منطقة الأعضاء

العودة   ملتقى الثقافة والهوية الوطنية > °ˆ~*¤®§(*§ خاص بالدكتور إبراهيم أبراش§*)§®¤*~ˆ° > الكتب

شريط إعلانات الإدارة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 05-25-2011
الصورة الرمزية د.إبراهيم أبراش
د.إبراهيم أبراش د.إبراهيم أبراش غير متواجد حالياً
مدير عام
 

 









افتراضي الثورات العربية والقضية الفلسطينية

الثورات العربية والقضية الفلسطينية
(دراسة تحليلية للثورات العربية وتأثيرها على القضية الفلسطينية )


أ-د/إبراهيم أبراش



2011







مقدمة

كسريان النار في الهشيم انتشرت الثورة في العالم العربي من مشرقه في اليمن إلى مغربه في تونس .سيطر خطاب الثورة على الخطاب والعقل السياسي العربي مغيبا كل الخطابات الأخرى حتى خطاب الإسلام السياسي وبات الواقع والمستقبل العربي معلقا على ما ستتمخض عنه الثورات الراهنة. خلال أشهر معدودة اهتزت عروش الملوك وعروش الرؤساء العرب– في العالم العربي زالت الفوارق بين الملك والرئيس - كما ارتعبت إسرائيل وارتبك الغرب وسارعا لاحتواء الثورة للحد من تداعياتها على مصالحهم.
لا شك أن خطاب الثورة كان من المفردات السياسية التي ملأت فضاء الخطاب السياسي العربي خلال العقود الثلاثة الموالية للاستقلال بل و قبل الاستقلال حيث كانت تطلق على حركة الشعوب في مواجهة الاحتلال لأن كل حركة تحرر وطني تعتبر ثورة ، إلا أن مفردة الثورة أخرِجت من ماهيتها ومن دلالتها اللغوية والاصطلاحية العلمية بحيث أخذت معان سسيولوجية وسياسية تبشيرية حينا وشعارا يوظفه كل شخص أو حزب يطمح بالسلطة أو قادر على تهييج الجماهير حينا آخر، أيضا تداخل مفهوم الثورة مع الانقلاب العسكري و مع الحرب الأهلية والفوضى والاحتجاجات والانتفاضات الشعبية المطلبية الخ .
لم يشهد العالم العربي ما بعد الاستقلال – باستثناء الحالة الفلسطينية - حراكا شعبيا واسعا لدرجة يجوز فيها توصيفه بالثورة الشعبية إلا ما جرى في تونس ومصر في يناير 2011 وما تلاهما من ثورات. فبعد شهر من خروج الجماهير التونسية للشارع في مواجهة نظام فاسد ودكتاتوري هرب الرئيس زين العابدين بن علي من البلاد وسقطت الحكومة وبدأت تونس عهدا جديدا من الإصلاحات ،وفي مصر التي شهدت إرهاصات الثورة والتمرد على النظام القائم منذ سنوات وتزايدت بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة التي اعتبرتها المعارضة نهاية المراهنة على التغيير من خلال النظام القائم ،خرجت الجماهير المصرية في كافة محافظات الجمهورية بمظاهرات تطالب برحيل الرئيس حسني مبارك وهو ما جرى يوم الحادي عشر من فبراير حيث تنحى الرئيس واستلم الجيش مسؤولية إدارة البلاد.الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه للاجتهادات والتفسيرات،فهل ما جرى في تونس ومصر ثورة أنجزت أهدافها؟ هل ما يجرى في اليمن وليبيا والبحرين يعبر عن أزمة ديمقراطية أم أزمة دولة ؟ وهل بمجرد خروج الناس للشارع وهروب الرئيس أو تخليه عن السلطة يمكن القول بأن الثورة حققت أهدافها؟ وماذا بالنسبة لتداعيات المد الثوري على القضية الفلسطينية وعلى الصراع في الشرق الأوسط بشكل عام ؟.
ما جرى في تونس ومصر وما تختمر من أحداث وتطورات في أكثر من بلد عربي ،يحتاج لقراءة موضوعية وعقلانية بعيدا عن العواطف والانفعالات لأن الآتي من الأحداث هو الأهم والأصعب وبه ستكتمل الصورة بحيث يمكننا أن نتحدث عن ثورة شعبية ناجحة أو عن شيء آخر وخصوصا بعد التدخل الخارجي وخصوصا الغربي في مجريات الثورة ،ومع وجود مؤشرات لمحاولة الإخوان المسلمين ركب موجة الثورة وتوجيه الأمور لما يخدمهم سياساتهم بقبول ضمني من الغرب .الأمر الذي يستدعي أيضا استقراء ما يجري انطلاقا من فقه الثورة الذي تراكم عبر التاريخ ومن تجارب الشعوب الأخرى ونضع ما يجرى في سياق التحولات التي شهدها العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية وخصوصا محاولة الأنظمة التحايل على فقدان شرعيتها من خلال تبني أشكالا من الديمقراطية الأبوية والموجهة تغرر بها الجماهير،بالإضافة إلى محاولات واشنطن تغيير الشرق الأوسط جغرافيا وسياسيا بما يتوافق مع مصالحها موظفة ما أطلق عليه مفكروها الإستراتيجيون (سياسة الفوضى الخلاقة)، وأحيانا يكون الحد الفاصل ما بين الثورة والفوضى الخلاقة خيط شعره.
نرجو من الله أن يكون في كتابنا هذا قبس من نور ينير طريق العلم أمام الشباب والمواطنين التواقين للمعرفة والمتطلعين للحرية، مع إدراكنا أن عملنا هذا تشوبه شائبة الكمال، لأن الكمال لله أولا ولأن الظاهرة محل البحث لم تكتمل بعد ومن الصعوبة على الباحث الإحاطة بظاهرة ما زالت فصولها تتوالى ولم تكتمل كل حلقاتها ،وقد تفاجئنا الأيام بغير ما كتبنا وبغير ما نتمنى.

أ-د/إبراهيم أبراش
غزة –فلسطين
مارس 2011



الفصل الأول
الثورة كمشاركة سياسية شعبية خارج الأطر الرسمية

سواء كنا أمام ظاهرة طبيعية أو اجتماعية سياسية،فالثورة تعني التغيير الجذري أو الحدث الذي يقلب الأمور رأسا على عقب بشكل سريع ومفاجئ ،ومن هنا تختلف الثورة عن التغييرات المتدرجة التي تطرأ على الظواهر نتيجة التطور الطبيعي لها ،كما تختلف عن الإصلاحات التي يقوم بها البشر على أوضاعهم أو على الظواهر والأوضاع الطبيعية.وفي المجال السياسي فإن الثورة جزء من الحياة السياسية وتعتبر فعلا سياسيا ولكن خارج إطار القانون والنظام السائد وغالبا تكون ضدا عنهما وفي مواجهتهما،كما أن الثورة فعل سياسي عنيف غالبا وعنفها يتفاوت ما بين تعطيل المؤسسات القائمة بالإضراب والعصيان المدني إلى مهاجمة المؤسسات الرسمية والمرافق العامة وأحيانا تصل الأمور لدرجة الحرب الأهلية.
ولان الثورة فعل سياسي يعبر عن مصالح وتوجهات فإن الموقف منها يتفاوت ما بين مؤيد ومعارض ودائما يكون المعارضون ممن بيدهم مقاليد الأمور من نخب سياسية واقتصادية ،والمؤيدون يكونوا من المتضررين من الأوضاع القائمة.ولا تنفصل الثورة السياسية عن الأوضاع السياسية القائمة ذلك ان تزايد الفجوة ما بين الشعب والنظام السياسي القائم وانغلاق أفق المشاركة السياسية الديمقراطية أهم أسباب اندلاع الثورات .




















المبحث الأول
في فقه الثورة
لأن الثورة لفظ يستعمل في كل العلوم ولوصف كل متغير عنيف ومفاجئ يطرأ على الظواهر سواء كانت طبيعية أو اجتماعية أو سياسية،ولأن حضور المصطلح في السياسة والاجتماع موجود منذ وجود المجتمعات الإنسانية فحتى الديانات تعتبر ثورات موحى بها سماويا،فإن كلمة الثورة تحتاج لتوضيح وتفسير حتى نكون على دراية بما نتحدث عنه .
المطلب الأول: مقاربة مفاهيمية لمصطلح الثورة
الثورة (Revolution ) من المصطلحات المخضرمة التي واكبت ظهور الدولة والحياة السياسية منذ ما قبل التاريخ،ومع أن مفهوم الثورة الذي ساد على غيره من المفاهيم هو ثورة الشعب ضد الاستعمار أو ضد أنظمة استبدادية ،إلا أن مفردة الثورة لغة لا تقتصر على هذا الجانب بل تشمل كل فعل يؤدي إلى تغيير الأوضاع تغييرا جذريا سواء كانت أوضاعا طبيعية أو سياسية او اقتصادية أو اجتماعية .ومن هنا تستعمل كلمة ثورة في سياقات مختلفة كالقول بالثورة الصناعية أو الثورة التكنولوجية الخ لوصف التغييرات الجوهرية التي تطرأ على حياة الشعوب وعلى الحضارة الإنسانية ،وفي هذا السياق العام يمكن الحديث عن أشكال متعددة من الثورات .

1- الثورات الحضارية
ونقصد بها التغييرات أو التحولات التي طرأت على الحياة الإنسانية وعلى مسار تطور البشرية وفي هذا السياق يمكن الحديث عن :
أ - الثورة الزراعية Agricultural revolution ،والمقصود بها التحولات التي حصلت في عصور ما قبل التاريخ، وتميزت بانتقال المجتمعات البشرية من حياة الترحال والصيد والالتقاط، التي سادت في العصر الحجري القديم إلى حياة الاستقرار مع اكتشاف الزراعة بالمحراث وتدجين الحيوانات التي ميزت العصر الحجري الحديث. فمع اكتشاف الزراعة وجدت الأسواق والطبقات الاجتماعية والمدن والإدارة الخ .
ب – الثورة الصناعية revolution Industrial
بدأت الثورة الصناعية في إنجلترا في القرن الثامن عشر والتاسع عشر ثم انتقلت إلى بقية الدول الأوروبية ومن ثم إلى جميع أنحاء العالم .وسميت بالثورة الصناعية لان الإنسان بدا التخلي عن الآلات اليدوية التي تعتمد على قوته العضلية و يعتمد بدلا منها على الآلات البخارية ثم الكهرباء وتوظيف المواد الكيماوية وتطوير استعمال المعادن بكل أشكالها وأساليب التعدين.
ج – الثورة التكنولوجية Technological revolution
وتسمى أيضا الثورة الصناعية الثانية حيث تتداخل هذه الثورة مع الثورة الصناعية وتشكل امتدادا لها ويعتبرها البعض الموجة الثانية للثورة الصناعية واهم معالمها التوسع والتطور العلمي وخصوصا في مجال الصناعات الدقيقة المعتمدة على الطاقة الكهربائية والمحركات ذات الاحتراق الداخلي والمواد الكيميائية المستحدثة ، وتكنولوجيا الاتصال الأولى كنظم التلغراف والهاتف والبريد .
د - ثورة المعلوماتية Information revolution
ظهر هذا المصطلح في العقود الثلاثة الأخيرة متزامنا مع الحديث عن العولمة والتنمية الشمولية .والثورة المعلوماتية تعتمد على عالم تكنولوجيا المعلومات حيث المادة الأولية لتطور المجتمعات لم تعد الأرض الزراعية ولا المصانع ورؤوس الأموال بل المعلومة وسرعة تداولها عبر شبكات الاتصال بعيدة المدى كالانترنت والفضائيات وأجهزة الكمبيوتر المتقدمة .وقد مكنت هذه الثورة الإنسان من سلع وخدمات معلوماتية لم تكن موجودة من قبل مما وسم مجتمع هذه الثورة بمجتمع المعرفة .

2 – الثورات السياسية /الاجتماعية
وهي تحرك الجماهير الحاشدة احتجاجا على أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية سيئة ومرفوضة ،وتتسم هذه الثورات بأنها تسعى لإحداث تحولات جذرية في حياة الشعوب وبعض هذه الثورات تحقق أهدافها وبعضها يفشل وأخرى يتم حرفها عن مسارها.عرفت البشرية كثيرا من هذه الثورات ،فقد تحدثت مخطوطات فرعونية وبابلية ويونانية قديمة عن ثورة اندلعت في تلك العصور وتم تدوين بعضها بالتفصيل ،ففي مصر القديمة تذكر بردية للحكيم ايبو – ور ترجع إلي أواخر الأسرة التاسعة عشر أو أوائل الأسرة العشرين أن ثورة وقعت في عهد الملك بيبي الثاني آخر ملوك الأسرة السادسة نحو 2380 ق.م وتبدأ هذه البردية بوصف الوضع قبل الثورة :حيث ساد الفساد وتباعدت الشقة بين الملك والشعب بسبب فساد المحيطين بالملك حيث إن "" الذين حوله كانوا يغذونه بالأكاذيب "" وصار الناس أشبه بقطيع لا راعي له ، وتضيف البردية ما آلت إليه أحوال الناس من ترد بسبب فساد الوضع ، حيث "" نفذت الغلال في كل مكان ، وتجرد القوم من الملابس والزيوت والعطور 000 وأصبح الصناع جميعا عاطلين وأفسد أعداء البلاد فنونها 000 وأصبح بناة الأهرام فلاحين 000 وأصبحت العاصمة في خوف من العوز ، وأصبح الناس يأكلون الحشائش ويبتلعون الماء ، وقد يأخذون الطعام من أفواه الخنازير 000 "
وتنتقل بردية الحكيم إيبو – ور إلي وصف أحداث الثورة ، " انظر لقد ارتفعت ألسنة اللهب ، وامتدت نارها ، وستكون حربا علي أعداء البلاد ، وقال حراس الأبواب فلننطلق وننهب ، وأبى الحمالون أن يحملوا أحمالهم وتسلح صيادو الطيور بأسلحتهم 000إن مخازن الملك أصبحت حقا مباحا للجميع 000 هوجمت الإدارات العامة ونهبت قوائمها 000 وفي الحق لقد ذُبح الموظفون وسُلبت دفاترهم ، ولم تعد لكبار الموظفين كلمة مسموعة ".
شهدت غالبية المجتمعات عبر التاريخ تحركات شعبية واسعة إلا أنها تفاوتت سواء في الحوامل الاجتماعية للثورة أو من حيث درجة العنف المصاحبة للثورة أو من حيث نتائجها وقدرتها على تحقيق أهدافها ،كثير من التحركات الشعبية التي نعتها أصحابها بالثورة إما كانت محدودة الأهداف أو فشلت في تحقيق أهدافها وبعضها كان أقرب لحالات الفتنة والفوضى مما هي ثورة .دون التقليل من أهمية أي تحرك أو انتفاضة شعبية ودون الغوص بالجدل حول توصيف الحركات السياسية في التاريخ الإسلامي فإن أهم الثورات الناجحة ما بعد الحروب الدينية التي شهدنها أوروبا هي:-
أ‌- الثورة البريطانية 1688 وقامت ضد حكم آل ستيورت
ب‌- الثورة الأمريكية 1776 -1783 وهي ثورة اجتماعية وتحررية في نفس الوقت
ت‌- الثورة الفرنسية 1789-1799
ث‌- الثورة الإيطالية 1884
ج‌- الثورة البلشفية 1917في روسيا ضد الحكم القيصري
ح‌- الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ 1949 التي أطاحت بنظام شيانغ كاي شيك
خ‌- ثورة يوليو 1952 في مصر مع أن جدلا ثار وما زال إن كانت ثورة أم انقلاب عسكري ‏
د‌- الثورة الكوبية 1959 التي قادها فيدل كاسترو ضد حكم الدكتاتور باتستا .
ذ‌- الثورة الإيرانية الخمينية 1979 التي أسقطت الشاه محمد رضا بهلوي
ر‌- ثورات شعوب أوروبا الشرقية بدءا من عام 1989 التي أطاحت بالأنظمة الشيوعية
ز‌- الثورة البرتقالية في أوكرانيا 2004

3- ثورات التحرر الوطني
والمقصود بها ثورة الشعب الخاضع للاحتلال ضد الجيوش المحتلة .في هذا النوع من الثورات يكون الفعل الشعبي موجها ضد عدو خارجي يهدد الأمة ،ومع أن هذا المصطلح حديث التداول إلا أن الفعل الموصوف كان حاضرا منذ القدم وكما بينا سابقا عرفت غالبية الشعوب حالات مناهضة لعدو خارجي.ظهر هذا المصطلح مع الحرب العالمية الأولى مع تفكك الإمبراطوريات وظهور مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها ثم انتشر مع تبني الأمم المتحدة لمبدأ تصفية الاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية وقد تم إطلاق صفة الثورة على كل حركة تحرر ضد الاستعمار .
شهدت أسيا وأفريقيا وأمريكا ألاتينية سلسلة من الثورات التحررية وإن كان أشهرها ثورة الشعب الجنوب أفريقي والثورة الجزائرية والثورة الفيتنامية والثورة الفلسطينية التي ما زالت متواصلة حتى اليوم إلا أن لكل شعب ثورته الخاصة به ،ففي الهند قامت ثورة سلمية قادها الماهاتما غاندي ضد الاحتلال البريطاني وامتدت من عام 1915 حتى اغتياله من طرف هندوس متطرفين في يناير 1948، كما قاد عمر المختار ثورة الشعب الليبي ضد الاحتلال الإيطالي من عام 1911 إلى حين إعدامه يوم 16 سبتمبر 1931،و في المغرب قامت ثورة عبد الكريم الخطابي الذي قاد عام 1921 ثورة في مناطق الشمال ضد الأسبان وانتصر على الأسبان في معركة أنوال وأقام جمهورية سميت بجمهورية الريف ،إلا أن الأسبان والفرنسيين تحالفوا ضده وانهوا الثورة، وقام الفرنسيون بنفي الخطابي إلى إحدى الجزر النائية في المحيط الهادي عام 1926 .وفي فلسطين قامت ثورة عز الدين القسام 1935 ثم الثورة الكبرى 1936 ،وفي مصر عُرفت ثورة أحمد عرابي 1881 وثورة مصطفى كامل 1889و ثورة سعد زغلول 1919 الخ .

المطلب الثاني :مفهوم (الثورة )في الفكر الإسلامي
بالرغم من عالمية فكر الثورة من حيث كونها ظاهرة إنسانية سياسية و اجتماعية ،ومع أن الشعوب العربية تلتقي مع بقية الشعوب وخصوصا في دول العالم الثالث من حيث الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية الدافع الأساس للثورة ،إلا أن للحالة العربية خصوصية تجلت في السنوات الأخيرة وهي المد الأصولي بما يتضمن من تصورات للأوضاع القائمة وسبل الخروج عليها ،وهي تصورات مستمدة من مفاهيم دينية إسلامية.فمفهوم شرعية الحكم والحاكم ، مبررات وشرعية الثورة على النظام القائم ،تحديد معسكر الأصدقاء ومعسكر الأعداء ،سبل أو وسائل الثورة على الحاكم ،مستقبل النظام الذي يُراد تأسيسه بعد الثورة على الحاكم ،الخ ،كل هذه أمور لا تستمد من علم السياسة الوضعي ولا حتى من التجارب الثورية لشعوب العالم، بل من مرجعية النص المقدس – قرآن وسنة – ومن أقول الفقهاء ورجال الدين عبر التاريخ .
في تفسير وتحليل الثورة في الفكر والواقع الإسلامي يتداخل الدين مع السياسة كما يتداخل الماضي مع الحاضر ،وكما اختلف العلماء والجماعات الدينية في تفسير وتأويل كثير من النصوص المقدسة وخصوصا ذات العلاقة بالسلطة والسياسة وحكم البشر،فقد تباينت الرؤى والمواقف من الثورة منذ بداية ظهور الإسلام حتى اليوم ،مع الإشارة إلى تراجع مصطلح الثورة ليحل محله ويستوعبه مصطلح الجهاد والذي هو محل اختلاف بين العلماء والجماعات الإسلامية .ولذا سنحاول العودة لمعنى كلمة الثورة ومشتقاتها كما وردت في القرآن الكريم ثم في رؤية العلماء المسلمين ومن خلال التاريخ الإسلامي.
كلمة الثورة في الاصطلاح العربي الإسلامي تعني التغيير الشامل والجذري الذي يطرأ على الظواهر الطبيعية أو الإنسانية .وحسب هذا المعنى للثورة فإن الديانات السماوية ثورات ولكن موحى بها سماويا، إنها ثورات شاملة لا تقتصر على تغيير النظام السياسي بل تغيير منهج حياة الناس وتغيير طبيعة العلاقات التي تحكم البشر بعضهم ببعض.ولكن كلمة الثورة في القرآن لم ترد بالمعنى السياسي والاجتماعي المتداول اليوم بل وردت بمعنى الانقلاب في الأوضاع أو في الواقع القائم ،فثورة الأرض وتثويرها يعني قلبها بالحرث،فبقرة بني إسرائيل كانت )لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ( (البقرة:71) أي لا تقلبها بالحرث، أيضا جاء بالقرآن الكريم ، ومن الأمم السابقة من )كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا( (الروم:9) أي قلبوها، وبلغوا عمقها.كما ترد مشتقات كلمة الثورة بمعنى الانتشار والهيجان .
وفي الأحاديث النبوية وردت كلمة الثورة بما هو قريب من معناها السياسي المتداول اليوم ،ففي حديث شريف رواه البخاري ومسلم والإمام أحمد و ترويه السيدة عائشة، رضي الله عنها، حول هياج الأوس والخزرج حيث تقول : "فثار الحيان، الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت" .وفي الحديث الذي يرويه مرة البهزي، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم متنبئاً بفتنه عهد عثمان بن عفان: "كيف في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي – (قرون) –بقر" –رواه الإمام أحمد.
وفي التاريخ الإسلامي استخدمت أدبيات الفكر الإسلامي مصطلح الثورة بدلالتها المتعارف عليه اليوم ، فحركة عبد الله أبن الزبير في مكة سماها نافع بن الأزرق زعيم الخوارج بالثورة ودعا أصحابه بان يهبوا لنصرتها والدفاع عن بيت الله الحرام ،فيخاطبهم قائلا ::".. وهذا، من قد ثار بمكة، فأخرجوا بنا نأت البيت ونلق هذا الرجل" الثائر".
بالإضافة لمصطلح الثورة شاع عند المسلمين مصطلحات قريبة من مصطلح الثورة أو تصف أحداثا قريبة من الثورة منها : الفتنة ، الملحمة ، الخروج ،القومة ،وهذا المصطلح الأخير شاع استعماله عند جماعة العدل والإحسان المغربية حيث كتب شيخهم عبد السلام ياسين كتبا متعددة بهذا الشأن فارقا ما بين الثورة عند العلمانيين والقومة حسب النهج النبوي حيث يقول: إن ـ" ثورة كلمة استعملت لوصف الحركات الاجتماعية الجاهلية، فنريد أن نتميز في التعبير ليكون جهادنا نسجا على منوالنا النبوي، لا نتلوث بتقليد الكافر. على أن القومة نريدها جذرية تنقلنا من بناء الفتنة ونظامها، وأجواء الجاهلية ونطاقها، إلى مكان الأمن والقوة في ظل الإسلام، وإلى مكانة العزة بالله ورسوله، ولابد لهذا من هدم ما فسد هدما لا يظلم ولا يحيف، هدما بشريعة الله، لا عنفا أعمى على الإنسان كالعنف المعهود عندهم في ثوراتهم.
كما يستعمل بعض علماء المسلمين وجماعات إسلامية مصطلح"النهوض" و "والنهضة" ومصطلح "القيام" للدلالة على الخروج والثورة. .. لما فيهما من معنى الوثوب والانقضاض والصراع.كذلك استخدم القرآن الكريم، للدلالة على معنى الثورة، مصطلح "الانتصار".. فالانتصار: هو الانتصاف من الظلم وأهله، والانتقام منهم. .. وهو فعل يأتيه "الأنصار" –الثوار- ضد "البغي" الذي هو الظلم والفساد والاستطالة ومجاوزة الحدود.
في السنوات الأخيرة تراجعت كل المصطلحات السابقة تقريبا لصالح مصطلح واحد ووحيد وممارسة واحدة ووحيدة تسمى الجهاد.ففي ظل حالة المد الديني الأصولي فإن كل من يريد محاربة قوى خارجية |أو يتمرد على حاكم وحكومة أو يواجه عدوا يختلف معه في الرؤية والمصالح الخ بات يلجا لاستعمال مصطلح الجهاد والممارسة الجهادية التي اختزلت بالعنف المسلح ،وهذا بطبيعة الحال بعد تكفير الطرف الآخر وإخراجه من امة الإسلام .حركة طالبان تجاهد ضد نظام كابول وضد القوات الغازية ،وتنظيم القاعدة يجاهد ضد أنظمة عربية وإسلامية يتهمها بالكافرة ،وحركة حماس تجاهد ضد الاحتلال الصهيوني وأحيانا تدعو للجهاد ضد السلطة الفلسطينية في رام الله،لقد حل مصطلح الجهاد محل كل المصطلحات السابقة ،ولكن ضمن حالة من عدم الاتفاق على مفهوم الجهاد ومن يجاهد وضد من ؟الخ .
نعتقد أن المشكلة في الفكر الإسلامي المتعامل مع الموضوع لا تكمن باللغة والمفردة إن كانت ثورة أم خروجا أم قومة ام جهادا، ،بل في مدى شرعية خروج المسلمين على الحاكم الجائر ،وفي من له الحق بالثورة أو الخروج ،هذا بالإضافة إلى اختلاف المسلمين في الحالة التي يمكنها وصفها بالجائرة او الظالمة وبالتالي يجوز الثورة او الخروج عليها .فمنذ بدايات الإسلام وحتى اليوم والمسلمون مختلفون حول هذه القضايا حيث شهد التاريخ الإسلامي كثيرا من الثورات وحالات الخروج على الإمام أو الحاكم، الفتنة الكبرى في عهد علي بن أبي طالب ،ثورة الخوارج ،ثورة الحسين ،ثورة الزبير،وثورة الزنج ،ثورة القرامطة الخ ،وكان كل طرف يكفر الطرف الآخر مما كان يؤدي لاقتتال بل ومجازر بشعة أساءت كثيرا للمسلمين وتاريخهم.
أختلف العلماء المسلمين حول مشروعية الثورة،،فمع اتفاقهم على رفض نظم الجور والضعف والفساد إلا انهم اختلفوا حول استخدام العنف – السيف –في تغيير هذه الأنظمة.وقد تم طرح الموضوع لأول مرة مع ثورة الخوارج الذين برروا وشرعنوا ثورتهم على الأمويين لأنهم رأوا أن الأمويين خرجوا على فلسفة الشورى .في نفس السياق ذهب المعتزلة ولكنهم اشترطوا (التمكين ) قبل القيام بالثورة حتى لا تؤدي هذه الأخيرة لحالة من الفوضى أو الفتنة ،كما اشترطوا وجود الإمام الثائر وان يوجد بديل جاهز ليحل محل النظام الجائر بعد الثورة .
في مقابل وجهة النظر المؤيدة للثورة وجدت وجهة نظر رافضة أو متحفظة على فعل الثورة ،عبر عنها الإمامين أبن حنبل وابن تيمية .فأحمد بن حنبل (164 – 241هـ – 780 – 855م) – و أهل الحديث فقد رفضوا سبيل الثورة، لأنهم رجحوا إيجابيات النظام الجائر على سلبيات الثورة.. فقالوا: "إن السيف – العنف – باطل، ولو قتلت الرجال، وسبيت الذرية، وأن الإمام قد يكون عادلاً ويكون غير عادل، وليس لنا إزالته وإن كان فاسقاً.." ومن أقوال ابن تيمية:"..فستون سنة من إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان".أما الإمام الغزالي (450 – 505هـ – 1058 – 1111م)- من الأشعرية – فوقف موقف الموازنة . فقال عن الحاكم الجائر: "والذي نراه ونقطع به: أنه يجب خلعه إن قدر على أن يستبدل عنه، من هو موصوف بجميع الشروط، من غير إثارة فتنة ولا تهيج قتال. فإن لم يكن ذلك إلا بتحريك قتال، وجبت طاعته وحكم بإمامته.. لأن السلطان الظالم الجاهل، متى ساعدته الشوكة، وعسر خلعه، وكان في الاستبدال به فتنة ثائرة لا تطاق، وجب تركه، ووجبت الطاعة له..".
وكان التاريخ يعيد نفسه فما ان اندلعت الثورات في العالم العربي حتى تصدى علماء مسلمين للإفتاء حول شرعية الثورة ما بين مؤيد لها ومعارض،فالشيخ يوسف القرضاوي أعتبر ثورات الشباب شكلا من أشكال الجهاد وحث الشباب على الخروج بثورات في كل العالم العربي والإسلامي،في مقابل ذلك ومع بداية الاحتجاجات في السعودية تأثرا بما يجري في العالم العربي أصدرت هيئة علما المسلمين في المملكة العربية السعودية بينا تكفر الاحتجاجات والثورات وقال البيان الصادر عن الهيئة التي يرأسها الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ال الشيخ وهو مفتي المملكة: "الهيئة إذ تؤكد على حرمة المظاهرات في هذه البلاد.. فان الأسلوب الشرعي الذي يحقق المصلحة ولا يكون معه مفسدة هو المناصحة وهي التي سنها النبي (محمد) صلى الله عليه وسلم."
وأضاف البيان الذي نقلته وكالة الأنباء السعودية الرسمية: "الإصلاح والنصيحة فيها (السعودية) لا تكون بالمظاهرات والوسائل والأساليب التي تثير الفتن وتفرق الجماعة وهذا ما قرره علماء هذه البلاد قديماً وحديثاً من تحريمها والتحذير منها."
المطلب الثالث:الثورة نقطة تحول في تاريخ الشعوب
ما يعنيا في هذا البحث هو النوع الثاني من الثورات أي الثورات السياسية والاجتماعية ،ثورة الشعب ضد نظام الحكم ونخبة لتغيير الأوضاع الداخلية،ومع كامل إدراكنا بتداخل الثورة السياسية الاجتماعية مع الثورة التحررية وخصوصا في العالم الثالث حيث التداخل والترابط ما بين النخب الحاكمة والقوى الكبرى في العالم المعنية بالحفاظ على أنظمة تابعة لها وخادمة لمصالحها ،إلا أن التحركات الشعبية الواسعة التي تأخذ شكل ثورة، لها قوانينه الخاصة وسيرورتها التي تميزها عن أشكال الثورات المشار إليها أعلاه ،وخصوصا بعد انتهاء زمن الاستعمار المباشر في كل العالم تقريبا – ما عدا فلسطين والعراق - .
مناط الحكم على التحرك الشعبي إن كان ثورة أم لا ليس فقط كثرة عدد المواطنين المشاركين به فقط ولا الشعارات المرفوعة فقط بل قدرة الثوار على إحداث التغيير المنشود حسب ثقافة ورؤية الشعب المعني بالأمر .كل الثورات السياسية /الاجتماعية المشار إليها استمدت أهميتها من قدرتها على التغيير الواسع في كل بنيات المجتمع ،ففرنسا بعد الثورة ليست فرنسا قبلها،وروسيا بعد الثورة ليست روسيا قبلها وفيتنام بعد الثورة ليست فيتنام قبلها الخ.أيضا فإن الثورة ليست مجرد تغيير رأس النظام السياسي كأن يكون هدف الثوار الإطاحة بالنظام الملكي وتحويله إلى نظام جمهوري،فكثير من الأنظمة الجمهورية أكثر سوءا من الأنظمة الملكية .
الأشكال أو الأنماط السابقة لا تستوعب كل الحالات الثورية التي عرفتها الشعوب،فثقافة وقيم كل شعب وأحيانا الأوضاع الدولية تلعب دورا في وصف التحرك الشعبي نحو التغيير بالثورة أو بالانتفاضة أو إطلاق تسميات أخرى عليه.فمثلا تباينت المواقف من الثورة العربية الكبرى 1915فيما إن كانت ثورة عربية أم تمردا على الخلافة العثمانية ونفس النقاش ثار وما زال حول ما عرفته بلاد الشيشان والبوسنة كردستان وجنوب السودان وجنوب اليمن وحركة طالبان وتنظيم القاعدة ،فهل هذه ثورات تحرر قومي؟ أو حركات تمردية انفصالية ؟ام حركات إرهابية ؟ أم حركات دينية جهادية؟ .ولننظر كيف تغيرات المفاهيم والقيم، فبعد أن كان المعسكر الاشتراكي رمز الثورة العالمية باتت كل حركة مناوئة له او تعمل لتحطيمه تعتبر ثورة حسب مفاهيم العصر وما الحدود الفاصلة بين هذه التصنيفات ؟ هل تحرك الجماهير في الاتحاد السوفيتي ولأوروبا الشرقية ضد الأنظمة (الشيوعية) التي كانت عنوان الثورة العالمية تعتبر ثورة ضد الثورة ؟.أين يمكن وضع الأحداث التي شهدتها البرتغال واليونان عام 1974 ،هل تعتبر ثورات ديمقراطية أم انقلابات عسكرية ؟ هل كان فرانكو في أسبانيا قائد ثورة أم انقلابي استبدادي؟.
نخلص مما سبق أن الثورة فعل جماهيري شامل، فحين تتأزم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتصبح أحوال الناس لا تطاق، وعندما تتباعد الشقة ما بين الحكام والجماهير وتغيب وسائل التعبير السلمي عن المطالب، لا تجد الجماهير أمامها إلا التحرك لتغيير الأوضاع تغييرا جذريا.أحيانا تُقاد الثورة من طرف حزب جماهيري أو قيادة تؤمن بالتغيير فتلهب حماس الناس وتحرضهم ضد الوضع القائم، وإذا ما كان الحزب أو القيادة المؤججة للثورة والمحرضة عليها تتبنى أيدلوجية ما – كالاشتراكية أو الشيوعية أو القومية أو الدينية -تنطبع الثورة بهذه الأيديولوجية فيقال ثورة اشتراكية أو شيوعية أو دينية أو قومية الخ.وحينا آخر تنطلق بشكل عفوي دون قيادة حزبية كما هو الحال مع الثورة التونسية الراهنة، ولكن بعد انتشار الثورة وظهور مؤشرات انهيار النظام القديم تحاول الأحزاب حصد مكتسبات الثورة والزعم بمسؤوليتها عن اندلاعها .
سواء كانت ثورات دينية أو طبقية أو سياسية أو اقتصادية أو جمعا لها فإن الثورة تعتبر نقطة تحول في حياة الشعوب، تحول اجتماعي وسياسي واقتصادي، وبديهي أن يكون هدف الثورة تحقيق التحول إلى الأفضل لأن الثورة تعمل على الإطاحة بمن تعتبره الجماهير مسئولا عن بؤسها سواء كان ملكا أو رئيسا و كذا بالنخبة المحيطة به وبمرتكزات النظام السياسي، وإقامة نظاما بديلا يأخذ بعين الاعتبار المطالب الشعبية.وغالبا ما تصاحب الثورة بالعنف، فهي عمل عنيف ولكن تتفاوت درجات العنف ما بين التهديد اللفظي بالقتل والاغتيال والاعتقال والقيام بالمظاهرات والمسيرات الحاشدة أو اللجوء إلى العمل العسكري. فبعض الثورات تكون سلمية ولا يراق بها الدم فتنعت بأسماء دالة على ذلك كالقول بالثورة البرتقالية أو الثورة القرنفلية ،وثورات أخرى اتسمت بالدموية كالثورة الفرنسية التي أزهقت الآلاف من معارضيها ثم ارتددت على ذاتها ليقتل الثوار بعضهم بعضا حتى قيل بأنها أصبحت كالهرة التي تأكل أولادها،و أحيانا تستمر الثورة لعدة سنوات وتعجز في النهاية عن تحقيق أهدافها وتتحول إلى حرب أهلية.

