نقابي عمالي، هو تأسيس (النادي الخيري لعمال سكك الحديد) وذلك في أوائل 1932، وكان لتأسيس هذا النادي أثر بعيدا على الحركة النقابية في فلسطين، ليس فقط لأنه نواة الحركة النقابية الفلسطينية، بل أيضا لأنه أوجد إطارا للعمال الفلسطينيين يستطيع أن يواجه العمال اليهود الذين كانوا أكثر تنظيما حيث كان الهستدروت يمارس تهويد العمل وبالتالي يعمل على طرد الفلسطينيين من أعمالهم لإحلال اليهود محلهم .
بعد قليل من تأسيس (النادي الخيري لعمال السكك الحديد) تقدم عبد الحميد حيمور وبعض زملائه في النادي إلى السلطات البريطانية بإشعار "تأليف" جمعية العمال العربية الفلسطينية، مقرها في حيفا، وفي 21 مارس 1925 أعلن عن قيام الجمعية بإجازتها من السلطات البريطانية، وكانت هذه النقابة تضم في عضويتها آنذاك ثمانية أعضاء فقط، وكانت أولى الخطوات التي اتخذتها الجمعية هو إعلانها عن القيام بالاحتفال بمناسبة فاتح مايو، مما أثار حفيظة الانتداب البريطاني الذي منع الجمعية من القيام بذلك، وشهدت السنوات الأربع التالية لظهور الحركة النقابية الفلسطينية حالة من السكون ارتبطت بواقع الحركة الوطنية الفلسطينية بشكل عام، وكان عام 1929 عاما حاسما، حيث قام الفلسطينيون بانتفاضة أغسطس المشهورة والتي عبرت عن الغضب الشعبي العارم ضد حكومة الانتداب البريطاني المتواطئة مع الحركة الصهيونية، وكان في الإضرابات الشاملة التي شهدتها البلاد في نوفمبر من نفس العام.
وفي ظل هذا الوضع المشحون تم عقد مؤتمر العمال العرب الأول في حيفا في 11 يناير 1930 بدعوة من جمعية العمال العربية الفلسطينية، حيث توافد العمال العرب الفلسطينيون إلى حيفا من جميع أنحاء فلسطين، وبلغ عددهم 61 مندوبا يمثلون عمال مختلف الحرف والصناعات، وقد عكس المؤتمر بوضوح ترابط النضال النقابي بالنضال السياسي وأشار المؤتمر إلى ذلك بالقول إن انعقاده جاء في وقت سرت روح اليقظة بين جميع الطبقات العاملة في فلسطين. و أكد المؤتمر على أن واجب العمال ليس المدافعة عن مصالحهم فقط، بل يجب أن يكون المؤتمر مركزا للدفاع عن جميع المظلومين والمستعبدين وأن يجاهدوا في سبيل تحريرهم .
في داخل المؤتمر ظهر تياران متناقضان، حيث برزت بعض العناصر الإصلاحية ذات المواقف الأقرب إلى مواقف القيادة السياسية التقليدية، في مواجهة عناصر ثورية شيوعية، إلا أن المؤتمر شكل منعطفا مصيريا في تاريخ الحركة النقابية الفلسطينية: "حوادث هذا المؤتمر تسجل ببساطة متناهية تاريخ حركة العمال الفلسطينية المقرونة بالحركة التحريرية ولا شك أن الفئة الأكثر استثمارا من بقية طبقات الشعب في فلسطين هي الطبقة العاملة، تلك الطبقة التي تعطي ثمار أتعابها لغيرها ولا تجد في النهاية شيئا ترتكز عليه لأن أفرادها اضطروا لبيع أنفسهم وقوتهم من شدة الضنك والفقر إلى الأغنياء والرأسماليين"
بعد عقد المؤتمر العمالي الأول سعت جمعية العمال العربية إلى إنشاء فروع لها خارج حيفا، حيث أقامت فروعا في كلا من المدن التالية: يافا، بيسان، نابلس، طولكرم، جنين، عكا، شفا عمرو، جبع، يازور، الناصرة، وفي عام 1934 أسس عمال النسيج بالمجدل نقابة عمالية، وفي الأول من سبتمبر من نفس العام أسس عمال الميناء والتجارة والبناء في مدينة يافا (جمعية العمال العرب) وفي العام الموالي أسس عمال السكب وعمال شركة وغنر (جمعية العامل العربي)، إلا أنه ما بين عقد المؤتمر الأول وقيام الحرب العالمية الثانية شهدت الحركة النقابية الفلسطينية ركودا واضحا بسبب هيمنة النشاط السياسي على العمل النقابي والتحدي الذي واجهته الحركة النقابية، وخصوصا أن هذه المرحلة شهدت ثورة 1936 التي استمرت حتى 1939، وهي الثورة التي تطلبت أكبر قدر من التضامن الاجتماعي والتعبئة السياسية لمواجهة المخططات البريطانية والصهيونية.
ومع ذلك شهدت هذه السنوات عدة اضطرابات عمالية، حيث تم إحصاء حوالي 46 إضرابا، من أبرزها إضراب بحارة حيفا في ربيع 1932، وإضراب عمال مصنع الأسمنت (نيشر) في نفس العام وإضراب عمال النسيج في المجدل وإضراب عمال مصانع الدخان في حيفا وقد كتب أحد النقابين الفلسطينيين آنذاك وهو جبرا نقولا يصف حال الحركة النقابية وما تواجه من تحد صهيوني، إن اشتداد حركة اغتصاب الأعمال التي تقوم بها الهستدروت واتساعها في الزمن الأخير بتلك الصورة الصريحة قد كشف لهم نوايا تلك الجمعية الصهيونية وأنها لا تدخل في حركتهم إلا لعرقلتها ولطردهم من مكان عملهم وإحلال الصهيونيين محلهم".
ساهم نشوب الحرب العالمية الثانية على نهوض الحركة النقابية العمالية في فلسطين، لأن هذه الحرب ساعدت على تطور الصناعة وأتاحت فرص عمل في معسكرات الجيش الإنجليزي وتطور قطاع البناء ونشطت الحركة التجارية، بالإضافة إلى أن ممارسات الحركة الصهيونية ساعدت على إبراز العمال الفلسطينيين عن نظائرهم اليهود.
وهكذا دبت الحياة مجددا في الحركة النقابية الفلسطينية وظهر ذلك جليا في تأسيس نقابات جديدة، كنقابة عمال البرق والبريد والهاتف، ونقابة عمال ودوائر الأشغال العامة، نقابة عمال شركة سبني التجارة (البريطانية)، ونقابة عمال شركة تكرير البترول، ونقابة عمال معسكرات الجيش البريطاني، بالإضافة إلى نقابات جديدة انضمت إلى جمعية العمال العربية، "وبقيام هذه النقابات ارتقت الحركة النقابية العمالية الفلسطينية درجة أعلى، مخلفة وراءها التنظيم النقابي على المستوى الإقليمي متجهة إلى التنظيم النقابي على مستوى الصناعة، بل ارتقت أيضا، في مجالات التجمعات العمالية الكبيرة كمعسكرات الجيش، إلى التنظيم النقابي على مستوى المنشأة .
خلال هذه الفترة برز بوضوح نشاط الشيوعيين داخل الحركة النقابية وكان الشيوعيون يعارضون بوضوح جمعية العمال العربية لاعتبارات سياسية وأخرى نقابية محض، كاتهامها بتكريس تبعثر الحركة النقابية العمالية، وعليه فقد عملوا على إثبات وجودهم، ففي خريف 1942 قام الشيوعيان البارزان إميل توما وبولس فرح بإنشاء "اتحاد جمعيات ونقابات العمال العرب" وقد نجح الاتحاد خلال فترة قصيرة في تجنيد آلاف العمال العرب. وفي عام 1943 وبمبادرة من شيوعي الناصرة، تشكلت نقابة عمالية حملت اسم "جمعية العمال العرب في الناصرة".
شكل ظهور (اتحاد جمعيات ونقابات العمال العرب) واستقطابه للعمال العرب، بداية انقسام في ساحة العمل النقابي الفلسطيني، وللخروج من هذه الوضعية اقترح الاتحاد إنشاء تنظيم واحد للعمال يعمل كإطار موحد للنقابات، وفي 19 أغسطس 1945، اجتمع مندوبون عن اتحاد جمعيات ونقابات الأعمال العرب مع مندوبين عن فروع نقابية انشقت عن جمعية العمال، وشكلوا لجنة تنفيذية مكونة من ستة أشخاص أوكلوا إليها مهمة صياغة دستور لتنظيم نقابي موحد سمي (مؤتمر العمال العرب) والدعوة لاجتماع الجمعية العمومية للمؤتمر، وبالفعل تم تأسيس مؤتمر العمال العرب في نفس العام وحل "اتحاد جمعيات ونقابات العمال العرب" نفسه ليندمج في التنظيم الجديد، أما "جمعية العمال" فقد استمرت في معارضتها لهذه التحولات، متهمة المؤتمر بتبعية لعصبة التحرر الوطني الشيوعية، بالرغم من هذا التعدد في الحركة النقابية فقد استمرت المزاوجة ما بين النضال السياسي والنضال النقابي، ويظهر ذلك جليا في القرارات الصادرة عن هذه النقابات.
ففي 6 سبتمبر 1947 عقد مؤتمر العمال العرب مؤتمرة الثالث ومما جاء في قرارات هذا المؤتمر:
"إنه مع كل هيئة وطنية تعمل لتحقيق الأهداف الوطنية العامة التالية":
1. إلغاء الانتداب.
2. جلاء الجيوش الأجنبية جلاء تاما.
3. استقلال فلسطين استقلالا ناجزا غير مقرون أو شرط وإقامة حكم ديمقراطي.
4. منع الهجرة اليهودية.
5. حماية الفلاح العربي ومنع بيع الأراضي، "وفي نفس الاتجاه سار (مجلس نقابات عمال فلسطين) وهو الاسم الجديد لجمعية العمال منذ أغسطس 1946. ففي مؤتمر الثاني المنعقد في 18 أغسطس 1947، أصدر قرارات أكدت على رفض مشروع تقسيم فلسطين وطالب بإقامة دولة عربية فيها.

2- الحركة النقابية بعد 1948
جاءت نكبة 1948 بنتائجها المدمرة على الشعب الفلسطيني بكامله، وكانت نتيجة ذلك تفكك البنية الاجتماعية للشعب الفلسطيني بما فيها الطبقة العمالية، ومن بقي من هذه الطبقة في فلسطين خضع للاحتلال وقوانينه مما أدى إلى انتهاء الحركة النقابية الفلسطينية داخل فلسطين أو تجميد نشاطها، أما من هجروا من فلسطين فقد تحولوا إلى جموع نازحين يعيشون في مخيمات في ظروف قاسية ويخضعون لقوانين البلدان المضيفة لهم .
ومع ذلك فقد استطاع الشعب الفلسطيني تجاوز صدمة النكبة وأعاد تجميع قواه لمواجهة التحدي واسترداد الأرض، ولكن وحيث أنه كان محرما على الشعب الفلسطيني مزاولة أي نشاط سياسي وطني مستقل، فقد لجأ الفلسطينيون إلى تنظيم أنفسهم من خلال اتحاديات شعبية من مختلف القطاعات، الاتحاد العام لطلاب فلسطين الذي تأسس عام 1959، والاتحاد العام لعمال فلسطين الذي تأسس عام 1963، والاتحاد العام للمرأة 1965، والاتحاد العام للمعلمين 1969.
فبالنسبة لاتحاد عمال فلسطين فقد تشكل في أوائل أغسطس 1963 (لجنة عمال فلسطين) ضمن الاتحاد الدولي ونقابات العمال العرب، وعندما عقد هذا الأخير مؤتمرا في غزة يوم 27 مارس 1964، سماه (مؤتمر فلسطين)، اتخذ قرارا يقضي بتشكيل اتحاد لعمال فلسطين، وبدا النقابيون الفلسطينيون يتصلون بزملائهم القدامى المقيمين في الشتات وعقد هؤلاء اجتماعا في القاهرة في أواخر يوليو 1964 على هامش دورة تثقيفية أقامها اتحاد العمال العرب، وفي هذا الاجتماع تم انتخاب لجنة تنفيذية مقرها القاهرة وعقد المؤتمر الأول لعمال فلسطين في غزة بتاريخ 14 أبريل 1965 وتوالت الاجتماعات، وتم تأسيس فروع للاتحاد في أماكن تواجد الفلسطينيين .
مع نهوض الحركة الوطنية الفلسطينية وحالة المد النضالي الشامل تداعت قطاعات الشعب الفلسطيني لتنظيم نفسها كل في مجال تخصصه ،فامهندسون شكلوا اتحاد المهندسين الفلسطينيين والكتاب شكلوا اتحاد الكتاب والاطباء شكلوا اتحاد الاطباء والصحفيون شكلوا اتحاد الصحفيين الخ ،وكانت هذه الحركات الاجتماعية لها فروع في كل المناطق الفلسطينية تحت الاحتلال وفي الشتات وكانت لسان حال منظمة التحرير والشعب ،وكما سبقت الإشارة تداخل العمل النقابي والاجتماعي مع العمل السياسي وكلاهما كان يصب في إبراز الشخصية السياسية والوطنية الفلسطينية وربط ابناء الشعب في اماكن تواجدهم مع بعضهم البعض من خلال هذه الاتحادات .
ونظرا للدور السياسي لهذه الاتحاد فقك كانت إسرائيل تحضر نشاطها داخل فلسطين وتعاقب كل من ينتمي لها بالسجن أو بالطرد خارج فلسطين المحتلة .وخارج فلسطين كانت النقابات والاتحادات الشعبية تخوض صراعا مع مثيلاتها الإسرائيلية لكسب الرأي العام العالمي،وقد لاحظنا الدور الوطني والمهم للكتاب والفنانيين الفلسطينيي في توصيل الصوت الفلسطيني لكل بقاع العالم .
وهكذا نلاحظ أن الحركة النقابية الفلسطينية ما بعد حرب 1948 تحولت إلى قاعدة من قواعد الثورة الفلسطينية وأصبح هدفها سياسيا أكثر مما هو مطلبا اجتماعيا، بمعنى أنها أصبحت إطارا من خلالها تستطيع حركة الثورة الفلسطينية تعبئة الشعب الفلسطيني في مختلف القطاعات لزجه في معركة التحرير، هذا لا يعني غياب المطالب الاجتماعية والاقتصادية إلى أن هذه المطالب كانت غالبا تلبي من خلال اتصالات سياسية ما بين منظمة التحرير الفلسطينية والبلدان المضيفة، لأن العمال الفلسطينيين كانوا محرومين من حق الإضراب أو ممارسة أي وسائل ضغط أخرى، وأن مارسوا هذه الوسائل فإنما من خلال انتمائهم لنقابات عمالية في البلدان التي يقيمون فيها إذا كان القانون يسمح بذلك.
مع تأسيس السلطة الوطنية عام 1994 أستجد وضع جديد وهو وجود سلطة وطنية مشغلة للآلاف من الموظفين والعمال ورجال التعليم الأمر الذي نتج عنه بلورة حركة مطلبية للنقابات العمالية، وبالفعل قامت حركات نقابية وعمالية بإضرابات واحتجاجات سواء فيما يتعلق بالأجور أو بالبطالة، إلا أنه ونظرا لأن غالبية الحركات النقابية كانت منتمية لنفس الحزب الحاكم فقد أتسمت الحركات المطلبية بالهدوء وكانت محدودة، ولكن بعد وصول حركة حماس للحكومة مع انتخابات يناير 2006 ثم الحصار الذي فرض على الشعب الفلسطيني والذي أدى لوقف صرف رواتب أكثر من 170 ألف موظف بالإضافة لتزايد البطالة عند الطبقة العمالية، قام موظفو السلطة بإضرابات ومسيرات احتجاجية في شهر سبتمبر من نفس العام مما هدد المسيرة التعليمية والقطاع الصحي وأحدث حالة من التوتر بين الموظفين والحكومة مع تداخل القضايا المطلبية بالقضايا السياسية.
خلاصة الفصل
المجتمع المدني الفلسطيني بكل أطيافه أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها والسلطة الفلسطينية أصبحت حقيقة لا يمكن تجاهلها ولا يجب تجاهلها، وحيث أن أحدهم لا يستطيع إقصاء الآخر ولا يجب عليه فعل ذلك، فالحل هو ميثاق شرف وطني يحدد الثوابت التي لا يجوز الاختلاف عليها ونقاط الاختلاف التي يمكن تعدد الاجتهاد بشأنها، وأهم الثوابت التي يجب الإجماع عليها هو وجود عدو مشترك لم يعترف بعد بحقوقنا السياسية، والديمقراطية كنظام للحكم والممارسة السياسية والحرية كفضاء يتيح للجميع التعبير عن رأيه دون عائق.
كما يجب الإشارة إلى أن الأحداث الجسام التي تمر بها القضية الوطنية تفرض تحديات على مكونات المجتمع المدني وعلى المجتمع بشكل عام، فضعف السلطة مع تزايد عدد الشهداء والمصابين والجرحى فرض على المجتمع ومؤسساته وتشكيلاته التقليدية القيام بمهام هي من اختصاص الدولة، ومن جهة أخرى وكمحاولة من الدول المانحة للفصل بين المجتمع المدني والعمل النضالي ضد إسرائيل تم توزيع وثيقة على مؤسسات المجتمع المدني للتوقيع عليها، وهي التزام من هذه المنظمات بعدم المشاركة بأي نشاط إرهابي أو يدعم الإرهاب أو تمويله، والمقصود بالإرهاب هنا هو عمليات المقاومة ضد إسرائيل والولايات المتحدة، وهو الأم الذي يتطلب وجود رؤية وطنية إستراتيجية لطبيعة المرحلة ولمفهوم المقاومة ولكيفية دمج كل مؤسسات المجتمع ضمن هذه الإستراتيجية حتى لا يتغلغل التمويل الخارجي ليهدد وحدة الشعب.

الفصل الخامس
المجتمع الفلسطيني المعاصر
التركيبة السكانية والأسرة

في الفصول السابقة تناولنا المجتمع الفلسطيني كحالة سياسية متحولة نظرا لسرعة المتغيرات والأحداث التي مرت بها القضية الفلسطينية،ذلك أن استمرار الاحتلال والمواجهة الحادة مع إسرائيل وبالتالي عدم حسم النزاع، عبئ كل الشعب الفلسطيني لمواجهة هذه الحالة وهيمنة الانشغالات السياسية على الانشغالات الاجتماعية.هذه الحالة من عدم الاستقرار السياسي أثرت بدورها على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية حيث شهدت هذه الأوضاع متغيرات دراماتيكية،فالاحتلال من جانب ثم الانتفاضتان ثم الاقتتال الداخلي فالانقسام،كل ذلك وسم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بعدم الاستقرار وانتقالها من سيء إلى أسوء،إلا أن هذا لا يمنع من محاولة دراستها.
سنخصص هذا الفصل لتسليط الضوء على الحالة الديمغرافية والتعليمية والاجتماعية- الأسرة والزواج- ، وسنلاحظ أن هذه المقاربة تعكس واقع مجتمع مشتت جغرافيا وتعكس حالة مجتمع متحول في تركيبته السكانية، وتعتبر انتفاضة الأقصى من أهم الأحداث التي تركت بصمتها على المجتمع الفلسطيني على كافة المستويات، حيث لم تقتصر نتائج الانتفاضة على ما قامت به إسرائيل من تجريب وهدم للأرض والبيوت وتقتيل للبشر، بل زعزعت الأسس الاقتصادية والسسيولوجية للمجتمع الفلسطيني حيث زادت البطالة بنسبة مهولة وانتشر الفقر وتدهورت الحالة الصحية وتخلخلت القيم وأنماط السلوك الاجتماعي بالإضافة إلى تدمير النظام السياسي ومؤسسات السلطة.ثم جاء الانقسام وفصل غزة عن الضفة في يونيو 2007 ليزيد من تشويه بنية النظام الاجتماعي والسياسي ونخشى إن استمر الانقسام أم ينتج حالة سياسية/اجتماعية في قطاع غزة مختلفة عما هو عليه الحال في الضفة الغربية.
وعليه، فإن الجداول والإحصاءات التي سترد وإن كانت تلخص القضية المثارة بأرقام وتجعلها أسهل للفهم والتفسير، إلا أنه يجب الحذر من الإحصاءات سواء من حيث دقتها أو من حيث عدم ثباتها، فالإحصاءات تعكس الواقع لحظة إجراء البحث، إلا أن الواقع الاجتماعي سريع التحول والمتغيرات الدخيلة عليه –وخصوصا السياسية- لا تعد ولا تحصى، ومع ذلك ليس أمام الباحث الاجتماعي إلا اللجوء للجداول والإحصاءات أو لغة الرياضيات، لأنها تعقلن وتمنهج المعرفة وتجعلها أكثر دقة، ومن جهة أخرى فقد تجنبنا رصد إحصائيات حديثة لأن سنوات الانتفاضة ثم الانقسام والحصار أوجدا ظروفا استثنائية على مختلف القطاعات ونعتقد أنها لا تصلح لقياس المتغيرات الاجتماعية.






المبحث الأول
التركيبة السكانية والتوزيع الجغرافي
عندما نتحدث عن الجغرافيا والديمفرافيا في الحالة الفلسطينية فيجب الأخذ بعين الاعتبار عن حالة متغيرة وغير ثابتة ،فالتركيبة السكانية لفلسطين قبل 1948 ليس بعد هذا التاريخ ،كما أنها بعد 1967 ليس قبلها،فنحن نتحدث عن سكان لشعب مشتت ويخضع لأكثر من سلطة،وكما سنرى فإن الثقافة والصحة والتعليم والزواج وأنماط المعيشة للفلسطينيين تتأثر بالجغرافيا السياسية بشكل كبير.

المطلب الأول: المجتمع الفلسطيني مجتمع تعددي:
تبلغ مساحة فلسطين 27.009 كيلو متر مربع بما في ذلك بحيرة طبرية والحولة ونصف مساحة البحر الميت، وقطن في هذه المساحة تاريخيا الشعب الفلسطيني المتميز بتعدديته الطائفية، ففيه تجاور المسلم مع المسيحي مع اليهودي طوال مئات السنين، واستمر التعايش إلى حين قيام دولة إسرائيل حيث تعصب اليهود للحركة الصهيونية فيما استمر التضامن ما بين المسلمين والمسيحيين، إلا أنه نتيجة الهجرة اليهودية إلى فلسطين وتهجير الفلسطينيين تغيرت التركيبة السكانية، ففي أواخر القرن السادس عشر قدر سكان فلسطين بـ 206.290 ألف نسمة ووصل عددهم عام 1947 حوالي مليوني نسمة، ويبين الجدول الموالي تطور عدد السكان من عام 1914 إلى 1947.
جدول رقم (1)
السنة المجموع الكلي للسكان السكان العرب السكان اليهود
العدد النسبة العدد النسبة
1914 689.775 634633 92% 55.142 8%
1922 757182 673.388 88.9% 83.794 11.1%
1931 1.35.821 861.211 83.1% 174.610 16.9%
1944 1.739.624 1.210.922 69.6% 528.702 30.4%
1947 1.977.626 1.363.387 69% 614.239 31.0%
وبالنسبة للتوزيع السكاني حسب الطوائف من غير اليهود، يظهر تعداد رسمي للسكان في فلسطين 22/10/1922 أن نسبة العرب 88.9% من مجموع السكان موزعين كما يلي:
جدول رقم (2)
المسلمون 590.890 78%
المسيحيون 73.024 9.6%
الدروز 7.28 0.1%
البهائيون 265 0.03%
سامريون 163 0.02%
شيعة 156 0.02%
آخرون 1.662 1.13%
المجموع 673.388 88.9%
وفي عام 1931 تم إجراء إحصاء رسمي حيث بلغ فيه عدد سكان فلسطين 1.035.821 نسبة منهم 174.610 يهودي ونسبتهم 16.86% من مجموع السكان والباقي عرب موزعون كالآتي:

جدول رقم (3)
المسلمون 759.712 73.3%
المسيحيون 91.398 8.8%
الدروز 9.148 0.9%
البهائيون 350 0.03%
سامريون 182 0.02%
لادينيون 421 0.04%
المجموع 861.211 83.14%

وكانت هناك تقديرات رسمية بريطانية لجميع السكان الفلسطينيين عام 1944 حيث بلغ عدد السكان 1.739.624 منهم 528.702 يهودي نسبتهم 30.4% من مجموع السكان والباقي عرب موزعون على الشكل التالي:

جدول رقم (4)
المسلمون 1.061.277 61.5%
المسيحيون 135.547 8%
آخرون 14.098 0.8%
المجموع 1.210.922 69.6%
تقديرات أخرى للسكان بتاريخ 31/ مارس 1947 أظهرت بأن عدد سكان فلسطين قد وصل إلى 1.977.626 منهم 614.239 يهوديا بنسبة 31.1% من جملة عدد السكان والباقي عرب موزعين على النحو التالي:

جدول رقم (5)
المسلمون 1.201.363 60.7%
المسيحيون 146.162 7.4%
آخرون 15.649 0.8%
المجموع 1.363.387 68.9%

تغيرت التركيبة السكانية للمجتمع الفلسطيني بشكل كبير بعد 1948 نتيجة الهجرة الفلسطينية من فلسطين والهجرة اليهودية إلى فلسطين، كما أن نسبة كبيرة من الفلسطينيين المسيحيين غادروا فلسطين إلى بلاد المهجر. والجداول التالية تبين لنا الحالة الديمغرافية في السنوات الأخيرة.
وفي التقرير السنوي للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2010 أورد البيانات التالية حول السكان :
تشير تقديرات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى أن عدد الفلسطينيين في العالم بلغ في نهاية سنة 2010 حوالي 11.14 مليون نسمة، أكثر من نصفهم، أي 5.75 مليون نسمة (51.6%) يعيشون في الشتات. والباقي، أي 5.39 مليون نسمة (48.4%) يقيمون في فلسطين التاريخية، ويتوزعون إلى حوالي 1.28 مليون نسمة في الأراضي المحتلة سنة 1948، وحوالي 4.11 مليون نسمة في أراضي سنة 1967، يتوزعون إلى 2.55 مليون في الضفة الغربية (62%)، و1.56 مليون في قطاع غزة (38%).
قُدّر عدد الفلسطينيين في الأردن في نهاية سنة 2010 بحوالي 3.31 مليون نسمة، يشكّلون حوالي 29.7% من الفلسطينيين في العالم ( نحو 57.6% من فلسطينيي الشتات)، وغالبيتهم العظمى يحملون الجنسية الأردنية. وقُدّر عدد الفلسطينيين في بقية الدول العربية بحوالي 1.81 مليون نسمة، يشكلون ما نسبته 16.3% من مجموع الفلسطينيين في العالم، يتركز معظمهم في الدول العربية المجاورة، أي في لبنان وسوريا، ومصر، ودول الخليج العربي. وقُدّر عدد الفلسطينيين في الدول الأجنبية بحوالي 626 ألف نسمة، يشكلون ما نسبته 5.6% من مجموع الفلسطينيين في العالم، يتركز معظمهم في الولايات المتحدة الأمريكية وأمريكا اللاتينية وكندا وبريطانيا وباقي دول الاتحاد الأوروبي.
الفلسطينيون في العالم حسب مكان الإقامة نهاية سنة 2010 (بالألف نسمة)


وفي قراءة المؤشرات الديموغرافية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، أظهرت إحصائيات نهاية سنة 2010 أن نسبة الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 15 سنة قُدرت بـ 41.1%، مع وجود اختلاف واضح بين الضفة الغربية وقطاع غزة، فقد بلغت النسبة 39.2% في الضفة مقابل 44.2% في القطاع. كما قُدّرت نسبة الأفراد كبار السن (الذين تبلغ أعمارهم 60 سنة فأكثر) بـ 4.4%، بواقع 4.9% في الضفة الغربية، و3.7% في قطاع غزة.
كما تظهر البيانات عدم تغير معدلات النمو السكاني في سنة 2010 عما كانت علية في السنة السابقة، حيث ثبت معدل الزيادة الطبيعية للسكان في الضفة والقطاع عند 2.9% (2.7% في الضفة و3.3% في القطاع)، وهي تُعدّ مرتفعة مقارنة بالمعدلات السائدة في الدول الأخرى، وبالمجتمع اليهودي الاستيطاني في فلسطين.
وتشير التقديرات أنه في حال بقيت معدلات النمو السائدة حالياً، والبالغة 2.9% للفلسطينيين في الضفة والقطاع، و2.4% لفلسطينيي 1948، و1.7% لليهود، فإن عدد السكان الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية سيتساوى خلال سنة 2017؛ حيث سيبلغ عدد كل من اليهود والفلسطينيين ما يقارب 6.53 مليون تقريباً. وستصبح نسبة السكان اليهود حوالي 49.2% فقط من السكان وذلك في سنة 2020، حيث سيصل عددهم إلى 6.87 مليون يهودي مقابل 7.09 مليون فلسطيني.
تشير الإحصاءات السابقة إلى ارتفاع معدل ارتفاع معدل الخصوبة بالمقارنة مع المجتمعات الأخرى، إذا بلغت بشكل إجمالي 5.93% في الضفة الغربية 5.52% وفي قطاع غزة 6.81% ويعتبر معدل الخصوبة في قطاع غزة من المعدلات الأعلى في العالم، ويعود ارتفاع معدل الخصوبة في المجتمع الفلسطيني إلى عادة الزواج المبكر للإناث والرغبة في إنجاب الذكور وهي عادة متأصلة في المجتمعات الأبوية والتقليدية، إلا أن معدل الخصوبة عند فلسطينيي الشتات أقل مما هي عند فلسطينيي الداخل. كما أظهرت نتائج الإحصاءات التي قام بها الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ارتفاع معدلات النمو السكاني بين الفلسطينيين حيث بلغ معدل النمو السكاني 4.3%.
والنسبة إلى التركيب العمري للسكان فإن الهرم السكاني الفلسطيني يشير إلى تميز المجتمع الفلسطيني بأنه مجتمع فتي إذ أن 66.4% من إجمالي عدد السكان يقعون تحت سن الـ 25 عاما. ويشكل الأطفال تحت سن 4 سنوات النسبة الكبرى من السكان إذا بلغت نسبتهم 18.3% عند الإناث مقابل 18.5% عند الذكور أما الأطفال من الفئة العمرية 5-9 سنوات فنسبتهم 15.4% للإناث و15.6% عند الذكور وتقل النسبة كلما زادت فئات العمر.

المطلب الثاني: اللاجئون الفلسطينيون:
عرفت الأونروا اللاجئ الفلسطيني بالشخص الذي كان يقيم في فلسطين خلال الفترة من 1 حزيران/ يونيو 1946 حتى 15 أيار/ مايو 1948 والذي فقد بيته ومورد رزقه نتيجة حرب 1948، وينقسم اللاجئون لعدة فئات فهناك لاجئو عام 1948 وأبناؤهم وهؤلاء ينقسمون إلى فئتين: الأولى هم المسجلون لدى وكالة الغوث الدولية لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) والثانية غير المسجلين، وهناك نازحون داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 ويزيد عددهم على ربع مليون، وكذلك هناك نازحون نتيجة حرب 1967. إلا أن الأونروا لا تعترف إلا باللاجئين الفلسطينيين المقيمين في مخيمات معترف بها وهي المتواجدة في الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان والأردن وسوريا.
وحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ما يزال اللاجئون يشكلون أكثر من ثلثي تعداد الفلسطينيين في العالم، فبالإضافة إلى نحو 5.75 مليون فلسطيني في الخارج، هناك نحو 1.8 مليون لاجئ يقيمون في الضفة الغربية وقطاع غزة، فضلاً عن نحو 150 ألف لاجئ طردوا من أرضهم، لكنهم ما زالوا مقيمين في فلسطين المحتلة سنة 1948؛ وبالتالي فإن مجموع اللاجئين الفلسطينيين يصل إلى نحو 7.71 مليون لاجئ، أي نحو 69.2% من مجموع الشعب الفلسطيني. أما أعداد اللاجئين المسجلين في سجلات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فإن عددهم حتى 30/6/2010 قُدّر بحوالي 4.82 مليون نسمة. وهناك الكثير من اللاجئين لم يسجلوا أنفسهم لدى الأونروا لعدم حاجتهم لخدماتها، أو لعدم وجودهم في أماكن عملها كبلدان الخليج وأوروبا وأمريكا.
وقد شكل اللاجئون الفلسطينيون المقيمون في الضفة الغربية والمسجلون لدى وكالة الغوث مع نهاية عام 2008 ما نسبته 16.3% من إجمالي اللاجئين المسجلين لدى وكالة الغوث منهم 25.3% يعيشون داخل المخيمات. من جانب آخر فقد شكل اللاجئون الفلسطينيون المسجلون لدى وكالة الغوث في قطاع غزة ما نسبته 23.0% من إجمالي اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى وكالة الغوث، منهم 46.1% يعيشون داخل مخيمات قطاع غزة. أما على مستوى الدول العربية، فقد بلغت نسبة اللاجئين المسجلين لدى وكالة الغوث في الأردن حوالي 41.8% من إجمالي اللاجئين الفلسطينيين منهم 17.3% يعيشون داخل المخيمات، في حين بلغت النسبة في لبنان 9.0% منهم 52.8% يعيشون داخل المخيمات، مقابل 9.9% من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين لدى وكالة الغوث يعيشون في سوريا منهم 27.1% يعيشون داخل مخيماتها.
وتشير بيانات الربع الأول لمسح القوى العاملة لعام 2009 إلى أن نسبة السكان اللاجئين في الأراضي الفلسطينية 44.1% من مجمل السكان الفلسطينيين المقيمين في الأراضي الفلسطينية، يشكلون ما نسبته 30.2% من سكان الضفة الغربية و69.2% من سكان قطاع غزة، كما تشير البيانات الى ان 92.3% من سكان المخيمات هم لاجئون، في حين ان 41.3% من سكان الحضر هم لاجئون و23.3% من سكان الريف لاجئون. "
نسبة 62.2% من إجمالي مجموع اللاجئين الفلسطينيين المسجلين في الأونروا يتمركزون في مناطق الشتات المحيطة بفلسطين، منهم حوالي مليون فلسطيني يعيشون في الدول العربية من غير دول الجوار وخصوصا في دول الخليج، ومثلهم يعيشون في الدول الأجنبية.
تعتبر مخيمات الأردن أكبر تجمع للاجئين ويصل عددها عشرة مخيمات، كما أن مخيمات الأردن هي الأكبر مساحة بين المخيمات حيث تصل إلى 5750 دونما أكبرها مخيم البقعة ومساحته 1400 دونم، أما في لبنان فيقطن فيوجد 12 مخيما وقد تزايدت نسبة قاطني المخيمات أثناء الحروب الأهلية وبعدها –ما بين 1975 و 1982- حيث وصلت النسبة إلى النحو 65% من إجمالي اللاجئين في لبنان، أما مساحة المخيمات فهي 1670 دونما، أكبرها مخيم الرشيدية إلى الجنوب من مدينة صور وتبلغ مساحته 267 دونما، أما في سوريا فيوجد عشرة مخيمات يقطنها نحو 29.2% من إجمالي مجموع اللاجئين الفلسطينيين البالغ 374621 لاجئا في عام 1999، يضاف إليهم 120 ألفا هم سكان مخيم اليرموك غير المعترف به من قبل الاونروا على رغم انتشار خدماتها الصحية والتربوية فيه، أما مساحة المخيمات في سورية فيبلغ 9174 دونما أكبرها مخيم جرمانا، ومساحته 2414 دونما، إضافة إلى ذلك يوج عشرات الآلاف من اللاجئين في مصر – ويتراوح عددهم ما بين الستين والثمانين ألفا- إلا أنهم غير مسجلين في الأونروا ولا يستفيدون من خدماتها.
وبالنسبة للحالة الاجتماعية لفلسطينيي المخيمات، فقد حافظ سكان المخيمات على عاداتهم وتقاليدهم التي حملوها معهم من الوطن، سواء تعلق الأمر بطقوس الزواج حيث يسود بينهم الزواج الداخلي –الفلسطيني يفضل الزواج من فلسطينية والعكس صحيح- أو إحياء المناسبات الوطنية والدينية، كما عززت المعاملة غير الودية التي يلقونها من غير الفلسطينيين روح التضامن بينهم، إلا أن هذا التشخيص العام لا ينفي وجود تمايزات من بلد إلى آخر سواء بالنسبة لدرجة الاندماج داخل البلد الذي يقطنون به أو بالنسبة للحالة الاقتصادية، فالأردن مثلا منح أو فرض على الفلسطينيين الجنسية الأردنية بما تستلزم من الخضوع للقوانين الأردنية والانخراط بالتجنيد الإجباري وممارسة العمل النقابي والحزبي في إطار النقابات والأحزاب الأردنية الرسمية، أو بمعنى آخر كان على الفلسطينيين أن يكيفوا حياتهم ليعيشوا كأردنيين، أما في سوريا فبالرغم من أن الحكومات السورية المتعاقبة حافظت على وضعية اللاجئين بالنسبة للفلسطينيين إلا أنها سمحت لهم بالانخراط بالوظائف العامة للدولة وممارسة المهن أسوة بالسوريين. وكان حال الفلسطينيين في لبنان هو الأكثر سوءا سواء من الناحية الاجتماعية أو السياسية أو الأمنية أو ال9اقتصادية حيث تم منعهم من العمل في 70 مهنة في الاقتصاد اللبناني، مما جعل معدلات البطالة عندهم تصل إلى أكثر من 50%. وقد لعبت التوازنات الطائفية الدقيقة في لبنان دورا في الصعوبات التي واجهها الفلسطينيون هناك.
وفي أعقاب حرب 1948 كان تقديم المساعدات الطارئة للاجئين الفلسطينيين يتم من خلال منظمات دولية مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجمعيات خيرية دولية أخرى ومنظمات غير حكومية وفي تشرين ثاني/ نوفمبر 1948 أسست الأمم المتحدة منظمة تسمى "هيئة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين" وذلك لتقديم المعونة للاجئين الفلسطينيين وتنسيق الخدمات التي تقدمها لهم المنظمات غير الحكومية وبعض منظمات الأمم المتحدة، وفي ديسمبر 1949 وبموجب قرار الجمعية العامة رقم 302 تأسست وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) لتعمل كوكالة مخصصة ومؤقتة، على أن تجدد ولايتها كل ثلاث سنوات لغاية إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية، وصدر هذا القرار بعد أن رفضت إسرائيل السماح للاجئين بالعودة تطبيقا للقرار 194 الذي صدر بنفس العام، وبدأت الأونروا عملياتها في مايو 1950 كوريثة لهيئة الإغاثة وتسلمت سجلات اللاجئين الفلسطينيين من اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
أما بالنسبة للتمويل فمعظمه يأتي من تبرعات طوعية من الدول المانحة وأكبر المانحين للأونروا هي الولايات المتحدة الأمريكية والمفوضية الأوروبية والمملكة المتحدة والسويد ودول أخرى مثل دول الخليج العربي والدول الاسكندينافية واليابان وكندا ومن منظمات غير حكومية.
اللاجئون وحق العودة:
اللاجئون الفلسطينيون حالة خاصة ومأساة إنسانية بكل معنى الكلمة، فلم يغادر هؤلاء وطنهم اختياريا بل نتيجة حرب ومجازر ارتكبتها العصابات الصهيونية ضد السكان المدنيين الآمنين الفلسطينيين لتجبرهم على ترك مدنهم وقراهم، وللأسف ساهمت أطراف عربية في ترويج أكذوبة أن الفلسطينيين باعوا أرضهم أو تركوا وطنهم باختيارهم، وذلك لتتهرب الحكومات العربية من مسؤولياتها تجاه ما حدث للفلسطينيين.
وإيمانا من المجتمع الدولي بعدالة قضية اللاجئين وحقهم بالعودة أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها المعروف رقم 194 (د-3) بتاريخ 11 كانون الأول/ ديسمبر 1948، يقضي بإعادة اللاجئين والتعويض عليهم، ويعلن في الفقرة (11) منه ما يلي:
أن الجمعية العامة وقد نظرت في الحالة في فلسطين من جديد: "تقرر وجوب السماح للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش في سلام مع جيرانهم، بأن يفعلوا ذلك في أقرب وقت ممكن عمليا، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة عن كل فقدان أو ضرر يصيب الممتلكات، ويتعين بمقتضى مبادئ القانون الدولي و عملا بروح الأنصاف على الحكومات أو السلطات المسئولة التعويض عنه".
نتيجة لانحياز وعجز الأمم المتحدة عن تنفيذ قراراتها وإلزام إسرائيل بذلك، وخاصة القرار رقم (194) أنشأت وكالة الغوث الدولية "الأونروا" للاجئين الفلسطينيين عام 1949.
وعلى مدار ستون عاما توالي صدور قرارات وتوصيات تؤكد على حق الفلسطينيين بالعودة أو البحث عن حل عاد لقضيتهم، ومن هذه القرارات: القرار رقم 2535- ب (الدورة- 24)، صادر عن الجمعية العامة، وقد جاء في القرار "أن الجمعية العامة إذ تقر بأن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين نشأت عن إنكار حقوقهم الثابتة التي لا يمكن التخلي عنها، والمقررة في ميثاق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان تعود وتأكد الحقوق الثابتة لشعب فلسطين".
- القرار رقم 2672 (الدورة- 25) الصادر في 8 كانون الأول (ديسمبر) 1970
فبعد مناقشة التقرير السنوي للمفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأنروا)، عن الفترة من 1/ تموز (يوليو) 1969 إلى 30/ حزيران (يونيو) 1970، وبعدما استذكرت قرارها السابق رقم 2535- ب (الدورة 24) أكدت مجددا بأنها "تعترف لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق، وبحق تقرير المصير، وتطلب مرة أخرى من حكومة إسرائيل أن تتخذ فورا، ودون مزيد من التأخير خطوات فعالة لإعادة المشردين"
- القرار رقم 3236 بتاريخ 22 نوفمبر 1974، بشأن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، وتضمن في فقرته الثانية: تؤكد الجمعية العامة من جديد حق الفلسطينيين الثابت في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شردوا عنها واقتلعوا منها، وتطلب بإعادتهم، بعد أن أكدت في الفقرة الأولى من القرار الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، ولاسيما الحق في الاستقلال والسيادة الوطنية، والحق في تقرير المصر دون تدخل خارجي.
وعشرات القرارات بما فيها الصادرة عن مجلس الأمن أكدت على حق العودة إلا أن هذه القرارات والتوصيات لم تجد طريقا للتنفيذ يسبب رفض إسرائيل وبسبب استعمال الولايات المتحدة لحق النقض في مجلس الأمن ضد أي قرار يلزم إسرائيل بالتنفيذ. وتؤكد الوقائع على الأرض بأن الرفض الإسرائيلي لعودة اللاجئين لا يعود لعدم القدرة على استيعابهم جغرافيا، بل السبب هو رفض الاعتراف بأن الفلسطينيين هم أصحاب حق بفلسطين، فالإحصاءات تقول بأن 80% من اليهود في إسرائيل ما زالوا يعيشون فيما لا يتعدى 20% من مساحة إسرائيل بجدودها عام48. وهكذا تستمر مشكلة اللاجئين مطروحة حتى اليوم وهي تعتبر من قضايا الوضع النهائي ضمن مشروع التسوية الذي بدأ مع توقيع اتفاقية أوسلو 1993.
جدول رقم (6)
يوضح التوزيع الجغرافي للمخيمات الفلسطينية
الدائرة أو المنطقة عدد المخيمات المنظمة عدد المخيمات غير المنظمة
الضفة الغربية 20 6
قطاع غزة 8 -
الأردن 10 -
لبنان 13 -
سوريا 10 -
المجموع 62 6

