ملتقى الثقافة والهوية الوطنية

ملتقى الثقافة والهوية الوطنية (http://www.palnation.org/vb/index.php)
-   الكتب (http://www.palnation.org/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   فلسطين في عالم متغير (http://www.palnation.org/vb/showthread.php?t=185)

د.إبراهيم أبراش 07-04-2008 10:41 AM

فلسطين في عالم متغير
 
الدكتور / إبراهيم ابراش








فلسطين في عالم متغير

- فلسطين تاريخ مغاير-








2002












مقدمة

تمر القضية الفلسطينية بمنعطف خطير وتواجه مأزقا سواء على مستوى الوقائع المعيشة وأخرها انتفاضة الأقصى وتعاظم الإرهاب الصهيوني ضد الفلسطينيين والتقاعس الرسمي العربي ،أو على مستوى الكتابة والتنظير والتصورات . كما تطرح اليوم تساؤلات عميقة حول المستقبل ، مستقبل الفلسطينيين من كان منهم داخل فلسطين أو خارجها ،و مستقبل الأمة العربية وعلاقتها بالكيان الصهيوني وبالعالم الخارجي وبمجمل ما اختزنته ذاكرة الإنسان العربي والمسلم من مفاهيم وتصورات حول ذاته وعلاقته بعدوه التاريخي ، وهي تساؤلات في غالبيتها دون إجابة واضحة ، ليس فقط لأن المفكر أو المثقف أو السياسي العربي لا يعرف الإجابة عنها بل أيضا لأنه لا يريد أن يعترف بالحقيقة أو لا يجرؤ على الاعتراف بها،لأنها حقيقة مؤلمة تصدم رومانسيته الثورية أو الدينية وقد تخرجه من حالة العطالة الفكرية التي استمرأ العيش فيها ومعها .
كنا أحد هؤلاء المثقفين الذين أصابتهم مأساوية الأحداث وتسارعها بما يشبه الصدمة ،وبحثنا في كتب السياسة والاجتماع وفي تجارب الشعوب ومستلهمات التاريخ عما يمكنه مساعدتنا على الاقتناع بأن ما يجري يتوافق مع العقلانية والواقعية ومع منطق التاريخ ، وحاولنا أن نكون واقعيين وعقلانيين ، وقلنا إن السياسة هي (فن الممكن) وان الواقعية تتطلب المهادنة والمناورة والتوفيق بين ما نريد أو ما نعتقد انه حق لنا من جهة ومحددات الواقع واستحقاقات المحيط الدولي من جهة أخرى ....كنا نقنع أنفسنا بأننا قادرون على الفهم والتحليل لما يجري من أحداث ، وتابعنا الأحداث كتابة وخطوة خطوة ، ،كانت المشكلة وما زالت تكمن فيما هو استراتيجي ومصيري وليس بالأحداث العابرة ،كان الاستغراق في الأحداث الجزئية وخصوصا إذا كانت هذه الأحداث مصحوبة ببهرجة إعلامية وبطقوس استعراضية فلكلورية ، يُغيب أو يحد من قدرة العقل على التفكير الهادئ بمصير الأمة ، وكثير ما كانت الشجرة تخفي الغابة.
لقد ترددنا كثيرا قبل الإقدام على عملنا هذا ليس لعجز عن الكتابة بل لصعوبة إصدار أحكام باتة ونهائية في قضية بحجم القضية الفلسطينية ، كانت كتابة مقال في مجلة أو جريدة أو تسطير كتاب حول واقعة ما أو جانب من جوانب القضية الفلسطينية ،عملية سهلة لأن الأمر يقتصر على تحليل سياسي لجزئية أو واقعة دون إلزامية التطرق إلى الثوابت أو المس بالأبعاد الاستراتيجية للقضية ،أما تأليف كتاب يتناول كل التطورات والأبعاد المختلفة للقضية و إصدار أحكام واتخاذ مواقف في زمن اهتزاز الثوابت والمرجعيات ، فهو أمر شاق على النفس ، خصوصا إذا كان المتوَصَل إليه من استنتاجات يتناقض مع الثوابت الوطنية والقومية أو يشكل قراءة جديدة لها تختلف عن المتخيل الشعبي .
إن مقاربة شاملة للتطورات الأخيرة القضية يتطلب اتخاذ موقف منحاز إما للواقع باسم الواقعية، أو للمبادئ والثوابت الوطنية والقومية باسم المبدئية وقدسية القضية ،وكلا الموقفين أشق على النفس من الآخر . حاول كثيرون الجمع بين الاثنين بين المبادئ والواقعية ،ولكنها كانت توفيقية تلفيقية تخفي العجز عن اتخاذ موقف ،عجز عن الاعتراف بالحقيقة ،حقيقة أن رياح التحولات الدولية والإقليمية وواقع مجتمعاتنا لم تأت بما تشتهي سفن أحلامنا وتطلعاتنا القومية وخصوصا قضيتي تحرير فلسطين والوحدة العربية .وكانت حرب الخليج الثانية بمثابة الصدمة التي أسقطت الكثير من الأوهام وكشفت الكثير من العورات ،وكنا أحد الذين صدمتهم حرب الخليج وتداعياتها ،حيث فرضت هذه الحرب علينا أن نقف وقفة تأمل وأن نضع ذخيرتنا المعرفية حول قضايانا المصيرية وخصوصا القضية الفلسطينية موضع مساءلة ،وكان الأمر يحتاج بالفعل إلى مساءلة ومراجعة ، ولم يكن الأمر يقتصر علينا وحدنا بل هو ظاهرة عامة ،ظاهرة اهتزاز مرجعيات الكتابة والتنظير حول القضية الفلسطينية ، ولولا انتفاضة الأقصى التي جاءت لترد بعض الاعتبار للشعوب العربية والإسلامية ولتعلن أن الأمة ما زالت بخير ولتكشف وهم السلام الأمريكي الإسرائيلي لنسي العرب والمسلمون أن هناك شيء يسمى القضية الفلسطينية .
إن كل مراقب للأحداث في العقد الأخير ، عقد أوهام التسوية – من مدريد إلى انطلاق انتفاضة الأقصى- سيلمس التراجع الكبير على مستوى الكتابة والتنظير والأنشطة الثقافية والإعلامية حول القضية الفلسطينية باعتبارها قضية قومية عربية وإسلامية تختزل الصراع والمواجهة مع الصهيونية العالمية والمصالح الإمبريالية في المنطقة العربية ، وما ارتبط بهذا الصراع من أيديولوجيات وأفكار وتنظيمات وشبكة علاقات وتحالفات ،حتى صح القول إن القضية الفلسطينية كانت تمثل العمود الفقري لحركة التحرر العربي والمشروع الحضاري العربي طوال قرن تقريبا. هذا التراجع لمسناه من خلال اختفاء كثير من الأقلام التي عهدناها تكتب عن الشأن الفلسطيني من منطلق قومي وإسلامي وثوري وتحرري ،وتواريها عن الأنظار أو تحولها إلى ساحات جديدة لتناضل فيها بقلمها وشعاراتها ،كما أن الندوات التي كانت شبه يومية أصبحت نادرة الحدوث ،وحتى على مستوى نشرات الأخبار ووسائل الإعلام اصبح الحيز المخصص للقضية جد محدود أو يتم تناولها بحيادية صارمة وكأنها قضية لا تختلف عن أية مشكلة دولية ، وأحيانا لا يُشار إليها مجرد إشارة ،ونفس الأمر لمسناه في خطابات السياسيين وزعماء الأحزاب السياسية الذين كانت القضية شغلهم الشاغل و قضيتهم الأولى ،اصبح حديثهم حول القضية مقتضب وحذر بل وصل الأمر ببعضهم إلى (ترك الجمل بما حمل) والتوجه إلى عوالم أخرى غير العالم العربي.هذا التراجع الرسمي انعكس سلبا على الاهتمام الشعبي بحيث أصبحنا نلمس حالة من عدم المبالاة والتجاهل أحيانا لكل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ، و لم تستفق الأمة من غفوتها إلا مع انتفاضة الأقصى حيث خرجت الجماهير إلى الشارع واستنكرت ونددت وانشغل الإعلام بالقضية الفلسطينية ، إلا أن هذه الاستفاقة لم تكن مبنية على ثوابت أو مرجعيات ثابتة وقوية بقدر ما كانت عاطفية وانفعالية ، فكثير من الناس العاديين اصبحوا شبه مذهولين مما يجري لا يعرفون حقيقة الأمر وما هو الصحيح وما هو الخطأ .
فكيف نفسر الأمر ؟ .هل مرد ذلك قناعة المثقفين والسياسيين بأن الشعب الفلسطيني هو المسؤول الوحيد عن قضيته ؟ هل هو غياب الحرية التي تسمح بالتعبير الحر عن الرأي ؟ أم هو شعور بالعجز واليأس و إحساس بعدم جدوى الكلمة في وقت سيطرت فيه القوة ونفوذ المال والمصالح القطرية الضيقة ؟ أم هو قناعة بطفولة وعبثية الشعارات والمبادئ التي صاحبت القضية منذ سنواتها الأولى ؟.
لا شك أن المنطقة العربية عرفت منذ 1991 تحولات وإعادة نظر في كثير من الأمور المرتبطة بالصراع مع الكيان الصهيوني ،وأن خطاب السلام طغى على خطاب الحرب والنضال ،وحديث الشرعية الدولية والتفاوضية غطى وغيًب الحديث عن الشرعية التاريخية والحقوق القومية ،ولا شك أن المصافحات واللقاءات حلت محل المناوشات العسكرية والتراشق بالتهديدات ، ولا شك أن انتفاضة الأقصى التي جاءت كرد فعل على الإرهاب الصهيوني وعلى تملص إسرائيل من التزاماتها ، قد خلطت الأوراق وزعزعت كثيرا من المراهنات على السلام والتسوية العادلة ... .ولكن كل ذلك لا يعني انتهاء مهمة المثقف الملتزم بقضايا أمته وملتزم بالحق والعدل ولا يعني أن على العرب أن يكسروا سيوفهم ويسلموا أمرهم للقدر أو للإرادة الأمريكية .
لا غرو أن كثيرة هي الأسباب التي تدفع باحث أو كاتب لان يكتب عن قضية سياسية ،وخصوصا إذا كانت القضية هي قضيته الوطنية ، وليس الغريب أن يكتب كاتب عن قضيته الوطنية ولكن الغريب ألا يكتب كاتب عن قضيته الوطنية ،ولكن أهم الأسباب التي دفعتني للكتابة حول الموضوع هي حالة التشويه التي تتعرض لها القضية الفلسطينية في حاضرها وماضيها سواء عن قصد وتخطيط من القوى المعادية للحق الفلسطيني وللامة العربية من صهيونيين واستعماريين واتباعهما في المنطقة ،أو دون قصد و تخطيط ،وذلك من طرف كُتاب و مثقفين وسياسيين ، إما أصابتهم حالة من اليأس والإحباط فتداخل عندهم حق القوة مع قوة الحق ،المصلحة الذاتية مع المصلحة الوطنية والقومية فغلبت الأولى الثانية ،وإما أنهم يبحثون عن كبش فداء لرداءة المرحلة يحملوه المسؤولية ،وخصوصا أولئك الذين دخلوا التسوية ولم يمتلكوا الجرأة ليعترفوا لجماهيرهم بالحقيقة ،حقيقة أنهم فشلوا في تطبيق شعاراتهم وتحقيق المبادئ والأهداف التي وعدوا بها جماهيرهم طوال نصف قرن ،فوجدوا في الشعب الفلسطيني المشجب الذي يعلقون عليه أخطاءهم .
هذه الحالة من التشويه والتي وللأسف تشارك فيها أطراف متعددة من المنطقة وخارجها ،أثرت على المواطن العربي العادي ودفعت به إلى التشكيك بتاريخه وقيمه وثقافته بحيث أصبح مستعدا لتصديق كل ما يروجه الآخرون عنه ويتشكك بكل ما يقول به المثقفون أو السياسيون العرب المخلصون لقضايا أمتهم .
إشكالية موضوع الكتاب هو هذا الانهيار التي تشهده القضية الفلسطينية في كافة أبعادها الوطنية والقومية والإسلامية والدولية الانهيار الذي لم تستطع الانتفاضة إيقافه إلا قليلا، ومحاولة فهم الأسباب والنتائج .وإن كان لنا أن نصيغ الإشكالية على شكل تساؤلات فستكون على الشكل التالي :ما هو السبب في التنازلات التي يقدمها فلسطينيون وعرب لإسرائيل ؟ وهل هذه التنازلات اعتراف بهزيمة المشروع الوطني الفلسطيني والمشروع القومي التحرري العربي الإسلامي ؟ أم هي نوع من السياسة الواقعية والتعامل مع السياسة باعتبارها فن الممكن ؟ وهل كنا خلال ما يقرب من القرن من الصراع والمواجهات مع المشروع الصهيوني الاستعماري ،بما حفل به من قوافل شهداء وآلاف الأسرى والمعتقلين والأيتام والأرامل ،على خطأ ونعيش في الوهم وعلى الوهم ؟ وهل الاتفاقات التي تُوقع والترتيبات والعلاقات التي تقام ما بين إسرائيل والحكومات العربية دلالة على أن السلام بين الطرفين اصبح واقعا أو في حكم الممكن ؟ وأين موقع انتفاضة الأقصى من كل ما يجري ؟ وما قدرتها على إحداث تحول إستراتيجي في مسار الصراع في المنطقة؟ وهل سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني هي مشروع دولة المستقبل القريب أم هي إجهاض لحلم الدولة ؟ وهل انتفاضة الأقصى قادرة لوحدها على هزيمة العدو واستعادة الحقوق المسلوبة ؟….
تساؤلات كبيرة وكثيرة سنكون مبالغين إن قلنا إننا نملك الإجابة الصحيحة والتامة عنها ، وكل ما يمكن قوله إننا ندلي بدلونا ليس لاستجلاء الحقيقة المطلقة ووضع النقاط على الحروف – فالحروف بحد ذاتها غير واضحة – بل نكتب للرد على التشوهات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية شعبا وتاريخا ،ولإبقاء الأمل متقدا في النفوس ،وعدم جعل اهتزاز المرجعيات القديمة للقضية – قومية أو ثورية أو إسلامية أو أممية – مبررا للانتحار الذاتي وللكفر بعدالة القضية ومبررا للهروب من ساحة المواجهة الفكرية ، و العسكرية إن استطعنا إلى ذلك سبيلا .
أما الفرضيات التي نضعها كإجابات أولية عن أسئلة الإشكالية والتي سنؤسس البحث عليها فهي أن الخلل صاحب أسلوب التعامل مع القضية الفلسطينية منذ سنواتها الأولى ، وان الفلسطينيين والعرب يتحملون المسؤولية عن هذا الخلل وعن حرف الثورة الفلسطينية عن أهدافها الحقيقية وتحميلها أكثر مما تحتمل كثورة شعب نصفه تحت الاحتلال ونصفه الأخر في المنافي وفي ارض الغربة . والفرضية الثانية :إن ما يجري ليس سلاما أو ترتيبا لسلام حقيقي بقدر ما هو تسوية مفروضة من الأقوياء المنتصرين - إسرائيل والولايات المتحدة- على المغلوبين والمنهزمين عسكريا أو حضاريا أو هما معا ،وتأسيسا على ذلك فإن اتفاقات التسوية الموقعة بين إسرائيل من جهة والسلطة الفلسطينية وحكومات عربية من جهة أخرى لن تحقق السلام في المنطقة، بل تؤسس لحالة حرب جديدة قد تأخذ أشكالا مغايرة لما سبق ويكون موضوعها وأطرافها مختلفين عما سبق . وفي هذا السياق نرى أن اهتمام الفاعلين السياسيين المنخرطين بمشروع التسوية بالأبعاد القانونية والاقتصادية والسياسية للصراع قد يؤدي إلى تفاهمات حول هذه المسائل ولكن ذلك لن يحسم الصراع لأنهم يتجاهلون البعد الأكثر أهمية في الصراع في المنطقة وهو الوجود الصهيوني بحد ذاته وخصوصا في ظل الطابع الديني العنصري للكيان الصهيوني وسيطرة المتدينين المتطرفين على القرار السياسي في إسرائيل ،والصحوة الدينية الإسلامية عند الطرف الثاني .
هذه الفرضيات نؤسسها على إيمان عميق بعدالة القضية الفلسطينية ، وإيمان بأن الزمن صيرورة لا تتوقف ، مراحل متعاقبة فيها الجيد وفيها الرديء ،فيها انتصارات وفيها هزائم ، وإن كانت المرحلة التي تمر بها الأمة العربية والإسلامية لا تلبي الطموحات الوطنية والقومية ، فإن الزمن لن يتوقف عند هذه المرحلة وتاريخ الشعوب لا يُقرر بهزيمة أو نكسة ولا خلال عقد أو حتى قرن من الزمن ،والعدو الصهيوني حوّل أساطيره وأطماعه إلى واقع بعد أن تعهدها بالعناية لأجيال متعاقبة ،المهم توفر الإرادة وتوفر الأيمان بالحقوق التاريخية والمشروعة ومصاحبة ذلك بالعمل على كافة الأصعدة بما يحافظ على استمرارية القضية ويحول دون تلاشيها أو ذوبانها ،وليس المهم ما يريده الآخرون لنا بل المهم ما نريده نحن لأنفسنا.


الأستاذ الدكتور/ إبراهيم ابراش

الرباط: يوليوز/ 2002















1








الفصل الأول
من التسوية كتكتيك في إطار قومية القضية إلى التسوية السلمية كإستراتيجية في ظل تراجع البعد القومي للقضية
لم يكن الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية بجاهلين للمنحدر الخطر الذي تهوي إليه القضية الفلسطينية كقضية قومية عربية، ولم يكونوا بجاهلين لاتساع الهوة يوما بعد يوم ما بين الهدف الاستراتيجي - تحرير فلسطين -والوسائل والأدوات المتاحة لإنجاز هذا الهدف ،كما كانوا يستشعرون الانفصال المتوالي والتباعد المخطط والممنهج للأنظمة العربية عن التزامها بالقضية الفلسطينية، وغياب أي إرادة رسمية بالقتال وفي نفس الوقت صعوبة تطبيق استراتيجية حرب التحرير الشعبية العربية لتحرير فلسطين . هذه القناعة كانت وراء تغلغل فكر التسوية إلى الفكر السياسي لقيادة المنظمة ، بل كان فكر التسوية حاضرا عند قادة المنظمة قبل أن يطبقه السادات عمليا في كامب ديفيد . ويمكن القول إن التفكير بالتسوية السياسية عند قيادة المنظمة يعود إلى عام 1970 عندما تم طرح فكرة الدولة الديمقراطية العلمانية .
كان من الواضح أن تحولين استراتيجيين يبدوان متناقضين استجدا على القضية الفلسطينية وأثرا على نهج التعاطي معها منذ منتصف السبعينات : الأول هو تصاعد الوطنية الفلسطينية بمستلزماتها ونتائجها كالتأكيد على الهوية الوطنية واستقلال القرار الفلسطيني وتبلور شكل من الكيانية الفلسطينية، والثاني هو تراجع البعد القومي للقضية -بمفهومه الكلاسيكي الذي يجعل الوحدة وتحرير فلسطين شرطان متلازمان -وتوالي المؤشرات الدالة على أن القضية الفلسطينية لم تعد هي الشغل الشاغل للحكومات العربية ولا حتى للشعوب العربية. وما بين الوطنية الفلسطينية الصاعدة كحقيقة فرضت نفسها على العالم من جهة وأفول البعد القومي وما يترتب عليه من استحالة قيام حرب تحرير عربية تقضي على إسرائيل من جهة أخرى، انبثق فكر التسوية السلمية ،تسوية حاولت أن تستثمر تراجع البعد القومي والعجز الرسمي العربي وفي نفس الوقت تلحظ دورا هامشيا للوطنية الفلسطينية الصاعدة، تسوية لا تمانع في تجاوز التعامل السابق مع الفلسطينيين كمجرد لاجئين ولكنها في نفس الوقت تحد من طموحاتهم وأهدافهم الوطنية وتحاصر فكر ونهج الثورة، كانت التسوية التي تعتمد على قرارات الشرعية الدولية هي الإطار المناسب لتقريب مواقف مختلف الأطراف.
ومع ذلك لم تكن عملية الانتقال من الشرعية التاريخية والحقوق الوطنية الثابتة إلى الشرعية الدولية والحقوق المستمدة من موازين القوى بالأمر الهين، لأن الاعتراف بنهج التسوية السلمية يعني الاعتراف بعجز بل فشل استراتيجية حرب الشعب والحل العسكري و يعني الاعتراف بالخصم العدو، كما تعني إعادة النظر بمرحلة برمتها من شعارات ومواقف وسياسات وأفكار بل ورموز وقيادات ، لأن منطق التسوية السلمية يفرض تقديم تنازلات وإعادة النظر بما كان يعتبر من الثوابت والمقدسات، كانت التسوية تعني الاعتراف بأن الصراع لم يعد صراع بين الأمة العربية من جهة وإسرائيل من جهة ثانية، بل صراع بين إسرائيل والفلسطينيين، وأن ما يعني العرب هي قضايا الحدود بالنسبة لمصر وسوريا والأردن، وأما دون ذلك فدور العرب في أحسن الحالات هو المتعاطف مع الموقف الفلسطيني.
ولكن....وحيث أن فلسطين والعمل على تحريرها كان سندا لوجود واستمرارية بعض الأنظمة والحركات الثورية والقومية العربية ، وحيث أن شعارات التحرير والوحدة كانت هي ورقة التوت التي تخفي كثيرا من العورات فلم تكن لا الحكومات العربية ولا الحركات السياسية القومية الثورية العربية والفلسطينية لتجرؤ على الاعتراف بالحقيقة. كان الواقع يؤكد تحول القضية إلى قضية صراع فلسطيني /إسرائيلي وقضية حدود ومصالح بالنسبة للدول المحيطة بإسرائيل، وقضية تعاطف بالنسبة لبقية الدول العربية، إلا إن الخطاب السياسي والعربي استمر يتحدث عن قومية القضية الفلسطينية وعن تحرير فلسطين وعن العدو الصهيوني الخ، بل كان حكام عرب يجتمعون لوضع خطط المواجهة مع العدو ثم يلتقون سرا مع نفس العدو - إسرائيل - لإعلامه بما يحاك ضده ! كانوا يتحدثون عن الحرب مع إسرائيل بينما جيوشهم تقاتل بعضها البعض أو تتمركز في الثكنات داخل المدن لمواجهة الشعب وحماية الحاكم من شعبه.
لم تكن القيادة الفلسطينية قادرة على كشف كل الأوراق والبوح بالحقيقة، حقيقة أن الثورة الفلسطينية أعجز من أن تحرر فلسطين، وأن الدول العربية عاجزة أو غير راغبة في محاربة إسرائيل وأن واقع النظام الدولي لم يعد يسمح بشطب دولة -إسرائيل-من الخريطة السياسية الدولية، كانت القيادة الفلسطينية - وخصوصا قيادة المنظمة - تعرف أن البوح بالحقيقة معناه الدخول في صدام مباشر مع أكثر من نظام عربي -وقد حدث ذلك أحيانا - كما قد يؤدي إلى إحباط الجماهير عندما تعلم هذه الأخيرة حقيقة أن العرب تخلوا عن فلسطين وأن الثورة عاجزة عن تحرير فلسطين وأن الواقع الدولي لا يجيز القضاء على إسرائيل، أيضا كانت المنظمة تعرف أنها وإن أسقطت المراهنة على الجيوش العربية فأنها بحاجة إلى أموال العرب وإلى دعمهم السياسي والدبلوماسي وإلى أموالهم لدعم المشروع الوطني الفلسطيني في إطار دولة في الضفة والقطاع، أي أن القطيعة مع الواقع العربي لم تكن تخدم لا القضية الفلسطينية ولا مصالح المتنفذين في المنظمة والمنظمات . وهكذا كان الفلسطينيون يتقدمون / ينحدرون نحو الحل السلمي والتفاوض مع إسرائيل بقدر ما كانت الأنظمة العربية تبتعد عن فلسطين وتتخلى عن التزامها القومي، وكانت كل خطوة تُقرب القيادة الفلسطينية من التسوية وتجعلها مقبولة أمريكيا وإسرائيليا، خطوة تراجعية في نفس الوقت عن استراتيجية الكفاح المسلح وعن الثوابت الوطنية.
لقد بات واضحا أن م.ت.ف. التي تنهج الكفاح المسلح وتدعو لحرب التحرير الشعبية العربية أو حتى الفلسطينية أصبحت مرفوضة ومحُاربة علنا من إسرائيل وأمريكا وسرا من طرف غالبية الأنظمة العربية، نعم كانت مقبولة من طرف الجماهير الفلسطينية والعربية( )__، ولكن في زمن الحروب الحديثة وحيث تملك إسرائيل أقوى جيش في الشرق الأوسط بما في ذلك أسلحة نووية، وفي ظل إغلاق الحدود العربية أمام من يطلب الشهادة في سبيل فلسطين، وفي ظل غياب ثقافة حرب الشعب ومتطلباتها، لم تعد شعارات حرب الشعب أو القيام بعدة عمليات فدائية قادرة على القضاء على إسرائيل...القضاء على إسرائيل أصبح يحتاج إلى جانب ذلك إلى جيوش حديثة وعصرية تتوفر على أسلحة نووية أو ما يعادلها أو تعمل تحت مظلة نووية لحليف استراتيجي مع وجود مناخ دولي لا يمانع بالقضاء على إسرائيل ، وواقع الحال أن الجيوش العربية في وضعيتها الحالية غير مؤهلة - عسكريا وسياسيا - لدخول حرب ضد إسرائيل تكون احتمالات كسبها مضمونة ،كما انه من المستبعد في ظل الوضع الدولي الحالي السماح بتدمير إسرائيل حتى وان كان ذلك في مكنة العرب .
ومن هنا كان على م.ت.ف حتى تكون مقبولة سياسيا وحتى تحوُل دون شطب المشروع الوطني والكيانية الفلسطينية أن تنهج نهجا سلميا وأن تتحول من خطاب التسوية كتكتيك و مناورة إلى التسوية كخيار استراتيجي، وان تجعل من قرارات الشرعية الدولية سقفا لمطالبها، الأمر الذي فرض عليها أن تدفع ثمنا باهظا لتُقبَل في لعبة التسوية وثمنا اكثر إبهاظا بعد دخولها مسلسل التسوية.ومع ذلك لم يؤد قبول المنظمة بقرارات الشرعية الدولية إلى تطبيق إسرائيل لقرارات الشرعية الدولية بل على العكس ازدادت إسرائيل تصلبا لان التنازل الفلسطيني جاء في مرحلة تراجع النضال الفلسطيني وفي مرحلة تراجع الحماس العربي للقضية وفي مرحلة دخول الشرعية الدولية منعطفا جديدا مع النظام الدولي الجديد، فكيف حدث هذا التحول ؟.













المبحث الأول
كامب ديفيد وتدشين مسيرة وأد قومية القضية الفلسطينية لحساب شرعية دولية غير واضحة المعالم.