المطلب الرابع: الثورة ليست انقلابا عسكريا ولا هيجانا شعبيا
تختلف الثورة عن الانقلاب العسكري، فهذا الأخير هو تحرك فوقي لنخبة عسكرية تكون متواطئة أحيانا مع بعض رموز السلطة لتغيير الحكومة أو النظام القائم، وبالتالي لا تشارك الجماهير بهذا الانقلاب وفي كثير من الأحيان لا تعلم الجماهير بالانقلاب إلا بعد وقوعه، ولكن كثيرا من الانقلابيين وخصوصا في العالم العربي يضفون طابع الثورة على انقلابهم العسكري لمنح تحركهم شرعية شعبية، وهذا ما يحدث في البلاد العربية ودول الجنوب،حيث يقتصر التغيير في حالة الانقلاب على تغيير الأشخاص والنخب الحاكمة دون أن تتغير أحوال الناس بل أحيانا تزداد أوضاع الشعب سوءا عندما يتحول الانقلابيون إلى أسياد مستبدين جدد. ويمكن القول بان ما عرفته غالبية الدول العربية ما بعد الاستقلال من تغيير لأنظمة الحكم كان يدرج ضمن الانقلابات العسكرية وليس الثورات، سواء تعلق الأمر بسوريا أو العراق أو ليبيا أو اليمن أو السودان حتى ثورة يوليو 52 في مصر صنفها البعض بالانقلاب العسكري.
وعليه يمكن القول بان مجرد تغيير رأس النظام لا يعني حدوث ثورة ،فهذه الأخيرة لا تكتمل ولا تأخذ معناها الحقيقي إلا إذا حققت الأهداف التي قامت من اجلها.أيضا الثورة ليست مجرد خروج الناس للشارع لتهتف وترفع الشعارات أو تخرب وتدمر مؤسسات السلطة، الثورة عملية مركبة ومتعددة الأبعاد خروج الناس للشارع أحد شروطها أو فتيل اشتعالها ولكنه بحد ذاته ليس الثورة . ومن هنا كل الثورات تمر بمرحلتين: الأولى هي مرحلة الهدم حيث يتم إسقاط النظام القائم، وهذه مرحلة تنجح بها كل الثورات تقريبا، والمرحلة الثانية هي بناء نظام وأوضاع جديدة تتوافق مع الأهداف المُسطرة للثورة ومع الوعود التي قدمها الثوار للشعب، هذه المرحلة الثانية هي الأكثر صعوبة وفي كثير من الأحيان تتعثر الثورة في بناء أوضاع جديدة أفضل من سابقتها، حيث يجلس الثوار على أنقاض ما هدموه ويتحولون إلى مستبدين جدد مع استمرارهم بالتغني بشعارات الثورة فيما الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تزداد سوءا، مما يثير حنق الجماهير المتطلعة للتغيير، فتتلبد غيوم ثورة على (الثورة) ويبدأ الناس بالاحتجاج والخروج للشارع فيواجههم قادة النظام (الثورة ) بقمع أشد فتكا من قمع الأنظمة السابقة ،حيث صفة الثورة التي يسمون أنفسهم بها تعطيهم الحق من وجهة نظرهم لاتهام معارضيهم بأنهم أعداء الشعب وأعداء الثورة وعملاء للاستعمار الخ .
ما بين سقوط النظام القديم وقيام النظام الجديد توجد مرحلة انتقالية تعتبر المحك للحكم على نجاح الثورة في مرحلتها الأولى وقدرتها على الانتقال السلس والسلمي للمرحلة الثانية ،مرحلة بناء الجديد،في المرحلة الانتقالية يظهر كثيرون ممن يريدون سرقة الثورة وحرفها عن أهدافها الحقيقية سواء كانت أطراف خارجية أو أطراف داخلية قد يكونوا من بقايا النظام القديم أو من أحزاب سياسية تريد ان تركب موجة الثورة في آخر لحظة.سواء في تونس أو في مصر فإن الثورة قامت على يد شباب غاضب ولا ينتمون للأحزاب السياسية التقليدية ،إلا أن هؤلاء الشباب غير مؤهلين للحكم وبالتالي تظهر أحزاب وشخصيات سياسية تطرح نفسها كمنقذ وكقيادة مرحلية أو انتقالية ،ولكن لا ضمانة بان هؤلاء سيتجاوبون مع أهداف الثورة ولا ضمانة أيضا بأنهم سيتركون السلطة بعد المرحلة الانتقالية ،وأحيانا يتقدم الجيش ليملا الفراغ خلال المرحلة الانتقالية .في ظل الأحداث الجارية في مصر لا نستبعد أن يلعب الجيش دورا مركزيا تحت ذريعة حفظ امن البلاد بل وحماية الثورة من حالة الفوضى والنهب التي تصاحبها وهي أحداث قد لا تكون بعيدة عن تخطيط بعض عناصر النظام .
نجاح الثورة في عمليتها الأولى (مرحلة الهدم) قد لا تكلف أكثر من استيلاء على الإذاعة والتلفزيون أو رصاصة في رأس الحاكم الفاسد -الرجعي واليميني وعميل الاستعمار وسبب هلاك الأمة..الخ- أو خروج جماهير هائجة ومقهورة للشارع لتخرب وتُدمِر ثم خطاب حماسي يسمى البيان الأول، حتى يقال لقد نجحت الثورة.ولكن ماذا بعد ؟ كان البَعدُ بالنسبة لكثير من الأنظمة والحركات الثورية العربية تغييرات شكلية في النظام السياسي وإحلال نخبة سياسية واقتصادية محل النخب السابقة و الاستمرار بترديد شعارات الثورة ،ظن قادة الثورة أن شعارات الثورة ستُغني الجماهير عن فقرها وجوعها ،اعتقدوا أن كل مشاكل الجماهير قد حُلت بمجرد إسقاط رأس النظام السابق ووصول قادة (الثورة) إلى سدة الحكم ،ولكن ماذا بالنسبة للاقتصاد والمديونية والتعليم والتكنولوجيا ،هل يتم تطوير وتحديث المجتمع بشعارات الثورة ،هل يُقضى على الفقر والجهل والمديونية ببركات الثوار ودعواتهم ؟هل يُقضى على إسرائيل وأمريكا بمجرد تسيير المظاهرات المنددة بالصهيونية والامبريالية ؟.
إن عملية الهدم سهلة وقد يقوم بها ضابط مغمور في الجيش أو جموع هائجة وجائعة أو تكون بتحريض من قوى خارجية، ولكن عملية البناء هي الأساس وهي الحكم على نجاح الثورة . مرحلة البناء تحتاج إلى رجال مختلفين وعقلية مختلفة وأساليب عمل مختلفة .

المبحث الثاني
ما قبل الثورة:العالم العربي حقل تجارب فاشلة

سواء كانت ثورة بركان أو ثورة شعب فهي لا تحدث بدون مسببات ،ففعل الثورة يأتي نتيجة لمتغيرات وأحداث تتفاعل مع مرور الوقت وتؤدي للانفجار أو الثورة ،إذن لكل ثورة مسبباتها أو صواعقها المفجِرة ،قد تكون وضع اقتصادي سيئ أو قمع واستبداد سياسي أو هيمنة أيديولوجية وعقائدية أو كلها مجتمعة.فلعقود حولت الأنظمة العربية - أنظمة الثورة وأنظمة الثروة ،أنظمة ملكية أو أنظمة جمهورية فلا فرق بينها إلا بالاسم – المجتمعات العربية لحقل تجارب لكل الأيديولوجيات والأفكار وكلها كانت تجارب فاشلة .
الشعوب تنفجر بثورات عندما يصبح الواقع السياسي والاجتماعي للشعب على درجة لا تُحتمل من التعارض مع العقلانية ومع ادني متطلبات الضرورات الحياتية ،تحدث الثورة عندما تكتشف الشعوب بان الأنظمة والنخب تغرر بها باسم الواقعية السياسية أو باسم الوطنية أو باسم الدين أو باسم الديمقراطية،آنذاك تصبح الثورة واقعية سياسية في مواجهة الأمر الواقع الذي فرضته الأنظمة السياسية طوال عقود .

المطلب الاول:تغييب الوطن باسم الواقعية السياسية

الواقعية السياسية لا تعني الاستسلام للأمر الواقع كما تُفهم عند البعض ،ولا تعني أيضا سياسة القوة المجردة والمبنية على المصلحة وتوازن القوى كما تُفهم عند آخرين،الأولون يبررون عجزهم واستسلامهم للأمر الواقع بالقول بأنها الواقعية السياسية ،والآخرون يبررون عدوانهم وهيمنتهم وتجردهم ما أي ضوابط أخلاقية أو قانونية بالقول بأنها الواقعية السياسية.السياسة الواقعية العقلانية تعني إعمال للعقل الجمعي للأمة في الواقع ،العقل الجمعي بما يتضمنه من ثقافة وتجسيد وفهم لمصالح الأمة هو الذي يموقع الواقعية ،إما كاستسلام وخضوع للأمر الواقع أو تجاوز وتطوير لهذا الواقع،بمعنى أن الواقعية بحد ذاتها ليست أمرا سلبيا.ومن هنا يمكن القول بأن الواقعية العقلانية للشعوب هي تحقيق الممكن في الطريق نحو تحقيق الهدف الاستراتيجي إن كان العقل الجمعي للأمة مؤمن ومتمسك بثوابت الأمة ومصالحها الإستراتيجية.وعليه فالسياسة الواقعية العقلانية ليست أمرا سلبيا بالمطلق بل هي في أجلى وجوهها تعني العقلانية السياسية ،وكل فعل سياسي على مستوى القرارات المصيرية للأمة يجب أن يؤَسس على العقلانية وليس على تهويمات الايدولوجيا والأساطير والتاريخ غير التاريخي،وعلى تخليق الممكن من وسط عدم واقع أو عدم أحلام وأوهام.عندما تؤسس السياسة على الأيديولوجيات السياسية فقط ، وهذه الأخيرة انقسامية وحالة عابرة ومتقلبة، تصبح السياسة أسيرة لها ويصبح مصيرها مرتبط بمصير الأيدلوجيا ومن يصغها من أحزاب وزعامات.
أسوء السياسيين والأحزاب السياسية هم الذين يُغلبون الايدولوجيا على العقل أو يفتعلوا قطيعة ما بين الايدولوجيا والعقل،ذلك أن المصالح الوطنية العليا والفعل السياسي المؤسس لها والمحافظ عليها لا تقوم إلا على العقلانية السياسية،ولو عدنا لتاريخ الشعوب لوجدنا أن الشعوب التي احتكمت للعقل والعقلانية هي التي أسست الحضارات وكُتب لها الدوام ،أما الشعوب التي انساقت وراء الايدولوجيا أو حولت الدين لايدولوجيا يتلاعب بها القادة والسلاطين فقد تراجعت مكانتها وبعضها تعرض للانهيار والزوال .لا يعني هذا رفض مطلق لكل أيديولوجيا، فقد لعبت أيديولوجيات دورا مهما في مراحل تاريخية من حياة الشعوب وخصوصا عندما عبرت عن ثقافة وهوية شمولية لأمم تستنهض قواها في مواجهة تحديات خارجية ،بل نقصد الايدولوجيا الجزئية التي تؤسس على حساب وحدة الأمة والايدولوجيا عندما تتحول لوعي كاذب للواقع .السياسة الواقعية يمكن أن توظف الايدولوجيا بكل تلاوينها الدينية والدنيوية لاستنهاض المشاعر وكل الرموز المستبطنة لتحويلها لمحفزات لبناء القوة الذاتية وكأداة في لعبة موازين القوى،دون أن تصبح أسيرة لها .
لا تعني الواقعية العقلانية هيمنة القوى على الضعيف ولا خضوع الضعيف للأمر الواقع الذي يفرضه القوي ،بل هي نمط تفكير ونهج عقلاني في الممارسة السياسة تقوم على فهم الواقع وموازين القوى التي تحكمه والبيئة الداخلية والخارجية المؤثرة فيه، وتعني تجاوز للتفكير الميتافيزيقي والأسطوري وما أقام من دول ونظم سياسية،وبالتالي ارتبطت في مسار التطور السياسي للأمم بوجود قيادة سياسية قومية ذي بصيرة وتعرف ما تريد ،ومشروع سياسي قومي يشكل الحاضنة لهذه السياسة والقيادة.ولو عدنا لتاريخ الواقعية والعقلانية السياسية في الغرب مع عصر النهضة ثم الأنوار والذي جاء على أنقاض فكر وأوضاع القرون الوسطى سنلاحظ تساوق التفكير العقلاني والواقعي المتحرر من الميتافيزيقا والايدولوجيا والتاريخ مع ظهور النزعة القومية بما هي تطلع كل شعب ليعبر عن هويته وشخصيته في إطار دولة خاصة به ،أي مواكبا لوجود مشروع قومي محل توافق غالبية طبقات وفئات الشعب. إن علاقة جدلية تقوم ما بين ظهور الدولة القومية والعقلانية السياسية ،فما كانت أوروبا ستخرج من عصر الظلمات، وما كانت العلمانية كمظهر من مظاهر العقلانية، إن لم تكن هي العقلانية السياسية ، وما كانت الثورة الصناعية لتكون، لو لم تظهر النزعة القومية ثم الفكر والدولة القومية، بل حتى الديمقراطية ما كانت ستأخذ السيرورة التي صيرتها ما هي عليه اليوم لولا التحالف ما بين الدولة القومية والعقلانية السياسية.هذا لا ينفي أن شعوبا أخرى سارت في سياق مختلف كالولايات المتحدة الأمريكية وكندا ،فهذه الدول لم تمر بنفس سيرورة تطور الدولة والأمة في أوربا فحتى اليوم ما زالت في مرحلة بناء الدولة القومية ،ولكن ما عوضها عن الدولة القومية هو دولة المؤسسات التي قامت على العقلانية السياسية واحتضنتها.
في التجربة السياسية العربية الإسلامية ستتشيأ الدولة والسياسة و يتشكل العقل السياسي بشكل مغاير، حيث العلاقة بين العقل والدولة والدين أخذت سياقا مغايرا من حيث الشكل والمضمون والسياق التاريخي. ففي الوقت الذي أخذت فيه الواقعية والعقلانية السياسية شكل تمرد الشعوب الأوروبية على التاريخ السياسي للقرون الوسطى باعتباره متعارض مع العقلانية ،وتمرد على العقل الفقهي السياسي المسيحي حيث شكل حالة خارجة عن النص المقدس والمسيحية الحقيقية ،وفي الوقت الذي وجدت أوروبا في الدولة القومية العلمانية الإطار الذي يجمع ويوفق من جانب بين السياسة التي تقوم على الواقعية والعقلانية والفكر الوضعي ومن جانب آخر المسيحية الحقيقية (النص المقدس) التي تقبل بلعب دور الخادم للدولة القومية المُجسدة لإرادة الأمة،في هذا الوقت كان المسلمون يؤسسون لمفهوم للأمة وللدولة لا يستمد من إرادة الأمة والعقد الاجتماعي والعقلانية ،فهذه أمور لم تكن معروفة في الفقه السياسي ولا في التاريخ السياسي ،وحتى من حاول من علماء المسلمين– كابن رشد - استحضارها من الثقافة السياسية اليونانية ومن فهم عقلاني للقرآن ،حيث للعقل حضور أكبر مما هو في التاريخ السياسي والفقهي كما يذهب كثير من المفكرين المسلمين ،فقد ووجه بعنت شديد.
طوال أكثر من ألف سنة والمسلمون والعرب يعيشون أزمة دولة وسلطة وعلاقتهما بالدين ،وغموض في علاقة العقل بالنقل أو الإيمان والعقل ،هذا ناهيك عن غموض في مفهوم الأمة وعلاقته بالوطنية والقومية ،أكثر من ألف سنة والعقل السياسي العربي والمسلم تائه وغارق في تجريبية لا توصل لليقين بقدر ما تعمق من الإشكالات المطروحة،وإن كان أبن رشد عبر عن إشكالية العلاقة بين العقل والدين فإن ابن خلدون طرح إشكالية العلاقة بين العقيدة والدولة ،وبين العصبية والدولة عندما قال في مقدمته المشهورة يصف الحال السياسي للمسلمين منذ عهد معاوية بن أبي سفيان، إن الخلافة تحولت إلى ملك عضوض كملك العجم.حتى محاولات مصلحو عصر النهضة العربية لاستعادة العقل والعقلانية وإيجاد حالة مصالحة بين مقتضيات العصر والإسلام ومشروع الدولة القومية العربية باءت بالفشل لأسباب داخلية ولأسباب خارجية أيضا،وليس الحاضر بالأفضل حيث تأخذ محاولات استنهاض الحالة العربية والإسلامية شكل الرجوع للتاريخ الإسلامي ولفقه إسلام سياسي لا يعبر عن الإسلام الحقيقي إن لم يكن معاديا له.ومن اللافت للانتباه أن ما تسمى اليوم بالصحوة الإسلامية، وخصوصا ما يندرج منها تحت مسمى الإسلام السياسي، تعيش حالة انقسام وفرقة حتى أن ما يفرقها أحيانا من تصورات وتفسيرات واجتهادات دينية لها تمظهرات سياسية، أو خلافات سياسية بأبعاد دينية ،أكثر مما يوحدها ويجعل منها كتلة واحدة في مواجهة عدو مشترك،وهي الاختلافات التي تتمظهر اليوم في تباين مواقفها من الدولة والسلطة والديمقراطية والقوانين الوضعية الخ.
يمكن أن نستنتج مما سبق بأن تعثر الواقعية والعقلانية العربية على مستوى الفكر والممارسة السياسية في القرن العشرين يعود لضعف بل غياب المشروع القومي العربي الجامع وغياب الدولة القومية كحاضنة لهذه العقلانية وكمحفزة لها ،بالإضافة إلى عدم الحسم بالاتفاق على طبيعة العلاقة بين الإسلام والحكم السياسي .عالج مفكرون عرب منذ بداية القرن العشرين هذه الإشكاليات وإن بصياغات مختلفة، بدءا من السؤال لماذا تقدم الغرب وتخلف المسلمون ؟ إلى التساؤلات المعاصرة حول تعثر الديمقراطية والتنمية وارتكاس كل محاولة نهضوية عربية وأزمة الدولة الوطنية وصعود المذهبية والعرقية ،وهي تساؤلات بقيت بغير إجابة بل يمكن القول بأن استجابة المجتمعات العربية لتساؤلات عصر النهضة كان أكثر أهمية من استجابة مجتمعاتنا ونظمنا السياسية اليوم للتساؤلات التي يطرحها مفكرو اليوم ،والملاحظة الأكثر إثارة وقلقا أنه كلما تراجع المشروع القومي وتباعدت الدولة القومية وكلما تأزم المشروع الوطني والدولة القطرية لكل قطر عربي ،إلا وتراجع حيز الواقعية العقلانية لصالح فضاء تملاه إما وقوعية واستسلام مطلق للأمر الواقع أو فكر سياسي واجتماعي مشوه بلا مرجعية هوياتية واضحة لا قومية ولا وطنية ولا دينية أو عنف سياسي بلا ضوابط أو مرجعيات واضحة.
صيرورة الواقعية العقلانية ممارسة سياسية على مستوى الأمة تحتاج إلى ثلاثة مرتكزات: 1) العقل والعلم كمرجعية فكرية متجاوزة أو سابقة في الأهمية للايدولوجيا والأسطورة وللتاريخ السياسي 2) توافق وطني أو قومي على ثوابت أو مرجعيات وطنية أو قومية 3) قيادة حكيمة عقلانية في فكرها وثقافتها السياسية . ومن هنا نلاحظ أن حضور السياسة العقلانية الواقعية عند الدول التي تهيكلت في إطار الدولة القومية أكبر من حضورها عند المجتمعات التي لم تصل لمرحلة الدولة القومية ،ففي الأولى تتكامل العقلانية الواقعية مع الديمقراطية كنظام سياسي مع بناء القوة الاقتصادية والعسكرية. لا يعني ذلك أنه في حالة وجود هذه العناصر المشكلة للعقلانية الواقعية في أكثر من بلد سنكون أمام أنظمة ومجتمعات متشابه ،ذلك أن لكل أمة عقلانيتها،وعقلانية الأمة لا تنفصل عن ثقافتها ومصالحها القومية ،فللولايات المتحدة الأمريكية عقلانيتها كما لليابان عقلانيتها ،ولإسرائيل عقلانيتها كما لتركيا والصين والهند عقلانيتها،وفي حالة الشعوب الخاضعة للاحتلال كالحالة الفلسطينية فالعقلانية تعني وجود إستراتيجية واحدة وقيادة واحدة في إطار مشروع تحرر وطني ،فالمقاومة تحتاج لممارسة واقعية عقلانية والتسوية والسلام أيضا فعل عقلاني واقعي .
إن تبني أي دولة أو مجتمع للعقلانية الواقعية لا يضفي بالضرورة قيمة أخلاقية مطلقة عليهما،فالدول تُشكل عقلانيتها اعتمادا على مصالحها القومية بحيث يصبح العقل في خدمة المصلحة القومية ،وحيث أن العلاقات الدولية عبر تاريخ البشرية هو صراع حول المصالح القومية فإن العقلانية الواقعية لا تسقط الصراع حول المصالح ،إنها عقلانية على مستوى تعبيرها عن مصالح الأمة وثوابتها ولكنها في المجال الخارجي لا تتورع عن توظيف كل الأيديولوجيات والتاريخ والدين لكسب المواجهة مع من تعتبره عدوا،ومن هنا نلاحظ أن صعود العقلانية الواقعية والتي أخذت اسم الحداثة والتقدم والتحضر كان متزامنا مع المد الاستعماري واندلاع مئات الحروب الأهلية والإقليمية وحربين عالميتين وتفشي أفكار عنصرية وفاشية الخ.
سواء كنا أمام سياسة ديمقراطية أو ثورية أو تحررية فالواقعية ضرورة.الواقعية لا تعني الاستسلام للأمر الواقع بل فهم الواقع بكل سلبياته وقسوته ثم وضع خطط إستراتيجية لمواجهته وتجاوزه بما هو ممكن ومتاح من مصادر القوة والقدرة ،وعندما تكون السياسة متعلقة بعلاقات بين طرفين فيها اختلال بيٌن في موازين القوى – كما هو الحال بين الشعب الخاضع للاحتلال ودولة الاحتلال -،فإن واقعية الطرف الضعيف تأخذ شكل التدرج في تحقيق الأهداف وتوسل كافة السبل لتحقيقها بما في ذلك شبكة تحالفات دولية وإقليمية وما هو متاح من دعم وتأييد توفره الشرعية الدولية والرأي العام العالمي،ولكن كل هذه العناصر الخارجية تشكل عوامل مساعدة وداعمة للفعل الوطني ،فبدون مشروع وطني يعبر عن فكر وثقافة وهوية وطنية وإستراتيجية وقيادة وطنية فلن يكون هناك أية فرصة لإعمال العقلانية السياسية وسيبقى الشعب الخاضع للاحتلال محل تجارب كل أيديولوجية جديدة وكل حزب ناشئ فيما الواقع يتشكل حسب مشيئة العدو.