جدول رقم (7)
يبين تطور مساحة المخيمات في الضفة الغربية وتاريخ إنشاء هذه المخيمات
المخيم المحافظة (الموقع) تاريخ الإنشاء المساحة (دونم) عند الإنشاء المساحة الحالية
شعفاط القدس 1966 98 198
الأمعري رام الله 1948 92 360
دير عمار رام الله 1949 160 145
الجلزون رام الله 1949 240 240
قلنديا بيت لحم 1949 258 353
الدهيشة بيت لحم 1949 258 340
عائدة بيت لحم 1948 60 115
بيت جبرين (العزة) بيت لحم 1949 24 135
عقبة جبر أريحا 1948 1689 689
عين السلطان أريحا 1948 708 708
النويعمة (لا وجود له) القدس 1948 270 276
بلاطة نابلس 1950 167 460
عسكر نابلس 1950 163 162
عين بيت الماء نابلس 1950 28 28
نور الشمس طولكرم 1952 266 230
الفارعة جنين 1949 225 194
طولكرم طولكرم 1950 165 465
جنين جنين 1953 372 473
الفوار الخليل 1950 108 283
العروف الخليل 1949 258 238
المجموع 5541 6029
جدول رقم (8)
يبين تطور مساحة المخيمات في قطاع غزة وتاريخ إنشاء هذه المخيمات
المخيم المنطقة (الموقع) تاريخ الإنشاء المساحة (دونم) عند الإنشاء المساحة الحالية
الشاطئ غزة 1949 519 747
جباليا جباليا 1948 1403 1448
النصيرات النصيرات 1948 559 589
البريج النصيرات 1949 528 478
خانيونس خانيونس 1949 549 546
دير البلح دير البلح - 156 132
المغازي دير البلح 1949 599 548
رفح رفح 1949 - 1364
المجموع 5870

جدول رقم (9)
يبين تطور مساحة المخيمات في الأردن وتاريخ إنشاء هذه المخيمات
المخيم المنطقة (الموقع) تاريخ الإنشاء المساحة الراهنة (دونم)
الحسين عمان 1952 367
الوحدات عمان 1955 488
الطالبية عمان 1968 130
الزرقاء الزرقاء 1949 180
ماركا (حطين) عمان 1968 917
إربد إربد 1951 244
الحصن إربد 1968 774
غزة جرش 1968 750
سوف جرش 1967 500
البقعة البقعة 1968 1400
المجموع 5750

جدول رقم (10)
يبين تطور مساحة المخيمات في لبنان وتاريخ إنشاء هذه المخيمات
المخيم المنطقة (الموقع) تاريخ الإنشاء المساحة الراهنة (دونم) ملاحظات
صبرا وشاتيلا بيروت 1949 39.6
برج البراجنة بيروت 1948 104
تل الزعتر بيروت 1949 56.65
مارالياس بيروت 1952 5.4
ضبية بيروت 1956 83.6
عين الحلوة صيدا 1948 420
المية مية صيدا 1948 54
النبطية صيدا 1956 103.5
الرشيدية صور 1948 267.2
البص صور 1949 80
البرج الشمالي صور 1955 13.6
نهر البارد طرابلس 1949 198.13
البداوي طرابلس 1955/1956 200
الجليل (ويفل) البقاع 1949 34.44
المجموع 1669.12

قبل الانتقال إلى المبحث الموالي يجب الإشارة إلى أهمية الديمغرافيا في الحرب التي يخوضوها الفلسطينيون ضد إسرائيل، فالحركة الصهيونية قامت على زعم أن فلسطين أرض بلا شعب ويجب أن تعطى لشعب بلا أرض، وزعم قادة الصهاينة بأنه لا يوجد شعب يسمى الشعب الفلسطيني، والواقع الديمغرافي ينسف هذه المزاعم حيث يقارب عدد الفلسطينيين داخل حدود فلسطين التاريخية عدد اليهود، مما دفع الإسرائيليين إلى الحديث عن الخطر الديمغرافي، وتشير التوقعات أنه مع حلول عام 2012 سيفوق عدد الفلسطينيين عدد اليهود، وهذا يهدد الهوية اليهودية للدولة العبرية.
وعليه فإن تزايد عدد الفلسطينيين يمكنه أن يشكل مصدر قوة إذا ما تم توظيفه بحكمة وذكاء، فالكم وحده لا يكفي ويجب تطعيمه ورفده بالكيف أي بالنوعية، وهذا يتطلب الاشتغال المكثف لتحسين نوعية السكان في مجالات الصحة والتعليم والثقافة، وهذا ما سنتطرق إليه في المبحث التالي.

المبحث الثاني
الأسرة والزواج

المطلب الأول: تعريف عام للأسرة والزواج:
أولا: تعريف الأسرة وتطورها وأشكالها:
الأسرة هي أصغر خلية اجتماعية وأول مؤسسة اجتماعية وجدت وعاش فيها الإنسان، وتعد الأسرة أصل المجتمع كما قال أرسطو، فمجموعة من الأفراد شكلوا الأسرة ومجموعة من الأسر شكلت العشيرة ومجموعة من العشائر شكلت القبيلة واتحاد عدة قبائل شكل المدينة، وإن كانت المجتمعات المتقدمة تجاوزت التشكيلات الأولية –الأسرة والعشيرة والقبيلة- وأصبحت الدولة والمجتمع الشمولي هو الإطار الأوسع والرئيس في تحديد الانتماء وفي التفاعلات بين الناس، إلا انه في الحالة العربية ما زالت التشكيلات التقليدية تتعايش مع الدولة وفي بعض الحالات تمارس من النفوذ أكثر من الدولة، ومن المعلوم أنه كلما ضعفت الدولة وتضاءلت قدرتها الحمائية كلما تعززت مكانة الأسرة والقبيلة والطائفة، وشهدت بعض المجتمعات العربية مثل هذه الحالات – لبنان واليمن والصومال وفلسطين والعراق.
وعليه يمكن القول بأن الأسرة هي مؤسسة اجتماعية أفرزتها أسباب اجتماعية ويرتبط أعضاؤها ببعض بروابط حقوقية وأخلاقية، وفي الإسلام تكون هذه الروابط مقدسة تستمد من العقيدة ونظام الزواج في الأسرة المسلمة يخضع لشروط محددة سلفا في العقيدة.
وحيث أن كل الأفراد يعيشون ضمن أسر، وحيث أن الإنسان يقضي الجزء الأكبر من حياته داخل أسرة ويخضع لسلطة رب الأسرة، فقد لعبت الأسرة وما تزال دورا مركزيا في التنشئة الاجتماعية وفي الحفاظ على هوية وثقافة المجتمع، وخصوصا في دول العالم الثالث، وهنا نلاحظ علاقة جدلية قوية ما بين شكل الأسرة ووظيفتها من جانب وثقافة المجتمع والظروف التي يمر بها من جانب آخر، فالمجتمع التقليدي ينتج أسرة أبوية ممتدة والمجتمع الحداثي ينتج أسرة نووية.
تتكون الأسرة بشكل عام من الزوج والزوجة –أو الزوجات في المجتمعات الإسلامية- والأبناء، ويذهب علماء الاجتماع إلى القول بأن الأسرة الحالية هي حالة متطورة عن الأسرة القديمة والتي لم تكن متطابقة مع الأسرة الحاضرة.
1. أصل الأسرة:
يكتنف الغموض مسالة نشأة الأسرة، فإذا كانت الديانات السماوية تتفق بأن البشر هم أبناء أدم وحواء، إلا أن العلماء اختلفوا حول نشأة الأسرة ودوافع اجتماع أفرادها وحول الشكل الذي كانت عليه بداية. فيرى ويستر مارك Westar Mark بأن الإنسان البدائي اعتاد بفطرته وغريزته على أن يعيش مع امرأة واحدة يمارسان معا علاقات الجنس ويشتركان في تربية الأولاد. أما فوستيل دي كولانج فيرى بأن الأسرة القديمة كانت عشيرة كبيرة كل أفرادها ينتمون لرجل واحد، أما أسباب تكون الأسرة فيرجعه لأسباب دينية، حيث يقول في دراسته حول الموضوع "إن دينا قديما كوَّن الأسرة الإغريقية والرومانية وأقام الزواج والسلطة الأبوية وحدد درجات القرابة وقدس حق الملكية وحق الإرث" أما عالم الاجتماع دوركايم فقد ميز بين الأسرة وروابط الدم فالأسرة بالنسبة له ليست مجرد تجمع طبيعي للأبوين وما ينجبان من أولاد فهذا التجمع نجده أيضا عند الحيوانات الثديية، فالتجمع الطبيعي لوحده لا يخلق مؤسسة اجتماعية ولا يرتب حقوقا وواجبات، وبالتالي فالأسرة عنده هي مؤسسة اجتماعية أفرزتها أسباب اجتماعية ويرتبط أعضاؤها ببعض بروابط حقوقية وأخلاقية، وروابط الدم جزء من تركيبة الأسرة لكنه لوحدها لا تكون أسرة لأنها موجودة دائما دون الأسرة، فالابن غير الشرعي تربطه رابطة دم بأبيه ولكنه لا يكون جزءا من الأسرة ما لم يعترف به أبيه.
2. مراحل تطور الأسرة:
يذهب علماء الاجتماع إلى القول بأن الأسرة مرت بعدة مراحل قبل أن تأخذ شكلها الحالي وهي:
‌أ. مرحلة المشاعية الجنسية: Promiscuity
وهي أول أشكال التجمع البشري حيث كانت تسود المشاعية في كل شيء في الأرض وما تنتج وفي الصيد وفي النساء والأطفال. فكل شيء ملك للجميع حيث لم يكن شيء يسمى الملكية الخاصة، بل كان تفرد رجل بامرأة وتخصيصها لنفسه بمثابة الاعتداء على حقوق الغير وفي هذه المرحلة لم يكن هناك شيء يسمى زواجا أو محرمات، ولم يكن الابن يعرف له أبا فيعيش بفي كنف أمه وينسب للعشيرة أو القبيلة بأكملها.
ومن أهم العلماء القائلين بوجود هذه المرحلة، العالم السويسري بأخوفين في كتابه (حقوق الأم 1861) والعالم الاسكتلندي ماك لينان في كتابه (الزواج البدائي 1865) والعالم الأمريكي لويس مورجان في كتابه (المجتمع القديم 1877).
‌ب. مرحلة الأسرة الأمومية Matriarchate
ومن أهم القائلين بوجود هذه الأسرة هم القائلون بوجود مرحلة المشاعية الجنسية أيضا هوب هاوس ودوركايم، فهؤلاء يرون بأن الأسرة الأمومية انبثقت عن المشاعية، فحيث أن الابن لم يكن يعرف له أبا فقد التحق بأمه، وعرف هذا النوع من الأسرة في المجتمعات غير المتحضرة المعتمدة على اقتصاد الزراعة البسيطة التي لا تحتاج لسواعد الرجال، وفي مرحلة التخلف حيث لم تكن المجتمعات تعرف الدور الفسيولوجي للرجل في عملية الإنجاب.
وفي الأسرة الأمومية تكون الأم هي محور القرابة، يلتحق بها الولد ويعيش معها وتنقطع صلته بأبيه ولا ترتبط به أية رابطة من روابط القرابة أو أي عواطف أو مشاعر، وفي القبائل الطوطمية كان الابن يتبع طوطم أمه لا طوطم أبيه.
ج. مرحلة الأسرة الأبوية Patriarchy
ويعد النظام الأبوي أساس قيام الأسرة، وفيه تعتمد القرابة على الأب وحده وتقوم الرابطة بين أفراد الأسرة الواحدة على صلة الدم من جهة الذكور ويخضع أفراد الأسرة لسلطة الأب أو الجد المشترك، فالأب هو السيد المطلق على أفراد أسرته والأمر الناهي فيها، وكل ذلك على حساب تراجع مكانة المرأة، وفي النظام الأبوي يلتحق الابن بأبيه وبأسرة أبيه، وفي القبائل الطوطمية ينتمي الابن لطوطم أبيه (كان القضاء على حق الأمومة الهزيمة التاريخية العظيمة لجنس الإناث، لأن الرجل تسلم دفة الأمور حتى في البيت، وأصبحت المرأة منحطة المكانة، مستهانة، عبدة لشهوة الرجل، مجرد أداة لإنتاج الأولاد)
مرت الأسرة الأبوية بدورها بعدة مراحل، فبداية كانت الأسرة تتداخل مع العشيرة بل كانت هي العشيرة نفسها ثم تحولت إلى الأسرة الممتدة ثم إلى الأسرة الزواجية أو النووية، وحتى اليوم تتعايش هذه الأنماط من الأسر وخصوصا في المجتمعات التقليدية.
ثانيا: تعريف الزواج وأشكاله التاريخية:
1. تعريف الزواج:
الزواج نظام للعلاقات البشرية يشبع الرغبات الجنسية البيولوجية ولكنه يرتب حقوقا وواجبات على طرفي العلاقة ومن حيث اللغة فالزواج اسم من زوج مثل سلم سلاما، يقال: زوج الأشياء تزويجا وزواجا أي قرن بعضها ببعض، وفي الاصطلاح الشرعي فإن الزواج يعني عقد الرجل على امرأة تحل له شرعا، بحيث يفيد حل استمتاع المرأة بالرجل، وملك استمتاع الرجل بالمرأة على الوجه المشروع.
وقد عرفت كل الشعوب القديمة الزواج ولكن كان يختلف من مجتمع إلى آخر كما اهتمت الديانات السماوية الثلاثة بالزواج وقامت بتنظيمه ووضع ضوابط له، وقد جاء في القرآن الكريم كثير من الآيات التي تؤكد على الزواج (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها، وجعل بينكم مودة ورحمة، إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون) . أيضا حث الرسول على الزواج حيث خاطب الشباب قائلا (يا معشر الشباب من استطاع منكم البائة فليتزوج).
2. أشكال الزواج:
عرفت البشرية أشكالا متعددة من الزواج قبل أن تستقر على شكل الزواج الحالي، ويشكل عام كانت كل أنواع الزواج تنتمي إلى إحدى الفئتين التاليتين: الزواج الخارجي أو الاغترابي Exogamy بمعنى أن الرجل كان مجبرا على الزواج من خارج عشيرته، وغالبا ما كانت القبائل تتبادل الزوجات كما تتبادل السلع، والزواج الداخلي أو الأضواء Endogamy حيث كان الرجل مجبرا على الزواج من داخل عشيرته.
وإن كانت غالبية المجتمعات تمارس اليوم الزواج الخارجي فما زالت بعض الجماعات تمارس الزواج الداخلي كالطائفة السومرية في فلسطين وجماعات الغجر وبعض العائلات المحافظة.
3. أنواع الزواج القديمة:
- زواج المشاركة
- زواج السبي
- زواج الشغار
- زواج الشراء
- زواج المؤاجرة أو الخدمة
- زواج الوراثة أو الزواج التعويضي.
- زواج الاستبضاع
- زواج التخيلي أو زواج الشبح
- الزواج المؤقت أو زواج المتعة.
- زواج البغاء الديني أو المقدس.
- زواج المضامدة
- زواج المخادنة.

المطلب الثاني: مؤشرات إحصائية عن الأسرة والزواج في فلسطين:
أولا: الخصائص والسمات:
تتشارك العائلة الفلسطينية مع العائلة العربية في كثير من الخصائص المشتركة المستمدة من وحدة الثقافة والانتماء والتاريخ، فالأسرة (العائلة) العربية توصف بشيء من المبالغة بأنها ممتدة Extended وأبوية Patriarchal ونظام الزواج فيها هو بين الأقارب أي زواج داخلي Endogamy، إلا أن حليم بركات يرى بأن الأسرة العربية هي اجتماعية إنتاجية تشكل نواة ومركزا للنشاطات الاقتصادية والإنتاجية وتقوم على التعاون والالتزام والمودة المتبادلة، وهي أبوية بمعنى تمركز السلطة بيد رب الأسرة والنسب يكون للأب، وهي هرمية وممتدة
وجود قواسم مشتركة ما بين الأسرة العربية والفلسطينية، لا يمنع من رصد خصائص تميز الأسرة الفلسطينية، وهي خصائص نابعة من الظروف السياسية التي مر بها المجتمع الفلسطيني وما يزال.
انعكست التطورات السياسية بشكل كبير على الأسرة، فالاحتلال والهجرة والغربة ثم الانتفاضة، كلها أمور ألقت بثقلها على الأسرة سواء من حيث الدور والوظيفة أو من حيث التماسك والترابط، فالاحتلال أثر على الوضع الاقتصادي للأسرة حيث فقدت الأسر الأرض التي كانت رمز السلطة الأبوية والمجال الذي يجمع أفراد العائلة لأنه كما قلنا فالأسرة الفلسطينية أسرة ممتدة، بالإضافة إلى الدور السلبي للاحتلال على القيم والعادات، أما الهجرة فقد شتت الأسرة وأضعفت من العلاقات العائلة، كما أن اقتلاع الأسرة من أرضها وزرعها قهرا داخل مجتمعات أخرى جعلت الأسرة تعيش ضمن محيط اجتماعي معيق لتفاعلها وقيامها بدورها الطبيعي. والغربة تجعل أفراد الأسرة يعيشون حالة من الاغتراب ويربك قيامها بدورها الطبيعي.
في خضم الأحداث والمتغيرات السياسية شهد المجتمع الفلسطيني ما تعتبره نكسة أو ردة اجتماعية وهي إحياء دور العائلات الكبيرة على حساب دور المؤسسات والقانون، وكما أشرنا في مبحث سابق فإن غياب الدولة والسلطة السياسية عن المجتمع الفلسطيني دفع الفلسطينيين لتقوية دور الأسرة والقبيلة لملئ الفراغ الناتج عن غياب الدولة، فالأحزاب الفلسطينية التي تشكلت بداية عشرينيات القرن الماضي قامت على أساس عائلي، واليوم نتيجة ضعف السلطة تجري عملية إحياء للعلاقات العائلية والقبيلة وأحيانا بعدم من السلطة، وتقوم الأسرة الفلسطينية اليوم بكثير من المهام التي من المفترض أن تقوم بها الدولة وخصوصا في الجانب الحمائي والاقتصادي.
خلال السنوات الأخيرة وما صاحبها من ضعف في السلطة وانفلات أمني تعزز التحالف أو التقاء المصالح ما بين بعض العائلات النافذة والكبيرة من جهة وبعض القوى السياسية والحالات العسكرية من جهة أخرى بحيث باتت بعض العائلات وخصوصا في قطاع غزة لا تخضع لقانون ولا تلتزم بما هو مشترك بين الناس، بل وصل الأمر ببعضها لأن تشكل ميليشيات ومعسكرات تدريب خاصة بها، وتقوم بقطع الطرق واعتقال الناس في سجون خاصة بها، ووجدت هذا العائلات حماية لها من أجهزة ورموز في الحكم حيث تتم عملية تبادل مصالح لا تؤسس غالبا على المصلحة الوطنية، وهو الأمر الذي أثار استياء كبيرا بين الناس الذي وقعوا بين مطرقة الاحتلال وسندان ابتزاز العائلات.
وكأن المجتمع والسلطة أٌقرا بواقع الوظيفة الجديدة للعائلات، فأصبحت بعض المناسب والمهام لا تسند للأفراد على اعتبار الكفاءة والتخصص بل لأنهم من أبناء العائلات الكبيرة، لأن هؤلاء يمكنهم تسيير الأمور بقوة عائلاتهم في ظل غياب قوة القانون. وفي هذا السياق يجب الإشارة إلى أن العائلية الجديدة –تعزيز مكانة العائلات الكبيرة وتميزها عن غيرها- لا تقوم غالبا على نفس القيم والعادات التي كانت تحكم العائلات الكبيرة تاريخيا، فبعض العائلات التاريخية فقدت القيم النبيلة التي كانت عليها سابقا، وعائلات أخرى مستحدثة نعمة، استمدت نفوذها وقوتها ليس من عراقة أو أدوار اجتماعية يعترف بها المجتمع ويحترمها، بل من انتهاز واستغلال ظروف سياسية مكنتها من امتلاك المال والسلاح، وبالتالي فرض حضورها في المجتمع.
وبالرغم من ذلك فالأسرة الفلسطينية داخل الوطن تتسم بسمات قريبة من سمات الأسرة العربية مثلا:
1. استمرار نمط الأسرة الممتدة، وهي التي تتكون من ثلاثة أجيال، أي الزوج والزوجة والأبناء وأبناء الأبناء وأحيانا عدد من الأقارب، وهي ممتدة في نسب الأب وليس الأم، وقد يصل عدد أفراد الأسرة الممتدة للعشرات أو المئات، مع أنه وفي السنوات الأخيرة بدأ المجتمع الفلسطيني يشهد تزايد حضور الأسرة النووية وخصوصا عند الشرائح المثقفة وعند فلسطينيي الغربة.
2. إنها أسرة محافظة تتمسك بالعادات والتقاليد، كإحياء المناسبات الدينية، القتل دفاعا عن الشرف، الزواج الداخلي، تعدد الزوجات، وقوة سلطة رب الأسرة.
3. كثرة عدد أفراد الأسرة والتباهي ومكانة في المجتمع، وهو اعتقاد يجد مصداقية في الأسرة كلما كانت ذات هيبة ومكانة في المجتمع، وهو اعتقاد يجد مصداقية في ظل ضعف السلطة السياسية، حيث تصبح الأسرة هي حامية حمى أفرادها والمدافعة عن مصالحها.
4. تفضيل الذكور على الإناث، بالغرم من أن هذه النزعة بدأت تخفت عند الأسر المثقفة والراقية اجتماعيا، إلا أن الأسرة التقليدية وخصوصا في الريف تفضل أن يكون المولود ذكرا لا أنثى، لكون الذكر يحمل اسم الأسرة ويعيلها عند الكبر ويشكل مصدر قوة وحماية لها عكس الإناث اللواتي ينظر لهن كعبء على الأسرة، وتهديد محتمل للشرف.
ثانيا: الزواج الشرعي هو السائد في فلسطين:
نظرا للطابع الديني والمحافظ للمجتمع فإن الزواج يتم في سن مبكرة غالبا، ونوع الزواج هو الزواج الشرعي أي عن طريق عقد وشهود ومهر، ولا يعرف المجتمع الفلسطيني أشكال الزواج الأخرى كزواج المتعة أو الزواج المسيار إلا كحالات نادرة، وبالتالي يستدل على عدد حالات الزواج أو الطلاق من خلال العقود التي توثق رسميا، وتظهر البيانات التي توصل إليها باحثون في مركز المعلومات الوطني الفلسطيني إلى تزايد مستمر في عقود الزواج المسجلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث بلغت 24874 عقدا العام 1999 مقابل 24400 العام 1998 و23492 عقدا العام 1997، كما بلغت 20736 عقدا العام 1996، وبلغت عقود الزواج المسجلة في الضفة الغربية 16099 عقدا العام 1999، وبانخفاض مقداره 186 عقدا عن العام 1998 وبارتفاع مقداره 216 عقدا عن العام 1997 عقدا العام 1999 بزيادة مقدراها 660 عقدا عن العام 1998، وبزيادة مقدارها 1166 عقدا عن العام 1667.
وسجلت أعلى معدلات الزواج الخام في المجتمع الريفي حيث تميزت سلفيت وطوباس بأعلى المعدلات فيما كانت سجلت أدنى معدلات في محافظة بيت لحم وذلك خلال العام 1999، وفي قطاع غزة سجلت محافظة خانيونس أعلى المعدلات ومحافظة من عقود الزواج في الضفة الغربية للأعوام (1996- 1999) حيث بلغت عقود الزواج 3445 عقد العام 1999، بينما سجلت محافظة أريحا أقل عدد من عقود الزواج للأعوام (1996- 1999) حيث بلغ عدد العقود المسجلة 241 عقدا العام 1999.
أما في قطاع غزة، فقد سجلت محافظة غزة أعلى عدد من عقود الزواج للأعوام (1996- 1999) حيث بلغت بلغ عدد العقود المسجلة 3055 عقدا العام 1999، في حين سجلت محافظة رفح أٌل عدد من العقود للأعوام (1996- 1999) فبلغت 1069 عقدا العام 1999، مع العلم أن محافظتي وغزة هما أكبر المحافظات من حيث عدد السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة على التوالي وأن محافظتي أريحا ورفح هما أقل المحافظات من حيث عدد السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة على التوالي.
ثالثا: استمرار انتشار ظاهرة الزواج المبكر خلال الأعوام الأربعة الماضية:
وحيث أن المجتمع الفلسطيني وخصوصا في الضفة وغزة ما زال مجتمعا محافظا فقد استمرت ظاهرة الزواج المبكر بالانتشار فبلغ العرم الوسيط عند قعد القران لأول مرة العام 1999 وللذكور 24.1 عاما، وللإناث 18.8 عاما، أما خارج فلسطين فقد تأثر الفلسطينيون بظروف البلدان التي يعيشون فيها حيث تتراجع ظاهرة الزواج المبكر بسبب الظروف الاقتصادية وبسبب الثقافة السائدة، وهنا نلاحظ أن الأسر التي تكون على صلة بجذورها داخل الوطن ويسمح لهم بدخول الوطن يفضلون تزويج أبناءهم مبكرا، أما من انقطعت أواصرهم مع الداخل فيزوجون أبناءهم على كبر.
ففي الضفة وغزة بلغت نسبة الذين عقدوا قرانهم العام 1999 ولم يبلغوا بعد سن العشرين من العم 58.5% من مجمل الإناث اللواتي عقدن قرانهم العام 1999، مقابل 9.5% من مجمل الذكور الذين عقدوا قرانهم في العام نفسه ولا توجد فروق كبيرة في هذه النسبة بين الأعوام (1996- 1999) وتبدو هذه الظاهرة أكثر بروزا في قطاع غزة منها في الضفة الغربية، حيث بلغت نسبة اللواتي عقدن قرانهن قبل بلوغهن العشرين من العمر العام 1999 في قطاع غزة 60.9% مقابل في الضفة الغربية 67.9%.
وأظهرت البيانات أن عمر الزواج الأكثر تكرارا (العمر المنوال) في محافظات الضفة الغربية هو 18 سنة للإناث، باستثناء محافظة جنين ومنطقة سلفيت، حيث بلغ هذا العمر فيهما 15 سنة فقط العام 1999، وكان العمر الأكثر تكرارا في لقطاع غزة هو 17 سنة، وتراوح بين 16 سنة في محافظتي غزة وشمال غزة، و18 سنة في محافظة رفح. وبلغ هذا العمر للذكور في الضفة الغربية وقطاع غزة 22 سنة العام 1999 (24 سنة في الضفة الغربية و22 سنة في قطاع غزة).
وغالبا ما يلجأ الزوج إلى الزواج من زوجة تصغره سنا، فقد بلغت نسبة اللذين عقدوا قرانهم خلال العام 1999 في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكان الزوج أكبر من الزوجة بعشر سنوات فأكثر، 15.8% من مجمل عقود الزواج التي سجلت في المحاكم الشرعية العام 1999.

رابعا: ظاهرة تعدد الزوجات:
أسوة بالمجتمعات العربية والإسلامية تنتشر ظاهرة تعدد الزوجات في المجتمع الفلسطيني حيث بلغت نسبة الذكور عمرهم دون 30 سنة الذين لديهم زوجة على الأقل في العصمة وقعدوا قرانهم خلال العام 1999، هم ممن يقل تحصيلهم العلمي عن الثانوية فنسبتهم 60% من مجمل الذين لديهم زوجة في العصمة وعقدوا قرانهم العام 1999، بينما النسبة 23% لمن تحصيلهم العلمي ثانوي، و6% للدبلوم المتوسط، و11% لمن لديهم مؤهل جامعي فأكثر.
وأخيرا أشار مسح للأسرة الفلسطينية أجراه الإحصاء الفلسطيني عام 2010 إلى :-
1- انخفاض على معدلات الخصوبة
بلغت معدلات الخصوبة في الأراضي الفلسطينية في عام 2010، 4.2 مولود لكل امرأة؛ 3.8 مولود لكل امرأة في الضفة الغربية و4.9 مولود لكل امرأة في قطاع غزة. وقد انخفضت هذه المعدلات بمقدار 28.8% خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث كانت 5.9 في العام 2000.
2- انخفاض في معدلات الوفيات
بلغت معدلات وفيات الرضع 20.6 لكل ألف ولادة حية في الأراضي الفلسطينية، 2010؛ 18.8 في الضفة الغربية مقابل 23.0 في قطاع غزة.