فيما يشبه المتاهة عاشت حركة المقاومة الفلسطينية في لبنان - عندما أصبحت لبنان قاعدة لها بعد إخراجها من الأردن عام 1970- فبينما منحها وجودها العسكري والتنظيمي شعورا زائفا بالقوة والنشوة وإحساسا أنها وجدت في لبنان القاعدة الآمنة التي خسرتها في الأردن وإنها وسط شعبها ومتحالفة مع الحركة الوطنية وعلى خط التماس مع العدو حيث تمارس عمليات عسكرية شبه يومية انطلاقا من جنوب لبنان، إلا أن هذه القاعدة الآمنة لم تكن آمنة تماما وليست هي المطلوبة والمنشودة لتكون منطلق حرب التحرير الشعبية، فحركة المقاومة الفلسطينية إن كانت متحالفة مع الحركة الوطنية اللبنانية وهو ما منحها مزيدا من القوة فأن هذا التحالف وضعها من جهة في مواجهة الدولة اللبنانية وفي مواجهة سوريا و من جهة أخرى في مواجهة إسرائيل وتحالف غربي تقوده الولايات المتحدة، وهي وإن كانت شبه حاكمة في بيروت وصيدا وصور وكثير من الأراضي اللبنانية ، فإن تواجدها في هذه المدن كانت سلبياته مدمرة على المقاتلين الفلسطينيين الذين فقد الكثير منهم نقاءهم وسلوكهم الثوري حيث تغلغل الفساد و الرذيلة وسيطرت البيروقراطية والمحسوبية وتحول الثوار إلى موظفين . نعم إن حرية الحركة في لبنان قد سهلت على الثورة استقطاب آلاف المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين والسوريين ومن كل الجنسيات ،مناضلين حقيقيين من عشاق الشهادة الذين تركوا أعمالهم أسرهم والتحقوا بالثورة عن إيمان وقناعة ولكن كان هناك العديد من المغامرين أو الباحثين عن وسيلة تعيش أو المتمردين على أنظمة بلدانهم ، الأمر الذي أثار حفيظة بلدان عديدة وعلى رأسها أمريكا والغرب لأنهم شعروا أن لبنان تحت (الحكم الفلسطيني) تحول إلى بؤرة لإيواء الثوار والمتمردين وكل معارض للسياسة الأمريكية أو معارض للأنظمة الحليفة لها.
كانت هناك أصوات ترتفع من داخل القيادة الفلسطينية، علنا أحيانا وهمسا حينا آخر، تعبر عن تخوفها من الحالة المتضخمة والمتسيبة وغير الطبيعية للثورة في لبنان وتخوفها من حالة الفساد والبيروقراطية بين المقاتلين وأطر المنظمات الفلسطينية ومؤسساتها، ومتخوفة من توتر العلاقة بين الثورة الفلسطينية ومحيطها العربي، وخصوصا مع سوريا ولبنان والأردن، كان هناك إحساس بأن الوضع غير سليم وغير طبيعي وأن مخططا ما يحاك ضد القضية الفلسطينية والثورة الفلسطينية.
وبالفعل اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية ووجدت الثورة الفلسطينية نفسها منساقة إلى هذه الحرب التي لم تكن في حقيقتها حربا بين فرقاء محليين بقدر ما كانت حربا بالوكالة عن قوى محلية و دولية، وفي خضم انشغال الثورة الفلسطينية بالحرب الأهلية في لبنان كانت زيارة السادات للقدس ثم توقيع اتفاقية كامب ديفيد ، ودون الدخول في تفاصيل هذه الاتفاقية، فإنها كانت بمثابة ناقوس خطر للثورة الفلسطينية يُشعرها انه ليس المهم فقط تواجد قاعدة (آمنة) للثورة، بل الأهم أن يكون الوضع العربي رسميا وشعبيا يعترف بهذه القاعدة ويمدها بكل مقومات البقاء والصمود و مهيئا لاحتضان حرب تحرير شعبية والدخول في مواجهة مع إسرائيل، كانت الاتفاقية بمثابة وضع المسمار الأخير في نعش البعد القومي للقضية الفلسطينية، وبمثابة حفل تأبين لاستراتيجية المواجهة العربية العسكرية مع إسرائيل .كانت اتفاقية كامب ديفيد رسالة عربية بدأتها مصر ، تقول للفلسطينيين انه بمقابل استقلالية القرار الفلسطيني نحن نقول باستقلالية القرار المصري، وكان للاتفاقية من هذا المنطلق تداعيات متعددة وسلبية غيرت من طبيعة الصراع في المنطقة.
لقد غيرت اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية من طبيعة الصراع العربي الإسرائيلي، من صراع وجود إلى صراع على الحدود، صراع إسرائيل مع كل دولة عربية على حدة حول قضايا الحدود، وهذا التحول مس بالصميم أهم أركان قومية القضية الفلسطينية، وما كان الأمر سيكون بهذه الأهمية لو أن الاتفاقية وقعت بين إسرائيل ودولة عربية من خارج دول الطوق، أما مع مصر أكبر قوة عربية وأكبر دولة وقائدة حركة النضال القومي العربي منذ 1952، وذات الوزن والثقل السياسي و الدبلوماسي محليا ودوليا، فالأمر كان ولا بد أن يرتب تداعيات عظيمة الشأن .
فمن جهة أولى أدت الاتفاقية إلى إضعاف الموقف العربي الداعي لتحرير فلسطين و أفقدت الخطاب القومي المتحدث عن قومية القضية والحقوق التاريخية مصداقيته، ومن جهة أخرى شككت إن لم تُبطل أهمية وقيمة قرار مجلس الأمن 242 وجعلت الموقف العربي المطالب بتطبيقه ضعيفا ، لأن إسرائيل أصبحت تدعي أنها طبقت القرار بالانسحاب من سيناء وان تزعم أن القرار يخاطب الدول المشاركة في الحرب ولا يخاطب الفلسطينيين إلا كلاجئين، نعم كان من الممكن أن تكون الاتفاقية أكثر انسجاما مع قرار 242 ومع الحقوق الفلسطينية والعربية لو أن مصر تمسكت بانسحاب إسرائيل من سيناء وقطاع غزة، ولكن مصر أخذت سيناء باعتبارها ارض مصرية وتركت الفلسطينيين وشأنهم مع أنها مسؤولة قانونيا وأخلاقيا عن ضياع قطاع غزة، فإسرائيل احتلته وهو تحت إدارتها، والقول بأن الاتفاقية تنص على حكم ذاتي للفلسطينيين فهذا الأمر يتناقض أولا مع قرار 242 الذي يقول بالانسحاب من الأرض وليس حكمها ذاتيا تحت السيادة الإسرائيلية ، ويتناقض مع حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره لأن الحكم الذاتي سيكون في إطار السيادة الإسرائيلية ولا يعترف بأي حقوق سياسية للفلسطينيين، بل لا تعترف الاتفاقية بمنظمة التحرير كممثل شرعي للشعب الفلسطيني بل لا تشير إليها مجرد إشارة والكل يعلم أن الإسرائيليين رفضوا مجرد وضع العلم الفلسطيني على طاولة المفاوضات أو أمام القاعة .
خطورة هذه الاتفاقية على البعد القومي للقضية وعلى مجمل الصراع في المنطقة -مع إنها بالمفهوم الرسمي للمصلحة الوطنية المصرية تُعد إنجازا وطنيا- تكمن أيضا في أنها أعطت الضوء الأخضر للأنظمة العربية لتضع على سلم أولوياتها و دون حرج فكرة التسوية السلمية للصراع مع إسرائيل، وأن تتعاطى مع مسألة الاعتراف بإسرائيل بشكل إيجابي دون خوف أو تردد ، ولِمَ لا ، ما دامت أكبر دولة عربية فعلت ذلك ؟. وإن كان العرب اجتمعوا في قمة بغداد وشكلوا ما سمُي جبهة الصمود والتصدي، فإن المدقق في العديد من تصريحات ومواقف هؤلاء سيجد أنها كانت تنصب ليس على مبدأ التسوية بحد ذاته، بل على شكلها، كان الانتقاد أن السادات ذهب للتسوية لوحده دون أن يعلم العرب وخصوصا سوريا، وقد اثبت الواقع أن هذه الجبهة كانت مجرد شعارات استدعتها ضرورة التجاوب مع الرفض الشعبي العربي ومجاراة لعواطف الجماهير المستنكرة لان يتلاعب بها حكامها في قضاياها المصيرية، حيث لم تبلور هذه الجبهة أية استراتيجية عسكرية نضالية في مواجهة إسرائيل، لقد قاطعت الدول العربية مصر ولكنها لم تفعل شيئا ضد إسرائيل !، وقد انكشف عجز هذه الجبهة عندما دخلت إسرائيل جنوب لبنان وعندما غزته ووصلت إلى بيروت عام82 حيث قاتلت، م.ت.ف. وحركة المقاومة اللبنانية لوحدهما.
ولم يكن وضع بقية الدول العربية افضل حالا ، فدول الخليج العربي كانت تراقب الوضع من بعيد وكأنها غير معنية مباشرة بالصراع الدائر بين دول المواجهة وإسرائيل ،ومع أنها التزمت بالمقاطعة العربية لمصر إلا أنها لم تقاطع مصر ولكنها كانت تجاري الأغلبية العربية ،وحيث أن المطلوب منها هو المال والمال فقط فلم يكن لديها مانع بدفع بعض الملايين لأنظمة ومنظمات الثورة والنضال ما دام ذلك سيبرئ ذمتها من المسؤولية القومية وتتقي بها انتقادات الثوريين والمناضلين ، وبعض هذه الدول كانت تنتظر فقدان الأنظمة القومية والثورية لمصداقيتها النضالية وبالتالي أفول نجمها ، لتوظف هذه الأنظمة -الخليجية -رصيدها المالي لتقوم بدور المنقذ للامة وتلعب دور القيادة الرشيدة ، أما المملكة المغربية فكانت تشتغل بصمت وتلعب دور عراب التسوية وتفتح أحضانها لكل من تعب من النضال أو كفر بالنضال المسلح فكان المرحوم الملك الحسن الثاني يقدم له التمر والحليب ثم يهيئ له لقاء مع مسؤول إسرائيلي ويفتح أمامه بوابة الإنقاذ -التسوية السلمية - وكأن الحسن الثاني كان يعرف حقيقة القادة العرب ويستشرف مستقبل المنطقة .
كانت أقل المواقف العربية في مؤتمر الصمود والتصدي تشنجا من اتفاقية كامب ديفيد هو موقف أبو عمار وهو ما عبر عنه السادات بأسلوبه الاستفزازي ، فعندما وصلته كلمات ومواقف الزعماء العرب في المؤتمر، قال عن أبو عمار (كان أقلهم بذاءة)! نعم ، أصدرت م.ت.ف وكل القوى الفلسطينية بيانات تدين وتستنكر اتفاقية كامب ديفيد، إلا أن الثورة الفلسطينية وعلى رأسها أبو عمار كانت مستوعبة لحقيقة الواقع العربي ومطلعة على حقيقة الأنظمة العربية ونواياها، وقد اعتبر أبو عمار أن مقاطعة مصر وخروج الجامعة والمنظمات العربية من مصر سيضر بالقضية أكثر مما ينفعها، ومن هنا صرح قائلا (لقد عارضت بعد كامب ديفيد خروج المنظمات العربية من مصر) __. ويبدو أن أبو عمار أصبح يتحسس أن المعركة القادمة هي معركة التسوية السياسية وليس معركة عسكرية تحريرية ، معركة سياسية سيكون فيها الفلسطينيون الطرف الأضعف إن دخلوها منفردين ،ومن هنا تلمس الحاجة إلى وجود مصر وثقل مصر وهذا ما يفسر زيارته للقاهرة بعد الخروج من بيروت والخروج الثاني من طرابلس 1983 وهي الزيارة التي أثارت انتقادات كبيرة وطرحت علامات استفهام مشككة . ولم يكن إحساس قيادة منظمة التحرير بأن اتفاقية كامب ديفيد تعني نهاية البعد القومي الرسمي للقضية الفلسطينية والانتقال بالقضية من المواجهة العسكرية إلى الحل السلمي بالإحساس الخائب ، حيث لم تمر على توقيع الاتفاقية وعلى كل الضجيج حول الصمود والتصدي أربع سنوات تقريبا حتى ظهرت فكرة المؤتمر الدولي للسلام والتي طرحها الزعيم السوفيتي ليونيد برجنيف أمام المؤتمر السادس والعشرين للحزب الـشيوعي السوفيتي في موسكو (فبراير 1981)، وإن كانت المواقف العربية تباينت حول المشروع إلا أن العديد من الدول العربية رحبت به، وهو ترحيب يعبر عن بحث الدول العربية عن مخرج لحل سلمي مشرف لها والدول التي عارضت المشروع لم تعارضه من منطلق رفض مبدأ التسوية بل لان المشروع جاء من السوفييت ولان أمريكا عارضته ، وكان موقف المنظمة مرحبا بهذه المبادرة ولو بحذر حيث صدر عن المجلس الوطني في الدورة الخامسة عشر (دمشق ،إبريل 1981) قرارا مرحبا بالمبادرة دون التحمس لها، ولكن هذا التحمس سنلاحظه بعد الخروج من بيروت، حيث أصبح موقف المنظمة اضعف مما كان عليه في سبتمبر 1981، عندما طرح المشرع رسميا.
هذه المبادرات الخارجية وان كان التجاوب معها عربيا يؤشر على تحول ما في الموقف العربي الرسمي من التسوية إلا انه كان يمكن للأنظمة العربية أن تزعم أنها لم تتخل عن مواقفها المبدئية وان كل ما في الأمر أنها ترد على مبادرات أجنبية ،أو تبرر قبولها بالقول إنها مبادرات مفروضة علينا من دول عظمى ،إلا أن تقدم العرب أنفسهم بمشروع للسلام يتضمن اعترافا بإسرائيل، وضع حدا لكل المناورات ولسياسة الـ(لعم) وهذا ما حدث مع مبادرة الملك فهد. ففي 8/8/1981 أدلى الملك فهد بتصريح لوكالة الأنباء السعودية تضمن مبادئ التسوية العادلة التي يمكن أن يقبل بها العرب، وقد أُدرجت هذه المبادرة على جدول أعمال القمة العربية التي عقدت في فاس في 25-11-1981 ولكن مؤتمر وزراء الخارجية العرب الذي عُقد تمهيدا للمؤتمر أبان عن تناقض في المواقف من المبادرة حيث تحفظت دول الصمود والتصدي على المبادرة ،مما أدى إلى غياب عدد من الزعماء العرب عن القمة وبالتالي تعليق أعمال المؤتمر ، وكان الرئيس أبو عمار من اشد المتحمسين لاستمرار الاجتماع ولإنجاح المؤتمر، ويبدو أنه كان يتحسس ما هو آت وما سيترتب عن فشل المؤتمر، وهو غزو لبنان وضرب حركة المقاومة الفلسطينية .
إن ما جرى مع مبادرة بريجنيف تكرر مع مبادرة فهد ، منظمة التحرير الفلسطينية وهي المعنية مباشرة بالقضية ترحب ودول جبهة الصمود التصدي ترفض! ولكن هذا الرفض لم يكن في واقع الأمر لأنها تملك البديل الثوري العسكري بل كان رفضها يعود إلى أن السعودية هي صاحبة المبادرة ، والسعودية في نظرهم لا تقوم بذلك إلا بإيحاء أمريكي ، والاهم من ذلك أن هذه الأنظمة كانت تخشى فقدان ورقة التوت التي تغطي عورتها،كانت تخشى أن يؤدي اعترافها بإسرائيل إلى فقدان الشعارات الثورية والقومية والحديث المتشنج عن تحرير فلسطين والعدو الصهيوني لمصداقيتها ، وهي الشعارات - ورقة التوت - التي تخُفي بها حقيقة عجزها عن تحرير فلسطين ، وكانت تستعملها لكسب شرعية داخلية نظر لِمَا لفلسطين من مكانة وتقدير عند الجماهير ، بل إن تطرف بعض الأنظمة العربية في الرفض كان محاولة لإخفاء حقيقة مخططاتها لضرب وتهميش الثورة الفلسطينية، وهذا ما تلمسه الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات عندما قال بعد الخروج من بيروت معلقا على فشل قمة فاس الأولى، «إن الذين ساهموا في تخريب فاس - يقصد قمة فاس الأولى - هم الذين أوصلونا إلى هذا، ولو نجح الأول لكانت النتيجة - وهذه أسجلها تاريخيا - أن نتجنب ما حدث، أي أنها كانت موضوعة أصلا لتجنب المنطقة ما حصل فيها، ولذلك كنت أكثر الناس انزعاجا من فشل فاس الأولى، وهو فشل هيأ لما حدث في _بيروت_»
إذن استخلصت الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من مواقف الدول العربية والمبادرات السلمية الثلاثة، بريجنيف - المؤتمر الدولي للسلام -وريغان، ومبادرة فهد، أن هناك استعدادا رسميا عربيا للتعاطي مع التسوية السلمية والاعتراف بإسرائيل، إلا أن العائق الرئيس هو الثورة الفلسطينية المسلحة في لبنان وتحالفها مع حركة المقاومة اللبنانية، وما تؤدي إليه هذه الثورة من تأجيج لروح المقاومة وللمشاعر الثورية عند الجماهير العربية، وما تسببه من إحراج للأنظمة العربية وللقيادات المعتدلة داخل حركة المقاومة الفلسطينية نفسها، فكان لزاما إزالة هذه العقبة بالقضاء على الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان، وهذا ما جرى في صيف 1982 حيث قامت القوات الصهيونية بغزو لبنان والوصول إلى العاصمة بيروت في ظل صمت عربي رسمي وإحباط شعبي وترقب دولي، ولحوالي ثمانين يوما من 4-6-الى21-8 والثورة الفلسطينية وحركة المقاومة اللبنانية تتصديان للقوات الصهيونية، ولم يطرح أحد ضرورة التدخل باسم قومية القضية الفلسطينية أو الرد على الإهانة الناجمة عن احتلال عاصمة عربية، فلا دول الصمود والتصدي ولا الدول صديقة الغرب وأمريكا فعلت شيئا لإنقاذ الثورة الفلسطينية العمود الفقري للثورة العربية وطليعة الأمة العربية في مواجهة الصهيونية!، لقد وقف الجميع ينتظر ، بالتأكيد ليس انتصار الثورة الفلسطينية عسكريا بإمكاناتها المحدودة على أقوى دول المنطقة عسكريا، دولة عجزت أنظمة حرب أكتوبر في زحزحتها عن مواقعها في الأراضي المحتلة، بل وقفوا ينتظرون القضاء على الثورة الفلسطينية ، حتى مجزرة صبرا وشاتيلا المروعة 17/18 سبتمبر التي حركت الرأي العام العالمي وحتى الإسرائيلي ، لم تحرك ساكنا عند الأنظمة العربية والإسلامية الأمينة على القضية !... وهكذا خرجت الثورة الفلسطينية من لبنان، وبخروجها دخلت القضية الفلسطينية في نفق جديد، وسعت أطراف عربية ودولية إلى استثمار ضعف المقاومة الفلسطينية وتشتت قواتها في المنافي لإحياء مبادرة الملك فهد، وهذا ما تم بالفعل في قمة فاس الثانية، مع إدخال تعديلات على الصيغة الأولى للمبادرة، طلبها الفلسطينيون والسوريون.
أهمية مؤتمر قمة فاس في مسار عملية التسوية أنه لأول مرة يصدر عن قمة عربية مشروع سلام يعترف بإسرائيل ولا يتحدث عن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني بل عن حقوق مستمدة من قرارات الأمم المتحدة . نعم، تحدث مشروع السلام العربي عن قيام دولة فلسطينية عاصمتها القدس، إلا أنه في نفس الوقت جعل تحقيق هذا الهدف عن طريق المفاوضات وفي إطار الأمم المتحدة، أما الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية وتحرير فلسطين بشكل عام فإن قمة فاس أقامت لهم حفل تأبين عربي رسمي ثان بعد حفل التأبين في بيروت.
قد يقول قائل كان على الثورة الفلسطينية أن ترفض قرارات قمة فاس وأن تتمسك بالكفاح المسلح وبأهدافها وباستراتيجيتها، وهذا ما قالت به بعض فصائل الثورة الفلسطينية، ولكن هؤلاء يتناسون أن لا ثورة فلسطينية تحريرية دون ارض تنطلق منها وتشكل قاعدتها العسكرية ، أو بشكل أخر لا ثورة فلسطينية ناجحة دون محيط عربي ثائر أو على الأقل مستعد لدفع استحقاقات قيام ثورة حقيقية ، والأنظمة التي سكتت إن لم يكن تواطأت على إخراج الثورة من لبنان،هل ستسمح لها بالعودة لممارسة الكفاح المسلح انطلاقا من أراضيها؟ لقد قطعت مبادرة السلام العربية الطريق أمام الفلسطينيين وممارسة الكفاح المسلح انطلاقا من دول المواجهة، وفرضت عليهم أن ينقلوا ساحة المواجهة الرئيسية من خارج فلسطين - حيث أجهض البعد القومي للقضية - إلى داخل فلسطين لتأخذ القضية مسارا جديدا هو مسار البحث عن تسوية يعتمد فيها الفلسطينيون بشكل رئيس على إمكاناتهم الذاتية.
ولكن وقبل التحول عن مبادرة السلام العربي، لا بأس أن نبين مختلف وجهات النظر الفلسطينية من المبادرات السياسية وخصوصا مبادرة السلام العربية التي نالت شبه إجماع عربي عليها، وافضل ما يوضح مختلف وجهات النظر الفلسطينية حول مشاريع التسوية هي كلمات قادة المنظمات في مؤتمر الجزائر ـ الدورة 16- .في كلمة "فتح" التي ألقاها أبو اياد، في المجلس عارض مبادرة ريغان من منطلق أنها لا تلبي الحقوق القومية للشعب الفلسطيني، ولا تعترف بدولة فلسطينية ولا بمنظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن أبو اياد طالب بمقابل رفض مبادرة ريغان التسلح بمبادرة بديلة ، واعتبر بناء على ذلك أن مقررات قمة فاس العربية مقبولة وذلك (لأنها ليست خيارا فلسطينيا، بل لأنها خيار عربي فُرض علينا)، والمطلوب من القيادة الفلسطينية أن تحَسِن وتُطور هذا الموقف العربي، ولا تنكر حركة فتح أنها غيرت شروطها السابقة وتصوراتها لطبيعة المبادرات السياسية، إلا أنها تعتبر أن هذا ضروريا حتى تفتح أفاقا أمام الشعب الفلسطيني (فالشعب الفلسطيني بحاجة دائما لأن تعطيه حلولا واقعية) .
ويرفض أبو إياد القول بأن قرارات فاس تعني الاعتراف بإسرائيل وهو ما فُسر به البند السابع من القرارات، ويؤكد أنه لا يوجد شيء يجبر فتح على الاعتراف بإسرائيل !.
ويستطرد أبو أياد محذرا من الاختلاف على السراب، ذلك أن المبادرات المطروحة وخصوصا قرارات فاس ليس من السهل تنفيذها عمليا، وعليه فهو يرى أن التسلح بمبادرة أو موقف عربي هدفه التجاوب مع أصدقاء الثورة في العالم وإحباط محاولات القضاء على م.ت.ف وعلى ثورة الشعب الفلسطيني، مركزا بأنه (يجب أن نضع المهمات المرحلية والأكثر مرحلية، وفي رأيي أن المهمة المرحلية في هذه المرحلة أن نحافظ على ثورتنا وبندقيتنا ،أن نحافظ على شخصيتنا الوطنية).
وشعورا من "فتح" بأن الموافقة على قرارات قمة فاس يشكل تنازلا فلسطينيا وتراجعا عن مواقف سابقة، فإن أبو اياد أكد أن قمة فاس تمثل نهاية التنازل الفلسطيني وليس بداية التنازل الفلسطيني، وقال بأنه يجب أن يكون مفهوما أنه لن يتكرر مسلسل التنازلات بعد قمة فاس، لأن الثورة الفلسطينية لديها الثقة بنفسها لتمنع أي أحد من جرها إلى مواقع لا تريدها ! للأسف أثبتت الأيام أن قمة فاس شرًعت الأبواب أمام تنازلات لم تتوقف إلى اليوم .
ومن نفس قاعدة القبول بمبادرة فاس، دافعت جبهة التحرير العربية عن هذه المبادرة، وبررت ذلك على أساس أن هذه المبادرة لا تغلق الباب أمام الخيار العسكري للثورة الفلسطينية ولا تتناقض مع حق تمثيل م.ت.ف. للشعب الفلسطينية، كما اعتبرت الجبهة أن قرارات فاس لا تشكل حاجزا أو عائقا يمنع الثورة من ممارسة فعلها العسكري والسياسي الخاص بها، وأن الاعتراف بقرارات فاس يقوم على أساس أنها (تمثل الممكن من الالتزام العربي في الظرف الرديء الراهن، وهذه القرارات وفق فهمنا تصبح سلاحا إذا ما استندت إلى ميثاقنا الوطني وقرارات مجالسنا الوطنية) .
هذه الاجتهادات حول مؤتمر فاس رُفضت من قِبل منظمات فلسطينية أخرى من منطلق أن الاعتراف بها يشكل خرقا لمقررات المجالس الوطنية الفلسطينية، فقد ندد جورج حبش - الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين - بمشروع مؤتمر فاس، ناعتا إياه بالمشروع المشبوه، ليس اعتمادا على قراءة بنوده ونصوصه التي تُظهر تأييدا لمنظمة التحرير الفلسطينية والدولة الفلسطينية المستقلة، إنما (من حيث أهدافه وتوقيته وماذا يكمن وراء طرحه الآن؟ وكيف سيطبقه العرب المتحمسون لفاس). كما يشكك جورج حبش بالنوايا الحقيقية للأنظمة العربية مستعرضا مواقفها المتخاذلة ضد الشعب الفلسطيني بدءا من ثورة 1936 حتى اليوم، ليستخلص من خلال التجارب الماضية (دور الأنظمة العربية الرجعية في إجهاض التحرك الشعبي الفلسطيني)، وليحدد بناء على ذلك موقف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين من مشروع قمة فاس باعتباره مشروعا يهدف إلى تمرير البند السابع والذي تحفظت واعترضت عليه الجبهة الشعبية .
كما عارضت جبهة النضال الشعبي الفلسطيني "مشروع السلام العربي" المنبثق عن مؤتمر فاس، لكونه تضمن في بنده السابع تنازلا للعدو الصهيوني واعترافا ضمنيا به، ولا يقتصر الأمر على ذلك (بل إن ما لم يرد فيه يشكل خطورة أيضا عندما استبعد الخيار العسكري، ولا يقتصر رفض جبهة النضال الشعبي لمشروع فاس على وجود البند السابع بل إنها (ترفض كل المواقف العربية التي ترهن مواقفها على التحرك السياسي والدبلوماسي للإمبريالية وضغطها المزعوم على إسرائيل).
أما الجبهة الشعبية - القيادة العامة - فقد ربطت بين مؤتمر فاس وبين الغزو الصهيوني للبنان، حيث رفضت الأنظمة الرجعية العربية كل الدعوات لعقد مؤتمر قمة عربي للتصدي للغزو الصهيوني لأنها كانت تنتظر النتائج الموعودة والمقررة في لبنان، تنتظر ذبحنا ونهايتنا أو هزيمتنا، وفي الحالتين تجتمع القمة العربية بمبادرة وقيادة الرجعيين لتطرح الحلول القديمة الجديدة للتسوية لإنهاء القضية الفلسطينية وتصفيتها. وانطلاقا من هذا، اعتبرت الجبهة الشعبية - القيادة العامة أن مؤتمر فاس ونتائجه جاءا تتويجا سياسيا لمؤامرة الغزو الصهيوني الأمريكي للبنان .
وتساءلت الجبهة ، إذا كان مشروع فاس يستند إلى محصلة القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة والقمم العربية، فما فائدة حملها إلى أمريكا؟، وتستطرد الجبهة موضحة رؤيتها لموقع مشروع فاس ضمن العملية التسووية التي تخطط لها وتقودها الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، ولتربط بين دعوة مؤتمر فاس لمجلس الأمن لوضع ضمانات بين جميع دول المنطقة وبين الاعتراف بإسرائيل، على أساس أن هذه الضمانات بمثابة اعتراف بوجود إسرائيل بل أنه اعتراف عربي جماعي بضمانات دولية.
خلصت الجبهة الشعبية - القيادة العامة - إلى القول بأن مشروع فاس يمثل (ارتدادا قوميا مخيفا ونقضا لكافة قرارات القمم العربية، ودخولا في العصر الصهيوني، وعليه فقد نددت الجبهة بأي تحرك فلسطيني يجري على قاعدة هذا المشروع على أساس (إن القبول بهذا المشروع والتعاطي معه فلسطينيا وحسب فهم الرجعية العربية له يشكل خروجا على الميثاق الوطني الفلسطيني)، ودعت الجبهة المجلس الوطني الفلسطيني إلى رفض هذا المشروع رفضا قاطعا لما يشكله الاعتراف به من تراجع خطير عن أهداف النضال الوطني لشعب فلسطين.
ونظرا لتباين وجهات النظر الفلسطينية حول مشروع فاس، فقد أشار البيان السياسي الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني في نفس الدورة ــ 16، إلى مقررات قمة فاس بصياغة مبهمة يصعب اعتبارها إقرارا رسميا بالقبول به، وفي نفس الوقت لا تعبر عن حالة رفض، حيث جاء تحت عنوان (مقررات قمة فاس" المشروع العربي للسلام" يعتبر المجلس الوطني الفلسطيني قرارات قمة فاس الحد الأدنى للتحرك السياسي للدول العربية الذي يجب أن يتكامل مع العمل العسكري بكل مستلزماته من أجل تعديل ميزان القوى لصالح النضال والحقوق الفلسطينية والعربية . ويؤكد المجلس أن فهمه لهذه القرارات لا يتناقض مع الالتزام بالبرنامج السياسي وقرارات المجلس الوطني ).