المطلب الثاني :لا يتشكل الواقع كما نريد بل بما نفعل

هناك علاقة ما بين تصور الشعوب ونخبها السياسية لواقعها والآليات الفكرية والممارساتية التي تنتهجها لتغيير هذا الواقع من جهة ، ورؤيتها عن ذاتها وتاريخها من جهة أخرى،فبعض الشعوب مشدودة لتاريخها المُتَخَيل لدرجة العيش في الماضي على حساب الحاضر، وشعوب آخر مشدودة للحاضر حتى وإن تفارق مع تاريخها،والفيصل بين الحالتين لا يعود لتباين الشعوب من حيث عراقة وعظمة تاريخها بل لعقلانية وواقعية النخب السياسية والاجتماعية الراهنة وقدرتها على التعامل مع الواقع .
فبعد سنوات من اليوم سيصبح الحاضر ماضيا أو تاريخا مكتوبا أو شفهيا و سيتساءل الخلف من صنع هذا التاريخ المُشين ؟ آنذاك ستواجههم مقولة (إن الشعوب تصنع تاريخها) وهي مقولة صحيحة .فنحن اليوم نصنع المستقبل السيئ الذي سيعيش فيه أبناؤنا وأحفادنا كما أننا اليوم نتحمل وزر أخطاء السلف ووزر تاريخ سياسي واجتماعي ما زال حاضرا فينا ويشكل قيدا على حركة نهضتنا وتقدمنا.أن تصنع الشعوب تاريخها يعني أنها تصنع حاضرها ومستقبل أبناءها، فالحاضر هو مستقبل الماضي كما أنه ماضي المستقبل.أن تصنع الشعوب تاريخها يتضمن حكما إيجابيا وحكما سلبيا في نفس الوقت على الشعوب من حيث مسؤوليتها عن تاريخها وبالتالي مصيرها،حكما إيجابيا إن أخذت الشعوب ناصية الأمور وكانت المبادِرة في تحديد مصيرها وبناء حضارتها وقطعت الطريق عن الغير للتدخل في شؤونها الداخلية،في هذه الحالة ستصنع الشعوب حاضرا زاهرا و تاريخا مشرفا للأجيال القادمة ،أيضا تتضمن المقولة حكما سلبيا على الشعوب ،ذلك أن الشعوب الضعيفة والمنقسمة على ذاتها وفاقدة الإرادة تفتح الطريق أمام الغير ليوجهوا أمورها ويحددوا مصيرها وبالتالي يصنعوا حاضرها وتاريخها ،وفي هذه الحالة أيضا فإن الشعوب وخصوصا نخبها تتحمل مسؤولية هذا التاريخ الذي سينسب لها حتى وإن صنعه لها الآخرون .
نقصد بالتاريخ هنا التاريخ الحقيقي أي الوقائع والأحداث الفعلية التي شكلت منعطفات مصيرية في حياة الشعوب وأثرت على مسيرتها لاحقا، وليس التاريخ الوهمي والمصطنع.كثير من الشعوب والنخب السياسية والدينية تصطنع تاريخا وهميا أو مضخما لتخفي سوء واقعها وعجزها عن التعامل مع استحقاقات الحاضر، فتجد في التاريخ الوهمي تعويضا نفسيا أو غطاء لإضفاء شرعية على سلطة وواقع يستمدا شرعيتهما من ذاك التاريخ الوهمي،بل لا تتورع هذه النخب عن محاربة كل من يعمل على فتح مغاليق التاريخ الحقيقي ويحاول إعادة قراءته بموضوعية وحيادية. إن تصنع الشعوب تاريخها معناه أن تترك بصماتها المادية على كل مناحي الحياة،لا شك أن الفكر والأيديولوجيات بكل تلاوينها الدينية والوضعية وكذا الشخصيات الكارزماتية لعبت دورا في حياة الشعوب ولكن أهمية وفعالية هذا الدور تتبلور من خلال تأثيرها الفعلي الإيجابي على مجريات الأحداث وليس من خلال الفكر بحد ذاته، فكثير من الأفكار الجميلة والإيديولوجيات والشخصيات الكارزماتية كانت سببا في خراب الأمم وتخلفها ،كما انه لم يسبق أن تطابق فكر مع واقع عبر تاريخ البشرية،حتى الشرائع الدينية لم تتطابق مع ممارسات البشر ،ومن هنا فإن الحكم على صناعة التاريخ يكون من خلال الواقع وليس من خلال الفكر المجرد،أو فلنقل إنه نتاج تفاعل الفكر مع الواقع .
إذن الواقع الملموس أو الواقع الذي يؤسس التاريخ الحقيقي لا يتشكل كما نريد أو حسب الإرادة المجردة بل بما نفعل ، أو بالإرادة المقرونة بالفعل حيث يجب عدم تجاهل أهمية الإرادة في الفعل الإنساني ،كما أن الواقع لا يزول لمجرد تجاهله أو الهروب منه،فالواقع عنيد كما يقول المثل،وبطبيعة الحال هناك فرق بين الواقع وتصورنا عنه أو الصورة التي نريد ترويجها عنه،الأيديولوجيات قد تُجَمِل صورة الواقع وقد تشكل محرضات لتغييره ولكنها بحد ذاتها لا تنب عن الواقع ويجب أن لا تعمينا عن رؤية الواقع على حقيقته.ولكن يبدو أن العقل السياسي الرسمي العربي غير العاقل عندما يعجز عن مواجهة الواقع أو يعجز عن فهمه يعيد تشكيل الواقع نظريا بخطاب ينتج واقعا وهميا يشتغل عليه ويُشغِل معه الشعوب العربية التي تعيش حائرة بين الواقع الحقيقي المأساوي و(الواقع) الوهمي ،مما يؤدي إلى انفلات الواقع من بين أيدينا فنستيقظ على مصائب وويلات يستسهل العقل السياسي تحميل المسؤولية عنها للآخر:الاستعمار أو الصهيونية الخ ،لأنه عقل لم يؤسس على فضيلة النقد الذاتي أو مراجعة الذات.
سياسة الهروب من الواقع والغرق في تهويمات الخطاب غير الواقعي والتاريخ غير التاريخي،نلمسها اليوم من خلال طريقة تعامل العرب مع تاريخهم ومع المنظومات والأيديولوجيات الكبرى التي ينسبونها لهذا التاريخ حيث أنتج العقل السياسي العربي خطابا تاريخيا مضخما ومتعاليا عن الإسلام وعن القومية العربية متجاهلا أنه حتى التاريخ الحقيقي للشعوب بما يتضمنه من منجزات لا يمكن استعادته وإن أقصى خدمة يقدمها لأصحابه هي استخلاص الدروس والعبر،وقدرة الشعوب على استخلاص الدروس والعبر لا تتناسب طرديا مع عظمة الماضي ومنجزات التاريخ بل تتناسب مع عقلانية وفاعلية الجيل الراهن وإرادته في بناء حاضره والاستفادة من دروس الماضي .كثير من شعوب الأرض لها تاريخ متواضع وبعضها بدون تاريخ ومع ذلك استطاعت أن تبني حاضرها وتتفوق على غيرها من الشعوب التي تتغنى بعظمة تاريخها،وكثير من الشعوب ذات التاريخ العريق تعيش اليوم خارج إطار الفعل الإنساني الحضاري.
لا غرو أنه في إطار الصراع بين الحضارات والثقافات والذي هو جزء من الطبيعة البشرية ومن العلاقات الدولية وليس أمرا مستحدثا، يلعب الغرب الاستعماري والصهيونية العالمية دورا في تشويه صورة تاريخنا وحضارتنا بل ومحاولة سرقة وتزييف هذا التاريخ وخصوصا من طرف الصهيونية واليهودية العالميتين التي نتصارع وإياهما على نفس الأرض،إلا أن ما نُلحِقُه بتاريخنا وبواقعنا من تشويه ودمار يفوق كثيرا ما يلحقه الغرب بهما.مثلا فكرة القومية العربية والتوق للوحدة أمر مشروع وهناك تجارب تاريخية للأمم وحقائق موضوعية تعزز هذا المطلب.ولكن هل تعاملت النخب والأحزاب والنظم التي حملت الفكرة القومية بعقلانية وواقعية مع الواقع الذي تعيشه المجتمعات العربية من حيث خصوصية تشكلها التاريخي وتعددية الأعراق والطوائف وواقع وجود دول قُطرية أنتجت كيانات (وطنية) مستقلة وقائمة بذاتها وغالبيتها ليست وليدة سايكس -بيكو؟. لقد تعاملت غالبية الحركات القومية العربية،خصوصا عندما تحولت لأحزاب حاكمة،باستعلاء واستخفاف مع الجماعات العرقية الأخرى التي تقطن داخل دولها القُطرية مما استثار لدى هذه الأعراق الرغبة بالتحرر الثقافي وحقها في التعبير عن هويتها وخصوصيتها ،وبعض هذه الجماعات تحولت أو انزلقت من المطالبة بتشكيل ثقافية فرعية إلى تشكيل ثقافة مضادة شكلت نواة للمطالبة بحق تقرير المصير القومي. كما تعاملت أحزاب وأنظمة القومية العربية مع بعضها البعض بحسابات حزبية وقطرية وأحيانا شخصية ضيقة وليس بدوافع ومنطلقات قومية وحدوية بل وصل الأمر لأن أصبحت الفكرة القومية حكرا على زعيم بعينه يحدد محتواها وتخومها بما يتوافق مع توازنه النفسي وتركيبته الشخصية ومصالح ،حتى الجسم الهزيل- جامعة الدول العربية -الذي قادته أنظمة قومية لسنوات لم يستطع حتى على الحفاظ على الحد الأدنى من التضامن العربي فبدأت بالتفكير بالهروب منه نحو رابطة لدول الجوار.
إذن فكرة وحلم الوحدة العربية أمر مشروع بل وواجب لاعتبارات قومية ولاعتبارات عملية ،ولكن لا يجوز للمتعاملين مع المسألة القومية العربية تحميل التاريخ ما ليس فيه والزعم بأن الأمة العربية بتحديداتها الثقافية والجغرافية المتعارف عليها اليوم كانت أمة ودولة واحدة وأنهم يستعيدون ذاك التاريخ العتيد ،الحق بالوحدة اليوم لا يعني أنه كانت تجربة تاريخية وحدت العرب من المحيط إلى الخليج على أسس قومية،وليس بالضرورة حتى نتوحد اليوم أن تكون هذه التجربة التاريخية السابقة.إذن حتى نتوحد اليوم علينا أن نتحرر من مبالغات تاريخية تضخم الأنا العربية ، وأن نؤسس للوحدة حسب مقتضيات العصر وبما يحفظ كرامة وثقافة كل الجماعات.
ما يقال عن الأمة والقومية العربية ينسحب على التاريخ الإسلامي حيث المبالغة والانتقائية في التعامل مع هذا التاريخ.لا شك أن الإسلام والمسلمين أسسوا في مرحلة تاريخية متميزة حضارة تفوقت على غيرها من الحضارات ،ولكن لم يكن كل التاريخ الإسلامي حضارة وازدهار ،ولم يكن كل من تولى أمر المسلمين كالنبي محمد أو عمر بن الخطاب أو صلاح الدين ،وعليه فإن السعي لبناء الحاضر بما لا يقطع مع الدين والثقافة الإسلامية يفترض إعادة دراسة وفهم التاريخ الإسلامي وتنقيته مما ليس من الدين بشيء ،الخلط ما بين الدين الإسلامي والتاريخ الإسلامي أدى لوجود عشرات بل مئات الجماعات الإسلامية المختلفة مع بعضها البعض في رؤيتها للإسلام ولرؤيتها للواقع وكيفية تغييره ،وأحيانا يكون التناقض والصراع ما بين هذه الجماعات وبعضها البعض أشد مما بينها وبين غير المسلمين.
وما بين الحنين والإعجاب بالتاريخ التاريخي أو المُتخَيل من جانب واستحقاقات الحاضر من جانب آخر تتموقع الإرادة البشرية ،إرادة النخب السياسية والاجتماعية وحقيقة ما تريد من استحضارها للماضي والدين أو تجاهلها له وانبهارها بالحداثة والمعاصرة ،الأمر الذي يتطلب دراسة النخب السياسية والاجتماعية كمدخل لدراسة التاريخ والوقع العربي والإسلامي.



























الفصل الثاني
(ديمقراطية) الأنظمة تعيد إنتاج الاستبداد والفساد

التحول نحو الديمقراطي في العالم العربي لم يتساوق مع تغييرات بنيوية في ثقافة المجتمع ولم يؤد لإحلال علاقات ونخب وأفكار تمثل قطيعة مع مرحلة سابقة بقدر ما جاء نتيجة ضغوطات خارجية وإرادة نخب وَجَدت في الديمقراطية أيديولوجية جديدة تعوضها عن أزمة شرعياتها التقليدية. وبالتالي فإن الحديث عن الديمقراطية في العالم العربي كان يحتاج لمقاربة جديدة تؤسَس على الواقع لا على الخطاب والنموذج الجاهز، والواقع يقول بأن التجارب الديمقراطية تحولت إلى أنظمة حكم وشعارات فضفاضة إن كانت تتضمن بعض مفردات الديمقراطية وثقافتها في بعض المجتمعات، إلا أنه يصعب القول بأنها أنظمة ديمقراطية.صحيح حدث حراك سياسي وتقدم نسبي في منظومة حقوق الإنسان وفي وعي المواطن بحقوقه،إلا أن هذا الحراك بقي أسير بنية سياسية واقتصادية وثقافية تكرس الاستبداد والفساد وتعيد إنتاجهما بعناوين جديدة.
لا تلام الانظمة العربية لوحدها عما آلت إليه الأوضاع العربية وعن المسار المنحرف للديمقراطية،بل لعب الغرب دورا في تشويه الانتقال الديمقراطي من خلال سكوته وتعامله مع انظمة لا تؤمن بالديمقراطية،أليس الرئيس مبارك والرئيس بنعلي من أشد حلفاء الغرب؟!،أيضا تتحمل الاحزاب السياسية جزءا من المسؤولية لانها قبلت أن تتعايش مع هذه الأنظمة وتشتغل ضمن التخوم التي تحدده بل وتقبل بالفتات الذي تمنحه لهم الأنظمة كبعض الوزارات والوظائف أو مشاركة محدودة في مؤسسات تشريعية شكلانية لا تملك من امرها شيئا.

















المبحث الأول
مصادرة الوطن والوطنية باسم الديمقراطية

حجر الأنظمة العربية على العقل وانتهاك الحريات أمور لا تتوافق مع الزعم لا بالعقل والعقلانية ولا بالديمقراطية ولا تستقيم مع القول بالاستخلاف في الأرض وأعمارها حيث لا يمكن أن تُعَمَر الأرض بالجور والاستبداد وانتهاك الحريات والحرمات.
لقد أظهرت المتغيرات السياسية والاقتصادية المحلية و الدولية كم تزايدت الشقة في عالمنا العربي بين النخبة والشعب ،وبين واقعنا وواقع العالم من حولنا ، وكم أصاب العقل الشقاء وهو يبحث عن المعقولية لما يجري من أحداث حيث بعض الممارسات السلطوية السياسية لا تختلف كثيرا عما كانت عليه السلطة والحكم في أزمنة ما قبل الثورة التي يزعم قادة الانقلابات انهم قاموا بها،وما قبل الأخذ بالديمقراطية التي يزعم ديمقراطيو الانظمة انهم يطبقونها.فباسم الوطنية تارة وباسم الاستقرار تارة اخرى وباسم الديمقراطية أخيرا صادرت الأنظمة العربية إنسانية المواطن وفرغت الوطنية من مفهومها وحولتها لمجرد حزب سلطوي حاكم غيَّب الوطن لصالح نخبة متسلقة منتفعة راكمت الملايير على حساب غالبية الشعب التي بالكاد تجد قوت يومها.

المطلب الأول :الأنظمة وركوب موجة العولمة السياسية

الديمقراطية الموجودة في غالبية الأنظمة العربية القائلة بها ليست تعبيرا عن إرادة الأمة بقدر ما هي استجابة-بالمفهوم الإيجابي والسلبي للاستجابة- لاشتراطات خارجية وتحديات داخليةـ كما أنها ليست بالضرورة تعبيرا عن توفر ثقافة الديمقراطية،فما قبل المد الثوري الذي بدأ في تونس نادرا ما كنا نرى أو نسمع عن مظاهرات ومسيرات كبيرة للمطالبة بالديمقراطية،فيما كانت جماعات الإسلام السياسي تخرج مظاهرات مليونية لنصرة غزة أو العراق مثلا أو للتنديد بإهانة الرسول،ويستطيع النظام الحاكم إخراج مئات الآلاف من الجمهور في مسيرات مؤيدة لسياساته.غالبية الأنظمة العربية سواء كانت ملكية أم جمهورية ثورية أو عسكرية،غنية أم فقيرة... تصنف نفسها بأنها ديمقراطية أو تسير نحو الديمقراطية أو لا تعارض الانتقال الديمقراطي، وفي جميع الحالات سنجد ما يربط كل نظام سياسي بآلية ما أو مظهر ما من مظاهر الديمقراطية كوجود انتخابات أو دستور عصري أو مؤسسات تشريعية أو تعددية حزبية الخ ،ومع ذلك يبقى السؤال: أية ديمقراطية توجد في هذه الأنظمة.
كل الأنظمة العربية إما أن تصف نفسها بالأنظمة الديمقراطية أو بأنها تريد أن تكون ديمقراطية،ولكن على مستوى الواقع القائم سنجد أن أوجه الاختلاف ما بين هذه الأنظمة العربية التي تقول بأنها ديمقراطية والديمقراطية السائدة في الغرب وحتى في دول قريبة منا كتركيا أو الهند فيما يتعلق بشكل النظام وآلية إدارته وطبيعة الثقافة السائدة فيه.فما الذي يجمع مثلا ما بين الديمقراطية في العراق واليمن والديمقراطية في السويد؟وما الذي يجمع ما بين ديمقراطية الكويت و مصر وديمقراطية اليابان أو تركيا؟الخ .
قد نبدو مبالغين إن قلنا بان لكل نظام عربي تصوره وتطبيقه الخاص للديمقراطية وبعضها غير مسبوق تاريخيا ويعتبر اختراعا عربيا بجدارة.مع هبوب رياح العولمة الثقافية والحديث عن الموجة الرابعة للديمقراطية ربط بعض المفكرين بينها وبين الحراك السياسي في الأنظمة السياسية في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين لها . وفي هذا السياق يتحدث برهان غليون عن الموجة الرابعة للديمقراطية والتي مست في الصميم العالم العربي ،فبعد عقود من محاولات الإصلاح ووضع حد للفساد بالإضافة إلى محاولات انقلابية، كانت الحصيلة ضئيلة لا ترقى لتطلعات الشعوب العربية ،إلا أن متغيرات محلية وإقليمية ودولية توحي بالأمل بأن رياح الديمقراطية بدأت تهب على العالم العربي وهذه الرياح تمثل الموجة الرابعة للديمقراطية ،وهذه التحولات والمتغيرات هي:-

1- إفلاس النظم القديمة واستنفاد رصيدها المادي والمعنوي بعد انكشاف الطريق المسدودة التي قادت إليها سياساتها القاصرة وانحسار قدرتها على تحقيق الأهداف الوطنية والاجتماعية واعتمادها في سبيل البقاء بشكل متزايد وشبه كامل على الاستخدام الموسع للعنف والقوة.
2- تبدل البيئة الدولية الجيوسياسية والفكرية معا، ولعل أكبر مظهر لهذا التحول ما نجم عن زوال مناخ الحرب الباردة الذي غير من قواعد التنافس بين القوى العظمى ...ولعل أهم ملمح من ملامح هذا التبدل هو اهتزاز ثقة واشنطن بسياستها التقليدية القائمة على تأمين استقرار النظم التي كانت تراهن عليها للحفاظ على مصالحها الحيوية والإستراتيجية في المنطقة بأي ثمن وتبنيها، كما يبدو، سياسة جديدة تهدف إلى تجديد هذه النظم وإصلاحها حتى تكون، من حيث الواجهة الشكلية على الأقل، موافقة للمعايير الإيديولوجية التي يقوم عليها خطاب الهيمنة الأميركية.
3- انبعاث الحركات الاجتماعية أو بعثها بعد أن قبرت حية وهيل التراب عليها، وفي مواكبتها انتعاش المجتمع المدني وثقافته ومنظماته ومطالبه، وهو ما يشكل جوهر عملية الإحياء التي تتم اليوم على هامش الخروج من الأزمة الفكرية الطاحنة التي مرت بها العقائديات الكلاسيكية السابقة التي ارتبطت بصراعات الحرب البادرة ومن خلال تبلور النظم والقيم الفكرية الجديدة المتمحورة حول المجتمع المدني وحقوق الإنسان وانتشار الوعي بأهمية الديمقراطية وبقيم المواطنة لدى أوساط متزايدة من المثقفين ونشطاء المجتمع السياسي في جميع أنحاء العالم.
أية مقاربة علمية وموضوعية للتحولات أو التجارب الديمقراطية في العالم العربي،ومع عدم إسقاط البعد السوسيولوجي التاريخي كبعد مهم في مقاربة المسألة الديمقراطية العربية، ستوصلنا لنتيجة مفادها وجود نماذج للانتقال الديمقراطي وليس نموذجا واحدا،أو مداخل وليس مدخلا واحدا ،هذا التعدد ليس بالضرورة مؤشرا على خصب التجارب الديمقراطية بل قد يكون مؤشرا على حالة من التيه والتخبط وهو أمر مفهوم عندما لا يكون خيار الديمقراطية محل إجماع ولا يعكس الثقافة الغالبة في المجتمع،بل نجد هذا التيه يمس البلد الواحد ،فبعض البلدان العربية كمصر والعراق مثلا عرفت تجارب ليبرالية وبرلمانية متقدمة في بداية القرن العشرين ثم انتكست لتدخل في دوامات الفكر الثوري والاشتراكي والعسكري وبعدها عادت لتبحث عن مخارج لازمتها من خلال الديمقراطية ولكن في ظل عالم متغير أهم سماته ثقل الضغوط الخارجية الدافعة للانتقال الديمقراطي لأهداف تخدم الخارج أكثر مما تخدم شعوب المنطقة. ارتبط الحديث بالتحول الديمقراطي في العالم العربي في السنوات الأخيرة بما يسمى (مشروع الشرق الأوسط الكبير) الذي تفتقت عنه عقلية مراكز القرار في الإدارة الأمريكية. فبعد أحداث 11 سبتمبر 2001 وبعد الحرب على العراق وتداعياتها وبعد عقود من الدعم الأمريكي والغرب لأنظمة استبدادية دكتاتورية لا تراعي حقوق الإنسان،توصلت الإدارة الأمريكية لقناعة بأن سبب العنف، أو الإرهاب كما تسميه، الموجه للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية تحديدا سببه الفقر وغياب الديمقراطية والتركيبة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات العربية والإسلامية ،وعليه وفي إطار مواجهة ( الإرهاب ) أعلنت الإدارة الأمريكية في مطلع فبراير 2003 عن مبادرة تهدف إلى تحقيق إصلاحات اقتصادية وسياسية وتعليمية في منطقة الشرق الأوسط ،وفي يونيو 2004 طرح الرئيس بوش مشروع الشرق الأوسط الكبير حيث ربط ما بين إنجاز عملية السلام في المنطقة ووضع حد للعنف من جانب وإحداث تنمية شاملة سياسية واقتصادية وتعليمية من جانب آخر . بعد سنوات قلائل من التعامل مع الرؤية الأمريكية للديمقراطية وخصوصا في شقها الهادف لاستيعاب الإسلام السياسي ضمن النظم السياسية القائمة كوسيلة للحد من العنف السياسي ،ثبت محدودية النجاح الذي تحقق في هذا السياق .
حتى لا نظلم الديمقراطيين الحقيقيين في العالم العربي ،يجب التأكيد بأنه جرت محاولات جادة للأخذ بالديمقراطية ونشر ثقافتها وانتزاع مكتسبات من الحكام ،قبل أن تتبنى واشنطن الدعوة لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط ،بل يمكن القول إن من الأهداف الأمريكية من وراء دعوتها لنشر الديمقراطية في المنطقة، سحب البساط من تحت أقدام الديمقراطيين الحقيقيين في العالم العربي. حركات وأحزاب وشخصيات ومؤسسات مجتمع مدني دخلت في مواجهات وبعضها مسلحة مع أنظمة دكتاتورية واستبدادية دفاعا عن حقوق الإنسان ولمزيد من الحرية والكرامة،هؤلاء مناضلون من اجل الديمقراطية حتى وإن لم يرفعوا شعاراتها،فكل نضال من اجل الحرية والكرامة وضد القمع والاستبداد هو نضال ديمقراطي أو يهيئ المناخ للانتقال الديمقراطي. لو أردنا رصد المشهد الديمقراطي في العالم العربي سنجد النماذج أو التطبيقات التالية :-
أولا: ديمقراطية تحت الاحتلال وبإشرافه (ديمقراطية خارج السياق)
هذه تمثل سابقة في التاريخ، فلأول مرة يُطرح التحدي الديمقراطي على مجتمع وهو تحت الاحتلال ،فالاحتلال نفي لإرادة الأمة فكيف يمكن لشعب أن يؤسس نظاما ديمقراطيا دون أن يكون حر الإرادة.هذا الشكل من الديمقراطية يعتبر خارج السياق ،خارج سياق حركة التحرر حيث يفترض وحدة الشعب في مواجهة الاحتلال وليس صراع الشعب والأحزاب من اجل سلطة تحت الاحتلال ،وخارج سياق العملية الديمقراطية بما هي شكل من أشكال حكم الشعب الحر والمستقل الإرادة. هذا النموذج متجسد في فلسطين والعراق .
لأن أهم مؤشر على وجود نظام ديمقراطي هو الحرية،حرية الوطن وحرية المواطن فلا يمكن لشعب خاضع للاحتلال أن يمارس انتخابات نزيهة تؤسس لنظام ديمقراطي، فالاستعمار نقيض الحرية بكل تجلياتها وبالتالي نقيض الديمقراطية. وعليه نلاحظ بان مسألة الحكم الديمقراطي من خلال التنافس عبر صناديق الانتخابات لم تكن مطروحة عند حركات التحرر في العالم سواء تجربة الثورة الفرنسية أو الثورة الأمريكية أو الثورة الجزائرية أو الثورة الفيتنامية الخ ،فحركات التحرر لا تستمد شرعيتها من صناديق الانتخابات بالضرورة.واليوم تثار الشكوك حول شرعية ونزاهة الانتخابات التي جرت في العراق وأفغانستان في ظل الاحتلال وشرعية المؤسسات والقيادات التي تفرزها الانتخابات.إن أي انتخابات في ظل الاحتلال لا يمكنها إلا أن تنتج نظاما سياسيا خاضعا للوصاية وناقص السيادة.
في الحالة الفلسطينية وبالرغم من عراقة الشعب الفلسطيني وممارسته الانتخابات في مستويات وأوضاع متعددة خارج إطار السلطة السياسية، إلا أنه يجب التعامل بحذر مع محاولة تطبيق الديمقراطية وما تستدعيه من انتخابات في مناطق السلطة ليس رفضا للديمقراطية وللانتخابات ولكن لأن استحقاقاتهما وخصوصا الانتخابات تتصادم مع سياق حركة التحرر الوطني التي يفترض أن الشعب الفلسطيني ما زال يمر فيها ولأن واقع الاحتلال لا بد أن يؤثر سلبا على العملية الانتخابية وبناء الديمقراطية .يمكننا الإشارة إلى أهم أسباب الحذر من المسار (الديمقراطي) والانتخابي في الحالة الفلسطينية وهي التالي :-
1 : غياب الدولة الفلسطينية المستقلة وبالتالي غياب نظام سياسي فلسطيني يمكن أن نُحيل إليه صفة( الديمقراطي) أو أي صفة دولاتية، فالديمقراطية هي نظام سياسي يحدد علاقة الحاكمين بالمحكومين في الدولة والشعب الفلسطيني ما زال خاضعا للاحتلال وبالتالي فاقد السيادة.مع التأكيد بأننا نتحدث عن الديمقراطية كنظام حكم،أما دون ذلك فيمكن تلمس مؤشرات دالة على وجود ممارسات ديمقراطية كالانتخابات داخل الاتحادات الشعبية والأحزاب.
2 : كون الشعب الفلسطيني لم يتجاوز بعد مرحلة التحرر الوطني وحركات التحرر الوطني كانت تؤجل قضايا الصراع الاجتماعي والاستحقاقات الديمقراطية إلى ما بعد التحرير ، حيث إن متطلبات مواجهة الاحتلال أكثر أولوية من الصراع على السلطة.
3: غالبية الأحزاب والقوى السياسية القائمة ما زالت محكومة إما ببقايا الفكر الاشتراكي والثوري وهو فكر يؤسس على برادغمات أو مسلمات غير متصالحة مع الفكر الديمقراطي ،أو بفكر الجماعات الإسلامية التي لا تؤمن لا بالديمقراطية ولا بالمشاركة السياسية ولا بالتداول على السلطة سلميا.
4: في ظل حالة الانقسام القائمة فإن انتخابات دون مصالحة وتوافق قد تؤدي لتكريس حالة فصل غزة عن الضفة وتعمق الانقسام السياسي والإيديولوجي.

إن أية مقاربة موضوعية للاستحقاق الانتخابي في مناطق السلطة الفلسطينية ستصل لنتيجة مفادها أن هذه الانتخابات منفصلة عن العملية الديمقراطية وان المخططين الأوائل لها لم يكن هدفهم تأسيس دولة فلسطينية ديمقراطية بل أهداف أخرى أهمها دفع القيادات والنخب للتخلي عن الشرعية الثورية والجهادية وإلزامها بشرعيات تلزمها باستحقاقات دولية وتعاقدية مرتبطة بالتسوية السلمية،وخلق حالة من التنافس والصراع على السلطة بين النخب والأحزاب السياسية تبعدها عن المواجهة الحقيقية مع إسرائيل.

ثانيا: ديمقراطية بدون تداول على السلطة (صراع الديوك).
لا معنى للديمقراطية إن لم تؤد للتداول على السلطة على كافة المستويات سواء تعلق الأمر برأس السلطة والنواب والوزراء أو داخل الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني ،هذا التداول غير ملحوظ في غالبية الأنظمة العربية بما فيها القائلة بالديمقراطية مثلا: مصر ، تونس ،الجزائر واليمن والأنظمة (الديمقراطية) الملكية.ففي هذا النموذج تصبح الديمقراطية كنوع من الملهاة للشعب أو حلبة صراع الديوك.الرئيس أو الملك يحكم مدى الحياة وشخصه مقدس وصلاحياته وسلطته مطلقه وهو أمر يمتد حتى لأسرته وأفراد حاشيته،هذا الزعيم الملهم نتيجة ضغوطات خارجية أو لتجديد شرعيته المأزومة ،يُفسح المجال للشعب والنخب والجماعات للتصارع مع بعضها البعض من أجل مناصب صغيرة لا تؤثر على بنية النظام وتوجهاته .هذا التنافس والتعددية والصراع على السلطة ليس نضالاً ديمقراطيا بالضرورة ما دامت تشتغل ضمن قواعد لعبة يحددها النظام ،وبالتالي يتحول هذا الصراع لما يشبه صراع الديوك في حلبات صراع الديكة،وزاد هذا الصراع حدة بعد دخول بعض جماعات الإسلام السياسي للحلبة.
ثالثا: ديمقراطية بدون ثقافة الديمقراطية (الديمقراطية الشكلانية)
الديمقراطية ثقافة كما هي مؤسسات ولا قيمة لهذه الأخيرة بدون مجتمع مؤمن بثقافة الديمقراطية وقيمها فلا ضمانة لنجاح الديمقراطية وقدرتها على الوصول لأهدافها في صون واحترام كرامة المواطن وحقوقه بدون ثقافة الديمقراطية ،وقد لاحظنا ضعف هذه الثقافة في المجتمعات العربية أو أن هذه الثقافة تواجه تحديات كبيرة من طرف ثقافات تقليدية ودينية ،وهي مغيبة حتى داخل الأحزاب التي تقول بالديمقراطية وتقاتل من اجلها.إن المفارقة في هذا السياق إن الحديث عن الديمقراطية اليوم يتزامن مع ظاهرتين : الأولى، ظاهرة المد الأصولي أو الديني في العالم العربي ومن المعروف أن ثقافة الجماعات الدينية بشكل عام تناصب الديمقراطية العداء ،والثانية عودة ظاهرة الانقلابات العسكرية ولكن هذه المرة بشعارات ديمقراطية مما يفتح المجال للتساؤل إلى أي حد يمكن أن يكون العسكر والعنف السياسي بشكل عام مدخلا للانتقال الديمقراطي وخصوصا أن هنتنغتون اعتبر انقلاب العسكر في البرتغال بداية التحول للديمقراطية؟. هذه الظاهرة موجودة في إفريقيا أما في العالم العربي فتعد موريتانيا نموذجا لها .

رابعا:ديمقراطيةحلبة المصارعة بين الطوائف والإثنيات (ديمقراطية تفكيك الأمة)
التجربة التاريخية تفيدنا بان الديمقراطية تبدأ من النخبة ثم تنتقل للشعب،وإن التقدم تحو الديمقراطية يتواكب مع صهر وإذابة الانتماءات الطائفية والإثنية في إطار المواطنة ،فالانتماء الأكبر للوطن يضعف الانتماءات الصغرى ،ولكن الفرق بين التجربة التاريخية في هذا السياق والحالة العربية أن النخبة الأوروبية التي قادت العملية الديمقراطية كانت تؤمن بفكر وثقافة الديمقراطية فيما النخب العربية التي تتحدث عن الديمقراطية ،بعضها مؤمن بالديمقراطية ولكن غالبيتها توظف خطاب الديمقراطية كايدولوجيا حتى تتسيد على الشعب باسم الديمقراطية،ومن جهة أخرى فبدلا من أن تؤدي الديمقراطية لتكريس مبدأ المواطنة بما يؤدي لإذابة أو إضعاف انتماءات ما قبل الدولة ،نلاحظ أن ما أتاحته الديمقراطية من حريات استنهض الطائفية، محولا الطوائف إلى طائفية مما أدى لتعزيز الطائفية والعرقية حيث تحولت الديمقراطية كفضاء لصراع النخب والطوائف على حساب وحدة الأمة.لو كان الأمر يتعلق بأن تكون الديمقراطية مدخلا للاعتراف بالحرية الثقافية للأقليات لكان الأمر مقبولا ولكن ما يجري هو توظيف الحريات كمدخل للإقصاء ولتفتيت وحدة الأمة.وللمفارقة فإن الحديث عن مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يفترض أنه يؤسس للديمقراطية بما هي تعزيز لمفهوم المواطنة والتعايش السلمي بين مختلف فئات المجتمع ،تزامن مع سياسة (الفوضى البناءة) التي تبنتها الإدارة الأمريكية في نفس الفترة ،مما يفرض طرح السؤال : هل تريد واشنطن من دمقرطة الشرق الأوسط تأسيس ديمقراطية حقيقية أم خلق فوضي مدمرة لوحدة المجتمعات العربية ؟

خامسا: ديمقراطية تعيد إنتاج مجتمع العبودية
بالرغم من التوجهات المتواضعة التي تلامس تخوم الديمقراطية في بعض دول الخليج العربي كالانتخابات ووجود برلمان ودستور ،إلا أن التحول نحو الديمقراطية سيبقى في إطار نخبوي ضيق أي مقتصرة على المواطنين الأصليين وهذا يعني أن حوالي 80% من الساكنة مجرد رعايا وخارج العملية الديمقراطية ،وهذا يذكرنا بديمقراطية أثينا حيث كان مفهوم المواطنين الذين تشملهم العملية الديمقراطية لا تتجاوز ربع ساكنة المدينة بعد استبعاد النساء والعبيد والأجانب،ويبدو أن المجتمعات الخليجية تشكل حالة غير مسبوقة تاريخيا من حيث نسبة المقيمين الأجانب لعدد السكان الأصليين وهذا ما يخلق خصوصية عند الحديث عن استحقاقات ومفردات الديمقراطية كمفهوم الشعب والمواطنة والحرية والأغلبية والأقلية وإرادة الأمة الخ.
إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الديمقراطية ليست فقط مؤسسات وآليات شكلانية:برلمان وانتخابات ودستور الخ،بل ثقافة أيضا، وثقافة وقيم الديمقراطية أهم من المؤسسات حيث لا تخلو دولة في العالم من مؤسسات شبيهة بما يوجد في الديمقراطيات الغربية-،فالسؤال الذي يفرض نفسه ما محتوى ثقافة وقيم الديمقراطية التي ستحدد وتحكم وتنظم العلاقة بين الشعب (الأقلية) والمقيمين (الأغلبية)؟.
الثقافة كل مركب من عادات ولغة ونمط معيشة الخ، كل ذلك في دول الخليج لا تعبر عن لا ثقافة وطنية ولا ثقافة ديمقراطية.ما دام هناك رخاء وثروة نفطية قد يصمت الأجانب على استبعادهم من الحياة السياسية وبحقوق أقل من المواطنين،ولكن ما هو الحال إن تراجع الاقتصاد الخليجي ؟ لن يكون من السهولة عودة ملايين الأجانب إلى بلدانهم وآنذاك قد يقاوموا قرارات الإبعاد وقد يطالبوا بحقوق مكتسبة من الإقامة الطويلة والمساهمة في بناء دول الخليج.تجارب تاريخية تقول بأنه حتى العبيد يمكن أن يثوروا إن لم يشعروا بأن لهم حقوق إنسانية ونذكر هنا بثورة العبيد التي قادها سبارتاكوس عام 72 ق.م تقريبا على روما .