المطلب الثالث: المرأة الفلسطينية:
أولا: حقوق المرأة بين السياسة والدين:
أسوة بالمرأة في العالم العربي فالمرأة الفلسطينية تخوض نضالا اجتماعيا وحقوقيا لانتزاع حقوق تعتقد أن المجتمع ذو النزعة الذكورية يحرمها منها، وهي في العالم بالإضافة إلى الدين، من أجل الوصول لهدفها والذي تصيغه بعنوان عريض وهو المساواة مع الرجل في الحقوق والواجبات، إلا أن يلفت الانتباه في هذا السياق ملاحظتان:
الأولى: هي أن أكثر المشتغلين والمهتمين بحقوق المرأة والدافعين باتجاه إثارته هم من الرجال، سواء من يكتب في الصحافة أو من يتكلم في المحاضرات والندوات أو من يجادل داخل قبة البرلمان، وسواء منهم من كان يدافع عن إعادة النظر في وضعية المرأة أو من يدافع عن إبقاء دار لقمان على حالها، بمعنى أن الطرف المعني بالموضوع أساسا، (صاحب الحق المهضوم) –المرأة- شبه غائبة، إما غير مهتمة بالأمر أو عاجزة عن التعبير عن قضيتها والدفاع عنها. الأمر الذي يدفع للتساؤل حول الأهداف الحقيقية وراء إثارة الرجال للموضوع، وهل حقوق المرأة ومساواتها بالرجل هما الهدف الرئيس والحقيقي للرجل في إثارتهم للموضوع؟ أم لهم أهداف أخرى وما المرأة إلا أداة لتحقيق هذه الأهداف؟ وهل يعقل أن يتصدى الجلاد –الرجال في نظر المرأة هو المسئول عن تردي وضعيتها- لقيادة حملة للدفاع عن ضحيته؟ وهل عقلية الرجل العربي عموما والفلسطيني خصوصا تحولت بالقدر الذي يسمح لها قبول المرأة كند وطرف مساو؟.
والثانية: هو عدم الوضوح والحذر في التعامل مع الموضوع، وذلك لما للموضوع من علاقة بالشأن الديني، بحيث يحرج المتجادلون –خصوصا دعاة المساواة- من طرق لب القضية وهو موقف الدين الإسلامي من المرأة، هل تتساوى مع الرجل أم لا؟ وهل القوانين الوضعية حول مساواة المرأة بالرجل تتفق مع الإسلام أم لا؟
لا بد من الإشارة أيضا أن القياس على وضعية المرأة في الغرب لا يصلح بصورة مطلقة كأساس للتعامل والنظر في الموضوع إلا إذا امتلك دعاة التسوية الجرأة وقالوا بصراحة إن كل ما يتعلق بعلاقة المرأة بالرجل وبمحيطها الاجتماعي هو أمر وضعي تنظمه إرادة الأمة ولا علاقة للدين في الموضوع بشكل مباشر، أو بشكل أوضح إذا حيدوا الدين عن قضايا تنظيم وإدارة المجتمع في السياسة والاجتماع والاقتصاد. وهو الأمر الذي لا يبدو أن المعنيين بالموضوع مستعدين لتحمل تبعاته والسير في الموضوع حتى نهايته كما جرى في الغرب المسيحي، ونقصد بذلك الأخذ بالعلمانية بوضوح ودون مورابة.
وعليه فإن وضع المرأة في المجتمعات الإسلامية وفي مجتمعنا الفلسطيني خصوصية مما يجعل إثارته يتعدى المعالجة العادية لحقوق المواطن ويتعدى المفاهيم الوضعية حول الحرية والمساواة والتي تأخذ بها وتتعامل معها المجتمعات الأخرى، إن الموضوع مرتبط بقضية أشمل وهي العلاقة ما بين الديني والدنيوي في المجتمعات الإسلامية، العلاقة ما بين النص المقدس والواقع، ما بين النص المقدس والتأويل والاجتهاد، ومن يحق له التأويل والاجتهاد؟ إن موضوع المرأة كان –وما زال بشكل ما- يعد من المحرمات أو من الأمور المحرجة، فالمرأة في الثقافة السائدة في المجتمع وبالممارسة لا تتساوى الرجل، وبالتالي ليس من المستساغ حسب هذه الثقافة أن يكون لها من الحقوق ما للرجل، وهذه الثقافة تؤسس على الدين، وغالبا ما يحال الأمر إلى الفهم السائد عن تصور الإسلام لمكانة المرأة في المجتمع. وضعية المرأة عرف وقيمة اجتماعية نلمسه في المجتمعات الشرقية حتى عند غير المسلمين، وأن يأت من يطالب بمساواة المرأة بالرجل أو بإعادة النظر بمدونة الأحوال الشخصية التي تنظم هذه العلاقة، فإنما هو في نظر المناوئين يمس مبادئ الدين الإسلامي أو يقال بأنه يجتهد في أمر ليس من اختصاصه.
ولكن في مقابل ذلك هل أن المعارضين من إسلاميين ومحافظين قابلون على وضعية المرأة المسلمة؟ وهل دوافعهم دينية خالصة أم هي سياسية توظف الموضوع وما يثيره من حساسية دينية، كسلاح يشهرونه في وجه خصومهم السياسيين وذلك في إطار الصراع على السلطة وحولها ولكسب تأييد جمهور ذو عقلية ذكورية ودينية؟ ومن جهة أخرى هل أن الموضوعات التي يثيرها دعاة إعادة النظر في وضعية المرأة، سواء ما تعلق بمدونة الأحوال الشخصية والطلاق والولاية وسفر المرأة وحق الانتخاب وجرائم الشرف الخ، هل هي أمور تتعارض مع النص المقدس؟ أم هي تتعلق بإعادة النظر في أحكام اجتهادية وفقهية؟ وفي هذه الحالة يجوز للأمة التي اجتهدت في ظروف زمانية ومكانية مغايرة للحاضر أن تجتهد مرة أخرى بما فيه خدمة الأمة وبما لا يتناقص مع روح الإسلام الذي هو صالح لكل زمان ومكان؟
ومن هنا فليس غريبا أن كل الأصوات المرتفعة المطالبة بحقوق المرأة ومساواتها بالرجل تأت من طرف العلمانيين أو دعاة الحداثة أو اليساريين أو دعاة الانفتاح أو الديمقراطيين وكل من يلف لفهم، وأن المتحفظين هم من الجماعات الإسلامية وخصوصا الإسلام السياسي.
لن نناقش هنا الجانب الديني من الموضوع، بل نتساءل حول أمور دنيوية –مع إقرارانا بتداخل الديني بالدنيوي في مجتمعاتنا بشكل قوي وخصوصا في الموضوع محل النقاش- حول أمور عملية وعقلانية، ونتساءل ماذا تريد المرأة بالضبط؟ هل تريد أن تتساوى مع الرجل؟ وأي مساواة تريدها؟ وما هي الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها المواطن الفلسطيني الذكر والتي تغري المرأة للنضال للمساواة معه؟ أم تريد حقوقها، حقوقها الإنسانية وعلى رأسها الكرامة والاحترام؟ ونعتقد أن ما ينقص المرأة في مجتمعنا هو الكرامة والاحترام وليس المساواة بالرجل، وحصولها على كرامتها واحترامها لا يتأتى بمدونات قانونية ولا بمهرجانات خطابية بل بتغيير العقليات ونمط الثقافة السائدة نظرة الرجل إلى المرأة ونظرة المرأة إلى نفسها.
بالخلق الإلهي والطبيعة، وبواقع عاشته البشرية لمئات آلاف السنين إن لم يكن ملايين السنيين، لا ولم تتساوى المرأة مع الرجل إلا في بعض المجالات، وبالعقل والمنطق لا يمكن للمرأة أن تتساوى مع الرجل في كل شيء لو كانت مساواة المرأة بالرجل أمرا معقولا ومنطقيا لما خلق الله المرأة مختلفة عن الرجل، حيث منحها الرقة والنعومة ورهافة الشعور ومنح الرجل الخشونة والقوة، لو كانت المساواة ممكنة ومعقولة لما كانت المرأة تطالب اليوم بحقوقها المهضومة وتطالب بالمساواة بالرجل بعد مئات آلاف السنين من العلاقة بين الطرفين، وحتى في الغرب المتقدم عن مجتمعاتنا في رفع شعارات حقوق المرأة ومساواتها مع الرجل ما زالت المرأة أبعد ما يكون عن المساواة بالرجل واقعيا. نعم هناك مساواة منصوص عليها في القوانين والدساتير ولكن كل راصد لوقع المرأة في المجتمعات الغربية يجد كثيرا من المجتمعات مغيبة عنها المرأة، ليس لأن هناك من يمنعها منها –القوانين لا تميز بين الرجل والمرأة- بل لأن الطبيعة لم تخلقها بالشكل الذي يجعلها قادرة على منافسة الرجل في هذه المجالات. ومن جهة أخرى نعتقد أن انتزاع المرأة لحقوق تتساوى فيها مع الرجل لا يعود إلى إيمان المجتمعات الغربية بمبدأ المساواة بل لأن المجتمع وبعد أن وظف كل الرجل وكل الأطفال والعبيد في ثورته الصناعية أحتاج إلى مزيد من اليد العاملة، فتوجه نحو المرأة، وحيث أنه لا يمكنه أن يشغل المرأة دون حقوق، فظهرت حقوق المرأة، بمعنى أن فرض المرأة لوجودها كعاملة ومنتجة كان سابقا على حصولها على حقوقها القانونية والسياسية، وليس غريبا أن تكون المطالبة بحقوق المرأة مترافقة مع الحديث عن حقوق الطفل، وحتى اليوم يترافق الحديث عن حقوق المرأة بالحديث عن حقوق الطفل.
لقد خلق الله وكرست الطبيعة مبدأ التخصص والتمايز، فإذا كانت المرأة غير قادرة على المساواة مع الرجل في بعض المجالات، فكذا الرجل لا يمكنه أن يتساوى مع المرأة في بعض المجالات، وعندما يطلب البعض بمساواة المرأة بالرجل، لماذا لا تتم المطالبة بمساواة الرجل مع المرأة ببعض الأمور الخاصة بالمرأة كالحمل والولادة والرضاعة والأنوثة والأمومة.... أن تطالب المرأة بالمساواة بالرجل معناه أن تفقد أهم سلاح منحها إياه الطبيعة وهو الأنوثة والأمومة، ويبدو أن العاقلات من النساء يفضلن عدم المشاركة في هذا المهرجان الرجالي الذي يؤكد من خلاله الرجل أنهم قوامون على النساء، لأنهم هم الذين يثيرون الموضوع وهم الذين يتجادلون فيه وهم الذين يمنحون حقوقا للمرأة وهم الذين يحددون نوع وحجم هذه الحقوق....
ومع ذلك لا نستبعد عنصر حسن النية عند المطالبين بإصلاح وضعية المرأة في مجتمعنا، ذلك أن وضعيتها في بعض المجالات أمر مشين يتناقض مع إنسانية الإنسان وكرامته، ولا يمكن القول إن هذه الوضعية للمرأة تتناسب مع ما يقول به الإسلام أو إنها تتماشى مع الشرع، بل هي تسيء إلى الإسلام والمسلمين، ولا نعتقد أن تحسين وضعية المرأة المسلمة ومنحها ما يحفظ لها كرامتها واحترامها وإدماجها بالمجتمع وما يحول دون أن تتحول إلى عبدة عند الرجل أو متاح يفعل به ما يريد، لا نعتقد أن ذلك مما يتناقض مع الإسلام، إن خطورة الموضوع تكمن في نقطتين، الأولى: أن يتحول الموضوع إلى ورقة سياسية وصراع بين الرجل ليس بما يخدم المرأة بل بما يصب في النهاية في مصلحة الرجل.
ثانيا: المرأة والمشاركة السياسية في فلسطين:
بالرغم من أن الحديث عن ضعف المشاركة السياسية للمرأة أمر لا يقتصر على الحالة الفلسطينية حيث هي ظاهرة عامة في دول العالم الثالث –بنسب متفاوتة بطبيعة الحال-، بل هي ملموسة في الدول العريقة بالديمقراطية، إلا أن الحالة الفلسطينية تجسد وضعية خاصة للمشاركة السياسية للمرأة ليس فقط من حيث نوع المشاركة، ذلك أن المشاركة هي مشاركة بالشأن السياسي من خلال مقولات علم السياسة بهذا الشأن أو من خلال مقارنتها بدول أخرى، بل من خلال الخصوصية السياسية للحالة الفلسطينية.
لا غرو أن المشاركة السياسية من ناحية نظرية هي الجسر الرابط بين الفرد كعضو في جماعة والفرد كمواطن سياسي، وأن يشارك المواطن يعني أن له نصيب في عملية صنع القرار السياسي، والقرار السياسي هنا يختلف من بلد إلى بلد حسب طبيعة النظام السياسي والثقافة السياسية في البلد، وإن كانت المشاركة السياسية تحيل دائما للدولة والممارسة الديمقراطية، إلا أن المقاربات الحديثة للمشاركة لا تقصرها على الدولة وعلى الممارسة الديمقراطية، فالدول الديمقراطية العريقة أو المشهود لها بالممارسة الديمقراطية كاليابان والولايات المتحدة تعرف تدنيا كبيرا في نسبة المشاركة والتصويت في الانتخابات، سواء كانت تشريعية أو رئاسية، ومن هنا فإن الحكم على وجود ديمقراطية من عدمه لا يقتصر فقط على نسبة المشاركة السياسية بل على مؤشرات ودلالات أخرى، كنزاهة الانتخابات ونزاهة القضاء وحكم القانون والمؤسسات والفصل بين السلطات وقوة وفعالية المجتمع المدني وتفعيل مبدأ التداول على السلطة، وقبل كل ذلك انتشار ثقافة الديمقراطية.
إذن المشاركة السياسية قد تكون مؤشرا على وجود الديمقراطية وهناك تلازم بين الطرفين ولا شك، ولكن العلاقة بينهم ليست طردية بالضرورة، وهذا ما يستشف من بعض تعريفات المشاركة السياسية: مثلا تعريف صموئيل هنتنجتون Samuel, Huntigton ونيلسون Nelson اللذان عرفاها بأنها: النشاط الذي يقوم به مواطنون معينون بقصد التأثير على عملية صنع القرار الحكومي "ويعرفها ماك لكوسكيClosky M.C بأنها: تشير إلى الأنشطة الإرادية التي عن طريقها يساهم أعضاء المجتمع في اختيار الحكام وفي تكوين السياسية العمومية بشكل مباشر أو غير مباشر وهناك تعريف أكثر مرونة وهو الذي جاء به وينير Weiner: (كل عمل إرادي ناجح أو فاشل، منظم أو غير منظم، مرحلي أو مستمر يفترض اللجوء إلى وسائل شرعية أو غير شرعية، بهدف التأثير على اختيارات سياسية أو إدارة الشئون العامة أو اختيارات الحكام وعلى كل المستويات الحكومية، محلية أو وطنية.
نعتقد أن هذا التعريف الأخير أنسب التعريفات وأكثرها شمولا، وقد يساعد على تفهم طبيعة وخصوصية المشاركة السياسية في فلسطين وخصوصا مشاركة المرأة. فإن نعيش مرحلة رمادية سياسية، لا هي مرحلة دولية مستقلة –بكل استحقاقات الممارسة السياسية اللازمة للدولة من مشاركة سياسية وانتخابات وتداول على السلطة وفصل سلطات والأهم من ذلك وجود سياسية ذات سيادة –ولا هي مرحلة تحرر وطني- بكل استحقاقات مرحلة التحرر الوطني من ثقافة ثورية –هي دوما في علاقة غير ودية مع الديمقراطية-، ومن مركزية حزبية وسياسية ومن لجوء للعمل العسكري الذي يعتبر الشكل الأرقى للمشاركة السياسية عند حركات التحرر –هذه المرحلة السياسية التي تعيشها فلسطين تجعل من الصعب الحكم على المشاركة السياسية بشكل عام ومشاركة المرأة على وجه الخصوص من خلال مؤشرات المشاركة السياسية المنصوص عليها في كتب علم السياسة أو ما هو سائد في الدول الأخرى، كنسبة التسجيل في سجلات الناخبين أو التصويت في الانتخابات أو نسبة وجود المرأة في المجلس التشريعي أو مؤسسات السلطة الخ.. وسيكون من الإنصاف الحكم على مشاركة المرأة من خلال المشاركة في النضال الوطني بشكل عام سواء كان رسميا أو غير رسمي، وسواء كان مؤسساتيا أو غير مؤسساتي.
النقطة الثانية التي أود الإشارة إليها هي ارتباط موضوع المشاركة السياسية بموضوعي التنشئة السياسية والثقافة السياسية. فالتنشئة السياسية هي عملية تهيئة وإعداد المواطن حتى يصبح مؤهلا ليشارك في الحياة السياسية في المجتمع، وعليه فإن طبيعة التنشئة السياسية التي يتلقاها المواطن وطبيعة الثقافة السياسية التي تنهل منها هذه التنشئة يلعبان دورا كبيرا في فهم المواطن لحقوقه السياسية وعلى رأسها حقه في المشاركة في اتخاذ القرار السياسي –سلبا أو إيجابا- فالتنشئة السياسية تخلق المواطن السياسي نظريا والمشاركة تؤكد وجوده عمليا.
وفي حالتنا الفلسطينية هناك تناقض ما بين التنشئة السياسية السائدة في المجتمع وعند الفصائل الفلسطينية من جهة وثقافة المشاركة السياسية, وهذا أمر لا يقتصر على المشاركة في صنع القرار السياسي بل هو ظاهرة سسيولوجية عامة، حيث ثقافة المجتمع هي ثقافة أبوية ذكورية ورعوية، بدءا من الأسرة مرورا بالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، ومن هنا يمكن الجزم بأن تدني نسبة المشاركة السياسية للمرأة لا يعود لتهميش متعمد من الدولة أو من الرجال، بل تشارك المرأة في تهميش نفسها بسبب تقبلها وسكوتها إن لم يكن رضاها على ثقافة المجتمع الأبوي والذكوري. ويمكن أن نضيف بأن ثقافة المقاومة وخصوصا عندما تأخذ المقاومة طابعا جهاديا دينيا، لا تفسح مجالات للمشاركة السياسية للمرأة إلا في أدنى الحدود، وأفضل مشاركة للمرأة في هذه الثقافة هي إنجاب المناضلين والشهداء.
عادت الحيوية للنشاط النسوي ولدور المرأة مع انتفاضة 1987 حيث تشير الإحصاءات إلى أن 7% من الشهداء الذين سقطوا خلال الفترة من 87- 97، كانوا من النساء، فيما شكلت النساء 9% فقط من الجرحى المبلغ عنهم خلال الفترة نفسها، وفي عام 1996 زاد عدد الأسيرات الفلسطينيات اللواتي بقين رهن الاعتقال في سجون الاحتلال الإسرائيلي عن أربعين امرأة، ومع انتفاضة الأٌقصى سبتمبر 2000 تعاظم دور المرأة في الحياة السياسية في بدايات الانتفاضة، ولكن مع عسكرة الانتفاضة تراجع دور المرأة لصالح دور الرجال ومع ذلك فقد انخرطت المرأة في العمل السياسي والمجتمعي حيث شهدت السنوات الأخيرة تعاظم عدد ودور الجمعيات والمؤسسات النسوية، بالإضافة إلى المشاركة في الانتخابات المحلية والتشريعية وخصوصا بعد إقرار نظام الكوتا.
مارست المرأة حقها في الانتخابات العامة ولأول مرة في العشرين من كانون الثاني عام 1996 حين جرت الانتخابات العامة، فلقد بلغت نسبة المرشحات في عام 1996 بواقع 4% من إجمالي المرشحين للمجلس السابق، أما في انتخابات يناير 2006 فقد كانت النساء يمثلن نسبة 3% من إجمالي المرشحين البالغ عددهم أربعمائة وأربعة عشر مرشحا (وهذا يعني حدوث تراجع حيث خلت ست دوائر من أي مرشحة، في هذا الإطار بسبب التنافس الحاد بين القوى الرئيسية التي أغلقت قوائمها على كل العدد المخصص للدائرة، لذلك فقد زهدت النساء الراغبات بالترشيح، وأحجمن عن حكمة في الترشيح، التزاما بقانون الانتخابات العامة، قامت جميع القوائم بترشيح النساء بقوائمها وفقا للترتيب الملزم قانونيا، وقد ترشحت (72) امرأة من خلال القوائم الإحدى عشر)
بالرغم من الظروف الاقتصادية الناتجة عن استمرار العدوان الإسرائيلي إلا أن المرأة واصلت عطاءها على كافة المستويات وواجهت الظروف الصعبة بمسؤولية وتمكنت من دخول سوق العمل الرسمي أو في مجال المنظمات الأهلية، وكذلك تكيفت مع عصر المعلومايتة، ومع ذلك يجب الإقرار بأن سنوات الانتفاضة أفرزت ظواهر سلبية كالفقر والبطالة وتزايد حالات الطلاق والمشاكل العائلية وانحلال في المنظومة القيمية وهي أمور تؤثر سلبا على المرأة والطفل أكثر من غيرهم.












الفصل السادس
المجتمع الفلسطيني المعاصر
-البنية الاجتماعية والثقافية -

حتى نستكمل المشهد الاجتماعي في فلسطيني ضمن واقعه الراهن لا بد من التطرق للنواحي الثقافية والتعليمية والاقتصادية ولموقع الدين في المجتمع الفلسطيني ،وإن كانت المعطيات المشار إليها في الفصل السابق – السكان والأسرة –يمكن مقاربتهم بدرجة من الموضوعية أو ضمن العلوم المتخصصة – الديموغرافيا والسسيولوجيا – فإن موضوعات هذا الفصل أكثر تأثرا بالمتغيرات السياسية ،فكل الأحداث الكبرى :النكبة ،النكسة ،الانتفاضتان،قيام السلطة الوطنية،الانقسام ،أثرت بشكل مباشر على منظومات التعليم والثقافة والاقتصاد والدين وأثرت بها في نفس الوقت .ولذا سنتطرق لهذه المنظومات وصفا وتحليلا ومن خلال مؤشرات إحصائية حديثة.
ومع ذلك يجب الحذر عند التعامل مع المؤشرات والإحصائيات الواردة لان الخبراء ومراكز الإحصاء الفلسطيني تطبق مؤشرات دولية وخصوصا فيما يتعلق بمؤشرات التنمية الشمولية وهذه المؤشرات لا تأخذ بعين الاعتبار واقع مجتمع خاضع للاحتلال مما يؤثر على كل نواحي التنمية الإنسانية.


المبحث الأول
الثقافة والتعليم

المطلب الأول: الحالة الثقافية:
أولا: في تعريف الثقافة CULTURE
المجتمع بشكل عام هو نسق في داخله تتفاعل وتتعاون عدة أنساق فرعية، أهمها نسق الشخصية والنسق الاقتصادي والنسق الديني والنسق السياسي ونسق الثقافة، وكلما كانت هذه الأنساق محكومة بالاعتمادية المتبادلة وتؤدي وظائفها على ما يرام كلما كان النسق متوازنا أي مجتمعا مستقرا . وعلى هذا الأساس تعتبر الثقافة مكونا رئيسا في أي مجتمع من المجتمعات، فعن طريقها يمكننا التمييز بين مجتمع وأخر، وعن طريقها أيضا يمكننا الحكم على مدى تقدم المجتمع تحضره، وفي هذا السياق يستحسن تعريف الثقافة والتمييز بينها وبين الحضارة.
تباينت وتعددت التعريفات التي أعطيت للثقافة، كما تداخل أحيانا مفهوم الثقافة مع مفهوم الحضارة، إلا أننا سنعتمد التعريف الذي قال به الانتربولوجي الإنجليزي تايلور TYLOR، والذي يعتمده الكثيرون اليوم، فعرف الثقافة بالقول: "الثقافة بمعناها الاثنوغرافي الواسع، هي ذاك الكل المركب الذي يشمل المعرفة والعقائد والفن والأخلاق والقانون والعرف وكل القدرات والعادات الأخرى التي يكتسبها الإنسان من حيث هو عضو في مجتمع" . وهذا التعريف لا يفصل بين الثقافة Culture والحضارة Civilization، حيث يذهب بعض العلماء إلى قصر مفهوم الثقافة على السمات المعنوية من عادات وقيم وأنماط تفكير وتعبير وأدوات التواصل المكتوبة أو الشفهية، أما الحضارة فهي بالإضافة إلى ما سبق تشمل مظاهر التقدم العمراني والمادي، فمثلا يمكن اليوم الحديث عن الثقافة العربية الإسلامية ولكن لا يمكن الحديث عن الحضارة العربية الإسلامية بل نحيلها إلى الماضي عندما كنا أصحاب حضارة قبل القرن الخامس عشر.
بعيدا عن هذا الجدل يمكن القول بأن الثقافة هي مجموع من العناصر لها علاقة بطرق التفكير والشعور والسلوك، يتشاطرها أفراد الجماعة وتكتسبها وتتعلمها وتشارك فيها، وتعطي للأشخاص شخصيتهم المتميزة، ويمكننا أن نستنتج من هذا التعريف عدة خصائص للثقافة، فهي أولا: طرق في التفكير والشعور والسلوك، وثانيا: هذه الطرق من التفكير والشعور والسلوك تعبر عنها النظم القانونية والشعائر والطقوس في التفكير والشعور والسلوك مشتركة بين مجموعة من الأشخاص يحددون بالانتماء إلى مجموعة واحدة من خلال اشتراكهم في هذه الطرق، مع إمكانية وجود جماعات فرعية داخل المجتمع لها ثقافاتها المتميزة- كالأكراد في العراق والبربر في المغرب والجزائر- رابعا: إن بعض مكونات الثقافة تنتقل بالوراثة ولكن غالبيتها تكتسب اكتسابا عن طريق التعليم والتلقين والمعايشة.
أما الثقافة السياسية فهي جزء من الثقافة بمفهومها العام، إنها طرق التفكير والشعور والسلوك السياسي الخاص بجماعة ما، وعليه يمكن القول إن خصائصها هي نفسها خصائص الثقافة- المشار إليها أعلاه- مطبقة على مستوى السياسة، فهي ثقافة فرعية تتأثر بالثقافة الأشمل، فهذه الأخيرة تؤثر بشكل كبير على ثقافة المجتمع السياسية، وتكتسب مقوماتها ويتحدد طابعها من خلال الثقافة العامة للمجتمع، فالشخص العادي أو رجل السياسة لا يمكنه أن يحمل قيما سياسية أو يمارس سلوكا سياسيا متناقضا مع ثقافة المجتمع وإلا سيعتبر شاذا عن المجتمع ومغتربا عنه إن لم يُتهم بأنه يمثل رأس حربة لغزو ثقافي ولأفكار دخيلة . هذا التصور لعلاقة الثقافة السياسية بالثقافة العامة للمجتمع تتماشى مع منهج علم الاجتماع السياسي الذي يحيل السياسة إلى موائلها الاجتماعية بما فيها نسق الثقافة، ويربط الظواهر الاجتماعية بظروفها السياسية، وهو الأمر الذي يظهر بوضوح عند دراسة المجتمع الفلسطيني.
وهنا لا بد من الإشارة إلى عدم دقة الفهم الشائع للثقافة بقصرها على الأجناس الأدبية أو التعبيرية كحمل شهادة جامعية أو مطالعة الصحف والاستماع للراديو، ومشاهدة التلفزيون، وزيادة المؤسسات الثقافية أو نسبة التمدرس، فهذه مجرد جزئية من الثقافة بمفهومها العام والعلمي، كما أن المثقف ليس هو فقط من يعرف القراءة والكتابة أو يحمل شهادة عليا، بل هو من يساهم في الحفاظ على الثقافة الوطنية وتطويرها إبداعيا، سواء كان هذا الإبداع بالكتابة أو الشعر أو الفن، أو بالصناعات والفنون الوطنية.
ترتبط الثقافة بالتنشئة الاجتماعية والثقافة السياسية بالتنشئة السياسية، فحيث أن الثقافة تكتسب اكتسابا في الجزء الأكبر منها، فإن نوع التنشئة الاجتماعية والسياسية تلعب دورا في رسم معالم الثقافة السائدة، وهنا نلاحظ أن ثقافة المجتمع تتحول وتتكيف مع الظروف السياسية والاجتماعية التي تعيشها البلاد، فأحيانا تكون ثقافة دينية وحينا ثقافة علمانية وحينا آخر ثقافة وطنية أو قومية أو اشتراكية وحيث أن كل ثقافة تسعى إلى أن تكون مقبولة من جميع أفراد المجتمع، أي خلق توافق واتفاق اجتماعي سياسي حولها، فإنها مطالبة بالاهتمام بالتنشئة السياسية التي تسمح للأفراد باستبطان واكتساب معاييرها وقيمها والقبول بلعب دور في مؤسساتها. ومن هنا يمكن فهم سعي الحكومات للتحكم بقنوات التنشئة من مؤسسات تعليمية ووسائل إعلام ومؤسسات دينية الخ.
قبل ظهور الفكر القومي والدولة القومية –حوالي القرن السادس عشر- كانت للثقافة سمات شمولية أو كونية مرتبطة بالديانات السائدة، فلليهودية ثقافتها وللمسيحية ثقافتها وكذا الأمر في الإسلام، كما حاولت المجتمعات بلورة ثقافة إنسانية مشتركة عبر المعاهدات والمنظمات والأعراف الدولية، كثقافة حقوق الإنسان، إلا أن الدراسات المتعمقة والمتخصصة حول الثقافة ارتبطت بالدولة القومية أو ما أصبح يعرف بالثقافة الوطنية، فقد عملت الدول على إضفاء طابع السيادة على الحقل الثقافي في إطار "ثقافة وطنية" لبناء ذاتيتها وتحقيق استقلالها ما دام أنه "ما من مجتمع له خصائص المجتمع التاريخية إلا وهو ينتج ثقافته الوطنية، أي ثقافته المرتبطة والمتأثرة بمجمل خصائصه التاريخية تلك" .
مفهوم الثقافة الوطنية كما يقول فيصل دراج: "مفهوم حديث يؤكد هوية ثقافية مهددة تواجه ثقافة أخرى مهددة لها" بمعنى أن وجود خطر خارجي، وخصوصا الاستعمار يلعب دورا حاسما في بلورة وظهور الثقافة الوطنية، وكما يقول فرانز فانون "لأن هذه الأخيرة، في ظل السيطرة الاستعمارية، تكون ثقافة مجمدة تابع الاستعمار تحطيمها متابعة منظمة وسرعان ما تصبح مضطرة إلى التخفي والسرية" .
ثانيا: الثقافة الفلسطينية:
الثقافة محايثة للمجتمع ولا شك فلا مجتمع بدون ثقافة ،ولكن في بعض المراحل التاريخية من عمر الشعوب حيث يسود الاستقرار وتنتفي كل أشكال التهديد الوجودي للوطن وللثقافة الوطنية،تصبح الثقافة نوعا من الترف الفكري أو منتج و طني يضفي صورة جمالية على المجتمع والدولة أو تصبح موضوعا للتفاخر والتباهي عند أبناء المجتمع في مواجهة المجتمعات الأخرى ،ولكن في مراحل تاريخية أخرى وعندما تصبح الأمة مهددة بالاحتلال أو بالفتنة الداخلية ويصبح السياسيون تائهين أو فاشلين ،وعندما تصاب الأمة باليأس والإحباط،آنذاك يصبح للثقافة دور مختلف ويبرز دور المثقفين بل دورهم القيادي لحماية الهوية والثقافة الوطنية ورفع الروح المعنوية للشعب ،وقيادة كتلة تاريخية -حسب تعبير أنطونيو غرامشي- تَحُول بين العدو وتحقيق أهدافه.
الشعوب لا تندثر أو تُهزم بالمعارك العسكرية بل عندما تفقد ثقتها بنفسها وبعدالة قضيتها، عندما تفقد ثقتها بتاريخها وهويتها وثقافتها الوطنية.شعوب كثيرة تعرضت لهزائم متكررة عبر التاريخ وغابت دولهم عن الخارطة السياسية الدولية،ولكنهم فجأة عادوا لمسرح الحدث الدولي وأعادوا بناء دولتهم الوطنية،ويعود ذلك لأن هذه الشعوب حافظت على هويتها وثقافتها الوطنية عبر التاريخ من خلال الأسطورة والرواية والشعر والتراث والرسوم والأغاني وكل رموز الهوية الوطنية ... وهذه مهمة المثقفين.
تاريخيا كان الشعب الفلسطيني يتميز بالثقافة وبمثقفيه الذين تركوا بصماتهم عبر العالم وهذه حقيقة واقعة لمسناها من خلال الحضور المتميز في المؤسسات العلمية والأكاديمية والثقافية وفي الأحزاب والحركات السياسية العربية وفي الندوات الفكرية... عبر العالم، ولكن لم يكن ذاك الحضور المتميز وتلك القوة بسب كثرة عددهم فقط في المشهد الثقافي بل لأنهم كانوا يعبرون عن قضية تحرر وطني محل توافق داخلي ودعم عالمي كانت قوتهم مستمدة من قوة القضية والمشروع الوطني والعكس صحيح.لم تكن القضية الفلسطينية آنذاك قد تشذرت وانقسمت بهذه الحدة الإيديولوجية الموجودة اليوم ،ولم يكن فيروس السلطة والمال قد نخرها بعد،وهو الأمر الذي انعكس على المثقفين الذين تميزوا بدرجة من الصدقية والطهرية ،كان فعل الرواية والقصيدة واللوحة والأغنية لا يقل عن فعل عملية فدائية في مدى تعبيرها عن عدالة القضية الوطنية،الشعراء والفنانون والروائيون استقطبوا تأييدا للقضية الوطنية أكثر مما استقطب السياسيون،آنذاك كانت الكلمة فعلا نضاليا أما اليوم فالكلمة أصبحت فتنة. كانت الحالة الثقافية الفلسطينية قبل تأسيس السلطة ثم السلطتين والحكومتين، وقبل ظهور الحركات الإسلامية كحالة غير متصالحة مع الهوية والثقافة الوطنية، أكثر خصبا:إنتاجا وحضورا دوليا وتأثيرا مجتمعيا.لم تكن قوة حضور القضية الوطنية دوليا بسبب النضال المسلح فقط ولكن أيضا بسبب فاعلية الحالة الثقافية والفكرية وتوحدها حول مشروع وطني واحد.
اليوم وفي ظل الأزمة الشاملة للنظام السياسي وللقضية الوطنية يطرح السؤال حول مسؤولية المثقفين وحول الدور الذي يجب أن يلعبوه في هذه المرحلة.إن كان يصعُب الحسم في العلة والمعلول ،فلا شك أن هناك مسؤولية مشتركة عما آلت إليه الأحوال،مسؤولية السياسيين ومسؤولية المثقفين. اليوم هناك تراجع كبير في حضور المثقفين في المشهد الفلسطيني وفي تأثيرهم على مجريات الأحداث و هناك أسباب عديدة وراء هذا التراجع ،منها واقع الشتات وما يفرضه من قيود على حرية المثقف الفلسطيني في التعبير عن هويته الوطنية وممارسة دوره الوطني ،أو لأن المثقف لم يعد يشعر أن السلطة والأحزاب القائمة تعبر عن تطلعاته الوطنية أو تجسد المشروع الوطني كما يرتئيه،أو لأن السلطة استقطبت كثيرا من هؤلاء المثقفين الذين تحولوا لأبواق تُجمل صورة السلطة ونهجها وبالتالي خانوا الأمانة وتخلوا عن دورهم الطليعي،كما أن عديدا من المثقفين فضلوا الانكفاء على أنفسهم والابتعاد عن الحياة العامة معتبرين أن المرحلة مرحة فتنة والأفضل تجنبها.ولكننا نعتقد أن أسوء ما أصاب المثقفين وأثر على دورهم هو انقسام النظام السياسي ما بين مشروع وطني ومشروع (إسلامي) وارتباط كل منهما بأجندة خارجية ،الأول بمشروع تسوية تقوده واشنطن والثاني بمشروع ديني تقوده أطراف إقليمية،وكلاهما لا يكترث بالمشروع الوطني بما هو مشروع استقلال وطني وهوية وثقافة وتاريخ وطني.
عندما يصبح الشعب مُحبَطا ومنشغلا بضمان استمرار تأمين قوت يومه وخائفا على مستقبله ،وعندما تصبح النخب السياسية منشغلة بالصراع على السلطة ومراكمة الثروة أو عاجزة أمام قوة العدو وتحالفاته الدولية،فمن يهدهد النفوس الضائعة ويعيد الأمل بالمستقبل؟من يحافظ على الثقافة والهوية الوطنية؟إنهم بالطبع المثقفون وأصحاب الرأي ،فعندما يغيب هؤلاء تتقدم قوى جديدة لتملأ الفراغ .في ظل الأوضاع القائمة فإن اٌلقوى المؤهلة لملء الفراغ ستكون من أشباه مثقفين يدورون في فلك السلطة أو يعملون ضمن مؤسسات ثقافية تنتمي لمجتمع مدني يخدم أجندة خارجية،أو مفتون ووعاظ ورجال دين لا يقل جهلهم الديني عن جهلهم السياسي، ويحل رجل الدين محل المثقف. من يراقب المشهد الثقافي الفلسطيني اليوم سيلمس أن الفضاء الثقافي تملأه ثقافة دينية مشوهة وثقافة عولمة ثقافية تتسلل من خلال مؤسسات تسمى مجتمعا مدنيا،أما الثقافة الوطنية فمحاصرة ومحل إهمال رسمي من الحكومتين.ومع ذلك لا يسعنا إلا التنويه بالجهود المنفردة لمثقفين وطنيين في الوطن والشتات ما زالوا صامدين في مواقفهم فلهم منا كل تقدير واحترام .
الحالة الثقافية في ظل السلطة الوطنية
منذ تأسيس السلطة الفلسطينية انشغلت النخب الفلسطينية بالسياسة وبالصراع على السلطة على حساب الحفاظ على الهوية والثقافة الوطنية غير مدركة بأنه ليس بالسياسة تحيى الشعوب وتحافظ على وجودها،ففي حالة كحالة الشعب الفلسطيني وفي ظل استعمار كالاستعمار الصهيوني ألإجلائي الاستيطاني حيث تؤسس إسرائيل وجودها على حساب نفي الهوية والثقافة الوطنية والعربية والإسلامية في فلسطين ،فإن الثقافة والهوية والتراث تعتبر شهادة تاريخية على علاقة الشعب بالأرض وضمانة للأجيال القادمة لمواصلة النضال لاستعادة الحقوق المشروعة ، عندما لا تتمكن الأمم من إنجاز مشروع الدولة يصبح الحفاظ على الهوية والثقافة الوطنية هدفا ومهمة إستراتيجية.
الحركة الصهيونية لا تحاربنا عسكريا بل ثقافيا وحضاريا أيضا ،فحيث الفكرة الصهيونية تقوم على أساس الزعم بأن فلسطين هي إسرائيل فقد عملت كل ما من شأنه تشويه وتزوير التاريخ وتدمير كل معلم حضاري يدل على الحضارة الفلسطينية القديمة و الحضارة العربية والإسلامية في فلسطين،بمعنى أنها كانت وما زالت تخوض معركة شمولية وعلى كافة الجبهات،في ساحة المعركة وفي الجامعات والمؤسسات التعليمية وفي مراكز البحوث وفي المنظمات الدولية. الجنرال أو القائد العسكري جنبا لجنب مع المؤرخ والانتربولوجي وعالم الآثار والأكاديمي والدبلوماسي،كانت الآلة العسكرية تمهد الطريق للاستيطان والتهويد و تحمي عمليات سرقة الآثار والحفريات ،وكان الاستيطان والتهويد يضفيا قيمة أخلاقية ودينية على عمل الآلة العسكرية،هذه المعركة الشمولية نلمسها اليوم في تزامن صدور قرار اعتبار الحرم الإبراهيمي ومسجد بلال جزءا من التراث اليهودي مع قرارات الهدم في القدس ومصادرة الأراضي والاستيطان في الضفة مع صدور قرار اغتيال المبحوح في دبي.
في الوقت الذي تخوض إسرائيل هذه المعركة الشمولية تنشغل نخبنا السياسية بالصراع على السلطة وبالشأن السياسي بشكل عام وخصوصا بعد توقيع اتفاقات أوسلو، هذا الاهتمام بالعمل السياسي اليومي المباشر ضروري ولا شك ولكن لم يصاحبه عمل جاد لبناء وتعزيز الثقافة والهوية الوطنية لدى المواطن ولا جهد واهتمام بالحفاظ على تراثنا وآثارنا وكل مقومات ورموز الهوية والثقافة الوطنية ،صحيح أن جمعيات أهلية وشخصيات أكاديمية تقوم بجهد جبار للحفاظ على التراث والهوية وخصوصا التراث الشفوي والمكتوب،ولكنها لا تستطيع وحدها الحفاظ على التراث العمراني وحمايته،هذه مهمة الحكومة بالإضافة لمنظمة التحرير الفلسطينية والمنظمة العربية للعلوم والثقافة (الإلسكو) والمنظمة الإسلامية للعلوم والثقافة (الإسسكو)، للأسف لم يبذل جهد كاف من هذه الجهات،الأمر الذي أدى لتسرب المناطق الأثرية من بين أيدينا بالتدريج، بالاستيطان والسرقة أو بالتدمير المتعمد من طرف الاحتلال أو بالإهمال من طرف السلطة .
تقدر ميزانية الوزارة حوالي ثلاثة ونصف مليون دولار تذهب غالبيتها رواتب موظفين وإيجارات لمقرات ومكاتب الوزارة ونقليات وما يتبقى من أموال مخصصة للثقافة على مستوى الوطن فكان 160000 ألف دولار فقط ،فكيف يمكن بمبلغ مائة وستين ألف دولار سنويا أن نحافظ على الهوية والثقافة الوطنية والتراث الوطني وتطويرهم،ولم يكن حالة وزارة السياحة والآثار بالأفضل.بالإضافة إلى شح الإمكانيات فلا يوجد قانون فلسطيني لحماية التراث الوطني،ونخشى أن تكون أياد صهيونية وراء إعاقة هذا القانون حتى لا تصبح آثارنا وتراثنا تحت الحماية الدولية، ومن الجدير بالذكر أن اسم فلسطين غائب عن قائمة اليونسكو للتراث العالمي بينما توجد إسرائيل في القائمة .
كان يُفترض بالسلطة ومنظمة التحرير أن توليا أهمية أكبر للثقافة الوطنية وللتراث وللآثار نظرا لطبيعة التهديد الذي تتعرض له ثقافتنا وهويتنا وتراثنا، وان يُخصَص لوزارتي الثقافة والآثار موازنة أكبر وليس كما هو الحال حيث موازنة وزارة الثقافة من أصغر الموازنات بحيث أن جمعية أهلية تنفق على أنشطتها أكثر مما تنفق وزارة الثقافة،وخصوصا أن الجهات الأجنبية لا تهتم بتمويل أنشطة لها علاقة بالتراث والثقافة والهوية الوطنية.لو كان لدينا قانون لحماية التراث يتضمن كل الأماكن الأثرية في فلسطين وسجلنا هذا القانون في اليونسكو لما كانت إسرائيل أقدمت على ضم الحرم الإبراهيمي في الخليل ومسجد بلال في بيت لحم لتراثها ،وقد سبق لإسرائيل وأن تقدمت بطلب لتسجيل القدس ضمن التراث العالمي.
مقابل هذا الخلل الفلسطيني كانت الحركة الصهيونية منذ تأسيسها تدرك أهمية التراث فقد بدأت التنقيبات الأثرية في فلسطين في منتصف القرن التاسع عشر على يد ما كان يُطلق عليهم (باحثو الكتاب المقدس) الذين كانوا يبحثون عن آثار المواقع التي ورد ذكرها في الكتاب المقدس. وفي عهد الانتداب البريطاني الذي وُجِد لتنفيذ وعد بلفور، دفعت الحركة الصهيونية المندوب السامي البريطاني اليهودي الأصل هربرت صموئيل لإنشاء دائرة للآثار الفلسطينية وتم ذلك من خلال قانون الآثار القديمة رقم 51 الصادر في 31/12/1929 والذي جري تعديله عدة مرات وفي جميع الحالات كان يوظف لخدمة الحركة الصهيونية. وبعد قيام إسرائيل استمر العمل بالقوانين الانتدابية للآثار حتى عام 1978 حيث صدر قانون الآثار ثم سلطة الآثار كسلطة رسمية في إسرائيل تعمل على الحفاظ على قانون الآثار وتطبيقه.
أما فلسطينيا وحيث أن الضفة الغربية أصبحت بعد النكبة تحت السيادة الأردنية ومصر تحت حكم عسكري مصري فقد تراجع الاهتمام بالتراث والآثار حتى أصدر الأردن قانونا بهذا الشأن (قانون مؤقت رقم (51) لسنة 1966) وكان يشمل الضفة الغربية دون قطاع غزة ،وبعد 1967 عادت إسرائيل لتطبق قوانين الانتداب البريطاني الخاصة بالتراث والآثار على الضفة وغزة وبهما عاثت فسادا حيث نهبت ودمرت جزءا كبيرا من تراثنا ومعالمنا التاريخية وما زالت بل ووظفت لصوصا متخصصين بسرقة آثارنا وكل ما له قيمة تاريخية.وحتى بعد مجيء السلطة الفلسطينية لم تستطع السلطة عمل الكثير لحماية تراثنا وآثارنا، بالرغم من تأسيس دائرة الآثار والتراث الثقافي في وزارة السياحة والآثار منذ عام 2002، وجهود متواضعة للوزارات المعنية الأخرى، وما يجري في القدس والخليل وبيت لحم ونابلس خير شاهد على ذلك.
ومع ذلك وبالرغم من العجز الرسمي الفلسطيني عن حماية التراث، فإن إسرائيل كقوة احتلال ملزمة بتطبيق الاتفاقات الدولية الخاصة بحماية التراث الثقافي للشعب الفلسطيني سواء حسب اتفاقات لاهاي وجنيف أو حسب الاتفاقية التي اقرها المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة في باريس عام 1972 وهي اتفاقية تصنيف وحماية التراث البشري أو حسب ما تقول به اللجنة الدولية للدرع الأزرق International Committee of the Blue Shield ICBS من أجل العمل على حماية التراث الثقافي الذي تهدده الحروب والكوارث الطبيعية والتي تأسست عام 1996 ، ولكن وفي جميع الأحوال فإن استفادة الدول من الدعم الدولي يتطلب وجود قانون وطني لحماية التراث وأن تكون المعالم التراثية مسجلة رسميا في اليونسكو وهذا ما نتمنى إنجازه قريبا.
الحفاظ على الثقافة والهوية هو سر وجود واستمرار الأمم عبر التاريخ ،كل شعوب الأرض تعرضت لهزائم عسكرية أو لاستعمار أمتد لعقود ولكنها لم تندثر بل تعود لتنبثق مجددا كطائر الفينيق،فالأمم لا تندثر بالهزائم العسكرية بل بفقدانها لثقافتها وهويتها الوطنية ،وأخطر ما يصيب امة من الأمم ليس هزيمة جيوشها أو فشل سياسييها بل فقدان المثقفين لإيمانهم بأمتهم أو إصابتهم باليأس والإحباط أو تحولهم لأبواق وأدوات بيد السياسيين،المثقف وليس السياسي هو ضمير الأمة،والثقافة هي قلب وروح الأمة،فلنحافظ على ثقافتنا وهويتنا الوطنية بعيدا عن الخلافات والصراعات السياسية.
وعليه يمكن القول بأن الثقافة الوطنية ولدت وسط المواجهة وفي خضم الصراع مع الاستعمار والصهيونية وبالتالي هي ثقافة مقاومة، وأن كانت حافظت على كثير من رموز وسمات الثقافة العربية والإسلامية إلا أن المجتمع الفلسطيني بلور لنفسه ثقافة خاصة به، ليست ذات خصوصية إثنية أو دينية بل ذات خصوصية سياسية حضارية تستوعب الثقافة الإسلامية والقومية العربية والإنسانية ولكن لا تذوب فيها. ومن المعلوم أن إسرائيل جهدت لمحاصرة هذه الثقافة ووأدها منذ انطلاقتها.
وترتبط الثقافة الفلسطينية بالهوية، فالثقافة هي المصدر المعزز للهوية والحامي لها، وهذا يتطلب تطوير الثقافة الوطنية بل خلق وإبداع رموز وأنماط تفكير وعيش (الاختلاف في إطار الوحدة) بالنسبة للثقافة الإسلامية والعربية، وهذه مهمة وإن كانت تقع على عاتق كل فلسطيني إلا أنها يجب أن تكون مهمة مركزية للسلطة الوطنية وخصوصا لوزارة الثقافة، وأيضا لكل الفصائل الفلسطينية.
ويمكن القول بأن نشاط وزارة الثقافة عبر الحكومات المتعاقبة لم يكن بالمستوى المأمول، حيث أولت اهتماما للجانب السياسي على حساب الجانب الثقافي الحقيقي، ومن هنا نجد ندرة الكتابات والأنشطة التي ترصد التغيرات التي حصلت على المؤشرات الثقافية في سنوات الحكم الذاتي وغياب معطيات دورية عن واقع الحياة الثقافية في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، فمثلا تقرير الثقافة السنوي الذي يصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني بدءا من العام 1998، لا يشمل النشاطات الثقافية الحكومية، أو النشاطات الثقافية التي تنظمها منظمات ليست مرخصة كمؤسسات ثقافية، مثل بعض الجمعيات الخيرية، وتغيب عنها مؤشرات أخرى مهمة، تقع تحت مسميات إحصائية مختلفة، مثل حركة النشر، أو الإبداع السينمائي، وتعيق هذه النواقص فرص تشكيل صورة ملائمة عن واقع الحياة الثقافية وتطورها في الضفة الغربية وقطاع غزة.
ثالثا: الانقسام السياسي وانتشار ثقافة الخوف:
حتى قبل الانقسام قي يونيو 2007 الذي أدى لفصل عزة عن الضفة فقد شهد المجتمع الفلسطيني في مناطق السلطة الفلسطينية حالة غير مسبوقة من عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي وخصوصا بعد انسحاب إسرائيل من القطاع .كان من أهم تمظهرات هذه الحالة انتشار ثقافة الخوف والقلق على الحاضر والمستقبل، خوف شخصي وذاتي وخوف على الهوية والوطن والانتماء، هذه الحالة من الخوف أفرزت سلوكيات وأنماط تفكير غير سوية كالانفلات الأمني والعصبوبة القبلية والعائلية وتفشي فكر المؤامرة والتخوين والتكفير الخ، مقارنة بالمجتمعات المستقرة، وإن كانت التمظهرات الخارجية لهذه الحالة تتبدى في اللجوء للعنف الجسدي واستعمال السلاح بين المواطنين وبعضهم البعض، وإن كانت القراءة السطحية ترجع هذه الحالة لأسباب سياسة داخلية وخارجية –وهي بلا شك موجودة- إلا أن هناك أسباب عميقة وغير مرئية تشكل الدافعية والموئل الذي يجعل العنف ظاهرة عامة وطبيعية، هذه الأسباب هي الخوف بكل إشكاله، خوف تعززه تنشئة اجتماعية وسياسية وتحوله إلى ثقافة اجتماعية.
في مناطق السلطة الفلسطينية سواء في الضفة أو غزة لم يعد الخوف مجرد حالة نفسية انفعالية وعاطفية بل تأصل الخوف ليتحول لثقافة يمارسها مواطنون من شتى المستويات الثقافية والاجتماعية، عنف داخل الأسرة وعنف داخل المدارس والجامعات وعنف بين الأسر وعنف بين الجماعات السياسية وعنف ضد السلطة سواء سلطة الصفة أو سلطة غزة، بل وعنف بين مراكز وجماعات السلطة ذاتها، خوف على المستقبل وخوف من الحاضر، خوف على الراتب،وخوف من استحقاقات الراتب،خوف من الاحتلال، وخوف من موروث ثقافي يقيد الحرية وخوف من غزو ثقافي يغيب الهوية،وخوف من فقدان السلطة.
صيرورة الخوف في مناطق السلطة إلى ثقافة اجتماعية وسياسية مضادة للثقافة الوطنية الواحدة وللثقافة الثورية التي عهدتها شعوب مستعمرة سابقا، يجعل من هذه الثقافة خطرا داهما ومعيقا لكل مسعى تحرري وطني أو ديمقراطي سلمي. خطورة ثقافة الخوف تكمن أيضا في حرف النضال الوطني من نضال شعب موحد ضد الاحتلال إلى ما يشبه الحرب الأهلية الباردة أحيانا والمسلحة حينا آخر، فثقافة الخوف لا تعترف بالعدو المشترك أو العدو الواحد بل تعمم مصادر الخوف وتخلق حالة من الشك والريبة حتى في أقرب الأقرباء.
إن ما يجري من تقشي ثقافة التكفير والتخوين وانتهاكات متبادلة لحقوق المواطن الفلسطيني وغياب المرجعية السياسية الناظمة للحياة السياسية في المجتمع الفلسطيني كل ذلك يبعد ما بيننا والاستقلال وبناء الدولة ويعيق عملية التطور والتنمية، حيث تستنزف الإمكانيات ويعيش المواطن في حالة من القلق والتوتر يحول بينه والتفكير السليم وبالتالي السلوك السليم. وأخيرا نقول هناك وطن يعاد بناؤه، وهذا الوطن ليس مجرد أرض وليس أيضا مجموعة من المواطنين ولكنه ثقافة وهوية، إعادة بناء الوطن سواء سلما أم بالنضال العسكري يحتاج إلى ثقافة جديدة، ثقافة متحررة من ثقافة الخوف والجهل. قد يحتاج الأمر لوقت طويل لتجاوز الثقافة السائدة المأزومة، ولكن يقينا أننا كفلسطينيين لن نفلح في تحقيق أهدافنا المشروعة في ظل نفس أنماط السلوك والتفكير وفي ظل تسيد نفس النخب المأزومة.
لم يقتصر تأثير الانقسام على انتشار ثقافة الخوف وتفكك روح الانتماء للوطن والأرض مما يدفع كثيرا من الشباب للتفكير بمغادرة الوطن إلى الخارج ،بل أدى أيضا إلى انقسام المشهد الثقافي بين الضفة وغزة وإلى وجود وزارتين للثقافة كل منهما ترتهن بجهات مانحة تتوافق مع النهج السياسي للحكومة التابعة لها.ففي حين تحاول وزارة الثقافة والمؤسسات الثقافية في الضفة الغربية التمسك بالثقافة الوطنية ومواجهة محاولات الاحتلال لتذويب ومصادرة الثقافة والهوية الوطنية معتمدة في ذلك على إمكانياتها الذاتية وعلى القليل من دعم الجهات المانحة ،تعمل وزارة الثقافة في غزة على تعزيز الثقافة الإسلامية معتمدة على تمويل سخي من جماعات الإسلام السياسي عبر العالم ومن دول صديقة تتبنى نفس الأيديولوجيا،وللأسف وصل الأمر لدرجة تهدد بتشكل ثقافة في قطاع غزة تختلف إن لم تعادي الثقافة في الضفة الغربية،وهو الأمر الذي يفرض على المثقفين تحرير الحالة الثقافية من السياسة ومزالقها.