ما بعد خروج المقاومة من بيروت
ــ من النضال ضد نهج التسوية إلى الصراع حول شكل التسوية ــ
أثناء معركة بيروت صيف 1982 صرخ ياسر عرفات قائلا "يا وحدنا" وقد عبرت هذه الصرخة عن عمق الصدمة وشدة الألم الذي أصاب الفلسطينيين وهم يشاهدون التقاعس الرسمي العربي، كانت الكلمة بكل ما بها من ألم تعبيرا عن اليأس من المراهنة على العرب وعن فقدان القضية الفلسطينية لبعدها القومي على المستوى الرسمي العربي، وأن العرب لم يعودوا معنيين بمصير القضية الفلسطينية. كانت حرب لبنان نقطة تحول في مسيرة الصراع في المنطقة أبانت عن عدم واقعية شعار الترابط المصيري ما بين فلسطين و الأمة العربية وعن عجز "الحليف الاستراتيجي" الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية عن فعل شيء، فهذه الأخيرة فضلت الوقوف ألي جانب الأنظمة العربية بدلا من الوقوف إلى جانب الثورة الفلسطينية، وكانت مجزرة صبرا وشاتيلا 17 ــ 18 /9/ 1982 الرهيبة بحق الفلسطينيين العزل في المخيمات والتي ارتكبتها قوات الكتائب المسيحية تحت حماية القوات الإسرائيلية وصمت الأنظمة العربية بمثابة رسالة تأكيد على تبلد الإحساس بالمسؤولية الأخلاقية والقومية عند غالبية الأنظمة العربية، وحالة الشلل التي أصابت الأمة العربية وهي ترقب المجزرة، حيث أن المظاهر الوحيدة التي خرجت منددة بالمجزرة وبمرتكبيها جرت في إسرائيل وليس في دولة عربية .
لقد فرضت حرب لبنان على الثورة الفلسطينية أن تتعاطى إيجابيا مع نهج التسوية ومبادرات السلام، ليس إيمانا منها أن هذه المبادرات صادقة وفاعلة وأن مجرد قبول م.ت.ف بها سيؤدي إلى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس،بل حتى تحافظ على وجودها كتجسيد للكيانية وللهوية الوطنية الفلسطينية ولتكون عائق أمام محاولات شطبها وإلغاءها من الخريطة السياسية . كان الخروج من بيروت بمثابة الخروج من ساحة المواجهة العسكرية والدخول في ساحة المواجهة السياسية والدبلوماسية.
وللمفارقة كانت حرب لبنان بمثابة المبرر الذي شجع م.ت.ف على التعاطي إيجابيا مع المبادرات السلمية الأمريكية، مادامت الأوضاع العربية لا تسمح بالمواجهة وتصعيد النضال المسلح ولا حتى ببلورة مبادرة سياسية عربية فاعلة وقابلة للتطبيق. وبدأت مسيرة المراهنة على الدور الأمريكي في المنطقة ونعتقد أن أبو عمار عندما قال وهو على ظهر السفينة التي ستنقله من أرض المواجهة العسكرية - بيروت - إلى أرض الحلول السلمية -الدول العربية- «إني أرى مآذن القدس" فهو كان يراها عبر الحلول السلمية، وحيث أن أمريكا وإسرائيل المعنيتين الرئيستين بالصراع لا تعترفان بمنظمة التحرير وترفضان التفاوض معها مباشرة، فلم يكن أمام منظمة التحرير إلا حلفاء أمريكا وأصدقاءها خصوصا السعودية والأردن ومصر.
استشعرت الولايات المتحدة الأمريكية صعوبة موقف م.ت.ف، وتخاذل الموقف الرسمي العربي، فسارعت مباشرة بعد الخروج من بيروت إلى طرح مبادرة ريغان /سبتمبر 1982_ ، وهي المبادرة التي نعتقد أنها كانت وما تزال الأساس للتصور الأمريكي للتسوية .حددت مبادرة ريغان الخطوط العريضة للتسوية حسب المنظور الأمريكي، وهي لا تختلف كثيرة بالنسبة للشأن الفلسطيني عما جاء ت به اتفاقية كامب ديفيد ،حيث تحدثت المبادرة بشكل غامض عن حقوق للفلسطينيين أكثر من مجرد كونهم لاجئين، كما تحدثت عن انسحاب إسرائيلي من الضفة وغزة، ورفض بناء المستوطنات، ودعت لتطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربية وإجراء مفاوضات مباشرة على قاعدة "الأرض مقابل السلام". ومع ذلك وجد الفلسطينيون أن المبادرة لا تتجاوب مع الحد الأدنى لطموحاتهم، من حيث إنها لا تخاطب الفلسطينيين مباشرة، ولا تعترف لمنظمة التحرير بأي دور مباشر في المفاوضات ، فالمبادرة أعطت للأردن دروا أساسيا في التسوية لان الموقف الأمريكي كان يبحث عن حل للقضية في إطار عربي وأردني تحديدا وإن كان لابد من إدماج المنظمة في المفاوضات والاعتراف بها، فإن الولايات المتحدة وضعت شروطا لذلك وهي :إدانة المنظمة للإرهاب، الاعتراف لإسرائيل بالعيش بسلام وضمن حدود آمنة، إلغاء الميثاق الوطني وأخيرا الاعتراف بالقرارين 242، 338.
كانت الظرفية التي طُرحت فيها المبادرة محرجة ودقيقة بالنسبة لقيادة م.ت.ف فقد جاءت مباشرة بعد الخروج من بيروت وقبل أشهر قليلة من طرح مبادرة فاس الثانية، وإن كانت المنظمة وأغلبية الفصائل أصدرت بيانات رفض لمبادرة ريغان إلا أن هذا الرفض لم يكن قاطعا بل كان مرده الحرج من قبول مبادرة ريغان بينما مبادرة فاس الأولى لم تلغ بعد بل يعاد صياغتها وطبخها بشكل نهائي، كما جاءت مبادرة فاس الثانية ومبادرة ريغان قيد التداول.
أذن كان رفض م.ت.ف لمبادرة ريغان في حقيقة الأمر شكليا، نعم قبلت م.ت.ف مبادرة فاس الثانية- مشروع السلام العربي -لكنها على مستوى التحرك السياسي والنوايا الحقيقية ،قررت أن تذهب مباشرة في اتجاه الحل الأمريكي وأن لا ترهن نفسها - المنظمة -بمبادرات عربية تعرف أن لا قيمة لها ولا تتوفر على آليات التطبيق ولا إرادة التطبيق، ولِمَ تتعامل المنظمة مع وسطاء مادامت هناك إمكانية للتعامل مع أمريكا مباشرة _؟ ،_ كما كانت المنظمة تعرف أن أي مبادرة سلام عربية أو غير عربية لن يكتب لها النجاح إن لم تحظ بمباركة أمريكية وتتوافق بالتالي مع المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، وقد عكست تصريحات أكثر من مسؤول فلسطين هذه الحقيقة، حيث صرح هاني الحسن – أحد قيادي فتح -«إن مشروع فاس يفتقد إلى الميكانزم اللازم لعملية التسوية، غير أن هذا الميكانزم موجود في مشروع ريغان ولكن يلزمه فقط إضافة المطالب المشروعة حتى يصبح أساسا صالحا للحل العادل والدائم لقضية فلسطين، والصراع العربي الإسرائيلي). نفس الفكرة عبر عنها صلاح خلف – أبو اياد – حيث قال «إن المشروع يتضمن نغمة جديدة بشان القضية الفلسطينية من جانب ريغان لا يمكن تجاهلها، وأن المشروع لا يشكل قناعة تامة بالنسبة لنا غير أنه كبداية ليس سيئا» _. _
وهكذا لم تتعامل م.ت.ف. مع مبادرة السلام العربية -مبادرة فاس - بجدية ليقينها أن المنهزم عسكريا والتابع في اقتصاده وسياسته للخارج وخصوصا لامريكا، لا يمكنه أن يكون في موقف القوة السياسية ليفرض شروطا على أمريكا وإسرائيل، بالإضافة إلى ما سبق قوله أنه بالرغم من كون المبادرة تحمل اسم مبادرة السلام العربي، إلا أنها صدرت عن قمة عربية والجميع يعرف أن قرارات القمم العربية ما هي إلا شعارات وشكل من الفولكلورية التي تريد تبليغ رسالة أن هناك أمة عربية واحدة وموقف عربي واحد من القضية المصيرية ، وفي حقيقة الأمر كانت كل دولة عربية لها أكثر من تحفظ على هذه المبادرة ولها أهدافها الخاصة من قبولها، ومصلحة الشعب الفلسطيني كانت في أخر هذه الأهداف.
وجاءت أحداث جسام لترجح ميل الموقف الفلسطيني لصالح الحل الأمريكي، ولوضع كل البيض في سلة الولايات المتحدة الأمريكية، وكأن قيادة المنظمة تبنت موقف السادات الذي قال إن 99% من أوراق الحل في يد الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت أهم هذه الأحداث الانشقاق الذي حدث داخل صفوف أكبر تنظيم فلسطيني - فتح 1983- فهذا الانشقاق لم يُضعف فقط فتح و منظمة التحرير الفلسطينية ،بل أصاب الشعب الفلسطيني بصدمة عنيفة وخصوصا بعد المعارك بين الطرفين في طرابلس ونهر البداوي، حيث استُعمِلت الأسلحة الثقيلة من فلسطينيين في قصف مخيمات فلسطينية، كما أن هذا الانشقاق عزز من حالة التشرد والفُرقة داخل الساحة الفلسطينية، بالإضافة إلى تعزيزه لحالة الجفاء بل العداء ما بين قيادة م.ت.ف وسوريا التي تبنت حركة الانشقاق. كانت حركة الانشقاق توحي وكأن هناك عملية توزيع أدوار ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والدول العربية المحافظة من جهة وسوريا من جهة أخرى، الطرف الأول يطرح مبادرات سياسية ويضيق الخناق المادي والسياسي وسوريا تضيق الخناق على نهج الكفاح المسلح لمنظمة التحرير وتحديدا المؤتمر بأمر أبو عمار مما يجبر م.ت.ف. على التوجه نحو الحل السلمي أو العمل ضمن الاستراتيجية التي تريدها سوريا ،أو بشكل أخر ان يكون العمل العسكري الفلسطيني تحت المظلة السورية __.
ولم تقتصر الأحداث الدافعة للتوجه الرسمي الفلسطيني نحو التسوية الأمريكية كخيار وحيد فرضته ظروف ما بعد بيروت على الانشقاق،بل حدث في نفس السنة -ديسمبر 1983- التحالف الاستراتيجي ما بين إسرائيل وأمريكا وهو التحالف الذي كان بمثابة الرسالة الواضحة للثورة الفلسطينية وللعرب أن إسرائيل وُجدت لتبقى وان أي تحرك عربي بخصوص الصراع مع إسرائيل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار هذا التحالف الذي معناه أن من يريد أن يحارب إسرائيل فعليه أن يكون مستعدا لمحاربة أمريكا، أضف إلى هذه الأحداث الثورة الإيرانية وما تبعها من حرب عراقية إيرانية أبعدت الأنظار عن القضية الفلسطينية وشغلت الرأي العام العربي و العالمي وقسمت الأمة العربية والإسلامية.
ووجدت قيادة م.ت.ف نفسها خاضعة لسياسة (العصا و الجزرة) أو الترهيب والترغيب،فمن جهة ضربات عسكرية مؤلمة وانشقاقات متوالية في صفوفها وحصار وتضييق على نشاطها السياسي ومحاولات لتجاوزها بل محاولات لإذلال الشعب الفلسطيني وتحطيم روح الكبرياء والثورة عنده، ومن جهة أخرى التلويح بالمبادرات السياسية التي توحي بأن هناك شيئا سيُقدم للفلسطينيين وأن الطريق ليس مسدودا تماما. و وظفت الولايات المتحدة أصدقاءها في المنطقة، السعودية أولا ثم مصر والأردن لدفع م.ت.ف إلى بيت الطاعة الأمريكية.
كانت الخطوة الأولى نحو التوجه للحل الأمريكي هي زيارة أبو عمار للقاهرة بعد خروجه من لبنان 22 / 12 / 1983 ،لم تكن زيارة أبو عمار لمصر كامب ديفيد والتي أثارت جدلا واسعا في صفوف الفلسطينيين، ومعارضة قوية من بعض الفصائل الفلسطينية، لم تكن هذه الزيارة بهدف إحياء البعد القومي للقضية الفلسطينية أو طلب مساعدة مصر لتجديد وتفعيل استراتيجية الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية بل كانت تحمل رسالة واضحة أن م.ت.ف وبفعل الضربات الموجعة التي تلقتها من الأعداء الأعداء ومن الاخوة الأعداء ، أصبحت اكثر استعداد للمشاركة في تسوية تنطلق من الواقع الجديد للقضية، تسوية تبنى على حقيقة أن الصراع اصبح صراعا فلسطينيا - إسرائيليا، كان الهدف هو البحث عن صيغة للمشاركة في التسوية الأمريكية وهي التسوية التي لا تخفي أهدافها الحقيقية في تجاوز م.ت.ف والالتفاف حول تقرير المصير وإقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس. فلم يكن خافيا على القيادة الفلسطينية الأهداف لحقيقية للتسوية الأمريكية حيث من السذاجة التعامل مع التسوية الأمريكية باعتبارها تسعى إلى سلام عادل وشامل ويعترف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ومن السذاجة تصديق أن تقوم أمريكا وإسرائيل بتقديم تنازلات للفلسطينيين بعد تحطيم قوتهم العسكرية في لبنان، وتبعثر ما تبقى منها في الشتات ، وتوتر علاقاتها مع سوريا ودول أخرى وحدوث انشقاقات داخلها، تنازلات لم تقدم لهم وهم أقوياء،وكانت القيادة الفلسطينية تعرف الأهداف الحقيقة للتسوية الأمريكية، ولكن لم يكن أمامها من خيار بعد فقدانها قواعدها الارتكازية في دول الطوق، كان خيارها الوحيد والممكن هو إعاقة المخطط الأمريكي الإسرائيلي وفي نفس الوقت كسب أصدقاء وحلفاء جدد من خلال نهجها سياسة معتدلة تجعلها مؤهلة لدخول تسوية تنبع من واقع الصراع كصراع فلسطيني إسرائيلي .
وهكذا كان ذهاب أبو عمار للقاهرة بعد بيروت و طرابلس هو بمثابة انتقال من نهج استراتيجية الكفاح المسلح إلى نهج التسوية، ومع ذلك كان أمام م.ت.ف الكثير من التنازلات عليها تقديمها كثمن لقبولها في عملية التسوية وحتى تنجح في إحباط مخطط إلغائها ومحاولات شطب الكيانية والهوية الوطنية الفلسطينية، وقد أُسند للأردن ومصر الدور لتدجين م.ت.ف وإدخالها في نهج التسوية وتجريدها من طابعها الثوري تمهيدا للتفرد بها أمريكيا وإسرائيليا،وكان دور مصر حاسما ومندفعا لأنها أرادت أن تكسر العزلة من حولها وتظهر بأنها على صواب في نهجها السلمي وتبعد عن نفسها تهمة الخيانة وذلك لا يكون إلا باستقطاب الفلسطينيين إلى نفس النهج .

الاتفاق الأردني الفلسطيني أو محاولة الالتفاف حول الاستقلالية الفلسطينية.
كما بيًنا فأن مبادرة السلام الأمريكية لم تكن تلحظ أي دور ل م.ت.ف وبالتالي لا تعترف بدولة فلسطينية ولا بحق الفلسطينيين في تقرير المصير ، ومن هنا كان المأزق بالنسبة ل م.ت.ف والعرب دعاة التسوية ، كيف تتم تسوية للقضية الفلسطينية مادامت أمريكا وإسرائيل ترفضان الاعتراف ب م.ت. ف ؟ وكان المأزق بالنسبة لأمريكا هو كيف يوضع حد للصراع في المنطقة ويغلق ملف القضية الفلسطينية دون وجود الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ودون توقيعه على اتفاقات إنهاء الصراع؟ . وكان الحل هو ما توصل إليه الفلسطينيون والأردنيون بمشاركة ودعم المصريين وهو اتفاق يقدم صيغة تحرك مشترك فلسطين أردني وتشكيل وفد مشترك، أي أن يتم تمثيل الفلسطينيين من خلال وفد أردني به عناصر فلسطينية، وقد تجسد هذا التوجه الجديد للسياسة الفلسطينية في التقارب الأردني الفلسطيني والذي توج بعقد المؤتمر الوطني الفلسطيني في عمان لأول مرة بعد أحداث الأردن 1970 .عقد المجلس الوطني دورته السابعة عشر في عمان 22 / 11 / 1984 حيث صدرت قرارات مرنة تأخذ بعين الاعتبار مستجدات ما بعد الخروج من بيروت وتبلغ رسالة واضحة عن النهج الجديد لقيادة م.ت. ف ،ولأول مرة لا يرفض المجلس الوطني بصراحة قرار 242 ولا يتم التنديد باتفاقية كامب ديفيد ويستعمل تعبيرات مرنة وإيجابية عند الإشارة إلى العلاقات الأردنية الفلسطينية.
أدت هذه الدورة إلى تعزيز حالة الانشقاق داخل صفوف م.ت.ف بل وصفتها الفصائل المعارضة بالدورة "الانشقاقية الملغومة" وبالقرار الانفرادي، تلمسا من المعارضين أن قرارات المجلس الوطني في هذه الدورة تتضمن تنازلات وتمهد لمزيد من التنازلات التي هي شرط للولوج في مسلسل التسويــة الأمريكية. وبالفعل تُـوجـــت العـلاقــة الجديدة الفلسطينية - الأردنية علـى قاعـــدة التوجه نحو التسوية الأمريكية، بتوقيع الاتفاق الأردني الفلسطيني في 11 / 2 / 1985، قام هذا الاتفاق على مبدأ الأرض مقابل السلام وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في إطار اتحاد كونفدرالي مع الأردن وحل قضية اللاجئين، وان تجري مفاوضات سلام في إطار مؤتمر دولي تحضره الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وسائر دول الصراع بما في ذلك م.ت.ف ضمن وفد مشترك.
إن الملاحظ لنصوص هذا الاتفاق سيجد أنه نسخة منقحة من مبادرة ريغان، أضيف إليه الإشارة إلى حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في إطار كونفدرالية مع الأردن وإعطاء دور للمنظمة في إطار وفد مشترك.
أثار الاتفاق الأردني -الفلسطيني ردود فعل متباينة، فعلى الساحة الفلسطينية وقفت الفصائل الفلسطينية المعارضة وكذا سوريا موقفا معارضا ومنددا بالاتفاق كما تعززت حالة الانشقاق والتباعد بينها وبين قيادة م.ت.ف بتشكيل ما يسمى ب «جبهة الإنقاذ الوطني» التي أخذت على عاتقها مهمة «التصدي لعملية الاستسلام التي يقودها عرفات». وأما على المستوى العربي والدولي فقد شجع الاتفاق الإدارة الأمريكية على إحياء مبادرتها السلمية، وما شجع على ذلك هو وجود حكومة ائتلافية في إسرائيل يقودها حزب العمل، وبالفعل باشرت الإدارة الأمريكية تحركها بإرسال موفدا إلى عواصم المنطقة وهو "ريتشارد مورفي" ، وكانت العقبة التي تُطرح دائما هي التمثيل الفلسطيني في المفاوضات المزمع القيام بها، ذلك أن التنازلات التي قدمتها م.ت.ف لم تقتنع أمريكا وإسرائيل بالكامل، وكان مطلوب تقديم تنازلات جديدة من المنظمة على رأسها الاعتراف الواضح والصريح بقراري مجلس الأمن 242 و 338 والاعتراف بإسرائيل وتخلي الثورة الفلسطينية عن استراتيجية الكفاح المسلح ضد إسرائيل.
أخذت مصر على عاتقها مهمة انتزاع إقرار من م.ت.ف بالتخلي عن الكفاح المسلح ضد إسرائيل، وقد حدث ذلك فيما سمي ب «إعلان القاهرة» 5/11/1985 وهو الإعلان الذي عزز من حالة الانشقاق وتباعد المواقف بين قيادة المنظمة والفصائل الفلسطينية المعارضة، بل وجد معارضة داخل حركة فتح نفسها التي يقودها ياسر عرفات، حيث أعتُبر البيان تنازلا خطيرا عن حق الشعب الفلسطيني في النضال لاسترداد حقوقه المشروعة، إلا أن التفسير المصري وتفسير القيادة الفلسطينية ذهب إلى القول إن الإعلان يتحدث عن «قصر العمليات العسكرية ل م.ت.ف. على الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن إسرائيل ليست جزءا من الأراضي المحتلة وأن الإعلان ضروري ليثبت للعالم حرص قيادة م.ت.ف على إدانة الإرهاب والعمل على دفع مسيرة السلام .
ومن الملفت للانتباه هنا أن هذا الإعلان جاء بعد تدشين حركة أمل الشيعية لحرب تصفية ضد الوجود الفلسطيني المسلح في مخيمات بيروت، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول العلاقة بين الحدثين، حيث كنا نتوقع بعد دورة عمان وبعد الاتفاق الأردني الفلسطيني واللذان رفضتهما سوريا وجبهة الصمود والتصدي، أن تدعم جبهة الصمود والتصدي قوى المعارضة الفلسطينية وتعزز وجودها العسكري في لبنان وعلى الحدود السورية وأن تصعد من عملياتها العسكرية، ولكن بدلا من ذلك وقفت سوريا وكل الأنظمة العربية تتفرج على تصفية الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان على يد حركة أمل ؟ فكيف يمكن التوفيق ما بين القول برفض نهج التسوية والاستلام وفي نفس الوقت ضرب حركة المقاومة المسلحة الفلسطينية ؟ إن المنطق يذهب إلى القول إن الرفض السوري للوجود الفلسطيني في لبنان هو الذي شجع ياسر عرفات على إصدار إعلان القاهرة، أو أن ياسر عرفات كان ينتظر مثل هكذا تصرف ليقدم على إعلان القاهرة وليبرر دخوله في نهج التسوية.
ومع ذلك فإن مجمل هذه التنازلات التي قدمتها م.ت.ف وإن كانت نجحت في استيعاب صدمة بيروت وإعادة وضع الشعب الفلسطيني و.م.ت.ف على الخريطة السياسية على سكة استراتيجية جديدة إلا إنها أحدثت ردة فعل متباينة ، فالولايات المتحدة لم ترض عن هذه التنازلات وقالت إنها غير كافية ،هذا الموقف الأمريكي جاء على لسان الملك حسين الذي لم يكن يخفي أنه ومعه مصر مَن يُروج للحل الأمريكي ويعبر عن وجهة النظر الأمريكية، حيث قال ""رغم أن إعلان عرفات يمثل خطوة إيجابية من حيث تخليه عن ن الأعمال الفدائية خارج الأراضي التي تحتلها إسرائيل، فإنه ليس كاف ... إنه يتعين على المنظمة أن تتحدث وتعمل بصوت واحد، وأنه سيكون على عرفات في النهاية أن يُعلن قبول المنظمة القرارين 242 و 338 ... وأنه سيكون على المنظمة أن تعلن موافقتها على التفاوض حول السلام مع إسرائيل في مؤتمر دولي والتخلي عن كافة أعمال العنف داخل إسرائيل وخارجها"، بل أن الملك حسين ربط ما بين استئناف مسيرة التحرك المشترك وبين ( حصولي من عرفات على التأكيدات التي طلبتها منه)
وعلى المستوى الفلسطيني، أثارت هذه التنازلات ردود فعل سلبية وخصوصا أن الشعب الفلسطيني وجد أن الطرف الآخر لم يقدم بالمقابل أي تنازلات بل حاول توظيف هذه التنازلات الفلسطينية لتكون مرتكزا لمزيد من التنازلات ولمزيد من ابتزاز المنظمة ، بدورها شعرت القيادة الفلسطينية بعدم الجدية في هذا التحرك الأردني - الفلسطيني، وهكذا وتحاشيا للنتائج المدمرة لهذه التنازلات وحتى لا تُفهم فهما سلبيا من الأطراف الأخرى، سارعت القيادة الفلسطينية إلى رأب الصدع في الصف الفلسطيني، حيث تمت الدعوة لعقد الدورة الثامنة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر (20 - 25 إبريل 1987)، وقد مثلت قرارات هذه الدورة خطوة مهمة في إعادة إحياء الإجماع الوطني الفلسطيني، وكانت بمثابة التوضيح لمجمل التنازلات السابقة ووضعها في سياقها الحقيقي ومعناها الواضح، حيث أكدت القرارات على «التأكيد على الالتزام بالميثاق الوطني ومقررات المجالس الوطنية السابقة و«التمسك باستقلالية م.ت.ف. ورفض الوصاية والاحتواء والإلحاق، كما أعاد تأكيد «مواصلة النضال بأشكاله كافة، كفاحا مسلحا، وجماهيريا وسياسيا، لتحقيق الحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني وعاصمتها القدس، كما أكدت القرارات على رفض قرار 242 وعدم اعتباره أساسا صالحا لحل القضية الفلسطينية. أما تصور المجلس لأسس الحل المناسب فهو : «عقد المؤتمر الدولي الكامل الصلاحيات في إطار الأمم المتحدة وتحت إشرافها، وتشارك فيه الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وكذلك مشاركة الأطراف المعنية بالنزاع في المنطقة بما فيها م.ت.ف على قدم المساواة مع الأطراف الأخرى".
إن الصيغة التي جاءت بها مقررات الدورة 18 والتي حظيت بإجماع الفصائل الفلسطينية، إنما تتضمن أسس تسوية سلمية على أنقاض البعد القومي، ومع أن القرارات تتحدث عن ثوابت فإن المدقق في هذه القرارات سيكتشف تجاوزا كبيرا لهذه الثوابت، وخصوصا عند الحديث عن الدولة الفلسطينية، والمؤتمر الدولي، ومشاركة كافة الأطراف المعنية.
إلا أن ما لم تقله المقررات صراحة أهم وأخطر مما قالته، فالتمسك باستقلالية م.ت.ف ورفض الوصاية والاحتواء والإلحاق ،معناه الخفي اليأس من المراهنة ليس فقط على التحرك المشترك الأردني - الفلسطيني بل اليأس من الالتزام القومي، والحديث عن حل عادل وتسوية سلمية يتضمن اعترافا واضحا بإسرائيل، والحديث عن مؤتمر تحضره كافة أطراف النزاع يعني أن الصراع لم يعد عربيا -إسرائيليا ،بل إسرائيل مع كل طرف عربي ، وإن كانت قرارات الدورة الثامنة عشر إيجابية على مستوى توحيد الصف الفلسطيني إلا إنها كرست توتر العلاقة بين م.ت.ف والدول العربية وأقامت جدارا بين فلسطين وبعدها القومي الرسمي، حيث توترت العلاقة مجددا مع الأردن ومع مصر وسوريا الخ، وقد فهم الشعب الفلسطيني أنه لم يعد مجال للمراهنة على الحل العربي لا الحل العسكري بتحرير فلسطين عربيا ولا الحل السلمي حيث كل دولة أصبح تبحث عن مصالحها الخاصة ....
تمكنت القيادة الفلسطينية من استعادة توازنها السياسي وان توقف مجددا منظمة التحرير على قدميها بعد الخروج من بيروت ،واستطاعت قرارات المجلس الوطني في الجزائر - الدورة 18 - أن تعيد توحيد الصف الفلسطيني وتُبطل مراهنات أنظمة عربية على إلغاء وشطب حركة المقاومة الفلسطينية والهوية الوطنية الفلسطينية أو على الأقل إلحاقها بها وجعلها أدوات في خدمة استراتيجيتها .ولكن ماذا بعد صدور قرارات (الإجماع الوطني)؟، وماذا بعد التأكيد على الحقوق الوطنية؟ وماذا بعد انتصار الوطنية الفلسطينية والقرار الفلسطيني المستقل على سياسة الاحتواء الرسمي العربي؟ ماذا بعد أن أعلنت الدول العربية صراحة أو ضمنا أنها لن تحارب من أجل تحرير فلسطين؟ ماذا بعد أن أُغلقت كل الجبهات العربية أمام الثورة الفلسطينية وحقها في ممارسة الكفاح المسلح؟ ماذا بعد أن سقطت المراهنات على شعاري الوحدة طريق التحرير" و " التحرير طريق الوحدة" حيث الوحدة العربية ابتعدت وكادت أن تكون مستحيلة بفعل ارتجالية وعدم مصداقية أنظمة الوحدة القومية من جهة ومحاربة الأنظمة القطرية والرجعية لها من جهة أخرى ؟ أين فلسطين من كل ذلك ؟ ومَن سيحررها ؟ وكيف ؟ ومتى ؟ وما هو مصير الشعب الفلسطيني في الشتات وفي الداخل ؟ وما هو مصير منظمة التحرير دون ممارسة الكفاح المسلح ؟أسئلة كثيرة وكبيرة أجابت الانتفاضة عن بعضها وأجابت اتفاقية أوسلو على أخرى ولكن المهم منها ما زال دون إجابة ....





المبحث الثاني
ما بعد الخروج من بيروت -سنوات التيه الثوري-
لقد تأكد بعد بيروت أنه لن يكتب النجاح لثورة فلسطينية خارج فلسطين في ظل وضع عربي رسمي غير ثوري وغير قابل بالثورة فكرا وممارسة، وتأكد أن الشعب الفلسطيني خارج فلسطين أصبح أسير الأنظمة العربية التي يتواجد فيها، وتأكد أن الثورة الفلسطينية خارج فلسطين فقدت صفتها الثورية ،فكثير من الثوار لم يعودوا ثوارا، والعديد من المؤسسات الفلسطينية أصبحت مشلولة وعاجزة، وتنخرها البيروقراطية والفساد، وبعض سفراء فلسطين في الخارج حولوا السفارات إلى إقطاعيات خاصة بهم وبأسرهم وأقربائهم، وكل منهم وظف علاقاته مع أجهزة الدولة التي يتواجد فيها لتحقيق أكبر قدر من المكاسب المادية لنفسه ولأقاربه ،وغالبيتهم في الدول العربية اصبحوا من رجال الأعمال ومن حاشية السلطان ، أصبح هم السفراء إرضاء الدولة التي يقيمون فيها وليس خدمة القضية الفلسطينية التي جاءوا من اجلها ،بل إن الأموال التي كانت تجمع من الفلسطينيين أو من تبرعات أبناء البلد وكانت توضع في حسابات خاصة تبخرت بقدرة قادر وهي مبالغ تقدر بملايين الدولارات ،ناهيك عن استثمارات المنظمة في الخارج والتي كانت تحت تصرف بعض رموز المنظمة وهي تقدر بعشرات ملايين الدولارات ملايين ....وفي ظل عدم وجود محاسبة أو مراقبة لا مالية ولا سياسية أصيبت الأجهزة والمؤسسات السياسية والاقتصادية و الإعلامية بالشلل، سواء صامد الاقتصادي أو مركز الأبحاث الفلسطيني، أو وكالة وفا للأنباء أو مركز التخطيط، وكذا الصحف والمجلات الفلسطينية، وأصبح الشعب الفلسطيني عاجزا حائرا .وسط هذا الجو المليء باليأس والإحباط تفجرت الانتفاضة الفلسطينية لتدخل القضية الفلسطينية في منعطف جديد.




الانتفاضة الفلسطينية الأولى ـ تجديد الثورة في إطار وطني-.
شكلت الأحداث التي شهدتها الأراضي الفلسطينية المحتلة ابتداء من 9/12/ 1987 منعطفا في المسيرة النضالية للشعب الفلسطيني وتطورا نوعيا لثورته المعاصرة، لقد هب الشعب العربي الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده في الضفة الغربية وفي قطاع غزة وفي فلسطين المحتلة عام 1948، هبة رجل واحد شبابا وشيوخا وأطفالا ونساء، تجارا وعمالا وفلاحين وطلبة، مسلمين ومسيحيين،هبة زعزعت الأرض من تحت أقدام المحتل الصهيوني. وفرضت أحداث الانتفاضة (الثورة) نفسها على مسار القضية الفلسطينية وعلى كافة المستويات فلسطينيا، عربيا وعالميا، وأصبح العدو الصهيوني يعيش في مأزق سواء في مواجهته للرأي العام العالمي الذي ندد بقوة بالهمجية الصهيونية عندما أذهلته السادية الصهيونية في تصديها للفلسطينيين العزل من السلاح، أوفي مواجهته لقرارات مجلس الأمن الدولي المنددة بالقمع الصهيوني وبأبعاد الفلسطينيين من ديارهم ،حيث اعتبرت هذه القرارات الضفة العربية وقطاع غزة أراضى فلسطينية محتلة و وجود القوات الإسرائيلية فيها وجود غير شرعي.
ولان الانتفاضة كانت خارج حسابات كل الأطراف الذين اعتقدوا أن مصائر الشعوب يمكن المساومة عليها في المؤتمرات الدولية ومن خلال التسويات السياسية في الغرف المغلقة والمؤتمرات السرية في عواصم الغرب والشرق متجاهلين رأي الجماهير وإرادتها وقوة فعلها، فإن الانتفاضة زعزعت كل الحسابات وفرضت إعادة ترتيب الأوراق من جديد، بحيث يوضع حد لتجاهل الجماهير ويوضع حد لتقديم التنازلات على حساب الحق الفلسطيني والعربي المشروع، ويوضع حد لمحاولات تزييف إرادة الشعب الفلسطيني أو وضع مصيره في يد هذا النظام أو ذاك وكذا وضع حد لكل الذين يريدون أن يلتفوا على مطلب الجماهير الواضح وهو إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، المستقلة من نير الاحتلال الصهيوني والمستقلة من نير الهيمنة والوصاية الرسمية العربية.
لقد حرًضت الانتفاضة الفكر على التساؤل ليس فقط حول الأحداث اليومية الآنية، بل أيضا حول الأبعاد والدلائل التي يمكن استخلاصها من الحدث وربط الانتفاضة بمجمل الحركة الثورية الفلسطينية، فالانتفاضة أفرزت خصوصيتها التي فرضت على الفكر السياسي الفلسطيني والعربي وعلى الآلة الدبلوماسية الفلسطينية والعربية أن يتعاملوا معها بحذر ودقة بعيدا عن كل قيود وتخبطات المرحلة السابقة وعلى ضوء ما أفرزه حدث الانتفاضة بحد ذاته.

أسباب الانتفاضة الأولى ودلالتها :
مع أن الانتفاضة الأولى لم تكن بالحدث الخارج عن السياق العام - ثورة الشعب الفلسطيني - إلا أنها شكلت من جانب حدثا خارقا بالنسبة للظرفية التي كانت تعيش فيها الثورة الفلسطينية ومن جانب أخر تطورا نوعيا له أبعاده ذات الأثر على الاستراتيجية الفلسطينية ، وحتى نتمكن من مقاربة حدث الانتفاضة وتلمس الأسباب المحرضة لها فسنميز بين الأسباب المباشرة والأسباب غير المباشرة .
الأسباب المباشرة :
اعتبرت وسائل الإعلام "الإسرائيلية" والغربية وانساقت معها بعض وسائل الإعلام العربية أن مقتل أربعة مواطنين فلسطينيين في غزة يوم 8/12/1987، في حادث سير متعمد بين سيارتين تقلان مواطنين فلسطينيين و شاحنة إسرائيلية هو السبب في المظاهرات، التي بدأت في معسكر جباليا بعد ساعات من هذا الحداث، واستشهد خلالها مواطنان فلسطينيان، ثم تحولت إلى انتفاضة عارمة شملت كل مدن ومخيمات قطاع غزة والضفة الغربـية وتجاوب معها فلسطينيو 1948. قد يكون هذا أحد العوامل المباشرة للانتفاضة إلا أن المنطق والتحليل السليمين لا يمكنهما أن يرجعا انتفاضة بهذا الحجم شارك فيها مليونا مواطن وسقط فيها عشرات الشهداء ومئات الجرحى وآلاف المعتقلين إلى سبب وحيد، بل يمكن اعتبار هذا السبب بمثابة "القشة التي قصمت ظهر البعير".
لقد تضافرت مجموعة من العوامل المباشرة وغير المباشرة التي شكلت المخاض ليوم ولادة الانتفاضة، ويمكننا إرجاع إرهاصات الانتفاضة إلى الغزو الصهيوني للبنان صيف 1982، وما نتج عنه من خروج المقاومة الفلسطينية مخذولة من بيروت، والموقف السلبي المتخاذل للأنظمة العربية أثناء الغزو، ثم محاولات شق م.ت.ف من قِبل سوريا وخلق منظمة بديلة ،واستغلال ضعفها وتشتتها لفرض حلول استسلامية او -سلمية مشرفة كما -، وتراجع الاهتمام العربي والدولي بالقضية الفلسطينية، وأصبحت في الدرجة الثانية في الأهمية بعد مشكلة حرب الخليج الأولى- الحرب العراقية الإيرانية - ومحاولات الالتفاف على م.ت.ف أثناء انعقاد مؤتمر القمة العربية في عمان _، وتراجع تيار الكفاح المسلح وحرب الشعب في داخل م.ت. ف لمصلحة تيار الحل السلمي الذي يعتمد على الأنظمة العربية المعتدلة وعلى رموز و وجاهات داخل الأرض المحتلة متجاهلا قوة فعل الجماهير ،ثم تجاهل قمة غورباتشوف - ريغان للقضية الفلسطينية و أخيرا جاءت عملية الطائرة الشراعية في 25/11/1987 وبعدها مقتل الفلسطينيين الأربعة في غزة ، كل هذا العوامل المباشرة هي التي أنضجت الانتفاضة وأعطتها الزخم الذي كانت عليه كثورة شعبية زعزعت الوجود الصهيوني في الأرض المحتلة وطرحت بحدة إشكالية هذا الوجود على كافة المستويات "إسرائيليا" وعربيا ودوليا.
كانت كل المؤشرات تنذر بقرب هبوب العاصفة؛ فقبل استشهاد الفلسطينيين الأربعة في غزة تلمس "اللورد ونتشيلس" رئيس حزب الأحرار" البريطاني بناء على مشاهداته للممارسات الصهيونية ضد الفلسطينيين خطوة الأوضاع في الأراضي العربية المحتلة وذلك بعد قيامه بزيارة لها، وحذر في تقرير رفعه للمسؤولين يوم 7/12/1987 "من مجزرة وشيكة الوقوع ضد الفلسطينيين مشابهة لمجزرة صبرا وشاتيلا".