المطلب الثاني :انسحاق الديمقراطية ما بين مطرقة الأنظمة وسندان الإسلاموفوبيا
ما بين مطرقة السلطة وسندان جماعات إسلام سياسي أنتجت ظاهرة الإسلاموفوبيا، تم سحق الأوطان والقوى الديمقراطية الحقيقية في العالم العربي.انسحاق الأوطان التي تشكل فضاء للحرية والمساواة والعيش الكريم لكل مكونات الشعب دون تمييز طائفي أو عرقي،وانسحاق القوى التي ناضلت لعقود للانعتاق من ربقة الاستبداد والتخلف والمتطلعة للحداثة والتقدم واحترام حقوق الوطن والمواطن وتحويل الشعب من ساكنة ورعايا إلى مواطنين وتحويل الأرض التي يقيمون عليها من محل إقامة إلى وطن يفتخرون بالانتساب إليه والعيش فيه.
كل مراقب لأوضاع العالم العربي سيلاحظ ارتكاسة الفكر والواقع العربي من فكر يدعو للتقدم والتحرر والوحدة العربية إلى فكر طائفي وقبلي أو وطني مأزوم يجاهد للحفاظ على تماسك الدولة الوطنية حتى في ظل استبداد أنظمة الحكم القائمة ،هذه الأخيرة التي باتت تبرر استبدادها واستمرارها بالحكم بذريعة الحفاظ على الوحدة الوطنية ومواجهة المخططات الخارجية ومواجهة التطرف الديني!. في ظل ما يسمى بالانتقال الديمقراطي والانتخابات التي تحولت لأداة لشرعنة الطائفية والإثنية والاستبداد وتأكيد حضورها كحقيقة يجب التسليم بها أرتكس الواقع العربي لمزيد من الفقر وتدهور العدالة الاجتماعية و لحالة من الفتنة والطائفية والإثنية تتعايش بل تتعاظم.
المراقب للانتخابات التي جرت خلال العقدين الأخيرين سواء من حيث القوى المتصارعة على السلطة أو الفائزة في الانتخابات سيلمس ضعف حضور القوى السياسية – أحزاب وشخصيات- الوطنية والقومية التي كان لها دور الريادية في مواجهة تسلط الأنظمة ،حيث باتت الحياة السياسية اليوم شبه ثنائية قطبية ، النظام السياسي وحزبه ونخبه من جانب وجماعات الإسلام السياسي من جانب آخر،المراقب سيلمس ضعف الروح والفكرة الوطنية الجامعة عند الأطراف الكبرى المتصارعة على السلطة،الأمر الذي أدى لأن تفقد الأحزاب والحركات السياسية ثقة الجمهور بل بات الجمهور ينظر لها كعبء على الحالة الوطنية.
لم تكن الحياة السياسية العربية أرضا يبابا تسودها الدكتاتورية والاستبداد والجهل قبل ظهور جماعات الإسلام السياسي وصراعها مع أنظمة الحكم القائمة.لعقود والديمقراطيون الحقيقيون يناضلون بكل أشكال النضال ضد أنظمة الاستبداد بكل تلاوينها الرجعية اليمينية و(الثورية التقدمية )،من المغرب إلى مصر وسوريا والعراق ومن عُمان إلى السودان والصومال .ربما لم تكن الديمقراطية العنوان الأبرز للمناضلين الأوائل ،ولم تكن الانتخابات الوسيلة الوحيدة لمقارعة السلطة الحاكمة ولاختبار قوة الحضور الجماهيري، ولكن نضالاتهم كانت تصب في جوهر النضال الديمقراطي ما دامت من أجل الحرية وضد الاستبداد ،لقد سيِّروا المظاهرات وقاموا بالاعتصامات وحملوا السلاح أحيانا ودخلوا السجون والمعتقلات واستشهد كثيرون دفاعا عن كرامة وحرية الوطن والمواطن .خلال هذه المسيرة الطويلة الممتدة ما بعد الاستقلال مباشرة حتى نهاية الثمانينيات راكم المناضلون إنجازات مهمة حيث ساهمت في إثارة الرأي العام وخلقت حالة من الوعي الجماهيري دفعت الأنظمة لتخفيف قبضتها الأمنية و للتفكير بمصالحة قوى المعارضة ومحاولة استمالتها .خلال هذه المسيرة لم تكن جماعات الإسلام السياسي جزءا من الحركة النضالية الشعبية التقدمية والديمقراطية المتصادمة مع أنظمة القمع والاستبداد.بعض الجماعات الإسلامية كحزب التحرير وبعض فروع الإخوان المسلمين دخلت بمواجهات ساخنة مع أنظمة عربية ولكنها لم تكن تندرج ضمن النضال الديمقراطي بل كانت أقرب لمحاولات الانقلاب على السلطة للهيمنة عليها وتطبيق الإيديولوجية الدينية لهذه الجامعات وهي أيديولوجيا غير متصالحة مع الديمقراطية بل كانت آنذاك تنظر بريبة للديمقراطية و الديمقراطيين.
كانت نقاط التباعد ما بين جماعات الإسلام السياسي وأنظمة الحكم لا تقل عن نقاط التباعد بينها وبين القوى التقدمية والديمقراطية ،وفي كثير من الحالات كانت الجماعات الدينية تأخذ موقع المحايد المراقب لما يجري من تصادم بين الأنظمة ومعارضيها من السياسيين ،وبعضها كان اقرب لمواقف الأنظمة لأنها لم تكن تؤمن بالديمقراطية وثقافتها وأحيانا كانت تنظر للقوى الديمقراطية باعتبارها علمانية وكافرة ،وقد وظفت بعض الأنظمة جماعات إسلامية لمحاربة معارضيها التقدميين والديمقراطيين .
صحيح أن جماعات الإسلام السياسي وخصوصا الإخوان المسلمين واجهت في بعض المراحل الأنظمة وعانت من الأنظمة وكانت تريد تغيير الوضع القائم ولكن لم يكن واردا عندها تأسيس نظام ديمقراطي يؤمن بالمشاركة والتعددية السياسية ،كانت تريد إحلال استبداد أنظمة وضعية باستبداد أنظمة دينية،ومن هنا لاحظنا أن جماعات الإسلام السياسي لم تدخل في تحالفات ثابتة مع القوى السياسية الديمقراطية والتقدمية في أي دولة عربية،وكنا وما زلنا نسمع عن القوى الإسلامية والقوى الوطنية أو القومية ،ونسمع عن الصحف الإسلامية والصحف الوطنية والقومية ،لم يكن مفهوم الوطن والهوية والثقافة عند الجماعات الإسلامية يتوافق مع مفهومهم عند القوى الوطنية والقومية والتقدمية –ما لاحظناه أخيرا في مصر من تنسيق بين الأخوان المسلمين وقوى تقدمية ووطنية بعد الانتخابات لا يعدو كونه ردود فعل انفعالية على نتائج الانتخابات أكثر مما هي مؤشر على تحالف دائم -.
ما كان يبدو حراكا ديمقراطيا في العالم العربي كان يخفي دوافع غير ديمقراطية عند القوى الرئيسة الكبرى في هذا الحراك ،حيث تم نزع راية النضال الديمقراطي ومصادرة الفكرة الديمقراطية المنبثقة من الإرادة الحرة للشعب بالتغيير الديمقراطي من يد الديمقراطيين الحقيقيين لتتسلمها أو تستلبها أطراف تقول بالديمقراطية ولا تؤمن بها . الديمقراطيون الحقيقيون في العالم العربي تمت محاصرتهم من ثلاثة قوى:أنظمة الحكم ونخبتها، جماعات إسلام سياسي لا تؤمن بالديمقراطية ،واشنطن ورؤيتها لديمقراطية تخدم سياسة ( الفوضى البناءة ) في المنطقة . لا شك أن الجماعات الإسلامية ليست على نفس الدرجة في اقترابها من الديمقراطية وبالتالي ليست على نفس الدرجة في صدقها بالدخول في العملية الانتخابية.بعض جماعات الإسلام السياسي وطَّنَت أيديولوجيتها الدينية وعقلنت خطابها بحيث بات أكثر تسامحا وقبولا بالآخر ،هذه الجماعات تقبل مبدأ الشراكة السياسية ومستعدة للعودة لصفوف المعارضة إن خسرت الانتخابات ،إلا أن جماعات أخرى دخلت الانتخابات بروح جهادية أو بعقلية الغزو والفتح،دخلت الانتخابات ليس إيمانا بالديمقراطية ولكن كوسيلة للسيطرة على السلطة بعد أن فشلت في الوصول إليها بوسائل أخرى،ولذلك نجد هذه الجماعات توظف كل ما لديها من إمكانيات مالية ولوجستية وخطاب ديني متشنج لكسب الانتخابات وفي حالة نجاحها لن تسمح بانتخابات أخرى.
ومع ذلك فإن ما وصلت إليه الأوضاع العربية من انسداد أفق على كافة المجالات وما وصلت إليه الأنظمة من ترهل ومن تباعد عن مصالح الجماهير الشعبية يتطلب إفساح المجال لكل القوى السياسية للمشاركة في الحياة السياسية لأنه لا يُعقل أن تكون شعوبنا عاقرا وغير قادرة على إنتاج قيادات جديدة ونخب جديدة ،فعقود من النضال السياسي متعدد الجبهات والانفتاح غير المسبوق على العالم الخارجي جعلت الجماهير العربية أكثر إدراكا ووعيا لمصالحها وحقوقها وأكثر جرأة على مقاومة الطغيان وما يجري في تونس والجزائر ومصر والسودان واليمن مؤشر على الثمن الذي يمكن أن تدفعه الأنظمة إن تجاهلت مصالح شعوبها وأعاقت الممارسة الديمقراطية الحقيقية وهو ثمن ستدفعه أيضا الدولة الوطنية ليس فقط كنظام حاكم بل كوجود .
صحيح أن خطاب وشعارات بعض جماعات الإسلام السياسي تثير القلق بل والرعب ،ولكن الغرب الاستعماري وأنظمة الحكم يضخموا وبشكل مبالغ فيه من خوف الجمهور من هذه الجماعات ليس دفاعا عن المصلحة الوطنية أو لان هذه الجماعات تشكل بالفعل تهديدا للمصلحة والوجود الوطني بل لخوف الأنظمة ونخبتها من فقدان مواقعها وامتيازاتها،كما أن الأنظمة توظف فزاعة الإسلام السياسي –الإسلاموفوبيا- لقطع الطريق حتى على القوى التقدمية والديمقراطية الحقيقية.لقد رأينا كيف أن الخاسر في الانتخابات الأخيرة في مصر وقبلها الأردن والمغرب والكويت والعراق ليست جماعات الإسلام السياسي فقط بل كل القوى الديمقراطية الحقيقية ومجمل المسار الديمقراطي.
حالة الاستقطاب ما بين أحزاب السلطة وجماعات الإسلام السياسي ،وتراجع شعبية وفاعلية الأحزاب السياسية بشكل عام عززا من قوة حضور المجتمع المدني وقطاع الشباب غير المسيسين ،هذه القوى الصاعدة باتت أقوى من الأحزاب من حيث قدرتها على تحريك الشارع وهذا ما لمسناه في الثورة التونسية وفي الثورة المصرية أيضا.

المطلب الثالث: انقلاب الانتخابات على أصولها الديمقراطية
ارتباطا بما سبق ،فعندما تختزل الديمقراطية بالانتخابات وتكرس هذه الأخيرة سيطرة الحزب الحاكم والرئيس الأبدي وتنتج برلمانا بدون معارضة وتعيد أنتاج نفس النخب المسيطرة،وعندما تتواكب الانتخابات مع القهر والفتنة والفوضى وتفتح المجال لتدخل قوى أجنبية ،وعندما تؤدي الانتخابات إلى تعزيز واستنهاض الطائفية والعرقية والقبلية والعائلية وزيادة بؤس ومعاناة الشعب ، فهذا مؤشر على انحراف الانتخابات عن وظيفتها الديمقراطية وعن ردة ديمقراطية تحتاج لمزيد من الدراسة والبحث. الانتخابات والديمقراطية الشكلانية والموجهة في العالم العربي انقلبت على ماهيتها ووظيفتها الأولى بحيث أصبحت أداة لوأد الديمقراطية وتهميش الديمقراطيين الحقيقيين،والنتيجة الحتمية لكل ذلك هو ما نشهده في تونس والجزائر ومصر وحالة انسداد الأفق في بقية البلاد العربية .
صحيح، إن مأزق الديمقراطية الشكلانية وتعثر الانتخابات في إحداث عملية انتقال ديمقراطي سلمي بات ظاهرة عرفتها أكثر من دولة، أخرها ساحل العاج، ولكنها في العالم العربي وخصوصا في مشرقه من فلسطين إلى العراق ومصر وقبلهم الجزائر ،أكثر خطورة ودلالة مما هي في بقية العالم . تعثر الانتخابات والانتقال الديمقراطي في بعض الدول الإفريقية يمكن فهمه لقرب عهد هذه الدول بالديمقراطية وبالمسألة الانتخابية،ومع ذلك فالانتخابات تؤسس هناك لبدايات ممارسة ديمقراطية ،أما في الدول العربية التي لها تجارب سابقة من ممارسة الانتخابات والحياة البرلمانية وبعضها منذ بدايات القرن العشرين،وبما لها من إمكانيات مالية وانفتاح نخبها على الغرب وثقافته وتجربته الديمقراطية ،فإن مؤشرات مقلقة لا تخفيها العين تشير لتراجع عن كثير من المنجزات الديمقراطية التي تحققت سابقا وتشير لمحاصرة الديمقراطيين الحقيقيين ،يجري ذلك باسم الديمقراطية وبتوظيف احد أدواتها – الانتخابات - .
وكما سبقت الإشارة فإن ما استجد أخيرا على المشهد السياسي في العالم العربي، زعم جميع الأنظمة بأنها ديمقراطية أو لا تعارض الانتقال إلى الديمقراطية ولكن كل منها بطريقتها الخاصة، حيث لكل نظام عربي ديمقراطيته الأبوية الخاصة به.كانت الانتخابات والاستفتاءات على شخص الرئيس المرشح الأوحد (حامي حمى الأمة وراعي الديمقراطية ) ،مدخل جميع الأنظمة لولوج عالم الديمقراطية بحيث تم تعميم الانتخابات وخصوصا التشريعية والأخذ بها من طرف غالبية الأنظمة العربية مع تراجع المكونات الأخرى للديمقراطية ،حتى يجوز القول بأنه تم اختزال الديمقراطية بأحد أدواتها – الانتخابات - ،وتهميش كل مقومات الديمقراطية الأخرى وخصوصا ثقافة الديمقراطية والتربية الديمقراطية والإيمان بالتعددية وقبول الآخر والتوافق المسبق على ثوابت ومرجعيات الأمة التي لا تخضع للعملية الانتخابية وأخيرا كون الديمقراطية تعبيرا حرا عن إرادة الأمة وليس خضوعا لإملاء قوى خارجية لا يعنيها دمقرطة المجتمع بل خلق الفتنة ،تحولت الانتخابات من أداة لهدف بحد ذاته ،من أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية التي يفترض أن الديمقراطية ما قامت إلا لأجلها لهدف من خلاله يتم تكريس النظام القائم وشرعنة الاستبداد والاستغلال وكأن الانتخابات وجدت من اجل إضفاء شرعية دستورية على الحكام وليس من أجل الشعب.
حتى على مستوى العملية الانتخابية، فعندما قررت الأنظمة -برضاها أو بسبب الضغوط الخارجية –التعامل مع الاستحقاق الانتخابي تعاملت معه كمجرد آلية ميكانيكية إحصائية لتحديد من يحصل على أكبر نسبة من الأصوات،آلية يمكنها التحكم فيها وضمان نتائجها ،وتجاهلت هذه الأنظمة أن الانتخابات ثقافة أيضا،ثقافة المواطن وثقافة القائمين والمشرفين على عملية الانتخابات ،إنها الاختيار الحر للشعب ،الواعي والمدرك لفعله ولنتائجه،في المشاركة السياسية.لقد شكلت اللعبة الديمقراطية الشكلانية ليس فقط غطاء للاستبداد وملهاة للقوى السياسية ومدخلا للقوى الشعوبية لشرعنة وجودها بل حلت أيضا محل الفكر والنضال الثوري والتقدمي مهمشة كل المنظومة الفكرية التحررية والتقدمية والوحدوية التي طبعت الفكر العربي في مرحلة ما بعد الاستقلال مباشرة.
من خلال العملية الانتخابية الحقيقية يمكن قياس حضور وشعبية الأحزاب والقوى السياسية وإتاحة الفرصة للشعب للمشاركة السياسية بطريقة مباشرة من خلال الوصول للمؤسسات التشريعية أو بطريقة غير مباشرة باختيار من يمثلهم ،وبالانتخابات يتم إعمال مبدأ التداول السلمي على السلطة بين قوى تؤمن بالديمقراطية ومستعدة للتخلي عن السلطة في الجولة القادمة للانتخابات إن فقدت ثقة الشعب،وأهم من ذلك، فإن الانتخابات تعتبر لحظة مفارقة ومتميزة في حياة المواطن ففيها يشعر المواطن بأنه سيد وصاحب قرار في تحديد من سيتولى السلطة ،المرة والفرصة الوحيدة التي يتودد فيها الكبار للمواطن ليمنحه صوته .
عندما نُحيل الانتخابات - بالمفهوم المشار إليه أعلاه - إلى الديمقراطية ونربط هذه الأخيرة بالثقافة الديمقراطية وبحرية المواطنين بالتعبير الحر عن إرادتهم إنما لتحرير الانتخابات من حالة الابتذال التي صارت عليها العملية الانتخابية في الدول العربية حيث اختزلت لمجرد ماكينة أو عملية حسابية .في الانتخابات الديمقراطية الحقيقية لا يُعد عدد المشاركين بالانتخابات أو عدد الأحزاب المشاركة المقياس الوحيد على وجود ديمقراطية من عدمه ،أيضا لا تعتبر الشعارات المرفوعة أو الأموال المهدورة على العملية الانتخابية مقياسا على وجود الديمقراطية .المقياس على وجود انتخابات ديمقراطية هو توفر الإرادة الحرة للمواطن في التعبير عن رأيه من خلال ورقة الانتخاب بحرية لا أن يكون مضطرا لبيع صوته برغيف خبز أو بحفنة من المال أو تحت الترهيب والضغط أو تحت بريق شعارات وأيديولوجيات مخادعة.الانتخابات في بلادنا العربية لم تعد تنافسا حرا بين مواطنين أحرار،يدركون ما لهم من حقوق وما عليهم من التزامات لتمثيل الأمة بل باتت صراعا بين أصحاب المال والنفوذ للهيمنة على السلطة لخدمة مصالح فئوية وحزبية لا مصالح الأمة ،وسط هذا الصراع ولخدمته يتم توظيف كل الأيديولوجيات من طرف كل من هب ودب بشكل مبتذل وتوظيف أموال منهوبة من الشعب أو جاءت من مصادر مشبوهة ،أما غالبية الجماهير الشعبية المسحوقة والمُضَللة والتي تدعي القوى المتصارعة على السلطة بأنها تمثلها وتنطق باسمها ، فتتحول لمجرد أدوات ينتهي مفعولها بانتهاء العملية الانتخابية.
إن الملاحظ لمجريات الأحداث المرتبطة بالمسار الديمقراطي الذي تم اختزاله بالماكينة الانتخابية منذ الانتخابات التشريعية في الجزائر في ديسمبر 1992 مرورا بالانتخابات التي جرت في المغرب وتونس والأردن والكويت والبحرين وفلسطين الخ– مع أن للانتخابات الفلسطينية خصوصية داخل الخصوصية العربية - وانتهاء بالانتخابات المصرية بداية ديسمبر 2010،سيلاحظ أن الصراع أو التنافس لم يكن على أساس برامج سياسية واجتماعية وحول مفاهيم ومفردات الديمقراطية بل كانت مواجهة مكشوفة بين السلطة وأعوانها ونخبها من جانب ومعارضة إما ضعيفة وممزقة أو غير متصالحة مع الديمقراطية كالجماعات الإسلامية من جانب آخر،أما الأحزاب والقوى السياسية الديمقراطية العريقة فبالكاد كان يُسمع صوتها أو لها تأثير في مجريات العملية الانتخابية أو نتائجها، والأدهى من ذلك أن بعض هذه القوى كانت تضطر للتحالف إما مع النظام وحزبه أو مع جماعات الإسلام السياسي مع علمها بان كلا الطرفين لا يؤمن بالديمقراطية إيمانا صحيحا. أيضا فإن المنعطف الخطير الذي تسير فيه الانتخابات أنها باتت تنافسا بين قوى وأحزاب بدون مرجعية وثوابت قومية توحدها،لم تعد انتخابات وتنافس بين برامج في إطار ثوابت ومرجعيات بل تنافسا وصراعا على الثوابت الوطنية ذاتها،فيما ثوابت الأمة يجب ألا تخضع للتنافس الحزبي ولنتائج الانتخابات بقدر ما تحتاج لتوافق كل القوى السياسية والاجتماعية.ارتداد الانتخابات في العالم العربي على أصولها يعكس أزمة ديمقراطية ولا شك ولكنها تعكس أيضا أزمة مشروع وطني وأزمة ثقافة وهوية .
ما جرى في تونس ومصر وبقية البلدان العربية هو نتيجة تراكم فشل الديمقراطية الأبوية والموجهة ،إنه حصاد الديمقراطية الشكلانية ، الديمقراطية الملهاة التي غطت على القضايا الحقيقية للأمة وحالت دون بناء الدولة والمجتمع والنظام على أسس المواطنة الصحيحة. ما يجري أزمة دولة ومجتمع وهو مؤشر على فقدان ثقة الشعب بالانتخابات كآلية للتغيير وفقدان ثقة الجماهير بالقوى والهياكل السياسية القائمة وقد يكون بداية مرحلة جديدة تقرر فيها الجماهير انتزاع حقها بيدها وهذا معناه العودة لنقطة الصفر،إلى مرحلة ما قبل مسرحية الانتخابات ،ولا نستبعد أن تفكر القوى التي فقدت ثقتها بالانتخابات وفشلت بولوج السلطة من بوابة الانتخابات بالبحث عن سبل أخرى كاللجوء للعنف أو الانقلابات العسكرية.




المبحث الثاني
سسيولوجيا الثورة في العالم العربي

الثورة كحدث سياسي واجتماعي وثقافي يمنحها خصوصية ،وحيث لا مجتمع يتطابق مع مجتمع آخر فلا يجب أن نتصور ثورة تتشابه تمام التشابه مع ثورة أخرى .صحيح أن الفقر والبطالة من أهم أسباب الثورات ،ولكن الفقر والبطالة لا يشكلا دافعا للثورة إلا إذا أحس الناس بأنهم فقراء وان هناك أغنياء يستغلونهم وهنا يأتي دور الثقافة السياسية والوعي السياسي،أيضا سمعنا من وصف الثورة التونسية والثورة المصرية بأنها ثورة الفيسبوك والفضائيات وفي هذا تقليل من شأن الثورة ،لا شك ان تقنيات التواصل الحديثة سهلت الأمر على الشعب وعلى الثوار لتواصل أسرع وأوسع بعيدا عن رقابة السلطة ،ولكن تقنيات الاتصال الحديثة موجودة في كثير من البلدان وبنسبة انتشار أكثر من مصر وتونس ومع ذلك لم تحدث ثورة .
ما يجري في العالم العربي من ثورات أو إرهاصات ثورات يحتاج لمزيد من الاهتمام والدراسة ،فثورات اليوم ليست ثورات الأمس ،وثقافة الخضوع والطاعة التي تنسب للمجتمعات العربية الإسلامية يبدو إنها في طريق التلاشي،وثقافة الشباب أو جيل اليوم ليست ثقافة جيل الخمسينيات والستينيات .