المطلب الثاني: الحالة التعليمية:
أولا: أهمية التعليم في حياة المجتمعات:
لم يعد التعليم اليوم مجرد مؤسسات تمنح شهادات تؤهل الطالب لإيجاد وظيفة بل هو اليوم مع التطور العلمي ومستجدات الثورة التقانية جزء من الأمن القومي للشعوب، وهذا ما اعتمدته اليابان حيث اعتبرت التعليم جزءا من أمنها القومي وكذا الحال بالنسبة للدول المتقدمة الأخرى، وذلك من منطلق أن المعرفة العلمية لا تستمد إلا بالتعلم ومن خلال الجامعات.التعليم والمعرفة العلمية اليوم هما عماد نهضة المجتمعات، حيث لم تعد قوة الدول تحسب بعدد قواتها المسلحة أو عدد دباباتها وطائراتها، بل بعدد علمائها ومفكريها وبنوعية المعرفة السائدة في المجتمع وحالة جامعاتها ومعاهدها العلمية، وكثير من دول العالم اليوم تتبوأ المكانة الأولى في العالم ليس لأنها قوية في عدد جيوشها وعدتها بل بعلومها ومعارفها وبرقي جامعاتها ومراكزها البحثية.
ولكن، وحتى يؤدي التعليم رسالته فيجب أن يكون تعليما عصريا منفتحا على علوم العصر دون تجاهل الهوية الثقافية، وأن يكون في مناهجه والمواد التي تدرس وأساليب التدريس وأدواته، تعليما يُخرج أجيالا من المتعلمين ذوي العقول المتفتحة والأخلاق الرفيعة، أجيالا متشبعة بروح الإبداع والابتكار والنقد البناء والأخلاق والقيم الأكاديمية، يخرج حملة شهادات يحتاجهم المجتمع ويطلبهم سوق العمل، لا حملة شهادات في تخصصات لا علاقة لها بسوق العمل ومتطلبات المجتمع، فالسؤال اليوم لم يعد كم تخرج الجامعات بل من تخرج؟
وللأسف فإن التعليم في كثير من الدول العربية هو أبعد ما يكون عن التجاوب مع متطلبات العصر والتحديات الإستراتيجية التي يواجهها العرب وهم يدخلون الألفية الثالثة، وهم أبعد ما يكون عن الثورة المعلوماتية التي يؤسس عليها مستقبل البشرية، الأمر الذي يحتاج من مجتمعاتنا إحداث ثورة في قطاع التعليم وخصوصا الجامعي، ثورة في العقليات ومناهج التدريس وأساليب الإدارة والإشراف، ويكون التحدي أكثر إلحاحا في حالتنا الفلسطينية، حيث نواجه عدوا متقدما علينا عسكريا وتكنولوجيا، فإذا كانت مواجهته عسكريا الآن، مغامرة لا تحمد عقباها، فهذا يتطلب البحث عن مصادر قوة أخرى للمواجهة، وهنا تأتي أهمية العلم والأخلاق. ونموذج اليابان والنمو الآسيوية حاضرة أمامنا.
في العهد الزاهر للدولة الإسلامية وعندما كان الخلفاء والأمراء يدركون جوهر الدين كانوا يقدرون العلماء ويجعلونهم ويقدمونهم عليهم ويجلسون خاشعين يستمعون إليهم، وفي الغرب المسيحي كانت أول الخطوات نحو التحرر من عصور الظلمات والانفتاح على الحداثة والتقدم هو اعتماد مبدأ استقلالية التعليم والرقي به بحيث وضعت الدول الأوروبية على أولويات اهتماماتها القضاء على الأمية، واليوم ما يجعل وضعت المتقدمة تنعت بهذه الصفة هو أن مجتمعاتها متعلمة وجامعاتها ومراكز بحوثها أكثر تقدما وأكثر قدرة على الإبداع.
ولم يعد التعليم اليوم مجرد مؤسسات تمنح شهادات تساعد حامليها ولوج سلك الوظيفة، بل هو اليوم أساس نهضة وتقدم الأمم، فالأمم المتقدمة اليوم تعتبره جزءا من أمنها القومي، لأنه بالتعليم يتم خلق رجالات المستقبل وقادة الأمة. والدول الحريصة على مستقبل الأمة هي التي ترفع من مستوى التعليم وخصوصا في الجامعات، وهي التي تحترم التخصصات وتنأى بنفسها عن التدخل في الشئون الأكاديمية إلا على مستوى توفير حركة البحث للطالب والأستاذ.
وفي حالة كالحالة الفلسطينية يصبح الموضوع أكثر إلحاحا، لأن الشعب الفلسطيني في مرحلة تأسيس إعادة بناء دولته بما في ذلك المؤسسات التعليمية وهذا التأسيس يجب أن يكون على أسس صحيحة منذ البداية، وإن كانت مؤشرات مثيرة للقلق مصدرها حال المؤسسات التعليمية وخصوصا الجامعات الفلسطينية نتيجة الاحتلال، فإننا على يقين بأن نضج الشعب الفلسطيني ووعيه لن يسمحا للاحتلال أن يعيق العملية التعليمية.
كان من حسن حظ الشعب الفلسطيني أنه وعى أهمية التعليم منذ بداية النكبة، وإن كان لوكالة الغوث الفضل في تعميم التعليم المجاني للاجئين إلا أن المجتمع الفلسطيني قبل النكبة كان متميزا ومتقدما في مجال التعليم مقارنة بدول عربية أخرى، وهذا ما مكن الفلسطينيين من اهتبال الفرصة التي وفرتها وكالة الغوث لاعتماد التعليم هدفا استراتيجيا ومصدر قوة يمكن من خلاله تكون جيل من المتعلمين والمثقفين يحملون الهوية الوطنية ويدافعون عن القضية على أسس معرفية ومن هنا نلاحظ الدور المتميز للمتعلمين الفلسطينيين في نشر التعلم والثقافة في البلاد العربية وخصوصا الخليجية، حيث عمل مئات الآلاف من المدرسين والأساتذة والأطباء والمهندسين الفلسطينيين في هذه الدول، استفادوا ماليا ولا شك ولكنهم أفادوا الأمة العربية بشكل كبير.
كان التعليم بالنسبة للمجتمع الفلسطيني أحد أدوات تحديث المجتمع وتطويره وقد نجحوا بذلك إلى حد كبير، سواء بالنسبة لفلسطينيي الشتات أو فلسطينيي الوطن المحتل، ففي الخارج تمكن الفلسطينيون من تبوء مناصب متميزة في الجامعات ومراكز البحث في الدول الأجنبية، وبرز من بين الفلسطينيين علماء في شتى المجالات شهد لهم العالم بالكفاءة، وكان نجاح هؤلاء ليس نجاحا فرديا بل نجاحا للمجتمع الفلسطيني ككل، وفي الداخل وبالرغم من ظروف الاحتلال القاسية استمرت المؤسسات التعليمية في أداء رسالتها لإحساس الفلسطينيين بأنه العلم يمكن مواجهة الهجمة الصهيونية بنفس تأثير الوسائل الأخرى للمقاومة.
ثانيا: واقع التعليم في المجتمع الفلسطيني في ظل السلطة الوطنية:
في التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت الذي جرى عام 1997 وضحت السمات التعليمية للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، فالتعداد كشف وجود فجوة في هذه السمات بين سكان الضفة الغربية وقطاع غزة أيضا كانت السمات التعليمية لدى الذكور أفضل منها لدى الإناث إلا أن الفجوة تتقلص لدى الفئات العمرية صغيرة السن مما يعني حدوث تسرب في المستويات العليا من التمدرس.
كما أظهر التعداد ازدياد عدد المدارس ورياض الأطفال العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة مباشرة بعد وصول السلطة الفلسطينية، وسجلت المدارس الخاصة معدلات زيادة في عددها أكبر من المدارس وكالة الغوث الدولية "الأونروا"، حيث بدأت الأونروا تقلص من خدماتها للاجئين، وتوجهت النخبة لتعليم أبناءها في مدارس خاصة.
وبفضل الجهود التي أولتها السلطة التعليمية للتعليم وخصوصا الجامعي فقد ازداد عدد المعلمين والمعلمات خلال هذه الفترة، وتحسنت مؤهلاتهم، إلا أن هذه الزيادة لم تواكب النمو المتزايد في أعداد الطلبة، خاصة في مدارس الحكومة و"الأونروا" ولكن في نفس الوقت الذي تزايد فيه عدد الطلبة وعدد الخريجين، بدأت تطفو على السطح ظاهرة بطالة الخريجين، فالقدرة الاستيعابية لمؤسسات السلطة ومؤسسات المجتمع المدني هي دون القدرة الاستيعابية لخريجي الجامعات، ومما فاقم المشكلة انسداد فرص التوظيف خارج فلسطين وخصوصا في دول الخليج والمغرب العربي وهي الدول التي كانت تستوعب غالبية الجامعيين الفلسطينيين.
إلا أن أهم المتغيرات التي طرأت على التعليم الفلسطيني ليس زيادة عند المدارس والمدرسين بل تراجع نسبة الأمية ووجود مناهج ومؤسسات تعليمية فلسطينية الهوية والأشراف، وهذا ما يحدث لأول مرة منذ النكبة، فقبل وجود السلطة الوطنية كان التلاميذ الفلسطينيون يدرسون مناهج دول أخرى، ففي الأردن والضفة الغربية درسوا المنهج الأردني وفي غزة درسوا المنهج المصري، وهكذا في بلاد الشتات، وبالرغم من أن منظمة التحرير أنشأت مدارس خاصة بها في الكويت وسوريا ولبنان وتونس إلا أنها كانت قليلة العدد ولا تستوعب إلا نسبة ضئيلة من الفلسطينيين، وكانت مناهجها تخضع لرقابة الدول المضيفة.
ونظرا لتداخل التعليم والثقافة، فإن وجود مناهج فلسطينية وإشراف فلسطيني على المؤسسات التعليمية، ساهم بدور كبير في نشر الثقافة الفلسطينية وربط الشباب الفلسطيني بهويتهم وقضيتهم الوطنية، فالمؤسسات التعليمية تعتبر من أهم قنوات التنشئة الاجتماعية والسياسية، وأولى أبجديات الثقافة الاجتماعية والسياسية يتلقاها التلميذ في المدرسة ثم في الجامعة، ومن هنا نلاحظ حرص الدول على الأشراف على التعليم وخصوصا التعليم الأساسي.
بلغ عدد المدارس والمؤسسات التعليمية في العام الدراسي 1998/ 1999 ما يقارب 2514 مدرسة وروضة أطفال منها 1925 في الضفة الغربية و589 في قطاع غزة 1230 مدرسة حكومية و265 مدرسة تابعة لوكالة الغوث و 191 مدرسة خاصة و 823 روض أطفال، أما أعداد الطلاب فقد بلغ 889.890 منهم 537.694 في الضفة الغربية و 8171 في قطاع غزة وأعداد الشعب 25112 منها 16941 في الضفة الغربية، و8171 في قطاع غزة. وأعداد المدرسون بلغ 30.162 منهم 20.013 في الضفة الغربية و10.149 في قطاع غزة.
جدول رقم (10)
يوضح التوزيع النسبي للسكان الفلسطينيين (15 سنة فأكثر)
حسب الحالة التعليمية والجنس والمنطقة 2000
الحالة التعليمية الأراضي الفلسطينية المنطقة
الضفة الغربية قطاع غزة
ذكور إناث كلا الجنسين ذكور إناث كلا الجنسين ذكور إناث كلا الجنسين
أمي 5.6 16.1 10.8 5.3 16.4 10.8 6.2 15.3 10.7
ملم 9.9 9.3 9.6 10.0 10.4 10.2 9.6 7.3 8.5
ابتدائي 22.3 20.5 21.4 23.5 22.0 22.7 21.1 17.5 18.8
إعدادي 32.2 30.3 31.2 33.4 30.3 31.8 29.9 30.2 30.1
ثانوي 17.0 15.7 16.4 15.1 12.5 13.8 20.6 22.1 21.3
دبلوم متوسط 5.4 4.5 5.0 5.7 4.6 5.2 4.8 4.4 4.6
بكالوريوس فأعلى 7.6 3.6 5.6 7.0 3.8 5.5 8.8 3.2 6.0
المجموع 100 100 100 100 100 100 100 100 100
تناقص نسبة التسرب المدرسي:
فحيث أن التعداد المشار إليه جرى في السنوات الأولى لوجود السلطة، فقد كشف لنا بعض المعطيات الإيجابية مثل تناقص نسب التسرب المدرسي وتراجع نسب الرسوب، ومن البديهي أن تتلازم هذه النتيجة الإيجابية مع الظرفية الزمنية التي جرى فيها التعداد فالسنوات الأولى للسلطة أوجدت نوعا من الطمأنينة والتفاؤل عند المجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع، فالعملية السلمية تسير إلى الأمام، أو هكذا يبدو، والمساعدات والمنح تنهال على مناطق السلطة، وهذه الأخيرة تقوم بتوظيفات مهمة لكل حملة الشهادات، بالإضافة إلى استقطاب مؤسسات المجتمع المدني للمتعلمين والمثقفين، كل ذلك شجع ذوي الأمور على إرسال أبناءهم على المدارس والحرص على استكمال تعليمهم.
وهكذا لاحظنا في التعداد أن نسبة التسرب في مرحلة التعليم الأساسي في الضفة الغربية وقطاع غزة كانت في العام الدراسي 1998/ 1999 (1.56%)، (1.78% للذكور، و6.55% للإناث). يعود ذلك بالنسبة للذكور لتوفر مجالات عمل لا تحتاج إلى شهادات وانتشار ظاهرة تشغيل الأطفال، أما بالنسبة للإناث فسبب تزايد التسرب في المرحلة الثانوية وما فوق يعود للزواج المبكر للفتيات وإلى العادات والتقاليد الاجتماعية المحافظة في المجتمع الفلسطيني وهي تقاليد لا تشجع على خروج الفتيات من البيت.
تناقص نسب الرسوب في المدارس:
"كشفت البيانات عن تراجع في نسبة الرسوب في المدارس في الفترة ما بين العامين 1994/ 1995 و1998/ 1999، بحيث تراجعت هذه النسبة في المرحلة الأساسية من 4.72% العام 1994/ 1995 إلى 2.54% العام 1998/ 1999، وتراجعت في المرحلة الثانوية من 3.51% إلى 1.06% في الفترة نفسها وقد شمل هذا التراجع كلا الجنسين، بحيث تراجعت نسبة الرسوب لدى الذكور في المرحلة الأساسية من 5.04% العام 1994/ 1995 إلى 2.79% العام 1998/ 1999، وتراجعت لدى الذكور في المرحلة الثانوية من 5.37% إلى 1.47% في العاملين نفسيهما على التوالي وتراجعت نسبة الرسوب لدى الإناث في المرحلة الأساسية من 4.38% إلى 2.27%، وتراجعت في المرحلة الثانوية من 1.28% إلى 0.65% في الفترة نفسها.
وقد شمل التحسن في نسبة الرسوب كلا م الضفة الغربية وقطاع غزة، بحيث تراجعت نسبة الرسوب في الضفة الغربية في المرحلة الأساسية من 3.42% العام 1994/ 1995 إلى 2.22% العام 1998/ 1999، وتراجعت في المرحلة الثانوية من 1.99% إلى 1.41% في الفترة نفسها، وتراجعت النسبة في قطاع غزة في المرحلة الأساسية من 6.84% إلى 3.01%، وفي المرحلة الثانوية من 5.89% إلى 0.58% في الفترة نفسها أيضا"
مع انتفاضة الأقصى –سبتمبر 2000- عرف المستوى التعليمي بكل مستوياته حالة من الإرباك والصعوبة في التحصيل لعدة أسباب وعلى رأسها سياسة الإغلاقات التي مارسها الجيش الإسرائيلي ما بين المدن والقرى داخل المدينة الواحدة، الأمر الذي كان يحول بين الطلاب ووصولهم لمراكز التعليم، أيضا تدني المستوى المعيشي والدخل بحيث عجزت كثير من الأسر عن دفع الرسوم الجامعية، كما أن الحالة المتأججة للانتفاضة جعل طلاب المدارس والجامعات ينخرطون في أنشطة وطنية على حساب الاهتمام بالتعليم، أيضا عمل تسابق التنظيمات السياسية على استقطاب الطلبة وتجنيدهم لهذا التنظيم أو ذاك، على تسييس الجامعات الأمر الذي أثر سلبا على مستواها الأكاديمي.
بالرغم من الأحداث السلبية التي شهدتها مناطق السلطة الفلسطينية إلا أن التعليم شهد تطورا بشكل عام ففي إحصائية لوزارة التعليم صدرت عام 2008 كان عدد رياض الأطفال والمدارس في نفس العام 3402 ،منها 2521 روض ومدرسة في الضفة 881 في قطاع غزة .وبلغ عدد التلاميذ 1182246 تلميذ وتلميذة ،منهم 710287 في الضفة الغربية و 471959 في قطاع غزة .
أما بالنسبة لتطور التعليم الجامعي فحسب إحصائيات المركز الفلسطيني للإحصاء لعام 2011 فقد بلغ عدد مؤسسات التعليم العالي 14 جامعة و15 كلية جامعية و20 من كليات المجتمع المتوسطة.بالنسبة للجامعات في الضفة الغربية توجد 8 جامعات :جامعة القدس،جامعة القدس المفتوحة،جامعة بير زيت ،جامعة النجاح،جامعة الخليل،جامعة بيت لحم،الجامعة العربية الأمريكية- جنين- جامعة البوليتكنيك .أما في قطاع غزة فتوجد 6 جامعات :جامعة الأزهر ،الجامعة الإسلامية ،جامعة القدس المفتوحة،جامعة الأقصى – حكومية – جامعة غزة للبنات ،جامعة فلسطين.وهناك جامعات ومعاهد عليا ظهرت حديثا ولكنها لم تحصل بعد على اعتراف من وزارة التعليم العالي في الضفة الغربية .
وحسب إحصائيات العام الجامعي 2009/2010 بلغ عدد الطلبة المسجلين في مؤسسات التعليم العالي 196،625 طالب وطالبة ،فيما بلغ عدد المتخرجين سنويا 30 ألف طالب وطالبة .
هذا وتعتبر معدلات الأمية في الضفة والقطاع من أقل المعدلات في العالم حيث بلغت حسب إحصائيات 2009 بين الأفراد 15 سنة وأكثر 5،4% حوالي 123 ألف أمي، في حين بلغت 27،6% في الدول العربية، وكانت أعلى نسبة أمية في فلسطين في محافظة أريحا والأغوار .
وفي نفس السياق تشير بيانات مركز الإحصاء الفلسطيني لعام 2011 أن 48،8% من الأسر الفلسطينية لديها جهاز حاسوب بواقع 49،9% في الضفة الغربية و 46،4% في قطاع غزة.وبالنسبة للشبكة العنكبوتية – الانترنيت – بينت نتائج البحث أن 29،1% من الأسر الفلسطينية لديها اتصال بالانترنيت،بواقع 27،5% في الضفة الغربية و 32،2% في قطاع غزة.

المطلب الثالث :الحالة الاقتصادية والعمالة
أولا :الحالة الاقتصادية
حيث لا توجد دولة مستقلة لا يوجد اقتصاد مستقل وبالتالي فالحالة الاقتصادية في مناطق السلطة الفلسطينية تخضع لشروط واستحقاقات يفرضها واقع الاحتلال وقد حدث هذا بداية مع توقيع أبروتوكول باريس الاقتصادي في بداية السلطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين لتنظيم العلاقات الاقتصادية سواء تعلق الأمر بتحكمه بالاستيراد والتصدير أو بالمواد الأولية وأدوات الانتاج ثم تفاقم وضع الاقتصاد الفلسطيني سوءا مع الحصار الذي فُرض على الضفة والقطاع بداية ثم على قطاع غزة بعد سيطرة حركة حماس عليه منتصف عام 2007 .
لكل هذه الأسباب فإن الاقتصاد الفلسطيني ينتمي للاقتصاد الريعي حيث يعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية الدولية.ومع ذلك ولأن المجتمع الفلسطيني مجتمع فتي ونشط فقد حقق الفلسطينيون بما يشبه المعجزة تقدما في بعض الصناعات بل وكانوا يصدرون بعض المنتجات الصناعية والزراعية للخارج قبل أن تغلق إسرائيل المعابر وتمارس سياسة إغراق السوق الفلسطيني بالمنتجات الإسرائيلية.
لم يثبت الاقتصاد الفلسطيني ولا سوق العمل على حال حيث كانا سريعي التأثر بالحالة السياسية،فقبل وجود السلطة عرفت الضفة وغزة تطورا اقتصاديا ملحوظا بسبب العمالة الفلسطينية الكبيرة في إسرائيل وتدفقات الأموال من فلسطينيي الخارج ومن الدول العربية،أيضا بسبب أن السوق الإسرائيلي كان يستوعب كثيرا من الصناعات المحلية الفلسطينية،ولكن بعد مجيء السلطة عرف الاقتصاد الفلسطيني تراجعا نسبيا وإن كانت السلطة حاولت من خلال ما تتلقاه من تمويل خارجي إنقاذ الاقتصاد الفلسطيني وتعويض العمال الذين فقدوا عملهم في إسرائيل وخصوصا من أبناء قطاع غزة ،إلا أن تداعيات الانتفاضة والحصار وضع السلطة في وضع حرج .
بعد مؤتمر انابولس 2007 وتعهدات الدول المانحة بدعم الاقتصاد الفلسطيني انتعش الاقتصاد الفلسطيني وخصوصا في الضفة بشكل نسبي ،حيث تشير المؤشرات لعام 2011 أن الناتج المحلي الإجمالي حقق نمواً مرتفعاً في سنة 2010 بمعدل نمو بلغ 9.3%، حيث ارتفع من حوالي 5,241 مليون دولار سنة 2009، إلى حوالي 5,728 مليون دولار سنة 2010. ولكن تجدر الإشارة إلى وجود تفاوت كبير بين نسبة إسهام كل من الضفة والقطاع في هذا الناتج، وخصوصاً إذا ما قورنت هذه النسبة بنسبة السكان في كل منهما، فقد بلغت نسبة إسهام الضفة (التي يقطنها 62% من السكان) حوالي 76.5%، مقابل 23.5% لقطاع غزة (الذي يقطنه 38% من السكان). وقد أسهمت عوامل عدة في هذا التفاوت، أبرزها الحصار المفروض على القطاع، وحالة الانقسام الفلسطيني الراهنة، بالإضافة إلى التفاوت في عدد السكان وحجم القوى العاملة ومساحة الأرض والموارد الطبيعية وغيرها. وكان من الملفت للانتباه وجود نمو سالب في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من سنة 2010 قدره 3.6% في الضفة الغربية، مقارنة بالربع الثاني؛ بينما ارتفع النمو في قطاع غزة بنسبة 10% عن الفترة نفسها. ويعود هذا النمو المرتفع، على الرغم من الحصار، إلى اضطرار "إسرائيل" لاتخاذ خطوات إضافية نحو تسهيل حركة المبادلات عبر المعابر مع قطاع غزة، ولكن بصورة جزئية أو محدودة؛ وذلك في أعقاب الهجوم على قافلة الحرية أواخر أيار/ مايو 2010.
هذا النمو الملحوظ في الناتج المحلي لا يعني بالضرورة انتعاشا اقتصاديا أو تجاوز الأزمة على مستوى الاقتصاد ،فما زال المجتمع الفلسطيني يعيش ما يشبه حالة الانهيار الاقتصادي ،ذلك أن النمو أو زيادة الداخل التي تعتمد على المساعدات الخارجية والخدمات لا تعتبر مؤشرا صادقا عن النمو الاقتصادي أو تجاوز الأزمة ،وما نشهده من عجز للسلطتين والحكومتين في الضفة وغزة عن دفع رواتب الموظفين في منتصف عام 2011 يؤشر على عمق الأزمة،أيضا يمكننا المقارنة بين الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي بالناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني 2008-2010 (بالمليون دولار) كما هو في الرسم التالي :

فقد بلغ معدل دخل الفرد في الضفة الغربية وقطاع غزة حوالي 1,502 دولار في سنة 2010، مقارنة بحوالي 1,416 دولار سنة 2009، محققاً بذلك نمواً يقدّر بحوالي 6.1%. ولكن التفاوت بين الضفة الغربية وقطاع غزة كان واضحاً ، حيث بلغ معدل دخل الفرد حوالي 1,925 دولار في الضفة، مقارنة بحوالي 877 دولاراً في القطاع ومن الواضح أن الحصار هو السبب في هذا التفاوت.
ما يؤكد ما اشرنا إليه من استمرار أزمة الاقتصاد الفلسطيني بالرغم من النمو الرقمي في الناتج المحلي هو تصاعد ارتفاع نسبة البطالة حيث بلغت 23.7% سنة 2010، مقارنة بـ 24.6% سنة 2009. وكان من الملاحظ أن نسبة البطالة في قطاع غزة بلغت أكثر من ضعف مثيلتها في الضفة الغربية؛ حيث بلغت 37.8% في القطاع مقابل 17.2% في الضفة.
كما يشير التقرير الاستراتيجي الفلسطيني إلى ارتفع إجمالي الإيرادات العامة للسلطة الفلسطينية خلال سنة 2010 بنسبة 22.8% مقارنة بسنة 2009، حيث بلغ حوالي 1,901 مليون دولار سنة 2010، مقارنة بنحو 1,548 مليون دولار سنة 2009. غير أن صافي الإيرادات المحلية سنة 2010 لم يتجاوز 658 مليون دولار أمريكي، أي ما نسبته 34.6% من صافي الإيرادات العامة (مقارنة بـ29.6% سنة 2009)، في حين جاءت النسبة المتبقية (65.4%) من إيرادات المقاصة الناتجة عن عمليات الاستيراد والتصدير الفلسطينية، التي تحصّلها الحكومة الإسرائيلية، والتي ارتفعت بنسبة 14%، حيث زادت من 1,090 مليون دولار سنة 2009 إلى حوالي 1,243 مليون دولار سنة 2010.
أما النفقات العامة للسلطة لسنة 2010 فقد بلغت حوالي 2,983 مليون دولار، مقارنة بـ 2,920 مليون دولار سنة 2009، بنسبة ارتفاع قدرها 2.2%. وقد بلغت نفقات الأجور والرواتب سنة 2010 ما مجموعه 1,564 مليون دولار، أي ما نسبته 52.4% من إجمالي النفقات، مقارنة بـ 1,423 مليون دولار سنة 2009، مثلت ما نسبته 48.7% من إجمالي النفقات.
وقد بلغت قيمة العجز في الميزانية قبل احتساب الدعم الخارجي 1,082 مليون دولار سنة 2010، مقارنة بعجز قيمته 1,372 مليون دولار سنة 2009. أما بعد احتساب الدعم الخارجي، فقد حققت ميزانية سنة 2010 فائضاً قيمته 195 مليون دولار، حيث بلغت قيمة الدعم الخارجي 1,277 مليون دولار، في حين كان هناك فائض قيمته 30 مليون دولار في سنة 2009، التي بلغت قيمة الدعم الخارجي فيها 1,402 مليون دولار. ويُظهر ذلك تراجع حجم المنح والمساعدات الخارجية المقدمة لدعم ميزانية السلطة بنحو 9%.وكما أشرنا فقد عجزت السلطة عن دفع رواتب الموظفين خلال شهري يوليو وأغسطس 2011 حيث صرفت نص راتب فقط لكل شهر.
بسبب تداعيات الانتفاضة والحصار لاحقا، تراجع إسهام قطاعي الصناعة والزراعة في الناتج المحلي الإجمالي بصورة عامة منذ سنة 1999، حيث انخفض إسهام القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 14.5% سنة 1999 إلى 12.3% سنة 2010، وانخفض إسهام القطاع الزراعي في هذا الناتج خلال الفترة نفسها من 10.4% إلى 6.3% فقط. مع ملاحظة أن قطاع الصناعة لم يحقق سوى نمو سنوي محدود بمعدل لا يتجاوز 0.7% سنوياً خلال تلك الفترة، في حين شهد قطاع الزراعة تراجعاً ملحوظاً بمعدل 2.4% سنوياً للفترة نفسها.
المؤشرات السابقة يجب أن لا تغيِّب عن الأنظار وجود الانقسام بين الضفة وغزة ،ففي قطاع غزة حكومة واقتصاد قائم بذاته نسبيا،صحيح أن السلطة الوطنية وحكومتها في رام الله تقدم خدمات أساسية على مستوى الصحة والتعليم والبنية التحتية بالإضافة إلى رواتب ما يزيد عن ستين ألف موظف في القطاع ،إلا أن لحكومة غزة ميزانيتها ومصادر تمويلها الخاصة حيث تتدفق عليها أموال باهضة غير خاضعة للرقابة وأغلبيتها لا تدخل ضمن الواردات المسجلة في ميزانية الحكومة،بالإضافة إلى أموال الجباية التي تفرض على المواطنين ولا تذهب لخزينة السلطة في الضفة ،أيضا هناك اقتصاد الأنفاق والتهريب الخ.
ثانيا :العمل والعمال
حسب نتائج مسح القوى العاملة في الضفة وغزة عام 2011 أورد الإحصاء الفلسطيني النتائج التالية للمسح للربع الثاني من عام 2011 ،ومما جاء في المسح أن 42.7% نسبة المشاركة في القوى العاملة بين الأفراد 15 سنة فأكثر ،فقد بلغ عدد المشاركين في القوى العاملة في الأراضي الفلسطينية 1.048 مليون شخص خلال الربع الثاني 2011، حيث بلغ عددهم في الضفة الغربية 711 ألف شخص وفي قطاع غزة 337 ألف شخص. 45.3% نسبة المشاركة في القوى العاملة في الضفة الغربية، مقابل 38.1% في قطاع غزة. 68.6% مشاركة الذكور في القوى العاملة في الأراضي الفلسطينية، مقابل 16.2% للإناث.
أما عدد العاطلين عن العمل حسب تعريف منظمة العمل الدولية فقد بلغ 195 ألف شخص في الأراضي الفلسطينية خلال الربع الثاني 2011، منهم 109 ألف في الضفة الغربية و86 ألف في قطاع غزة.،وهذا يعني أن 25.6% معدل البطالة في قطاع غزة للربع الثاني 2011 مقابل 15.4% في الضفة الغربية.ونلاحظ من الإحصاء أن 16.4% معدل البطالة للذكور في الأراضي الفلسطينية، مقابل 28.6% للإناث.
أيضا نلاحظ في تقرير مركز الإحصاء المشار إليه أن قطاع الخدمات الأكثر استيعاباَ للعمالة المحلية 5بين الضفة الغربية 32.0% وبين قطاع غزة 52.0% من العاملين.يليهم العاملون في القطاع الحكومي حيث بلغت نسبتهم 21.6% بواقع 38.6% في قطاع غزة، و14.5% في الضفة الغربية.ونلاحظ ارتفاع عدد العاملين في القطاع الحكومي في قطاع غزة عنه في الضفة نظرا لأن حكومة غزة وبعد سيطرتها على القطاع عملت على إحلال موظفين تابعين لها بدلا من موظفي السلطة الوطنية كما جندت الآلاف في الأجهزة الأمنية بحيث يُقدر عدد موظفي حكومة غزة 40000 (أربعون ألف موظف).
من أسباب قلة عدد العاملين في القطاع الحكومي في الضفة أن الضفة منطقة واسعة مقارنة بغزة وبها نشاط زراعي وصناعي وخدماتي متطور وهي أكثر انفتاحا على العالم الخارجي من قطاع غزة المحاصر، بالإضافة إلى ذلك فإن نسبة كبيرة من القوى العاملة في الضفة تعمل داخل إسرائيل وهو الأمر غير المسموح به لعمال قطاع غزة ،وحسب مركز الإحصاء الفلسطيني فقد ارتفع عدد العاملين من الضفة الغربية في إسرائيل والمستوطنات من 78 ألف عامل في الربع الأول 2011 إلى 84 ألف عامل في الربع الثاني 2011.