الأسباب غير المباشرة (الأسباب العميقة للانتفاضة ):
إن أهم ما لفت الأنظار في انتفاضة 1987 هو شموليتها لجميع فئات الشعب، كانت انتفاضة الأطفال والشباب والشيوخ والنساء، انتفاضة العمال والفلاحين والتجار، انتفاضة غزة والضفة والجليل ويافا وحيفا وبئر السبع، انتفاضة شعب يخضع للاحتلال بكل معنى الكلمة. أنها ثورة شعب مستَعمَر ضد مستعمِرِيه. هذا هو الوجه الحقيقي للانتفاضة وعلى هذا الأساس كان يجب أن يتم التعامل معها.
إن الاحتلال بكل أنواعه يشكل دوما حالة من التناقض والتصادم بين قوات الاحتلال وبين الشعب الخاضع للاحتلال، لأن الاحتلال يتناقض مع حرية وكرامة واستقلال الشعوب، وقد علمتنا تجارب الشعوب المستعمَرة أن الثورة ضد الاحتلال هي السبيل الوحيد لنيل الحرية والاستقلال، وأنه إن كان لقوة بطش المستعمِر وجبروته وإرهابه أن يهدئ الأوضاع إلى حين فإنه لا يمكن أن يفرض على الشعب المحتلة أراضيه قبول الأمر الواقع والاستسلام لمشيئة المحتل إلى ما لا نهاية.
لقد بذر الوجود الصهيوني بممارساته الإرهابية في الأرضي المحتلة بذور الانتفاضة وانضج عوامل الثورة من خلال قوانينه الجائرة وممارساته الإرهابية، فالإحصائيات كانت تشير إلى أن الاحتلال الصهيوني للضفة الغربية وقطاع غزة قد تسبب في تدمير أكثر من25 ألف منزل، وطرد أكثر من 200 ألف مواطن، كما أبعدت سلطات الاحتلال حوالي 2500 من الكوادر الفلسطينية إلى خارج فلسطين، بالإضافة إلى سجن واعتقال عشرات الآلاف من المواطنين بحجة مناهضة الاحتلال فمن بين 650 ألف وهو عدد سكان قطاع غزة اعتقل و أوقف حوالي 47 ألف.
أما بالنسبة لسياسة الاستيطان ونتائج الاحتلال المدمرة للاقتصاد الفلسطيني ، فإن وطأة الاحتلال تجلت بشكل اكثر نفورا ،حيث كشفت الطبيعة الاستيطانية الاجلائية للمحتل وسعيه إلى إجبار المواطنين الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم من خلال تدمير شروط الحياة وسبل الرزق أمامهم، مجندة في سبيل ذلك كل وسائل التعسف والإرهاب والتزوير وسن القوانين الجائرة. وبالفعل فقد أدت هذه الوسائل إلى تمكين العدو الصهيوني من السيطرة على 65 بالمائة من أراضى الضفة الغربية، وعلى 45 بالمائة من أراضى قطاع غزة، حيث زُرع في هذه الأراضي المحتلة مستعمرات أقام فيها مستوطنون يهود مجلوبون من مختلف بقاع المعمورة، بلغ عددهم حوالي 72500 مستوطن، ولكي توفر لهذه المستوطنات المياه اللازمة قامت سلطات الاحتلال بالاستيلاء على مصادر المياه الفلسطينية وحرمت الفلسطينيين من حرية التصرف بمصادر المياه التي تشكل المصدر الرئيس لمعيشتهم المعتمدة على الزراعة.
لكي يربط العدو الصهيوني الأراضي الفلسطينية المحتلة به نهائيا ويبقيها خاضعة لهيمنته، فإنه عمل على تحطيم البنية الاقتصادية للمناطق المحتلة بضربه الصناعات الوطنية الأساسية للمناطق، وإغراق الأسواق بالمنتجات "الإسرائيلية" وفرض حصار على المحاصيل الزراعية وخصوصا الحمضيات، لدرجة أصبح معها أصحاب البيارات يتركون المحصول يفسد على الأشجار لعدم وجود أسواق لتصديره؛ ولم تتورع سلطات الاحتلال عن مصادرة حتى المياه الإقليمية لقطاع غزة، فمنعت الصيادين من الصيد البحري في موسم الصيد بحجة الاعتبارات الأمنية؛ ومعلوم أن صيد السمك في قطاع غزة يعتبر من أهم مصادر الرزق لآلاف العائلات الغزاوية.
لقد تضافرت كل هذه العوامل لتقلل من فرص العمل أمام المواطنين الفلسطينيين الأمر الذي دفع بالبعض منهم إلى البحث عن مصدر للعيش خارج فلسطين، إلا أن الغالبية من القوة العاملة الفلسطينية اضطرت لمزاولة أعمال وضيعة داخل كيان العدو الصهيوني يستنكف عن مزاولتها العمال اليهود، وقد تفاقم الاعتماد على العمل داخل الكيان الصهيوني في السنوات السابقة مباشرة للانتفاضة بسبب تقلُص فرص العمل في دول النفط بعد تدهور سعر البترول وبالتالي تقلُص العائدات التي يرسلها الفلسطينيون العاملون في دول النفط إلى ذويهم، وقد أدت هذه الظروف إلى ارتباط حوالي 120 ألف مواطن فلسطيني من سكان الأراضي المحتلة بالعمل داخل الكيان الصهيوني، مُسندين بذلك الآلة الاقتصادية الصهيونية وخاضعين لابتزاز رب العمل الصهيوني الذي هو المرجع الوحيد لتحديد يومية العامل ونوع العمل وحقه في طرده حينما يشاء دون وجود قانون يحمي حقوق هؤلاء العمال. كان الوضع آنذاك نسخة متطابقة من نظام البانتوستانات في جنوب إفريقيا، الصهاينة تسيرهم عقدة "شعب الله المختار" والعنصريون في جنوب إفريقيا سيرتهم عقدة "الرجل الأبيض » بالإضافة إلى ذلك فإن الأراضي العربية المحتلة كانت تدر على الخزينة الصهيونية 188 مليون دولار سنويا كضرائب. وحتى تفرض السلطات الصهيونية سياستها العنصرية وتنفذ أهدافها في الأراضي المحتلة فإنها كانت تطبق تشكيلة من القوانين المتعددة اختارتها بالشكل الذي يحقق مراميها ، وهكذا فإنها تلجأ لقوانين الطوارئ البريطاني لعام 1945 لتمارس اعتمادا عليها سياسة التوقيف والسجن والأبعاد، كما تطبق القوانين الإسرائيلية في بعض الأحيان (فرض الضرائب مثلا ) وهي في كل ذلك تتجاهل القانون الأساسي الذي يجب أن يحكم علاقتها بالمناطق المحتلة، وهو ميثاق جنيف لعام 1949 الذي وضع لينظم العلاقة بين قوات الاحتلال وبين البلاد المحتلة .
هذه بعض الممارسات الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ممارسات مستعمِر ضد شعب مستعمَر، وكان لا بد أن ينتج عنها لزوما حالة من الرفض والتمرد تراكمت مع مرور السنيين لتولد الانتفاضة المشهورة، انتفاضة شعب يبحث عن هويته وعن دولة؛ شعب يرفض ذل الاستعمار وقسوة الاحتلال. وقد عبر توفيق زياد عن المرارة التي يحس بها الفلسطينيون من جراء السياسة العنصرية الصهيونية قائلا داخل الكنيست الإسرائيلي : (إن شعبنا لا يخاف شيئا، لقد اختنقنا بعنصريتكم وسياسة الإذلال والبطش والإرهاب والترحيل التي وضعتموها، ولذلك فإننا اليوم نعلن الإضراب، ونحن في ذلك لا نتضامن مع شعبنا فحسب إنما نحن ندافع عن بقائنا ووجودنا هنا أيضا ).
إذن الانتفاضة فرضت مستجدات على مسار القضية الفلسطينية ليس من السهل إخفاء دلالاتها، كانت في بدايتها تحول نوعي في المسيرة النضالية للشعب الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة، تحول اذهل الجميع خصوصا أولئك الذين كانوا يطبخون تسويات ليفرضوها على الشعب الفلسطيني دون مشاركته، متجاهلين قوة الجماهير في الداخل ومتعاملين معها ككم لا رأي له يقبل بما يقرره الآخرون ويحدد مصيره حسب وضعية المنظمة في الخارج، وجاءت الانتفاضة لتعلن أن الضفة والقطاع هي ساحة النضال الرئيسية في هذه المرحلة حيث عز النضال من الخارج . لقد أبرزت الانتفاضة خصوصية الساحة النضالية في الضفة والقطاع وطرحت بالتالي على م.ت.ف ضرورة صياغة برنامج نضالي جديد يضع أسس تصور جديد لعلاقة الداخل الفلسطيني بالشتات الفلسطيني خارج الوطن، وأن تمنح الجماهير الفلسطينية الثائرة الملتزمة بالخط الوطني وبالدولة الفلسطينية المستقلة دون وصاية أو مشاركة من أحد، تُمنح حرية استعمال أوراق الضغط البشري المتاحة لهذه الجماهير واستغلال أوراق دعم الشرعية الدولية وتأييد الرأي العالمي الذي يتعامل مع الضفة والقطاع كأراض فلسطينية محتلة وهو ما تبلور من خلال قرارات مجلس الأمن رقم 605و 607 و608 التي اعتبرت القوات « الإسرائيلية » في الضفة والقطاع قوات احتلال وهي القرارات التي جاءت تأكيدا لقرار 242 و338.

أهداف الانتفاضة :
كما أثيرت تساؤلات بعضها بريء وبعضها غير بريء حول أسباب الانتفاضة، حدث نفس الأمر بالنسبة لأهداف الانتفاضة كما ذكرنا من قبل، إلا أن صدور بيانات عن القيادة الموحدة للانتفاضة وضع النقاط على الحروف واسقط كل أراجيف المدعين والحاقدين على المسيرة النضالية للشعب الفلسطيني، فقد أوضحت البيانات بصورة جلية أن الانتفاضة تمثل ثورة شعب يخضع للاحتلال وان مطالب الجماهير الثائرة ليس "الخبز وتحسين شروط المعيشة فقط"، كما روجت لذلك وسائل الإعلام المغرضة لتقلل من شأن الانتفاضة، بل أكدت البيانات بالإضافة إلى مطالبها الحياتية على الحقوق الإنسانية السياسية والحق في وطن مستقل،ولأن هذه الجماهير أكثر واقعية ولأنها متحررة من قيود المزايدات اللفظية ولأنها تعتمد على ذاتها بعد أن ملت المراهنة على الوحدة العربية التي تتباعد كل يوم أو على الجيوش العربية التي اثبت الحجر الفلسطيني تفوقه عليها، أو على التوازن الاستراتيجي مع العدو أو على أصدقاء أمريكا من العرب، ولأن الجماهير الفلسطينية في الداخل اعتمدت على سواعد أبنائها ودماء شهدائها وعلى عدالة قضيتها، فإنها أخذت بسياسة واقعية وحددت لنفسها أهدافا مرحلية صاغها « النداء رقم 2 » الموقع باسم القوى الوطنية الفلسطينية الموحدة لتصعيد الانتفاضة بالأراضي المحتلة"، كما يلي :
1 ــ تحريم انتهاك وتدنيس المقدسات الدينية وإجلاء الإرهابي شارون من القدس القديمة.
2 - وقف سياسة القبضة الحديدية "وإلغاء العمل بقوانين الطوارئ"، بما في ذلك كافة قرارات الإبعاد فورا.
3 - سحب الجيش من المدن والمخيمات والقرى ومنع أعمال الاستفزاز ووقف إطلاق الرصاص على أبناء شعبنا العزل.
4 - حل اللجان البلدية والمجالس القروية ولجان المخيمات المعينة من سلطات الاحتلال وإجراء انتخابات ديمقراطية لكافة المجالس البلدية والقروية في الضفة والقطاع.
5 - إطلاق سراح معتقلي الانتفاضة فورا وإغلاق معتقلات الفارعة وأنصار 2 وأنصار 3.
6 - إلغاء الضريبة الإضافية المفروضة تعسفا على تجار شعبنا .
7 - وقف مصادرة الأراضي ووقف بناء المستوطنات واستفزازات قطعان وسوائب المستوطنين .
8 -تحريم مداهمة وإغلاق المؤسسات التعليمية والنقابية والجماهيرية المختلفة وعدم تدخل سلطات الاحتلال في شؤونها الداخلية.
وبعد تحديد هذه المطالب الملحة توجه البيان إلى شعبنا الفلسطيني بالنداء التالي "يا شعب الشهداء، أيها الأشبال والشباب والطلاب، يا عمالنا وفلاحينا ونساءنا .. أيها الشيوخ ورجال الدين وأئمة المساجد، يا كل شعبنا، لنحرق الأرض تحت أقدام المحتلين وليعرف كل العالم أن بركان الانتفاضة الذي أشعله شعب فلسطين لن يتوقف إلا بإنجاز الاستقلال بدولة فلسطينية وعاصمتها القدس.
إن وضع الجماهير الفلسطينية الثائرة أهدافا سياسية واضحة وذكية سواء منها الأهداف المرحلية المعددة بالنقاط الثماني المشار إليها أو الهدف النهائي أي إقامة الدولة الفلسطينية يثير الشكوك حول مقولة عفوية الانتفاضة، نعم إن التحرك الجماهيري العفوي وارد في كل الحالات التي تواجه فيها الجماهير قوات عدو محتل أو ضغط نظام قمعي، إلا أن التحرك الجماهيري العفوي يتسم غالبا بالفوضوية وعدم التنظيم وعدم وضوح المطالب أما في حالة الانتفاضة الفلسطينية، فإن انتظام مليوني فلسطيني في انتفاضة شاملة وتحديد أهداف سياسية واضحة، والاستمرار بالانتفاضة لأكثر من ثلاث سنوات، لا يمكنه أن يكون عملا عفويا، إنه عمل جماهيري منظم وهادف، ولذا فان بعض الذين قالوا بعفوية الانتفاضة ينطبق عليهم المثل القائل "قولة حق يراد بها باطل"، فهم في الوقت الذي يدعون أن قصدهم التنويه بالجماهير الفلسطينية التي تتحرك من تلقاء نفسها لرفض الاحتلال، فإنهم في الحقيقة يرمون إلى استبعاد أي دور لمنظمة التحرير في هذه الانتفاضة، وبالتالي الإيحاء بان الجماهير الفلسطينية في الأراضي المحتلة قد خرجت من تحت سيطرة المنظمة و لم تعد تأتمر بأمرها، وما الانـتفاضة إلا جموح جائعة تبحث عن طعام و عمل !
إن أحداث الانتفاضة الأولى ردت بعضا من الكرامة العربية المُهدرة ووضعت الجميع على المحك ، منظمة التحرير الفلسطينية والأنظمة العربية والجماهير العربية بكل اتجاهاتها، وكان يُفترض أن يقف الجميع وقفة شجاعة لمراجعة واعية ومسؤولة لأسلوب التعامل مع القضية الفلسطينية، فليس المهم إن كانت م.ت.ف هي المحرك الرئيس و المباشر للانتفاضة أم إنها ركبت موجة الانتفاضة، وليس مما يُشين أن يَبرُز المتدينون من بين قادة الانتفاضة ، فحروب التحرير توحد الشعب بكل فئاته، وليس خطأ أن تبرز قيادة جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة تقود العملية النضالية مادامت هذه القيادة منبثقة من الجماهير وتتمسك بمطلب الدولة الفلسطينية المستقلة وليست قيادة عميلة تحركها أطراف خارجية لخدمة سياسات دول تتناقض مصالحها مع الأهداف الوطنية للشعب الفلسطيني .
نعم إن م.ت.ف. هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، إنها الرمز الذي يلتف حوله كل فئات الشعب الفلسطيني، إنها الطرف الفلسطيني الذي حقق للشعب الفلسطيني بالكفاح المسلح وبالنضال السياسي وبالعمل الدبلوماسي النشط والفعال إنجازات سياسية لا يمكن إنكارها ،ولكن علينا أن نقر أيضا أن واقع وجود م.ت.ف في ارض الغربة قد عرضها لضغوط سياسية وعسكرية بل لمحاولات تصفية دامية أيضا، الأمر الذي جعل منها الطرف الضعيف في لعبة التعامل السياسي والدبلوماسي وخصوصا بعد الخروج من لبنان وخلافها مع سوريا. وفي ظل تراجع حركة التحرر العربية وتفشي الإقليمية وسيادة منطق الأمن الإقليمي بدلا من الأمن القومي، ولان م.ت.ف تعتمد على الأنظمة العربية سواء على مستوى الدعم السياسي أو المالي أو بالنسبة لتواجد مؤسساتها، فإن حريتها وإرادتها في التصرف خضعت لقيود عديدة.
لقد استنزفت حروب م.ت.ف الخارجية مع الأنظمة العربية والقوى التابعة لها جزءا كبيرا من جهدها واهتماماتها، ولم تتح المؤامرات المتوالية الفرصة لها لان تولي أهمية كافية لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة وفلسطينيي 1948، وأصبحت مشاكل ومعاناة الخارج (الفلسطيني) تطغى على معاناة ومشاكل الداخل، ومن ناحية أخرى ألزمت م.ت.ف نفسها وأعطت وعودا للفلسطينيين خارج ارض الوطن سكان المخيمات جيل نكبة 1948 وأولئك المبعدين من وطنهم بعد حرب 1967 بأن ترجعهم إلى وطنهم وتقيم فلسطين الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني، الأمر الذي جعلها تعيش مأزق التوفيق بين الاستراتيجية والتكتيك، مأزق التوفيق بين ما يجب أن يكون وبين الممكن في ظروف الانتفاضة والوضع العام الذي تعيشه المنظمة، فهي لا تستطيع أن تقول بصراحة إن هدفها هو الدولة الفلسطينية المستقلة على الضفة العربية وقطاع غزة، لأن هذا سيدفع الفلسطينيين سكان مخيمات الأردن ولبنان وسوريا الذين ضحوا وعانوا وحملوا الثورة على أكتافهم، إلى التساؤل وماذا بالنسبة لنا؟ وهل ستتخلى م.ت.ف. عنا؟ .كما أن استمرار الغموض فيما تقصده م.ت.ف بالدولة الفلسطينية المستقلة، سُيحرِمُها من الاستفادة من الوضع القانوني للضفة الغربية وقطاع غزة كأرض يعترف العالم أنها أرض محتلة وهو ما أشار إليه قرار مجلس الأمن رقم 607 ومن قبله قراري 242 و338. لقد فرضت الانتفاضة تصحيح الوضع بأن تُعطي الأولوية للداخل وأن يجُنَد الخارج الفلسطيني لدعم الداخل حتى تحُقق الانتفاضة أهدافها.
طرحت الانتفاضة بإلحاح ضرورة التصدي الشجاع لإعطاء أمل لأهلنا في الداخل بعيدا عن التعقيدات المتداخلة التي تحكم المسألة الفلسطينية في الخارج وهذا يعني إخضاع الخارج الفلسطيني للداخل الفلسطيني، واعتبار ساحة الداخل الساحة الرئيسية للنضال، وهذا يعني أن الانتفاضة فرضت الفصل داخل المسألة الفلسطينية بين قضيتين :
الأولى : قضية الضفة العربية وقطاع غزة، هذه قضية فلسطينية محض، أي أن الشعب الفلسطيني اعتمادا على قواه الذاتية، على جماهيره الثائرة في الضفة والقطاع والمدعومة من كافة الجماهير الفلسطينية والجماهير العربية في الخارج، يمكنه أن يحقق هدفه في إقامة دولته المستقلة لان وضعيته في هذه الحالة هي وضعية شعب خاضع للاحتلال، شعب مستَعمر يناضل من أجل تحرره، وهنا يمكننا أن نضع ثورة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة جنبا لجنب مع الثورات العربية ضد الاستعمار مثل الثورة الليبية والثورة الجزائرية، وكل الثورات العربية في سوريا والعراق والمغرب... الخ، وكما حظيت حركات التحرر ضد الاستعمار بالدعم والتأييد العالمي والشرعية الدولية، فإن انتفاضة جماهيرنا الفلسطينية في الضفة والقطاع كانت ستتطور إلى ثورة ضد الاحتلال حتى تحقق هدفها بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، لولا حرب الخليج وتحولات النظام الدولي .
الثانية : قضية تحرير كامل التراب الفلسطيني وإنهاء الوجود الصهيوني، وهذه قضية قومية بمعنى الكلمة ، إنها قضية الأمة العربية برمتها، ذلك أن الشعب الفلسطيني وحده لا يمكنه إنجاز هذا الهدف والشرط العربي ضروري لتحرير فلسطين، فتحرير فلسطين في هذه الحالة مرتبط بالوحدة العربية، مرتبط بوجود استراتيجية قومية عربية تضع هدفا لها تحرير فلسطين، مرتبط بالتغيير الجذري للواقع العربي على كافة المستويات، أنه يرتبط بوضع عربي ودولي يختلف كليا عن الوضع الحالي، وحيث أن الوضع العربي آنذاك لم يكن يبشر بقرب توفر شروط التحرير فإن الحكمة السياسية كانت تدعو إلى ضرورة إعطاء سكان الضفة الغربية وقطاع غزة حرية التصرف بما لا يخل بالمصلحة القومية العربية وبما يحقق هدف الدولة الفلسطينية المستقلة غير الخاضعة لوصاية أحد.

الانتفاضة تسرٍع من وتيرة التسوية السلمية.
على اثر صدور قرار مجلس الأمن رقم 607 سارعت بعض الأوساط في م.ت.ف وطرحت فكرة إقامة حكومة في المنفى، وبالفعل دُرست هذه الفكرة في الهيئات العليا للمنظمة، وتضاربت حولها المواقف وحُسم الأمر مؤقتا لمصلحة الطرف المعارض لتشكيل حكومة المنفىـ وقد برر المعارضون للفكرة موقفهم بأن تشكيل الحكومة في هذا الوقت لا مبرر له مادامت م.ت.ف تحظى بالاعتراف الدولي وتمثل كل الشعب الفلسطيني، كما أن تشكيل الحكومة قد يخلق متاعب وخلافات بين فصائل حركة المقاومة الفلسطينية .
إن الإعلان عن تشكيل حكومة في المنفى أو حكومة مؤقتة كان يتطلب أن تحدد هذه الحكومة الشعب الذي تمثله والذي ستنطق باسمه، وأن تحُدد الأرض التي ستقيم عليها الدولة ومن هنا طرحت المشكلة فهل تستطيع هذه الحكومة أن تعلن بوضوح أنها تمثل الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع فقط؟ وأن تعلن أن حدود دولتها هي حدود الضفة والقطاع فقط باعتبار أن المسألة المطروحة آنذاك هي الأوضاع في الضفة الغربية وقطاع غزة؟ لقد اتسمت مواقف م.ت.ق. حول هاتين القضيتين بنوع من الغموض المقصود، فشعار الدولة الفلسطينية المستقلة الذي طرحته م.ت.ف شعار غير محدد المعالم ولم يصدر عن المنظمة أي نص أو تصريح يشير بأن حدود هذه الدولة تقتصر على الضفة والقطاع، ذلك أن المنظمة ملتزمة أمام جماهيرها بتحرير كامل التراب الفلسطيني و إقامة فلسطين الديمقراطية، وأنها تمثل كل الشعب الفلسطيني سواء المتواجد في الضفة والقطاع أو في فلسطين المحتلة قبل 1948 أو في بلاد الشتات، والمنظمة ملتزمة بالميثاق الوطني الفلسطيني حيث لم يصدر ما يدل على تخليها عنه مما يؤكد هذه الثوابت، ومن هنا فليس من الهين على المنظمة أن تحدد حدود الدولة المستقلة قبل وجود أي ضمانات بان تعترف إسرائيل والولايات المتحدة بهذه الدولة.
لقد سرعت الانتفاضة الأولى من حيث كان المنتفضون يقصدون أو لا يقصدون من وتيرة التسوية السليمة، وفرضت على القيادة الفلسطينية ضرورة وضع النقاط على الحروف واستغلال زخم الانتفاضة للحسم في أمور كانت المنظمة مترددة في شأنها، كإعطاء الضوء الأخضر لقيادات الداخل للتصرف بما يتناسب مع خصوصية وضعهم و الاعتراف بإسرائيل وبقرارات الشرعية الدولية والقبول بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل .
وكان من الممكن للانتفاضة أن تُدخل م.ت.ف ضمن نهج التسوية وتضعها على طاولة المفاوضات في موقف قوي لولا اندلاع حرب الخليج الثانية وتحولات النظام الدولي وما شاب الانتفاضة من نواقص نتجت عن التنافس بين الفصائل الفلسطينية على تجيير الانتفاضة كل تنظيم لنفسه ،وتنافسهم على جني مكاسب سياسية من خلال ادعاء كل فصيل أنه مفجر الانتفاضة، هذا التنافس حول جزءا من قوة الانتفاضة من مواجهة العدو إلى مواجهة المنتفضين لبعضهم البعض، بل قيام عمليات اغتيال وتصفية وخصوصا بعد تصاعد دور حركة حماس ذات التوجه الديني والتي وإن كان دورها فاعلا ومؤثرا في تأجيج الانتفاضة إلا أن طرحها الديني وعلاقتها الخارجية احدثا انشقاقا نوعيا غير معهود داخل حركة المقاومة الفلسطينية، وهو الانشقاق الذي استمر حتى اليوم ،بالإضافة إلى ذلك تخوف المنظمة من ظهور قيادة بديلة في الداخل من جانب وان تستغل قوى المعارضة في دمشق توجه المنظمة نحو الداخل لتؤسس منظمة جديدة وتهيمن على مؤسسات المنظمة في الخارج .ومع ذلك كان على المنظمة أن لا تفوت فرصة الانتفاضة والتجاوب العالمي معها ، فكان الإعلان عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في الجزائر و بعده ما سمي بهجوم السلام الفلسطيني.






استنتاجات الفصل الأول
مفارقة مؤلمة أن اعتراف الدول العربية ب م.ت.ف ممثلا وحيدا للشعب الفلسطيني، كان تأكيدا للهوية الفلسطينية وإحياء لكيانية فلسطينية وفي نفس الوقت كان من العوامل الرئيسية التي وضعت الثورة الفلسطينية على بداية طريق طويل وشاق نحو التسوية السياسية للصراع كصراع فلسطيني /إسرائيلي وكأن هذا الاعتراف كان تمهيدا للتسوية الحالة أو أريد به أساسا دفع منظمة التحرير للتسوية السياسية ، كانت قمة الرباط 1974 وما تلاها من زيارة أبو عمار للأمم المتحدة والاعتراف ب .م.ت.ف كعضو مراقب في المنظم الدولي، بداية تحرر العرب من مسئوليتهم القومية وترك الفلسطينيين ليتعاملوا مع قضيتهم ويتحملوا مسؤولية هذا التعامل عسكريا وسياسيا، ذلك أن الضجيج الذي صاحب الاعتراف بالمنظمة ممثلا شرعيا وحيدا والتعامل معه كانتصار عظيم للقضية الفلسطينية لم يستطع أن يخفي أن هذا الاعتراف في ثناياه يتضمن تحميل الثورة الفلسطينية مسؤولية أكبر من طاقتها وهي مسؤولية تحرير كامل فلسطين، فكيف يمكن تصور أن ما عجز العرب مجتمعين عن تحقيقه يمكن للثورة الفلسطينية وحدها تحقيقه، وأن ما عجزت حرب أكتوبر عن إنجازه يمكن للثورة الفلسطينية إنجازه؟ هل كان الاعتراف إنجازا وطنيا وقوميا لم يستثمر جيدا ،أم خطوة ذكية من الأنظمة العربية لتوريط المنظمة بالتسوية السياسية ردا على محاولة المنظمة توريط الأنظمة بالحرب ؟
المهم سارت الثورة الفلسطينية خطوة إلى الأمام في طريق التأكيد على الهوية الوطنية الفلسطينية وتوظيف قرارات قمة الرباط لتأخذ قراراتها بشكل مستقل عن الضغوطات العربية والسياسات العربية، فرفعت شعار استقلالية القرار الفلسطيني وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وهي قرارات وإن كان القصد منها منح الثورة حرية العمل والتحرك السياسي والتعامل دوليا مع القضية، إلا إنها حررت الأنظمة من مسئوليتها القومية، ومهدت الطريق للحلول الانفرادية مع إسرائيل، وقد استشعر قادة المقاومة الفلسطينية ما يحمله شعار استقلالية القرار الفلسطيني من خطورة إذا وظف بشكل سيئ سواء من طرف الأنظمة العربية أو من طرف الفلسطينيين أنفسهم ،ويقول أبو اياد في ذلك (ربما استثمر بعض العرب هذا التمسك الفلسطيني بالقرار المستقل، ليتركوا الفلسطينيين وشأنهم، ليذهبوا وحدهم ويدبروا أمورهم ويحلو قضيتهم،بكل ما قد يقتضيه الحل من تلوث سياسي -بفعل موازين القوى القائمة- ولنبقى نحن-العرب - أنقياء طهورين ... هذا منطق قائم وقد اتضح بشكل ابرز بعد قمة الجزائر وهو منطق خطير لأنه يعني الفصل بين القضية الفلسطينية وبين العرب. لا بد من التركيز الإعلامي والسياسي على خطورة هذا المنحى، هناك فرق بين عمل عربي يشكل فيه الفلسطينيون الطليعة وهذا منطقنا، وبين ترك الفلسطينيين يديرون شؤونهم بأنفسهم، هذا تنصل قومي تحت شعار «نوافق على ما يوافق عليه الفلسطينيون» هناك فرق بين استلامنا زمام المبادرة، ردا على الدعاوى الصهيونية بعدم وجود شيء اسمه الشعب الفلسطيني كطليعة للامة كلها، وبين تحملنا وحدنا مسؤولية الصراع )_ .
كان لرفع شعار استقلالية القرار الفلسطيني نتائج متناقضة، فمن جهة خدم الهوية الوطنية الفلسطينية وبلَّغ رسالة للأنظمة العربية أن لا تتدخل في الشؤون الفلسطينية ، ولكنه في المقابل وجه ضربة للبعد القومي للقضية، فكيف يمكن تصور أن يتخذ الفلسطينيون قراراتهم مستقلا حول الحرب أو السلام، أي حول الأسلوب الذي يريدون في التعامل مع قضيتهم، ثم يقولوا للعرب القضية قضيتنا جميعا والمعركة معركتنا جميعا.
وكانت اتفاقية كامب ديفيد متفقة مع فهم الأنظمة لاستقلالية القرار الفلسطيني؟ فالسادات انطلق من مفهوم استقلالية القرار المصري في التعامل مع إسرائيل، وسكوت العرب عما جرى في لبنان صيف 1982 وما تلا ذلك من مجازر صبرا وشاتيلا يتفق مع فهم عربي مع استقلالية القرار، فالمنظمة قررت مواجهة إسرائيل فلتتحمل المسؤولية ( وقررت مواجهة الكتائب فلتتحمل مسؤولية قرارها ( وقررت الخروج من بيروت فلتتحمل مسؤولية قرارها، (وقررت القيام بالانتفاضة فلتتحمل مسؤولية قرارها ).
لقد فسرت الأنظمة العربية مفهوم استقلالية القرار الفلسطيني بما يخدم مصالحها وبما يحررها من التزامها القومي، وهكذا جاء تحركها نحو التسوية السلمية من هذا المنطلق، منطلق أن القضية هي قضية فلسطينية خالصة، هذه كانت فلسفة مشروع فاس وما تلاه ، العرب ما هم إلا أصحاب مشروع سلام ،لصراع فلسطيني /إسرائيلي أو سوري/ إسرائيلي ، فهم ليسوا طرفا في الصراع بل مجرد دعاة سلام ومؤيدون للشعب الفلسطيني في افضل الحالات .
لقد بينت أحداث وتعاملات ما بعد حرب أكتوبر، أن الصراع انتقل من صراع وجود ،صراع حول مبدأ التسوية السلمية، إلى صراع على الحدود ،صراع على شكل التسوية السياسية، وبينت الأحداث أن التقدم على مسار التسوية يتزايد بقدر التخلي عن مفهوم البعد القومي للقضية الذي تختزله مقولة أن الصراع مع الكيان الصهيوني هو صراع وجود (إما نحن أو هم)، كما أكدت الأحداث أنه كلما تمسك الفلسطينيون بمفهوم استقلالية القرار وعملوا على إبراز الهوية الفلسطينية كلما تراجع البعد القومي، معنى هذا أن تحويل الصراع إلى صراع فلسطين /إسرائيلي يتفق مع منطق التسوية السلمية لان الفلسطينيين وحدهم لا يمكنهم أن يقضوا على العدو الصهيوني.
وللمفارقة أن سعي الفلسطينيين للتحرر من الوصاية والهيمنة الرسمية العربية، أدى في نفس الوقت إلى تحرر الأنظمة العربية من التزامها القومي، وكانت السنــوات الممتدة ما بين قمة الرباط 1974 ومؤتمر مدريد 1991 هي مرحلة إعادة تشكل الصراع في المنطقة سواء من حيث طبيعته أو من حيث أطرافه، وهذا التشكل الجديد الذي كان نتيجة عوامل متعددة : الحرب ،التحول في القناعات السياسية ،الضغوطات السياسية ،الاغراءات المالية والخيانة أيضا ، هو الذي جعل التسوية ممكنة، ولكن أي تسوية هذه الذي تضع الفلسطينيين الذين نصفهم تحت الاحتلال والنصف الأخر في الشتات وجها لوجه مع العدو الصهيوني المتحالف مع الإمبريالية الأمريكية ؟













الفصل الثاني
-من مأزق الكفاح المسلح والشرعية التاريخية
إلى متاهات الشرعية الدولية-

عندما وقف الرئيس ياسر عرفات على منصة المجلس الوطني الفلسطيني في دورة انعقاده في الجزائر ما بين الرابع عشر والسادس عشر من نوفمبر 1988 ليعلن من هناك استقلال دولة فلسطين ، في جو غير عادي وتحت تغطية إعلامية غير عادية وفي أجواء نفسية وعقلية و عاطفية غير عادية، عندما أعلن أبو عمار ذلك تملكتنا رهبة المكان والحدث وشعرنا بموجة عاتية من الحماس وشحنة من العاطفة الانفعالية التي كادت تتحول إلى فرحة عارمة لولا أن حسابات العقل ووطأة الإحساس بمرارة الواقع ومرارة تجاربنا مع المواقف الانفعالية والشعارات الملتهبة التي تصادر عقولنا وتسلخنا عن الواقع وتتوه خطانا عن الطريق لسنوات طوال ثم نفيق على الواقع فنفاجأ ببعد الشعارات عن الحقيقة كبعد الحلم عن اليقظة ،جعل فرحتنا قصيرة العمر أو أنها كانت فرحة مشروطة وحذرة.
إعلان قيام الدولة الفلسطينية أثار مشاعر متناقضة من الفرح والتخوف، كانت فرحة حذرة حائرة بين حسابات العقل وبين انفعالات العاطفة، مترددة ما بين معطيات الواقع التي تقول أنه بالرغم من التاريخ النضالي للشعب و عطاءات الانتفاضة فإن موازين القوى كانت تميل لمصلحة العدو وأن الوضع الفلسطيني والعربي لم يصل إلى الحد الذي يفرض على العدو الاعتراف بالحد الأدنى للحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني من جانب، وبين آمال المستقبل التي لن تتحقق إلا إذا عمت الانتفاضة وشملت كل فئات الشعب الفلسطيني خارج الأرض المحتلة وكل جماهير الأمة العربية وإلا إذا ووجه العدو الصهيوني بالسلاح لان العدو لا يردع إلا إذا سالت دماء جنوده أو كان هناك احتمال قوي لحدوث ذلك.لم يكن حذرنا وتخوفنا من إعلان الدولة الفلسطينية آنذاك لأننا ضد الدولة حتى وإن كانت دولة على جزء من ارض فلسطين أو لأن ثمن هذه الدولة (المعلنة) هو الاعتراف بالعدو الصهيوني وإنهاء الصراع معه بل كان حذرنا وتخوفنا ينصب على الكيفية التي سيُفهم بها إعلان قيام الدولة وتوجسنا كان ينبع من أن رافعي رايات السلام الفلسطينيين والعرب لم يرفعوها وهم أقوياء بل وهم ضعفاء ، و يتحدثون عن السلام العادل والشامل دون امتلاكهم استراتيجية عربية واحدة يدخلون بها معركة السلام .
كان إعلان الدولة في الجزائر تحولا استراتيجيا ولا شك في نهج الثورة الفلسطينية ، تحول يعبر عن استعدادا للتعامل مع قرارات الشرعية الدولية ، وهي القرارات التي كانت مرفوضة سابقا .ولكن ما هي أسباب هذا التحول ؟، وهل هو خطوة إلى الأمام أم انتكاسة للوراء ؟ وهل في قرارات الشرعية الدولية ما يطمح إليه الفلسطينيون من حقوق وطنية ؟ ،وان كان الأمر كذلك فهل أن مجرد اعتراف الفلسطينيين بها يعني أنها ستقدم لهم على طبق من ذهب ويقال لهم تفضلوا وأقيموا الدولة التي تريدون ؟.ا


المبحث الأول
إعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة في الجزائر أو( واقعية الثوار المجروحين).