المطلب الأول: ماضي العالم العربي: (ثورات) بدون ثورة وانقلابات دون تغييرات
عرف العرب في تاريخهم الحديث مصطلح الثورة في بداية القرن العشرين حيث أطلق أسم (الثورة العربية الكبرى) على الحركة السياسية والعسكرية التي قادها الشريف حسين والي مكة عام 1915 ضد الخلافة العثمانية في تحالف مع بريطانيا التي كانت تخوض آنذاك حربا ضد الدولة العثمانية .إلا أن هذه (الثورة) أجهضتها وتآمرت عليها بريطانيا حليفة الشريف حسين من خلال اتفاقات سايكس – بيكو 1916 و وعد بلفور 1917 ثم الاستعمار المباشر الذي اخذ اسم الانتداب. التجربة العربية مع الثورة ما بعد الاستقلال لم تكن موفقة كثيرا حتى أن قطاعات كبيرة من المجتمعات العربية شعرت بأنه غرر بها من طرف من قاموا بالثورات والانقلابات وباتت تحن لعهد الملكية لما كان يوفره من حرية واستقرار عير متوفرين في ظل أنظمة الثورة،وبات الجمهور يتساءل عن جدوى قيام الثورات ضد الأنظمة الملكية ما دامت أحوالهم لم تتغير كثيرا وما دام (الثوار) يفكرون بالتوريث لأبنائهم.
غالبية (الثورات) التي قام بها عسكريون كانت انقلابات فوقية لم تشارك الجماهير في حدوثها ولم تتحسن حياتهم كثيرا بعد قيامها.بعض المجتمعات العربية حكمها منذ الاستقلال حتى اليوم أنظمة حكم كلها جاءت عن طريق انقلابات أطلق عليها أسم الثورة ولم يتغير حال الشعب كثيرا إلا شكليا حيث يتم الانتقال أحيانا من النظام الملكي للنظام الجمهوري على مستوى المسمى والعلم والنشيد الوطني ،ويتم تحويل القصر الملكي لقصر رئاسي، وتحويل الحرس الملكي إلى حرس جمهوري، ويتم إحلال نخبة بنخبة لا تقل فسادا عن سابقتها وإحلال أجهزة قمعية بأجهزة أكثر قمعا تحد من حرية الشعب باسم الثورة والمصلحة الوطنية ،المصلحة الوطنية كما يراها النظام وليس المصلحة الوطنية كما يراها الشعب .لم يشهد أي نظام من أنظمة الثورة تداولا على السلطة لا على مستوى الحزب الحاكم ولا على مستوى الرئيس وفي بعض الأنظمة تحول القائد الثوري إلى أكثر من ملك سواء على المستوى البروتوكولي أو على مستوى الترف والبذخ أو بالنسبة للرغبة بتوريث السلطة للأبناء.
لا يعني ما سبق التقليل من أهمية الهبات وحتى الانقلابات العسكرية أو تحميل الفكر العربي الثوري والقومي وزر مرحلة بكاملها . لا شك بوجود أمور إيجابية لبعض أنظمة الثورة والتقدمية وخصوصا ثورة يوليو 1952 في مصر، ولكن الخلل أن دعاة الثورة والثورية تعاملوا مع الثورة وكأنها حالة متواصلة غير مميزين ما بين الثورة كأداة ونهج لهدم أنظمة فاسدة من جانب ومرحلة البناء التي تحتاج إلى فكر وممارسات ليست بالضرورة هي فكر وممارسات مرحلة التهيئة للثورة والقيام بها من جانب آخر. الثورة مرحلة حيث لا يمكن أن يستمر شعب في حالة ثورة مستمرة ،مرحلة تتميز بدرجة عالية من العنف واستنفاذ الجهد الشعبي ورفع الشعارات الكبيرة لأنها وضع استثنائي لتحقيق غرض هو بالأساس إسقاط أو تغيير وضع قائم لا يرضى عنه الشعب ،هدفها الأساسي توظيف حالة التذمر الشعبي وحالة الكراهية والفقر والكبت التي تعاني منها الجماهير لتغيير وتدمير سبب شقاء الشعب أو من يعتبرهم قادة الثورة السبب ،الثورة في البداية تتعامل مع عواطف الجماهير أكثر مما تتعامل مع عقولهم ،ولكن لا يمكن للشعب أن يستمر في حالة ثورة مستمرة ، كل (الثورات )العربية نجحت في عملية الهدم لأنها عملية سهلة قد تقتصر على انقلاب عسكري أو اغتيال الملك أو الرئيس ثم يقال لقد نجحت الثورة -غالبية ما نسميها ثورات في مجتمعاتنا العربية هي في الحقيقة انقلابات أو مؤامرات عسكرية لان الشعب لا يعلم بـ (الثورة ) إلا بعد حدوث الانقلاب وتغيير نظام الحكم أو رأس النظام فقط وإذاعة البيان الأول عبر الراديو أو التلفزيون.
سواء كانت ثورة أو انتفاضة أو انقلابا فإنها في العالم العربي لم تكن واضحة من حيث حمولتها الطبقية باستثناء ثورة يوليو 52 في مصر التي رفعت شعارات القضاء على الإقطاع وأعادت الاعتبار لطبقة العمال والفلاحين والبرجوازية الصغيرة .الشعب كان يريد التغيير ولكنه يريده تغييرا ملموسا في مستوى المعيشة والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية وليس تغييرا في الشعارات والأيديولوجيات فقط ،وقد رأينا كيف أن إيديولوجيات ثورية وقومية واشتراكية أسست لأسوء أشكال الاستبداد. إن شعبا جائعا فقيرا مهانا متخلفا لا يحتاج إلى كثير جهد حتى يَقذف نفسه في آتون الثورة ،إنه في حالة ثورة مستمرة حتى ضد نفسه ، وكم هم واهمون ومدعون أولئك الذين ينسبون إلى أنفسهم صفات الذكاء والعبقرية والقيادة الحكيمة لأنهم استطاعوا أن يصلوا إلى السلطة عن طريق انقلاب عسكري موظفين خطاب الثورة والتغيير ،إن من يدعون لأنفسهم فضيلة قيادة ثورة ما هم إلا الأكثر ديماغوجية والأكثر قدرة على التلاعب بعواطف جموع جاهلة فقيرة مقهورة،لأن السؤال الذي يفرض نفسه ماذا بعد الفوضى والانقلاب المُسمى ثورة ؟ ماذا بعد إسقاط النظام القديم ؟ من يبني المجتمع الجديد سياسة واقتصادا وثقافة بشكل أفضل من المجتمع القديم ؟.
مع تحولات النظام الدولي بعد انهيار المعسكر الاشتراكي، تعرض الفكر الثوري والحركات الثورية لنكسة، حيث أن الثورات التي شهدها العالم وخصوصا خلال القرن العشرين، كانت تحضا بدعم المعسكر الاشتراكي وحركة التحرر العالمية وكانت ترفع شعارات معادية للرأسمالية والإمبريالية ولكن الديمقراطية لم تكن هدفا لها أو على الأقل لم تكن على سلم اهتماماتها وظهر ذلك من خلال تشكيل الانقلابيين (الثوار ) مجلس عسكري للحكم يسمى مجلس قيادة الثورة يحتكر السلطة ومهمشا القوى السياسية الأخرى. مع انهيار المعسكر الاشتراكي وتسيد الولايات المتحدة على العالم أصبح ما تبقى من الحركات الثورية تعيش أزمة كبيرة، فمثلا الثورة الفلسطينية التي لم تستطع أن تنجز مشروعها التحرري في ظل الثنائية القطبية تتعرض اليوم لتحديات كبيرة وهي تواجه إسرائيل من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر. ومن جهة أخرى فإن تراجع الأيدلوجية الثورية الاشتراكية والقومية أفسح المجال لحركات ثورية بمحتوى ديني (جهادية)، وهذا حال حركة طالبان الأفغانية وتنظيم القاعدة بقيادة أسامة أبن لادن والثورة الإيرانية بقيادة الخميني نهاية السبعينيات، وحزب الله في لبنان وحماس وحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.بالرغم من أن البعض زعم بأن انهيار المعسكر الاشتراكي سيؤدي لنهاية الحركات الثورية وكل النظم المغايرة للرأسمالية، وهو ما وصفه فرانسيس فوكوياما صاحب هذا الطرح ب (نهاية التاريخ)، إلا أن منطق الأمور والطبيعة الإنسانية يؤكدا بأنه حيث يكون ظلم لا بد أن تكون ثورات وحروب بغض النظر عن المحتوى الإيديولوجي لهذه الثورات، وإن غابت الأسباب الأيديولوجية للثورة فستكون أسبابها اقتصادية أو قومية أو دينية.
إلى ما قبل الثورة التونسية والمصرية كانت جماعات الإسلام السياسي على رأس القوى المطالبة بالتغيير وهي جماعات وإن كانت تلتقي مع الثورة من حيث الرغبة في التغيير إلا أن غالبيتها تقوم على أيديولوجية لا تعترف بالآخر ولا تؤمن بالوطنية والمشروع الوطني ولا بالديمقراطية ، كما تستعمل أدوات عنيفة ودموية أحيانا، أيضا تفتقر لرؤية حضارية وواقعية لما بعد هزيمة الأنظمة القائمة.ومع ذلك فقد نجحت بعض الحركات الإسلامية في إحداث ثورة متصالحة مع متطلبات الحضارة والحداثة كما جرى مع ثورة الخميني ضد سلطة الشاه في إيران،في المقابل فبعض هذه الحركات ما زالت تثير كثيرا من النقش حول جدواها للأمة وحتى للرسالة السماوية التي تدعي تمثيلها ،وهذا هو حال تنظيم القاعدة والجماعات الجهادية في أفغانستان وبعض الجماعات في العراق الجزائر والمغرب ومصر. ولكن مع الثورتين التونسية والمصرية انكشفت حقيقة آن غالبية الشعب ليس مع الإسلام السياسي،جماعات الإسلام السياسي ولأنها تملك قوة الإعلام والتنظيم ولديها إمكانيات مالية ضخمة وبسبب لجوئها للعنف فإن صوتها هو الأعلى ،قد تكون اكبر الأحزاب في بعض الدول العربية ولكنها لا تمثل الأغلبية بأي شكل من الأشكال ،قوتها وانتشارها يعودان لضعف الأحزاب السياسية الوطنية والقومية ولفقدان الأنظمة شرعيتها .
المطلب الثاني : الشباب يستحضرون الثورة في عالم متغير
تاريخيا كانت أنظار الشعوب العربية تتطلع للمنقذ البطل الذي يحررها من الظلم والاستبداد ،وكان المنقذ في المخيال الشعبي إما قائد عسكري يقوم بانقلاب أو قائد قومي وثوري محنك أو جماعة دينية أو حزب سياسي،لم يكن بوارد التفكير بأن التغيير يمكن ان يأتي من جماعة كانت خارج إطار بؤرة الفعل السياسي وكان يُنظر إليها كمجرد وقود أو عامل مساند للاحزب والسياسيين ونقصد بها فئة الشباب .
ومن هنا ولان الثورتين التونسية والمصرية لم تكونا بقيادة الجيش ولا بقيادة أي حزب سياسي،فإن الحراك الشعبي الذي قاده الشباب تحول لثورة حقيقية إن لم تغيير تغييرا جذريا الواقع القائم فإنهما دشنتا عهدا جديدا من الحياة السياسية وامتد تاثيرهما على بقية البلدان العربية .
ما جرى في تونس ومصر استحضر خطاب وفعل الثورة في العالم العربي، إلا أن هذا الاستحضار جاء في زمن مغاير وظروف مختلفة عما كانت عليه خلال العقود الماضية.سابقا كان كل حديث عن الثورة وكل فعل ثوري موجها ضد الاستعمار أو ضد أنظمة رجعية يمينية أو دكتاتورية استبدادية لا تؤمن بالديمقراطية ولا تأخذ بها بجدية،أما اليوم فالتحركات الشعبية تطالب بالديمقراطية وتجري في مواجهة أنظمة تقول بالديمقراطية وتزعم بأنها تستمد شرعيتها من صناديق الانتخابات ،سابقا كانت نخبة سياسية أو عسكرية تقوم بتحريض الجماهير على الثورة أو تنب عن الشعب في مواجهة النظام القائم أما اليوم فالشعب يتحرك بعيدا عن الأحزاب التقليدية والتاريخية،بل تضع الثورة الأحزاب في حالة من الإرباك مما يدفعها للهث لركوب موجة الثورة و محاولة جني ثمارها لصالحها.
إن أهم سمات المد الثوري الراهن هو التغيير في القوى الاجتماعية ومواقعها في بؤر التأثير السياسي،القوى الاجتماعية التقليدية من طبقات ونخب وأحزاب تراجعت للوراء لصالح فئات جديدة وهي فئة الشباب. جيل الشباب كان على رأس الحراك المطالب بالتغيير وهو جيل مشبع بثقافة الديمقراطية ،أيضا تميزت الثورات العربية وخصوصا الثورتان التونسية والمصرية باعتمادهما وتأثرهما بالثورة المعلوماتية خصوصا الانترنت والفضائيات والتلفون المحمول،تقنيات التواصل الحديثة أصبحت جزء من الثورة وهو ما لم يكن موجودا في الثورات السابقة ،تقنيات مكنت الشباب ومجمل الجماهير من التواصل مع بعضهم وتوجيه مجريات الثورة دون الحاجة للتنظيمات الحزبية التي كانت تلعب هذا الدور،أيضا العولمة الثقافية وتبني العالم أجمعه لمنظومة حقوق الإنسان وقيم وثقافة الديمقراطية جعل مطالب الشباب مفهومة ومقبولة وبالتالي تجد تجاوبا وتأييدا من العالم الخارجي.
ما جرى في تونس ومصر من أحداث دشن مرحة ثورية جديدة وهي الثورة الشعبية الديمقراطية.الثورة التونسية والمصرية أعادتا الاعتبار للوطن والوطنية .فعندما ناضلت الجماهير العربية ضد الاستعمار وضد أنظمة القمع والاستبداد، لم يكن واردا أن تُصادر نضالاتها ومعاناتها وتضحياتها ويتم تجييرها لنخب وأحزاب جديدة تتسيد عليها . ناضلت الجماهير من أجل استقلال الوطن وحريته باعتبار الوطن الفضاء الذي يوفر لهم الحرية والكرامة ،وعندما منحت الجماهير ولاءها للحركات والأحزاب التي قادت الثورة ضد الاحتلال إنما مراهنة منها على أن هذه الحركات ستواصل نضالها بعد الاستقلال لقيام وطن حر مستقل يوفر للمواطنين الحياة الكريمة ويقيم عدالة اجتماعية ،ما لم يخطر على بال الجماهير أن تتحول السلطة (الوطنية ) ،التي قامت بعد الاستقلال أو بعد إسقاط الأنظمة الملكية والرجعية، لهدف بحد ذاته وأن يتحول قادة الثورة لنخبة حكم تستبد بالسلطة ويورث القائد الثوري الحكم لأبنائه من بعده،أيضا لم يكن في الحسبان أن تؤدي الديمقراطية إلى تكريس سيطرة الحزب المهيمن والرئيس الأوحد .
في المجتمعات الديمقراطية العقلانية وحيث أن من يتبوأ مواقع السلطة منتخبون من المجتمع ويعبرون عن رغباته وتطلعاته ويستطيع الشعب التحكم في ممارساتهم ومراقبتهم وتغييرها بالانتخابات وبضغط الرأي العام الخ ،فإن علاقة تصالحية تربط ما بين السلطة والمجتمع وما بين السلطة والوطن،وبالتالي فإن الأحزاب والقوى التي تتنافس أو تتصارع للوصول إلى السلطة لا تخرج عن إطار المصلحة الوطنية حيث يبقى التنافس والصراع ضمن ثوابت ومرجعيات الأمة ،صحيح أن السلطة تمنح امتيازات وتحقق مصالح للنخب الحاكمة ولا تخلو أحيانا من فساد واستغلال نفوذ، ولكن هذه النخب في المقابل تعمل من أجل المصلحة الوطنية أو الوطن بما هو المشترك بين كل مكونات المجتمع من أفراد وجماعات وثقافات فرعية وأحزاب سياسية.
أما في العالم العربي، فقد فهم البعض أو أراد أن يُفهم الشعب أنه بالاستقلال وقيام الدولة انتهى النضال والعمل من اجل الوطن وان المرحلة مرحلة جني ثمار الاستقلال من خلال مغانم وامتيازات السلطة ،نسى وتناسى هؤلاء أن النضال الحقيقي يبدأ ما بعد الاستقلال ،ما بعد الاستقلال يبدأ الجهاد الأكبر أو النضال الحقيقي لتوفير الحياة الكريمة للمواطن الذي لم يكن هدفه من الانخراط في حركة التحرر الوطني وفي الثورة أن يكون له علم ونشيد وجيش وسجن وطني فقط ،بل ناضل من اجل الحرية والحياة الكريمة التي كان يفتقدها في ظل الاستعمار وفي ظل الأنظمة الاستبدادية المأجورة .
منذ الاستقلال ونحن نشهد صراعا على السلطة ،غالبا ،إن لم يكن كليا، صراعا دمويا غير ديمقراطي عبر الانقلابات التي سُميت ثورات وعبر حروب أهلية أو انتخابات شكلية لا علاقة لها بالممارسة الديمقراطية الحقيقية،وكل ذلك كان وما زال يتم باسم الوطن والمصلحة الوطنية أو باسم الدين ،وحتى اليوم، فالذين يتمسكون بالسلطة يستقوون بالأجهزة الأمنية والجيش ،والذين يتطلعون إلى السلطة عبر العنف السياسي أو الجهادي ،وغالبية الذين يتطلعون للسلطة ويناضلون للوصول إليها موظِفِين خطاب الثورية والوطنية أو خطاب الديمقراطية ،إنما يتطلعون للوصول للسلطة كهدف بحد ذاتها.
هذا ما لمسناه خلال العقود الماضية حيث أن من يصل للسلطة ينسى كل شعاراته الكبيرة عن الوطن والوطنية ويصبح هدفه الحفاظ على السلطة والتمتع بامتيازاتها على حساب الوطن كفضاء للحرية والحياة الكريمة والعدالة الاجتماعية لكل المواطنين،وهنا نلاحظ كيف أن تضخم السلطة في العالم العربي يتواكب مع انهيار الوطن والدولة الوطنية ،نلاحظ أن نخب السلطة تزداد ثراء وفسادا ،فيما الوطن ينهار وتصبح الدولة الوطنية محل تساؤل ،من الصومال إلى السودان واليمن والعراق، حتى مصر والجزائر ولبنان ليسوا بعيدين عن أزمة الدولة الوطنية.فهل مفهوم الوطن عند الحوثيين في اليمن هو نفسه عند الحراك الجنوبي أو عند أحزاب السلطة؟هل مفهوم الوطن عند شيعة العراق نفسه عند البعثيين المُبعدين عن السلطة والسياسة ؟هل مفهوم الوطن عند السلفية الجهادية في الجزائر نفسه عند جبهة تحرير الجزائر؟هل مفهوم الوطن عند حركة حماس نفسه عند حركة فتح وسلام فياض؟هل مفهوم الوطن عند تنظيم القاعدة في أي بلد يتواجد فيه نفسه مفهوم الوطن عند السلطة وأحزابها ونخبها؟الخ.
السلطة في العالم العربي حلت محل الوطن، وأصبح نضال غالبية الأحزاب والنخب ليس من اجل الوطن بل من أجل السلطة،فليس بعد الوصول للسلطة من جهد إلا للحفاظ عليها.السلطة كأشخاص ومؤسسات وعلاقات سلطوية بين الحاكمين والمحكومين ليست الوطن، بل أداة تنفيذية لاستقلال الوطن إن كان محتلا ولبنائه إن كان مستقلا ولحمايته إن كان مهددا، ذلك أن هدف كل سلطة سياسية في أي مجتمع هو تأمين المجتمع من المخاطر الخارجية وتحقيق الوفاق والانسجام الداخلي بين مكونات المجتمع،كما أن السلطة أحد مكونات الدولة بالإضافة إلى الشعب والإقليم .وفي جميع الحالات وبغض النظر عن مصادر شرعية السلطة السياسية القائمة يجب أن تكون العلاقة واضحة ما بين السلطة ذات السيادة والدولة والمجتمع ، والانسجام بين هذه المكونات الثلاثة يُنتج ما يسمى الوطن كحاضنة مادية ومعنوية للمواطن وكانتماء وشعور يحمله معه المواطن أينما حل وارتحل.السلطة وحدها ليست وطنا والدولة لوحدها ليست وطنا ،فالمواطن يخضع لهما قانونيا ولكنهما لا تشكلا انتماء وجدانيا ،وحتى المجتمع قد لا يشكل وطنا لأبنائه في بعض الحالات فكثير من الأفراد يشعرون بأنهم ساكنة وليسوا مواطنين حيث ينتابهم إحساس بالاغتراب الاجتماعي والسياسي في مجتمعاتهم،والتطلع للهجرة للخارج وخصوصا بالنسبة للمثقفين والأدمغة خير دليل على ذلك.
عندما نتحدث عن السلطة السياسية في الدول الديمقراطية إنما نتحدث عن أجهزة ومؤسسات عسكرية أو مدنية بيروقراطية ثابتة لا تتغير مع كل رئيس أو حزب جديد،وعن نخبة سياسية حاكمة تعمل بتكليف من الشعب لفترة زمنية ثم تتغير لتحل محلها نخبة جديدة ،دورة النخبة أو التداول على السلطة لا يسمح لمن هم في السلطة بترسيخ علاقات مصلحية دائمة حيث يوجد فصل ما بين السلطة والثروة،وبالتالي فإن أصحاب الثروات في الغرب ليسوا أصحاب السلطة السياسية بل من نخب اجتماعية واقتصادية ،أما في عالمنا العربي وحيث لا يوجد تداول على السلطة إلا ضمن نطاق ضيق ،وحيث أن النخب الحاكمة تستمر لعقود فإن اقترانا يحدث ما بين السلطة والثروة ،ولتحمي السلطة المقترنة بالثروة نفسها تلجأ لإفساد كبار رجال الجيش والأجهزة الأمنية وقادة الرأي العام من قادة أحزاب ومؤسسات مجتمع مدني ورؤساء تحرير أهم الصحف ورجال دين الخ ،بالمال والامتيازات ،كما تسعى لإنتاج نخب جديدة مستفيدة من السلطة القائمة لحمايتها وفي كثير من الحالات تكون نخب عائلية أو طائفية أو إثنية،وتصبح علاقة اعتمادية متبادلة ما بين الطرفين،ويصبح هدف السلطة والنخب التابعة ليس مصلحة الوطن بل الحفاظ على ما بيدها من سلطة لأن السلطة هي التي تضمن حفاظها على مصالحها،وهذه الأطراف مستعدة للدخول بحرب أهلية ليس دفاعا عن الوطن بل دفاعا عن مصالحها ،أو دفاعا عن وطن تضع السلطة مواصفاته ومرتكزاته بحيث يتماها مع السلطة وبالتالي يصبح المساس بالسلطة مساسا وتهديدا لهذا الوطن ،وطن السلطة وليس وطن الشعب.

هذا التعارض والفصل ما بين السلطة والوطن الحقيقي,وطن كل الأمة، وتحول السلطة إلى هدف بحد ذاته لدى غالبية القوى التي تتصارع عليها سواء بوسائل ديمقراطية أو غير ديمقراطية،بل وتحولها لعبء على الوطن ،أحيا مجددا الحديث عن المشروع الوطني في العالم العربي ،ليس فقط في الدول الخاضعة للاحتلال – فلسطين والعراق- بل في بقية الدول العربية التي يُفترض أنها انتقلت من مرحلة المشروع الوطني لمرحلة الدولة الوطنية،حيث المُلاحظ ان الدول العربية المستقلة لديها أزمة دولة وأزمة علاقة بين الدولة والمجتمع وبين السلطة والمجتمع وأزمة بين مكونات المجتمع الإثنية والطائفية،بمعنى أنها تعاني أزمة وجودية ،وهذا ما يتطلب عقدا اجتماعيا جديدا يؤسس لمشروع وطني جديد يقوم على أسس ديمقراطية،هذا المشروع الوطني الديمقراطي يحتاج لنخب جديدة وقوى سياسية جديدة نأمل أن يكون الشباب الذين خرجوا في ثورة عارمة في تونس ومصر نواة هذه النخبة.

المطلب الثالث: ثورات دون ايديولوجيات
خلال شهر واحد سيطر خطاب الثورة الوطنية على المشهد السياسي العربي مغيبا كل الخطابات الأخرى حتى خطاب الإسلام السياسي . خطاب الثورة سواء في تونس أو في مصر وغيرهما من الثورات العربية خطاب وطني خالص متحرر من كل الأيديولوجيات الحزبية التي مزقت وحدة الأمة طوال عقود .خلال شهر واحد اهتزت عروش الملوك وعروش الرؤساء - في العالم العربي زالت الفوارق بين الملوك والرؤساء.لا شك أن الثورة كحدث سياسي واجتماعي وثقافي يمنحها خصوصية، وحيث لا مجتمع يتطابق مع مجتمع آخر فلا يجب أن نتصور ثورة تتشابه تمام التشابه مع ثورة أخرى.صحيح أن الفقر والبطالة من أهم أسباب الثورات، ولكن الفقر والبطالة لا يشكلا دافعا للثورة إلا إذا أحس الناس بأنهم فقراء وان هناك أغنياء يستغلونهم وهنا يأتي دور الثقافة السياسية والوعي السياسي والإعلام.أيضا سمعنا مَن وصف الثورة التونسية والثورة المصرية بأنهما ثورتا الفيسبوك والفضائيات وفي هذا تقليل من شأن الثورة ،لا شك أن تقنيات التواصل الحديثة سهلت الأمر على الشعب وعلى الثوار لتواصل أسرع وأوسع بعيدا عن رقابة السلطة وأجندة الأحزاب،ولكن تقنيات الاتصال الحديثة موجودة في كثير من البلدان وبنسبة انتشار أكثر من مصر وتونس ومع ذلك لم تحدث ثورة .كما يجب إعادة النظر بالقول بأنها ثورة شباب فقط ،لا شك أن الشباب غير الحزبيين كانوا القوة المحركة للثورة ولو ترك الأمر للأحزاب ما قامت الثورة، ولكن الثورة لم تزعزع النظام إلا عندما أصبحت ثورة كل الأمة حيث شاهدنا الأطفال والشيوخ والنساء بل كانت أسر بكاملها تشارك في الثورة،لا يعني ذلك التقليل من أهمية الشباب ومن شرعية مطالبهم ومن حقهم في صناعة مستقبل مصر،ولكن لا نريد أن يُفهم وكأن المشكلة خاصة بالشباب وبالتالي تلبية مطالبهم بالشغل سيحل المشكلة.

الثورة العربية ثورة كل الشعب ،ثورة الشاب خريج الجامعة الذي لا يجد عملا ،وثورة الشاب الذي لا يجد شقة ليتزوج بها ،وثورة العامل الذي يتقاضى جنيهات لا تكفي لشراء الخبز فكيف باللحمة التي لا يتذوقها إلا بالأعياد ،ثورة الطبيب والمهندس وأستاذ الجامعة الذين يتقاضون راتبا بالكاد يكفيهم أجرة مواصلات وسكن ،ثورة كل مواطن أُجبِرَ أن يتحول لخادم للسياح العرب والأجانب الذين يدرون دخلا بملايير الدولارات سنويا تذهب لحساب شركات السياحة المملوكة لوزير السياحة ومافيات صناعة السياحة ولدعم أجهزة القمع الرسمية ، ثورة كل مواطن يقف بالطابور لساعات حتى يحصل على خبز أو مواد تموين مدعومة ،ثورة كل مواطن تُمتَهن كرامته كل يوم على يد رجال الأمن والشرطة والمخابرات،ثورة ملايين العائلات التي تعيش بعيدا عن عائلها الذي اضطر ليعيش في الغربية لسنوات حياة شقاء لا تخلو أحيانا من إذلال حتى يوفر لأفراد أسرته الحد الأدنى من العيش الكريم،ثورة التاجر الصغير وأصحاب المصانع والورش الصغيرة الذين سحقتهم مافيا شركات رجال الأعمال الكبار المحسوبين على الحزب الحاكم والعائلة الحاكمة. إنها ثورة كل مواطن أذله القهر وامتهان الكرامة.الثورة بهذا المعنى فعل مركب ومعقد ونجاحها بكل أبعادها مرهون بإعادة بناء النظام السياسي والاجتماعي بما يحقق مطالب كل فئات الشعب:العمال والفلاحون والمثقفون والطلاب والنساء الخ،أو على الأقل يعطبهم أملا بان غدهم سيكون أفضل من يومهم.
كثيرة هي الدروس التي نتعلمها من الثورة التونسية والمصرية وكثير من الرسائل التي أرسلتهما،بعض هذه الدروس والرسائل أتت أُكلها مباشرة مما نشاهده اليوم في كافة العالم العربي من انتشار روح الثورة على الحكام وكسر حاجز الخوف وتجاوز ثقافة الخضوع، إلى التفاؤل بعالم عربي أفضل تسوده قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية ،ولكن بعض الدروس والرسائل ما زالت خفية وتحتاج إلى إيضاح وستظهر أهميتها مع مرور الزمن وبعد فورة العاطفة والانفعال التي تسيطر على الجمهور .

المطلب الرابع: الثورات العربية ومخاطر الاستنساخ
ما أن تندلع ثورة أو مسيرة احتجاج في العالم العربي إلا وترتفع الأصوات بأنها تقليد لما جرى في تونس وبالتالي تكون التوقعات بنتائج سريعة متشابهة.صحيح أن التقليد أو التأثير المتبادل لا يمكن إسقاطه من الحسبان في ثقافة عربية إسلامية تجمعها كثير من القواسم المشتركة كالانتماء القومي والديني التي تشكل حوافز مشتركة وكذا وحدة الحال سياسيا واجتماعيا بالإضافة إلى المشاعر والأحاسيس بل والغيرة الإيجابية،وصحيح أن شروط وإرهاصات الثورة في العالم العربي كانت متواجدة بقوة وإلا ما كانت الثورة بهذه القوة والسرعة وانتشار النار في الهشيم بحيث تسقط زعماء خلال أيام،إلا أن خصوصيات تميز كل دولة عربية عن غيرها.
كان لا بد للانفجار أن يحدث وينتشر في أكثر من بلد عربي لأن كل الشعوب العربية تخضع لأنظمة غير ديمقراطية وتعاني من الفقر والبطالة والحد من الحريات ومن تدهور على كافة الأصعدة: في التعليم والصحة والتكنولوجيا ،وكلها تشهد غياب للعدالة الاجتماعية،ولكن لم يكن أحد يتوقع أن يكون الانفجار بالشكل السلمي والحضاري الذي جرى في تونس ومصر.كانت الأنظمة تتوقع أن تلجأ جماعات مسلحة لتغيير الأوضاع عن طريق العنف والعمليات التفجيرية والتخريبية كالتي شهدتها الجزائر وتونس ومصر والمغرب والسعودية،فحشدت مئات الآلاف من عناصر الأجهزة الأمنية لمواجهة جماعات مسلحة هنا أو هناك، ولكنها لم تحسب حسابا لحدوث ثورة شعبية تشمل كل المدن لأنها لم تكن تحترم شعبها أو تثق به وكانت تنظر له نظرة دونية باعتباره جموع من الجهلة والجياع والباحثين عن مصالحهم الضيقة بدون وعي سياسي او إحساس بالمسؤولية،وعندما تحرك الشباب ،والشباب يمثل غالبية الشعب، تفاجأ الحكام ونخبتهم وارتبكت الأجهزة الأمنية ووقفت عاجزة أمام الثورة.صحيح أن واشنطن طالبت أنظمة عربية بإدخال إصلاحات سياسية خوفا من أحداث عنف متوقعة ،ولكن حتى واشنطن لم تكن تتوقع حدوث ثورات شعبية بالحجم الذي جرى .لقد أدركت القوى الخارجية وخصوصا واشنطن قوة وخطورة حالة الاحتقان الجماهيري وخصوصا في بلد كمصر وخطورة حدوث حالات عنف وتمرد ،إلا أن توقعاتها لم تصل لدرجة حدوث ثورة شعبية تزعزع مرتكزات الوضع القائم،كانت تتوقع أو تراهن على حروب طائفية أو إثنية ،أو عمليات مسلحة تمارسها بعض الجماعات الدينية،ولذا فإن واشنطن اتخذت خطوات استباقية تنطلق من رؤيتها السابقة لمصدر الخطر الذي كان يختلف من دولة لأخرى،كان ضمان ولاء الجيش لواشنطن والغرب أهم إجراء استباقي.
وجود المشترك المشار إليه بين الدول العربية لا يخفي وجود خصوصيات تميز كل بلد عن غيرها وبالتالي فسيرورة وصيرورة الثورة قد تأخذ مسارات مختلفة ،ونعتقد أن المفاجئة والعفوية كانا أهم ما ميز الثورة التونسية عن غيرها وهو ما لم يتوافر في الثورات اللاحقة التي تم التخطيط والتهيئة لها،والتخطيط والتهيئة قد يكونا عناصر سلبية في الثورات الشعبية.في تونس جرت الثورة بداية بدون تخطيط وبعفوية وبسرعة ومع قليل من الدم والخراب،وفي مصر حدثت خسائر وسقط ضحايا ولكن تم استيعاب الثورة من قبل الجيش بسرعة لاعتبارات خاصة بمصر،مصر الشعب ومصر الدولة ومصر المكانة الدولية ،ولكن ليست كل الدول العربية لها خصوصيات الحالة المصرية،مصر كانت تعاني من أزمة نظام سياسي وليس أزمة دولة ،فالدولة المصرية قديمة ومتجذرة وغير مهددة بوجودها كوحدة واحدة –بالرغم من ارتفاع أصوات قليلة تتحدث عن دولة للأقباط – .لكن هناك دول عربية مأزومة تاريخيا كدول وليس فقط كنظام سياسي لاعتبارات سياسية أو طائفية أو قبلية،وجاءت أزمة النظام السياسي والسلطة لتكشف أزمة الدولة التي هي أخطر من أزمة النظام السياسي.عندما تخرج الجماهير في دولة تعيش أزمة دولة فإمكانية توظيف الثورة الشعبية من طرف قوى طائفية أو إثنية أو قبلية أو خارجية تكون كبيرة،ومن هنا يجب عدم وضع كل التحركات الشعبية في سلة واحدة .
عندما تتأزم الأوضاع المعيشية والحياتية والسياسية تصبح الثورة واجبا وحقا وضرورة،ولكن يجب عدم المبالغة بالتوقعات التي تقول بصيرورة كل ثورة عربية إلى سقوط رأس النظام أو النظام بكامله وتحقيق الديمقراطية والعدالة الاجتماعية ،فهناك خصوصيات تحكم كل بلد عربي وهناك قوى معادية للتغيير تختلف قوتها من بلد لبلد حسب الموقع الاستراتيجي للدولة العربية وحسب المصالح الأجنبية في هذا البلد وحسب موقف دول الجوار،أيضا ليست كل الدول العربية على نفس الدرجة من حيث التجانس الطائفي والإثني ،ففي بعض البلدان العربية توجد ثقافات مضادة كامنة تتحين الفرصة لتتمرد على الدولة ولتثبت حضورها كحالة كيانية قائمة بذاتها. قد يسقط رأس النظام ويبقى النظام السياسي،وقد يسقط رأس النظام والنظام ويقوم محله نظام أسوأ،وقد يسقط النظام ويتحول لأنظمة وكيانات.وعي الشعب والقوى الثورية المؤمنة بالديمقراطية ضمان عدم انزلاق الثورة نحو الفوضى .
وجود خصوصيات لكل بلد عربي وافتقار الثورات لعنصري العفوية والمفاجئة كما كان الأمر في الثورة التونسية يُفقد الثورات اللاحقة زخمها و يُصعِب المأمورية على الثوار،فأعداء الثورة سيتهمون الثوار بأنهم مقلدون لغيرهم ،كما أن الأنظمة العربية منذ الثورة التونسية اتخذت إجراءات أمنية وسياسية واقتصادية استباقية.عندما تندلع الثورات ستتداخل المطالب المشروعة بالحرية والديمقراطية ورفض الدكتاتورية والاستبداد مع مطالب أو تطلعات سابقة لجماعات طائفية أو قبلية أو عرقية ،الأمر الذي يُولج الثورة في متاهات خطيرة وقد يحرفها عن مسارها بدخولها حالة الحرب الاهلية والغقليمية كما هو الشان في ليبيا والبحرين واليمن،إن لم تتصدى القوى الوطنية العقلانية لتوجيه مسار الثورة بطريقة عقلانية تقطع الطريق على التدخلات الخارجية.
ففي تونس لم تستقر الأوضاع بعد وفي مصر لم تجر الأمور كما جرت في تونس حيث كان الرئيس مبارك أكثر تعنتا واتسمت الثورة بدموية أكثر وحتى الآن من السابق لأوانه القول إن الثورة المصرية أسقطت النظام ،فمبارك تخلى عن منصب رئيس الدولة فقط وهو مازال يعيش في مصر حرا طليقا والجيش الذي هو العمود الفقري للنظام يحكم البلد ،ولكن هناك مراهنة على انتخابات قادمة تغير الأمور بشكل تدريجي.ثم جاءت الثورة في البحرين لتأخذ بعدا طائفيا حيث تفاوتت المطالب ما بين الدعوة لملكية دستورية إلى المطالبة بإسقاط حكم الأقلية السنية،مما يُدخل الحالة في البحرين في إطار أزمة الدولة بل أزمة وجود الدولة حيث يجب أن لا يغيب عن الأنظار إدعاءات إيرانية بأن البحرين جزء من إيران وقد تطورت الاحداث بشكل خطيبر عندما دخلت قوات خليجية إلى البحرين مما آثار ردود فعل قوية من إيران.وفي ليبيا تأخذ الثورة سياقا مختلفا،فالقذافي الذي حكم ليبيا أكثر من أربعة عقود وربط كل شيء بشخصه مدمرا ومهمشا الأحزاب والنقابات وكل مؤسسات المجتمع المدني بل وحتى المجتمع السياسي المنظم ،يواجه الثورة بدموية غير مسبوقة ليس فقط في الثورات العربية بل في التاريخ ،وبعد صدور قرار من مجلس الأمن لفرض منطقة حظر جوي وإمكانية تدخل عسكري غربي ضد قوات القذافي فليبيا مقبلة على مرحلة خطيرة قد يكون التقسيم احد مظاهرها ..
الثورة الليبية واجهت دكتاتورا لم يتورع عن نعت الشعب الثائر بالجرذان والحشاشين والمهلوسين أو أنهم عملاء بن لادن والزرقاوي وواشنطن، ولم يتورع عن قصف شعبه بالطائرات وتسليط المرتزقة الأفارقة ليروعوا الشعب ،والأخطر من ذلك انه يلعب لعبة قذرة وهي لعبة القبائلية حيث يحرض قبيلة على أخرى ويهدد بتقسيم ليبيا مجددا على أساس قبائلي،وما نخشاه أن تتقاطع مصالح القذافي مع مصالح الغرب،بمعنى أن يصمت الغرب على تقسيم ليبيا وعلى جرائم القذافي إن سارت الأمور نحو تقسيم ليبيا مع وتأمين تدفق النفط .
أما بالنسبة لليمن فهي خليط من أزمة ديمقراطية ونظام سياسي حيث يطالب الشعب بالحريات وبإنهاء حكم على صالح ووقف مهزلة التوريث، و لكنها أيضا أزمة دولة تتمثل بالطائفية الدينية كما تعبر عنها علاقة النظام بالحثيين،وأيضا أزمة دولة تتمثل بالقبائلية ،وأزمة دولة تتمثل بالحراك الجنوبي ومطالبه بانفصال الجنوب عن الشمال.وبالتالي إن كنا نتمنى أن تنجح الثورة في اليمن في تأسيس نظام ديمقراطي إلا أن تخوفات تنتابنا على وحدة اليمن واستقراره .ويمكن أيضا تعميم الأمر على حالات أخرى فثورة في الأردن قد تتجاوز المطالب بالملكية الدستورية والإصلاحات لتتداخل مع القضية الفلسطينية ومأزق التسوية وإحياء الخيار الأردني، وثورة شعبية في لبنان قد تأخذ طابعا طائفيا ،وفي دول خليجية يمثل الأجانب حوالي ثلثي السكان فإن حدوث أية أزمة مالية قد يؤدي لثورة الأجانب على أهل البلد،وربما تقوم أطراف خارجية بتحريضهم على الثورة للضغط على الأسر الحاكمة،الثورة المتوقعة في بعض الدول الخليجية ستكون ثورة الأجانب على أهل البلد بما يذكرنا بثورة العبيد في روما قبل الميلاد عندما قاد سبارتاكوس عام 72 ق.م العبيد في ثورة هددت بسقوط روما .
لا شك بأن الثورات الشعبية العربية ظاهرة نبيلة وتشعرنا بالفخر وستكون لها تداعيات إيجابية إن لم يكن حاضرا فمستقبلا ،ولكن يجب الحذر من نقطة تتقاطع فيها حالة الثورة مع سياسة الفوضى الخلاقة التي تريدها واشنطن،فوضى تؤدي لتفكيك الأنظمة القائمة لإعادة بناءها ،ليس على أسس ديمقراطية كما تريد الشعوب العربية بل على أسس طائفية وإثنية وقبلية كما تريد واشنطن والغرب .ولتجنب هذا المنزلق أو التوظيف المشبوه لثورة الشعوب العربية ،على القوى الوطنية الديمقراطية في كل بلد عربي أن تنظم وتوحد جهودها بسرعة وأن تقطع الطريق على كل من يريد سرقة الثورة أو حرفها عن طريقها.إن أي تراخ في مطلب الوحدة الوطنية والترابية للدولة أو في مطلب الحرية والديمقراطية ودولة القانون ورفض الدولة الدينية،سيُدخل البلاد في حالة من الفوضى و عدم الاستقرار.الجماهير الغفيرة التي خرجت للشارع منفعلة هائجة ستعود لبيوتها وستستلم شخصيات وقوى سياسية مقاليد الأمور،على هذه الشخصيات والقوى تقع مسؤولية استكمال الأهداف المتعددة للجماهير والتي يمكن تلخيصها بمطلبي الحرية والعدالة الاجتماعية في إطار وحدة الشعب والدولة.