المبحث الثاني
الدين والمجتمع في فلسطين
أسوة بغالبية المجتمعات العربية يحتل الدين موقعا مؤثرا في حياة الناس سواء على مستوى نمط التفكير أو السلوك والممارسة، إلا أنه في الحالة الفلسطينية يلعب الدين دورا أكثر حضورا نظرا للخصوصية الدينية لفلسطين، حيث الاحتلال الصهيوني يؤسس وجوده على مرجعية دينية يهودية تتعارض مع المرجعية الإسلامية، وسنعالج الموضوع في بعديه الاجتماعي العام والسياسي بالرغم من تداخل البعدين.

المطلب الأول: الدين كمحدد رئيس للسلوك والتفكير الجمعي:
استحضار المقدس أو الدين لم يكن في يوم من الأيام غائبا عن الحياة الاجتماعية والسياسية لدى شعوب المنطقة حتى ما قبل ظهور الديانات التوحيدية حيث كان ملوك الشرق يعتبرون أنفسهم آلهة أو نواب للآله وبالتالي يخلطون الدين بالسياسة،الدين عند شعوبنا هو الأكثر بروزا انطلاقا من كون بلادنا منبع الديانات السماوية الثلاث، إلا أن الاستحضار المكثف للدين وجعله مرجعية عند البعض للتحريم والتحليل ولإضفاء المشروعية على الوضع القائم من نظم سياسية أو تراتبية اجتماعية أو مصالح أو تجريده منها، أخذ اليوم شكلا أكثر حدة وخلق حالة من التعصب الديني الجماعي جعل كل الأوضاع القائمة سياسية واقتصادية واجتماعية، أنظمة وأيدلوجيات، تأخذا طابعا دينيا، وفي السنوات الأخيرة أخذ يعاد النظر في كل هذه المجالات لتخضع لعملية تقييم من جديد ليس على أساس شرعيتها القانونية وجدواها العملية بل على أساس مدى ربطها بالشريعة الإسلامية كما يحدد معالمها أصحاب التيار الديني من أنظمة ثيوقراطية وحركات سياسية دينية، ورجال دين يجتهدون كما يحلو لهم، بمعنى أن الحكم على الأمور لم يعد يستند إلى العقلانية أو إلى مرجعية دينية متفق عليها بل إلى تراث واجتهادات أضفى عليها البشر الطابع الديني مما جعل المقدسات المصنوعة والمتوهمة أقوى وأكثر تأثيرا من المقدسات الحقيقية.
لكل ذلك فإن الرب أو الدين يتغلغل في نسيج حياتنا ويشكل عنصرا محوريا في نمط تفكيرنا وعقليتنا وشعورنا الواعي وغير الواعي، إنه معنا في اليقظة وفي المنام في البيت وفي العمل في التجارة وفي السياسة في سلوكنا الخيِّر وفي سلوكنا الشرير، إنه بشكل آخر اللازمة التي تميز عقلنا العربي الإسلامي عن غيره، لكن الرب الذي نستحضره ونوظفه ليس بالضرورة رب العالمين الرب المطلق اللامتناهي رب الجميع بل هو رب نتخيله ونفصله على هوانا وبحسب مقاسنا، رب يعتقد البعض أنه لم يوجد إلا لنا ولا شغل له إلا نحن... رب نريد منه أن يغفر مساوئنا بعد أن نرتكبها ويتجاوب مع ما نريده من صالح أو طالح، رب نستحضره إن كان في استحضاره ما يحقق أغراضنا وننساه أن كان في ذلك مصلحة لنا.
إن الظاهرة في عمقها ليست مشكلة الدين أو الإسلام وبالتالي ليست المشكلة أن نكون علمانيين أو نكون أصوليين، ولكنها مشكلة العقليات التي توظف الدين في حياتنا اليومية لأغراض ومصالح شخصية أو حزبية ضيقة، المشكلة في حقيقتها ليست خلافا بين من يؤمن ومن لا يؤمن، بل هي أكثر تعقيدا وعمقا وخطورة مما قد يوحي به السياسيون والكتاب من علمانيين وأصوليين حتى أكثر عمقا من إدراك بعض أصحاب الحركات السياسية والحركات الدينية، المشكلة لا تكمن في الدين بحد ذاته بل في التصورات والممارسات الخاطئة التي تنسب إلى الدين.
أن المتعمق في البحث في واقع مجتمعاتنا العربية والإسلامية لن تعوزه النباهة ليكتشف وجود ما يشبه الطبقة من رجال الدين أو الكهنوتية، بل إن هذه الطبقة أسوء وأكثر خطورة من الكهنوتية المسيحية في القرون الوسطى، هذه الطبقة تشكلت عبر عقود طويلة من مصادرة الدين على يد رجال دين تقليديين من أئمة مساجد وشيوخ وعلماء منغلقين عن العالم وتحولاته ومستجداته وعلومه ويفكرون بالشكل الذي يتفق مع مصالحهم ورغباتهم، كما كان الدين محتكرا من قبل السلطة السياسية لأنظمة تفتقر للشرعية الشعبية، وكانت توظف الدين بالشكل الذي يخدم أغراضها ويبرر فسادها وتسلطها، هذا الاحتكار كان يوسع الهوة بين الناس العاديين وبين الفهم الحقيقي للإسلام وإدراك معانيه السامية والمرنة (الإسلام دين يسر وليس دين عسر)، وما كان يزيد الأمور تعقيدا هو التحالف بين الفئتين السابقتين: رجال الدين من جانب والسلطة من جانب آخر.
لا غرو أن للدين حضورا في كل المجتمعات ومنذ بدء الخليقة، إلا أنه في مجتمعاتنا العربية والإسلامية أكثر حضورا بسبب توظيفه المكثف من طرف قوى سياسية داخلية وخارجية خلقت حالة من الاستقطاب بين من يسمون بالعلمانيين من جهة والأصوليين من جهة أخرى، ونُسِبت للعلمانية قيم الحداثة والتطور والديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما ألصقت بالأصولية تهمة التخلف والانغلاق والجمود الفكري.
فُهِمت العلمانية عند البعض وكأنها رديف للإلحاد وما ساعد على ترسيخ هذا الفهم ممارسة بعض القاتلين بالعلمانية وخصوصا من الشيوعيين الذين أرادوا إسقاط التجربة العلمانية والماركسية في اأوروبا على مجتمعاتنا،فيما أي تفكير عقلاني وموضوعي سيصل لنتيجة أنه لا تعارض بين الدين والتطور والحداثة وأن شكلا من عقلانية التفكير والممارسة الدينية سيمكن المسلمين من دخول عالم القرن الواحد العشرين دون خوف على دينهم أو تفريط بمعتقداتهم، فإن نحترم أصولنا لا يعني أن نعادي العالم أو نغلق الباب أمام اختراعاته ومنجزاته على كافة الصعد وتجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا نموذجا على ذلك ، ولكن المشكلة هي كيف نفهم الأصولية؟ وما هو الأصل؟،.
لا يحتاج المفهوم "الأصولية" إلى الرجوع إلى أصولها الغربية كما يذهب بعض الكتاب العرب. فالأصولية، لغة ومعنى واصطلاح، مستمدة من اللغة العربية ومن التاريخ العربي الإسلامي فهي تأتي من "الأصل"، فأصل الشيء هو "الأساس الذي يقوم عليه ونشئوه الذي ينبت منه". والعودة إلى أصول الإسلام ومنابته الأولى ليست بالشيء الجديد في التاريخ العربي الإسلامي، الأمر الذي أتاح لظاهرة الأصولية بعدا زمنيا مكنها من الوصول إلى مرحلة "التأسيس النظامي" داخل المجتمع، أي أنها أصبحت جزءا من الواقع الاجتماعي، يتعامل المجتمع معها ليس بهدف إيجاد حل نهائي لها كظاهرة اجتماعية/ دينية، بل للتكيف معها واستيعابها وتدجينها وتبيئتها بما لا يخل بانتظام النسق الاجتماعي، وبالتالي يصعب التكهن باستئصال المشكلة –الظاهرة- على المدى القريب، في ظل البنى العقلية والاجتماعية نفسها، وفي ظل الشروط والأوضاع المشار إليها سابقا، وخصوصا أن كل الأطراف تسعى إلى توظيف الدين لخدمة مصالحها الخاصة، بما في ذلك الأنظمة نفسها، التي تشتكي من ظاهرة التطرف الديني.
إن تكرار ظاهرة (التطرف الديني) أو الحركات الأصولية، ووجودها في غالبية المجتمعات الإسلامية مع تباين صور التعبير عنها من حالات تفجر واحتدام أحيانا تصل لمرحلة الحرب الاهلية، إلى حالات تعايش مع الوضع القائم،وظهور المشكلة على شكل موجات وفي فترات متقطعة، وأخذها طابعا عصبويا استقطابيا ،كل ذلك يدفع إلى القول: إن العوامل الحقيقية لظهور الظاهرة عوامل دنيوية، تتعلق بشروط الحياة وأشكال نظمها المختلفة، فإذا سمحت الظروف السياسية والاجتماعية والأوضاع الاقتصادية بتوفير شروط حياة أفضل للمجتمع، وبخلق توازن بين أنساقه أو شرائحه المختلفة، وتوفير متطلبات التعايش السلمي بين مختلف شرائح المجتمع وطوائفه،تعايش بالتراضي لا بالقهر،... توارت المشكلة بشكلها المتطرف وانتفى مبرر استحضار الرب لينوب عن البشر في حل مشاكلهم.
أما إذا اختل التوازن وعجزت السياسة عن خلق حالة تعايش وانسجام داخلي وإذا تأزمت الظروف الاقتصادية وأصبحت الفلسفات والأيديولوجيات الدنيوية عاجزا عن حل مشاكل المجتمع. وأصبح الشباب يعيشون في حالة ضياع وتشتت وفقدان ثقة في كل شيء، تظهر الحركات الدينية كعامل تحريض وإثارة، وكعامل استقطاب وتميز أو كعامل رفض واحتجاج –أو كل ذلك- لتدخل الميدان موظفة خطابا يزعم أصحابه أنه البرنامج البديل القادر على حل مشاكل المجتمع، أي أن الحلول المُقترحة يُضفى عليها طابعا دينيا لغياب أو فشل الحلول الدنيوية العلمانية، لكن المشكلة في جوهرها تبقى دنيوية.
لا شك في أن التطرف الديني هو تصرف لا عقلاني، بينما الإسلام والتدين بشكل عام، في مغزاه العميق الروحي والأخلاقي، هو تصرف عقلاني، ولكن ما يجعل التدين عملا لا عقلانيا بصل إلى مرحلة التطرف الاستقطابي القائم على تكفير الآخر ونبذه، هو لا عقلانية الواقع القائم من نظم فكرية وأنظمة وفسادها وانتقاء شروط الحياة الكريمة، كما أن المواقف اللاعقلانية والعنصرية للغرب في تعامله مع الشعوب الإسلامية –والعربية خصوصا- هي التي تستثير الجانب اللاعقلاني عند المتدينين، وهو جانب التطرف والانكفاء على الذات ومعاداة الآخر. وكلما تمت عقلنة الواقع بجعله قائما على العدل والإنصاف واحترام إنسانية الإنسان وحقوقه، نزعت من المتدينين صواعق تفجرهم وتحولهم إلى ممارسي سلوك غير عقلاني، أي إلى ظاهرة التطرف الديني، أو بشكل آخر، كلما جعلنا الحاضر أفضل من الماضي –وهذه هي سنة الحياة وطبيعة التطور الذي يسير إلى الأمام دوما- الذي تتقمصه بعض الحركات الأصولية، وتجعله نموذجا لما يجب أن يكون، وكلما أصبحت المجتمعات المسلمة أكثر قدرة على التحكم في واقعها وعلى التحرر من عوامل الهيمنة والاستلاب التي تحكم علاقتها بالمجتمعات الأخرى، قلت الحاجة إلى الاستنجاد بالماضي وبالسلف الصالح، وانتقى مبرر انتشار النزعة الدينية المتطرفة.
إذاً الأسباب الحقيقية الكامنة وراء تفجر ظاهرة التطرف واحتدام الصراع بين الأصوليين من جهة، وبين أنظمة وقوى "علمانية" من جانب أخر، هي أسباب دنيوية، مشاكل ترتبط بالفقر والبطالة والهيمنة الأجنبية والإحباط واليأس المسيطر على الجبل الصاعد، أي أنها غير مرتبطة مباشرة بالإيمان بالله أو عدم الإيمان به، أو بأن نكون مسلمين أو غير مسلمين وبالتالي، فإن طرح بعض الحركات الإسلامية الجانب السلوكي والطقوسي من الدين لا يعبر عن حقيقة المشكلة ولن يساعد على حلها، لأنها ببساطة لا تتعامل مع جوهر المشكلة، حتى في الجانب الديني الإيماني، فحيث إننا لسنا في زمن الأنبياء والرسل والقديسين، وحيث إن هذه الحركات أو الأشخاص، لا يمكنها أن تدعي أنها على اتصال برب العالمين، أو أنها تحتكر السر الإلهي، ولا تدعي أنها جاءت بآية قرآنية جديدة، أو بحديث نبوي جديد، إذا فهي تسعى لتوظيف واستحضار الدين، والمقدس الذي هو للجميع، من أجل أهداف سياسية واجتماعية أو اقتصادية، أي دنيوية بشكل عام.
ونعتقد أن توظيف الدين لصالح الدنيا ليس بالأمر الخطأ بل هو أساس وهدف الدين ولكن يجب عقلنته من خلال إعادة النظر، ليس في الدين بعد ذاته، ولكن في الموضع الذي يحتله في المجتمع، فلا شك أن الحركات الدينية تكتسب مصداقية بتموضعها كحالة رفض لواقع لا خلاف على فساده، وعلى الحاجة إلى تغييره، وتتموضع كإطار يملأ الفراغ الناجم عن انسحاب الأيديولوجيات الأخرى، وكتعبير عن هوية تمايز عن الآخر –الغرب الامبريالي والكيان الصهيوني- الذي لا يخفى عداءه القومي والديني والحضاري لكل ما هو عربي ومسلم، أي أن الإسلام يصبح في هذه الحالة كخط دفاع أخير يستند إليه العرب والمسلمون حتى لا يندثروا وينتهوا كأمة وكمجموعة بشرية متحضرة والخوف الذي تبديه الدول الأوروبية والكيان الصهيوني من المد الأصولي، وتأليبها الأنظمة العربية ضد الأصوليين بل وتأجيجها نار الفتنة وصب الزيت على النار، كل ذلك يرجع إلى تحسس الدول الاستعمارية وبعض الأنظمة العربية لما يمكن أن تمثله الحركات الأصولية من فضح للواقع الفاسد واستقطاب للقوى الرافضة له. وحيث أن هذا الواقع العربي الإسلامي يخدم المصالح الغربية والكيان الصهيوني، فإن مصلحة الغرب الدفاع عن هذا الواقع بمناوأة الحركات الأصولية بانتهاج سياسة مدروسة ومحسوبة، أي أنها ليست مناوأة مطلقة لكل الحركات الأصولية، بل لمن لا تتماشى سياستها وممارستها مع مصلحة الغرب.
ولا شك أيضا في أن الدين، كعنصر استقطاب وتميز عن الآخر، وكقيم أخلاقية وروحية، قد لعب عبر التاريخ دورا مفصليا في معارك الشعوب ضد أعدائها وفي استنهاض الهمم وشحنها، إلا أن هذا الدور للدين ما كان يمكن أن يكون لولا وجود قيادة عاقلة تُحسن توظيف الدين في هذا المجال، ولولا وجود مجتمع نشط ومبدع وفاعل، ووجود مثقفين وعلماء ليسوا أدوات في يد السلطة السياسية، أي لولا توافر شروط موضوعية –سياسية اقتصادية اجتماعية- تهيئ المناخ المناسب للدين ليلعب هذا الدور، فالفرق بين مسيحية أوروبا في عصر الظلمات ومسيحيتها بعد عصر النهضة، ليس اكتشاف كتاب مقدس جديد أو نص ديني غاب عن الأولين، وليس في تخلي أوروبا في عصر النهضة وما بعد عن الكتاب المقدس، ولكن الفرق يكمن في تغيير العقليات، وفي ظهور طبقات ونخب جديدة، تمردت على احتكار الدين من قبل البعض، وتمردت على تجهيل المجتمع باسم الدين، وأعطت تأويلا جديدا للدين ودوره في المجتمع. والأمر نفسه بالنسبة إلى الحضارة العربية الإسلامية، ففي ظل الإسلام –قرآن وسنة- شيد المسلمون حضارة من أعرق الحضارات، وفي ظل الإسلام نفسه –قرآن وسنة- وصل العرب والمسلمون إلى الحضيض. فالخلل إذا، ليس في القرآن والسنة، ولكن في البشر المتعاملين معهما، الخلل أن أشخاصا محددين احتكروا (السر الإلهي) ووظفوا الدين ليس في خدمة الرب ولا في خدمة البشرية ولا في خدمة شعوبهم أو غالبيتها، لكن في خدمة مصالح شخصية وفئوية ضيقة.
إذا، في ظل المأزق تمر به الأمة العربية، وفي ظل الهجمة الاستعمارية والصهيونية الشرسة لإفقاد العرب ما تبقى لديهم من منعة وعزة وكرامة، يمكن توظيف الدين ليكون عنصر قوة ومنعة، عنصر توحيد واستنهاض للهمم، ليقوم بما عجزت عن القيام به الأنظمة والأديولوجيات المنهارة، ولكن ليس من خلال التعامل مع الحركات الإسلامية باعتبارها حركات إحيائية، بل التعامل معها كحركات واقعية ومستقبلية، حركات تعانق الحاضر وعينها على المستقبل، وليس على الماضي –إلا باعتبار الماضي عبرا ودروسا تستلهم- وحصر مظاهر التقديس على أساسيات الإسلام التي لا خلاف عليها، على أن تبقى العلاقة بين الإنسان وربه، وعدم قبول تنصيب أيا كان نفسه نائبا عن الله في التحريم والتحليل، وفي منح صكوك الغفران أو الوعيد بنار جهنم، وما عدا ذلك من أمور يتم التعامل معها كمؤسسات وأفكار اجتماعية تستمد مصداقيتها وأحقيتها في الإظهار على غيرها، ليس بزعم انتسابها إلى الإسلام، ولكن بقدرتها على إثبات الذات في معركة الحياة وفي مواجهة المؤسسات والفلسفات والأيديولوجيات الأخرى.
فمن غير المعقول مواجهة واقع فاسد وحضارة الغرب المادية المتفوقة، بالروحانيات وبالنصوص وبالتاريخ وبعمليات عنف تدمرنن وتسيئ لنا أكثر مما تسيء للغرب، بل يجب أن نواجهها بواقع قوي متماسك، وإلا كيف يعقل أن ندعي عظمة الإسلام وعظمة حضارة العرب والمسلمين، ونحن ضعفاء متفرقون متخلفون؟ ذلك أن مجرد امتلاكنا القرآن والسنة النبوية وحفظنا إياهما، وامتلاكنا تاريخا مجيدا مليئا بالإنجازات الحضارية، لن تغير هذه الأمور في الواقع شيئا، فليس تردي واقعنا وتخلفنا من (إرادة الله) بشيء، بل هو بإرادة البشر وتقاعسهم، والخروج من هذه الحالة لن يكون بانتظار إرادة الله بأن يقول للشيء (كن فيكون)، بل يكون بإرادة البشر وعملهم والتغيير الاجتماعي ومسيرة التاريخ هما دائما يسير حسب إرادة الأقوياء الفاعلين، وكل عظمة الحضارة العربية الإسلامية التليدة الماضية، لا تستطيع اليوم أن تطعم طفلا جائعا رغيفا من الخبز.
إن كل أتباع الديانات الأخرى، سماوية أو غير سماوية، والتي قد تكون أقل شأنها من الإسلام، لم ينتظروا إذنا من ربهم أو وحيا منه ليطوروا أوضاعهم ويحسنوا شروط حياتهم، ولم يرجعوا نكسة أصابتهم أو أزمة تعرضوا لها إلى إرادة فوق بشرية، بل بحثوا في الخلل في ذواتهم، ونظمهم وعلاقاتهم، وبالتالي تحركوا بمحض إرادتهم وعن قناعة عقلية، وبدافع المصلحة، محيدين للرب من صراعاتهم وعلاقات بعضهم مع بعض، وانطلقوا وهم مؤمنون بأن عملهم على ما فيه خير الدنيا وتحسين ظروف وشروط حياة الإنسان بخدم دينهم كما يخدم دنياهم ، وهم بذلك لم يتخلوا عن دينهم، فلا المسيحيون تخلوا عن المسيحية ولا البوذيون كفروا ببوذا، وإلا اليهود تخلوا عن يهوديتهم، فعندما أصبح هؤلاء أقوياء قويت معهم دياناتهم.
وعليه، لا يمكن إنكار أن اللجوء إلى الإسلام كخط دفاع يوقف حالة التراجع التي تعرفها الأمتان العربية والإسلامية، وعنصر تعبئة وتحريض، وكتعبير عن رفض الانضواء تحت هيمنة الآخر واستلابه، وكهوية تمايز، يصبح عملا مشروعا ومبررا، إلا أنه حتى يكون له الدور الاجتماعي المتضمن في جوهر الإسلام، باعتباره ثورة ومشروعا حضاريا، يفترض أن تكون طريقة توظيف الدين في اتجاه التوحيد لا التفرقة، في اتجاه البناء المستقبلي لا النظر إلى الماضي، في اتجاه إظهار عناصر التمايز عن الآخر، لا على أساس النص الديني أو عظمة الماضي، بل تمايز يقوم على الأفضلية والإظهار المبنيان على قدرة الفعل في التعامل مع الحاضر.
وإنه لما يتناقض مع جوهر الإسلام، ومع قدرة الخالق اللامتناهية، أن نحسبه في نصوص بعينها، أو نحوزه ضمن أوضاع وظروف دون غيرها، أو أن يصبح أداة لشخص أو جماعة، لا يكون الرب حاضرا إلا بها ومعها ولا يعرف أسراره إلا هم.
وحيث إنه لا يعقل أن يكون الله رب العالمين ضد أن يكون عباده أقوياء ومتحضرين، فإن الرب، رب المسلمين والعالمين لا بد أن يكون محبذا بل وداعيا إلى كل ما من شأنه رفعه راية المؤمنين، بل ومحبذا كسر حاجز الخوف من المحرم المبالغ فيه، وغير المستمد من نصوص واضحة وصريحة في تناول القضايا الدنيوية، حيث أن الخوف من المحرم –المتخيل والمصطنع بل والمؤدلج وليس المحرم الديني الصريح النص- وإضفاء صفة التقديس على أوضاع وأشخاص باسم الإسلام، شيء بتناقض مع جوهر الإسلام ويسيء له أكثر مما ينفعه: أمر يرهب الناس ويبعدهم عن الإسلام بدلا من أن يقربهم إليه.
مما لا مراء فيه، أنه لا يمكن لأحد الآن أن يدعي أنه يملك الحقيقة الإلهية، أو يزعم أنه موحي له بها، بالتالي فإن أي شخص –أو حركة- يتحدث عن الإسلام وباسمه، إنما يتحدث عن تأويل خاص أو وجهة نظر خاصة، فهو غير مفوض له إلاهيا، وليس فوق البشر. إن مقياس الحكم على أي تفسير أو ادعاء حول الدين يجد محكه العملي ليس في امتلاكه الحقيقة الإلهية أو الدفاع عنها –فهي خارجة عن نطاق البحث لأنه لا يوجد من يجادل فيها- ولكن في الواقع الإنساني، في الإنساني، في قدرته على توظيف قيم الإسلام ومبادئه الأخلاقية لخدمة الإنسان والاجتماع الإنساني، هذا الأخير، الذي لا يؤسس على المقدس فقط، بل على نظم يضعها البشر ويقيمونها، وتكييفات لأوضاع مستحدثة لا عهد للأقدمين بها أي على الاجتهاد ضمن قواعد وضوابط متفق عليها . فالإسلام هو سعي متواصل نحو الكمال، وأي شخص -أو جماعة- يدعي أنه وصل إلى الكمال الإسلامي، وأنه يمثل الحقيقة الإسلامية والنموذج الكامل للإسلام، إنما هو ضد الله بما هو مطلق، ولا نهائي وضد الإسلام الذي هو لكل الأزمة ولكل البشر.

المطلب الثاني: خصوصية الدين في المجتمع الفلسطيني:
الحديث عن العلمانية والأصولية في المجتمع الفلسطيني مستمدة من خصوصية الحالة السياسية وخصوصية فلسطين تاريخيا كمهد الديانات السماوية الثلاث.ففلسطين مقدسة بالنسبة لأصحاب الديانات الثلاث مع تدرج في طبيعة الحال في درجة التدين فهناك تعصب يهودي صهيوني وهناك تسامح إسلامي بشكل عام، مع بعض التعصب كردة فعل على التعصب اليهودي والاحتلال الإسرائيلي الرافض للاعتراف بالحق الفلسطيني، أما بالنسبة للمسيحيين فالصورة أكثر تعقيدا وتشابكا فكثير من المسيحيين في المجتمع الفلسطيني كانوا قادة في حركة التحرر الفلسطينية والعربية ولهم دور كبير جدا إلا أن نضالهم لم يكن على أساس ديني بل وطني وقومي، وبالتالي لم يشكلوا حركة مسيحية تقاوم المشروع الصهيوني على أساس ديني.
من الملاحظ أنه حتى بعد افتضاح المشروع الصهيوني اليهودي مع وعد بلفور استمرت الحركة الوطنية الفلسطينية بعيدة عن التعصب الديني حيث يلاحظ أن أول ظهور للحركة الوطنية الفلسطينية في 1918 كان من خلال جمعيات حملت اسم الجمعيات الإسلامية والمسيحية، وهي تحالف بين المسيحيين والإسلاميين لمواجهة الخطر الصهيوني، وكان دور هذه الجمعيات كإطار للحركة السياسية الفلسطينية ومعبر عن مطالب الشعب الفلسطيني له دلالة واضحة وهي تأكيد أن الشعب الفلسطيني شعب متدين دونما تعصب. إلا أن قيام الكيان الصهيوني في 48 ثم ممارساته الإرهابية اللاحقة ثم احتلاله لبقايا فلسطين في 67 وإعلانه ضم القدس واعتبارها عاصمة له وما جرى في الانتفاضتين وفي العدوان على غزة كل هذا استفز الشعور الديني عند الشعب الفلسطيني وعند العرب والمسلمين، إلا أن المشاعر الدينية المتأججة لم تكن موجهة ضد أصحاب الدين اليهودي بل كانت موجهة ضد الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل.
لقد تجلى االتسامع وعدم التعصب عند الفلسطينيين مبكرا حين ميزت حركة التحرر الفلسطيني بين اليهودية و الصهيونية من منطلق أن الصهاينة فئة من اليهود يوظفوا الدين لأغراض سياسية استعمارية،هذا االتمييز تحول إلى سياسة رسمية عند منظمة التحرير الفلسطينية وحكم سلوكها ونهجها لاحقا مع اليهود عبر العالم.
اعتبارات متعددة وقفت وراء عدم التركيز على البعد الديني كمحدد رئيس في المواجهة مع الكيان الصهيوني طوال عقد السبعينات، فبالإضافة إلى ما ذكرناه حول طبيعة الدين الإسلامي الذي يعترف ويحترم أصحاب الديانات السماوية فإن التركيبة السكانية في فلسطين كانت عنصرا يدفع في هذا الاتجاه حيث يوجد مسلمون ومسيحيون ويهود عرب فلسطينيون، والعديد ممن كانوا على رأس حركات المقاومة الوطنية الفلسطينية كانوا من المسيحيين، أيضا هناك عامل آخر مهم وهو أن الفكر السياسي العربي الفلسطيني الذي ساد خلال تلك المرحلة كان فكرا قوميا اشتراكيا يساريا لا يؤسس برنامجه على أسس دينية بل طغت عليه العلمانية ، وربما كان لتحالف حركة التحرر العربية آنذاك بما فيها الحركة الوطنية الفلسطينية مع المعسكر الشيوعي أو الاشتراكي دور في تراجع دور الدين كعامل من عوامل الصراع بالرغم من أن كثيرا من قادة حركة فتح كانوا منتمين لحركة الإخوان المسلمين .
هذه الخصوصية لفلسطين كملتقى الديانات دفع حركة المقاومة في بداية السبعينيات لرفع شعر الدولة الفلسطينية الديمقراطية التي يتعايش فيها أصحاب كل الأديان المقيمين على أرض فلسطين، ففي بيان لحركة فتح آنذاك جاء (نحن نقاتل اليوم في سبيل إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها الفلسطينيون بكل طوائفهم مسلمين ومسيحيين ويهود في مجتمع ديمقراطي تقدمي ويمارسوا عباداتهم وأعمالهم مثلما يتمتعون ببقية حقوقهم المتساوية، إن ثورتنا الفلسطينية تفتح قلبها وفكرها لكل بني الإنسان الذين يريدون أن يعيشوا في المجتمع الفلسطيني الحر).
وكان لابد من انتظار الثمانينات بما حفلت به من أحداث وتحولات كتراجع المد القومي اليساري العلماني وقيام الثورة الإيرانية والثورة الأفغانية ضد السوفييت ثم انهيار المعسكر الاشتراكي حليف القوي اليسارية والعلمانية في فلسطين، وفوق كل هذا الإرهاب الصهيوني المتعاظم وعدوانه على الشعب الفلسطيني ليؤدي كل ذلك لتصاعد المد الديني الأصولي ، وكانت الانتفاضة الفلسطينية هي اللحظة التاريخية والساحة العملية التي أظهرت قوة التيار الديني في المجتمع الفلسطيني حي أعلنت حركة حماس عن نفسها عام 1987م وفي نفس الفترة ظهرت حركة الجهاد الإسلامي، ومع انتفاضة الأقصى وما صاحبها من ترد في الأوضاع الاقتصادية وحالة إحباط ويأس من الوضع السياسي، عمت المظاهر الدينية المجتمع الفلسطيني.
كان من أهم ما نتج عن دخول البعد الديني في الصراع مع الكيان الصهيوني بشكل مكثف هو إعادة النظر في طبيعة الصراع، فبعد أن كان البعد القومي سائدا حتى بداية الربع الأخير من القرن العشرين تغير الوضع في بداية القرن الواحد والعشرين، وباتت تساؤلات تدور حول هل الصراع مع إسرائيل صراع ديني بين اليهود والمسلمين لا يحسم إلا باستئصال وجود اليهود من أرض فلسطين أم صراعي سياسي يمكن حاله من خلال تسوية تؤدي للتعايش المشترك؟ فإذا كانت السلطة الوطنية بقيادة منظمة التحرير اتخذت موقفا واضحا لاستعدادها لطي صفحة الصراع مع إسرائيل إن انسحبت من الأراضي المحتلة عام 67 وقامت الدولة الفلسطينية المستقلة، فإن التيار الإسلامي –حماس والجهاد- استمروا باعتبار الصراع صراعا دينيا لا يحسم إلا بإزالة الوجود الإسرائيلي،مع أنه بعد الانقسام وسيطرة حركة حماس على القطاع تغيرت مواقفها وأصبحت مستعدة للتعايش الواقعي مع إسرائيل.
وهكذا نلاحظ أن الدين في المجتمع الفلسطيني يلعب دورا اجتماعيا ودورا سياسيا في نفس الوقت بل طغى الدور السياسي للدين على الدور الاجتماعي مع أن هذا الأخير لم يكن مغيبا في يوم من الأيام. ونعتقد أن البعد الديني سيبقى مكونا أساسيا في المجتمع الفلسطيني ما دام هناك احتلال، وحتى وإن حسمت أوجه الصراع من سياسية واقتصادية وقانونية مع إسرائيل فسيقي الدين عامل توتر ما دام الكيان الصهيوني يؤسس وجوده على عقيدة صهيونية يهودية متعصبة وما دام يستحضر بقوة كل الرموز والأساطير الدينية اليهودية ولا تعترف بأي حقوق للمسلمين والمسيحيين. ولكن أٌقول أنه في الوقت الذي يجب أن نطرح رؤية سياسية كديمقراطيين ودعاة سلام، إلا أننا ما زلنا نحتاج إلى الدين في هذه المرحلة للرد على الأصولية الصهيونية السائدة وخصوصا بعد التوجه الصهيوني لتحويل إسرائيل لدولة يهودية خالصة.
في الحالة الفلسطينية لا يمكن إقصاء الدين ولكن مطلوب دمج الجماعات الدينية في المشروع الوطني وليس إلحاق المشروع الوطني بجماعات دينية مرتبطة بالخارج ، المطلوب (توطين) الدين، ليس بمعنى التشكيك بعالميته وشموليته ولكن بمعنى إعادة ترتيب أوليات العمل السياسي بحيث يتم تسبيق العمل الوطني والمصلحة الوطنية على ما له طابع أمي، فالشعوب الإسلامية غير مهددة بوجودها ولديها دولها ومؤسساتها وأحزابها المنشغلة بقضاياها، أما الشعب الفلسطيني فإن لم يناضل ويعمل أهله لمصلحة الوطن المهدد بالزوال فلن تعمل لأجله أية حركة أو نظام إسلامي إلا بالشعارات أو بقليل من المال الذي لن يحرر أرضا ولن يصد مستوطنا. ألم تشتغل حركة الإخوان المسلمين في مصر والأردن والجزائر ضمن إطارها الوطني؟ أليس إسلام إيران إسلام وطني بل قومي فارسي حيث لم ترسل إيران جنودها يوما لقتال إسرائيل ولم يقتل جندي إيراني واحد دفاعا عن فلسطين ومقدساتها؟ أليس حزب الله حركة دينية لبنانية يقتصر جهادها على تحرير جنوب لبنان بتوافق مع الدولة اللبنانية؟.
توطين الحالة الدينية في فلسطين ضرورة لبلورة والتأكيد على الهوية الوطنية ويصبح مكونا ومعينا للقرار الوطني الفلسطيني المستقل وألا يتعارض مع الهدف الوطني الساعي لقيام دولة مستقلة وعاصمتها القدس كما نصت عليها وثيقة إعلام الاستقلال في الجزائر عام 1988، في وثيقة الاستقلال صياغة جيدة لموقع الدين ودوره في المجتمع الفلسطيني ومما جاء في هذه الوثيقة:
(مطعما بسلالات الحضارة وتعدد الثقافات، ومستلهما نصوص تراثه الروحي والزمني، واصل الشعب العربي الفلسطيني، عبر التاريخ، تطوير ذاته في التوحد الكلي على كل مئذنة صلاة الحمد للخالق، ودق مع كل جرس كنيسة ومعبد ترنيمة الرحمة والسلام).
إن دولة فلسطين هي للفلسطينيين أينما كانوا، فيها يطورون هويتهم الوطنية والثقافية، ويتمتعون بالمساواة الكاملة في الحقوق، وتصان فيها معتقداتهم الدينية، والسياسية، وكرامتهم الإنسانية، في ظل نظام ديمقراطي برلماني يقوم على أساس حرية الرأي، وحرية تكوين الأحزاب، ورعاية الأغلبية حقوق الأقلية، واحترام الأقليات قرارات الأغلبية، وعلى العدل الاجتماعي، والمساواة وعدم التمييز في الحقوق على أساس العرق، أو الدين، أو اللون، أو بين الرجل والمرأة، وفي ظل دستور يؤمن سيادة القانون والقضاء المستقبل، وعلى أساس الوفاء الكامل لتراث فلسطين الروحي، والحضاري في التسامح والتعايش بين الأديان عبر القرون).
طرحت علاقة الدين بالدولة والمجتمع مرة أخرى مع النقاش الذي دار حول وضع دستور لدولة فلسطين المستقبلية، وحاول المشرعون الاستفادة من النصوص الدستورية الواردة في الدساتير العربية حول الموضوع بالرغم من خصوصية الحالة الفلسطينية وخصوصية المرحلة التي طرح فيها الموضوع، وقد تم الاتفاق في المسودة الثالثة للدستور التي اكتملت في مارس 2003 علي صيغة حل وسط وردت في المادتين الخامسة والسابعة.
ظهر الدور السلبي للإسلام السياسي في فلسطين في السنوات الأخيرة وخصوصا بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة في يونيو 2007 ،حيث وظفت الحركة الدين بشكل فج لتكفر خصومها الوطنيين وتمارس قمعا ضد معارضيها ،بل وصل الأمر لقيام جماعات أصولية بمهاجمة وتدمير مقاهي ومحلات لبيع أشرطة الكاسيت وصالونات الحلاقة ومداهمة مكتبات ومصادرة كتب بذريعة تعارضها مع الشريعة ،ووصل الامر لدرجة أن مشاريع زواج فشلت بسبب التعصب الديني.
هناك وجه سلبي آخر تمثل في توظيف الدين الإسلامي لتأسيس مشروع إسلام سياسي يحل محل المشروع الوطني بحيث انقسم المجتمع الفلسطيني بين مشروعين متعارضين بل ومتحاربين وكل منهما يؤسس لعلاقات وارتباطات مع محاور خارجية متعارضة.