الإعلان في الجزائر عن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وما تضمنه من اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بقرارات الأمم المتحدة وبالتالي الاعتراف بإسرائيل ، وجد استجابة حذرة ومشككة من الولايات المتحدة التي بدأت اتصالات سرية وعلنية شاقة مع المنظمة وعبر وسطاء متعددين، كان الهدف منها أن تعترف المنظمة بوضوح بالشروط الأمريكية -الاعتراف بالقرارين 242و338 تحديدا ،ونبذ الإرهاب والاعتراف بإسرائيل -.حيث اعتبرت أمريكا أن إعلان الاستقلال في الجزائر كان مبهما من حيث تحديد المرجعية القانونية الدولية وبالتالي على المنظمة توضيح كثيرا من الأمور .
ورد الاعتراف بقرارات الشرعية ضمن نص إعلان قيام الدولة الذي كان كما يلي:- (واستنادا إلى الحق الطبيعي والتاريخي والقانوني للشعب العربي الفلسطيني في وطنه فلسطين وتضحيات أجياله المتعاقبة دفاعا عن حرية وطنهم وانطلاقا من قرارات القمم العربية ومن قوة الشرعية التي تجسدها قرارات الأمم المتحدة منذ عام 1947 وممارسة من الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير والاستقلال السياسي والسيادة فوق أرضه.فان المجلس الوطني يعلن ، باسم الله وباسم الشعب العربي الفلسطيني قيام دولة فلسطين فوق أرضنا الفلسطينية ،وعاصمتها القدس الشريف ).إن المدقق أعلاه سيلمس بلا شك أن الاعتراف بالشرعية الدولية لم يقطع مع الشرعية التاريخية ولا الشرعية الثورية بل كان إضافة إليهما وحتى البيان السياسي وان اعترف بالقرارين 242 و338 فانه لم يسقط القرارات الأخرى للأمم المتحدة،كما كان اعترافا مشروطا إن صح القول حيث أكد البرنامج السياسي على :(1-ضرورة انعقاد المؤتمر الدولي الفعال الخاص بقضية الشرق الأوسط وجوهرها القضية الفلسطينية تحت إشراف الأمم المتحدة وبمشاركة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن وجميع أطراف الصراع في المنطقة بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية .2-انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها منذ العام 1967 بما فيها القدس العربية .3-إلغاء جميع قرارات الإلحاق والدمج وإزالة المستعمرات التي أقامتها إسرائيل في الأراضي الفلسطينية والعربية منذ العام 1967 .4-السعي إلى وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس العربية تحت إشراف الأمم المتحدة لفترة محددة لحماية شعبنا وتوفير مناخ مواتي لإنجاح أعمال المؤتمر الدولي والوصول إلى تسوية سياسية شاملة ،برضى وقبول متبادلين ولتمكين الدولة الفلسطينية من ممارسة سلطتها الفعلية على هذه الأراضي ).
هذا الاعتراف المشروط بقرارات الشرعية الدولية لم يكن كافيا بالنسبة للولايات المتحدة ،وكان على المنظمة أن تكون اكثر تحديدا ، وبالفعل عقد الرئيس الفلسطيني مؤتمرا صحفيا يوم 14/12/1988 في جنيف أعلن فيه القبول بالشروط الأمريكية ، وبعد ساعات أعلنت الحكومة الأمريكية بدء حوار سياسي مع منظمة التحرير الفلسطينية .
كان التوجه الفلسطيني نحو التسوية السياسية على قاعدة الشرعية الدولية توجها لا يخلو من مخاطرة،وإذ كانت الانتفاضة من العناصر المستجدة الدافعة نحو هذا التوجه فأن قرار الأردن بفك الارتباط مع الضفة الغربية يوم 30/7/88 عزز هذا النهج حيث وجدت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها المخاطَب الوحيد بالشأن الفلسطيني .ومع ذلك لم تشعر إسرائيل بارتياح للقرار الأمريكي ببدء الحوار مع المنظمة حيث عملت على إفشال الحوار أو على الأقل ضمان ألا يؤدي إلى اعتراف أمريكي بدولة فلسطينية أو تحديد مفهوم الحقوق السياسية للفلسطينيين دون موافقتها، ويبدو أن الإدارة الأمريكية ذات الميول الصهيونية كانت متجاوبة مع الموقف الإسرائيلي حيث وظفت جولات الحوار لنزع مزيد من التنازلات من الفلسطينيين وللمساومة على الانتفاضة والعمل على وقفها بسبب ما كانت تمثله من إزعاج وإحراج لإسرائيل ولأمريكا وأصدقائها في المنطقة .
وهكذا استمر الحوار علنيا وسريا في اكثر من عاصمة،بدءا من تونس مرورا بالقاهرة و المغرب ،وانتهاء باستكهولم ، وعبر اكثر من وسيط وبمحاورين من مستويات متعددة بما في ذلك رجال أعمال وأساتذة جامعيين ورجال مخابرات ، حيث وضع أبو عمار النقاط على الحروف بما كان يعتقد انه يرضي أمريكا ، والى حين توقف الحوار يوم 20/6/90 بسبب ما زعمت أمريكا بعدم إدانة المنظمة إدانة كافية لعملية فدائية فاشلة على شواطئ يافا ،لم تتمكن المفاوضات من إلزام أمريكا لا بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني ولا أن تنتزع منها اعترافا بالدولة الفلسطينية المعلنة بالجزائر ولا اعترافا واضحا بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني ، و الأدهى من ذلك أن الولايات المتحدة التي ألحت على أن تعترف المنظمة بقرار 242 و338 رفضت إعطاء تعريف واضح لهذين القرارين وتركت لإسرائيل حرية تفسيرهما كم تريد.
لم يكن طريق الانتقال من الحقوق التاريخية إلى الحقوق المستمدة من قرارات الشرعية الدولية بالأمر الهين ،وكان على المنظمة أن تخوض صراعا قويا سياسيا داخليا ودبلوماسيا ،حتى يتم قبولها في العملية السلمية التي تبحث عن حل للصراع في المنطقة من خلال مؤتمر دولي ،وكانت صدمة المنظمة قوية عندما وجدت أن الذين كانوا يلحون عليها للاعتراف بالشرعية الدولية لم يكن هدفهم إنصاف الشعب الفلسطيني بل انتزاع اعتراف من المنظمة بشرعية وجود إسرائيل ثم بعد ذلك توظيف المنظمة كشاهد زور على عملية تصفية القضية الفلسطينية .هذا التخوف من التسوية السلمية التي أطلقت قمة فاس الثانية عقالها ،كان واردا عند العديد من القادة الفلسطينيين حتى من قادة المنظمة ، ففي خضم النقاش حول المؤتمر الدولي للسلام عام 1987 قال أبو اياد :-(أن ليست هناك تسوية سياسية في المنطقة إلا على حسابنا كمنظمة وعلى حساب حقوقنا كشعب فلسطيني ...وان ما يعد له هو مؤتمر لتصفية القضية الفلسطينية ،لإقرار تسوية لن تكون عادلة ولا شاملة _).
لم يكن قبول قيادة منظمة التحرير بالشرعية الدولية كمرجعية لحل الصراع يعني إزالة كل الحواجز التي تحول ما بين الفلسطينيين وتحقيق أهدافهم في دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع عاصمتها القدس ،فقد وجد الفلسطينيون أنفسهم يخوضون معركة لا تقل شراسة عن المعارك العسكرية لتحديد مفهوم الشرعية الدولية وأي من قراراتها يُعتمد دون بقية القرارات ، والأخطر من ذلك وجد الفلسطينيون ممانعة إسرائيلية ما زالت إلى اليوم -حتى بعد سنوات من توقيع اتفاق أوسلو -في التعامل مع القضية الفلسطينية اعتمادا على قرارات الشرعية الدولية وعدم التعامل معها كقضية دولية بل التعامل معها كمشكلة إسرائيلية داخلية تُحل من خلال مفاوضات ثنائية بين الطرفين.
ولكن وقبل أن ننتقل لتحليل قرارات الشرعية الدولية بيت القصيد ، لا بأس من أن نجلى حقيقة مختلف المواقف الفلسطينية من الاعتراف بقرارات الشرعية الدولية ، وكيف حدث الانزلاق إلى الوضع الراهن .
شكل قبول منظمة التحرير الفلسطينية بالاحتكام إلى قرارات الأمم المتحدة تحولا استراتيجيا في مسيرة الثورة الفلسطينية وتجاوزا واضحا للميثاق الوطني وللعديد من الثوابت الفلسطينية بالرغم من الغموض الذي شاب قرارات دورة الجزائر وتصريحات قادة المقاومة حول علاقة الحقوق التاريخية بالحقوق المنصوص عليها في مقررات الشرعية الدولية. ويبدو أن التحولات الدولية التي كانت تلوح في الأفق والضغوط العربية والدولية المكثفة على المنظمة ،ومحاولة أمريكا وإسرائيل استخدام الرفض الفلسطيني لقرارات الشرعية الدولية للقول إن الفلسطينيين لا يريدون السلام وما زالوا يهدفون إلى القضاء على إسرائيل ، كل ذلك كان من مسرعات هذا التوجه الفلسطيني الجديد،وفي هذا السياق يقول صلاح خلف -أبو اياد- موضحا :- ( إن التصريح السياسي الصادر عن المجلس الوطني في دورته التاسعة عشر في الجزائر يشكل جوابا على سلسلة المشاكل التي يثيرها في وجهنا الأمريكيون والإسرائيليون ، وتتخذها كذلك بعض الدول الأوروبية كذريعة لعدم التقدم اكثر إلى الأمام في علاقاتهم معا ...) وهو بعد أن يبين خطا القادة السابقين للحركة الوطنية الفلسطينية لرفضهم الشرعية الدولية يدافع عن الموقف الجديد للمنظمة قائلا :(إن الشرعية الدولية توفر حقا يمكن استخدامه عندما تدعو الحاجة إليه ، وهذا ما فعله المجلس الوطني في نوفمبر 1988 حيث تم اعتماد مقررات الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية منذ 1947 إلى يومنا هذا ). بل يعتبر أبو اياد أن مقررات الجزائر بمثابة آلية للبرنامج المرحلة للمنظمة الذي تم إقراره عام 1974 :(إن مقررات المجلس الوطني في دورة الانتفاضة في مستوى معين جاءت تطويرا في الموقف الفلسطيني الذي اقره البرنامج المرحلي منذ أربعة عشر عاما ، لقد بقي هذا البرنامج طيلة السنوات الماضية دون تطوير ودون آلية فجاءت هذه الدورة لتدفع به الحياة ولتنظم آلية التحرك ، حيث اعترفت لأول مرة بالشرعية الدولية مجسدة بقرارات محددة ،فاستندت في إعلان الاستقلال إلى الشرعية الدولية ،وبالتحديد إلى القرار 181 كما استندت في البيان السياسي لكل ما يتطلبه المجتمع الدولي أساسا لانعقاد المؤتمر الدولي ، وهما القراران 242 و338). _
عكست تصريحات اليسار الفلسطيني-قوى الرفض- حالة الإرباك والإحراج بسبب تبنيها قرارات الأمم المتحدة ، حيث حاولت هذه القوي تبرير هذا التوجه كمناورة تارة وكنوع من الواقعية السياسية تارة أخرى ، كانت هذه القوى حائرة من جهة بين ما تدركه من أن تحولات عميقة دولية وعربية تجعل من استراتيجية التحرير الكامل مستحيلة على المدى المنظور ، ومن جهة أخرى ارتهانها لخطابها الثوري التقليدي ولقواعدها الشعبية ، وكان موقف الجبهة الشعبية خير معبر عن ذلك .فجورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومع موافقته على مقررات الجزائر يرفض _بان ذلك يعني التخلي عن الهدف الاستراتيجي ، إن إعلان الدولة جاء : (يشكل استجابة لشعار انتفاضة شعبنا في الضفة والقطاع وجوابا على سؤال :لمن هذه الأرض ؟ بعد إعلان الملك حسين فك الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية ...فهو يوقف الهجمة الصهيونية الاستيطانية ويحد منها ويقيم لشعب فلسطين دولة هدفها حشد كافة الإمكانيات لمواصلة النضال كخطوة تكتيكية هدفها الوصول في نهاية الأمر إلى أهدافنا الاستراتيجية ) ! . ويواصل جورج حبش تحليله موضحا انه يمكن توظيف الشرعية الدولية لخدمة الشرعية التاريخية ( إنه في الوقت الحاضر هناك شبه إجماع دولي على ضرورة أخذ الحق الفلسطيني بعين الاعتبار مع إدراكنا بان الحق الفلسطيني وفق الشرعية الدولية لا يتطابق مع حقنا التاريخي والطبيعي في أرضنا ، لكنه يشكل خطوة في مصلحتنا ومن الضروري أن نستثمرها ونستفيد منها ، بعد ذلك سيتضح أمام العالم وأمام الرأي العام الدولي بشقيه الرسمي والشعبي أن العدو الصهيوني لا يمكن أن يعطينا حقنا الذي اعترفت به الشرعية الدولية ، وهذا ما سيمكننا من متابعة معركتنا مستندين إلى الشرعية الدولية والرأي العام الدولي الرسمي والشعبي ) . ومع ذلك لا يستبعد جورج حبش إمكانية قيام دولة فلسطينية على جزء من ارض فلسطين اعتمادا على الشرعية الدولية ، دولة تخرج القضية الفلسطينية من المأزق الذي تعيش فيه ، ويتساءل :(لماذا لا نستفيد من هذه الشرعية الدولية ومن الرأي العام الدولي والاممي لنحل ولو جزء من معضلات القضية الفلسطينية ، وحتى نتمكن من متابعة النضال واستخلاص كامل حقوقنا الفلسطينية والعربية في أرضنا الفلسطينية والعربية )_.20
لم يختلف موقف الجبهة الديمقراطية كثيرا عن موقف الجبهة الشعبية ،فقد صوتت الديمقراطية لصالح البيان السياسي ويرى نايف حواتمة أن الضرورات العملية والضغوط العربية والدولية كانت وراء الاعتراف بقرارات الأمم المتحدة، وهو يؤكد أن الجبهة الديمقراطية وبقية الفصائل ترفض الاعتراف بالقرارين 242و338 كأساس وحيد لحل القضية ، وان الاعتراف بهما جاء كضرورة لعقد المؤتمر الدولي :(إن القرار بكل عناصره لم يكن خيارا فلسطينيا محضا ، بل وليد الجمع بين الحقوق الوطنية الفلسطينية وفق قرارات الأمم المتحدة و إرادة المجتمع الدولي والبلدان العربية التي ارتضت قراري مجلس الأمن 242 و338 أساسا للمؤتمر الدولي ...) ويستطرد قائلا ( لهذا السبب جاء قرار المجلس الوطني ليؤكد أن هذين القرارين وحدهما لا يشكلان أساسا سياسيا لحل أزمة الشرق الأوسط ، لأنهما يقومان على قاعدة الأرض مقابل السلام بين الدول العربية وإسرائيل ولا يضمنان أية حلول لحقوق شعبنا الوطنية المستقلة والقائمة بذاتها ، ولذا جاء قرار المجلس الوطني حول المؤتمر الدولي رزمة تجمع بين حقوقنا الوطنية و إرادة المجتمع الدولي )_.
في مقابل هذه المواقف المؤيدة لاعتماد الشرعية الدولية ولو بتحفظ ،كان موقف الرفض لهذا التوجه سواء من طرف المنظمات التي كانت تتخذ من دمشق مقرا لها ،كالجبهة الشعبية -القيادة العامة- ومنظمة الصاعقة أو من طرف حركة المقاومة الإسلامية الوليدة ،فقد اعتبرت منظمة الصاعقة :(أن كل هذه التنازلات التي قدمتها القيادة اليمينية في منظمة التحرير لن تسفر عن أية نتائج إيجابية ، بل سوف تجعل الأعداء الصهاينة والأمريكان يدفعون المنظمة إلى المزيد من التنازلات كإلغاء ميثاق المنظمة والتنازل عن حق العودة أو تقرير المصير) . وكانت حركة حماس داخل الوطن المحتل الأكثر معارضة لقرارات الجزائر لان ميثاقها يعتبر (فلسطين وقف إسلامي على أجيال المسلمين إلى يوم القيامة لا يجوز التفريط بها أو بجزء منها ... ) ، ومن هنا فقد رفضت حماس قرارات الجزائر من منطلق إن هذه القرارات ستؤدي إلى:-
(1-تحويل المعركة إلى الساحة الفلسطينية بدلا من أن تكون ضد العدو.
2-التخلي عن باقي فلسطين وباقي الشعب الفلسطيني لأنها لن تكون قادرة على أن تصبح دولة كل الفلسطينيين الموجودين منهم في فلسطين -فيما سمي بإسرائيل وفي الدولة الفلسطينية -أو الموجودين خارجها -لاجئي 1948-.
3-تفجر صراع فلسطيني -أردني -سواء كانت الدولة الفلسطينية مستقلة أم اتحادية مع الأردن -.
4-تحول مثل هذه الدولة إلى جسر لتوسع المشروع الصهيوني اقتصاديا وثقافيا).23

في الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون يعتقدون انهم يقدمون تنازلات باعترافهم بقرارات الشرعية الدولية كانت الولايات المتحدة وإسرائيل تعتبران أن ما يجري هو اعتراف بالأمر الواقع واستسلاما لإرادة الأقوى وخصوصا وهما يراقبان الوضع العربي الرديء ويدركان حقيقة الوضع الفلسطيني . وعليه لم تُقنِع التنازلات الفلسطينية الولايات المتحدة تماما ،وكان مطلوب من الدبلوماسية الأمريكيين ممارسة أقصى درجات الابتزاز مع شيء من التهديد ضد الفلسطينيين ليقبلوا بوضوح وبدون تردد وبدون شروط بالقرار 242 كمرجعية لأي مفاوضات مستقبلية، وبدأت سبحة التنازلات الفلسطينية بمباركة إن لم يكن بدعم وضغط وإكراه عربي .
مباشرة بعد دورة الجزائر دشنت المنظمة حملة دبلوماسية توجهت أساسا إلى أمريكا وأوروبا هدفها كسب تأييد دولي للمطلب الفلسطيني بإقامة دولة مستقلة وعقد مؤتمر دولي للسلام . الاستجابة الأولى للتوجه الفلسطيني لم تأت من القوى ذات العلاقة المباشرة بالصراع بل من السويد حيث وجه وبشكل مفاجئ وزير خارجية السويد اندرسون دعوة لابو عمار لزيارة السويد لحضور لقاء مع مجموعة من اليهود الأمريكيين ،واستغل أبو عمار المناسبة لتحديد موقف المنظمة من العملية السلمية وهو ما سمي ببيان استكهولم 7/12/88 ،وفي هذا البيان وضع أبو عمار النقاط على الحروف بالنسبة لكثير من النقاط التي وردت في إعلان الدولة والبيان السياسي ،حيث اعترف بوضوح بدولة إسرائيل وأعلن رفضه وتنديده للإرهاب وتسوية الصراع في إطار مؤتمر دولي يعقد تحت إشراف الأمم المتحدة وعلى أساس قراري الأمم المتحدة 242و 338 وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره . إلا أن المفاجأة انه مساء السادس من ديسمبر اعلم أند رسون أبو عمار انه يحمل رسالة من شولتس وزير الخارجية الأمريكي يقترح فتح حوار مباشر مع منظمة التحرير على شرط أن تعترف المنظمة بحق إسرائيل بالوجود ونبذ الإرهاب والاعتراف دون لبس بالقرارين 242و338 ، وبالفعل وخلال جلسة الجمعية العامة في جنيف يوم الثالث عشر من نفس الشهر ألقى أبو عمار خطابا تضمن مبادرة فلسطينية للسلام اعتقدت القيادة الفلسطينية أنها مستوفية للشروط الأمريكية وكانت أساس ما سمي بهجوم السلام الفلسطيني_.
لم تقتنع الإدارة الأمريكية بما ورد في مشروع السلام الفلسطيني ،معتبرة أن الخطاب كان عاما جدا ولم يلتزم بدقة بالشروط الأمريكية ،ويبدو أن ما كان يزعج أمريكا هو التأكيد الفلسطيني على مجمل قرارات الشرعية الدولية و التأكيد على الصيغة الدولية والإشراف الدولي على مؤتمر السلام بينما الولايات المتحدة كانت تريد غطاء دوليا رمزيا وان تكون كل العملية السلمية تحت إشرافها ، بالإضافة إلى أن أبو عمار تحدث عن إدانة الإرهاب بشكل عام وأمريكا أرادت منه أن يستعمل تعبيرات اكثر شدة واكثر وضوحا ،ولم يهدأ بال الأمريكيين إلا بعد أن قرأ أبو عمار بيان في المؤتمر الصحفي الذي عقده في اليوم الموالي14/12 قدمه له شولتس ويلبي الشروط الأمريكية _ ،ومما جاء فيه (إن رغبتنا في السلام استراتيجية وليس تكتيكا ، إننا مصممون على تحقيق السلام مهما كانت النتائج ،إن تقرير المصير بالنسبة للفلسطينيين يعني البقاء ، وان البقاء الفلسطيني لا يهدد البقاء الإسرائيلي ، إن إقامة الدولة تعني الخلاص للشعب الفلسطيني والسلام للفلسطينيين والإسرائيليين ) ،وبعد ساعات بدأ الحوار الفلسطيني الأمريكي .
وهكذا استطاع الأمريكيون وبمباركة ودعم رسمي لبعض الدول العربية -خصوصا مصر والأردن -أن يجروا القيادة الفلسطينية إلى مواقعهم ويلزموها بشروطهم بحيث فقدت مبادرة السلام الفلسطينية روحها وما كانت تتيح من ضمانات للفلسطينيين بإمكانية تسوية عادلة لقضيتهم ،وقد اتضح الموقف الأمريكي من خلال البيان الذي صدر في نفس اليوم عن شولتس معلنا موافقة المنظمة على الشروط الأمريكية وبدء الحوار مع المنظمة ، حيث جاء فيه :(إن منظمة التحرير الفلسطينية أصدرت بيانا اليوم قبلت بموجبه قراري الأمم المتحدة 242و338 واعترفت بحق إسرائيل بالوجود بسلام وأمان ونبذت العنف ، وكنتيجة لذلك تعلن الولايات المتحدة استعدادها لحوار جوهري مع ممثلي المنظمة ،...) ،ويستطرد قائلا (لا يوجد هنا-يقصد بالبيان -ما يعني ضمنيا قبولا أو اعترافا من قبل الولايات المتحدة بدولة فلسطينية مستقلة ، إن موقف الولايات المتحدة هو أن مصير الضفة الغربية وقطاع غزة لا يمكن أن يتحدد بقرارات فردية من أي طرف بل من خلال عملية تفاوضية .إن الولايات المتحدة لا تعترف بإعلان الاستقلال الفلسطيني ) .
موافقة القيادة الفلسطينية على الشروط الأمريكية وجد استحسانا من طرف مصر والأردن والسعودية بالإضافة إلى الدول الأوروبية ولكنه وجد رفضا شديدا من سوريا وليبيا والعراق ،وعبر الاتحاد السوفييتي عن عدم رضاه عن الاتفاق وعن الحوار وخصوصا من جهة محاولة أمريكا تغييب فكرة المؤتمر الدولي للسلام لتنفرد وحدها بالعملية .وجاءت المعارضة الأشد والاهم من التنظيمات التي مقرها دمشق .لقد أدى الموقف الجديد للقيادة الفلسطينية إلى انهيار الوحدة الوطنية التي تجلت في دورة الجزائر حيث أعلنت الجبهتان الشعبية والديمقراطية معارضتهما للنهج الجديد للدبلوماسية الفلسطينية ،و عقدت قيادتا الجبهتين اجتماعا مشتركا يوم 20/12/88 صدر على إثره بيانا وضح موقف الجبهتين وأسباب رفضهما لسياسة قيادة المنظمة .
ما بين بداية الحوار الأمريكي الفلسطيني وتوقفه يوم 20/6/90 شهدت المنطقة كثافة في الاتصالات وتعددا في المبادرات ، فبالإضافة إلى مبادرة شولتس طرح الإسرائيليون مبادرة والمصريون كانت لهم مبادرة ،بالإضافة إلى مبادرة شيفاردنازه ، ولم يكتب النجاح لأي من هذه المبادرات بسبب التحفظ الفلسطيني من جهة والمعارضة الإسرائيلية من جهة أخرى.ولأن الإدارة الأمريكية ومعها إسرائيل لم يكونا متعجلين التسوية وهما يشاهدان التهافت العربي وعليه لم يكنا مستعدتين لتقديم تنازلات ، وكانتا تتلمسان انه كلما سخنت دبلوماسية التسوية كلما خفت حدة الانتفاضة وابتعدت عنها الأنظار وهذا ما يجعل المنظمة اكثر استعداد لتقديم التنازلات . وقد استغلت الولايات المتحدة هذا التهافت العربي على التسوية من اجل إفقاد المرجعية الدولية قيمتها واستبدالها بمرجعية التفاوض ،ولا باس أن تكون مفاوضات في مؤتمر ولكنه ليس دوليا ، كانت تريد أن لا تحضر المنظمة كطرف مساو لبقية الأطراف وان لا تستمد الحقوق الفلسطينية من قرارات الأمم المتحدة بل مما يتم الاتفاق عليه على طاولة المفاوضات .
كان كل متعمق في السياسة الأمريكية وكل ملم بما بين أمريكا وإسرائيل من علاقات استراتيجية يدرك أن الهدف من فتح أمريكا لحوار مع المنظمة إنما كان لمصلحة إسرائيل أولا ولخدمة المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة ثانيا ، مع تداخل الأمرين بطبيعة الحال ، ولذا لم يكن مستغربا أن الحوار لم يكن يعني اعتراف الولايات المتحدة بالمنظمة كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني ، فهي بالنسبة لأمريكا ليس إلا محاور ، يمكن من خلاله جر الموقف الفلسطيني للاقتراب من الموقف الإسرائيلي والتعرف على جوانية السياسة الفلسطينية ، بل وصف أحد القياديين الفلسطينيين الحوار بأنه اخذ طابع التحقيق مع قيادات المنظمة ،وتهربت الولايات المتحدة من طرح أي أمر جدي أو التطرق للقضايا الأساسية التي تشغل بال الفلسطينيين فهذه كانت أمريكا تفضل بحثها مع المصريين حيث أصبحت مصر هي عراب التسوية وكان دورها اكبر من مجرد دور الوسيط وغالبا ما كانت توظف ثقلها ومركزيتها بالنسبة لقيادة المنظمة لتجعل الفلسطينيين اكثر ليونة واكثر استعدادا لتقديم التنازلات.بينما كانت جولات الحوار تجري في تونس _،كانت الدبلوماسية الأمريكية تصيغ مبادرة جديدة مستفيدة من المبادرتين الإسرائيلية والمصرية ومن تفاعلات التسوية السلمية التي أطلقتها مبادرة السلام الفلسطينية ، وهكذا طرحت الولايات المتحدة وعن طريق وزير خارجيتها جيمس بيكر مبادرة جديدة مكونة من خمس نقاط أعلن عنها يوم 6/12/89 .
لم تكن المبادرة الأمريكية سوى توليفة من المبادرة المصرية والمبادرة الإسرائيلية ومبادرة شولتس ، فهي لا تتطرق لمنظمة التحرير ولا تعترف بصفتها التمثيلية للشعب الفلسطيني كما أنها تتجاهل قرارات الشرعية الدولية ولا تتطرق للمؤتمر الدولي للسلام ،أهم ما جاء في هذه المبادرة فتح حوار ما بين إسرائيل ووفد من الفلسطينيين يتم تشكيله بعد استشارة مصر وإسرائيل وأمريكا ، بمعنى أن لإسرائيل الحق في تحديد من ستتفاوض معهم ،وفي النقطة الرابعة جاء : (إن الحكومة الأمريكية تفهم أن مشاركة إسرائيل في الحوار ستكون على أساس مبادرة الحكومة الإسرائيلية ، وان الولايات المتحدة تفهم أن الفلسطينيين سيأتون إلى الحوار ولديهم الاستعداد لمناقشة فكرة الانتخابات والعملية التفاوضية بما يتفق مع المبادرة الإسرائيلية_) وهذا لم يمنع من أن تعطي المبادرة للفلسطينيين إمكانية (أن يقوم الجانب الفلسطيني بإثارة قضايا متعلقة بوجهات نظرهم حول كيفية نجاح الانتخابات والمفاوضات ). ولان المبادرة الأمريكية حضت بتأييد مصري و لأن الحكومة الإسرائيلية آنذاك كانت ائتلافية يشارك فيها حزب العمل الذي لو يكن يخف تأييده للتسوية السلمية ، فقد أعطت المنظمة موافقتها الأولية ولكنها طلبت توضيحات من الإدارة الأمريكية ، ردت الولايات المتحدة على المطالب الفلسطينية بإرسال مذكرة توضيحية بواسطة مصر وذلك يوم 16/11/89 ، ومما جاء في المذكرة التوضيحية (قيام القوى السياسية النشطة في الساحة الفلسطينية بتسمية الممثلين الفلسطينيين المشاركين في الحوار ، وان الوفد الفلسطيني سيضم عشرة أشخاص ، ثمانية منهم من المناطق المحتلة واثنان من الخارج ) ومع ذلك أعطت لإسرائيل حق النقض حيث استطردت تقول (إن أمريكا لا تستطيع ولن تحاول إرغام إسرائيل على الجلوس مع أناس لا تقبل بهم كشركاء في الحوار).وكنوع من الترضية للمنظمة ، دون أن يكون ذلك ملزما لأمريكا أو لإسرائيل نصت المذكرة التوضيحية على (أن أمريكا لن تعارض قيام الفلسطينيين بالمطالبة بنقاش قراري مجلس الأمن 242 و338 والحاجة لمؤتمر للسلام ).
بالرغم من أن التوضيحات لم تقلل من التراجع الواضح للولايات المتحدة عن تصريحات سابقة ، فقد أرسلت المنظمة في يوم 18/11/89 ردها إلى الإدارة الأمريكية وفيه تعلن قبولها بخطة بيكر مؤكدة على ما يلي :-
(1-استعدادها لإجراء حوار بين وفد من المنظمة يمثل الشعب الفلسطيني في الداخل وخارج الأراضي الفلسطينية ووفد من الحكومة الإسرائيلية .
2-أن يكون جدول هذا الحوار مفتوحا وبدون شروط ،يطرح فيه كل وفد ما يشاء من موضوعات ....
3-أن يجري الحوار تحت إشراف الأمم المتحدة والدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن ومصر والسويد .
4-أن يكون هذا الحوار خطوة تمهيدية نحو عقد المؤتمر الدولي للسلام في الشرق الأوسط الذي يعقد تحت إشراف الأمم المتحدة وعلى أساس قرارات الشرعية الدولية ، وتشارك فيه كافة أطراف الصراع في المنطقة وتحضره الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن للوصول إلى الحل العادل والشامل في المنطقة).
وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ، حيث شهد عام 1990 أحداثا ضربت بالصميم كل مراهنة فلسطينية على تسوية مشرفة تكون الانتفاضة وما تبقى من تضامن عربي أهم أوراق القوة التي تدعم المفاوض الفلسطيني ، أحداث بدأت بانهيار الحكومة الائتلافية في إسرائيل 16/3/90 وتلاها توقف الحوار الأمريكي الفلسطيني في 20/6/90 ، ثم بداية انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية ،إلا أن الزلزال الأكثر هولا الذي زلزل المنطقة وأثر سلبا على القضية الفلسطينية وما يزال هو حرب الخليج الثانية التي اندلعت على اثر الغزو العراقي للكويت في الثاني من أغسطس 90 ،هذه الحرب التي أحييت مجددا تفاعلات التسوية السلمية ولكن في عالم متغير ، فالعالم بعد حرب الخليج ليس هو ما قبله .
إن المدقق في البيانات والوثائق المشار إليها أعلاه فيما يخص المرجعية الدولية ،سيلاحظ التبدل الكبير بل التلاعب الخطير في مفهوم الشرعية الدولية ونجاح أمريكا في النهاية على قصر هذه الشرعية على تفسير غامض لقرار 242 دون غيره بل تمكنت أمريكا من أن تفرض على المفاوضين الفلسطينيين والعرب أن تكون المفاوضات المقبلة ليس في إطار دولي لتطبيق هذا القرار بل على أساسه مما أفسح المجال لتفسيره بما يخدم مصلحة الأقوى أي إسرائيل ،كما استطاعت أن تلغي المطلب الفلسطيني والعربي بان تكون المفاوضات في إطار مؤتمر دولي وتم الاتفاق بدلا من ذلك على تسمية مؤتمر للسلام دون كلمة -دولي - .هذا الأخير أدى إلى مؤتمر مدريد الهزيل والذي بدوره مهد الطريق للاتفاقات التي فرضتها أمريكا وإسرائيل على العرب بعيدا عن الشرعية الدولية بل ضد روح قرارات الشرعية الدولية .
ولكن ما الذي جعل حركة المقاومة الفلسطينية تنهج نهج التسوية السلمية بدلا من نهج الكفاح المسلح؟ والشرعية الدولية بدلا من الشرعية التاريخية ؟
بالرغم من الصياغة الغامضة لإعلان الاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية فإنه من السهل أن يفهم المرء أن الدولة الفلسطينية المعلن عنها آنذاك لن تتجاوز في أفضل الأحوال أجزاء من الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن هذه الدولة لن تقام بعد حرب تحرير بل على طاولة المفاوضات مع العدو الصهيوني، وأن ثمنها هو الاعتراف بشرعية الدولة الصهيونية على غالبية ارض فلسطين، ودولة بهذه المواصفات وبالشروط المصاحبة لقيامها لا بد أن تتناقض مع أهداف الشعب الفلسطيني المعبر عنها بالميثاق الوطني الفلسطيني.
إلا أن هذا يجب ألا يمنعنا من رؤية القضية الفلسطينية وتفاعلاتها في عالم متغير ومختلف عن العالم الذي كان متواجدا عندما انطلقت الثورة في عز ازدهار الحركة القومية العربية وحركة التحرر العالمية، عالم تتسارع فيه الأحداث وتتهاوى فيه الأيديولوجيات وتتغير التحالفات ونحن كنا عنه لاهون وكأننا من سكان كوكب آخر غير الأرض.
والحال إنه إذا كانت التنازلات الفلسطينية ما بعد بيروت قلصت من الآمال والتطلعات للشعب ومهدت الطريق لمزيد من التنازلات ، إلا أنها تنازلات فرضتها معطيات الواقع، أنها ثمن أخطاء وتجاوزات من طرف حركة المقاومة الفلسطينية وحركة التحرر والأنظمة العربية تراكمت على مر السنين فولدت لنا واقع الهزيمة ومنطق الاستسلام باسم التسوية السلمية، ولم يكن في إمكان حركة المقاومة الفلسطينية أن تطالب بالحد الأقصى من الحقوق الفلسطينية لأنها في بنيتها وعلاقاتها غير قادرة على النضال المثمر أو على ممارسة التأثير الفعال على مجريات الأحداث بما يحقق الأهداف الاستراتيجية. إن تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني كان بحاجة إلى ما هو اكبر من الانتفاضة ،كان بحاجة إلى استراتيجية فلسطينية جديدة وثورة على الثورة تسقط عنها ما أحاط بها من مظاهر التواكل والسلبية و الترهل والبيروقراطية ،ثورة تحررها من الطبقة الجديدة التي ولدت مع مسيرة الثورة ،طبقة المرتزقة والمتسلقين الذين اغتنوا على حساب القضية ، كان الأمر بحاجة إلى ثورة عربية تسقط وتتجاوز كل هياكل وقيادات حركة التحرر العربية أو ما سمي بحركة التحرر العربية التي تاجرت بالجماهير باسم الثورية والتحرر، والتي بعد أكثر من نصف قرن على وجودها مازالت على هامش التاريخ وعلى هامش الأحداث، وحتى تلك التي وصلت إلى السلطة لم يكن حال الجماهير في ظلها افضل بكثير من حالها قبل الثورة ، حيث أصبحت الجماهير تخضع لدكتاتورية ثورية وتقدمية بعد أن كانت تخضع لدكتاتوريات يمينية رجعية، و للدكتاتورية هوية واحدة هي انتفاء الحرية. إيقاف عجلة التردي كان يحتاج باكرا إلى تثوير الثورة الفلسطينية خارج الأرض المحتلة، و إعادة بناء حركة التحرر العربية بكل فصائلها ،بالإضافة طبعا إلى تغيير في أنظمة الحكم العربية ذات الشرعية التاريخية أو الوراثية أصدقاء الغرب و أدواته في المنطقة .
إن تقزيم الأهداف العربية في فلسطين منذ بداية الثمانينات إلى مجرد دعوة لقيام دولة في الضفة والقطاع جاء ليعبر عن المتغيرات الدولية والانتكاسات الداخلية التي منيت بها القضية الفلسطينية في حلقاتها الثلاث، الفلسطينية والعربية والدولية.
1 - فلسطينيا : -عجزت حركة المقاومة الفلسطينية طوال ربع قرن من وجودها عن توحيد فصائلها وخلق حركة واحدة موحدة لها استراتيجية واحدة واضحة الأهداف موحدة الممارسة. وحتى مع وجود منظمة التحرير الفلسطينية فالكل يعرف أن المنظمة كانت إطارا شكليا يجمع المنظمات على الحد الأدنى من الاتفاق، وفي كثير من الحالات كانت بعض المنظمات لا تنضوي تحت راية المنظمة، وحتى بالنسبة لتلك العاملة داخل المنظمة كان لكل منها أيديولوجيتها وسياساتها وقواتها وميزانيتها وعلاقتها الخاصة بها وكل منها متحالفة مع هذا النظام العربي أو ذاك وأداة له، وفي كثير من الحالات لم تكن مقررات المجلس الوطني الفلسطيني تؤخذ مأخذ الجد.
ومن ناحية أخرى وبالرغم من أن الثورة الفلسطينية عندما انطلقت عام 1965 كانت مهمتها تثوير الجماهير العربية ودفعها إلى ساحة المعركة حيث لم تطرح حركة المقاومة آنذاك أنها قادرة لوحدها على تحرير فلسطين، فإنها فشلت في بناء علاقات نضالية ثورية ملتزمة مع الجماهير العربية بل أجبرت وتحت شعار « عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية" على التعامل مع الأنظمة على حساب التعامل مع الجماهير، وأصبحت مهمة مكاتب منظمة التحرير في الخارج تعزيز العلاقات مع الأنظمة العربية وإعطاءها طابعا رسميا، الأمر الذي أدى إلى زعزعة الثقة بين الجماهير العربية وبين حركة المقاومة الفلسطينية، وأفقد الثورة الفلسطينية موقعها كطليعة الثورة والتغيير في العالم العربي.
وقد أعطى توتر العلاقة بين الثورة الفلسطينية من جانب وبين حركة التحرر العربية والجماهير العربية من جانب آخر الفرصة لبعض الأنظمة العربية لتتآمر على الثورة الفلسطينية ولتضعف دورها كثورة تحريضية في المنطقة العربية وكعنصر معرقل لنهج التسوية والاستلام، فتعرضت الثورة للمؤامرات والحصار والتشويه، الأمر الذي مهد السبيل للعدو الصهيوني ليقوم في صيف 1982 بغزو لبنان ومحاصرة الثورة الفلسطينية في ظل صمت عربي مريب، ولتركب حركة المقاومة - أو بقاياها - البحر إلى المنافي، فتفقد بذلك الكثير من قوتها وفعاليتها عربيا ودوليا.
2 ـ عربيا :- أدت الأزمة التي شهدتها حركة التحرر العربية منذ بداية السبعينات، وتراجع مواقعها وتأثيرها لمصلحة السلطة ودخول فصائلها في صراع مع بعضها البعض إلى إفقاد المقاومة الفلسطينية حليفا كانت ستستفيد منه في ممارسة الضغط على الأنظمة وفي استقطاب الجماهير العربية. كما أن توثيق حركة المقاومة لعلاقاتها مع الأنظمة العربية وتر العلاقة بينها وبين بعض قوى حركة التحرر العربية، بالإضافة إلى خلافات سياسية وأيديولوجية نشبت بين الطرفين، كل ذلك جعل بعض فصائل حركة التحرر العربية تفصل بين الالتزام بالقضية الفلسطينية و التعامل مع حركة المقاومة الفلسطينية .أما أخطر ما أصاب العلاقة الفلسطينية العربية على مستوى الالتزام القومي فقد نتج عن التعامل والفهم الخاطئين لرفع المنظمة شعار "استقلالية القرار الفلسطيني" حيث استغلت الأنظمة هذا الشعار كمبرر لتتهرب من التزاماتها القومية تجاه الشعب الفلسطيني .
لقد كان رفع منظمة التحرير لشعار استقلالية القرار الفلسطيني موقفا يستمد مبرراته من اعتبارات دولية وعربية، فدوليا توخت المنظمة من رفع هذا الشعار التأكيد للعالم أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وهي صاحبة القرار الأول والأخير بكل ما يخص القضية الفلسطينية، وأنها غير تابعة لهذا النظام العربي أو ذاك وأنها المتحدث والمخَاطب الوحيد في الشأن الفلسطيني وذلك حتى تُبطل المزاعم الصهيونية القائلة انه لا يوجد شعب فلسطيني وان الصراع هو بين دولة إسرائيل الصغيرة وعشرون دولة عربية تريد رمي الشعب اليهود في البحر. وعربيا جاء الشعار ليوقف محاولات التدخل من طرف بعض الأنظمة العربية في الشؤون الفلسطينية تحت شعار قومية القضية، هذا التدخل الذي وصل إلى درجة الاقتتال بالسلاح بين الطرفين ، كما أن استقلالية القرار جاء ضمن مسلسل بناء الهوية الوطنية الفلسطينية كضرورة سياسية ونفسية .كان الشعار مفيدا وناجحا على مستوى العمل السياسي والتنظيمي والتعبوي الفلسطيني إلا أن نتائجه كانت خطيرة ومدمرة على البعد القومي للقضية سواء على مستوى معركة التحرير الموعودة أو على مستوى معركة الصمود والتصدي للعدو، وهذا ما ظهر جليا أثناء الغزو الصهيوني للبنان حيث واجهت المنظمة منفردة - مع مساندة الحركة الوطنية اللبنانية - الجبروت الصهيوني ولم تسعفها استقلالية القرار شيئا.
وسواء كانت قيادة المنظمة واعية للأمر أم لا، فقد ساعد شعار استقلالية القرار الفلسطيني على نقل الصراع مع العدو الصهيوني من صراع عربي - إسرائيلي إلى صراع فلسطيني - إسرائيلي، ومن البديهي انه في ظل اختلال موازين القوى بين الطرفين لمصلحة العدو كان لابد أن تضطر منظمة التحرير لان تتحول عن كثير من أهدافها وشعاراتها التي رفعتها في ظل شعار قومية القضية الفلسطينية وقومية المعركة ، فهل كان الشعار تمهيدا للتسوية ؟.
لقد استغلت العديد من الأنظمة العربية التي كانت في دعمها المحدود للشعب الفلسطيني تساير الجماهير وتغطي على قصورها عن القيام بدورها القومي تجاه القضية الفلسطينية، استغلت رفع المنظمة لشعار استقلالية القرار الفلسطيني لتقول لها وللشعب الفلسطيني بما أن القضية قضيتكم والمعركة معركتكم وحيث أنكم أصحاب القرار فلا مسؤولية علينا ولا حقوق لكم عندنا !، وأصبح أقصى ما تلتزم به هذه الأنظمة هو زيادة رصيد المنظمة من المال تشتري به صمتها وسكوتها ، وهم يعلمون أن المال وحده لا يحرر أرضا ولا يعيد حقوقا.
وهكذا أدى الاستغلال الخاطئ لشعار استقلالية القرار الفلسطيني واعتبار المنظمة الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، إلى إبقاء الشعب الفلسطيني وحيدا في الميدان، وتحول المحيط العربي الرسمي والجماهيري إلى متفرجين مما أدى إلى تفرد العدو الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية بالشعب الفلسطيني وبمنظمة التحرير الفلسطينية ليمارسا عليهما الابتزاز والتهديد. وما التخبط الذي حكم سياسة منظمة التحرير الفلسطينية ما بعد بيروت وتقديمها التنازل تلو التنازل إلا ثمن لتحول الصراع في المنطقة إلى صراع فلسطيني / إسرائيلي إمبريالي ، ولم تفلح الانتفاضة الفلسطينية بكل ما قدمت من صور الفداء والبطولة في تعديل الاختلال البًين في موازن القوى بحيث بقي الطرف الفلسطيني هو الطرف الضعيف مادام الطرف العربي غائبا إن لم يكن متواطئا.
3 - ودوليا :- عندما انطلقت الثورة الفلسطينية وطرحت أهدافها التحررية الملتزمة بتحرير كامل التراب الوطني الفلسطيني وإنهاء وجود دولة العدو الصهيوني، كانت الظروف الدولية تتسم بحدة الصراع بين المعسكرين الاشتراكي من جانب والإمبريالي من جانب آخر، وكان التنافس الاستراتيجي والعقائدي بين الطرفين يشجع دول المعسكر الاشتراكي وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي على دعم ومساندة الدول العربية المناهضة للإمبريالية والصهيونية وكذلك دعم حركة المقاومة الفلسطينية من منطلق أن أي إرباك أو تقليص للنفوذ الغربي الإمبريالي في المنطقة العربية يصب في المحصلة لصالح المعسكر الاشتراكي .
ومن الناحية العقائدية، وبالرغم من أن المؤشرات منذ البداية لم تكن مشجعة فيما يتعلق بتحويل المنطقة العربية إلى أنظمة شيوعية وذلك لاعتبارات اجتماعية ودينية وتاريخية، إلا أن الاتحاد السوفيتي وبقية المنظومة الاشتراكية كانت ترى أن الواجب الأممي يفرض عليها دعم الشعب العربي وحركة المقاومة الفلسطينية في نضالها ضد الاستعمار والإمبريالية والصهيونية حتى تبُقي على صورتها عند دول العالم الثالث كدولة حليفة ومناصرة لحركات التحرر وللشعوب المظلومة .
وعلى هذا الأساس قدمت دول المعسكر الاشتراكي وعلى رأسها الاتحاد السوفيتي والصين الشعبية الدعم والمساندة المادية والمعنوية للعديد من الأنظمة العربية ولمنظمة التحرير الفلسطينية، هذا الدعم والمساندة - بالرغم من أن الدول الاشتراكية كانت تعترف بإسرائيل قبل حرب يونيو 1967 - لعب دورا في صمود الموقف الفلسطيني والتحرري العربي وأعطى لحركة المقاومة الفلسطينية مبررا للتمسك بالمطالبة بكامل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني والمراهنة على أن المستقبل يعمل لمصلحة الطرف العربي.
إلا أن التحولات التي نتجت أولا عن سياسة الوفاق الدولي بين المعسكرين وثانيا عن توتر العلاقة بين الاتحاد السوفيتي وأنظمة عربية كانت تعد من حلفائه الاستراتيجيين - مصر والعراق - و أخيرا التحولات داخل الاتحاد السوفيتي ودول المعسكر الاشتراكي ،أضعفت من الاهتمام الذي كان يوليه المعسكر الاشتراكي للمنطقة وبدا وكأنه يعترف بأن المنطقة تدخل ضمن النفوذ الأمريكي وأن الولايات المتحدة الأمريكية هي صاحبة الأمر والنهي فيها.هذا دون أن ننسى نتائج كامب ديفيد ذات الأثر السلبي على الموقف الدولي من القضية الفلسطينية - أو من القبول بأهداف الشعب الفلسطيني الكاملة -ذلك أنه عندما تعترف اكبر دولة عربية بدولة العدو الصهيوني وتعترف بقية الدول العربية بإسرائيل، صراحة أو ضمنا - قبول قرار 242 وقرارات قمة فاس -يصبح من العبث أن يطالب الفلسطينيون الدول الأجنبية بمساندة أهدافهم الاستراتيجية الداعية إلى القضاء على إسرائيل.
لم تكن سنوات ما بعد بيروت مجرد سنوات انكماش العمل العسكري بل كانت أيضا من اكثر السنوات غموضا وإرباكا وتناقضا في السياسة الفلسطينية ، بحيث لم يكن أحد يعرف ماذا تريد القيادة الفلسطينية ، مع أن المتحذلقين كانوا يفسرون تضارب التصريحات الفلسطينية بأنه مناورة مقصودة وتوزيع للأدوار بين القيادات الفلسطينية. وكان لا بد من قرارات شجاعة ولكن مؤلمة لأنها تشبه شجاعة الميئوس الذي هده المرض وكان عليه اتخاذ قرار إجراء عملية لا يعرف نتائجها.

تقليص الأهداف والطموحات:
لكل هذه الأسباب، المتغيرات العربية والدولية، بالإضافة إلى تحولات في بنية حركة المقاومة الفلسطينية وفي الظروف الاجتماعية والاقتصادية للشعب الفلسطيني التي لا مجال لشرحها هنا وجدت المنظمة نفسها في موقف لا تحسد عليه، وأصبحت في ظل التزامها بأهدافها الاستراتيجية الداعية للكفاح المسلح وتصفية وجود دولة العدو الصهيوني كمن يسبح ضد التيار، أو كمن ينوح وسط زغاريد الفرح .
كانت قيادة المنظمة تشعر بهذا الوضع وبتناقضاته قبل الانتفاضة الفلسطينية وقبل الخروج من لبنان، إلا أنها ما كانت لتجرؤ على الجهر برغبتها في التنازل عن الأهداف الاستراتيجية للشعب الفلسطيني ليس لأنها تعتقد بقدرتها على تحقيق هذه الأهداف قريبا بل خوفا من الجماهير وانجرافا مع الجو الحماسي والعاطفي الذي تغذيه الحركات الثورية والقومية . ولم يسعف المنظمة للخروج من المأزق مناورة الفصل بين الأهداف الإستراتيجية والأهداف المرحلية -البرنامج المرحلي لعام 1974-و لا الصياغات الغامضة لمقررات المجلس الوطني الفلسطيني في دوراته المتعاقبة ولا التصريحات المناورة والمتناقضة للمسؤولين الفلسطينيين. وكان مطلوب من المنظمة أن توفق بين إمكاناتها الحقيقية والأهداف. وحيث أنها غير قادرة لأسباب بنيوية داخلية ولأسباب عربية ودولية على تطوير أسلوبها في العمل المسلح،فإنها لم تجد مخرجا إلا تقليص أهدافها .. وجاءت الانتفاضة الفلسطينية لتعطي للمنظمة غطاء ومبررا لتطرح تصوراتها الجديدة ولتمرر تنازلات خطيرة غطت عليها شعارات الدولة الفلسطينية والاستقلال ودعم الانتفاضة ... الخ.
قد يتساءل البعض هل أن الحقوق التاريخية الشرعية للشعوب وخصوصا إن كانت حقوقا مصيرية كحق الشعب الفلسطيني في وطنه، تُرهن بالمواقف الدولية وتتكيف مع التحولات الدولية ومع تغير التحالفات الخارجية ؟
إنه مما لا شك فيه أن حق الشعب العربي الفلسطيني في ارض فلسطين من البحر إلى النهر حق لا تقرره التحولات والمؤتمرات الدولية، فهو حق شرعي وثابت لا يحق لأي طرف حتى لمنظمة التحرير الفلسطينية أن يتنازل عنه كلا أو جزءا لأن المنظمة عندما وجدت عام 1964 أي قبل أن تحُتل الضفة وقطاع غزة وجِدت لاستعادة حقوق الشعب الفلسطيني لا للمساومة عليها وأن العلاقات والتحالفات الخارجية عوامل مساعدة لأصحاب الحق وليست عوامل صانعة للحق، ومع ذلك فإن هذا لا يمنع من القول إنه من حق منظمة التحرير الفلسطينية بموافقة الشعب الفلسطيني أن تغير في الوسائل المتبعة لاستعادة الحق إذا جاءت الرياح بما لا تشتهي السفن .إن ما جعل للعوامل الخارجية تأثير قوي على التحول في موقف منظمة التحرير الفلسطينية هو ضعف الوضع الفلسطيني خارج الأرض المحتلة وتآكل الوجود الثوري لفصائل حركة المقاومة الفلسطينية وتراجع استراتيجية الكفاح المسلح بحيث أصبح الحديث عن ثورة فلسطينية خارج الأرض المحتلة بعد 1982 حديثا عن سراب، إلى أن جاءت الانتفاضة الفلسطينية الرائعة داخل الأرض المحتلة لتُدخل تحولات على مسار القضية الفلسطينية، ولكنها لم تستطع أن تعيد الحياة للثورة الفلسطينية في الخارج، بل إن ما تبقى من هذه الأخيرة أصبح يتنفس من رئة الانتفاضة وأصبح وجودها مرتهن بوجود الانتفاضة.
إذن في ظل هذه المتغيرات الفلسطينية والعربية والدولية جاء إعلان قيام الدولة الفلسطينية وما صاحب هذا الإعلان من تحول في الأهداف وفي طبيعة الصراع وفي أسلوب التعامل معه. جاءت السياسة الفلسطينية الجديدة لتعكس هذه المتغيرات ربما لسبق متغيرات أسوأ منها من حيث النتائج على القضية الفلسطينية مثل الهجرة الكثيفة ليهود الاتحاد السوفيتي إلى الكيان الصهيوني وتحول النظام الدولي من نظام محكوم بثنائية قطبية إلى عالم تسيره دولة عظمى واحد وهي الولايات المتحدة الأمريكية، وتراجع نفوذ ما كان يسمى المنظومة الاشتراكية وحركة الثورة العالمية وزيادة التبعية الاقتصادية للدول العربية للعالم الغربي، بالإضافة إلى المتغيرات الاجتماعية النفسية والأخلاقية التي تسود المجتمع العربي وتعكس أزمة الهوية والانتماء والثقافة.
فهل كان خطأ منظمة التحرير يكمن في تقديمها التنازلات لإسرائيل أم في أسلوب أدارتها للازمة ؟
إن النقد أو اللوم يجب ألا يوجها فقط إلى منظمة التحرير الفلسطينية ومن يساندها لما أقدمت عليه من تنازلات لأنه ضمن معطيات المرحلة لم يكن أمام المنظمة خيارات كثيرة ، ولكن النقد والمحاسبة يجب أن يتجها إلى الأسباب والمسببين لوصول الوضع الفلسطيني والوضع العربي إلى هذه الحالة من التردي مما جعل الفجوة بين الأهداف وبين إمكانات تحقيقها بهذه الدرجة من الاتساع والتباعد، تباعد الحلم عن الواقع،كما أن الخلل كان في أسلوب إدارة المنظمة للازمة .
إن النقد والمحاسبة الثورية يجب أن يتجها إلى جذور نهج التسوية والاستسلام وأن توضع أمام الجماهير كل الأسباب الحقيقية التي ساهمت في إفقاد الثورة الفلسطينية ثوريتها وفي إفقاد حركة التحرر العربية فعاليتها وثوريتها وفي تحويل الجماهير العربية إلى كتلة بشرية هامدة سلبية فاقدة لإرادة الفعل وللإحساس بالمصير العربي وبالخطر الصهيوني. إن المحاسبة يجب أن تتجه إلى الأنظمة العربية والحركات الحزبية العربية الثورية منها واليمينية،لأنها شريك ومساهم في صنع التردي العربي والهزيمة العربية.المحاسبة يجب أن تتجه إلى المثقفين العرب الذين بدلا من أن يكونوا أدوات التوعية والتحريض للجماهير تحولوا إما إلى أدوات تبرر وتدافع عن الأنظمة ومنطقها الاستسلامي أو إلى مهرجين يتلاعبون بعواطف الجماهير ويتعيشون من وراء كتابات متوترة ومتطرفة ومهيجة للجماهير ومبعدة لها عن الحقيقة ، مثقفون وسياسيون جعلوا الجماهير تعتقد أن كل أحلامها وطموحاتها ستتحقق بالكلمات والشعارات والتظاهرات والندوات ،هؤلاء المثقفون الذين شكلوا طبقة يمكن تسميتها (طبقة مثقفو القضية ) هؤلاء الذين ما أن وصلت القضية إلى مأزق و أصبحت بحاجة إلى ما هو اكثر من الكلمات والشعارات تواروا عن الأنظار أو اصبحوا يتنافسون على هجاء ونقد الثورة والمنظمة و وتحميلهما المسؤولية عما وصلت إليه القضية.