المطلب الخامس:من ثورات شبابية لحروب اهلية واقليمية
لا ينطبق وصف الثورة الشبابية على كل التحركات الشعبية التي تلت الثورتين التونسية والمصرية من اليمن والبحرين إلى ليبيا، أليس غريبا أنه في ظل المد الثوري الشعبي يعود التدخل الأجنبي مجددا تحت عنوان حماية الثوار؟!.لم يعد دقيقا القول بأن ما تشهده الدول العربية شأن داخلي يُدرج في إطار الثورات الشعبية الديمقراطية التحررية وخصوصا بعد صدور قرار من مجلس الأمن بفرض منطقة حظر جوي على ليبيا والموقف الأمريكي والأوروبي الداعم لتدخل أجنبي في ليبيا وتحريك الجيوش لمساندة الثوار،ومباركة الثوار لهذا التدخل ،أيضا بعد دخول جيوش خليجية إلى البحرين وردة فعل إيران التي تشير لمنزلق خطير تسير إليه الأحداث في البحرين. تساؤلات كبيرة تفرض نفسها ليس من باب التشكيك بل من باب التمحيص والتدقيق لفهم أعمق لما يجري في العالم العربي ولإنقاذ الثورات العربية مما يحاك لها،ذلك أن التدخل الغربي من خلال مجلس الأمن أو بدونه لن يخدم الثورة العربية لا في ليبيا ولا خارجها بل قد يطيل من عمر نظام القذافي وبقية الأنظمة مع إبقائهما تحت الحصار وابتزازها سياسيا واقتصاديا.
الحالة الثورية العربية التي بدأت بمشهد تراجيدي لشاب تونسي يحرق نفسه ثم خروج الشباب في مظاهرات غضب عارمة تحولت لثورة شاركت فيها كل قطاعات الشعب التونسي تطالب بإسقاط النظام و تلتها بعد أيام ثورة شبابية في ميدان التحرير في القاهرة تحولت بدورها لثورة عمت كل المدن المصرية وكل قطاعات الشعب،هذه البداية للثورة العربية غابت عن الثورات اللاحقة.في الحالتين التونسية والمصرية يمكن وصف ما جرى بالثورة بالرغم من نتائجهما الإصلاحية حتى الآن،ويمكن وصفهما بالثورة الشبابية لأن الشباب كانوا الطليعة بالرغم من مشاركة كل قطاعات الشعب في الثورة.ولكن سارت الامور في البلدان العربية الىخرى مسارا مختلفا لأن الثورة فعل مركب ولا يجوز توقع صيرورة الأحداث الثورية في العالم العربي لنفس ما صارت إليه الأحداث في تونس ومصر ،فالجغرافيا السياسية والتركيبة السكانية والنخب الحاكمة والثروة الطبيعية للبلد أمور تلعب دورا في مجريات الثورة ومآلها.ليس هذا تقليلا من فعل الثورة وقيمته ولا تشكيكا بالثورات العربية أينما اندلعت فالحالة العربية متردية بحيث تستدعي كل دولة عربية ثورة جذرية،ولكن حذرا من انزلاق الثورات لحالات من الفوضى والحرب الأهلية والإقليمية تعطي الفرصة للقوى الأجنبية للتدخل بذرائع حماية المدنيين أو لحفظ الاستقرار ،وفي هذه الحالة سيفقد الثوار مصداقيتهم وسيفقد البلد استقلاله.
مع تـأييدنا التام للثورة على نظام معمر القذافي الذي حول ليبيا لحقل تجارب لفكره القاصر، مهدرا ثرواتها ومجهلا شعبها ،ومتلاعبا بقضايا الأمة العربية المصيرية ومنصبا نفسه وصيا عليها ،وعندما لم تنصاع الأمة لهلوسته توجه إلى إفريقيا لينصبب نفسه ملكا على ملوكها في الوقت الذي لم يعد فيه ملوك بإفريقيا إلا من هم على شاكلته...إلا أن هذا التأييد يجب أن لا يعمينا عن المخططات التي تُحاك لليبيا وللمغرب العربي خصوصا الجزائر والمغرب،مخططات تحاول ركوب موجة المد الثوري العربي وتوظيف رغبة الليبيين بتغيير نظام حكمهم لتحقيق أهداف متعارضة مع روح وفلسفة الثورة العربية،وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الثوار الليبيين لتجنب مؤامرة تحويل ثورتهم لحرب الأهلية وربما لتقسيم البلاد وهي مخططات تتقاطع فيها مصالح القذافي فاقد الشرعية مع مصالح الغرب المتطلع للهيمنة.
قرار مجلس الأمن بفرض حظر جوي على ليبيا بعد مطالبة جامعة الدول العربية بذلك يثير كثيرا من القلق من سوء نية الغرب عند تطبيق هذا القرار لأن تنفيذ القرار يحتاج لتحرك الجيوش على الأرض وفي الجو ،كما ان الحظر الجوي لا يؤدي أكله سريعا وبالتالي قد يستمر لسنين،وهنا نذكر بالحضر الجوي على العراق عام 1991 والذي كان الأساس لاحقا لتقسم العراق واحتلاله عام 2003.ومن المفارقات أن موقف جامعة الدول العربية والموقف العربي بشكل عام كان رافضا للحظر الجوي ولأي تدخل غربي في القضايا العربية واليوم باتت جامعة الدول العربية في ظل حالة المد الثوري العربي تشجع هكذا تدخل !.
أما بالنسبة للبحرين فملامح الفتنة الطائفية تطغى على ملامح الثورة الشعبية والشبابية والديمقراطية،لا شك أن البحرين وكل دول الخليج تحتاج لثورة لإصلاح النظام السياسي والاجتماعي أكثر من أي بلد آخر ،ولا شك بوجود تهميش للمواطنين الشيعة في البحرين،ولكن سيرورة الهبة الشعبية أو الثورة في البحرين ليست خاضعة لمحددات وطنية داخلية فقط ،أو لا يُراد لها أن تبقى ضمن الإطار الوطني، فكون غالبية المتظاهرين من الشيعة ،وهذا لا يقلل من قيمة الحدث لان غالبية سكان البحرين من الشيعة بل وكثير منهم من أصول إيرانية،وحيث أنه سبق لمراجع عليا في إيران أن زعمت بان البحرين جزء من إيران ،كما دأبت إيران على تحريض الشيعة في البحرين وفي مجمل العالم العربي مُنَصِبة نفسها مرجعية لهم وحامية حماهم ،فإن مسار الأحداث في البحرين تنذر بحرب أهلية قد تتطور لحرب إقليمية يكون طرفاها الرئيسيان إيران والمملكة السعودية،وإن لم تكن حربا فعودة لحالة استقطاب شيعية –سنية حادة تأخذ بعدا عنفويا مسلحا ،آخذين بعين الاعتبار ما يجري في السعودية وخصوصا في المنطقة الشرقية وفي لبنان وعملية الاستقطاب داخله،كما أن اليمن ليست بعيدة حيث يتداخل فيها النضال الديمقراطي المشروع لإصلاح النظام السياسي وإنهاء حكم علي صالح،مع حركة الحوثيين في الشمال المتَهَمة من النظام ومن السعودية بعلاقاتها مع إيران،وفي خلفية المشهد السياسي السوري شيء من هذا القبيل.
وسط معمعان الثورة العربية وفي ظل غياب قوة حزبية أو مجتمعية منظمة غير جماعة الإخوان المسلمين وجماعات الإسلام السياسي،ولأن الشباب الذين فجروا الثورة ما زالوا غير منظمين ومؤطرين في حزب أو حركة تنطق باسمهم ،والأحزاب السياسية الأخرى ضعيفة ومشتتة،ونظرا لأن واشنطن وفي إطار مشروعها للشرق الأوسط الكبير كانت تخطط لدمج جماعات الإسلام السياسي المعتدل في السلطة ومارست ضغوطا على حكام مصر والمغرب والأردن خلال السنوات الماضية لإشراك الإسلاميين في الانتخابات،لكل ذلك لا نستبعد حدوث تفاهم بين واشنطن وجماعات الإسلام السياسي المعتدل وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين على قيادة هؤلاء المرحلة القادمة او يكون لهم دورا بارزا في ظل نظام ديمقراطي يرعاه الجيش كما هو الحال في تركيا.وهنا علينا أن نذكر بأن جزءا من نقمة واشنطن على الرئيس مبارك وحزبه انهما أقصيا جماعة الإخوان المسلمين من الساحة خلال الانتخابات التشريعية التي سبقت الثورة باشهر معدودة.

استخلاصات ودروس وعبر

بالرغم من وجود خصوصيات تميز الشعوب العربية وبالتالي سيرورة وصيرورة الثورة بها إلا أنه توجد قواسم مشتركة بينها وكلها بلغت رسائل مهمة تدفعنا للقول بان العالم العربي يشهد تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية مهمة،ومن أهم الرسائل التي بلغتها الحالة الثورية العربية المعاصرة:
1. كسر حاجز الخوف من السلطة
يقال عن العالم العربي إنه محكوم ببرادغم الطاعة والخنوع، وان الثقافة السائدة عن العرب والتي تغذيها تاريخ من الاستبداد السياسي وقراءات دينية سياسية،ثقافة تؤله الحاكم والسلطة،حتى العقل السياسي العربي نالت سياط النقد بحيث أُتهِم بأنه نقلي تقليدي يخشى التغيير والإبداع.جاءت ممارسات الأنظمة ما بعد الاستقلال لتؤكد هذا الفهم،فجميعها سواء كانت ثورية تقدمية او رجعية يمينية،رئاسية او ملكية مارست الاستبداد بشكل او بآخر ،والشعب خضع وخنع لها لعقود ،غالبا نتيجة الخوف وقليلا نتيجة الجهل والتخلف.
جاءت الثورات الشبابية الشعبية لتكسر حاجز الخوف من السلطة وأجهزتها القمعية
2. لا مجتمع يخلو من مصادر قوة
أكدت الحالة الثورية الصاعدة وبغض النظر عما ستؤول إليه الأحداث، بأن لا شعب يخلو من مصادر قوة، وقوة الشعب تكمن في الشعب ذاته ،فعندما تحرك الشعب تراجعت كل القوى السياسية الحزبية والرسمية واستطاع الشعب أن يفرض حضوره ويُجبر الجميع على الاستماع له ،هذا يؤكد الأساس الذي قام عليه علم الاجتماع السياسي بأنه لا يمكن أن نفهم السياسة إلا من خلال المجتمع وما تتفاعل داخله من أحداث وانه مهما ساءت الأمور وشطحت النخب والأحزاب بعيدا عن مصالح الأمة فإن الأمل يبقى في الشعب نفسه.الشعب هو القوة الحقيقية والقوة الكامنة التي لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها.
3. الثورات العربية ترد الاعتبار للقوى المجتمعية
ليس من المبالغة القول بان الحراك الشعبي الثوري أعاد العرب للتاريخ من خلال رد الاعتبار للشعب كقوة اجتماعية تم تهميشها لعقود طويلة ،قبل الثورة ولأن الزعيم أو الشيخ أو النظام السياسي هو العنوان الذي يختزل الأمة، فقد كان يُضرب المثل بالعرب بالتخلف والانقسام والخضوع والإرهاب،كان الشعب العربي يعيش حالة من الركود والبلادة والإحباط والتغييب عن مجريات الأحداث حتى فسر بعض المراقبين الأجانب بل والعرب بأن هذا الوضع ليس جديدا عن العرب ،فالعرب منذ الأندلس خرجوا من التاريخ وباتوا عالة على الإنسانية والحضارة ،وان أقصى ما يقدمونه للعالم، مواد أولية من بترول وغاز ينفقوا مردودها على بذخ ملوكهم ورؤسائهم وعلى |أجهزة أمنية وجيوش لم تعد تقاتل إلا الشعب أو الجار العربي والمسلم،ويد عاملة رخيصة تمارس أرذل المهن في الغرب ،وإرهاب يضرب في كل بقاع الأرض بدون هدف،أما دون ذلك فهم عبئ على البشرية وعلى أنفسهم .لم يستوعب العرب الحداثة قبل أكثر من قرن وبقوا خارجها ،لم يستوعبوا الديمقراطية وبقوا خارجها أو طبقوها بطريقة مشوهة ،وبقوا مترددين بدخول عالم العولمة والتقانة .ساد اعتقاد أن العرب لن يتغيروا إلا باستعمار أو بقوة خارجية تسير أمورهم عن بعد ،وجاءت الثورة المصرية لتعلن نهاية تاريخ وبداية تاريخ جديد،تاريخ أصبح الشعب فيه سيد نفسه.
3. إسقاط فزاعة الإسلام السياسي
كان الاعتقاد السائد قبل ثورتي تونس ومصر بان جماعات الإسلام السياسي هي التي تسيطر على الشارع العربي ،وكانت الأنظمة العربية تُشيع أن الأصوليين الإسلاميين سيستولون على السلطة في حالة إذا ما تُرِك الأمر للشعب ليعبر عن رأيه بحرية من خلال الانتخابات أو من خلال الثورة ،وكانت واشنطن والغرب يعززوا هذه المخاوف ويستعملوا ورقة الإسلاموفوبيا ليبرر دعمه ومساندته للأنظمة العربية القائمة وليبرر تواجده العسكري في المنطقة.الثورتان التونسية والمصرية أكدتا سقوط هذا الوهم،صحيح أن الجماعات الإسلامية تعتبر الأكثر مالا والأكثر ضجيجا من خلال حسن توظيفها للإعلام ،ولكنها لا تعبر عن رأي غالبية الشعب،فقوتها تكمن في تفرق وتشتت القوى الأخرى من القوميين والوطنيين واليساريين والمستقلين.
في تونس كان حضور الإسلام السياسي ضعيفا جدا، وفي مصر كان لهم حضور ولكنه ليس بالشكل الذي كان يعتقد البعض، فغالبية الذين خرجوا لميدان التحرير وفي بقية المناطق المصرية لم يكونوا من جماعات الإسلام السياسي.هذا لا يعني أن جماعات الإخوان المسلمين أو غيرها لا تحاول ركوب موجة الثورة والتأثير على توجهات النظام السياسي الجديد وهذا أمر طبيعي في كل ثورة أو حركة تغيير كبرى تشهدها المجتمعات.إن ما نخشاه في هذا السياق حدوث توافق ضمني بين جماعة الإخوان المسلمين والجيش وواشنطن لمنح الإخوان دورا متميزا في النظام السياسي الجديد وذلك ضمن التوجه الأمريكي لإدماج الإسلام السياسي المعتدل في السلطة.
4. لم تكن ثورة على النظام فقط بل وعلى الأحزاب التقليدية
كان إسقاط النظام العنوان المعلن للثورة ولكن ما هو غير معلن هو رفض الأحزاب السياسية التي كانت عجزا أم تواطؤا تشكل عبئا على الشباب وعلى الحالة الوطنية،لم تطرح الأحزاب فكرة الثورة على النظام بل كان أقصى ما تسعى إليه أن يكون لها نصيب في مؤسسات النظام وضمن الدستور وقواعد اللعبة التي يحددها النظام .الشعب ممثلا بالشباب هم الذين طرحوا هدف إسقاط النظام ثم تبعتهم الأحزاب.الثورات العربية تفرض اليوم على الأحزاب أن تعيد النظر في بنيتها التنظيمية وفي مواقفها السياسية وفي أيديولوجيتها لتصبح أحزابا وطنية بمعنى الكلمة.إن لم تسارع الأحزاب لذلك فستصطدم قريبا بالشباب وبالشعب وخصوصا عندما تستغل الأحزاب حدث الثورة لتحقق أهدافا حزبية خاصة بها.
5.عودة الروح والفكرة الوطنية كجامع للكل الوطني .
خلال السنوات الأخيرة تراجعت الأيديولوجية الوطنية والفكر الوطني لصالح الإسلام السياسي أحيانا ولصالح أنظمة صادرت وشوهت الوطنية عندما جعلت الوطنية متماهية مع مصلحة الحاكم ورؤيته السياسية ولصالح أحزاب حاكمة حملت اسم الحزب الوطني أو شبيه ذلك مصادرة بذلك الفكرة الوطنية محولة إياها لأيديولوجيا مشوهة تخدم السلطة .الثورة اليوم ليست ثورة طبقة ولا ثورة يساريين وشيوعيين ولا ثورة جماعات إسلام سياسي ولا ثورة أجندة خارجية ، بل ثورة كل الشعب ،الثورة كشفت أن الأيديولوجيات والصراعات الحزبية حول السلطة كانت جزءا من أزمة النظام السياسي وعاملا معيقا لاستنهاض كل الأمة،لقد أكدت الثورتان التونسية والمصرية أن ما يوحد الأمة أكثر بكثير مما يفرقها ،وان حسابات الأوطان ليست حسابات الأحزاب .أكدت الثورات العربي أن لا شرعية تعلو على الشرعية الثورية الشعبية ،وهذه لا تكون إلا وطنية لا يُعبِر عنها حزب أو أيدلوجية محددة بل تُعبِر عنها الوطنية الجامعة التي تستوعب كل الأحزاب والأيديولوجيات وتخضعها لها.عودة الروح الوطنية والثقافية الوطنية في العالم العربي ستمهد الطريق لعودة الروح القومية والثقافة القومية وبالتالي إحياء المشروع الوحدوي العربي.
6.الثورة السلمية أجدى من العنف الحزبي المسلح.
لثلاثة عقود والعالم العربي يعاني من عمليات عنف دموي كانت تمارسه في الخمسينيات والستينيات جماعات يسارية وشيوعية ثم أصبحت تمارسه بعد ذلك جماعات إسلام سياسي انتشرت كالفطر في كل ربوع العالم العربي من الصومال إلى اليمن ومن مصر إلى المغرب، موظفة خطابا دينيا يتناقض مع روح الإسلام السمح.كانت نتيجة هذا العنف الدموي مقتل مئات الآلاف من المواطنين وتدمير البنية التحتية وإثارة الفتنة والفرقة بين أبناء الوطن الواحد وتشويه صورة العرب والمسلمين ومنح الغرب الذريعة والمبرر ليعيد هيمنته على المنطقة .هذا العنف المدمر بدلا من أن يؤدي للتخلص من الأنظمة القائمة أدى لتشديد القبضة الأمنية لأنظمة الحكم وإرجاع الأمة سنوات للوراء. خروج الجماهير اليوم بطريقة سلمية وحضارية أسقط أنظمة خلال شهر واحد أكد أن قوةة الشعب تكمن في إجماعه على أهداف واضحة وقابلة للتحقيق كما تكن في قوة تنظيمه وفي الطابع السلمي والحضاري لتحركه. كان الطابع السلمي والمنظم والحضاري لملايين الناس الذين شاركوا في الثورة هو مصدر قوة الثورة وكان رسالة قوية بأن الشعب العربي ليس مجرد جموع تهيمن عليها النزعة الدموية والانقسامية والتخريبية بل شعب يمكنه التصرف بحضارة .ولكن كبقية الشعوب حتى الأكثر تقدما وحضارة يبقى الخوف حاضرا ،فإذا ما أجهض الجيش الثورة أو التف على مطالبها فسيؤدي ذلك لتبرير العودة للعنف وآنذاك سيكون أكثر تدميرا وشمولية.
7.مركزية دور مصر في المنطقة
عندما تنهض مصر تنهض الأمة العربية وعندما تنتكس مصر تنتكس الأمة العربية.عندما تبنت ثورة يوليو الفكر القومي ورفعت شعارات ثورية وتقدمية معادية للاستعمار ولإسرائيل استحقت قيادة الأمة العربية حيث كانت صور عبد الناصر تُعلق في كل بيت من صنعاء إلى مراكش،آنذاك لم تجرؤ دولة أو نظام عربي على منافسة مصر في دور الريادة،ولكن عندما اعترفت مصر بإسرائيل وربطت نفسها بالمشروع الأمريكي الغربي وعندما تحالفت مع واشنطن بالعدوان على العراق ،فقدت دور الريادة وتجرأت أكثر من دولة لمنافسة مصر على دور الزعامة حتى قطر و ليبيا.كان لخروج مصر من ساحة المواجهة مع إسرائيل نتائج مدمرة على القضية الفلسطينية ،فالنظام المصري إن لم تكن متواطئا مع إسرائيل كان يشكل عائقا أمام الفلسطينيين والعرب وانتهاج طريق الثورة والتصدي للمشروع الصهيوني أو البحث عن معادلة سلام أكثر شرفا من المعادلة الراهنة.الثورة المصرية، وما سيترتب عليها من تداعيات في المنطقة،أحيت الأمل بان تستعيد مصر دور الريادة في العالم العربي وأحيت الأمل بإمكانية إعادة النظر بنهج التسوية الذي ساد خلال العقود الماضية، وإن كان الأمر سيحتاج لحين من الوقت لأن الانشغالات الوطنية ستشغل مصر لفترة من الزمن عن القضايا القومية.أيضا عدم تجاهل القوى التي تسعى لتحويل الثورة لفتنة.
8. لا تكتمل الثورة إلا بإنجاز أهدافها
لا تنتهي الثورة بإسقاط الرئيس أو الملك ،هذه مرحلة أولى من الثورة وهي مهمة في رمزيتها،فمجرد تخلي مبارك عن منصبه خلق حالة من الارتياح والفرحة العارمة عند غالبية الشعب واعتقد كثيرون أن الثورة حققت أهدافها ،ولكن الثورة لا تنجز مهمتها وتكتمل رسالتها إلا إذا أقامت نظاما سياسيا واجتماعيا بديلا عن القديم،المرحلة الأولى تهيمن عليها العاطفة والانفعال وردود الأفعال ،أما المرحلة الثانية فهي مرحلة العقل والحسابات الإستراتيجية،وعليه يجب الحذر الشديد في الانتقالية الراهنة والمرحلة الثانية الآتية،وفي التجربة الثورية المصرية توجد أكثر من جهة محلية ودولية معنية بالتدخل في عملية إعادة بناء النظام السياسي بما لا يخل بمصالحها،والخشية أن تتلاقى مصالح أطراف داخلية وخصوصا من قيادات في الجيش وبقايا نخبة الحزب الوطني مع أطراف خارجية لتوجيه الأمور بعيدا عن المطالب الحقيقية للقطاع الأوسع من الشعب .
من خلال التجارب التاريخية فإن كل الثورات تتعرض لمحاولات سرقتها أو حرفها عن مسارها ،وأن الجماهير التي تقوم بالثورة في مرحلتها الأولى ليست نفسها التي ستعيد بناء النظام الجديد،فالجماهير التي خرجت للشارع ستعود لبيوتها اليوم أو غدا ليستلم آخرون مقاليد الأمور.أيضا التجارب التاريخية تؤكد أن الثورة لا تنجز أهدافها دفعة واحدة بل تحتاج لوقت ،المهم أن يحافظ الشعب على روح الثورة وألا ينفرط عقد الإجماع الوطني الذي جسدته الثورة في مرحلتها الأولى،وفي جميع الحالات فإن حال المنطقة العربية بعد اندلاع الثورة لن يكون حاله قبلها.
9- الثورة ثقافة أيضا
النتائج السياسية للثورة قد تظهر بسرعة وكذا النتائج الاقتصادية ،ولكن الثورة ليست فقط تغيير أنظمة سياسية واقتصادية بل أيضا تغيير الثقافة السائدة في المجتمع،فالثقافة الشعبية الثورية تعتبر الحاضنة للثورة وضمان نجاحها وديمومتها بل يفترض أن تكون المحرك للفعل الثوري.دون ثقافة الثورة سيبقى الفعل الثوري نخبويا ومعرضا للانحراف . بالرغم من مشاركة المثقفين بالثورات العربية إلا أن أن مشاركتهم كانت مرتبطة بانتماءاتهم الحزبية ولم يبلوروا حالة ثقافية متعالية عن الأحزاب ،ولان الأحزاب تغذي ثقافات فرعية تصل لحد التصادم كما هو الشأن لثقافة الإسلام السياسي وثقافة قوى اليسار وثقافة معولمة للشباب الذين فجروا الثورة ،يصبح مطلوبا بلورة ثقافة وطنية ثورية تعبر عن رؤى وتطلعات الجيل الجديد من الشباب .





































الفصل الثالث
الثورة العربية وفلسطين
استعادة البعد القومي أم تعزيز البعد الإسلامي؟

تاريخيا حدث تلازم ما بين القضية الفلسطينية والعالم العربي بحيث كانت أية تحولات أو متغيرات كبيرة تحدث في العالم العربي تنعكس مباشرة على القضية الفلسطينية ،عندما تنتكس الحركة القومية والثورية العربية تنتكس القضية الفلسطينية وعندما تنهض الحالة العربية تنهض معها القضية،فما كانت فلسطين تضيع وتحدث النكبة عام 1948 لو لم تكن الحالة العربية عاجزة بل ومتواطئة مع بريطانيا،وما كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تعرف نهوضا مع حركة فتح وبقية القوى الوطنية منتصف الستينيات لولا حالة المد الثوري والتقدمي العربي ،في المقابل فإن الانتكاسات التي أصابت القضية الفلسطيني أخيرا غير منقطعة الصلة بتراجع الحالة الثورية والتقدمية العربية منذ توقيع مصر لاتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل 1978 ثم انهيار النظام الإقليمي العربي بعد حرب الخليج الثانية .ومن هنا فإن أية نهوض وتغيير تشهده المنطقة سيكون لها تداعيات على القضية الفلسطينية ،ولكن هذه التداعيات مرتبطة بالحوامل الاجتماعية والسياسية التي ستقود عملية التغيير وتتسلم مقاليد الحكم ما بعد نجاح الثورة .
لكن ارتباط القضية الفلسطينية بمحيطاها بعد الثورة الراهنة رهن بالقوى الرئيسة في الثورة ولا يبدو ان هذه القوى ذات توجهات قومية وحدوية كما كان الحال خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات،فالتوجهات الإسلامية واضحة وكامنة تنتظر الفرصة وبالتالي قد تعزز الثورة في مرحلتها الأولى البعد الديني للقضية الفلسطينية.لا شك أن الثورة العربية اقتصرت على العالم العربي كما أن المشاعر والتوجهات القومية العربية حاضرة بشكل ما ،ولكن ما هو ظاهر حتى الآن هو الطابع الوطني بملامح إسلامية فرضها الإسلاميون لقوة إعلامهم ومالهم وتنظيمهم ،وهذا ما تراهن عليه حركة حماس في فلسطين،ولكن ما نخشاه أن لا تولي هذه القوى الإسلامية كثير اهمية لفلسطيني بل قد يتراجع اهتمامها عندما تنشغل بالحكم والسلطة.وفي جميع الحالات علينا التعامل مع توجهات وعلاقات إسلامية وقومية مختلفة عما كانت عليه سابقا ،فكثير من مفردات أيديولوجية الطرفين تغيرت وقد تؤسس الديمقراطية لعلاقة تصالحية بينهما تدعم القضية الفلسطينية.










المبحث الأول
الثورة العربية والقضية الفلسطينية
تأثير وتأثر

كل الكتابات تقريبا حول علاقة الثورة العربية بالقضية الفلسطينية تركزت على تأثير الثورة العربية وخصوصا المصرية على القضية الفلسطينية والصراع مع إسرائيل وقليل منها تحدث عن تأثير القضية الفلسطينية ودورها في قيام الثورات العربية.
لا شك أن تأثير القضية الفلسطينية وخصوصا الممارسات الإجرامية الصهيونية بحق الفلسطينيين وعجز الأنظمة العربية عن مساعدة الفلسطينيين إن لم يكن تواطؤهم مع العدو لم يكن مباشرا ،ولكن لا ينكر انه راكم عبر السنيين حالة من النقمة الشعبية على الأنظمة وممارساتها.الجماهير العربية لم تنسى أو تغفر للأنظمة وهي تقف موقف المتفرج على الإجرام الصهيوني خلال سنوات الانتفاضة سواء الأولى أو الثانية ولم تنسى أو تغفر صمت الأنظمة وطائرات العدو ودباباته تقصف وتحرق غزة ،ولم تنس أو تغفر للأنظمة صمتها وتواطؤها والعدو يستوطن الضفة ويهود القدس ويدنس المقدسات،لقد كانت فلسطين حاضرة في ضمير ووجدان الثوار وإن لم تكن العنوان الرئيس لثورتهم أو على رأس سلم اهتماماتهم .وبالتالي يمكن القول بأن العلاقة بين الثورة العربية والقضية الفلسطينية كانت تأثير وتأثر .