الفصل السابع
المجتمع الفلسطيني والبحث عن الدولة

(الدولة الفلسطينية) حالة خاصة بين الدول سواء من حيث التأريخ لها ككيان سياسي مستقل ومحدد المعالم، أو من حيث العلاقة ما بين الدولة والمجتمع ذلك أن تداخل الهويات وتعدد الانتماءات وتعاقب أشكال الهيمنة والاحتلال في فلسطين، بالإضافة إلى واقع الشتات الذي يعانيه الشعب، كل ذلك يجعل مقاربة موضوع الدولة بعيدا عن العواطف والأيديولوجيات، أمرا محفوفا بمخاطر سوء الفهم والتشكيك، ومع ذلك وإنصافا للتاريخ وتحريرا له من الايدولوجيا فالموضوع يحتاج إلى دراسات معمقة لتأكيد الحق الفلسطيني في دولة مستقلة من جانب، ولتبديد وهم مريح ينتاب البعض بأن الدولة على الأبواب من جانب آخر.
مسألة الدولة ككيان قانوني وسياسي:مؤسسات وسلطات سياسية وحدود وعلاقات دولية الخ، لم تشغل كثيرا المفكرين السياسيين ولم توضع ضمن سلم اهتمامات الفصائل،حيث أنشغل الجميع بموضوع تحرير الوطن وإقامة الدولة على حساب الانشغال بالدولة بحد ذاتها وبقضايا المجتمع الفلسطيني، وهذا يفسر أيضا ندرة الدراسات السسيولوجية حول الدولة الفلسطينية.
فلعقود والفلسطينيون منشغلون بقضية التحرر الوطني وبعد عام 1994 أنشغل الفلسطينيون بتأسيس السلطة الوطنية وبالصراع عليها،ولم تطرح قضية الدولة الفلسطينية بشكل جدي إلا بعد وصول المفاوضات مع إسرائيل لطريق مسدود عام 2010 نحينها طرح الرئيس الفلسطيني أبو مازن بديلا لفشل المفاوضات وهو الذهاب للأمم المتحدة في سبتمبر 2011 للاعتراف بفلسطين دولة وهو ما عرف باستحقاق أيلول.
المبحث الأول
دولة فلسطين الديمقراطية العلمانية

كثيرة هي المؤشرات الواضحة والدالة على أن الهدف الأساسي لحركة المقاومة الفلسطينية عند انطلاقتها الأولى كان استنهاض الوطنية الفلسطينية وتوريط الأنظمة العربية في معركة التحرير، أما فكرة الدولة الفلسطينية فلم تكن حاضرة عند مفجري الثورة، حيث أن بعض الدول العربية لم توافق على تأسيس منظمة التحرير إلا بعد أن أعطتها هذه الأخيرة تأكيدات بأنها لن تمارس سيادة على الضفة وغزة، أضف إلى ذلك أن حالة المد الوطني والقومي كانت تحول ومجرد التفكير بدولة فلسطينية لا تشمل كل فلسطين، وهذا ما أكد عليه الميثاق الوطني الفلسطيني حيث رفض بشكل قاطع كل مشاريع التسوية بما فيها قرار التقسيم وقراري مجلس الأمن 242 و338.
اصطدام الثورة الفلسطينية بالواقع، وخصوصا بعد أحداث الأردن وسلبية الموقف الرسمي العربي، دفع بحركة فتح –أكبر فصائل الثورة الفلسطينية –إلى تحيين الهدف الوطني الاستراتيجي ووضعه موضوع التداول والممكن ولكن من خلال صياغة جديدة له اعتقدت فتح أنها ستجد استحسانا من أطراف يهودية عالمية وأطراف دولية،هذه الصياغة أو الهدف هو فلسطين الديمقراطية العلمانية التي تمنح اليهود المقيمين في فلسطين نفس الحقوق التي هي للعرب الفلسطينيين، مع أن الثورة الفلسطينية بررت تبني هذا الهدف باعتبارات إنسانية، إلا أن الواقع يدل على أن السبب هو بداية تحسس فتح بعدم جدوى المراهنة على البعد القومي العربي الرسمي لوحده وكذا بروز تيار في الساحة الفلسطينية يراهن على ما سماهم اليهود غير الصهاينة ووجود إمكانية بالاعتماد عليهم لخلق نوع من المصالحة التاريخية ما بين اليهود والفلسطينيين.

المطلب الأول :الجذور التاريخية للفكرة
تعتبر حركة فتح أول جهة فلسطينية تحدد هدف النضال الفلسطيني بإقامة دولة ديمقراطية تتعايش فيها كل الطوائف بتساو، ومع ذلك فإن تفحص تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية قبل 1948 يشير إلى وجود مواقف تعبر عن نزعة ديمقراطية وإنسانية للتعايش بين جميع المواطنين بغض النظر عن الدين أو العرق، ففي الشهادة التي قدمها الفلسطينيون إلى لجنة (بيل) عام 1937، عبر الفلسطينيون عن رغبتهم بإقامة فلسطين موحدة ديمقراطية متعددة الأديان، ونفس الموقف عبر عنه المذكرة التي قدمها حزب الدفاع الفلسطيني إلى لجنة وودهيد في مايو 1938، حيث طالبت المذكرة بإقامة دولة يتعايش فيها العرب واليهود بسلام وتضمن للجميع حقوقهم الدستورية والقانونية بغض النظر عن الديانة، وتكرر المطلب الفلسطيني بفلسطين الموحدة اللاطائفية عام 1948 خلال وساطة برنادوت لحل النزاع.
إلا أن حرب1948 وبشاعة الممارسات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني، ورفض الإسرائيليين لأية إمكانية للتعايش مع الفلسطينيين في فلسطين واحدة، وما لحق بالشعب الفلسطيني من عذاب وآلام ومحن على يد الدولة الصهيونية، كل هذا خلق تراكمات من الأحقاد والآلام النفسية عند الشعب الفلسطيني والعرب عامة، وهو الأمر الذي تمخض عنه بحكم الواقع والمنطق، ظهور مواقف متشنجة تجاه اليهود عُبر عنها بأشكال الرفض المتكررة لأي تفاوض أو تعايش عربي معهم بل ودفع أحيانا ببعض التيارات السياسية لأن تضع كل من اليهودية والصهيونية في سلة واحدة وتطالب بالثائر منهم –حركة القوميين العرب في الخمسينات- وفي ظل هذه الأجواء النفسية كان ولابد أن يشوف الموقف الفلسطيني تجاه الإسرائيليين شيئا من الغموض اتسم بعدم التمييز –ولو من ناحية تكتيكية دعائية- بين اليهودية كدين و الصهيونية كحركة عنصرية فاشية تسعى لتجسيد نفسها ناطقة باسم اليهودية العالمية وممثلة لليهود في كل مكان، وبقي الفكر السياسي الفلسطيني في نظرته لمصير يهود فلسطين قاصرا عن تحديد موقف واضح، وكثيرا ما كان الحديث عن التحرير وما بعد التحرير يتسم بالغموض وأحيانا يعتبر من القضايا المؤجلة التي لم يحن الوقت لبحثها وتحديد موقف منها، وعليه، كان مطلوبا توضيح الصورة وتحديد موقف من يهود فلسطين بعد التحرير.
يعود الأساس والمنطلق لطرح مفهوم فلسطين الديمقراطية أذن إلى ضرورة وضع صياغة جديدة للتصور الفلسطيني لليهود، وإعادة تحديد لمعسكر الخصم ومعسكر الأصدقاء، وهذا راجع إلى طبيعة الاحتلال الصهيوني لفلسطين، فخلافا لكل أنواع الاستعمار الأخرى، حيث كانت هزيمة قوات الاحتلال تؤدي إلى خروج القوات المستعمرة وترك البلاد لأصحابها، فإن طبيعة الاحتلال الاستيطاني الاجلائي لفلسطين كان يطرح بإلحاح إشكالية مصير اليهود في فلسطين، هؤلاء الذين لم يكونوا مجرد عدة آلاف من الجنود بل مجموعة بشرية متكاملة أو شعب قيد التكون، أقاموا في فلسطين وولدت أجيال فيها وقطعوا صلتهم ببلدانهم الأصلية وشكلوا أغلبية سكان فلسطين بحيث أصبح السكان الأصليين –الفلسطينيون- يشكلون أقلية، وبالتالي كان من الصعب القول بأن التحرير يعني طرد كل اليهود من فلسطين، ذلك أن حل المشكلة الفلسطينية يجب ألا يكون على حساب خلق مشكلة يهودية جديدة ستوظفها القوى المعادية ضد الثورة وضد حركة التحرر العربية. ولأن الثورة الفلسطينية لا تخاطب فقط الشعب الفلسطيني بل تخاطب اليهود والرأي العام العالمي فكان عليها أن توضح تصورها لمصير اليهود في فلسطين بعد التحرير.
وحيث أنه لم يعد من الممكن ومن المقبول أن تماطل الثورة الفلسطينية كثيرا حول طبيعة فلسطين الغد حيث كانت اليهودية العالمية تستغل هذا السكوت لمصلحة إسرائيل، فقد طرحت الثورة بشكل جدي ومسئول ضرورة تحديد موقف، ومن هنا كلفت حركة التحرر الوطني الفلسطيني "فتح" أحد قادتها –أبو إياد- بطرح فكرة فلسطين الغد، وتم الإعلان لأول مرة عن الفكرة في مؤتمر صحفي عقده أو إياد يوم العاشر من أكتوبر1968، أعلن فيه أن الهدف الاستراتيجي للثورة الفلسطينية هو دعم إنشاء دولة ديمقراطية على امتداد فلسطين التاريخية، يعيش فيها العرب واليهود في وفاق دون أي تمييز عنصري.
وبهذا حددت "فتح" هدفا فلسطينيا خالصا للنضال متجاوزا الغموض والالتباس السابقين، وقد أعادت تأكيد هذا الهدف بصورة أكثر جلاء وتحديدا في بداية عام 1969 معلنة: (نحن نقاتل في سبيل إقامة دولة فلسطينية ديمقراطية يعيش فيها الفلسطينيون بكل طوائفهم مسلمين ومسيحيين ويهود في مجتمع ديمقراطي تقدمي، ويمارسون عباداتهم وأعمالهم مثلما يتمتعون بحقوق متساوية (وتأكيدا من فتح على إنسانية الهدف استطرد نفس البيان قائلا): إن ثورتنا الفلسطينية لتفتح قلبها وفكرها لكل بني الإنسان الذين يريدون أن يعيشوا في المجتمع الفلسطيني الحر الديمقراطي وأن يناضلوا في سبيله بصرف النظر عن اللون أو الدين أو العرق.
وقد أشارت كافة التصريحات الصادرة عن "فتح" بخصوص الدولة الديمقراطية على أن المكون الأساس لمفهوم دولة فلسطين الديمقراطية، هو تأكيد الطابع الإنساني للثورة الفلسطينية، وإبطال دعاوي الحركة الصهيونية التي تسعى لوضع كل اليهود في سلة واحدة وبالتالي اعتبار أن المصلحة اليهودية في احتلال فلسطين واحدة، ولا حل للمسألة اليهودية إلا بفلسطين اليهودية الصافية التي تمتد من النيل إلى الفرات لتتمكن من استيعاب أكبر عدد من يهود العالم، كما سعت "فتح" إلى تحطيم الفكرة الخاطئة عن هدف الثورة الفلسطينية بأنها ضد اليهودي بغض النظر عن معتقداته أو أفكاره، ووضحت "فتح" أنها ضد الصهيونية كأفكار عنصرية شوفينية، وليست ضد اليهودية كدين، كما أكد أبو إياد في مقابلة له مع مجلة الطليعة المصرية، بأن الثورة الفلسطينية تستنكر اضطهاد الإنسان، والتمييز العرقي والديني، وأبدى استعداد "فتح" لتقديم العون إلى اليهود وتزويدهم بالسلاح والقتال إلى جانبهم ضد مضطهديهم.
يبدو أن فكرة التعايش بين اليهود والعرب في دولة واحدة لم تستوعب جيدا من أطراف فلسطينية وعربية عددية إلا بعد مرور بعض الوقت، ذلك أن الإحساس العام الفلسطيني والعربي بقي مشبعا بصور القهر والاضطهاد والوحشية التي أنزلها الإسرائيليون بالعرب فذكرى دير ياسين وكفر قاسم ومآسي حربي 1956 و 1967 وفقدان الأرض والوطن ومعاناة التهجير الخ استمرت عالقة بالأذهان، بل إن كل يوم جديد يمر يأتي معه بمزيد من الألم النفسي الدافع للحقد على الإسرائيليين والرافض لأي فكرة للتعايش معهم، وغالبا فإن المواطن العادي لا يعنيه كثيرا أو يحفل بأن يدقق في هوية الإسرائيلي صهيوني هو أم لا، فمن يقيم على أرض فلسطين ويشرد أصحابها ليحل محلهم هو مستعمر صهيوني بغض النظر عن معتقداته الفكرية والأيديولوجية، لأن هويته الاستعمارية وصهيونيته العملية تكمن في تواجده في فلسطين مختارا، وبناء على هذا، من الصعب إزالة تراكمات سنين طويلة من العداء والتوتر بمجرد رفع شعار إنساني حضاري، وخصوصا أن هذا الموقف الإنساني الفلسطيني لم يعره الطرف الآخر كبير اهتمام أو يتجاوب مع دوافعه الإنسانية بمواقف إنسانية متشابهة.
لا ريب أن طرح شعار الدولة الديمقراطية العلمانية وإن كان يعبر عن مواقف إنسانية وحل حضاري إلا أن تحويله إلى واقع كان بحاجة إلى تغيير جذري في المواقف والعقليات وإلى حدوث مصالحة تاريخية ودينية، وهو الأمر الذي وضحه ياسر عرفات في كلمته المشهورة في الأمم المتحدة عام 1974، فبعد أن أكد على المكون الإنساني لهدف الثورة الفلسطينية بإقامة دولة ديمقراطية قال :"إننا ندين كل الجرائم التي ارتكبت ضد اليهود وكل أنواع التمييز الصريح والمقنع الذي عانى منه معتنقو اليهودية"، ولكنه أوضح في نفس الوقت الصعوبات التي تواجه تحقيق هذا الهدف الذي يبقى كحلم بعيد المنال، حيث استطرد قائلا "فلماذا لا أحلم يا سيدي الرئيس، وآمل والثورة هي صناعة تحقيق الأحلام والآمال فلنعمل معا على تحقيق الحلم في أن أعود مع شعبي من منفاي لأعيش مع هذا المناضل اليهودي ورفاقه، ومع هذا المناضل الراهب المسيحي وإخوانه، في ظل دولة واحدة ديمقراطية يعيش فيها المسيحي والمسلم في كنف المساواة والعدل والإخاء".
بعد جدل واسع داخل صفوف الثورة الفلسطينية استطاعت "فتح" وبدعم من القوى الفلسطينية، ان تدمج شعار فلسطين الديمقراطية ضمن قرارات المجالس الوطنية الفلسطينية ويصبح بالتالي هدفا استراتيجيا للثورة الفلسطينية، ولكنه إلى حين.

المطلب الثاني :فلسطين الديمقراطية في مقررات المجالس الوطنية الفلسطينية
من المعلوم أن الميثاق الوطني الفلسطيني اهتم بتحديد طبيعة الصراع وأطرافه وبإستراتيجية حل الصراع أكثر من اهتمامه بمستقبل فلسطين المحررة سواء فيما يتعلق بطبيعة نظام الحكم أو علاقة فلسطين ببقية الدول العربية، إلا أن بعض مواده تطرقت إلى اليهود الفلسطينيين وأعطت لهؤلاء الحق بالعيش في فلسطين المحررة، فالمادة الخامسة حددت أولا الفلسطينيين بشكل عام بأنهم "المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947 سواء من أخرج منها أو بقي فيها، وكل من ولد لأب عربي فلسطيني، ثم عرفت المادة الموالية اليهود الفلسطينيين انطلاقا من التعريف العام للفلسطينيين بالقول: "اليهود الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى بدء الغزو الصهيوني لها يعتبرون فلسطينيين".
ونظرا لما اعتبر نقصا أو غموضا في نصوص الميثاق فيما يتعلق بفلسطين المحررة وضح المجلس الوطني في دورته الرابعة –يونيو-1968 بأن هدف النضال الفلسطيني هو:
1. تحرير الأرض الفلسطينية بكاملها وممارسة سيادة الشعب العربي الفلسطيني عليها.
2. حق الشعب الفلسطيني العربي في أن يقيم لنفسه على أرضه المجتمع الذي يرتضيه وأن يقرر موقفه الطبيعي من الوحدة العربية.
مع أن فكرة الدولة الفلسطينية الديمقراطية بعد التحرير ظهرت عام 1968، إلا أنه لم يتم تبنيها رسميا إلا في الدولة الثامنة للمجلس الوطني الفلسطيني في مارس 1971 ذلك أن عام 1968 كان عام انتصارات ومد ثوري بالنسبة للثورة الفلسطينية الأمر الذي كان لا يعطي أي مبرر لشعار فلسطين الديمقراطية والذي اعتبر بمثابة تنازل عن مبادئ الثورة، كما أن شدة الصدام مع العدو كان يجعل أية فكرة للتعايش مع اليهود تجد رفضا لدى قطاع واسع من الفلسطينيين والعرب.
وهكذا بدأت القوى التي تتبنى هدف فلسطين الديمقراطية تعزز مواقعها داخل المجلس الوطني الفلسطيني وتؤثر على قراراته باتجاه الاقتراب من تبني الشعار المشار إليه رسميا، ففي الدورة الخامسة للمجلس حدد هدف النضال الفلسطيني بأنه "إقامة المجتمع الديمقراطي الحر في فلسطين بجميع الفلسطينيين، مسلمين مسيحيين ويهود"، وفي الدورة السادسة للمجلس قدمت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين مذكرة للمجلس حددت فيها أن هدف النضال الفلسطيني "إقامة دولة فلسطين الموحدة بعد إزالة الكيان الإسرائيلي وتقضي على التمييز العرقي والعنصري، وتعتمد على حل ديمقراطي للتناحر القائم يستند إلى تعايش الشعبين العربي واليهودي" وفي تقرير اللجنة السياسية والإعلامية للدورة السادسة للمجلس الوطني في القاهرة 1969 ورد بند حول الدولة الديمقراطية، إلا أنه لم يقر من قبل اللجنة الخاصة التي كلفت بدراسته، إلا أن البيان الختامي لهذه الدولة، أكد على إصرار الشعب الفلسطيني على "المضي في ثورته إلى أن يتم تحقيق النصر وإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية البعيدة عن كل أشكال التمييز الديني العنصري".
بسبب اشتداد الأزمة في الأردن وحاجة الثورة الفلسطينية لتكتل كل قواها وعدم إثارة أي طرف فلسطيني أو عربي، أرجأت منظمة التحرير مسألة تبني هدف الدولة الديمقراطية بشكل رسمي، ومع أن البيان الصادر عن القيادة الموحدة لحركة المقاومة في مايو 1970 وازن ما بين ديمقراطية المجتمع الفلسطيني بعد التحرير وإيمان الفلسطينيين بالوحدة العربية، إلا أنه حذر بان المجتمع الصهيوني متعصب ومتشنج ومن الصعب أن تخرج منه قوى تقدمية يمكنها أن تحدث تغييرا في مواقفه، هذا يعني التأكيد على أن هدف الثورة الفلسطينية هو تصفية الكيان الصهيوني سياسيا وعسكريا واجتماعيا ونقابيا وثقافيا.
مع تفجر الصراع ما بين الثورة والنظام الأردني بعد سنوات من المحاولات الفاشلة لخلق نوع من التعايش بين الطرفين وهو صراع كان حتميا نظرا للتناقض الحاد بين الطرفين فكرا وممارسة، بدأت الثورة تشعر أن مواقعها التي بنت عليها مجمل إستراتيجيتها معرضة للانهيار والتصفية، وأن التحرير أبعد مما كانت تتصوره، هذا الأمر دفع بالإضافة إلى عوامل أخرى طرح فلسطين الديمقراطية وإلى البحث عن دعم الرأي العام الدولي وعن أنصار للنضال الفلسطيني داخل صفوف الإسرائيليين، بعد أن ثبت أن بعض الأشقاء العرب أكثر قسوة من الإسرائيليين، وإن كان من ضمن أسباب تردد الثورة الفلسطينية في تبني هدف فلسطين الديمقراطية أخذها بعين الاعتبار رفض التيارات المحسوبة على الأنظمة العربية لهذا الهدف، فإن سلبية الواقع العربي تجاه المجزرة التي حلت بالفلسطينيين في الأردن لم يترك مبررا لمراعاة مواقف الآخرين، فالثورة انطلاقا من تقييمها الخاص للمرحلة التي تمر بها ولمصالحها، تبنت بثبات هدف فلسطين الديمقراطية ضاربة بعرض الحائط كل الاعتراضات التي انصبت على هذا الهدف الشعار.
بخروج حركة المقاومة الفلسطينية من الأردن لم يبق مبرر للاستمرار في سياسة الغموض والتردد التي وسمت فكر الثورة قبل ذلك، وأصبحت الثورة مطالبة بتوضيح مواقفها وإستراتيجيتها تجاه عدد من القضايا الحيوية ومن بينها شعار الدولة الفلسطينية الديمقراطية، وكانت الدورة الثامنة للمجلس الوطني فرصة لوضع النقاط على الحروف بالنسبة لعدد من المسائل، وكان من أهمها تبني شعار فلسطين الديمقراطية بصورة رسمية، فتحت عنوان مستقل (الدولة الديمقراطية الفلسطينية) أكد المجلس الوطني بأن الكفاح الفلسطيني ليس كفاحا عرقيا مذهبيا ضد اليهود ولهذا "فإن دولة المستقبل في فلسطين المحررة من الاستعمار الصهيوني هي الدولة الفلسطينية الديمقراطية التي يتمتع الراغبون في العيش بسلام فيها بنفس الحقوق والواجبات ضمن إطار مطامح الأمة العربية في التحرير القومي والوحدة الشاملة". وقد اعتبر أبو عمار تبني الدورة الثامنة للمجلس الوطني الفلسطيني لهدف فلسطين الديمقراطية بأنه حدث حضاري، إلا أن هذا لم يحسم الأمر بين التيارات المتعددة في الساحة الفلسطينية حيث كان هناك أعداء ومعارضون لهذا الشعار، كما تباينت الصورة حول مضمون الدولة الديمقراطية بعد التحرير وعلاقتها العربية وأيديولوجيتها الفكرية.


المبحث الثاني
من الدولة الديمقراطية على كامل فلسطين إلى سلطة مرحلية

المطلب الأول :الأسباب الموضوعية والذاتية لسياسة المرحلية:
إذا كانت هزيمة العرب عام 1967 قد أعطت دفعة لإستراتيجية الكفاح المسلح ومنحت الثورة الفلسطينية الصاعدة الثقة بالنفس وبإستراتيجيتها الكفاحية، فإن حرب أكتوبر 1973 عملت على إفقاد الثورة الفلسطينية شيئا من الثقة بقدرتها أو بقدرة النظام العربي الرسمي والشعبي على تحرير كامل فلسطين من خلال إستراتيجية الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية، فحرب أكتوبر وبالرغم من الانتصار العسكري النسبي الذي حققته إلا أنها أثبتت عدم القدرة ليس فقط على القضاء على إسرائيل بل عدم القدرة على استعادة الأراضي العربية المحتلة عام 1967 عن طريق الحرب، ليس ذلك بسبب منعة إسرائيل وقوتها بل أيضا لاعتبارات دولية وطبيعة وعمق علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة، ومحدودية الالتزام السوفييتي بدعم العرب في حربهم ضد إسرائيل.
وهكذا استبقت الثورة الفلسطينية ما كانت تعتقد أنه آت ويُخطط له، وتحركت مباشرة وقبل أن تبرد فوهات البنادق على مستويين: الأول تجنب محاولات تهميشها ومحاصرتها محليا وعالميا وذلك بالعمل على تعزيز وجودها في لبنان وربط علاقات متينة مع الحركة الوطنية اللبنانية التي لم تكن علاقاتها طيبة مع سوريا، ومن جهة تليين مواقفها السياسية أو تغيير خطابها السياسي وذلك بإرسال رسائل علنية وسرية تعبر عن استعدادها للقبول بأنصاف الحلول وذلك من خلال ما سمي بسياسة المراحل أو المرحلية التي أعلن عنها في البرنامج المرحلي عام 1974.
وجدت هذه السياسة استحسانا سواء من الأنظمة العربية التي سارعت لعقد قمة عربية اعتبرت فيه م.ت.ف ممثلا شرعيا ووحيدا للشعب الفلسطيني لتعيد بذلك الأنظمة صياغة العلاقة ما بين القومي والوطني وتقديم الثاني على الأول بالزعم أن الفلسطينيين هم الذين طلبوا أن تكون المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، هذه الخطوة مهدت الطريق أمام الأنظمة العربية لدخول سياسة التسوية السلمية دون حرج كما أن سياسة المرحلية لقيت مباركة دولية، حيث تم استقبال أبو عمار في الجمعية العامة للأمم المتحدة وقوبل استعداده للحل السلمي بالترحاب، وكانت عبارته (غصن الزيتون في يد والبندقية في يد) تختزل تحولا استراتيجيا في نهج الثورة الفلسطينية، واستعدادها لإعادة النظر في ثوابت سابقة، لو وجدت تجاوبا إسرائيليا أو أمريكيا آنذاك لكان الصراع أحذ محنى آخر، لأنه لا يعقل أن أبو عمار ذهب إلى الأمم المتحدة لمطالبتها بالقضاء على إسرائيل.
ولكن هل تمكنت المنظمة من الجمع ما بين غصن الزيتون والبندقية؟ وهل تطور الأحداث عزز من طرح منظمة التحرير ومراهناتها، أم أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن؟.
اعتبرت الثورة الفلسطينية أن المرحلية كحلقة وسط في الطريق إلى تحقيق الهدف النهائي لا تتناقض مع إستراتيجية الثورة أية ثورة ما دامت لم تتخل عن هدفها النهائي، ذلك أن السياسة الواعية والثورية الملتزمة بقضايا شعبها مطلوب منها في كل مرحلة من المراحل أن تحدد الحلقة المركزية للنضال انطلاقا من تصورها لحجم مختلف أطراف الصراع في كل مرحلة ومدى نمو القوى الذاتية للثورة وقدرتها على تحقيق الهدف الاستراتيجي والاستفادة من كل التناقضات التي يفرزها تطور الصراع، كما أن تحديد هدف مرحلي للثورة يصبح ضروريا للإجابة عن التساؤلات المطروحة في كل مرحلة أو جولة من جولات الصراع، ذلك أن الهدف النهائي مع مشروعيته وضرورة التشبث به فقد لا يمكن الوصول إليه دفعة واحدة، وقد وعت كل الثورات العالمية جدوى المرحلية في النضال والدخول في مساومات تفرضها متطلبات المرحلة دون أن يغيب عن الأنظار الهدف الاستراتيجي فالرسول الكريم لم يجد غضاضة في توقيع معاهدات صلح والقبول بالمرحلية عندما كان المسلمون ضعفاء، وعندما تقوى المسلمون ونكث الأعداء بالمواثيق عاد المسلمون للثوابت وللأهداف الإستراتيجية، أيضا القوى الثورية التي تعتبر صراعها مع العدو صراعا مصيريا وحالة من التناقض الذي لا حل له إلا بنهاية أحد طرفي الصراع قبلت المرحلة، فقد انتقد لينين نفسه ما روِج من قبل بأن المساومة مرفوضة ماركسيا، واعتبر هذا القول تافها ينبع عن ضيق الأفق ولا ينطبق على الواقع. ومن المعلوم أن الثورة الفيتنامية دخلت في مساومات، وقبلت بمرحلة أهدافها إلا أنها لم تتخل عن أهدافها الإستراتيجية، ذلك أن المساومة والقبول مرحليا بأهداف أقل تواضعا عن الهدف الاستراتيجي قد لا يعبر بالضرورة عن ضعف الثورة بل عن ضعف الخصم، ويصبح على الثورة آنذاك أن تستغل هذه المرحلة لتعبئة قواها وتعزيز مواقفها استعدادا للمرحلة القادمة.
بالرغم من أن الحديث عن مرحلة أهداف النضال الفلسطيني، فرض نفسه بصورة جدية إثر حرب أكتوبر 1973 وما تمخض عنها من تطورات عسكرية وسياسية ونفسية كما سبقت الإشارة فإن المكون الفلسطيني في نهج المرحلية النضالية كان حاضر قبل 1973، والمتمثل بالإحساس بالبون الشاسع ما بين الإمكانيات الفلسطينية وبين الأهداف الإستراتيجية للثورة الفلسطينية، وهذا الإحساس بالفرق ما بين الهدف والإمكانيات كان وراء قول عبد الناصر لياسر عرفات "كم تظن أنه يلزمكم من السنين كي تدمروا الدولة الصهيونية، وتبنوا دولة موحدة ديمقراطية على كامل فلسطين المحررة؟ كما أخذ عبد الناصر على المقاومة الفلسطينية ممارسة سياسية غير واقعية واعتبر أن دويلة في الضفة وغزة هي أفضل من لا شيء.
ويبدو أن فكرة القبول بإقامة دولة فلسطينية على جزء من فلسطين كانت تمثل قناعة لدى بعض الفلسطينيين حتى قبل حرب أكتوبر 1973، وما حرب أكتوبر إلا الفرصة التي اهتبلت لتظهر هذه القناعة، فالمكون العربي في القبول بالمرحلية كان الحافز للمكون الفلسطيني ليعبر عن نفسه مكرها للحفاظ على الهوية، فقد انتقد أبو إياد، قادة الحركة الوطنية السابقين لعدم قبولهم بإقامة دولة فلسطينية كما نص على ذلك قرار التقسيم لعام 1947م، معتبرا أن الرفض العربي السابق للحلول الوسط نوع من السلبية والمزايدة وأن الرفض قد يكون طريقة للهروب من المشاكل والتزيي بزي النقاء العقائدي، كما يعترف أن فاروق قدومي قدم للجنة المركزية لحركة فتح بعد حرب يونيو 1967 مباشرة تقريرا يقترح فيه القبول بتأييد قيام دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة إذا أعادتهما إسرائيل للعرب، إلا أنه لم يبث في الموضوع آنذاك.
دافع أبو إياد عن المرحلية باعتبارها سياسة واقعية تنطلق من الأخذ بعين الاعتبار موازين القوى، وتطور الأحداث والابتعاد عن الرومانسية وإن كانت رومانسية ثورية، ويعطي أبو إياد أهمية لمحدودية العمل الفدائي، ومقدرته على تحقيق الأهداف الإستراتيجية، ورأى أنه كائنا ما كانت انطلاقة وبأس حرب العصابات ضد الدولة الصهيونية، فإنها تظل في المستقبل المنظور دولة لا تقهر، ولهذا فإن عدم توقع المرور بمراحل مؤدية إلى الهدف الاستراتيجي الذي هو إقامة دولة ديمقراطية على كامل فلسطين أمر من قبيل الوهم والخيال، وفي نفس سياق تبرير أبو إياد للمرحلية ودفاعه عنها، فإنه يرى أن إقامة سلطة وطنية فلسطينية تشكل ضربة قاسمة للأيديولوجية الصهيونية القائمة على رفض وجود الشعب الفلسطيني، لأن الإقرار بهذه السلطة الوطنية الفلسطينية معناه الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، لأن الإقرار بهذه السلطة الوطنية الفلسطينية معناه الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، ووجود شعب فلسطيني يشكك في مصداقية مجمل الأيديولوجية الصهيونية، بالإضافة إلى هذا فإن امتلاك الفلسطينيين لأية بقعة محررة سيتيح لهم مجالات ومتنفسا لتنشق نسمة الحرية والابتعاد عن أدوات القمع والوصاية العربية، ذلك أن خطورة العيش في الغربة والشتات على الشعب الفلسطيني لا تقل خطورة عن فقدان الأرض، ويعبر أبو إياد عن دهشته لرفض أطراف فلسطينية لمرحلية النضال، ففي خطاب وجهه لسكان مخيم تل الزعتر في لبنان، عندما كانت قضية السلطة المرحلية موضع بحث، وكان سكان المخيم يرفضونها قال "منذ خمسة وعشرين سنة وأنتم تعيشون في المنفى، إنها خمسة وعشرون سنة من الإحباطات والمذلات والحرمان، ولكنكم توصلون رفضكم لكل حل بالتسوية حتى ولو كان مؤقتا، أليس أنه من العجيب الخارق أنكم تفضلون العيش في أرض غريبة على الإقامة في منطقة محررة من وطنكم الأصلي؟".
وانطلاقا من نفس المكون الفلسطيني وراء القبول بالمرحلية، والتمثل بغياب الانتصار في معركة التحرير الكامل على المدى المنظور، كانت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين سباقة في استشعار هذا الخلل الكامن بين الإمكانيات والهدف الاستراتيجي، فمنذ 1971 طالبت الجبهة الديمقراطية بأسلوب غير مباشر بضرورة المرور بالمرحلية وتحديد موقف فلسطيني يملأ الفراغ الكامن بين الإمكانيات والهدف وتجيب عن متطلبات المرحلة وتفوت الفرصة على قوى عربية تطمح للحلول مطلب الدور الفلسطيني، حيث رأت الجبهة الديمقراطية بأن شعار التحرير الكامل لفلسطين "بات مهددا بالتحول إلى مجرد موقف لفظي طالما بقيت الثغرة الإستراتيجية في تصور المقاومة لحربها الوطنية بمثل هذا الاتساع، فبين شعار التحرير الكامل ومعطيات الوضع الراهن للنضال الفلسطيني مرحلة وسيطة ترد الأنظمة العربية عليها بمطلب إزالة آثار العدوان على قاعدة الحل السلمي بينما تقفز المقاومة عليها بكلام يتحدث عن متابعة النضال حتى النهاية ورفض كل الحلول التصفوية والتسويات".
كانت مرحلة ما بعد أكتوبر 1973 مرحلة إعطاء الأولويات للعمل السياسي على حساب العمل العسكري وأصبح الحديث عن انسحاب إسرائيلي من الأراضي العربية محتلة هو حديث الساعة ومحور النقاش السياسي والاتصالات الدبلوماسية، إلا أنه من المفيد أن نشير أن جل الحديث عن الحل السلمي والانسحاب الإسرائيلي كان مصدره الدول الأوروبية أو قرارات الأمم المتحدة أو الدول العربية أما إسرائيل فكانت السلبية المطلقة هي التي تحكم مواقفهاـ ومع ذلك فإن مسألة الانسحاب أصبحت مطروحة والمراهنة على الضغط على الولايات المتحدة لتجبر إسرائيل على الانسحاب كان قاعدة أي تفاؤل بالتسوية، وكان المطلوب من الثورة الفلسطينية أن تعبر عن موقفها من هذا الموضوع، ذلك أن أي انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة سيضع هذه الأرض أمام خيارات ثلاثة:
الأول: أن تعود الأرض المسترجعة إلى طرف عربي ويضمها إليه وخصوصا أن الأردن لم يكن يخفي مطامعه في ذلك بل كان يعتبر الضفة الغربية جزءا من المملكة الأردنية.
الثاني: أن يتقدم طرف فلسطيني من خارج م.ت.ف لينصب نفسه ناطقا باسم الشعب الفلسطيني أو تنصبه إسرائيل أو أحد الدول العربية، وهذا أيضا مرفوض فلسطينيا.
الثالث: أن تتقدم الثورة الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني لتقيم سلطتها على أية ارض يتم تحريرها.
فضلت م.ت.ف الخيار الثالث باعتباره يرد على متطلبات المرحلة، ويقطع الطريق على المتربصين بالثورة الفلسطينية والطامعين في سلب شرعية تمثيلها للشعب الفلسطيني حيث أكد أبو عمار "إن قيام السلطة الوطنية لشعبنا فوق أرضه أمر حتمي ولن يُفرض على شعبنا مهما كانت التحديات مشروع المملكة المتحدة تحت حكم أو وصاية أو فيدرالية أو كونفدرالية مع النظام الهاشمي، سوف تقوم السلطة الوطنية فورا فوق كل شبر فلسطيني يتم جلاء العدو عنه باتجاه تحرير بقية الأرض الفلسطينية.