المبحث الثاني
لماذا لم يتم تفعيل قرارات الشرعية الدولية حول الشرق الأوسط؟

الإجابة على هذا السؤال تفرضه حقيقة تراجع قرارات الشرعية الدولية كمرجعية للتسوية السلمية وإحلال محلها شرعية جديدة هي الشرعية التفاوضية ، وحتى ندرك أسباب هذا التراجع، يستحسن أن نحدد ما هي قرارات الشرعية الدولية حول القضية ؟ وما قيمتها القانونية ؟ وما مدى إلزاميتها ؟ وكيف تعامل معها العرب والفلسطينيون ؟
غياب تعامل عقلاني مع قرارات الشرعية الدولية
لن نقوم هنا بدراسة قانونية مجردة حول مفهوم الشرعية الدولية ،أو حول الغموض المتعمد و الازدواجية في التعامل الأمريكي والغربي مع قرارات الشرعية الدولية وخصوصا المتعلقة بالشرق الأوسط ،ولكننا سنقوم أيضا برصد ملابسات صدور القرارات الدولية المتعلقة بالقضية الفلسطينية وأسلوب التعامل الفلسطيني والعربي معها.ذلك انه بالرغم من خطاب الشرعية الدولية الذي بدأت المنظمة تتبناه وتبني على أساسه التعامل مع القضية في مرحلة التسوية السياسية إلا أن الملاحظ أن المنظمة لم تكن تتوفر على استراتيجية واضحة للتسوية السلمية على أساس قرارات الشرعية الدولية أو على أي أساس أخر ، فقد دخلت معترك التسوية السياسية والشرعية الدولية ولسان حالها يقول فلندخل ونرى ماذا سيحدث !. وكان لابد لهذه السياسية أن تؤدي إلى ما وصلت إليه الأمور اليوم ، ولكن فلنبدأ قصة المراهنة على الشرعية الدولية من بدايتها .
من المفهوم جيدا أن شعبا يخضع نصفه للاحتلال ونصفه الآخر مشتت في بلاد الغربة ويناضل من اجل الاستقلال وتقوده حركة تحرر وطني ،يحتاج هذا الشعب إلى خطاب سياسي ذي شحنة عاطفية وتعبوية وتحريضية زائدة حتى ترفع معنوياته وتحمسه وتخرجه من حالة الإحباط والتيئيس التي تمارس عليه أو يُراد له الوقوع فيها . هذا ما يفسر اهتمام الخطاب السياسي الفلسطيني بكل موقف أو توصية أو قرار يصدر عن هيئة الأمم المتحدة أو إحدى هيئاتها يعترف ببعض الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو يندد بالاحتلال .
لا ريب إذن أن كل ما صدر عن الشرعية الدولية من قرارات وتوصيات بشأن القضية وإن كانت لا ترق إلى طموحات الشعب أو تتطابق مع حقوقه التاريخية إلا أنها تعد في ظل موازين القوى السائدة مكتسبات يجب التمسك بها والعمل على مراكمتها . قرار التقسيم 181 لعام 1947 وقرار عودة اللاجئين 194 لعام 1949 والقراران 242 و338 ،والقراران 3089و3236الصادران عن الجمعية العامة والمتعلقان بالحقوق الفلسطينية غير القابلة للتصرف ، والقراران 2649و2672 الصادران عن الجمعية العامة عام 1970 واللذان يتحدثان عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ،والقرارات 605و607و608 الصادرة وقت الانتفاضة ،وكل القرارات والتوصيات الصادرة عن الجمعية العامة وغيرها بالإضافة إلى اتفاقات جنيف ولاهاي الخاصة بالأراضي المحتلة وكيفية التعامل معها ... كلها_ إنجازات تضفي طابعا دوليا على القضية الفلسطينية وتكرس وجود الشعب الفلسطيني كشعب خاضع للاحتلال ، وتنقل قضيته ومعاناته إلى العالم في وقت اصبح فيه للإعلام وللرأي العام العالمي تأثيرا في تطور الأحداث في مختلف بقاع العالم .
المشكلة لا تكمن في هذه القرارات في حد ذاتها بل في فهم ملابسات صدورها وفي كيفية التعامل معها فلسطينيا وعربيا وإسرائيليا وأمريكيا:
1 -على مستوى أسباب صدورها :
إلى ما قبل انطلاقة الثورة الفلسطينية المسلحة -1965- وبالرغم من وجود قرار التقسيم الذي ينص على حق الفلسطينيين في إقامة دولتهم ،كانت القضية تُطرح في المحافل الدولية كقضية لاجئين ،كانت مجرد ملف تتكلف به وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين -اونروا-تقوم ومن منطلق إنساني بتقديم المساعدات الإنسانية. هذه كانت نظرة العالم إلى الفلسطينيين فالفلسطيني هو لاجئ يعيش في مخيم و يحمل بطاقة تموين ويقف في طابور ينتظر ما تجود به عليه وكالة الغوث من حبوب وزيوت وملابس مستعملة ،و لم تتحول نظرة العالم إلى الفلسطينيين إلا بعد أن حمل الفلسطينيون السلاح ومارسوا الكفاح المسلح ،فالبندقية جعلت العالم يتعامل معهم كشعب له قضية سياسية يناضل من اجل الاستقلال وتقرير المصير .بدأ العالم يكتشف وبفعل البندقية الفلسطينية وتضحيات الشعب الفلسطيني أن هناك شعب له هوية وله قضية وطنية سياسية لا مجرد لاجئين ، ومنذ ذلك الوقت بدأت الأمم المتحدة تتعامل مع القضية الفلسطينية بمنظور مختلف وبدأت تصدر قرارات سياسية تتعلق بالشعب الفلسطيني ، قرارات وتوصيات تؤكد على حق الشعب الفلسطيني بالنضال لاسترداد حقوقه وعلى رأسها حقه في تقرير مصيره و تندد بالسياسة الاستعمارية الصهيونية في فلسطين .
كانت الفترة الممتدة ما بين 1965و1982 و التي شهدت صدور أهم القرارات الدولية حول القضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني بشكل عام، هي نفسها مرحلة تصاعد الكفاح المسلح الفلسطيني وتصاعد التأييد العالمي للقضية ، ففيها-1974- تم الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني وتم قبول المنظمة كعضو مراقب في الأمم المتحدة ،وفيها-1975- صدر قرار الجمعية العامة الذي يساوي الصهيونية بالعنصرية ...فما الذي نستنتجه من ذلك ؟.
نستنتج مما سبق أن الاهتمام العالمي بالقضية الفلسطينية وما صدر عن الأمم المتحدة من قرارات وتوصيات تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني لم يأت كمنحة من أحد بل جاءت كتجاوب من المنتظم الدولي مع النضال الفلسطيني ،فالبندقية الفلسطينية والشهيد الفلسطيني والمعتقل الفلسطيني والمعاناة الفلسطينية هي التي أجبرت العالم على الاعتراف بالشعب الفلسطيني وبحقوقه السياسية . نعم إن هذه القرارات والتوصيات لا ترق إلى طموحات الشعب الفلسطيني لأنها لا تنص على دولة فلسطينية ولا تعطيه حقا قانونيا واضحا بتأسيسها ،إلا أنها تهيئ الظروف المناسبة لتأسيس دولته وتضع قدميه على طريق الدولة .وحتى ترقى هذه القرارات والتوصيات إلى مستوى الاعتراف الواضح والمباشر بالدولة الفلسطينية المستقلة كان الأمر يحتاج مزيدا من النضال المسلح والسياسي لا الاكتفاء بما صدر من قرارات والمساومة عليها وتحميلها اكثر مما تحتمل والتباكي على عدم جدية المنتظم الدولي في تطبيق قراراته أو عدم إلزام إسرائيل بتطبيقها .
2 -على مستوى فهمها وأسلوب التعامل معها
بعيدا عن خطاب التحريض السياسي ، يمكن القول إن اضطرابا شديدا شاب أسلوب تعامل العرب والفلسطينيين مع قرارات الشرعية الدولية حيث غابت الرؤية الواقعية المبنية على فهم عقلاني للقانون الدولي وللعلاقات الدولية ولميكانزمات صدور وتفسير وتطبيق القرارات الدولية .لم يفصل البعض ما بين مخاطبة الجماهير الشعبية ومخاطبة المنتظم الدولي حيث تم تسييس القرارات الدولية واستخدمها لأغراض السياسة الداخلية والتنظيمية الضيقة على حساب توظيفها دوليا ، وتم تحميل القرارات الدولية اكثر من قيمتها واكثر مما تحتمل ، بل وصل الأمر بالبعض إلى حد التعامل مع مجلس الأمن أو الجمعية العامة وكأنهما دار ندوة عربية أو أحد دواويننا يدعونهما للاجتماع متى يريدون ويتجاهلونهما متى يريدون.
إذن بعيدا عن الغوغائية السياسية يمكن القول إنه وباستثناء قرار التقسيم رقم 181بتاريخ 29/11/ 1947 الذي رفضه العرب ورُفض فلسطينيا بنصوص الميثاق الوطني ، لم يكن يوجد حتى 13/3/2002 أي قرار صادر عن مجلس الأمن أو الجمعية العامة للأمم المتحدة يقول بدولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس أو يُلزم إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة وإعطائهما للفلسطينيين تحديدا ليقرروا عليهما مصيرهم السياسي ! ولن نعالج هنا قرار التقسيم ليس لأن الزمن تجاوزه كما تزعم إسرائيل ،بل لأنه لم يُعتمد كمرجعية أو حتى يُشار إليه فيما وقع من اتفاقات من اتفاقات سلام ما بين العرب وإسرائيل بما في ذلك اتفاقات أوسلو وما بعدها ، مع التأكيد على أن اكبر خطأ ارتكبته القيادة في المنظمة إنها قبلت بالاقتصار على قراري مجلس الأمن دون قرار التقسيم وقرار عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم ، كمرجعية للتسوية السلمية مع أن قرار عودة اللاجئين من أهم القرارات الدولية التي تلحظ بقوة الحقوق التاريخية والوطنية للفلسطينيين ، لان الاعتراف بحق العودة معناه الاعتراف بأن هؤلاء الفلسطينيين يعودون إلى وطنهم وهذا يعني عدم شرعية الوجود الصهيوني ، كما ان الاعتراف بحق العودة يرتب مسؤولية قانونية وأخلاقية على إسرائيل المسؤولة عن تهجيرهم إن ما سنتطرق إليه هو قرار 242 الصادر يوم 22/11/67 وما تلاه من قرارات وتوصيات لان التسوية أشارت إليهما دون غيرهما من القرارات .
لا نتجنى على الحقيقة إن قلنا إن كل ما صدر عن المنتظم الدولي بخصوص ما سمي بالصراع في الشرق الأوسط بعد 1967 هي توصيات غير ملزمة أو قرارات تتباين التفسيرات حولها ، صحيح إن العديد من توصيات الجمعية العامة وقرارات مجلس الأمن تعترف بحقوق للفلسطينيين وتعترف بهم كشعب بل وتعطيهم الحق بالمقاومة ،إلا أنها لم تكن ترق إلى درجة الاعتراف الواضح بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة ،إن هذا الحق متضمن بطريقة غير مباشرة في هذه القرارات والتوصيات وخصوصا تلك التي تشير الى حق تقرير المصير ،أو بشكل أخر إن تطبيق هذه القرارات قد يؤدي إلى قيام دولة فلسطينية ،ولكن للأسف التعنت الإسرائيلي والرفض الأمريكي بالإضافة إلى التعامل العربي والفلسطيني الخاطئ افقد هذه القرارات قيمتها ، وهذا ما يفسر لنا أن إسرائيل ومعها أمريكا لم يكونا منزعجين كثيرا من هذه القرارات والتوصيات بل كان على راس الشروط الأمريكية للقبول بفتح حوار مع منظمة التحرير اعتراف هذه الأخيرة بقراري مجلس الأمن 242 و338 تحديدا.
وفي اعتقادنا إن اخطر ما صدر عن الأمم المتحدة بعد 1967 وكان أكثرها إزعاجا لإسرائيل هو القرار رقم 3379 الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 /11/ 1975 والذي اعتبر الصهيونية ( شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري ) فهذا القرار شكل ضربة موجعة لإسرائيل وللحركة الصهيونية لأنه ينسف الأساس التاريخي والديني والأخلاقي للكيان الصهيوني من حيث اعتبار العقيدة التي يقوم عليها هذا الكيان شكلا من أشكال العنصرية . وقد بقيت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة يتحينان الفرصة لإبطال هذا القرار وهو ما حدث بعد حرب الخليج وانهيار المعسكر الاشتراكي وبالتالي تبدل موازين القوى داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة .
لا يعني ما سبق أن قراري مجلس الأمن 242و338 لا قيمة لهما ولا يخدما القضية الفلسطينية والعربية ، بل المقصود أن إسرائيل وأمريكا لديهم من أساليب المناورة والحجج القانونية ما يمكنهم من جعل هذين القرارين ليسا ذا قيمة للفلسطينيين ، وهذا هو السبب في أن ضمن الشروط الأمريكية و الإسرائيلية للتحاور والاعتراف بالمنظمة -ضمن شروط أخرى -اعتراف هذه الأخيرة بالقرارين المشار إليهما .فعلى اثر اعتراف المنظمة بقرارات الأمم المتحدة في دورة المجلس الوطني في الجزائر 1988 صرح الناطق الرسمي باسم البيت البيض مارلين فيتزووتر (إن تطورا إيجابيا طرأ أثناء هذا الاجتماع وعلى الأخص اقتراع على القرارين 242 و338) ،أما وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك شمعون بيرز فقد رد تعقيبا على إعلان الجزائر بتكرير شروط إسرائيل للاعتراف بالمنظمة وهي (القبول بقراري الأمم المتحدة 242 و338 من دون إضافات أو تغيير ،والاعتراف بحق إسرائيل بالعيش بسلام ووقف الإرهاب ) ،وهو يقصد بذلك أن اعتراف المنظمة السابق كان بكل قرارات الشرعية الدولية وكان مصحوبا بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وهو ما لم ينص عليه قرار242.
من المعلوم أن القرار 242 صدر بعد حرب 67 وقرار 338 بعد حرب 73 وهو يبين آليات تطبيق القرار الأول ،المهم هو قرار 242 فهذا القرار يخاطب الدول المشاركة في الحرب ويدعو إلى:-1/ سحب القوات الإسرائيلية من أراض (الأراضي )التي احتلتها في النزاع -حرب 1967- 2/إنهاء جميع ادعاءات أو حالات الحرب واحترام واعتراف سيادة ووحدة أراضي كل دولة في المنطقة واستقلالها السياسي وحقها في العيش بسلام ضمن حدود آمنة ومعترف بها وحرة من التهديد أو أعمال القوة .بعد ذلك يؤكد القرار-ضمن أمور أخرى- على تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين ....
من الواضح أن القرار يخاطب الدول المشاركة في الحرب ولا يشير من قريب أو بعيد للحقوق السياسية للشعب الفلسطيني ولا لمنظمة التحرير الفلسطينية بل لم تُذكر كلمة فلسطين بتاتا في هذا القرار -كما أنها لم تُذكر في قرار338 - ،وحتى عندما تحدث القرار عن تسوية مشكلة اللاجئين لم يقل اللاجئين الفلسطينيين بل اللاجئين دون تحديد جنسيتهم_ .وكما هو معروف تزعم إسرائيل وأمريكا أن نص القرار هو سحب القوات الإسرائيلية من (أراض احتلتها في النزاع الأخير) وليس ( الأراضي التي احتلتها... ) والمقصود من ذلك أن تدعي إسرائيل أنها طبقت القرار بمجرد انسحابها من أي جزء من الأراضي المحتلة ، والأخطر من ذلك عدم وصف الأراضي/أراض بأنها عربية بمعنى إسقاط هوية هذه الأرض وخصوصا الضفة الغربية وقطاع غزة ،وهو الأمر الذي سمح لإسرائيل فيما بعد الادعاء بحقوق تاريخية وتوراتية في الضفة الغربية بل سمح لها بضم الجولان أيضا .
إذن القرار يخاطب إسرائيل وسوريا ومصر والأردن، والأرض المقصودة هي الجولان وسيناء وغزة والضفة الغربية ، وعليه فان الذين يجب عليهم المطالبة بتطبيق هذا القرار هي الدول الثلاثة المشار إليها وليس منظمة التحرير الفلسطينية المُغيبة عن القرار بل التي لم يكن قد أُعترف بها كممثل شرعي للشعب الفلسطيني آنذاك لا عربيا ولا دوليا .قد يقول قائل إن الاعتراف حدث عام 1974 وانه في 30/7/88 تم فك الارتباط ما بين الأردن والضفة الغربية ،_مما يجعل المنظمة مسؤولة عن الشعب الفلسطيني ومسؤولة عن الأرض الفلسطينية وبالتالي يمكنها أن تحل محل الأردن ومصر! ، هذا كلام صحيح ونافذ بيننا كعرب ومفهوم حسب العقلية العربية ولكن لا قيمة له في القانون الدولي ولا يؤثر على منطوق القرار 242 أو تفسيره لان منظمة التحرير ليست عضو كامل في الأمم المتحدة، وبالتالي مطالبة المنظمة لإسرائيل أو للأمم المتحدة بتطبيق قرار 242 هي مطالبة لا قيمة لها لأنها تأت من طرف غير معني في نظر القانون الدولي ، وهذا ما جعل اعتراف المنظمة بالقرارين المشار إليهما مكسبا إسرائيليا اكثر مما هو مكسبا فلسطينيا . هذا بالإضافة إلى أن هذين القرارين لم يصدرا في إطار المادة السابعة من الميثاق وبالتالي لا توجد آلية تلزم إسرائيل بالانصياع لهما .
لا يعني قولنا هذا التخلي عن المطالبة بقرار 242 أو أن ننأى بأنفسنا عنه ، بل يجب التمسك به لأنه قرار دولي يعترف بان الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان أراض محتلة وكونها كذلك فان على إسرائيل أن تطبق اتفاقيات جنيف لعام 1949 حول أسلوب التعامل مع الأراضي المحتلة وسكانها وهذا يعني أن كل ما قامت به إسرائيل في هذه الأراضي هي تصرفات غير قانونية ، كما أن الاعتراف بصفة الاحتلال لهذه الأراضي يمنح الشعب الخاضع للاحتلال الحق باللجوء إلى كافة الوسائل بما في ذلك الكفاح المسلح لإنهاء الاحتلال وتقرير المصير.الخلل لا يكمن في القرار بحد ذاته لان القرار جاء بعد هزيمة عربية وليس بعد نصر حتى نحقق منه مكاسب ، إن الخلل يكمن في أسلوب التعامل العربي والفلسطيني مع القرار وهو التصرف الذي اضعف القيمة القانونية للقرار ،وقد لعبت اتفاقات السلام التي وقعتها مصر والسلطة الفلسطينية والأردن مع إسرائيل دورا خطيرا في إفقاد هذا القرار لأهميته .
لا غرو إذن أن يؤدي التعامل العربي اللاعقلاني مع قرارات الشرعية الدولية إلى أن يزعم الكيان الصهيوني انه نفذ قرار 242 وان هذا القرار لم يعد مرجعية مناسبة للتسوية مع منظمة التحرير، أو أن قرار 242 لا ينطبق على الضفة والقطاع -وهذا ما صرح به رئيس وزراء إسرائيل براك يوم افتتاح مفاوضات الوضع النهائي -وإسرائيل تبني موقفها ليس فقط من تفسيرها للقرار بأنه انسحاب من( ارض محتلة) وليس (الأراضي المحتلة) بل انطلاقا مما وقعت من اتفاقات مع مصر والأردن ومنظمة التحرير ،فهي ترى أن الاتفاقات -كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو -التي وقعت مع هذه الأطراف أصبحت هي المرجعية وهي التي تحدد الحقوق والواجبات لكل طرف انطلاقا من قاعدة قانونية معروفة تقول بأن العقد شريعة المتعاقدين .فمصر عندما وقعت اتفاقية كامب ديفيد التي أعادت لها سيناء دون قطاع غزة وأنهت بالتالي حالة الصراع مع إسرائيل فإنما هي تعترف بان إسرائيل أوفت بالتزاماتها المنصوص عليها في قرار 242 بالنسبة للجبهة الجنوبية ،وكأن مصر هنا تقر بان قطاع غزة ليس ارض محتلة ينطبق عليه القرار 242 .نفس الأمر بالنسبة للأردن فعندما وقع اتفاقية وادي عربة وأنهى صراعه مع إسرائيل فكأنه يعترف بان إسرائيل أوفت بالتزاماتها تجاهه بالنسبة للقرار 242 ، أما الضفة الغربية فقد أصبحت أرضا بلا صاحب أو مُطالب في مفهوم القانون الدولي وهذا ما جعل إسرائيل تتعامل مع الضفة وقطاع غزة كأرض متنازع عليها ، وحتى بالنسبة لمنظمة التحرير فأنها قَبِلت بإشارة غامضة للقرارين المشار إليهما كأساس للتفاوض في مدريد ثم في أوسلو بل إن اتفاقية أوسلو وفي المادة الخامسة عشر أكدت أن المرجعية في حالة حدوث أي خلافات في تفسير أو تطبيق الاتفاق هو التفاوض بين الطرفين وليس الأمم المتحدة أو أية هيئة دولية ، وأسلوب التفاوض السري في أوسلو أضعف بدوره من المرجعية الدولية للتسوية ، فكيف يجوز لمنظمة التحرير أن تطالب بالمرجعية الدولية وهذه الأخيرة مغيبة عن المفاوضات ولا حضور لها عند التوقيع على ما أتفق عليه ؟ هذا ما يفسر لنا التأكيد الإسرائيلي المتواصل على رفض تدخل الأمم المتحدة بالمفاوضات بل توجيهها انتقادا شديدا للامين العام للأمم المتحدة كوفي عنان يوم 22/9/99 عندما عين مسؤولا دوليا - السويدي تيري لارسن للشرق الأوسط ،واعتبرت ذلك تدخلا في مسيرة السلام التي تقوم على أساس التفاوض المباشر بين الأطراف.

يبدو أن اعتراف المنظمة بقرارات الأمم المتحدة وخصوصا بالقرارين 242و338 لم يدخل المنظمة كطرف مساو لبقية الأطراف في لعبة التسوية ، بل لم تعبر أمريكا لا موقفا ولا ممارسة ما يدل على مكافأة الفلسطينيين على ما قدموا من تنازل ، ويمكن أن نلخص أسباب عدم تثمير الموقف الفلسطيني القابل بالشرعية الدولية بالأسباب التالية :
أولا: -إن الاعتراف جاء في زخم الانتفاضة حيث كان التأييد العالمي للفلسطينيين قويا وإسرائيل في موقف محرج ، ومن هنا لم ترغب إسرائيل ومعها الولايات المتحدة تقديم تنازلات حتى لا يظهروا بمظهر الضعيف الذي خضع لشروط الفلسطينيين ، ومن هنا كان الموقف الأمريكي يريد مساعدة الإسرائيليين لامتصاص التنديد العالم بهم لا إحقاق الحقوق الفلسطينية المشروعة .
ثانيا :- انه جاء متأخرا ،فالاعتراف جاء والوضع العربي والفلسطيني العام ضعيفا ،فباستثناء الانتفاضة لم تشعر إسرائيل أنها مهددة بوجودها ولم تشعر الولايات المتحدة أن مصالحها مهددة ، وكان العرب في حالة من التردي في علاقاتهم مع بعضهم البعض كما كانت علاقة المنظمة سيئة مع اكثر من دولة عربية .أذن اعتراف المنظمة بإسرائيل وبقرارات الشرعية الدولية لم يأت من موقع القوة بل من موقع الضعف وكانت إسرائيل ومعها أمريكا تدركان أن ورقة القوة الوحيدة عند المنظمة هي الانتفاضة ومن هنا عملا على التسويف والمماطلة لحين إفقاد الانتفاضة زخمها.
ثالثا :- جاء الاعتراف في ظل تحولات في النظام الدولي تؤشر على بداية انهيار المعسكر الاشتراكي وتفرد أمريكا بقيادة العالم مما يعني تعاملا جديدا مع مفهوم الشرعية الدولية بما يخدم استراتيجيتها ،ذلك أن قرارات الشرعية الدولية لا تطبق من تلقاء نفسها بل تحتاج إلى آليات للتنفيذ والى حشد قوى داخل الأمم المتحدة سواء للاتفاق على تفسير القرارات أو على مستوى تطبيقها ، وواقع الحال أن حلفاء الشعب الفلسطيني لم يكونوا بقوة حلفاء إسرائيل حتى يكسبوا المعركة الدبلوماسية .
رابعا:-غياب إجماع فلسطيني حول السياسة الجديدة للمنظمة سواء ما تعلق بقرارات المجلس الوطني بالجزائر - إعلان الدولة الفلسطينية - أو مجمل ما سمي فيما بعد هجوم السلام الفلسطيني .ذلك أن قوى المعارضة كانت ضد الاعتراف بقرار 242 وضد الاعتراف بدولة إسرائيل ، بل حتى قيادة المنظمة كانت حذرة ومترددة من أن لا تحصل على شيء بعد هذه التنازلات وخصوصا أن الجانب الأمريكي كان اقرب في تفسيره للقرار 242 للتفسير الإسرائيلي القائل بانسحاب من (ارض محتلة) منه للتفسير الفلسطيني والعربي القائل بالانسحاب من (الأراضي المحتلة )بالإضافة إلى أن هذا القرار يتعامل مع القضية الفلسطينية كقضية لاجئين ولا يعترف لهم بأي حقوق سياسية .
خامسا:-هو ما سبقت الإشارة إليه من غياب تعامل عقلاني مع قرارات الشرعية الدولية سواء مع الأصدقاء أو مع الأعداء أو مع المحايدين داخل المنظمات الدولية ، بل لم تخف أطراف عربية استعدادها للمساومة على هذه القرارات من اجل مصالح خاصة لها مع الولايات المتحدة ، حتى منظمة التحرير لم يكن لديها رؤية واضحة حول ما تريد من الشرعية الدولية ،وبدورها أبدت استعدادا للمساومة والتخلي عن بعض هذه القرارات .
سادسا :-المبالغة في المناورة وخصوصا الغموض بين ما هو استراتيجي وما هو تكتيكي ، بحيث أن الأصدقاء والأعداء كانوا لا يعرفون ماذا تريد منظمة التحرير الفلسطينية وما هي سياستها الراهنة ، أحيانا نقرأ قرارات مجلس وطني تبنى على الميثاق الوطني وأخرى تبنى على قرارات المجالس السابقة وأحيانا على قرارات القمم العربية وأخرى على قرارات الشرعية الدولية .
سابعا:-وجدت المنظمة نفسها في وضع لا يخلو من مفارقة ، فهي في الوقت الذي تطالب فيه بتطبيق قرارات الأمم المتحدة وبمؤتمر دولي للسلام ، كانت تتعامل مع مبادرات من خارج الأمم المتحدة ، فالأمم المتحدة المعنية أولا و أخرا بالأمر مغيبة عن مسرح الأحداث ،كما أن أسلوب المفاوضات الثنائية السرية ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين قلل من أهمية المرجعية الدولية . وان تبحث المنظمة عن وسطاء وتدخل في مفاوضات لتحقيق تسوية على أساس تفاوضي وعلى أساس ما يتفق عليه المتفاوضون معناه أن لديها استعدادا للمساومة على قرارات الشرعية الدولية.
ثامنا :-اعتمدت المنظمة اعتمادا شبه كلي على مصر والولايات المتحدة الأمريكية في تفعيل عملية التسوية السلمية ، وهاتان الدولتان ابعد ما يكونا استعدادا لتطبيق قرارات الأمم المتحدة ، فمصر كانت أول من خرق وابطل قيمة قرار 242 عندما وقعت صلحا مع إسرائيل وتركت الفلسطينيين وشأنهم ، وصلحها مع إسرائيل لم يكن في إطار الأمم المتحدة بل في إطار مفاوضات ثنائية تحت إشراف الولايات المتحدة وكان من الصعب والمحرج على مصر أن تصر على تطبيق قرارات الشرعية الدولية وتصر على مؤتمر دولي بينما هي لم تفعل ذلك بل اعتبرت أن المفاوضات الثنائية هي التي تحدد الحقوق والواجبات ،أما الولايات المتحدة فموقفها واضح وهو نفس الموقف الإسرائيلي تقريبا .


نعتقد أن هناك بعدا أخر قليلا ما يثير اهتمام الباحثين والسياسيين بالرغم من أهميته ،ويتعلق بالتحول الذي طرأ على مفهوم الشرعية الدولية بفعل التحول في النظام الدولي، ذلك أن الولايات المتحدة - ومعها أو في داخلها إسرائيل - ترى أن شرعية النظام الدولي المنهار وما صدر عن هذه الشرعية من قرارات وتوصيات ومفاهيم، لم تعد صالحه كشرعية للنظام الدولي الجديد -وليس من المقبول في نظر أمريكا أن يُسير النظام الدولي الجديد وأن تحُكم قائدة هذا النظام، بقرارات الشرعية الدولية للنظام السابق حيث صدرت القرارات بفعل ثقل وتأثير القطب المنهار -الاتحاد السوفيتي وحلفائه-.
وبمعنى آخر أنه لا يمكن للمنتصرين الذين يؤسسون النظام الدولي الجديد أن يلزموا أنفسهم بقرارات وضعها المنهزمون أو كان لهم التأثير الكبير في صدورها، ويدخل ضمن هذه القرارات كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، سواء تلك الصادرة عن مجلس الأمن مثل قرار 242 أو الصادرة عن الجمعية العامة مثل قرار التقسيم والقرارات التي تتحدث عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في الكفاح المسلح لاستعادة حقوقه المشروعة أو قرار مماهاة الصهيونية بالعنصرية.
وهكذا فعندما يتحدث الفلسطينيون والعرب ومن والاهم ،عن الشرعية الدولية، فإنهم يتحدثون عن شرعية سقطت في نظر الولايات المتحدة و إسرائيل، أو عن شرعية من حق المنتصر والمؤسسون للنظام الدولي الجديد أن يأخذوا منها ما يريدون ويتجاهلون أو يلغون ما يرونه غير متناسب مع مصالحهم ، ومن هنا يمكن أن نفهم الحملة الشرسة التي قادتها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية داخل أروقة المنتظم الدولي لإلغاء قرارات الشرعية الدولية السابقة حول فلسطين، ونجحت في إسقاط بعضها وهو القرار رقم 3379 الصادر عام 1975 والذي يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري.
لا غرو إذن أن للولايات المتحدة وفي داخلها إسرائيل فهم خاص للشرعية الدولية، وهي شرعية دولية تنبع من الواقع ومستجدياته، شرعية الأقوى وليست الشرعية الدولية المنهارة التي كانت تناصر الضعفاء أو على الأقل تعبر عن توازن في التعامل مع الدول، وهذا الأمر هو الذي يفسر ما سبق ذكره، وهو تهرب الولايات المتحدة وداخلها إسرائيل من اعتبار قرارات الشرعية الدولية ملزمة والمرجع الوحيد والرئيسي للتسوية ورفضهما المطلق إعادة تدويل القضية كما جرى من خلال رفضهما إرسال قوات حماية أو لجنة تحقيق في المجازر الإسرائيلية في جنين وغزة .ولكن وبفعل انتفاضة الأقصى تحرك المنتظم الدولي مجدد وأصدر عديد من القرارات التي وإن كانت لا ترق إلى طموحات الشعب الفلسطيني فإنها في ميزان القوى الراهن تعتبر إنجازا يمكن للفلسطينيين التمسك به ليقيموا عليه دولتهم المستقلة ومن أهم هذه القرارات القرار رقم 1397 بتاريخ 13/3/2002 الذي صدر عقب اجتياح إسرائيل لمنطق السلطة الفلسطينية ، فلأول مرة يشير قرار صادر عن مجلس الأمن إلى ان حل النزاع في المنطقة لن يكون إلا بقيام دولتين فلسطينية وإسرائيلية تتعايشان بسلام جنبا إلى جنب ، وقد تبع هذا القرار مواقف أوروبية وأمريكية تنطلق من نفس الرؤية.
ولكن في نفس الوقت هناك مؤشرات مقلقة تشير إلى توجه أمريكي وإسرائيلي لتغيير مفهوم المناطق المحتلة وبالتالي المناطق التي من الممكن أن تقام عليها دولة فلسطينية ، وبانت هذه المؤشرات عقب الاجتياح الإسرائيلي لمنطق السلطة في الضفة وغزة نهاية فبراير 2002 ، حيث صدر قرار مجلس الأمن رقم 1402 الذي يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من مناطق السلطة وما زالت إسرائيل تماطل في الانسحاب ، إن الخوف يتأتى من أن يحل القرار الأخير محل القرار 242 وتحل مناطق السلطة محل الأراضي المحتلة عام 67 – كل الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة – وبالتالي يصبح التحرك الفلسطيني والعربي والدولي ينصب على الدعوة إلى الانسحاب من مناطق السلطة فقط وهو ما نسمعه في الفترة الأخيرة – مدن الضفة الغربية أو المنطقة أ فيها- وتناسي بقية الضفة والمناطق ب و ج من غزة ، وفي هذه الحالة ستقام الدولة الفلسطينية الموعودة على مناطق السلطة فقط والتي لا تمثل إلا 18 بالمائة من مناطق الضفة وغزة.