المطلب الأول: الثورة العربية بين وطنية المطالب وقومية التداعيات

بسرعة كبيرة تتوتر الأحداث في العالم العربي ،بدءا مما يجري في السودان واليمن مرورا بما جرى في تونس وما يجري في مصر وانتهاء بما سيجري في ليبيا واليمن وسوريا الخ ،كلها أحداث بقدر ما تثير التفاؤل والأمل بغد أفضل إلا أن بعضها يثير القلق والخوف من مرحلة انتقالية ستكون مفتوحة على كل الاحتمالات وستتعدى في تأثيراتها الشأن الداخلي لكل دولة لتعيد ترتيب الأوضاع في الشرق الأوسط بما سيخلط الأوراق ويؤسس لحالة من الفوضى وعدم الاستقرار ، وهي حالة إما أنها ستخدم سياسة الفوضى البناءة التي تريدها واشنطن وتخطط لها ،أو ستخدم شعوب المنطقة المتطلعة لبناء عالم عربي جديد تُحترم فيه كرامة المواطن وحرياته الإنسانية .
الأحداث توحي بوجود مشترك بينها وخصوصا أزمة النظم السياسية العربية وانكشاف شرعيته في كل البلدان العربية ،واهم هذا المشترك :كسر الجماهير لحاجز الخوف ، كسر قيود الحزبية الضيقة ،تبديد وهم أن الإسلام السياسي هو المسيطر على الشارع العربي، استحضار لروح الثورة والأمل عند الجماهير العربية بإمكانية تغيير الأوضاع السياسية وكسر حالة الجمود والإحباط المسيطرة على الشعب العربي ،انكشاف أن الأنظمة ستكون نمور من ورق في مواجهة جماهير قررت أن تكون سيدة نفسها...إلا أنه مقابل ذلك فإن هذه اللحظة التي ستشكل منعطفا مصيريا في تاريخ الأمة العربية تحتاج أيضا لإعمال واستحضار العقل وتتطلب أقصى درجات الحذر والحكمة في التعامل مع هذه الأحداث والمتغيرات وتداعيات كل ذلك على المعادلة السياسية في الشرق الأوسط وعلى القضية الفلسطينية على وجه الخصوص .

المتغيرات التي يشهدها العالم العربي وحتى في حالة صيرورتها متغيرات تتجاوب مع التطلعات المشروعة للشعوب بالديمقراطية ،فإنها على المدى القريب ستشغل الشعوب العربية بمشاكلها وهمومها الداخلية لحين من الوقت ،الأمر الذي قد تستغله إسرائيل لتصعيد عدوانها على قطاع غزة و لتسريع سياسة الاستيطان والتهويد ما دام العرب والعالم منشغلين بما يجري داخل بلدانهم ،بل لا نستبعد أن تُقدم إسرائيل على إجراءات خطيرة قد تصل لإعادة احتلال قطاع غزة في حالة تدهور الأوضاع في مصر وخصوصا في شمال سيناء.

إن كانت المحصلة النهائية للمد الثوري العربي سيؤثر على القضية الفلسطينية إلا أن التأثير سيختلف من دولة إلى أخرى بل لا نستبعد أن تكون نتائج ثورة ما سلبية بالنسبة للقضية الفلسطينية ،وفي جميع الحالات فالأمر يرتبط بالقوى الثورية أو التي ستستلم مقاليد السلطة بعد الثورة ،أيضا بدرجة التدخل الخارجي في مجريات الثورة ،فالغرب وخصوصا واشنطن يتدخل في الثورة الليبية وإيران تتدخل في الثورة البحرينية .
مثلا الرغم من أهمية الثورة التونسية وما بلغته من دروس إلا أن تداعياتها على السياسات الخارجية لدول المنطقة وعلى الصراع العربي الإسرائيلي بقى محدودا ،ليس فقط لأن الثورة التونسية ثورة إصلاحية وطنية بل أيضا لأن الجغرافيا السياسية ودور تونس في سياسات الشرق الأوسط والعالم يبقى محدودا . ومن هنا نلاحظ كيف رحبت واشنطن وأوروبا والعالم بثورة الشعب التونسي ولم تجر أي محاولات للتأثير في مجريات الثورة ،أما في مصر فالعالم ينظر لما يجري ويتعامل معه بشكل مختلف والوضع لم يستقر بعد في مصر وقد تحدث مفاجئات تخرج الثورة عما كان يريده الشباب.
إذا بقينا في الحالتين التونسية والمصرية ،فإن أي تغيير جذري في النظام السياسي في مصر ستكون له انعكاسات إقليمية ودولية وسيعيد خلط الأوراق وخصوصا في ملف الصراع في الشرق الأوسط وبالتالي فإن الحسابات السياسية والإستراتيجية المرتبطة بالمصالح لها الأولوية على حسابات الديمقراطية وحقوق الإنسان ،أما في تونس
فالغرب يتعامل مع الثورة فيها كقضية ديمقراطية وحقوق إنسان بالدرجة الأولى دون تجاهل وجود حسابات إستراتيجية على المدى البعيد.
إن كانت الثورة في تونس ومصر موجهة ضد أنظمة حليفة لواشنطن وغير معادية لإسرائيل وتندرج في إطار ما يسمى بمعسكر الاعتدال ،مما يرفع من سقف توقعات القوى المعارضة للغرب، فإن الثورة امتدت لأنظمة من معسكر الممانعة أو قريبة منه كسوريا وليبيا وهذا يدفع للتساؤل عن طبيعة القوى التي ستستلم مقاليد الأمور في حالة انهيار هذه الأنظمة وما طبيعة علاقتها بالغرب وإسرائيل وقد رأينا كيف باتت الثورة الليبية تحت رعاية وحماية حلف الأطلسي والأمم المتحدة.

هناك ملاحظة مهمة في الثورة المصرية – وكانت موجودة أيضا في الثورة التونسية- وهي أن المتظاهرين كانوا يرفعوا شعارات ويرددوا هتافات تعبر عن مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية محددة وكلها لها طابع وطني بعيدا عن أية أيديولوجية،فلم يتم رفع شعارات معادية لواشنطن أو للغرب ولا حتى لإسرائيل ،لم تحرق أعلام أمريكية أو إسرائيلية ،لم يتم ترديد شعارات كبرى كالمطالبة بتحرير فلسطين أو قطع العلاقات مع إسرائيل الخ.بصيغة أخرى كانت مطالب وطنية تندرج في إطار الإصلاح الديمقراطي .إن وطنية وعقلانية أهداف الثورة المصرية تعود لأن قادتها من الشباب المتعلم والواعي والمدرك لخصوصية وضع مصر الاستراتيجي ودقة الوضع الاقتصادي فيها ، وكذا الحال بالنسبة للقوى والأحزاب السياسية التي التحقت بالثورة .

بسبب وعي قادة المحتجين وبسبب قوة التدخل الذي تقوم به واشنطن والغرب في التأثير على مجريات الأحداث فإن القيادة القادمة ستكون في المرحلة القريبة ذات توجهات إصلاحية داخلية ولن تفتح الملفات الكبرى كاتفاقية كامب ديفد والالتزام بالسلام مع إسرائيل وخصوصية علاقة مصر بواشنطن والغرب ،بمعنى أنه سيتغير رأس النظام ولن يتغير النظام في بنيته الأساسية ومن حيث سياساته الدولية. الجيش الذي تولى السلطة سيكون أكثر حرصا على التمسك بعلاقة مصر مع إسرائيل وبالعلاقة مع الغرب على المدى القريب على اقل تقدير ،وحتى الشخصيات المرشحة للرئاسية مثل عمرو موسى ومحمد البرادعي سيكونان أكثر حرصا من الرئيس مبارك على الحفاظ على اتفاقية كامب ديفيد وعلى علاقة مصر مع واشنطن والغرب .وحتى في حالة تشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك فيها جماعة الإخوان المسلمين ،فلن تتغير السياسة الخارجية كثيرا وخصوصا من جهة العلاقة بإسرائيل وبواشنطن .ولكن الخوف يأتي من عدم التوصل لتفاهم ما بين الثوار والجيش وبالتالي حدوث حالة فتنة وفوضى ستؤدي لأعمال عنف وظهور جماعات عنف سرية وستدخل مصر في وضع خطير جدا ،وآنذاك ستكون فرصة لإسرائيل وقوى أخرى لتأجيج الفتنة وإطالة عمرها.

إن كنا نتمنى عودة الاستقرار للمنطقة العربية في ظل نظم ديمقراطية إلا أننا نتمنى على القيادات الفلسطينية أن تأخذ بعين الاعتبار أن كل الاحتمالات واردة وبالتالي عليها استباق الأمر بسياسات وقائية وعلى رأسها عدم التدخل في الشأن الداخلي العربي وإنجاز المصالحة الفلسطينية . في السياسة وخصوصا في الشرق الأوسط كل الاحتمالات واردة .من هذه الاحتمالات حدوث تغيرات كبيرة في المؤسسة الحاكمة في مصر أو حالة فوضى وعدم استقرار ،وكذا احتمال انزلاق ثورات عربية لحالة من الحرب الأهلية وحتى الإقليمية.

المطلب الثاني:وطنية الثورة وقومية التداعيات
ما أن اندلعت الثورة حتى راود الأمل الكثيرين بأن العالم العربي يشهد انتفاضة جماهيرية ستعيد رسم الخارطة السياسية في المنطقة وتعيد الآمال العربية بالتحرر والوحدة وما سيترتب على ذلك من تغيير معادلة الصراع مع العدو وخصوصا ان إسرائيل وواشنطن تنظران بقلق للأحداث في مصر وفي مجمل الساحة العربية .
صحيح أن المد الثوري أخذ بعدا وطنيا حتى الآن حيث لم يرفع المحتجون أو الثائرون شعارات كبرى كتحرير فلسطين أو الوحدة العربية أو القضاء على إسرائيل وأمريكا بل لم يتم ترديد ولو شعار واحد ضد واشنطن وإسرائيل او حرق العلمين الإسرائيلي والأمريكي ،كما كان الحال مع الثورات أو الانقلابات العربية السابقة ،ولكن الثورات العربية سيكون لها تداعيات على كل المنطقة ولو بعد حين لأن الملايين التي خرجت للشارع وكسرت حاجز الخوف لن تعود لبيوتها خاوية الوفاض ولأن رسالة الثورة وصلت لكل الأنظمة العربية وللغرب ولإسرائيل. نتمنى أن تفهم الأنظمة الرسالة جيدا وقبل فوات الأوان لأن الجماهير إن لم تحقق مطالبها بالتغيير الحقيقي بالطرق السلمية فإن مصر والمنطقة العربية ستشهد موجة من العنف المسلح ستدخل البلاد في دوامة من عدم الاستقرار وستكون فرصة لأطراف خارجية لتلعب فتنة وخرابا في العالم العربي سواء كانت هذه الأطراف إيران وجماعات الإسلام السياسي المتطرفة كتنظيم القاعدة أو إسرائيل وواشنطن خدمة لسياسة الفوضى الخلاقة التي تخدم مصالحهم .

كل ثورة تعبر عن قيم وثقافة ومتطلبات المرحلة ،بالتالي لا نتصور أو نتوقع أن الثورات المعاصرة ستكون نسخة من الثورات السابقة لا من حيث القوى المحركة ولا من حيث أهداف الجماهير التي قامت بالثورة،وبالنسبة للحراك الشعبي العارم والذي يضع الشعوب العربية على أعتاب ثورة حقيقية، لا نتوقع أن تقوم القيادة الجديدة في مصر مثلا – في حالة حدوث التغيير الذي تريده الجماهير – بمباشرة خطوات دراماتيكية في السياسة الخارجية لمصر سواء من حيث العلاقة مع إسرائيل أو مع واشنطن والغرب حتى وإن شاركت في هذه القيادة جماعة الإخوان المسلمين ،حيث ستطغى انشغالا الوضع الداخلي الاقتصادية والسياسية والاجتماعية على أية انشغالات أخرى .
الأيديولوجية القومية العربية والمواقف المعادية لإسرائيل كامنة ولا شك في عمق العقل الجمعي المصري ولكنها ليست من أولويات الجماهير التي لها مطالب ذات طابع وطني ،وبالتالي فالتحول في توجهات الثورة قد يحدث مع مرور الوقت ،وهذا يذكرنا بـ (ثورة) يوليو 52 التي كانت في بدايتها ثورة وطنية خالصة ،وهذا ما كان واضحا في مبادئ الثورة، وفيما بعد أصبح لها توجهات قومية وثورية تحررية .ونعتقد أن الحائل بين السلطة الجديدة التي ستنتج عن التغيير والمواجهة مع تل أبيب والغرب ليس فقط الأيديولوجية بل لأن الجيل الجديد من الشباب والقوى المؤهلة لاستلام زمام الأمور يدركون أن الاقتصاد المصري يعتمد بشكل كبير على الخارج – معونات أمريكية سنوية ،عائدات قناة السويس ،السياحة ،الاستثمارات الخارجية الخ – .ما يعزز أيضا أن تبقى التغيرات في السياسة الخارجية محدودة أن التغييرات ستكون تحت إشراف المؤسسة العسكرية – إن لم تستلم المؤسسة العسكرية السلطة وتقمع المتظاهرين – والجيش جزء أصيل من النظام وتوجهاته ومصالحه حيث النخبة الاقتصادية للنظام تمكنت من الجيش وكسبت ولاء كثير من ضباطه ،هذا بالإضافة إلى الضغوط التي تمارسها واشنطن على الجيش ، ولكن فيما بعد سيتم فتح ملف العلاقة مع إسرائيل ومع واشنطن .

في هذا السياق علينا التمييز بين التداعيات بعيدة المدى والتداعيات المباشرة،التداعيات الإيجابية فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية وتغيير الحالة العربية ،ستكون بعيدة المدى وحدوثها مرتبط بطبيعة القوى الصاعدة التي ستستلم مقاليد الأمور،أما التداعيات قصيرة المدى والمقصود بها خلال الفترة الانتقالية الفاصلة ما بين إسقاط النظام أو خروج الناس للشارع وبناء النظام على أسس جديدة ،في هذه المرحلة علينا أن نكون حذرين جدا لأنها مرحلة ستتسم بعدم استقرار سياسي ينتج عنها فراغ أو ضعف امني وهو الأمر الذي سيثير الخوف لدى إسرائيل مما قد يدفعها لاتخاذ خطوات استباقية في علاقتها بقطاع غزة -كما سبق الإشارة - لأنها عندما انسحبت من داخل القطاع كانت تراهن على وجود نظام قوي في مصر ملتزم باتفاقية السلام وقادر على حفظ امن حدوده مع القطاع ومع إسرائيل،وأن تحدث حالة فراغ أمنى في سيناء ويتغير نظام الحكم في مصر فهذا مدعاة لقلق إسرائيل ودافعا لتعيد حساباتها الإستراتيجية .



المبحث الثاني
ثورة شباب فلسطين

نتيجة وحدة الثقافة والأنتماء المشترك والثورة المعلوماتية تأثر شباب فلسطين بما يجري في العالم العربي وخصوصا في مصر الجار القريب،ولكن شباب فلسطين لهم تجارب ثورية رائدة وخصوصا انتفاضتي 1987 والأقصى 2000 ،وبالتالي عندما قرروا القيام بحراك أو ثورة كانوا معتمدين على تاريخ ثوري وتجارب سابقة مع إضافة مستجد لم يكن موجودا وهو شبكات التواصل الاجتماعي والتلفون المحمول كادوات سهلت عليهم التواصل والإعلان عن ثورتهم بعيدا عن اعين اجهزة الأمن.
لم تكن السؤال عند شباب فلسطين فقط هل يقوموا بثورة أم لا ؟بل ضد من يقوموا بثورتهم ؟ الشباب في العالم العربي قاموا بثورة ضد أنظمة فاسدة وغير ديمقراطية وكان مطلبهم إسقاط هذه الانظمة،وتجربة شباب فلسطين كانت ثورة ضد الاحتلال الصهيوني،اما اليوم فمناطق السلطة تخضع للاحتلال وفي نفس الوقت منقسمة لسلطتين وحكومتين فلسطينيتين باتتا عائقا اما الشعب ومواجهة الاحتلال.وعليه كان قرار شباب فلسطيني الثورة ضد الانقسام.

المطلب الأول:ثورة فلسطينية لإنهاء الانقسام أصبحت ضرورة وطنية بعد انغلاق أفق المصالحة
إن كانت الشعوب العربية تثور بسبب الفقر فالفقر في مناطق السلطة الفلسطينية أكثر،وإن كانت تثور بسبب الجوع فالجوع عند الفلسطينيين أشد وطأة ، وإن كانت تثور بسبب البطالة فالبطالة عند الفلسطينيين أشمل وغير مسبوقة في التاريخ ،وإن كانت تثور بسبب التفاوت في الثروة وغياب العدالة الاجتماعية فلدى الفلسطينيين من أغنياء الثورة وأغنياء السلطة وأغنياء الانتفاضة وأغنياء الانقسام وأغنياء الأنفاق وأغنياء الحصار وأغنياء الفساد السياسي ما يشكل طبقة منتفعة أكثر تخلفا واستغلالا وفسادا مما في الدول العربية الأخرى،أما إذا ثار الشباب والشعب لأنهم فقدوا المراهنة على الأحزاب التقليدية يسارية كانت أو إسلامية التي بات همهما البحث عن بعض المكاسب والوظائف ومشاركة النظام ببعض غنائم السلطة وببعض مقاعد المؤسسة التشريعية ،فإن حالة أحزابنا وفصائلنا باتت عبئا على الحالة الوطنية وتكيفت مع حالة الانقسام وفقدت الدافعية للثورة والجهاد،وبالتالي لا شيء يمنع الشباب الفلسطيني من الثورة دون انتظار إذن من الأحزاب أو مشاركتها ، أما إن ثارت الجماهير العربية بسبب غياب الديمقراطية أو نقص فيها فالديمقراطية عندنا وُلِدت متعثرة وكانت شكلية وحتى الديمقراطية الشكلية تم وأدها مباشرة بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة وما تبعها من انقلاب حماس ثم الانقسام ،أما إن ثاروا بسبب امتهان الكرامة وغياب الحريات فحدث عنهما بلا حرج عند الفلسطينيين ،فهل هناك من امتهان للكرامة وإذلال لإنسانية الفلسطيني من الاحتلال؟ وهل هناك من إذلال وانتهاك للكرامة وحَدٌ للحرية من الحصار على غزة والحواجز في الضفة ؟ وهل هناك من إذلال للكرامة الوطنية من الانقسام الذي دمر المشروع الوطني وبدد الآمال بإمكانية قيام دولة مستقلة كما بدد الآمال بإمكانية استنهاض الحالة الوطنية النضالية ؟وهل هناك من إذلال وامتهان للكرامة من ضياع الوطن والاستيطان المتواصل وتهويد المقدسات وعربدة المستوطنين؟ ليس ذلك فحسب بل ابتلينا بسلطتين وحكومتين وجودهم بحد ذاته إهانة للكرامة الوطنية لان وجودهم واستمرارهم مرهون برضا العدو عنهم وعن أدائهم، وحتى يرضوا العدو ويسكت عن وجود هاتين السلطتين فهما تعملان كل ما من شانه لإعاقة المقاومة ومحاربتها بل وتعهير من يمارسها ،لا فرق في ذلك بين حكومة حماس في غزة وحكومة رام الله.
لا أعجب لاندلاع الثورات في العالم العربي بل أعجب لخنوع الشعب الفلسطيني طوال السنوات الخمس الأخيرة ، سنوات التيه السياسي و الانقسام والإذلال الوطني.لعقود والفلسطينيون سادة الثورة ومع الثورة أضاف الفلسطينيون لسجلهم النضالي مصطلح الانتفاضة وهو المصطلح الذي دخل القاموس العالمي ووقفت شعوب الأرض احتراما وإجلالا أمام الطفل الفلسطيني وهو يحمل حجرا يواجه به دبابات الاحتلال الصهيوني . خلال المسيرة الطويلة للثورة بانتفاضتيها ألهم الفلسطينيون كثيرا من الشعوب وحركات التحرر في العالم وعلموهم دروسا في الثورة والانتفاضة والصبر على الشدائد ،وكانت الكوفية الفلسطينية وما زالت رمزا للبطولة والتحدي.
نعم نقول نحن الشعب الفلسطيني الذين كنا سادة الثورة العربية ومبدعو الانتفاضة الشعبية والقابضون على الجمر، بتنا اليوم نعيش حالة انتظار،انتظار طير أبابيل ترمي اليهود بحجارة من سجيل ،أو انتظار جيوش المعتصم تنطلق من إيران لتحرير القدس ! أو انتظار قرار أممي يقدم لنا الوطن على طبق من ذهب ! أو انتظار أن تغير الثورة العالم العربي من حولنا ليشكل كماشة تلتف على إسرائيل وتدفع باليهود إلى البحر ! .هللنا للثورة التونسية كما هللنا للثورة المصرية وسنهلل لكل ثورة عربية آتية ،ولكن يجب ألا ينتابنا الوهم بان الشعوب العربية ثارت من اجلنا ،لا شك أنها تحبنا وتتعاطف معنا ولكن قضاياها الوطنية لها الأولوية على قضيتنا ،وستنشغل لسنوات بأمورها الداخلية ،حتى وإن غيرت سياساتها تجاه إسرائيل فيجب أن لا ننتظر أن ترسل جيوشها لتحرر فلسطين نيابة عنا ،العالم العربي سيتغير للأفضل ولا شك والحكومات المناصرة لعدالة قضيتنا ستتزايد ووضع إسرائيل سيصبح أكثر إحراجا ، ولكن ، ثورة العالم العربي لن تنفعنا إن لم نباشر ثورتنا بطريقتنا الخاصة .
استحسنا دعوة شباب فلسطيني عبر الموقع الاجتماعي الفيس بوك للثورة رافعين شعار (الشعب يريد إنهاء الانقسام)،وهي مبادرة طيبة ولكن يؤخذ على شباب 5 فبراير أو شباب ثورة الكرامة، أو لسوء حظهم، أنهم تسرعوا في تحديد يوم الثورة (ثورة الكرامة ) يوم الحادي عشر من الشهر الجاري لأنه كان يوم الحسم بالنسبة للثورة المصرية وكان الإعلام منشغلا بما يجري في مصر ،كما أن الشباب لم يهيئوا لحركتهم المشروعة جيدا بحيث ينسقوا مع شباب الضفة بل والشباب الفلسطيني في الشتات وداخل الخط الأخضر لأن الانقسام لا يقتصر على غزة والضفة بل يشمل كل الشعب الفلسطيني، وإنهائه مطلب وطني شامل ، كما أن تدخل بعض المواقع المحسوبة على شخصيات في حركة فتح شوه الفكرة وأظهرها وكأن حركة فتح تقف وراء ثورة الكرامة ،وبالتالي بدت ثورة الشباب وكأنها موجهة فقط ضد حكومة حماس في غزة .
نعم الشعب الفلسطيني أحوج اليوم أكثر من أي يوم مضى للثورة ،والمؤهلون لهذه الثورة ليس الأحزاب والفصائل والحركات التي فقدت مصداقيتها وأصبحت عبئا على الوطن ومعيقا لاستنهاض الحالة الثورية الوطنية ،ولا استثني أحدا، من حماس إلى فتح ومن الجبهة الشعبية إلى بقية الفصائل ،المؤهلون هم الشباب الذين يشكلون غالبية الشعب الفلسطيني ،وغالبية الشعب الفلسطيني ليست منخرطة تنظيميا في أي من الأحزاب والفصائل ،إنها الأغلبية الصامتة والمقموعة بأجهزة الأمن وبالخوف أو مقموعة بالراتب والكوبونة ،ليس صحيحا أن حركة حماس تمثل الأغلبية ولا حركة فتح ،أنهما الأكثر ضجيجا وتأثيرا بفعل المال والسلاح ولأنهما أحزاب سلطة وليس نتيجة تمثيلهم الحقيقي للشعب،وقد كشفت ثورتا تونس ومصر حقيقة أحزاب السلطة ومدى شعبيتهم. المؤهلون لقيادة الثورة هم الشباب بكل فئاتهم وعندما يتحرك الشباب سيخرج كل الشعب من ورائهم ،الشعب ألذي أذله الانقسام والاقتتال الداخلي والتحريض المتبادل والحصار والاحتلال وفقدان الأمل بغد أفضل،حتى المستفيدون من الحكومتين والسلطتين سيخرجون وراء الشباب في ثورتهم عندما يشعرون أن الشباب لا يسعون لمناصب أو مكاسب ولا تسيرهم أدوات خارجية أو حزبية،الشعب يريد الطليعة التي تكسر حاجز الخوف كما كسر الشباب في مصر وتونس حاجز الخوف .
أن يرفع الشباب شعار (الشعب يريد إنهاء الانقسام ) فهذا لا يعني أنهم غير مدركين لوجود الاحتلال وكونه الخطر الأكبر على القضية الوطنية،ولكنهم على ما أظن وما اتفق معهم به يدركون أنه لا يمكن مواجهة الاحتلال في ظل حالة الانقسام وان القوى المستفيدة من الانقسام لن تسمح بمحاربة الاحتلال إن كان في ذلك إنهاء سلطتها وتجريدها من مصالحها.وبالتالي يصبح إنهاء الانقسام وإسقاط القوى المستفيدة منه والمتمسكة به مدخلا ضروريا لاستنهاض الحالة الوطنية العامة ولوضع إستراتيجية كفاحية تعيد القضية الوطنية لأصولها كحركة تحرر وطني.إن ثورة فلسطينية لإنهاء الانقسام باتت ضرورة وطنية اليوم،وكل من سيقف في وجه ثورة الشباب لإنهاء الانقسام سيكون مدافعا عن الانقسام وبالتالي معاديا للإرادة الشعبية ومنحازا للعدو الإسرائيلي .
ونقول للشباب إن شباب فلسطين هم الذين فجروا كل ثورات الشعب الفلسطيني وهم الذين فجروا الانتفاضتين المجيدتين ،ونقول للحكومتين في غزة والضفة تعلموا درسا مما جرى في تونس ومصر وما يجري في ليبيا واليمن وغيرها ،لن تنفعكم أجهزتكم الأمنية وأسلحتكم ولن تنفعكم تحالفاتكم الخارجية كما لن تنفعكم شعاراتكم التي ملها الشعب لأنه اكتشف زيفها ،فلا الوطن والوطنية حكرا لكم ولا الدين المقاومة حكرا لكم.
ومع ذلك نتمنى أن تسارع القوى السياسية بإنجاز المصالحة وإنهاء الانقسام وبالتالي لا تصبح ضرورة للثورة لأننا ندرك ما قد تجره ثورة أو انتفاضة ضد حكومة أو سلطة فلسطينية في ظل وجود الاحتلال،فقد يستغل العدو هذه الثورة ليصب عليها الزيت ويدفع عملائه للتخريب والتدمير ويقف متفرجا على حرب أهلية فلسطينية،ولكن إن لم تحدث المصالحة فستصبح الثورة أو الانتفاضة أمرا لا بد من بالرغم من محاذيرها.

المطلب الثاني :شباب فلسطين لا يقلدون غيرهم بل يصححون مسار ثورة شعبهم
شباب الثورة الفلسطينية لا يقلدون ثورات غيرهم بل يصححون مسار ثورة شعبهم ،وبالتالي ليس صحيحا أن دعوة الشباب الفلسطيني للثورة لإنهاء الانقسام دوافعها التقليد والمحاكاة للثورات العربية التي اندلعت في تونس ومصر وليبيا واليمن ولا مبرر لها مستمد من واقع الشعب الفلسطيني. قد تتفق الحالة الفلسطينية مع غيرها من حيث ريادة الشباب لفكرة الثورة ومن حيث استعمال مواقع التواصل الاجتماعي الالكترونية لنشر الدعوة للثورة ومن حيث شروط ودوافع الثورة المرتبطة بمستوى المعيشة والعدالة الاجتماعية ،التي هي في الحالة الفلسطينية متواجدة أكثر بكثير من أية دولة عربية ،إلا أن الخصوصية تأتي من حيث أن الوضع الطبيعي الذي يجب أن يكون عليه الشعب الفلسطيني هو الثورة ما دام الاحتلال جاثما على أرضنا وأجسادنا ومُهينا لكرامتنا ومُدنسا لمقدساتنا،وأن وجود حكومتين وسلطتين ومؤسسات سياسية رسمية وأجهزة أمنية و(ديمقراطية) الخ وضع غير الطبيعي وخارج سياق مرحلة التحرر الوطني التي يفترض أنها الوضع الطبيعي وانحراف عنها.
إذن الثورة الفلسطينية القادمة والتي عنوانها إنهاء الانقسام ليست تقليدا لأحد بل استنهاض لثورة مغدورة ،ثورة غدرها بعض أهلها قبل أن يجهضها الاحتلال،الثورة القادمة التي سيكون طليعتها الشباب ومن خلفهم كل فئات الشعب تصحيح لوضع خاطئ وإعادة للأمور إلى نصابها،شعب خاضع للاحتلال عليه مواجهة الاحتلال موحدا .ثورة إنهاء الانقسام ثورة ضد الاحتلال تبدأ بإزالة العقبات التي تَحُوٌل بين الشعب وحقه في مقارعة الاحتلال، والانقسام أهم هذه العوائق.
قد يطرح البعض لماذا التركيز على إنها الانقسام وجعله عنوانا للثورة الفلسطينية؟ الجواب ببساطة أن إنهاء الانقسام هو مفتاح عودة الشعب الفلسطيني لهويته وكينونته الوطنية اللتان مزقهما الانقسام ،وإنهاء الانقسام مفتاح عودة القضية لماهيتها وأصولها كحركة تحرر وطني ، وإنهاء الانقسام هو المدخل لمواجهة الاحتلال سلما أو مقاومة ،فأي جهد لمقاومة الاحتلال سياسيا كان أو عسكريا في ظل الانقسام سيكون مصيره الفشل أو تكريس حالة الانقسام .
الانقسام أخرج القضية الفلسطينية عن سياقها الطبيعي ،دمر المشروع الوطني ،دمر مشروع السلام الفلسطيني ،دمر مشروع المقاومة وأنهاه،فَصَل بين الشعب في غزة والشعب في الضفة وصَدَرَ الانقسام للخارج إلى فلسطينيي الشتات ،عزز الأحقاد بين أبناء الشعب ،شوه صورتنا في الخارج،مكن إسرائيل من العمل على استكمال مشروعها الاستيطاني ألتهويدي بشكل سريع ومريح،نَشرَ الفقر والبطالة والإحباط واليأس عند الشعب،وبصورة عامة فإن الانقسام صيَّر الشعب الفلسطيني في حالة غير مسبوقة من الإذلال والتيه السياسي ،وبالتالي فإن كل من ساعد على وجود حالة الانقسام أو يدافع عنها أو يقف ضد من يطالب بإنهائها يصطف إلى جانب العدو الصهيوني.
لقد منح الشعب الفلسطيني للفصائل وخصوصا فتح وحماس الوقت الكافي لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة ،صبر عليهم لسنوات :من حوارات لحوارات ومن أوراق مصالحة لأخرى ومن وسيط لوسيط، والنتيجة مزيد من الانقسام والدمار، والحزبان الكبيران ،حماس وفتح يجلس كل منهما على كرسي سلطة معتقدا انه مَلَكَ الدنيا وما عليها، ولسان حالهما يقول فليذهب الشعب إلى الجحيم .
ما كنا نتمنى أن تكون الثورة طريقا لإنهاء الانقسام لأننا نعرف محاذير ثورة أو انتفاضة في مواجهة حكومة فلسطينية سواء كانت حكومة غزة أم حكومة رام الله وفي مواجهة شرائح من الشعب – حتى وإن كانت قليلة العدد -مستفيدة من الانقسام ،وفي ظل وجود الاحتلال العدو الأوحد والوحيد للشعب ،ونعرف جيدا أن إسرائيل تترقب مثل هكذا ثورة ليس لأنها تريد إنهاء الانقسام بل لأنها تريد أن ننشغل يبعضنا بعضا وهي ستعمل على صب الزيت على نار الثورة لتزيدها اشتعالا ،ولكن ما العمل؟ إلى متى سيبقى الفلسطينيون سادة الثورة والجهاد في حالة خنوع وانتظار للمجهول ؟إلى متى سنبقى ننتظر المنقذ الخارجي؟إلى متى سنبقى نراهن على أحزاب وحركات تماهت مع الانقسام وباتت تتعيش من ورائه؟.أما بالنسبة لإسرائيل فنحن متأكدين بأن الشعب الفلسطيني وطليعته الشبابية لن يسمحوا لها بحرف ثورتهم أو التأثير على مسارها بل سيجعلونها ثورة سلمية حضارية بهدف محدد وواضح وهو إنهاء الانقسام تمهيدا لإنهاء الاحتلال.
في الأسبوع الماضي أرسلت رسالتي الأولى للشباب،وقد لامني بعض الأصدقاء قائلا كيف تراهن على مشروع ثورة فاشلة ؟وما أدراك بأن الشباب سينفذون ما وعدوا به من قيامهم بالثورة أو مجرد الخروج إلى الشارع ؟وإن خرجوا للشارع فما الذي يضمن أنهم سيحققون هدفهم بإنهاء الانقسام ؟. في رسالتي الثانية هذه للشباب أقول بأننا كفلسطينيين لسنا حديثي عهد بالثورة ،كما انه لا توجد ثورة مضمونة النتائج منذ بدايتها ،قد لا يخرج الناس بمئات الآلاف ولكنهم سيخرجون ولو بالعشرات وسيبلغون رسالتهم –الفصائل التي تستطيع إخراج الناس بعشرات بل بمئات الآلاف تخليدا لذكرى انطلاقتها تستطيع إخراج نفس الأعداد لإنهاء الانقسام إن كانت معنية بالفعل بإنهائه -،وفي رسالتي هذه أقول أيضا للشباب الذي يهيئون أنفسهم للثورة أن لا تتراجعوا أو تخافوا ،فأنتم لا تقلوا عن الشباب الأبطال الذين كسروا حاجز الخوف في مصر وتونس وغيرهما من البلدان، فأنتم وُلِدتم من رَحم أمهات ماجدات أنجبن الشهيد والجريح والأسير والمعتقل،وانتم أصحاب القضية لأنكم تناضلون من اجل المستقبل، مستقبلكم، أما نحن الكهول فأبناء الماضي،ولا تتركوا مستقبلكم لمن لم يكن أمينا على حاضركم ويحاول أن يصادر مستقبلكم وحلمكم الوطني بالحرية والاستقلال والحياة الكريمة.