المطلب الثاني :السلطة الوطنية المرحلية: المؤيدون والمعارضون:
لأن الثورة الفلسطينية لم تكن تملك قوة الرفض الفاعل فإن "هذا يفترض بالضرورة أن نطرح موقفا ملموسا وطنيا وثوريا كفيلا بإحباط كافة الحلول الاستسلامية التصفوية" وفي نفس الوقت الإجابة على متطلبات المرحلة الذي يتحدد بــ "إننا نناضل من أجل دحر الاحتلال الصهيوني وتصفيته عن الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة عام 1967، وفي الوقت ذاته تمكين شعبنا الفلسطيني في جميع الأراضي التي يتم تحريرها وانسحاب العدو منها ومن تقرير مصيره بنفسه على هذه الأراضي وإقامة سلطته الوطنية الفلسطينية المستقلة عليها".
وفي هذا السياق انتقدت الجبهة الديمقراطية الذين يطرحون شعارات لا تتناسب مع واقع المرحلة والإمكانيات الذاتية والذين يسترون عجزهم وراء شعار التحرير الكامل ولا يقبلون بمرحلية النضال، ذلك أن مهمة التحرير مهمة عربية ولا تقتصر على الشعب الفلسطيني وحده، وفي ظل عدم القدرة العربية على التحرير أو غياب الإرادة، يجب أن لا يختزل النضال الفلسطيني بحيث يصبح فقط "عامل تثوير وتأجيج لنضال الجماهير العربية" أو يفرض على الثورة الفلسطينية والشعب الفلسطيني الانتظار حتى تتبدل موازين القوى، بل يتحتم أن يبرز الشرط الفلسطيني لتحقيق الانتصار والشرط الفلسطيني في ظل الظروف الحالية كما ترى الديمقراطية يتحدد بـ "تعبئة كامل الطاقات الثورية للشعب الفلسطيني بتوفير قاعدة ارتكاز ثابتة ومحررة في المناطق التي تقيم فيها غالبية الشعب على أرض وطنه".
انطلاقا من كل هذه المستجدات وعلى قاعدة هذه المكونات/ المتغيرات الفلسطينية والعربية والدولية، انعقد المجلس الوطني الفلسطيني في دورته الثانية عشر في يونيو 1974، لينظر في الموضوع وليحدد موقفا يجيب على التساؤلات المطروحة.
نظرا لأن صيغة التسوية المطروحة دوليا آنذاك وهي قرار مجلس الأمم 242، كانت مرفوضة فلسطينيا وحتى لا يلتبس الامر ويقرن الإقرار بالمرحلية بقرار 242 المرفوض لكونه يتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية لاجئين، فقد جاء قرار المجلس الوطني الفلسطيني بالقبول بالهدف المرحلي مقترنا بتأكيد رفض قرار 242 مع توضيح أسباب هذا الرفض حيث جاء في قرارات المجلس الوطني المذكور:
1. تأكيد موقف منظمة التحرير السابق من قرار 242 الذي يطمس الحقوق الوطنية والقومية لشعبنا ويتعامل مع قضية شعبنا كمشكلة لاجئين، ولذا يرفض المجلس التعامل مع هذا القرار على هذا الأساس في أي مستوى من مستويات التعامل العربية والدولية بما في ذلك مؤتمر جنيف.
2. تناضل م.ت.ف بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها، هذا يستدعي إحداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله.
3. تناضل منظمة التحرير ضد أي مشروع كيان فلسطيني ثمنه الاعتراف والصلح والحدود الآمنة والتنازل عن الحق الوطني وحرمان شعبنا من حقوقه في العودة وحقه في تقرير مصيره فوق ترابه الوطني.
4. إن أية خطوة تحريرية تتم هي لمتابعة تحقيق استراتيجية م.ت.ف في إقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية المنصوص عليها في قرارات المجالس الوطنية السابقة.
يلاحظ أن قرارات المجلس الوطني أعلاه، شددت على إضفاء صفات ثورية على السلطة الوطنية التي ستقام، من منطلق أنها ستأتي تتويجا للنضال بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح، أي أنها لن تكون منحة من أحد، بالرغم من أن حرب أكتوبر لم تحرر أرضا ليقام عليها سلطة وطنية بل أنها مهدت الطريق لتسوية سياسية والثورة الفلسطينية لم تكن في وضع يسمح لها بتحرير الأرض بل إن العدو أصبح يتحرك بيسر خارج فلسطين ليغتال القيادات ويدمر المؤسسات الفلسطينية، أيا فإن نفس المادة لا تتحدث عن دولة بل عن (سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة)، كما أنها لا تحدد حدودا واضحة لهذه الدولة (السلطة) فهي ستقام "على كل جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها، وهذه السلطة أيضا لن تقام حالا بل تتطلب "إحداث المزيد من التغيير في ميزان القوى لصالح شعبنا ونضاله"، ويرفض المجلس الوطني أن تكون السلطة الوطنية نتيجة تسوية أو قبول بالأمر الواقع، فهي لن تكن نتيجة تفاوض مع العدو أو الصلح معه أو الاعتراف به، وأخيرا فإن هذه السلطة المقاتلة هي مرتكزة للاستمرار في النضال من أجل إقامة الدولة الديمقراطية العلمانية.
ويبدو أن تشدد المجلس الوطني الفلسطيني في تحديد مواصفات الهدف المرحلي، كان متأثرا بحدة المعارضة التي كانت تواجه به سياسة المرحلية، وخصوصا من قبل التنظيمات التي شكلت لاحقا "جبهة الرفض" والمدعومة من أطراف عربية وخصوصا العراق الذي اعتبر القبول بالسلطة الوطنية كهدف مرحلية في ظل موازين القوى المتواجدة هي بمثابة القبول بالحل السلمي وتخليا عن أهداف التحرير الكامل، وقد تزعم معسكر الرفض الفلسطيني الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
انطلقت الجبهة الشعبية في رفضها لمشروع السلطة الوطنية من تحليل علمي لنتائج حرب أكتوبر وطبيعة القوى الفاعلة وتصوراتها للتسوية، فترى أن موضوع التسوية بعد أكتوبر ليس حتميا، وحتى لو كان هناك تسوية، تتسائل الجبهة ألا يمكن للعامل الذاتي المحلي الفلسطيني العربي أن يوقف قطار التسوية المتناقضة مع مصالح الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة؟ وهي ترى أن هذا ممكن والحل الثوري في ظل وجود تسوية هو محاربة وإجهاض هذا التسوية كما فندت الجبهة الشعبية الزعم الشائع بأن التسوية بعد حرب ا:توبر أصبحت على الأبواب، معتمدة في ذلك على التناقضات الواسعة بين وجهة النظر الإسرائيلية ووجهة النظر العربية حتى لو كانت متمثلة بوجهة نظر السادات، وترى أن هذا التناقض بين وجهتي النظر يشكل عقبة حقيقية في وجه التسوية، وتضيف إلى هذا وجود تباعد ما بين الصيغة السوفيتية للحل والصيغة الأمريكية وهي ترى أنه حتى في حال افتراض أن السوفييت اخضعوا وجهات النظر الأمريكية والإسرائيلية لتصوراتهم للحل، فما هو سقف الموقف السوفييتي؟
انتقدت الجبهة الشعبية سذاجة الذين يرون أن الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة مؤكد وقريب المنال بحيث أن المطروح أمام الثورة أحد خيارين: إما أن تترك هذه الأراضي ليحكمها الملك حسين وإما أن تقيم عليها الثورة سلطة وطنية! وترى لو أن الموضوع بهذه البساطة فإنه من الطبيعي اختيار الحل الثاني، إلا أن الجبهة الشعبية ترى أن الخطأ يكمن في القول بأن الحل السلمي سيتمخض عنه انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية وقطاع غزة، ذلك أن إسرائيل إن قررت الانسحاب فإنه "لا يمكن أن يتم إلا لسلطة رجعية أو سلطة مستسلمة.
"ومن نفس المنطلق طرحت الجبهة الشعبية، القيادة العامة موقفها من نهج المرحلية، فترى أن الرفض لا يوجه أساسا للسلطة الوطنية أو لمرحلية النضال، ولكن الانتقاد منصب أساسا على الشروط والصيغة التي عليها ستقام هذه الدولة، ذلك أن المرفوض هو السلطة الوطنية التي تتمخض عن تسوية سياسية وكبديل عن حرب التحرير ويؤكد أحمد جبريل الأمين العام للمنظمة إن طرح شعار السلطة الوطنية خاصة بعد حرب أكتوبر هو طرح مرتبط بالتسوية الأمريكية التي تهدف إلى إنهاء الصراع العربي-الصهيوني لصالح تثبيت الوجود الصهيوني في الأراضي العربية، وهنا تكمن الخطورة لأن طرح الشعار بعد حرب تشرين جعله مرتبطا بشكل مباشر بنقطتين مركزيتين نحن نرفضهما تماما وهما: المشاركة في مؤتمر جنيف وتمرير التسوية الأمريكية ونجاحها".
ويبدو أن الأحداث عززت من طرح الجبهة الشعبية وجبهة الرفض عموما، حول نقطة واحدة هي أن الوضع الدولي والعربي بعد حرب أكتوبر لم يؤد إلى انسحاب إسرائيلي من جميع الأراضي العربية المحتلة، حيث أن الواقع أظهر محدودية التسوية المطروحة ووهم المراهنة على الضغوط الدولية أو على إنسانية أمريكا، أو قوة الضغط الاقتصادي العربي، ومع ذلك تبقى إيجابية تحديد سياسة مرحلية آنذاك لتقوم بوظيفة المناورة السياسية والتكتيك الضروري لحشد أكبر عدد من الأصدقاء وتجنب ما يحاك ضد الثورة، وليس باعتبارها إستراتيجية تدفع المقاومة الفلسطينية للانجرار إلى المناورات الأمريكية التي تلوح للعرب ما بين الفينة والأخرى بمشاريع وهمية لتنتزع منهم التنازل تلو التنازل دون تحقيق أي إنجاز فعلي، إلا أن ما يؤخذ على قوى المعارضة إنها لم تشق طريقا بديلا واعتبرت أن التمسك بالمبادئ والثوابت الأساسية أهم من أي إنجاز صغير يعيد بعض الحقوق وتتجاهل هذه المنظمات أن من لا تستطيع تحقيق القليل لا يمكنه تحقيق الكثير.
ويبدو أن الجبهة الشعبية نفسها اعترفت بجدوى تبني الهدف المرحلي وهذا ما أكده جورج حبش في كلمته أمام المجلس الوطني الفلسطيني في دورته السادسة عشر في الجزائر حيث جاء فيها "نحن نقول نعم لبرنامجنا الوطني المرحلي، الذي أقر في الدورة الرابعة عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني ونقول نعم كذلك لميثاقنا الفلسطيني الذي آمل من مجلسنا هذا أن يعلن تشبثا به وببرنامجنا المحلي"
لقد تأكد فيما بعد أن الأخذ بسياسة المرحلية لم يكن مجرد مناورة أو تكتيك كما حاول البعض تصويرها، بل كانت تعبر عن استعداد حقيقي للتعامل مع نهج التسوية السياسية، ذلك أن مقررات المجلس الوطني الفلسطيني اللاحقة تخلت عن كثير من الشروط التي وضعتها للهدف المرحلي –السلطة الوطنية المقاتلة-بل إنها لم تعد تقرن الهدف المرحلي بالهدف الاستراتيجي باعتبار الأول قاعدة ارتكاز نحو الوصول للثاني، وفيما بعد حذفت كلمة مرحلية عند الحديث عن الهدف الفلسطيني الذي أصبح "إقامة دولة فلسطينية مستقلة" وهذا ما ظهر جليا في مقررات المجالس الوطنية ابتداء من الدورة الثالثة عشر، فالفقرة الحادية عشر من البيان السياسي لتلك الدورة دعت لمواصلة النضال الفلسطيني "من أجل استعادة الحقوق الوطنية لشعبنا وفي مقدمتها حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته الوطنية المستقلة فوق ترابه الوطني", وفي تحديد مجال الحقوق الفلسطينية التي على المنظمة السعي لتحقيقها، عرفتها بأنها الحقوق التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة منذ سنة 1974 وخاصة القرار 3236 وقد اعتبرت قرارات هذه الدورة أول تحول واضح في مفهوم الحقوق الفلسطينية من حقوق تاريخية إلى حقوق مستمدة من الشرعية الدولية أو تجمع بينهم.
تكررت نفس الصياغات لهدف النضال الفلسطيني باعتباره إقامة دولة فلسطينية مستقلة دون تحديد كون هذه الدولة هي مجرد هدف مرحلي ودون ذكر الهدف الإستراتيجي –الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني، ويبدو أنه كلما تدهور الوضع العربي وضعفت قوة الفعل العربية وتأزمت علاقات الثورة الفلسطينية بالأنظمة العربية، كلما كانت م.ت.ف أكثر استعدادا لتليين مواقفها وتخفيف شروطها لتصبح أكثر قبولا عند الرأي العام العالمي ولتبقى في مواجهة الأحداث وتبقى الكرة دائما في شباك الخصم، وخصوصا بعد معركة بيروت وانتظار الأعداء أن تكتمل الحلقة وأن يؤدي الانحسار العسكري للمنظمة لإنهائها سياسيا، إلا أن المنظمة وبالرغم من الانتقادات الشديدة لسياستها بعد بيروت أثبت قدرتها على الولادة من جديد من خلال تقديمها لتصورات سياسية وأقدامها على خطوات عملية من خلال نسج علاقات جديدة مع أطراف نبذت سابقا –الأردن ومصر-، مع ما صاحب هذه العلاقات والتحولات من جدل واسع من الساحة الفلسطينية.
ففي الدورة السادسة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني يلاحظ أن البيان الختامي للمجلس لم يتطرق إلى قرار 242 أو يندد به وهو ما دأبت قرارات المجلس السابقة على فعله، أما تصور المجلس للحل فهو يتم عن طريق عقد مؤتمر دولي، ونلاحظ هنا أن المجلس يتحدث عن حل للفضية الفلسطينية وليس مجرد مبادرة سياسية وكانت صياغة المجلس لأهداف النضال الفلسطيني في تلك الدورة على الشكل التالي "يرى المجلس أن إيجاد حل عادل لقضية فلسطين والشرق الأوسط لا بد وأن يقوم على أساس ضمان حقوقنا الوطنية في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية فوق ترابنا الوطني الفلسطيني، كما يرى أن الإطار المناسب للوصول إلى هذا الحل، هو عقد مؤتمر دولي تحت راية الأمم المتحدة وعبر مجلس الأمن بمشاركة كافة الأطراف المعنية بما فيها م.ت.ف على قدم المساواة، وعلى أساس قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بقضية فلسطين ويؤكد في هذا الصدد رفضه لاتفاقيات كامب ديفيد والحكم الذاتي ومبادرة الرئيس الأمريكي ريغان والمشاريع والقرارات التي لا تضمن حقنا في العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة".
إن أهم ما يثير الانتباه في هذا البيان –مع الأخذ بعين الاعتبار طبيعة المرحلة والحصار المفروض على الثورة الفلسطينية- أنه إذا كان هدف تحرير كامل فلسطين متضمن في القرارات السابقة للمجالس الوطنية بما فيها حق العودة وتقرير المصير والدولة الفلسطينية والذي يعني ضمنيا وجود حقوق أخرى غير الدولة الفلسطينية، فإننا نجد صياغة البيان الأخير حصرت الحقوق الفلسطينية بحق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وهذا التبدل في الصياغة له معناه، وخصوصا إذا ربطناه بما يليه عند الحديث عن "حل" للقضية تشارك فيه كافة الأطراف المعنية.

المبحث الثالث
دولة فلسطينية في إطار قرارات الشرعية الدولية

المطلب الأول: الطريق الصعب نحو شرعية دولية غير واضحة المعالم:
بعد قبول منظمة التحرير بسياسة المرحلية توالت التصريحات المطاطة والمبهمة والتي تتضمن استعداد للاعتراف بإسرائيل مقابل دولة فلسطينية على جزء من التراب الفلسطيني كهدف نهائي للنضال الفلسطينية، وهو الأمر الذي يستشف من قرارات المجلس الوطني الفلسطيني في عمان والذي تحفظت عليه فصائل فلسطينية متعددة الذي اعتبر حقوق الشعب الفلسطيني منحصرة في حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، واعتبر "أن الإطار المناسب للوصول إلى هذا الحل هو عقد مؤتمر دولي تحت راية الأمم المتحدة وعبر مجلس الأمن بمشاركة كافة الأطراف المعنية".
توالت الخطوات الدافعة بالصراع العربي –لصهيوني نحو تسوية ضمن شروط أمريكية وإسرائيلية لا تلبي حتى الشروط الدنيا للسلام العادل بالمفهوم الفلسطيني والعربي، تسوية تهدف إلى حصار الثورة الفلسطينية ولملمة الحالة الثورة الفلسطينية والعربية وتدفع بالثورة الفلسطينية إما لإعادة النظر بسياسة الرفض والتحدي التي تنتهجها وإما أن تتعرض للحصار والتصفية. وكانت اتفاقية كامب ديفيد الضربة القاصمة في البعد القومي للقضية الفلسطينية حيث وضعت الاتفاقية الثورة الفلسطينية أمام حقيقة لم يعد مجال لإخفائها وهي أن العامود الفقري للأمة العربية وقائدة نضاله التحرري القومي وأكبر قوة عسكرية عربية.... اعترفت بإسرائيل وخرجت من ساحة المواجهة العسكرية، فلم تكن الاتفاقية تعني فقط خروج مصر من ساحة المواجهة بل استغلت إسرائيل الاتفاقية لتنفرد بالثورة الفلسطينية وخصوصا أن الاتفاقية جاءت في وقت كانت العلاقات متوترة ما بين المنظمة وسوريا بسبب الملف اللبناني، لقد كان لاتفاقية كامب ديفيد مفاعلها القوية والسلبية على مسارين: الأول سياسي حيث سارعت الأمة العربية بمباركة وضغط أمريكي إلى بلورة مبادرة سياسية تعترف بإسرائيل وبقرارات الشرعية الدولية، والثاني عسكري حيث أخذت إسرائيل تخطط لتصفية الوجود العسكري، لـ م.ت.ف وقد تزامن الحدثان تقريبا، الأول مؤتمر فاس 81 والثاني غزة ولبنان 82 وهو تزامن ليس مصادفة بطبيعة الحال.
فبتنسيق أمريكي عربي مع تيار التسوية داخل الساحة الفلسطينية والعربية عقد مؤتمر فاس أو ما سمي مبادرة السلام العربية وفيها اعترفت الأنظمة العربية بوضوح بقرارات الشرعية الدولية وما استتبع ذلك من اعتراف بإسرائيل واستعداد هذه الدول بحل الصراع بالطرق السلمية. لقد شرع مؤتمر فاس الأبواب أمام نهج التسوية السلمية وكشف عما كانت الأنظمة تريده ولا تجرؤ على التصريح به أو فعله، ذلك أن غالبية الأنظمة العربية ومنذ أن وقع السادات اتفاقية كامب ديفيد وهي تريد أن تنهج نهجه وتتخلص من عبء المسئولية تجاه شعارات ومواقف وأهداف ألزمت نفسها بها في المرحلة السابقة، ومن عبء المسئولية تجاه الشعب الفلسطيني، إلا أن التواجد المسلح للفلسطينيين في لبنان والعمليات البطولية على الحدود وداخل الوطن كانت هي الحائل أمام السير على درب السادات وخصوصا بعد اغتياله، وكان مطلبا إسرائيليا وأمريكيا ورسميا عربيا إزالة هذه العائق، وهذا ما حدث، فما أن ضربت الثورة في لبنان وتشتت مقاتلوها حتى فتح الباب على مصراعيه للتسوية السياسية، وتغلغل فكر التسوية في الساحة الفلسطينية دون مواربة ولم يعد من المحرمات، ولم يعد الحديث يدور عن المفاضلة بين خيار التحرير والحرب وخيار التسوية بل ما بين التسوية السلمية العادلة والتسوية غير العادلة، ولكن هل للضعيف في معادلة الصراع أن يفرض مفهومه للعدل وللسلام؟.
في دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام 1988 أعلن الرئيس الفلسطيني عن إعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة على أساس قرارات الشرعية الدولية،وكانت هذه المرة الأولى التي تعترف فيها منظمة التحرير صراحة بالشرعية الدولية كمرجعية للحقوق السياسية الفلسطينية،إلا أن هذا القبول الفلسطيني بالشرعية الدولية وبكل قراراتها لم يرض واشنطن وتل أبيب.
من متاهات الشرعية الدولية إلى متاهات الشرعية التفاوضية:
بعد عشرات اللقاءات والمؤتمرات العلنية والسرية حول السلام، وما صاحبها من أحداث جسام كالانتفاضة الأولى، وحرب الخليج الثانية وانهيار النظام الإقليمي العربي والاتحاد السوفييتي....، أجبرت أمريكا أطراف الصراع من عرب وإسرائيليين على الجلوس علنا على طاولة المفاوضات في مدريد أولا ثم في أوسلو وتم توقيع اتفاق إعلان المبادئ بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو الاتفاق الذي قامت على أساسه منذ 1994 سلطة الحكم الذاتي في مناطق من الضفة والقطاع.
لم يُعقد مؤتمر مدريد كمؤتمر دولي للسلام بل كان مؤتمرا برعاية واشنطن وموسكو ،ولم تقم تسوية أوسلو على أساس قرارات الشرعية الدولية بل على أساس قراري مجلس الأمن 242 و 338 فقط وهما قرارات لا يتحدثان عن دولة فلسطينية أو حقوق سياسية فلسطينية ،وتركت القضايا الأساسية ومصير الوضع النهائي للمفاوضات التي كان يفترض أن تنتهي في مايو 1999 .
كان حديث الساعة فلسطينينا قبل مايو 1999- تاريخ نهاية المدة المحددة لاتفاق إعلان المبادئ وبداية التفاوض على قضايا الوضع النهائي- هو موضوع الدولة الفلسطينية، هل ستقوم يوم الخامس من مايو أم ستؤجل؟ وإذا قامت فكيف ستتصرف إسرائيل، وإن لم تقم فكيف ستواجه السلطة الفلسطينية شعبها من يساندها منه ومن يعارضها؟ وهل هذه الدولة ستحقق السلام المنشود؟ وحيث أنه لا مواعيد مقدسة عند الإسرائيليين، وخصوصا إذا كانت هذه المواعيد تفرض عليهم التزامات تتعلق بالأرض المحتلة، فقد مر الرابع من مايو وبالتالي المدة المتفق عليها للحكم الذاتي وفشلت مفاوضات كامب ديفيد وما تلاها من اتفاقات، واندلعت الانتفاضة لتؤكد فشل المراهنة على السلام الأمريكي الإسرائيلي، ثم جاءت وثيقة تنت وتقرير ميتشل وخارطة الطريق و خطة شارون للانسحاب من غزة من طرف واحدا ثم توقف المفاوضات نهائيا نهاية عام 2009 ، وما زالت أسئلة كثيرة وعميقة ومعقدة تضغط على الإنسان الفلسطيني وتجعله في موقف الانتظار والترقب .
نعتقد أن الخلل لا يكمن في مبدأ السلام والتسوية السلمية ولا بالمفاوضات فكل حركات التحرر في العالم مارست المفاوضات ولكن مارستها في إطار إستراتيجية وطنية تجمع ما بين المفاوضات والمقاومة وغالبا عندما كانت حركات التحرر في موقع قوة وتحقق إنجازات سياسية.
في الحالة الفلسطينية فإن المفاوضات كجزء من نهج التسوية جاءت في ظروف مغايرة حيث الخلل يكمن في منطلقات التسوية واتفاقاتها وآلية تطبيقها ،ويمكن رصد الخلل فيما يلي:-
1- جاءت المفاوضات في ظل حالة تراجع لحركة المقاومة الفلسطينية ،وهو التراجع الذي بدأ منذ الخروج من بيروت 1982 وتفاقم مع حرب الخليج الثانية وانهيار المعسكر الاشتراكي.
2- جرت المفاوضات في ظل غياب إستراتيجية وطنية شمولية حيث حماس والجهاد الإسلامي وفصائل أخرى كانت ضد نهج التسوية وضد المفاوضات .
3- تعود مشكلة المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية إلى التسوية بحد ذاتها،فالتسوية لم تقم على أسس واضحة ولم تكن لها مرجعية واضحة، فاتفاقية أوسلو نصت على أن التسوية تقوم على أساس قراري مجلس الأمن 242 338 ،ولم يأت في الاتفاقية ذكر للدولة الفلسطينية أو لقرار 194 الخاص باللاجئين أو بقرار التقسيم أو بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره السياسي ،ولم تتحدث عن انسحاب إسرائيلي من الأراضي المحتلة عام 1967 بل عن إعادة انتشار وخصوصا بالنسبة للضفة الغربية،وحتى بالنسبة لقراري 242 و 338 جاء النص بصيغة (على أساس قراري مجلس ...) وليس تنفيذا القرارين، والقضايا الأساسية تم تأجيلها بمعنى أنها ليست جزءا أصيلا من الاتفاق .
4- علينا التذكير بأن مؤتمر مدريد وكذا اتفاقية أوسلو لم يكونا في إطار مؤتمر دولي للسلام وبالتالي لم يكونا مؤتمرات دولية ينتج عنها قرارات ملزمة وكان دور الأمم المتحدة كشاهد زور . اتفاقية أوسلو كانت محكومة بمبدأ العقد شريعة المتعاقدين بمعنى أنه لا يمكن تحقيق أي تقدم إلا بموافقة الطرفين،وفي ظل اختلال موازين القوى ندرك لمصلحة من ستصب المفاوضات .
5- عدم جدية إسرائيل بالتسوية وخصوصا بعد مقتل اسحاق رابين ،ولأن إسرائيل لا تريد التصريح علنا بأنها ضد نهج السلام فقد أخذت بالمماطلة والتسويف في المفاوضات على أمل أن يقرر الفلسطينيون الخروج منها .
6- انتقال واشنطن من موقع الوسيط إلى موقع المنحاز لإسرائيل.وقد ظهر هذا جليا في عهد أوباما.
7- سوء أداء السلطة والفريق المفاوض،فالقليل من المراهنة على الاتفاقات الموقعة تم تبديده نتيجة فساد بدا ينخر السلطة منذ بداية تشكلها ونتيجة صفقات مشبوهة بين بعض رجالات السلطة وسلطات الاحتلال ،هذا بالإضافة إلى فريق مفاوض استمر منذ مدريد إلى اليوم حتى بات ورقة مكشوفة أمام الإسرائيليين وخصوصا أن كبار المفاوضين كانوا جزءا من السلطة وعلاقاتها الاقتصادية مع الإسرائيليين وكان تواجدهم داخل الأراضي المحتلة يجعلهم دائما تحت ضغط وابتزاز الإسرائيليين.
8- سلوكيات المعارضة التي لم يكن يحلو لها القيام بعمليات تفجيرية داخل إسرائيل إلا عندما تكون المفاوضات تتناول موضوعا مفصليا ،مما يدفع الإسرائيليين للتهرب من تنفيذ ما عليهم من استحقاقات بحجة الأمن وعجز السلطة مما عليها من التزامات.
9- الانقسام الذي زاد من إضعاف المفاوضين على طاولة المفاوضات.
إن الفهم العميق للتحولات الدولية والإقليمية يدفعنا إلى القول إن التحدي الذي يواجه الشعب الفلسطيني وهو يخوض نضالا سياسيا وعسكريا ضمن ما هو متاح وكإمكانية يجب عدم إسقاطها لتأسيس دولته الوطنية المستقلة لا يقل عن التحدي الذي واجه عندما كان يتبنى إستراتيجية الكفاح المسلح ضد الصهيونية، والإمبريالية لتحرير وطنه، وسنكون واهمين إذ اعتقدنا أن القوى التي حالت بين الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته في مرحلة الكفاح المسلح ستساند هذا الشعب في تأسيس وطنه بالطرق السلمية، ذلك أن معارضتها لم تكن لأن الشعب الفلسطيني يريد أن يقيم دولته عن طريق الكفاح المسح بل كانت معارضة لمبدأ قيام الدولة الفلسطينية، سواء كانت هذه القوى تتجسد بإسرائيل أو بالولايات المتحدة الأمريكية أو بدول غيرها من داخل المنطقة، وقد أثبتت الأحداث ذلك مع كامب ديفيد الثانية وقبلها، حيث الحكم الذاتي، كما ترددت الدول العربية في دعم الموقف الفلسطيني بخصوص إعلان الدولة من طرف واحد حتى لا يثيروا غضب أمريكا، ولولا صمود الشعب الفلسطيني وعدم تنازله عن حقوقه لتبخر حلم الدولة.
ولا شك أن حق الشعب الفلسطيني في كامل فلسطيني حق لا يماري فيه، ولكن علينا أن نعترف وأن نتعلم من التاريخ أن الشعوب لا تحيي فقط على الأهداف والشعارات كما أن الأهداف لا تتحقق بمجرد ترديد المطالبة بها ودبج الأشعار والتنظيرات حولها، ولكنها الشعوب تعيش في واقع وتتعامل مع واقع، ليست الإرادة تصاحب بممارسة عقلانية وأدوات تنفيذية ومراكمة إنجازات، فإنها ستتحول إلى أضعاف أحلام وستتآكل مشروعيتها عبر الزمن وعليه فإن أي إنجاز على أرض الواقع مهما كان صغيرا فإنه سيبقى الأمل في النفوس متقدا وستبقى الصلة قائمة ما بين الأهداف الوطنية المشروعة من جهة وواقع الحياة اليومية والتعامل اليومي من جهة أخرى.
إن ما بين التحرير الكامل من جهة والاستسلام لمشيئة الخصم من جهة أخرى، كثير مما يمكن عمله من أجل فلسطين، سواء في إطار الواقع الجديد داخل مناطق الحكم الذاتي أو في إطار قرارات الشرعية الدولية، وفي جميع الحالات على الفلسطينيين أن يعتمدوا على أنفسهم بالدرجة الأولى، وأن يضعوا حدا لحالة انتظار المنقذ القومي العربي أو الفاتح الإسلامي أو المحرر الأممي، أو انتظار تدخل العناية الإلهية لتقذف بحجارة من سيجيل يجعلهم كعصف مأكول، ومن هنا على الفلسطينيين أن يحسنوا إدارة معركة الحفاظ على الهوية والوطن، هذا الأخير الذي ليس هو الأرض فقط، فهذه قد تتعرض للاحتلال أو يفارقها المواطن قسرا، بل هو بالإضافة إليها، إحساس بالانتماء، وشعور بهوية، واستعداد للعطاء في كل الظروف والأحوال، والفلسطينيون اليوم في ظل استحقاقات أوسلو المؤلمة عليهم أن يؤكدوا كما كانوا دائما أنهم كالعنقاء التي تنهض من تحت الرماد فيما الاعتقاد أنها ماتت.
بناء الدولة، مسؤولية مزدوجة، مسؤولية دعاة التسوية ومسؤولية دعاة التسوية ومسؤولية دعاة المقاومة ومسؤولية المواطن، فالمواطن الفلسطيني سواء كان مواطنا عاديا أو منتميا إلى حزب أو تنظيم، عليه أن يدرك أن تأسيس دولة أو كيان سياسي لا يكون إلا بوجود سلطة وطنية، وإن أي سلطة في العالم لا بد لها من صلاحيات للقيام بمهامها بما في ذلك ممارسة القسر والإكراه، فالسلطة تقترن دائما بالقوة وتحيل إليها (لا سلطة دون تسلط)، ولكن في إطار القانون والمؤسسات وبما يخدم المصلحة الوطنية، وعلى المواطن الفلسطيني أن يعرف أيضا أن السلطة لا يمكنها أن تقوم بعملها بدون قوانين يجب أن تحترم وبدون مؤسسات يجب أن تصان.
وإذ كان يجوز الاختلاف حول الشأن السياسي، فلا يجوز الاختلاف حول ضرورة بناء وتأسيس الدولة، والقوى المعارضة لنهج التسوية تملك ولا شك الوعي والحس الوطني مما يجعلها تميز ما بين هذين النوعين من المعارضة: معارضة ممارسات نهج التسوية في السلطة ومعارضة بناء الوطن، إن كل جهد في اتجاه بناء الإنسان الفلسطيني والمؤسسات الفلسطينية والدولة الفلسطينية هو عمل وطني وللوطن ومن الخطأ الإحجام عنه بحجة أن يجير لمصلحة تنظيم محدد أو توجه سياسي محدد، وعلى القوى السياسية أن تربي أعضاءها على احترام مؤسسات ورموز السلطة الوطنية، وإن شاءوا يعارضوا سياساتها وبرامجها وممارسات مسئوليها، فحيث أن الشعب الفلسطيني يرفض الخضوع لسلطة الاحتلال فعليه أن يقبل بسلطة وطنية لأن ما بينهما هو الفوضى والخراب والحرب الأهلية لا سمح الله.
لم يعد خافيا على أحد أن قبول إسرائيل بحكم ذاتي فلسطيني وبسلطة فلسطينية لا يعني أنها تهيئ الوضع للاستقلال الفلسطيني، أو أنها تدرب الفلسطينيين على كيفية حكم أنفسهم بأنفسهم، بل قبلت بذلك مناورة وخوفا من أن تضطر لتقديم تنازلات أكثر، ولذا فهي وكما رأينا لن تدخر جهدا لإفشال تجربة الحكم الذاتي وستمارس سياسة الأرض المحروقة بتضييق سبل العيش أمام غالبية الشعب داخل مناطق الحكم الذاتي وإطلاق يد المستوطنين لينهبوا الأرض ويمارسوا الإرهاب ضد الشعب الفلسطيني حتى يتمرد الشعب على السلطة الوطنية أو يضطر لمغادرة الوطن ومن يتبق منهم يتحولوا إلى "عرب إسرائيل" ولكن دون حقوق المواطنة وعليه فإن الطريق أمام الفلسطينيين ما زال صعبا وشاقا ومهمتهم لإعادة بناء الدولة على جزء من أرض الوطن تحتاج إلى تضافر كل الجهود، جهود فلسطيني الداخل وجهود فلسطينيي الشتات، تحتاج إلى جهود السلطة وجهود المعارضة، تحتاج إلى جهود السياسيين والمثقفين والمبدعين وكل الكفاءات التي شتتها الاحتلال أو أبعدتها الممارسات السيئة لبعض المتنفذين في السلطة الفلسطينية.
بفعل انتفاضة الأقصى تحرك المنتظم الدولي مجددا وأصدر عديدا من القرارات التي وإن كانت لا ترق إلى طموحات الشعب الفلسطيني فإنها في ميزان القوى الراهن تعتبر إنجازا يمكن للفلسطينيين التمسك به ليقيموا عليه دولتهم المستقلة ومن أهم هذه القرارات القرار رقم 1397 بتاريخ 13/3/2002 الذي صدر عقب اجتياح إسرائيل لمناطق السلطة الفلسطينية، فلأول مرة يشير قرار صادر عن مجلس الأمن إلى أن حل النزاع في المنطقة لن يكون إلا بقيام دولتين، فلسطينية وإسرائيلية، تتعايشان بسلام جنبا إلى جنب، وقد تبع هذا القرار مواقف أوروبية وأمريكية تنطلق من نفس الرؤية.
ولكن في نفس الوقت هناك مؤشرات مقلقة تشير إلى توجه أمريكي وإسرائيلي لتغيير مفهوم المناطق المحتلة وبالتالي المناطق التي من الممكن أن تقام عليها دولة فلسطينية، وبانت هذه المؤشرات عقب الاجتياح الإسرائيلي لمناطق السلطة في الضفة وغزة نهاية فبراير 2002، حيث صدر قرار مجلس الأمن رقم 1402 الذي يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من مناطق السلطة، وما زالت إسرائيل تماطل في الانسحاب، إن الخوف يتأتى من أن يحل القرار الأخير محل القرار 242 وتحل (مناطق السلطة) محل (الأراضي المحتلة عام 67) أي كل الضفة الغربية بما فيها القدس، وتأكدت التخوفات مع شروع إسرائيل بإقامة الجدار العازل مع بداية 2003، وهذا الجدار لن يترك بيد الفلسطينيين إلا حوالي 42% من مناطق الضفة مقسمة إلى ثلاثة كانتونات منعزلة عن بعضها، تتحكم إسرائيل بالطرق الرابطة بينها، ثم طرح خطة شارون للانسحاب من غزة.
لا شك أن الحديث الأمريكي والإسرائيلي عن دولة سواء ضمن خارطة الطريق أو ما ورد في وثيقة جنيف التي وقعها وفد فلسطيني ووفد إسرائيلي غير رسمي في أكتوبر 2003، يعد خطوة متقدمة للمواقف السابقة، إلا أنه يجب الحذر من فهم وتفسير مفهوم الدولة، ففي الوثيقتين هناك حديث عن دولة دون سيادة ومنزوعة السلاح، وإن كانت دولة منزوعة السلاح أمرا مفهوما ومقبولا لمرحلة انتقالية، إلا أن ما لا يفهم وما يعد خطيرا الحديث عن دولة دون سيادة، فعدم ممارسة الحكومة –السلطة- الفلسطينية سيادة على أرض الدولة يدفع للتساؤل ولمن السيادة على الأرض؟ وهنا تبرز الخطورة، فقد يفسر الأمر بأن الأرض هي أرض دولة إسرائيل والسيادة بالتالي لإسرائيل، وعليه تصبح الدولة مجرد نعت غير دقيق لحكم ذاتي ثقافي.
بعد انسحاب الجيش من قطاع غزة في سبتمبر 2005، ثم الانقسام الفلسطيني في منتصف يونيو 2007 تجدد الحديث عن الدولة الفلسطينية، ولكن هذه المرة بإيحاء أمريكي وإسرائيلي، والمقصود بالفكرة دفع الفلسطينيين بالقبول بدولة في قطاع غزة وتناسي الضفة الغربية والقدس، ويزعم المتحمسون لهذه الفكرة بأن دولة غزة قد تكون تطبيقا لفكرة الدولة المؤقتة المنصوص عليها في خطة خارطة الطريق، ويمكن للفلسطينيين القبول بها ثم مواصلة المفاوضات لاستعادة بقية الأراضي المحتلة.

المطلب الثاني :فشل المفاوضات والعودة للشرعية الدولية
مع وصول المفاوضات الرسمية والمُعلنة لطريق مسدود نهاية عام 2009 عادت القيادة الفلسطينية لتستنجد مجددا بالشرعية الدولية بعد طول تجاهل، وتبلور نهج يقول بالذهاب للأمم المتحدة أو ما بات يُعرف في الخطاب السياسي الإعلامي باستحقاق أيلول،وهو ضمن خيارات سبعة تحدث عنها الرئيس أبو مازن.
الذهاب للأمم المتحدة احد الخيارات التي طرحها الرئيس أبو مازن للحفاظ على حيوية القضية سياسيا ولتوظيف حالة الكراهية والرفض من طرف الرأي العام العالمي للسياسة الإسرائيلية ،فكان ما يسمى باستحقاق أيلول وقد أكد الرئيس انه لن يذهب للأمم المتحدة إلا إذا بقيت المفاوضات متوقفة .
بعيدا عن التحليل المستمد من مشاعر التفاؤل والتشاؤم أو التخوين والتشكيك لأن هذه أمور محايثة للحياة السياسية الفلسطينية بل باتت تشكل ثقافة سياسية سيكولوجية تشكل أهم مكونات المشهد السياسي الفلسطيني واهم عوامل تعثره،فإن ما تسمى استحقاقات أيلول القادم وجوهرها انتزاع اعتراف دولي بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود حزيران 1967،لا تؤسَس على أية اتفاقات أو التزامات أو وعود دولية واضحة ومحددة ولا تؤسس على متغيرات حقيقية في موازين القوى على الأرض تجعل هذا الاستحقاق مؤكد الحدوث ،بقدر ما يؤسس على إرادة فلسطينية بقيام هذه الدولة وبقدر ما هي ورقة ضغط لتحسين موقف المفاوض الفلسطيني ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه من خيار التسوية وما ارتبط بها من مؤسسات ومصالح .وبالتالي من المبالغة نعت الذهاب للأمم المتحدة في أيلول بالاستحقاق بمعنى أن الدولة ستكون نتيجة لاتفاقات وقرارات سابقة متفق عليها وحان وقتها.وإن كانت هناك استحقاقات قادمة في أيلول فيجب أن تبنى على الجهد والنضال الفلسطيني أكثر من بنائها على وعود أمريكية وأوروبية .
لا يعني هذا التقليل من أهمية الذهاب لمجلس الأمن وأهمية الاشتغال على الاعتراف بدولة فلسطينية مستقلة ،أيضا يجب استثمار ما أُنجِز دوليا سابقا وإن كان هزيلا حتى لا تستغل إسرائيل فراغ غياب الحراك السياسي والدبلوماسي لتحميل الفلسطينيين مسؤولية التهرب من السلام وخصوصا أن السياسة لا تعرف الفراغ وإذا ما تجاهلنا أو تهربنا من الشرعية الدولية ومن المنتظم الدولي فلن يتجاهلونا لأن الصراع في الشرق الأوسط بات شأنا دوليا نظرا لما له من تداعيات على منطقة الشرق الأوسط وعلى العالم ،وبالتالي فالحضور الفلسطيني دوليا أمر مهم.
الذهاب إلى مجلس الأمن أو الجمعية العام لانتزاع اعتراف بدولة فلسطينية اعتمادا على الوعود أو الالتزامات الأمريكية والأوروبية سيكون مراهنة غير مضمونة النتائج فهذه الوعود لا يمكن الركون إليها وقد جربنا وعودا أكثر وضوحا وكانت موثقة ومكتوبة ومع ذلك لم يتم الالتزام بها .السياسة الأمريكية ومواقف أوباما تحديدا خلال العام الماضي وهذا العام بانت عن تراجع وضعف شديد في التزامها بعملية السلام وبموقع الوسيط النزيهة لدرجة استعمالها لحق الفيتو في مجلس الأمن ضد قرار يطالب بإدانة الاستيطان ،كما أن دور الرباعية تراجع بحيث تم اختزالها بالموقف الأمريكي.
لا غرو أيضا أن اللجوء للمنتظم الدولي وجعل الشرعية الدولية مرجعية للعملية السلمية أمر مهم وضروري بل هو تصحيح لخطا بدا منذ أوسلو واستمر حتى اليوم ولكن يجب أن لا ينتابنا وهم مريح بأن اللجوء للشرعية الدولية سيحل المشكلة وستقوم الدولة مباشرة ،هنا نذكر بعشرات قرارات الشرعية الدولية حول فلسطين بدءا من قراري التقسيم وحق العودة – القرارين 181 و 194- الصادران عن الجمعية العامة للأمم المتحدة مرورا بقراري 224 و 338 الصادران عن مجلس الأمن مرورا بعشرات القرارات والتوصيات كقرار محكمة العدل الدولية بشان الجدار وتقرير جولدستون الخ.
حبل الشرعية الدولية طويل ومعركتها لا تقل صعوبة عن المعارك العسكرية وبقدر ما لنا أصدقاء وحلفاء فلدى إسرائيل أيضا أصدقاء وحلفاء بل أصدقاؤها أكثر قوة وتأثيرا دوليا،وبالتالي يجب عدم وضع كل البيض في سلة واحدة ،سلة الشرعية الدولية ،بل يجب اشتقاق وسائل نضالية مواكبة للعمل الدبلوماسي واهم هذه الوسائل المقاومة الشعبية والمصالحة .
خطورة الذهاب إلى الأمم المتحدة دون مراجعة إستراتيجية للمرحلة السابقة
لأن قرار الذهاب للأمم المتحدة في أيلول يمس مصير القضية لأنه سيحدد الحقوق السياسية الفلسطينية ومن المحتمل أن يشكل القرار المُتخذ من مجلس الأمن أو الجمعية العامة مرجعية أية مفاوضات قادمة،فيجب أن يكون قرار الذهاب معبرا عن توافق وطني وان يكون مصحوبا بحراك دبلوماسي وشعبي على كافة المستويات والاهم من ذلك أن تسبقه مراجعة إستراتيجية نقدية لأداء السلطة والأداء السياسي لكل مشتملات النظام السياسي ،وهذا لم يحدث .
عدم مراجعة النخب السياسية والسلطة لأدائها وعدم اعترافهم بأخطائهم او محاولة تصحيحها ،يعني أن معركة الشرعية الدولية ستخاض بنفس الأدوات العاجزة والفاشلة وهذا ما يثير القلق.لقد ظهر الخلل في معركة استحقاق الشرعية الدولية قبل أيلول وفي داخل الساحة الفلسطينية،حيث تباينت المواقف داخل الفصائل والقوى المجتمعية من الموضوع ،لا يجوز أن يكون قرار الذهاب للأمم المتحدة قرارا لحزب أو جماعة ،ولا يجوز لحركة حماس والجهاد الإسلامي وفصائل أخرى أن تقف موقف المتفرج على ما يجري.
القول بالسلام وخوض معترك الشرعية الدولية جزء من أي عمل سياسي ولكن ذلك لا يعني التخلي عن عناصر القوة عند الشعب ،القول بالشرعية الدولية لا يعني أن السلام سيتحقق غدا،والقبول بفلسطين عضو في الأمم المتحدة لا يعني أن الدولة ستقدم للفلسطينيين على طبق من ذهب .الشرعية الدولية معركة يجب أن تخاض إن كان لا بد من ذلك، ولكن في المقابل يجب الاستعداد لها استعداد من يذهب لمعركة ومن يذهب لمعركة يحشد كل ممكنات القوة إن لم يكن لتحقيق مكتسبات فعلى الأقل لتقليل الخسائر.
إن كان الوضع الفلسطيني الداخلي يشكل عامل ضعف في معترك خوض معركة استحقاق الشرعية الدولية ،فإن حالة التأييد والتعاطف الدولي للشعب الفلسطيني الناتجة عن السياسة العدوانية والإرهابية لإسرائيل يجب أن تُستثمر سياسيا،فهناك استياء ورفض للممارسات الإرهابية الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني ورفض لسياسة الاستيطان والمستوطنين ومقاطعة لجامعات ومنتجات إسرائيلية وهناك لجان تحقيق ودعاوى تتهم قادة إسرائيل بالإرهاب ،واستطلاعات رأي في أوروبا تقول بأن إسرائيل مصدر تهديد للسلام في المنطقة ،ومطالبات تتزايد بحق الشعب الفلسطيني بدولة خاصة بهم وحتى داخل أمريكا هناك أصوات تتعالى وتحذر من أن الانحياز لإسرائيل يهدد المصالح القومية الأمريكية ،بالإضافة لكل ذلك هناك تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه وتزايد أعداد الفلسطينيين بالنسبة للإسرائيليين الخ .
هذه متغيرات يجب أن نلحظها جيدا بالرغم من الوضع الفلسطيني الداخلي الذي قد يشوه الصورة . هناك متغيرات يجب أن تُستثمر سياسيا بإنجازات على أرض الواقع ،هذه المتغيرات تحتاج لقيادة سياسية تتواصل مع العالم وتطرح تصورا ورؤية سياسية لكيفية التعامل مع القضية دوليا وكيفية تعظيم هذه المتغيرات والمكتسبات،حتى لو زعمت حركات مقاومة إن الفضل بحدوث هذه المتغيرات تعود لأعمال المقاومة،يبقى السؤال كيف نحصد ما زرعته المقاومة؟.
المقاومة السلمية والشرعية الدولية
الفهم الصحيح للسياسة علما وسلوكا سيوصلنا لحقيقة أن الشرعية الدولية تتضمن حق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها بمقاومة الاحتلال، و لا توجد دولة أو حركة تحرر تعتمد نهج السلام وتعيش بسلام إلى ما لا نهاية ،لأن خيار السلام ليس خيارا ذاتيا فقط بل مرتبط بالأطراف الدولية الأخرى وبمواقف الفاعلين السياسيين الآخرين ،وبالتالي فإن خيار الذهاب للشرعية الدولية لا يُسقط حق الدول والشعوب بالتوفر على كل مقومات القوة حتى وهي تقول بالسلام وتسعى له.
وهنا علينا استحضار ما جرى عام 1974،ففي ذلك العام تم الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني في جامعة الدول العربية وغيرها من المنظمات العربية والإسلامية كما تم الاعتراف بها عضوا مراقبا في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية،حدث ذلك في وقت كان فيه الكفاح المسلح الفلسطيني في أوجه سواء داخل الأراضي المحتلة عام 67 أو داخل فلسطين 48 وكذا على الحدود اللبنانية الإسرائيلية.لقد اعترف العالم بحق تقرير المصير للفلسطينيين لأن الشعب الفلسطيني كان يفرض وجوده عمليا من خلال المقاومة وسياسيا من خلال وجود قيادة وطنية موحدة.
المقاومة حق مشروع لكل شعب يخضع للاحتلال ولكن المهم وجود إستراتيجية وطنية للمقاومة ،واليوم إن كانت الظروف لا تسمح بالمقاومة المسلحة فيمكن تفعيل المقاومة السلمية،وهي اليوم ضرورية وممكنة ليس كبديل عن خيار التسوية والمفاوضات بل كداعم لهما وخصوصا ونحن على أبواب ما يسمى (استحقاق أيلول) فأيلول لن يكون استحقاقا منجزا للهدف إن لم تشهد الأراضي الفلسطينية المحتلة انتفاضة أو مقاومة سلمية شعبية تبدأ منذ اليوم ويواكبها حراك واسع لفلسطيني الشتات وخصوصا في أوروبا والأمريكتين.
حتى يكون أيلول استحقاقا واجبا وحتى لا نصاب بنكسة جديدة ،و لأن استحقاق أيلول يتعلق بقضايا تمس وجود ومصير الشعب الفلسطيني حيث من الممكن أن يَجُب القرار الجديد كل القرارات الدولية السابقة حول الشأن الفلسطيني ،ونظرا للتشنج الصهيوني والرفض الأمريكي لهذا التوجه الفلسطيني ،فإن استحقاق الاعتراف بالدولة معركة حامية الوطيس يجب الاستعداد لها وحُسن إدارتها.


خلاصة الفصل
العمل السياسي وخصوصا في حالة كالحالة الفلسطينية فعل مركب ومعقد ،تكون فيه كل الخيارات مطروحة.ومن هنا فإن المفاوضات والمقاومة وإعادة النظر بوظائف السلطة والذهاب للأمم المتحدة كلها أمور مترابطة وتسير جنبا لجنب،فالعلاقة بين هذه الأمور ليست علاقة تعارض أو أن كل منها بديل للآخر بل علاقة تكاملية.ما يجعل العلاقة تكاملية بما يُمكِن من الاستفادة من كل منها هو وجود إستراتيجية وطنية تنسق وتوفق بينهم.ونؤكد مرة أخرى بان المشكلة لا تكمن في أي من هذه الوسائل النضالية والسياسية بل تكمن في النظام السياسي الفلسطيني وتكمن في أزمة القيادة والمرجعيات لهذا النظام.ما يجري داخل النظام السياسي الفلسطيني من تفاعلات تؤثر سلبا أو إيجابا على الموقف الدولي من القضية الفلسطينية ،فالمنتظم الدولي لا يمنح حقوقا سياسية للشعوب تلقائيا بل يُضطر للاعتراف بحقوق الشعوب التي تناضل دفاعا عن حقوقها ويُضطر للتدخل إذا ما شعر أن السلم والأمن الدوليين مهددان بالخطر.







خاتمة

حاولنا خلال الفصول السابقة تسليط الضوء على المجتمع الفلسطيني من كل جوانبه ،وإن حاولنا التركيز على المنظومات ااو المؤسسات الاجتماعية لكبرى المتسمة بدرجة من الاستمرارية والثبات كالهوية والأسرة والدين إلا أن التحولات والتطورات السياسية المتسارعة للقضية الفلسطينية تؤثر على البناء الاجتماعي .ومن جهة أخرى فإن الانقسام الداخلي انتج ظواهر اجتماعية واقتصادية سلبية وخطيرة كظاهرة الأنفاق في قطاع غزة وحالة التنافر بين غزة والضفة بل أثر الانقسام على الأسرة والزواج ،أيضا فإن زيادة اعتماد المجتمع الفلسطيني على التمويل الخارجي الذي أضيف للخدمات التي تقدمها وكالة غوث اللاجئين أوجدت حالة من الإتكالية والاعتماد على الخارج وهو ما يضعف تأسيس بنية اقتصادية انتاجية وطنية .
وأخيرا يمكن القول بأن المجتمع الفلسطيني يحتاج لمزيد من البحث من علماء الاجتماع وعلماء الاجتماع السياسي بل يمكن القول بأن خصوصية المجتمع الفلسطيني تتطلب وجود علم اجتماع سياسي فلسطيني ،ونتمنى وجود مراكز بحوث اجتماعية استراتيجية ذات استقلالية و تابعة مباشرة للسلطة الوطنية يعمل فيها علماء ومختصون بعيدا عن كل تحيزات حزبية أو إرتهان لتمويل خارجي ,




المراجع
1. إبراهيم أبراش، العبد القومي للقضية الفلسطينية (فلسطين بين القومية العربية والوطنية الفلسطينية) مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1987.
2. إبراهيم أبراش، علم الاجتماع السياسي، دار الشروق، عمان، 1994
3. إبراهيم أبراش، المؤسسات والوقائع الاجتماعية، الرباط، 1998
4. إبراهيم أبراش، مناهج البحث في العلوم الاجتماعية، دار بابل للنشر والتوزيع، الرباط، 1999
5. إبراهيم أبراش، تاريخ الفكر السياسي، دار بابل للنشر والتوزيع، الرباط، 1999.
6. الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين، التقرير النظري والسياسي والتنظيمي، المؤتمر الوطني العام الثاني، أثار1981، بيروت، دار ابن خلدون.
7. السيد ياسين (إشراف)، الدولة الفلسطينية، رؤية مستقبلية، مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام، القاهرة، 1980
8. السيد يسين، النظام السياسي العربي بين الأزمة والانهيار، التقرير الاستراتيجي العربي: 1995، ط1، القاهرة.
9. إميل توما: ستون عاما على الحركة القومية العربية الفلسطينية، بيروت، 1978.
10. المهدي المنجرة، الحرب الحضارية الأولى، منشورات العيون، البيضاء، 1991، ص2
11. جان فرانسوا بايار، سياسة ملء البطون: في سيسيولوجيا الدولة الإفريقية، ترجمة حليم طوطوس، ط1، دار العالم الثالث، 1992.
12. جان ماري دانكان، علم السياسة، ترجمة محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1995.
13. جبهة التحرير العربية، استراتيجية المجابهة للتحالف الصهيوني –الاستعماري، بلا مكان نشر، جبهة التحرير العربية، 1970
14. جبهة التحرير العربية، الطريق القومي لتحرير فلسطين، بيروت، دار الطليعة، 1970
15. جورج انطنيوس، يقظة العرب، بيروت، 1902
16. جوزيف جيفريز، فلسطين إليكم الحقيقة ترجمة أحمد خليل الحاج، القاهرة الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1971- 1973
17. دنيا الأمل إسماعيل، مجلة رؤية، عدد 29، شباط 2006
18. سلمان الطيماوي، السلطات الثلاث في الدساتير العربية وفي الفكر السياسي الإسلامي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1979.
19. سوسن عثمان عبد اللطيف، تنظيم المجتمع، مكتبة عين شمس، القاهرة، 1998
20. سليم الجنيدي، الحركة العمالية في فلسطين، دار الجليل للنشر، عمان 1988
21. شحادة يوسف، الواقع الفلسطيني والحركة النقابية، مركز الأبحاث الفلسطيني، بيروت، 1973
22. شفيق الحوت، الفلسطيني بين التيه والدولة (بيروت، 1977)
23. حليم بركات وبيتر ضود، النازحون: اقتلاع ونفي، دراسة اجتماعية علمية، بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1968
24. حليم بركات، المجتمع العربي المعاصر، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1985
25. حسين مروة، مفهوم الثقافة الوطنية، ضمن كتاب قضايا وشهادات، ملف الثقافة الوطنية، ج1، رقم4، خريف 1991، دمشق، مؤسسة عيبال للدراسات والنشر.
26. خليل فاضل، سيكولوجية الإرهاب السياسي، ط1، 1991، القاهرة، 1996
27. خليل السكاكيني، كذا أنا يا دنيا، يوميات خليل السكاكيني، إعداد هالة السكاكيني، القدس، 1955
28. كامل خلة، فلسطين والانتداب البريطاني 1922- 1939، منشورات منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، بيروت، 1974
29. كافين رايلي، الغرب والعالم، سلسلة عالم المعرفة، الكويت عدد 90 السنة 1985
30. محمد عزة دروزة، القضية الفلسطينية في مختلف مراحلها، بيروت الكتبة العصرية، 1960
31. محمد عابد الجابري، في الموسوعة الفلسفية العربية (رئيس التحرير: معن زيادة)، معهد الإنماء العربي: محدداته وتجلياته، نقد العقل العربي 3 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربة، 1990)
32. محمد سعيد العشماوي، الإسلام السياسي (البيضاء: د.ن، 1991)
33. محمد عقلة، نظام الأسرة في الإسلام، ج:1، عمان، 1983
34. موريس دفرجيه، الأحزاب السياسية، ترجمة سامي الدروبي، دار النهار للنشر، بيروت، 1980
35. موريس دفرجيه، علم اجتماع السياسة، ترجمة سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1991
36. منير شفيق، الثورة الفلسطينية بين النقد والتحطيم، بيروت: دار الطليعة، 1973
37. ناجي علوش، المقاومة العربية في فلسطين، 1948- 1970، كتب فلسطينية، بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية، مركز الأبحاث، 1967
38. ناجي علوش، مناقشات حول الثورة الفلسطينية، بيروت، 1975
39. نايف حواتمة، لتتحد جميع القوى الثورية والوطنية لضمان الانسحاب الكامل وحقوق الشعب، بلا مكان نشر: منشورات الجبهة الديمقراطية، أيار (مايو) 1974
40. نعمان الخطيب، الأحزاب السياسية ودورها في أنظمة الحكم المعاصرة، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1983
41. صلاح خلف (أبو إياد)، فلسطيني بلا هوية، مطبعة الكاظمية، الكويت.
42. عبد الوهاب الكيالي، جامع، وثائق المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية، 1918- 1939، سلسلة الوثائق العامة، 1، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1968
43. عبد الوهاب الكيالي، الموجز في تاريخ فلسطين الحديث، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1971
44. عبد الله الحوراني، اللاجئون: قضية ومواقف، المركز القومي للدراسات والتوثيق، غزة، 2001
45. عبد الرحيم غنيم، المقاومة الفلسطينية والأيدولوجيا الثورية، دمشق: منشورات الطلائع، 1973
46. عبد السلام بن عبد الله، أسس الفكر الفلسفي المعاصر: مجاوزة الميتافيزيقا، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1991
47. عبد اللطيف المنوني، ومحمد عياد، الحركة العمالية المغربية، صراعات وتحولات، دار توبقال للنشر، 1985
48. عبد القادر ياسين، تاريخ الطبقة العاملة الفلسطينية 1918- 1948، مركز الأبحاث الفلسطيني، بيروت، 1980
49. عبد الهادي بوطالب، نظرات في القضية العربية، دار الكتاب، الدار البيضاء، 1987
50. عيسى الشعيبي، الكيانية الفلسطينية الوعي الذاتي والتطور المؤسساتي 1947- 1977، بيروت مركز الأبحاث الفلسطيني، 1979
51. غازي خورشيد، دليل حركة المقاومة الفلسطينية، سلسلة كتب فلسطينية- 32، بيروت، مركز الأبحاث، م.ت.ف، 1971
52. فرانز فانون، الثقافة الوطنية وكفاح التحرر، ضمن كتاب قضايا وشهادات ج1.
53. فيصل دراج الكوني والعالمي والثقافة الوطنية، ضمن كتاب قضايا وشهادات، ملف الثقافة الوطنية، ج2، رقم5، ربيع 1992، دمشق مؤسسة عيبال للدراسات والنشر.
54. توفيق علي برو، العرب والترك في العهد الدستوري العثماني (1908- 1914) القاهرة: جامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالمية، 1960
55. رشاد الشامي، إشكالية الهوية في إسرائيل، سلسلة عالم المعرفة، العدد 224، الكويت.
56. ليتين، مختارات، الجزء الثاني، دار التقدم، موسكو.
57. كتاب فتح السنوي.
58. state (London. Macmillan Press Ltd) 1996. in Human Rights quarterly. Vo. 19 N4 (November 1997), The jons Hopkins university press, p. 865.
59. Rodolfo Stave Hagen, Ethnic conflicts and the nation.
رسائل جامعية:
60. موسى حلس، نظام القضاء العشائري في فلسطين، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة القاهرة، 1995

الدوريات والوثائق:
61. إبراهيم أبراش، الدولة الفلسطينية: النشأة والتطور، مجلة السياسة الدولية، الأهرام، عدد 157، يوليو 2004.
62. إبراهيم محمود العالم، العولمة هل هي انفجار الهوية؟ مجلة الفكر العربي، عدد 53
63. باسم سرحان، "المخيم الفلسطيني في ظل الثورة"، شؤون فلسطينية، العددان 41 و 42 كانون الثاني/ يناير- شباط/ فبراير 1975
64. جورج حبش، المقاومة الفلسطينية أمام التحديات الجدية، ندوة شؤون فلسطينية عدد 30
65. خيرية قاسمية، نجيب نصار في جريدته الكرمل (1909- 1914) شؤون فلسطينية عدد 23، تاريخ يوليو 1973
66. خيرية قاسمية، مواقف عربية من التفاهم مع الصهيونية (1913- 1919) شؤون فلسطينية، عدد 31، تاريخ مارس 1974
67. خيرية قاسمية، "نجيب نصار في جريدته الكرمل" (1901- 1914) أحد رواد مناهضة الصهيونية، شؤون فلسطينية، العدد 23، تموز/ يوليو 1973
68. كمال ناصر، "مذكرات لاجئ سياسي"، شؤون فلسطينية، العدد 44
69. كمال عدوان، "فتح" الميلاد والمسيرة"، شؤون فلسطينية، العدد 17، كانون الثاني (يناير) 1973
70. عبد القادر ياسين: "الحركات القومية العربية والكفاح المسلح الفلسطيني"، شؤون فلسطينية، العدد 98 (كانون الثاني /يناير 1980).
71. ناجي علوش، الثورة الفلسطينية ومهمات حركة التحرر الوطني العربية، دراسات عربية (بيروت)، العدد8، حزيران/ يونيو، 1972
72. نبيل شعت، نحو فلسطين ديمقراطية، شؤون فلسطينية، عدد 2.
73. جورج حبش، جريدة الهدف، عدد 22، تاريخ 20/12/1969
74. محمود درويش، مجلة الكرمل، العدد 15
75. ياسر عرفات يتحدث إلى شؤون فلسطينية في ذكرى الانطلاقة: ثورتنا، كلمة سر الأمة، أجرى الحوار محمود درويش بالاشتراك مع أحمد عبد الله الحوراني، شؤون فلسطينية، العدد 86، كانون الثاني/ يناير 1979
76. مقابلة مع ياسر عرفات، شؤون فلسطينية، العدد 85، كانون الأول (ديسمبر) 1978، "كلمة ياسر عرفات في دورة المجلس الوطني الفلسطيني" في الجزائر (1983)، بعد أن جدد المجلس ثقته به كرئيس للجنة التنفيذية لـ م.ت.ف.
77. كلمة صلاح خلف (أبو إياد) في دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (1983) الوثيقة الرقم 70
78. نايف حواتمة: حديث مع قادة المقاومة "شؤون فلسطينية"، العدد 5، تشرين الثاني (نوفمبر) 1971
79. نايف حواتمة، المقاومة الفلسطينية أمام التحديات الجديدة، ندوة شؤون فلسطينية ، عدد 30
80. نايف حواتمة، نحو حل ديمقراطي للقضية الفلسطينية ، مجلة الحرية، 12/1/1970
81. كلمة أحمد جبريل في الدورة 16 للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (1983)، الوثيقة الرقم 92
82. حديث لأحمد جبريل مع مجلة إلى الأمام ، بيروت 12/7/1974، ورد في (الدولة الفلسطينية رؤية مستقبلية).
83. كلمة "فتح" في المؤتمر الثاني لنصرة الشعوب العربية في القاهرة، يناير 1969
84. البيان السياسي الصادر عن الدورة 16 للمجلس الوطني الفلسطيني ، التي عقدت في الجزائر، في شباط (فبراير) 1983
85. تعميم داخلي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بلا تاريخ.
86. الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، النظام الداخلي.
87. "فتح"، دراسات وتجارب ثورية، الرقم 1
الصحف:
88. نشرة الثأر باسم الحركة، 24/4/1958
89. فلسطينيا، 10/4/1963
90. فلسطينيا، 6 مارس 1956
91. فلسطينيا ، 6 مارس 1960
92. فلسطينيا ، 11 نوفمبر 1960
93. مركز المعلومات الوطني الفلسطيني.
94. الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني /تشرين الثاني 2001
95. كتاب فلسطين الإحصائي السنوي رقم (2)
96. الهيئة العامة للاستعلامات ، المركز الفلسطيني للإحصاء











السيرة الأكاديمية والعلمية للمؤلف

أ-د/إبراهيم خليل العبد أبراش

- من مواليد قطاع غزة بفلسطين
- دكتوراه في القانون العام- العلوم السياسية -من جامعة محمد الخامس بالرباط 1985.
- ممارسة التدريس الجامعي منذ 1978 حتى 2000 في الجامعات المغربية.
- أستاذ في جامعة الأزهر بغزة منذ أكتوبر2000.
- رئيس قسم الاجتماع و العلوم السياسية بكلية الآداب بجامعة الأزهر.
- عميد كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة.
- الإشراف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه .
- مؤسس ومشارك في العديد من مراكز البحوث والمؤتمرات والندوات العلمية.
- وزير الثقافة المستقيل في الحكومة الفلسطينية الثالثة عشر

الكتب المنشورة في دور نشر عربية وفلسطينية وموزعة في المكتبات العربية.
1- البعد القومي للقضية الفلسطينية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1987.
2- المؤسسات والوقائع الاجتماعية :نظرة تاريخية عالمية، مؤسسة الطباعة والتوزيع للشمال، الرباط، 1994.
3- البحث الاجتماعي : قضاياه، مناهجه، إجراءاته، منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، جامعة القاضي عياض، 1994.
4- تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع،الرباط، 1998.
5- علم الاجتماع السياسي، منشورات دار الشروق، عمان، 1998.
6- الحركة القومية في مئة عام ( عمل جماعي )، منشورات دار الشروق، عمان، 1998
7- المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، 1999.
8- تاريخ الفكر السياسي، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط، 1999.
9-العرب والنظام الدولي الجديد ( عمل جماعي )، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2000.
10-الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق، منشورات الزمن، الرباط، 2001.
11-الجهاد : شرعية المبدأ والتباس الممارسة، منشورات ألوان مغربية، مكناس، المملكة المغربية،2003.
12-فلسطين في عالم متغير : فلسطين تاريخ مغاير، المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي رام الله،2003.
13-القضية الفلسطينية والشرعية الدولية (دراسة نقدية)،المركز القومي للدراسات والتوثيق،غزة،2004.
14-المجتمع الفلسطيني (من منظور علم الاجتماع السياسي )مكتبة ومطبعة دار المنار،غزة،2004.
15-النظرية السياسية بين التجريد والممارسة،مكتبة ومطبعة دار المنارة،2004،الطبعة الثانية.
16-علم الاجتماع السياسي،طبعة ثانية،مطبعة دار المنارة،غزة،2005.
17-المجتمع الفلسطيني :التطور التاريخي والبناء الاجتماعي،دار المنارة،2006.
18- المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية،دار الشروق،عمان،2009.
19 – الثورة العربية والقضية الفلسطينية،مركز التخطيط الفلسطيني ،غزة،2011.
20 -الثورات العربية في عالم متغير ،منشورات الزمن ،الرباط ،المغرب ،2011
قائمة بالبحوث المنشورة في مجلات علمية وجامعية متخصصة
1-الفلسطينيون والوحدة العربية : منذ قيام الحركة القومية العربية حتى نكبة 1948 -، مجلة المستقبل العربي، العدد 64، السنة،1984 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
2- الفلسطينيون والوحدة العربية :منذ نكبة 1948 حتى اليوم، مجلة المستقبل العربي، العدد 65، السنة،1984 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
3- بين اليهودية والصهيونية، مجلة الوحدة، عدد 15، ديسمبر 1985، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
4- الثورة الفلسطينية بين استقلالية القرار ومسألة التداخل القومي، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 158/159،سنة 1986، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، قبرص.
5- الحركة القومية العربية واستقلالية العمل الفلسطينية ، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 164/165،سنة 1986، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، قبرص.
6- بين اليهودية والصهيونية،مجلة العلوم الاجتماعية،جامعة الكويت،صيف 1988.
7- القطرية الفلسطينية : لماذا وإلى أين ؟ مجلة الوحدة، عدد 49، أكتوبر 1988، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
8- مفهوم الدولة الفلسطينية في الفكر السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، مجلة الوحدة، عدد 53، فبراير 1989، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
9- الدولة الفلسطينية بين قومية القضية وخصوصية المرحلة، مجلة الوحدة، عدد 58/59، يوليو/ أغسطس 1989، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
10-نظرات في القضية العربية (قراءة نقدية تحليلية)مجلة العلوم الاجتماعية، جامعة الكويت ، خريف 1989.
11-حقوق الإنسان ومفهوم حقوق الشعب الفلسطيني، مجلة الوحدة، عدد 63/64، ديسمبر/ يناير 90/ 89 19، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
12-العنف السياسي بين الإرهاب والعنف المشروع، مجلة الوحدة، عدد 67، أبريل 90 19، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
13-حرب الخليج وتأثيراتها المستقبلية في القومية والمصير العربي، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 219/220،سنة 1991، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية، قبرص.
14-البعد القومي المغدور للقضية الفلسطينية، مجلة الوحدة، عدد 106، يونيو 1994، المجلس القومي للثقافة العربية، الرباط.
15-حدود استحضار المقدس في الأمور الدنيوية : ملاحظات منهاجية، مجلة المستقبل العربي عدد 180، السنة 1994، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
16-حدود النظام وأزمة الشرعية في النظام الدولي الجديد، مجلة المستقبل العربي، العدد 185، السنة 1994 مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
17-حقوق الشعب الفلسطيني من الشرعية التاريخية إلى الشرعية التفاوضية،مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 42،ربيع 2000، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت.
18-المشروع القومي العربي،مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات،غزة، العدد 4 كانون أول 200.
19-الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق، مجلة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، العدد 15، السنة 2000، جامعة القاضي عياض، مراكش.
20-لماذا لم يتم تفعيل قرارات الشرعية الدولية حول القضية الفلسطينية؟ : الشرعية الدولية ورهانات القوة ، المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد، العدد 33/34 السنة 2000، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط.
21-مفهوم الدولة في المواثيق الفلسطينية،مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات،غزة،عدد 5،كانون ثاني 2001.
22-المجتمع المدني الفلسطيني :من الثورة على الدولة،مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 6،شباط 2001.
23-فتح الانطلاقة بين الأمس واليوم،مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات ،نيسان 2001.
24-قرارات الشرعية الدولية حول القضية الفلسطينية:بين التآمر الخارجي والتقصير الداخلي، مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد12،أيلول 2001.
25-البعد الديني للقضية الفلسطينية، مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 13،تشرين أول 2001.
26-الإرهاب :إشكاليته في تعريفه لا في محاربته، مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد17،آذار 2002.
27-الوضع الراهن للصراع في الشرق الأوسط،تغير في طبيعة الصراع أم في أدواته؟، مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد19،حزيران 2002.
28-المجتمع المدني : محاولة في التأصيل ونموذج للتطبيق، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، الرباط،العدد 44/54، السنة 2002.
29-بعد عامين الانتفاضة إلى أين؟ مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 21،أيلول 2002.
30-مقاربة قانونية لجرائم إسرائيل ضد الإنسانية، مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد22،آب 2003.
31-مسالة الهوية في مشروع الدستور الفلسطيني، مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد25،تشرين ثاني 2003.
32-بين السياسة والدين:الأصولية والعلمانية، مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد23،أيلول 2003.
33-جامعاتنا في مفترق طرق، مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد26،كانون أول 2003.
34-النظام السياسي الفلسطيني ولد مأزوما وما يزال، مجلة السياسة الدولية،عدد54،مؤسسة الأهرام،القاهرة،2003.
35-الاستشراف كأحد أركان النظرية الاجتماعية /السياسية،بحث قدم ضمن أعمال المؤتمر العلمي التاسع لكلية الآداب بجامعة فيلادلفيا،عمان، الأردن 2004.
36- مفهوم الدولة الفلسطينية :النشأة والتطور، مجلة السياسة الدولية،عدد57،مؤسسة الأهرام،القاهرة، يوليو 2004.
37-النظام الدولي الراهن والتباس مفهوم الشرعية الدولية،مجلة البصائر،جامعة البتراء،عمان،يونيو 2005.
38-المقاومة والإرهاب:جدل حول التوصيف والهدف،بحث قدم في المؤتمر العلمي الدولي العاشر لكلية الآداب بجامعة فيلادلفيا المنعقد في إبريل 2005.
39-جدل العسكري والسياسي في التجربة السياسية الفلسطينية،بحث قدم للمؤتمر العلمي الدولي(ذاكرة وطن ومسيرة شعب ) في جامعة الأقصى،نوفمبر 2005.
40-العولمة تجدد تساؤلات عصر النهضة،بحث منشور في مجلة المستقبل العربي،مركز دراسات الوحدة العربية،بيروت،2006.
41-ثقافة الخوف في مناطق السلطة الفلسطينية، بحث قدم في المؤتمر العلمي الدولي الحادي عشر لكلية الآداب بجامعة فيلادلفيا المنعقد في إبريل 2006.
42 - التباس مفهوم وواقع التعددية في النظام السياسي الفلسطيني :العلاقة بين المنظمة والسلطة وحركة حماس.المجلة العربية للعلوم السياسية،العدد الثاني عشر،خريف 2006،
43-الفكر العربي ومسألة الهوية في ظل العولمة،بحث قدم لمؤتمر الفكر العربي في ظل العولمة والذي نظمه الجامعة العربية الأمريكية،في نوفمبر 2006.
44-الانتخابات الفلسطينية والانزلاق نحو الديمقراطية (ديمقراطية خارج السياق). مجلة سياسات،مجلة فصلية تصدر عن معهد السياسات العامة ـرام الله،شتاء 2007.
45-المقاومة الفلسطينية بين الواقع وما تنقله الفضائيات العربية،بحث قدم في مؤتمر ثقافة الصورة الذي نظمته جامعة فيلادلفيا بعمان في ابريل. 2007.
46-النظام السياسي الفلسطيني،مجلة سياسات، مجلة فصلية تصدر عن معهد السياسات العامة ـرام الله،2009.
47- جذور الانقسام الفلسطيني ومخاطره على المشروع الوطني،مجلة الدراسات الفلسطينية،مجلد 20،عدد 78، ربيع 2009
48 - العالم العربي بين ديمقراطية متعثرة إلى حكامة منشودة ،مجلة سياسات ،مجلة فصلية تصدر عن معهد السياسات العامة ،العدد 13/14 ،2010 .
49- الثورات العربية والقضية الفلسطينية:تعزيز البعد القومي أم الإسلامي،مجلة دراسات فلسطينية،بيروت،2011 ،العدد 87 .

ومئات المقالات في صحف عربية وأجنبية ومواقع الكترونية.
البريد الإلكتروني: Ibrahem-ibrach@hotmail.com
الموقع الخاص: www.palnation.org
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 08:54 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd

تركيب و تطوير ][ Pssawa.com ][