المطلب الثالث :ثورة شباب فلسطين بين التهوين والتهويل

حراك غير مسبوق لشباب فلسطين وكأن روحا جديدة دبت في أجسادهم وعقولهم فوُلِدوا مجددا مكتشفين ذاتهم بعد طول غياب وتغييب. ثورة الشباب باتت حديث الساعة في كل بيت وعلى مواقع الفيس بوك وفي الصحافة وفي سيارات الأجرة وفي الجامعات وفي الأسواق والشارع الخ ،بات الجميع في كل فلسطين وفي الشتات يتحدث عن ثورة شباب فلسطين.المجموعات الشبابية المؤتلفة في تحالف 15 آذار كانت تتحرك بسرعة وبحذر وبقلق وبخوف أحيانا استعدادا لخروجها يوم 15 آذار،وكانت الاتهامات والأقاويل تكثر من حولهم،والتهديدات والابتزازات والإغراءات تتناوشهم من كل الجهات،ومحاولة ضرب وحدتهم لا تتوقف.
القراءة السطحية لتحرك شباب فلسطين ستربطه تلقائيا بثورتي الشباب في تونس ومصر لتزامن الحدثين،لا شك أن هناك تأثر وتأثير بين كل التحركات الشبابية الثورية في العالم العربي،ولكن شباب فلسطين في ثورتهم يستحضرون تاريخهم من خلال استحضار تجربة آبائهم وأجدادهم عندما كانوا شبابا،فالذين فجروا الثورة الفلسطينية منتصف الستينيات كانوا من الشباب،والذين فجروا الانتفاضة الأولى 1978 كانوا من الشباب ،والذين فجروا وكانوا وقود ثورة الأقصى 2000 كانوا من الشباب،وغالبية الشهداء الذين يواريهم الثرى في مقابر شهداء فلسطين في الوطن والشتات من الشباب أيضا،وغالبية المعتقلين في سجون الاحتلال كانوا من الشباب عند اعتقالهم،وغالبية الجرحى والجرحى من الشباب الخ.
إذن شباب فلسطين لا يقلدون أحدا بل يستحضرون تاريخا ويؤكدون حقيقة وهي أن غالبية الشعب المتضرر من الانقسام والذي يريد إنهائه مكون من الشباب.ولذا ليس غريبا أن يتحركوا اليوم بعدما وصلت الحالة الوطنية إلى الحضيض حيث مشروع السلام الفلسطيني وصل لطريق مسدود وحيث المقاومة المسلحة باتت ذكرى وشعارا ،وليس غريبا أن يطالب الشباب بحقهم في حرية التحرك وفي إسماع صوتهم للعالم وللقيادات الحزبية التي حجرت عليهم طويلا ،وخصوصا أن تحركهم أو ثورتهم اليوم غير موجهة لأحد ولا يهدفون من ورائها مناصب أو مواقع ولا يريدون إسقاط حكومات أو سلطات ،بل يريدون أن يشعروا بإنسانيتهم ووطنيتهم وان يكون لهم دور في إخراج الحالة السياسية من أزمتها وان يشاركوا في صناعة المستقبل،مستقبلهم ومستقبل الشعب.ولكن سيكون الأمر غريبا لو استمر شباب فلسطين على سلبيتهم بعد كل ما يجري في العالم العربي من حولهم.شباب فلسطين ينتفضون اليوم على سياسة استعمالهم كأدوات وأنابيب اختبار للأحزاب ولمقاولي المنظمات الأهلية ذات الأجندة الخارجية .
في موازاة التحرك المشروع للشباب تتحرك قوى كانت سببا في الانقسام أو تعتاش على الانقسام لإجهاض ثورة الشباب خوفا على مواقعهم ومراكزهم ومصالحهم،وعلى رأس هؤلاء تأتي الأحزاب التي اكتشفت أخيرا بان هناك شبابا يمثلون غالبية الشعب ،وان هؤلاء ليسوا فقط ملصقي شعارات على الجدران وطالبي كوبونة او وظيفة أو مشاريع شهادة تستحضرهم الأحزاب متى شاءت أن تُسَوق نفسها كحركات مقاومة الخ، بل قوة ديناميكية وفاعلة ومؤثرة وعاقلة يمكنها أن تشارك في صناعة القرار وتستطيع تحريك الشارع بل وإسقاط أنظمة وحكومات إن احتاج الأمر.
ليس خطأ أن تتحرك الأحزاب وإن كان تحركها متأخرا ،لاستنهاض أطرها الشبابية،وليس خطأ أن ترفع الأحزاب الشعار الذي رفعه الشباب "الشعب يريد إنهاء الانقسام " ولكن الخطأ والخطيئة أن تحاول هذه الأحزاب ركوب الموجة وحرف حراك الشباب عن هدفه بأن تموقع الأحزاب نفسها- وخصوصا فتح وحماس- كضحايا الانقسام ،وكأن الشعب هو الذي صنع الانقسام وبالتالي تطلب الأحزاب من الشعب بان ينهي انقسامه،وهذا يذكرنا بخروج القذافي على رأس مظاهرات تطالب بالتغيير وبالقضاء على الفساد!. ويبدو أن قادة أحزابنا تحولوا إلى قذافيين جدد ونتمنى ألا يتعاملوا مع الشعب معاملة القذافي مع ثورة شعبه .
بارك الله في الشباب وثورتهم أيما كانت نتيجتها.ولكن يجب تحرير ثورة الشباب من الحدين الخطيرين،من التهوين ومن التهويل.يجب عدم التهوين من تحرك الشباب سواء سميناه ثورة أو انتفاضة أو خروج أو قومة الخ،الشباب قوة لا ياستهان بها سواء من حيث العدد أو من حيث العقلية المتفتحة والقدرة على التواصل عبر وسائل الاتصال الحديثة أو من حيث الاستعداد للتضحية.يجب عدم التهوين من ثورة الشباب أو تحقيرها واتهامها بالعمالة لهذه الجهة أو تلك ،ويجب عدم التهوين منها بالاعتقاد أن ركوب موجة الثورة يوم 15 آذار أو قمعها سينهي ثورة الشباب ويعودوا لبيوتهم صاغرين مستسلمين،قمع ثورة الشباب وإجهاضها وأهانة الشباب سيدفعهم لانتهاج وسائل أخرى يعبرون من خلالها عن غضبهم وحقدهم على واقع يهين كرامتهم ويصادر مستقبلهم .
ولكن في نفس الوقت يجب عدم التهويل من ثورة الشباب رحمة بالشباب ورحمة بالحالة الوطنية بكاملها حيث إسرائيل تتربص وتتمنى حدوث فتنة فلسطينية داخلية تلهي الفلسطينيين عن هدفهم الرئيس وهو مواجهة الاحتلال.الشباب لا يريدون إسقاط حكومات وأنظمة ولا إسقاط فتح وحماس،بل تبليغ صوتهم وتشكيل حالة ضاغطة على الحزبين الكبيرين وعلى الحكومتين والسلطتين لوضع حد للانقسام وتعجيل المصالحة الوطنية حتى تعود الحالة الفلسطينية للحالة الطبيعية ،حالة شعب خاضع للاحتلال ويجب ان يكون موحدا في مواجهة الاحتلال .الشباب سيخرجون للشارع مطالبين بإنهاء الانقسام وهي رسالة موجهة لحركتي فتح وحماس المسئولتين بدرجة كبيرة عن الانقسام والقادرتين على إنهائه بالشكل الذي ترتئيانه خدمة للمصلحة الوطنية وبعيدا عن المحاصصة وخصوصا بعيدا عن مصالحة إدارة الانقسام.يجب عدم التهوين من ثورة الشباب لأن ثورتهم ستكون الفتيل الذي قد يفجر الحالة السياسية والأمنية إن لم يتم الاستجابة لمطالبهم أو تفهمها على اقل تقدير،خروج الشباب يعني خروج أهاليهم أي خروج كل الشعب،وآنذاك لن تنفع لا أجهزة أمنية ولا إغراءات مالية في إرجاعهم إلى بيوتهم.

وفي هذا السياق على الشباب الحذر من الدعوات التي تريد دفعهم ليكونوا أدوات في تأجيج الفتنة القائمة ،كدفعهم لرفع شعارات إسقاط حكومة حماس في غزة أو إسقاط السلطة في الضفة..شمولية وعمومية ووحدة التحرك والشعارات في كامل الوطن وفي الشتات هو ضمان نجاح ثورة الشباب.كما يجب على الشباب الحذر من الاستعدادات الكبيرة التي تبذلها السلطتان في غزة والضفة لركوب موجة الثورة حيث سيحشد الطرفان شبابهم وأتباعهم بل وأجهزتهم الأمنية بملابس مدنية للخروج يوم الثلاثاء بحيث يوجهوا الأحداث على الأرض ليحولوا الثورة لمجرد مسيرة كبيرة يقودها الحزب الحاكم في كل منطقة تنتهي بنهاية اليوم .
وأخيرا نقول للشباب ،لا تخافوا من الفشل لأنكم أنجزتم الكثير الآن وقبل أن تبدأ الثورة،فتحريككم للشباب واستنهاضكم لروح الثورة يعتبرا إنجازا تُشكرون عليه،أما ما ستؤول إليه الأمور يوم 15 آذار وما بعد فاتركوه للشعب وما يريد،فإما أن ينتهي الانقسام وإما أن تنكشف أكثر حقيقة القوى المسئولة عن الانقسام.ليس بالضرورة أن ثورتكم ستنهي الانقسام في اليوم الموالي للثورة ،ولكن ثورتكم ستحيي الأمل بالنفوس بأن الشعب الفلسطيني ما زال على العهد ،عهد النضال والثورة ضد الاحتلال وضد كل من يصمت على واقع الاحتلال، والانقسام يشكل مصلحة إستراتيجية للاحتلال.إن لم تتجاوب الأحزاب لثورة الشباب وتنهي الانقسام فسيكون يوم 15 آذار بداية انتفاضة شعبية ثالثة على الحكومتين والسلطتين وعلى الاحتلال.

المطلب الرابع :ثورة شباب فلسطين :إنجازات تحققت وأخرى قادمة

قبل يوم من خروج شباب فلسطين بثورتهم لإنهاء الانقسام كتبنا محذرين من محاولة الأحزاب ركوب موجة الحراك الشبابي،وفي نفس الوقت نوهنا إلى انه ليس مطلوب من الشباب أن ينهوا الانقسام في اليوم الموالي ولكن المهم أن يبلغوا رسالتهم ويشكلوا حالة ضاغطة ويكشفوا من مع المصالحة حقيقة ومن مع استمرار الانقسام ،وقد حدث ما توقعنا.
خرج الشباب يوم 15 آذار في الضفة والقطاع وفي الشتات وبعضهم بات قبل يوم في ساحة الجندي المجهول في غزة ،وقد جرت المسيرة (الثورة ) في الضفة بسلاسة ورأينا قادة حماس مع بقية الفصائل يتصدرون المسيرة التي لم يرفع فيها سوى علم فلسطين وعند المساء قرر الشباب الاعتصام في دوار المنارة دون أن يمنعهم أو يقمعهم احد ،مع تسرب أخبار عن محاولات من مناصري حركة فتح للتشويش على متظاهرين رفعوا شعارات منددة بالتنسيق الأمني وباتفاقات أوسلو.

أما في غزة فقد سارت الأمور بشكل مغاير ،فقد استنفرت حكومة وحركة حماس كل شبابها وعناصرها وأجهزتها الأمنية وكأنها مقبلة على معركة، انتشرت عناصرها المسلحة والمدنية في ساحة الجندي ومداخلها منذ الصباح الباكر واستفردت بالمنصة الرئيسية التي يجتمع حولها الإعلاميون رافعة أعلامها الحزبية،وقد توالى على منصة الخطابة قيادات حمساوية تكلموا بما يتعارض مع مبادرة الشباب وشعار إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة،الأمر الذي دفع الشباب للتوجه للساحة وهناك وجدوا الأجهزة الأمنية أمامهم ومنعتهم من الاعتصام فحولوا وجهتهم إلى الكتيبة وبعد ساعات قليلة باتت ساحة الكتيبة مكتظة بأضعاف من تبقى في ساحة الجندي تحت راية حركة حماس،الأمر الذي أثار حركة حماس وحكومتها بالرغم من أن الشباب لم يرفعوا إلا علم فلسطين ولم يرددوا إلا شعار إنهاء الانقسام .في حوالي الساعة السابعة قامت أجهزة امن حماس ورجال بلباس مدني مسلحون بهراوات وقضبان حديدية وأسلحة حادة بمهاجمة الجمهور بشراسة متلفظين بألفاظ نابية موجهة للشابات والنساء المعتصمات،وكانت النتيجة إحراق خيم المعتصمين وإصابات بالكسر والطعن للعديد من الشباب.

ملاحظاتنا على ما جرى يوم 15 آذار:
1. مئات الآلاف الذين خرجوا عبروا عن موقف ورأي غالبية الشعب الذي يريد إنهاء الانقسام وهؤلاء مثلوا الشعب تمثيلا حقيقيا وعبروا عن شرعية تسمو على شرعية صناديق الانتخابات التي أصبحت ملغاة .وكان الحشد في ساحة الكتيبة الذي ضم جميع الأحزاب والفصائل والفعاليات الشبابية والنقابية والمدنية والشباب والأطفال والشيوخ ،تعبيرا حقيقيا عن الوحدة الوطنية .
2. التزمت كل الأحزاب والفصائل بما طالب به الشباب من التزام بشعار إنهاء الانقسام فقط وبرفع العلم الفلسطيني دون غيره،إلا حركة حماس التي حاولت حرف حراك الشباب عن وجهته رافعة علم حماس وكنوع من التضليل ألصقت حركة حماس علم فلسطين بعلم حماس وفي هذا إهانة لفلسطين وعلمها،فحركة حماس مجرد حزب كبقية الأحزاب وفلسطين تسموا على كل الأحزاب وعلم فلسطين فوق كل الأعلام . إن أرادت حماس تجسيد الوحدة من خلال علم مشترك فعليها أن تلصق علم فتح مع علم حماس لان المشكلة بين حماس وفتح وليس بين حماس وفلسطين، اللهم إلا إذا كانت حماس ترى أن مشكلتها مع فلسطين.
3. لم يكن الإعلام موضوعيا في نقل ما حدث،فبالإضافة لتصرف قناة الجزيرة التي عودتنا على أن تصاب كاميراتها بحول أو عور عندما يتعلق الأمر بفلسطين ،حيث لم تغطي ما جرى في الكتيبة واكتفت بتسجيل ما جرى في الجندي،فإن مراسل الـ B.B.C في غزة لم يملك الشجاعة الكافية ليقول الحقيقية عندما ذكر (بأن الاتفاق كان بين الفصائل على ألا يُرفع إلا علم فلسطين ولكن في التجمع رُفعت أعلام كل الفصائل) وهو يعلم والكل كان شاهدا أن حركة حماس وحدها خرقت الاتفاق ورفعت علمها ولم يرتفع أي علم فصائلي إلا علم حماس،وبالتالي كان عليه أن يكون شجاعا وموضوعيا ويقول بان حركة حماس وحدها خرقت الاتفاق ورفعت علمها.
4. لا ندري ما كان يُضير حركة حماس وحكومتها لو تركت الشباب يبيتون ليلتهم في ساحة الكتيبة وخصوصا أنهم كانوا يتهيئون لأنشطة فنية مثل الدبكة والرسم والأهازيج الشعبية معتقدين ببراءة أنهم مثل شباب مصر وبقية شباب العالم يمكنهم التعبير عن مشاعرهم الإنسانية والوطنية بحرية. وفي سياق الحديث عن البراءة سألني احد الشباب قبل يوم من خروجهم ماذا نفعل لو قدمت لنا أجهزة الأمن الحمساوية وجبات طعام أو علب عصائر ومياه هل نأخذها أم لا؟ فقلت له لو فعلوا ذلك فهذه بادرة طيبة على تفهمهم وتقبلهم لحركتكم ولا داع لرفضها،ولكن كان ما كان، حيث قدموا لهم وجبات ساخنة علقت على أجسادهم ورسخت في عقولهم لن ينسوها طوال حياتهم.
5. بالرغم من قمع الشباب في ساحة الكتيبة وما بعد ذلك من استدعاء واعتقالات واعتداءات وصلت لحرم جامعة الأزهر وجامعة القدس المفتوحة،فإن ثورة شباب 15 آذار حققت إنجازا مهما في جولتها الأولى،وعلى الشباب أن يفتخروا بما حققوا حيث استنهضوا حالة ثورية شعبية كانت نائمة او ميتة واثبتوا أن الشباب قوة محركة تستطيع أن تغير الأوضاع وتحرج الحكومات والسلطات .
6. على الشباب أن يفتخروا بأن الجولة الأولى من ثورتهم حركت ملف المصالحة الراكد حتى وإن كان حراكا تحت إحراج وضغط ثورة الشباب،فالسيد إسماعيل هنية وجه دعوة للالتقاء مع الرئيس أبو مازن في أي مكان وكان رد الرئيس سريعا، أنا مستعد لزيارة غزة غدا.إن جرت الأمور اعتمادا على حسابات حسن النية وجرى اللقاء فالفضل سيكون لثورة الشباب.

وفي جميع الحالات على الشباب أن يكونوا مستعدين لجولات أخرى من الحراك والثورة لان الشعب الفلسطيني بات أكثر مراهنة عليهم ،ونعتقد أن الأمور بعد 15 آذار لن تكون كما كانت قبله.









خاتمة
الثورات التي تشهدها غالبية الدول العربية ليست حدثا عاديا يمكن تصنيفه وقراءته في إطار الهبات الاحتجاجية الشعبية التي تعرفها كل الشعوب،عموميتها وشموليتها لكل قطاعات الشعب يجعل منها ظاهرة فريدة حتى على المستوى العالمي. ما يجري كان خارج إطار المُفَكَر به من علماء السياسة و الاجتماع ومن مجمل التنظيرات السياسية والدستورية التي تراكمت خلال عقود ،ما يجري في العالم العربي منذ يناير 2011 وبغض النظر عن مآله سيعيد رسم الخريطة السياسية للواقع العربي سياسيا واجتماعيا وربما جغرافيا .
إن كانت الحالة الثورية العربية أحيت آمالا ورفعت من سقف توقعات عشاق الحرية والديمقراطية إلا أنها في نفس الوقت تثير تخوفات على الثورة ومن الثورة،تخوفات على الثورة ممن يرومون سرقتها بركوب موجتها وتوجيه مسارها لخدمة سياسات ومصالح تتعارض مع تطلعات غالبية الجماهير التي خرجت في الثورة،وتخوفات من انزلاق للثورة في بعض البلدان تؤدي لحالة من الحرب الأهلية أو الإقليمية ،الأمر الذي يتطلب من علماء السياسة والاجتماع الانكباب على دراسة ظاهرة الثورة بعمق وخصوصا أنه لم تكتمل كل فصول الثورة ولم تظهر بعد كل أبعادها وتداعياتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وقد يشهد العالم العربي عقدا من الزمن على الأقل لحالة من عدم الاستقرار حتى تظهر مفاعيل الثورات التي بدأها الشباب في تونس.
إن كان حكمنا الأولي على الثوري إيجاب ومبارك لها إلا أن النوايا والتمنيات لوحدها لا تكفي،فمن نافل القول بأن كل فعل أو تحول سياسي يُقيم من خلال نتائجه النهائية وليس من خلال شعارات القائمين على هذا الفعل .وبالنسبة للقضية الفلسطينية فإن كل ثورات العالم العربي ومهما كانت منجزاتها لن تغني الفلسطينيين عن ثورتهم الخاصة بهم ،ثورة ضد الانقسام وثورة ضد الاحتلال،ما لم يثور الفلسطينيون أوضاعهم فلن تنفعهم كل الثورات العربية ،والعرب والمسلمون لن يكونوا أكثر فلسطينية من الفلسطينيين.













سيرة ذاتية للمؤلف

أ-د/إبراهيم خليل العبد أبراش

- من مواليد قطاع غزة بفلسطين
- دكتوراه في القانون العام- العلوم السياسية -من جامعة محمد الخامس بالرباط 1985.
- ممارسة التدريس الجامعي منذ 1978 حتى 2000 في الجامعات المغربية .
- أستاذ في جامعة الأزهر بغزة منذ أكتوبر2000 .
- رئيس قسم الاجتماع و العلوم السياسية بكلية الآداب بجامعة الأزهر.
- عميد كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة.
- الإشراف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه .
- مؤسس ومشارك في العديد من مراكز البحوث والمؤتمرات والندوات العلمية.
- وزير الثقافة المستقيل في الحكومة الفلسطينية الثالثة عشر

الكتب المنشورة في دور نشر عربية وفلسطينية وموزعة في المكتبات العربية.
1- البعد القومي للقضية الفلسطينية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1987.
2- المؤسسات والوقائع الاجتماعية :نظرة تاريخية عالمية ، مؤسسة الطباعة والتوزيع للشمال ، الرباط ، 1994.
3- البحث الاجتماعي : قضاياه ، مناهجه ، إجراءاته ، منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش ، جامعة القاضي عياض ، 1994.
4- تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية ، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع ،الرباط، 1998.
5- علم الاجتماع السياسي ، منشورات دار الشروق ، عمان ، 1998.
6- الحركة القومية في مئة عام ( عمل جماعي ) ، منشورات دار الشروق ، عمان ، 1998
7- المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية ، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط ، 1999.
8- تاريخ الفكر السياسي ، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع ، الرباط ، 1999.
9-العرب والنظام الدولي الجديد ( عمل جماعي ) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2000.
10-الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق ، منشورات الزمن ، الرباط ، 2001.
11-الجهاد : شرعية المبدأ والتباس الممارسة ، منشورات ألوان مغربية ، مكناس ، المملكة المغربية ،2003.
12-فلسطين في عالم متغير : فلسطين تاريخ مغاير ، المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي رام الله ،2003.
13-القضية الفلسطينية والشرعية الدولية (دراسة نقدية) ،المركز القومي للدراسات والتوثيق ،غزة،2004.
14-المجتمع الفلسطيني (من منظور علم الاجتماع السياسي )مكتبة ومطبعة دار المنار،غزة ،2004.
15-النظرية السياسية بين التجريد والممارسة ،مكتبة ومطبعة دار المنارة ،2004 ،الطبعة الثانية.
16-علم الاجتماع السياسي ،طبعة ثانية ،مطبعة دار المنارة ،غزة،2005.
17-المجتمع الفلسطيني :التطور التاريخي والبناء الاجتماعي ،دار المنارة،2006.
18- المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية،دار الشروق ،عمان ،2009 .

قائمة بالبحوث المنشورة في مجلات علمية وجامعية متخصصة
1-الفلسطينيون والوحدة العربية : منذ قيام الحركة القومية العربية حتى نكبة 1948 - ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 64 ، السنة ،1984 مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.
2- الفلسطينيون والوحدة العربية :منذ نكبة 1948 حتى اليوم ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 65 ، السنة ،1984 مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.
3- بين اليهودية والصهيونية ، مجلة الوحدة ، عدد 15، ديسمبر 1985 ، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
4- الثورة الفلسطينية بين استقلالية القرار ومسألة التداخل القومي ، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 158/159 ،سنة 1986، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية ، قبرص .
5- الحركة القومية العربية واستقلالية العمل الفلسطينية ، مجلة شؤون فلسطينية ، العدد 164/165 ،سنة 1986، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية ، قبرص .
6- بين اليهودية والصهيونية ،مجلة العلوم الاجتماعية ،جامعة الكويت ،صيف 1988.
7- القطرية الفلسطينية : لماذا وإلى أين ؟ مجلة الوحدة ، عدد 49، أكتوبر 1988 ، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
8- مفهوم الدولة الفلسطينية في الفكر السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، مجلة الوحدة، عدد 53، فبراير 1989 ، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
9- الدولة الفلسطينية بين قومية القضية وخصوصية المرحلة ، مجلة الوحدة ، عدد 58/59، يوليو/ أغسطس 1989 ، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
10-نظرات في القضية العربية (قراءة نقدية تحليلية)مجلة العلوم الاجتماعية ، جامعة الكويت ، خريف 1989.
11-حقوق الإنسان ومفهوم حقوق الشعب الفلسطيني ، مجلة الوحدة ، عدد 63/64، ديسمبر/ يناير 90/ 89 19، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
12-العنف السياسي بين الإرهاب والعنف المشروع ، مجلة الوحدة ، عدد 67، أبريل 90 19، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
13-حرب الخليج وتأثيراتها المستقبلية في القومية والمصير العربي ، مجلة شؤون فلسطينية ، العدد 219/220 ،سنة 1991، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية ، قبرص .
14-البعد القومي المغدور للقضية الفلسطينية ، مجلة الوحدة ، عدد 106، يونيو 1994، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
15-حدود استحضار المقدس في الأمور الدنيوية : ملاحظات منهاجية ، مجلة المستقبل العربي عدد 180، السنة 1994، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.
16-حدود النظام وأزمة الشرعية في النظام الدولي الجديد ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 185 ، السنة 1994 مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.
17-حقوق الشعب الفلسطيني من الشرعية التاريخية إلى الشرعية التفاوضية ،مجلة الدراسات الفلسطينية ، العدد 42،ربيع 2000، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت.
18-المشروع القومي العربي ،مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات ،غزة، العدد 4 كانون أول 200.
19-الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق ، مجلة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، العدد 15 ، السنة 2000 ، جامعة القاضي عياض ، مراكش.
20-لماذا لم يتم تفعيل قرارات الشرعية الدولية حول القضية الفلسطينية؟ : الشرعية الدولية ورهانات القوة ، المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد ، العدد 33/34 السنة 2000 ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط .
21-مفهوم الدولة في المواثيق الفلسطينية ،مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات ،غزة،عدد 5 ،كانون ثاني 2001.
22-المجتمع المدني الفلسطيني :من الثورة على الدولة ،مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 6 ،شباط 2001.
23-فتح الانطلاقة بين الأمس واليوم ،مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات ،نيسان 2001.
24-قرارات الشرعية الدولية حول القضية الفلسطينية:بين التآمر الخارجي والتقصير الداخلي ، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد12 ،أيلول 2001.
25-البعد الديني للقضية الفلسطينية ، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 13،تشرين أول 2001.
26-الإرهاب :إشكاليته في تعريفه لا في محاربته، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد17،آذار 2002.
27-الوضع الراهن للصراع في الشرق الأوسط،تغير في طبيعة الصراع أم في أدواته؟، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد19،حزيران 2002.
28-المجتمع المدني : محاولة في التأصيل ونموذج للتطبيق ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، الرباط ،العدد 44/54 ، السنة 2002 .
29-بعد عامين الانتفاضة إلى أين؟ مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 21،أيلول 2002.
30-مقاربة قانونية لجرائم إسرائيل ضد الإنسانية، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد22،آب 2003.
31-مسالة الهوية في مشروع الدستور الفلسطيني ، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد25،تشرين ثاني 2003.
32-بين السياسة والدين:الأصولية والعلمانية ، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد23،أيلول 2003.
33-جامعاتنا في مفترق طرق، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد26،كانون أول 2003.
34-النظام السياسي الفلسطيني ولد مأزوما وما يزال، مجلة السياسة الدولية ،عدد54 ،مؤسسة الأهرام ،القاهرة ،2003.
35-الاستشراف كأحد أركان النظرية الاجتماعية /السياسية،بحث قدم ضمن أعمال المؤتمر العلمي التاسع لكلية الآداب بجامعة فيلادلفيا ،عمان، الأردن 2004.
36- مفهوم الدولة الفلسطينية :النشأة والتطور ، مجلة السياسة الدولية ،عدد57 ،مؤسسة الأهرام ،القاهرة ، يوليو 2004.
37-النظام الدولي الراهن والتباس مفهوم الشرعية الدولية ،مجلة البصائر ،جامعة البتراء ،عمان ،يونيو 2005.
38-المقاومة والإرهاب:جدل حول التوصيف والهدف ،بحث قدم في المؤتمر العلمي الدولي العاشر لكلية الآداب بجامعة فيلادلفيا المنعقد في إبريل 2005.
39-جدل العسكري والسياسي في التجربة السياسية الفلسطينية ،بحث قدم للمؤتمر العلمي الدولي(ذاكرة وطن ومسيرة شعب ) في جامعة الأقصى،نوفمبر 2005 .
40-العولمة تجدد تساؤلات عصر النهضة،بحث منشور في مجلة المستقبل العربي ،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت ،2006 .
41-ثقافة الخوف في مناطق السلطة الفلسطينية ، بحث قدم في المؤتمر العلمي الدولي الحادي عشر لكلية الآداب بجامعة فيلادلفيا المنعقد في إبريل 2006.
42 - التباس مفهوم وواقع التعددية في النظام السياسي الفلسطيني :العلاقة بين المنظمة والسلطة وحركة حماس .المجلة العربية للعلوم السياسية،العدد الثاني عشر،خريف 2006 ،
43-الفكر العربي ومسألة الهوية في ظل العولمة ،بحث قدم لمؤتمر الفكر العربي في ظل العولمة والذي نظمه الجامعة العربية الأمريكية ،في نوفمبر 2006.
44-الانتخابات الفلسطينية والانزلاق نحو الديمقراطية (ديمقراطية خارج السياق). مجلة سياسات ،مجلة فصلية تصدر عن معهد السياسات العامة ـرام الله ،شتاء 2007.
45-المقاومة الفلسطينية بين الواقع وما تنقله الفضائيات العربية،بحث قدم في مؤتمر ثقافة الصورة الذي نظمته جامعة فيلادلفيا بعمان في ابريل . 2007 .
46-النظام السياسي الفلسطيني ،مجلة سياسات، مجلة فصلية تصدر عن معهد السياسات العامة ـرام الله،2009 .
47- جذور الانقسام الفلسطيني ومخاطره على المشروع الوطني،مجلة الدراسات الفلسطينية،مجلد 20،عدد 78، ربيع 2009
48 - العالم العربي بين ديمقراطية متعثرة وحكامة منشودة ،مجلة سياسات ،مجلة فصلية تصدر عن معهد السياسات العامة ،العدد 13/14 ،2010 .

ومئات المقالات في صحف عربية وأجنبية ومواقع الكترونية.
البريد الإلكتروني: Ibrahemibrach1@gmail.com
الموقع الخاص: www.palnation.org
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة




الساعة الآن 08:18 PM


Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd

تركيب و تطوير ][ Pssawa.com ][