استنتاجات الفصل الثاني:
مما لا شك فيه أن الحقوق القومية للشعوب ليست محل مساومة ، وأن يصل الأمر بقيادة شعب من الشعوب بأن تبحث لشعبها عن مرجعية بديلة للمرجعية التاريخية لتسند تحركها السياسي المطالب بالاستقلال وتقرير المصير ،إنما هو مؤشر خطير ، ليس على عدم شرعية الحقوق القومية بل على واحد من أمرين أو كلاهما :-الأول : حدوث تحولات دولية وإقليمية تتعارض مع الحقوق القومية للشعب المعني ،والثاني :فشل القيادة السياسية للشعب المعني بالأمر بالارتقاء بأدائها السياسي أو العسكري إلى المستوى المطلوب من التعامل ، وذلك لوجود أزمة في القيادة:أزمة أشخاص أو أزمة ممارسة .
كان من سوء حظ الشعب الفلسطيني أنه عانى من الأمرين والأمريّن معا ، حيث كانت الأحداث والتحولات الإقليمية والدولية تعمل باستمرار ضد حقوقه المشروعة وضد أن يكون صاحب القرار الأول فيما يخص قضيته الوطني .فبالنسبة للأمر الأول أي التحولات الإقليمية والدولية ، فان المتابع للشأن الفلسطيني سيلاحظ أن تحولات النظام الدولي والأحداث الكبرى كانت تعمل لمصلحة الحركة الصهيونية المتحالفة مع الحركة الاستعمارية والمصالح الإمبريالية في المنطقة ، وهذا ليس كلام شعارات أو ترديد للخطاب السياسي القومي والثوري العربي بل حقائق مستمدة من التاريخ والواقع ،حيث انه ومنذ بداية القرن كان كل حدث دولي أو حرب عالمية أو نظام دولي جديد يؤسس ،إلا وتعمل ضد حقوقه المشروعة . فأثناء الحرب العالمية الأولى حدث التحالف الأول ما بين الحركة الصهيونية والدول الاستعمارية وخصوصا بريطانيا العظمى ، وكانت نتيجة هذه الحرب لمصلحة حلفاء الحركة الصهيونية ، وجنى الصهاينة المكاسب قبل
أن تضع الحرب أوزارها وذلك بصدور وعد بلفور 1917 ، وكان هذا الوعد على حساب الشعب الفلسطيني بطبيعة الحال . وكان النظام الدولي لما بعد الحرب الأولى في خدمة الحركة الصهيونية حيث وضِعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني ، أي تحت إشراف مَن أعطى وعدا لليهود بإقامة وطن قومي لهم في فلسطين ! .وتكرر الأمر في الأحداث التي سبقت وواكبت و أعقبت الحرب العالمية الثانية ، فقبل الحرب وضعت بريطانيا كل إمكاناتها لإنجاح المشروع الصهيوني في فلسطين ، وأثناء الحرب تم توظيف الاضطهاد النازي لليهود لحل مشكلتهم على حساب الشعب الفلسطيني ،حيث شرّعت بريطانيا المنتدبة على فلسطين الأبواب أمام مئات الآلاف من المهاجرين اليهود للاستيطان في فلسطين ، وما بعد الحرب حيث انتصرت دول الحلفاء التي كانت تتعاطف وتدعم المشروع الصهيوني ، عملت بريطانيا ودول الغرب على صدور قرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة يعطي الحق لليهود بإقامة دولة في فلسطين .
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد ، حيث رفضت الدول العربية هذا القرار ودخلت في حرب شكلية وارتجالية مع الحركة الصهيونية ، وكانت نتيجتها استحواذ اليهود على أكثر مما أعطاهم قرار التقسيم ، وتحول الفلسطينيون إلى جموع لاجئين أو إلى خاضعين للاحتلال .وتوالت النكبات على الشعب الفلسطيني التي لم يكن له يد بها .فمنذ الخمسينات ظهرت الحركة القومية العربية ودخلت في مواجهات مع الدولة الصهيونية والاستعمار وكانت أسوأ هذه المواجهات هي حرب يونيو 1967 وما نتج عنها من احتلال إسرائيل لبقية فلسطين التي كانت تحت سيادة الأردن ومصر ،ودفع الشعب الفلسطيني الثمن .وكان من ضمن هذه التحولات والأحداث الدولية ،تحالف الحركة القومية والثورية العربية وحركة المقاومة الفلسطينية مع المعسكر الاشتراكي الذي انهار وترك حلفائه وجها لوجه أمام الحركة الصهيونية وحليفها الغرب المنتصر بدون حرب .
أما الأمر أو السبب الثاني ، فهو يرتبط بشكل ما بالسبب الأول ،حيث أن الشعب الفلسطيني ومنذ بداية المخطط الصهيوني في بداية القرن ،كان غالبا مقتادا بقيادة غير فلسطينية ،حيث من المعروف انه لم يعترف له بقيادة وطنية فلسطينية متحررة من الوصاية العربية إلا عام 1974 ،حين تم الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلا شرعيا ووحيدا ، ومع ذلك فهذا التمثيل كان شكليا ،لان المنظمة لم تكن لها السيادة على الشعب ولا على الأرض ، من جهة أخرى انه أصبحت له قيادة وطنية ولكن بعد أن ضاعت الأرض ،وحتى الشرعية الدولية وقراراتها لا تعترف ولا تخاطب منظمة التحرير كجهة ذات سيادة .
لقد ورثت القيادة الفلسطينية إرثا ثقيلا ومع إنها قادت حركة تحرر وطني منذ منتصف الستينات ، حيث الشرعية الدولية تعترف بحركات التحرر وتتبنى سياسة تصفية الاستعمار ،إلا أن خصوصية الوجود الصهيوني في فلسطين والعلاقات الخاصة ما بين إسرائيل والغرب المتحكم بالعالم وبالنظام الدولي ،والعلاقات الخاصة ما بين اليهودية والمسيحية ، كل ذلك جعل استناد حركة التحرر الفلسطينية على الشرعية التاريخية في المطالبة بحقوق الشعب الفلسطيني ،لا تجد استجابة من المنتظم الدولي وحتى من الحلفاء الاستراتيجيين -المعسكر الاشتراكي - ،وكان من الممكن أن يكون الوضع الفلسطيني أفضل لو تعامل الفلسطينيون والعرب بعقلانية مع قرارات الشرعية الدولية في وقت صدورها ،حيث كان الوضع الفلسطيني والعربي اكثر قوة والوضع الدولي كان مهيئا لإلزام الكيان الصهيوني على التعامل بجدية مع قرارات الشرعية الدولية .جاء القبول الفلسطيني بقرارات الشرعية الدولية في وقت لم تعد الشرعية الدولية هي الشرعية الدولية ، والعرب لم يعودوا هم العرب ، والفلسطينيون لم يعودوا هم الفلسطينيون ، فكان التهرب الإسرائيلي والأمريكي من الالتزام بقرارات الشرعية الدولية ، وفرض مرجعية جديدة وشرعية جديدة وهي المرجعية والشرعية التفاوضية ، التي كانت أساس ما يطلق عليه مسلسل السلام في الشرق الأوسط.


الفصل الثالث
هل يمكن للذين انهزموا عسكريا أن ينتصروا سياسيا_
- وهم السلام العادل -


لا شك أن الهزائم العسكرية و الأزمات الاقتصادية تشكل خطرا داهما على الشعوب ولكنها ليست أخطر ما يهدد وجود ومستقبل الشعوب ، إن ما يهدد وجود ومستقبل الشعوب هو غياب قيادة وطنية حكيمة وراشدة وفقدان الأمة ثقتها بنفسها وتشككها بعدالة قضاياها المصيرية وتخليها عن قيمها ومعتقداتها وذاكرتها الجمعية التي هي ضميرها الحي، فالحرب كر وفر، نصر وهزيمة أو ( يوم لنا ويوم علينا)، وفي الحالة العربية فان مكمن الخطر والخلل في الوضع العربي يكمن في أن العرب أمة واحدة على مستوى الشعارات وعلى مستوى الأحاسيس الشعبية ، ولكنهم أمم على مستوى الواقع الرسمي والسلوك السياسي والمصالح القطرية،أمة باثنين وعشرين زعيم لا يتوفر غالبيتهم من مواصفات الزعامة إلا على حب السلطة ، ولأن الضمير الجمعي للشعب العربي لا تجسده قيادة واحدة أو استراتيجية واحدة فإن العرب يخاطبون العالم باثنين و عشرين لسان واثنين وعشرين سياسة واثنين وعشرين مصلحة.
وعليه، فإن خسارة الحروب العسكرية والتخبط في الأزمات الاقتصادية وفقدان المكتسبات الدولية ما هي إلا نتائج كان لا بد أن تقع مادام العرب لا يعرفون ماذا يريدون أو بالأصح كل نظام يعرف ماذا يريد كنظام ودولة، ولكنهم كـأمة عربية واحدة لا يعرفون ماذا يريدون أو غير مؤمنين بشيء يسمى المصلحة القومية، فالخطاب الرسمي العربي كان -وما يزال-خطابا زائفا لا يعبر عن حقيقة السياسة الرسمية .
لقد خسر العرب والمسلمون حروبهم العسكرية والدبلوماسية لأنهم خاضوها بجيوش وليس بجيش واحد، بتصورات وأهداف وليس بتصور أو هدف واحد، خسروها لأن الأنظمة تسعى لتحقيق أهدافها ومصالحها القطرية وحفاظا على العروش والمراكز، كان رفعها شعارات القومية والإسلام وتنديدها بالصهيونية والإمبريالية ودعوتها للحرب ... ،ليس إيمانا بما تقول ،إنما لتملق الجماهير ومداهنتها ،ليس من أجل المصلحة القومية العربية الواحدة التي لا يؤمن غالبيتهم بها،بل من أجل مصالح النخبة الحاكمة .وكانت آخر المعارك الفاشلة هي ما يسمونه (معركة السلام) أو هي مهزلة السلام، فهل يعقل أن من ينهزم في معارك عسكرية ومعارك التنمية الاقتصادية أن يكسب في معركة الدبلوماسية والتفاوض وان يستعيد على طاولة المفاوضات ما خسره في ساحات المعارك؟
وهل يمكن لنفس القيادات والأنظمة ولنفس الأوضاع والبنيات السياسية والاقتصادية المهزومة والفاقدة لمصداقيتها الشعبية والدولية أن تربح معركة السلام !



المبحث الأول
القضية الفلسطينية في عالم متغير.

إن من العبث تقييم أو مقاربة ما يسمى بمسلسل السلام الذي دشنته الدعوة الأمريكية لعقد مؤتمر للسلام في الشرق الأوسط في مدريد اكتوبر1991 بعد حوالي عقد من الزمن اعتمادا على المفاهيم القانونية أو الأخلاقية والإنسانية لمصطلح السلام ، ولكن المقاربة يجب أن تقوم على أهداف الأطراف المتقابلة وموازين القوى بين الأطراف، فهناك محاور صهيوني واحد يتكلم بسياسة واحدة واستراتيجية واحدة وعقيدة واحدة وهدف واحد. محاور يعرف ما يريد ويملك ما يمكنه من تحقيق ما يريد، ويعمل في ظروف داخلية وخارجية تساعده على تحقيق ما يريد،أما الطرف الثاني - وبالأصح الأطراف العربية - فهم محاورون وليس محاورا واحدا ،لا تجمعهم سياسة واحدة ولا استراتيجية واحدة ولا عقيدة حقيقية أو إيديولوجية واحدة، كل طرف دخل مسلسل التسوية -أو بالأصح أُعطى له دور في المسلسل - لغرض خاص به ولتحقيق مصلحة خاصة لا تربطها بجوهر القضية الفلسطينية رابطة، وغالبيتهم ذهبوا ليساوموا على القضية الفلسطينية ليبيعوها للولايات المتحدة والكيان الصهيوني مقابل مساعدات مالية للبعض، وشحنات أغذية لآخرين وصفقات أسلحة للبعض الآخر، وضمانات أمنية لطرف رابع، أو دخلوا التسوية نكاية وانتقاما من القيادة الفلسطينية بالنسبة لآخرين ... الخ.
إن العرب الذين ذهبوا إلى مؤتمر السلام في مدريد بداية إنما ذهبوا لحل مشاكلهم وتحقيق مصالحهم وليس لتحقيق المصلحة الفلسطينية أو استعادة حقوق الشعب الفلسطيني، إنه مؤتمر لم تكن له علاقة بالقضية الفلسطينية كقضية مصيرية للامة العربية ولا بسلامة الشعب الفلسطيني،وكما استغل البعض اسم فلسطين وقت( الحرب) لخدمة أهداف لا علاقة لها بتحرير فلسطين ،فقد استغل آخرون اسم فلسطين وقت التسوية لتحقيق مصالح هي ابعد ما يكون عن خدمة الشعب الفلسطيني ،ولم يجرؤ أحد على الاعتراف بالحقيقة بأنه مؤتمر سعى لسلام وسلامة الكيان الصهيوني ولضمان المصالح الأمريكية في المنطقة العربية ومصالح الأنظمة العربية الحليفة لها وتصفية القضية الفلسطينية بحضور الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على الشعب الفلسطيني منذ أن كانت قضية تسمى القضية الفلسطينية .
حاول كل طرف في الساحة العربية أن يلقي على الطرف الآخر أو على قوى خارجية المسؤولية عن حالة التردي التي أوصلت العرب لان يتخلوا عن لاءآتهم المعروفة ويتسابقوا للاعتراف بإسرائيل وتسليم مفاتيح حل القضية للولايات المتحدة. فمن قائل إن السيطرة اليهودية على مراكز القرار في العالم هي السبب لأن اليهود من خلال هذه السيطرة وظفوا سياسات الدول الكبرى لصالحهم،ومن قائل أن الولايات المتحدة الأمريكية هي رأس الحية والمسؤولة عن كل ما أصاب العرب ، ومن قائل أن التحولات في أوربا الشرفية والاتحاد السوفيتي هي السبب، وإن العرب يدفعون ثمن تحالفهم مع أصدقاء غير مخلصين، ومن قائل إن الأنظمة العربية هي التي تآمرت على القضية الفلسطينية ولم تلتزم بواجبها القومي حيال القضية ،ومن قائل إن التخلف العربي من فقر وأمية وتردي الأوضاع الاقتصادية، هو السبب والمسؤول عن خسارة القضية ،ومن قائل أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن أمينة على القضية وانساقت وراء الأنظمة والنضال المريح في القصور والفنادق الخ،ومن قائل أن العرب كانوا يعيشون في وهم ويتخيلون انه يمكن القضاء على إسرائيل بجولة قصيرة من جولات الحرب دون أن يحرك العالم ساكنا ،وجاء الغزو العراقي للكويت ورد الفعل الأمريكي والدولي العنيف كرسالة قوية انه غير مسموح بإلغاء دولة عن الخريطة بالحرب ، فكيف إن كانت هذه الدولة إسرائيل !
ونظرا لأن الفلسطينيين هم الطرف الضعيف في المعادلة فقد تم تحميلهم وزر ما جرى ويجري والتغاضي عن كل الأسباب الأخرى . فحتى تفك بعض الأنظمة العربية التحالف والتعاطف بين الشعب العربي والقضية الفلسطينية، وحتى تبرر هذه الأنظمة تخليها عن التزامها القومي ومسئوليتها الفعلية عن ضياع حقوق الشعب الفلسطيني، عملت وما تزال على تشويه صورة الشعب الفلسطيني، قيادة ،وشعبا، وقضية، و التشكيك بكل نضالاته وتاريخه، وترويج الإشاعات المغرضة والدنيئة التي يسعون من ورائها إلى إقناع شعوبهم أن الفلسطينيين لا يستحقون أن يضحي العرب من أجلهم وأن الفلسطينيين غير مخلصين لقضيتهم. إنهم يريدون أن يكون الشعب الفلسطيني كبش فداء هذه المرحلة الرديئة من تاريخ العرب!
وحتى يمكن فهم هذا التحول الخطير الذي أصاب القضية الفلسطينية بكل أبعادها الفلسطينية والعربية والإسلامية والدولية، يستحسن استلهام مقولة للمفكر الفرنسي فولتير حيث يقول : (قبل أن تتحدث معي حدد مصطلحاتك)، والمصطلح هنا هو (القضية الفلسطينية) إنه السهل الممتنع.
قد يستغرب البعض الأمر ويقول هل القضية تحتاج إلى تعريف ؟ . والرد موجود في ما يسمى بمسلسل السلام، حيث إنه وبعد سنوات من انطلاقته لم يتفق المتحاورون على القضية التي يريدون إيجاد حل لها، أو بشكل أدق، إن كل طرف دخل المسلسل وفي ذهنه تصور خاص للقضية، وهدف خاص ،والإسرائيليون والأمريكيون أرادوا أن يُفقدوا القضية بداهتها ومركزيتها كقضية العرب والمسلمين الأولى ،وخلق صراع عربي/ عربي حول تعريف القضية وسلم الأولويات، كانت الصعوبة التي واجهت دعاة التسوية هي تحديد المشكلة وتحديد المقصود بالقضية الفلسطينية التي يراد تسويتها .والى اليوم مازالت مواضيع عليها خلاف إن كانت جزء من القضية الفلسطينية أم لا كموضوع التطبيع والعلاقات الاقتصادية مع إسرائيل وقضية المياه الخ وهل المرجعية هي قرارات الشرعية الدولية أم الحقوق التاريخية والدينية أم الشرعية التفاوضية؟.

القضية الفلسطينية ... قضايا في قضية
القضية الفلسطينية فريدة من نوعها بين حركات التحرير في العالم وبالنسبة لقضايا تصفية الاستعمار وحق الشعوب في تقرير مصيرها. إنها القضية الوحيدة التي يتداخل فيها الوطني مع القومي، الإقليمي مع الدولي، ويتداخل فيها الماضي مع الحاضر، الديني مع السياسي، والمصالح مع المبادئ وشرعية القانون مع شريعة الغاب _ إنها بتعبير أوجز قضية إشكالية حلها تكمن في تعقدها، وعليه فإنها قضية يصعب قياسها على قضايا أخرى أو استلهام حلول لها من قضايا مشابهة (فلا قياس مع وجود الفارق) ،وحتى على مستوى الشرعية الدولية، فإن الأمر يبدو وكأن هذه الشرعية تصلح لكل شيء إلا لحل القضية الفلسطينية، حيث أن الصهاينة ويؤيدهم في ذلك حلفاؤهم في الغرب ، يرون أنهم يستمدون شرعية وجودهم من مصدر أعلى وأسمى من الشرعية الدولية، من شرعية أسطورية دينية تقول أنهم شعب الله المختار ،مدعومة بشرعية القوة العسكرية والاقتصادية والإعلامية العالمية .
وحتى على مستوى التسمية والتوصيف، فإن القضية الفلسطينية شابها هذا التداخل والغموض، التحديد الدقيق أحيانا، والتسطيح المبالغ فيه حينا آخر، وإن كان الإنسان العادي لا يعير التفاتا للمسميات مادامت تدل في نظره على قضية واحدة يعتقد أنها معروفة وأن الآخرين يشاطرونه نفس التصور، فإنه في الواقع، كل تسمية تعكس تصورا للصراع فليست التسميات دائما عفوية وبريئة، بل إنها ذات حمولة سياسية ومصلحية وعقائدية، فكل طرف عندما يطلق تسمية محددة على النزاع فإنه يرمي إلى تحديد إطار خاص وتعريف خاص للقضية حتى يمكنه أن يطرح مواقفه وحلوله المقترحة حول النزاع.
فإذا كانت القضية وخلال الثلاثة عقود الماضية قد تموضعت عربيا ودوليا كقضية دولية تندرج في إطار حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني في إطار الشرعية الدولية، فإن التعامل مع القضية لم يكن على نفس الدرجة من جانب كافة الأطراف، لتعدد التفسيرات والتأويلات للقرارات أو المبادئ المراد تطبيقها على القضية.
وهكذا نجد من يطلق على القضية اسم (القضية الفلسطينية) وآخرون يطلقون عليها اسم الصراع العربي - الصهيوني ، وأحيانا الصراع العربي - الإسرائيلي - وأخيرا أصبحت تسمى الصراع الفلسطيني -الإسرائيلي، والتسمية الغالبة دوليا الصراع في الشرق الأوسط، إن كل تسمية من هذه المتسميات تنطلق من مرجعية مفاهيمية وإيديولوجية خاصة للصراع، وتضمر تصورا مسبقا له.
فالقول بأن الصراع عربي - صهيوني ليس هو بنفس معنى أن الصراع فلسطيني - إسرائيلي، فالأول من بقايا العهد القومي ويعبر عن تصور قومي للصراع، صراع الأمة العربية ضد الحركة الصهيونية العالمية، وبالتالي يتضمن التزاما ومسؤولية عربية في القضية، بينما الثاني يعكس ويعبر عن مرحلة التخلي العربي عن القضية الفلسطينية بحجة الاستقلالية الفلسطينية، إنه تقليص للصراع إلى صراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين يكون فيه العرب مجرد متعاطفين ومساندين وأحيانا محايدين في الصراع.
كما أن القول إن الصراع عربي - صهيوني يختلف عن القول إنه صراع عربي - إسرائيلي، فالصهيونية في أطماعها وتطلعاتها ومراكز هيمنتها اشمل وأبعد مدى من دولة إسرائيل، إنها تشمل إسرائيل الحالية وإسرائيل الكبرى والصهيونية العالمية. أما بالنسبة لتسمية الشرق الأوسط فهي تسمية ترمي إلى تغييب حقيقة الصراع، كمؤامرة ضد الأمة العربية ومصالحها واستقلالها وضد الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية، إنها تسمية وإن كانت تدعي الحياد، فإنها في الحقيقة تروم أن تسوي في الحقوق بين أطراف غير متساوية وتعوم الصراع لتزيد في تعقيده وتشابك خيوطه، حتى إن جاء وقت الحل تحول الطرف الرئيسي في الصراع - الشعب الفلسطيني - إلى طرف ثانوي أو أحد الأطراف أو قد يغيب نهائيا، مادامت القضية قضية الشرق الأوسط كله ،و منطقة الشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم إثارة للمشاكل ففيها تتعدد الأعراق والطوائف، وفيها تتداخل الحدود والمصالح، كما أنها فيها النفط والممرات الاستراتيجية، والمياه الخ، وبالتالي تصبح القضية الفلسطينية مجرد جزئية لا تستحق كثير اهتمام ! .
بفعل هذا التداخل وتشابك المصالح والقوى فإن الشعب الفلسطيني - ومنذ أن وجدت القضية الفلسطينية كقضية كفاح من أجل الاستقلال وحق تقرير المصير - لم يكن هو الفاعل الوحيد في رسم إطار الصراع وتحديد أهدافه وأبعاده، بل كان طرفا ضمن أطراف متعددة عربية ودولية .لا شك أن الشعب الفلسطيني هو المعني اكثر من غيره بالصراع بفعل وقوعه مباشرة في بؤرة الحدث وبفعل كونه الأكثر تضررا من مجريات الأحداث ،إلا أن دوره كفاعل كان مقيدا ومحكوما بالفاعلين الآخرين وبموازين القوى التي يصنعونها ،وكنتيجة لذلك أيضا، فإن النكسات والهزائم التي تعرضت لها القضية الفلسطينية خلال مسيرتها الطويلة وعبر محطاتها المأساوية البارزة 1948/1967/1970/1982/1990 لم تكن نتيجة لتقاعس أو تقصير الشعب الفلسطيني وحركته الوطنية بل كان للأطراف الأخرى العربية والدولية المصنفة ضمن معادلة الصراع دور رئيس في حدوثها وتحمل مسئوليتها، كذلك الأمر بالنسبة للإنجازات السياسية التي تحققت، فلم يكن مرجعها فقط النضال الفلسطيني بل لعبت الأطراف الأخرى دورا في تحقيقها أو في تضخيمها.
ويمكن القول إن القضية اختزنت في ثناياها أربع قضايا أو مشاريع أو هي حصيلة لهم:
المشروع الأول : المشروع الوطني الفلسطيني الرافض للوجود الصهيوني في فلسطين والمتطلع للاستقلال ، إنه المشروع الذي يقف في الصدارة عند الحديث عن القضية الفلسطينية فهو عمادها وجوهرها وعمودها الفقري، وقد تجسد هذا المشروع في الثورات المتواصلة للشعب الفلسطيني منذ وعد بلفور عام 1917 بل قبل ذلك، مع الانتفاضات والثورات التي خاضها الفلسطينيون لوحدهم أو بالتنسيق مع أشقائهم العرب. ويعد الميثاق الوطني الفلسطيني المرجع الوحيد المعبر عن تطلعات الشعب الفلسطيني والملزم له.
المشروع الثاني : المشروع القومي الوحدوي العربي وهو مشروع الشعب العربي الذي يسعى إلى الوحدة القومية والتحرر من الهيمنة الأجنبية ، والملاحظ أن ظهور المشروع القومي الوحدوي تساوق مع بداية ظهور الحركة الصهيونية والأطماع الاستعمارية في المنطقة العربية، وليس بالمصادفة أن يتزامن ظهور الثورة العربية الكبرى -1915- واتفاقية سايكس - بيكو 1916 ووعد بلفور 1917.وهكذا أصبح الخطر الصهيوني وما يشكله من تهديد للأمة العربية ووحدتها جزءا لا يتجزأ من فكر الحركة القومية وأهدافها النضالية، وأصبحت القضية الفلسطينية هي القاسم المشترك بين كل الحركات والتنظيمات والأنظمة القومية العربية، وأصبح تحرير فلسطين هو الهدف المشترك لها (على مستوى الشعارات والبرامج المعلنة).
لقد اعتبرت فلسطين القاسم المشترك الذي يجمع القوميين العرب حولها وذلك من منطلق أن المشروع القومي الوحدوي العربي لا يكتمل إلا بتحرير فلسطين و أن النضال من أجل الوحدة يجب ان يكون متساوقا مع النضال من أجل تحرير فلسطين (فالفلسطينية) بمعنى تأكيد استقلال وعروبة فلسطين كان مدخل أي نضال قومي عربي، وما كان لعربي أن يدعي الانتماء للعروبة وللقومية العربية إن لم يعتبر تحرير فلسطين واجبا قوميا.
المشروع الثالث : المشروع (النهضوي الإسلامي) ، نظريا جمعت فلسطين والقدس الشريف بما تمثلانه من رموز دينية وبما تجسدانه من معان روحية عميقة لدى المسلمين كافة، كل المسلمين عرب وغير عرب، أصوليين محافظين أو ثوريين جهاديين، حيث رفعت كل الحركات الإسلامية شعار تحرير فلسطين والقدس الشريف، وتضمن خطاب الأنظمة الإسلامية مما يؤكد التزامها بعروبة القدس ورفض تهويدها ولكن على مستوى الممارسة تفاوت العطاء وتباينت أساليب التعامل فهناك من المسلمين من اكتفى بالدعوات الصالحة للشعب الفلسطيني وهناك من رأى أن طريق تحرير فلسطين لا تمر القدس بل عبر كابول وكشمير بل حتى نيويورك وواشنطن .
المشروع الرابع : المشروع التحرري العالمي :حيث كانت حركة التحرر العالمية تلتقي مع كل من المشاريع الثلاث على قاعدة معاداة الصهيونية والإمبريالية ومحاربة الاستعمار بكل صوره وأشكاله، هذا المشروع الذي ظهر منذ انتصار الثورة الاشتراكية في روسيا 1917 وتقوي بعد الحرب العالمية الثانية في مرحلة الحرب الباردة بين المعسكرين الاشتراكي والغربي، وأصبح يحسب له حساب ويأخذ امتدادا عالميا منذ الستينات مع ظهور سياسة تصفية الاستعمار والتحرر من نفوذه.
وقد كان على رأس حركة التحرر العالمية الاتحاد السوفيتي والصين وبقية مجموعة دول المسكر الاشتراكي والتي دعمت ومدت حركات التحرر في العالم الثالث بما فيها حركة التحرر العربية وعلى رأسها حركة المقاومة الفلسطينية بالمال والسلاح ونسجت معها علاقات (استراتيجية) عسكرية وسياسية اقتصادية وكانت اكبر نصير لها داخل هيئة الأمم المتحدة.
هذه المشاريع الأربعة كانت تتداخل مع بعضها البعض، تقترب من بعضها أحيانا فتعطي للقضية دفعة إلى الأمام ،أو تتنافر وتتصادم فتنتكس القضية الفلسطينية ، في مقابل ذلك فإن الشعب الفلسطيني الذي هو رأس حربة والحلقة المركزية لهذه المشاريع وجوهر القضية ،لم يكن يواجه قوة عادية أو عدوا ضعيفا، بل كان وما يزال يواجه تحالفا عدوانيا جبارا ،يواجه المشروع اليهودي الديني الأسطوري الداعي للعودة إلى (أرض الميعاد)، يواجه مشروع الصهيونية السياسية المتطلعة إلى إقامة إسرائيل الكبرى المهيمنة على المنطقة العربية بل وعلى منطقة الشرق الأوسط، ويواجه المشروع الاستعماري الإمبريالي الهادف إلى السيطرة على المنطقة العربية لما تحتويه من مواقع استراتيجية وخيرات تختزنها باطن الأرض، ويواجه مشروعا صليبيا مضمرا حاقدا على الإسلام والمسلمين.
وبالرجوع إلى الميثاق الوطني الفلسطيني الذي حدد أهداف الشعب الفلسطيني، نجد أن تحديد الشعب الفلسطيني لأهدافه الاستراتيجية- تحرير كامل التراب الفلسطيني وتصفية الوجود الصهيوني في فلسطين - لم يكن اعتمادا فقط على قوة وقدرة الشعب الفلسطيني على تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية بل كان يأخذ بعين الاعتبار القوى الحليفة الأخرى المكونة للمشاريع الثلاث التي كان يعتقد أنها في خندق المواجه، فالثورة الفلسطينية اعتبرت نفسها طليعة الأمة العربية وحركة التحرير العالمية .
فلا غرو إذن أن الحركة الوطنية الفلسطينية كانت تدرك أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب توفر الشروط الأربعة - الوطني والقومي والإسلامي و الأممي - وإن أي إخلال بشرط من هذه الشروط أو ترجع أي طرف عن التزامه سينعكس سلبا على القضية الفلسطينية. فكان لغياب الشرط الفلسطيني قبل 1964 أثر سلبي على مسار القضية، وغياب الشرط القومي العربي وتراجعه بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد اثر بشكل خطير على القضية الفلسطينية ،كما أن تراجع مكانة حركة التحرر العالمية و انهيار(المنظومة الاشتراكية) شكل ضربة قاسية للشعب الفلسطيني .
كان توازن هذه المشاريع الأربعة وتوافقها ولو على قاعدة الحد الأدنى هو الذي يحكم القضية الفلسطينية خلال العقود الأربعة الماضية، سواء في حالات احتدام الصراع والحرب أو في مرحلة البحث عن حلول سلمية للصراع، حيث كان لكل طرف مصلحة في استمرارية (التحالف) أو التنسيق فيما يتعلق بالشأن الفلسطيني إما من منطلق المصلحة المشتركة في مواجهة عدو مشترك أو لمصلحة خاصة لكل طرف ، وكانت الثورة الفلسطينية معنية أكثر من غيرها في الحفاظ على الترابط والتنسيق بين المشاريع الأربعة ولو على قاعدة الحد الأدنى وكانت تسعى إلى تعوض أي نقص في فاعلية أداء أي بعد من الأبعاد الأربعة بتقوية وتعزيز فاعلية الأبعاد الأخرى. فغياب وانتكاسة المشروع القومي بعد حرب 67 تمت محاولة تعويضه بتقوية المشروع الفلسطيني وتصعيد الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني وانتكاسة المشروع الوطني الفلسطيني بعد أحداث أيلول 1970، تم تداركه بتقوية الوجود الفاعل للقضية على المستويين العربي والدولي، كما أن انتكاسة المشروع القومي العربي بدءا من توقيع اتفاقية كامب ديفيد جرت محاولة التقليل من مخاطرة بتقوية المشروع الوطني الفلسطيني وبتفعيل دور المشروع التحرري العالمي سواء على مستوى تعزيز مكانة القضية الفلسطينية بين دول العالم أو تفعيل قرارات الشرعية الدولية ومكانة م.ت.ف. داخل الأمم المتحدة وفي المنظمات الدولية الأخرى، إلا أن ما لم يخطر على بال المخططين داخل م.ت.ف أن تحدث الانتكاسة على كافة المستويات...انتكاسة المشرع القومي الوحدوي العربي أو وصوله إلى طريق مسدود،وانهيار ما سمى بحركة التحرر العالمية تحت قيادة ما كان يسمى بمنظومة الدول الاشتراكية وما رافق هذا الانهيار من تغير في موازين القوى داخل هيئة الأمم المتحدة لغير مصلحة الشعب الفلسطيني،والمشروع النهضوي الإسلامي بالرغم من استماتته في وضع حد لحالة السلبية والانحطاط واليأس التي يتخبط فيها الإنسان العربي، إلا أن حالة التناحر والتشتت داخل القوى الإسلامية وعدم وضوح برنامجها السياسي، وقوة المعارضة التي جوبهت به سواء من داخل العالم العربي أو من خارجه، جعل المشروع النهضوي الإسلامي أمام اختيار عسير_(2). وما نتج عن كل ذلك من تضييق على العمليات الاستشهادية باسم مكافحة الإرهاب .
ونتيجة لكل ذلك انتاب الارتباك المشروع الوطني الفلسطيني وأفقدت شدة الضربات الحركة الوطنية الفلسطينية توازنها أو كادت ، حيث انفردت إسرائيل بكل ما لها من قوة وتحالفات بالشعب الفلسطيني. ووجد الفلسطينيون أنفسهم وحدهم في ميدان المواجهة، في ظل اختلال بينً في موازن القوى، اختلال هائل ما بين قدرات الشعب الفلسطيني المحُتلة أرضه والمُشرد في بلاد الغربة والمحاصر داخل الأرض المحتلة وخارجها، وبين قدرات العدو الصهيوني. وجد الشعب الفلسطيني أن إمكاناته وقدراته وحتى في ظل إبداعات وتضحيات وعظمة الانتفاضة، أعجز من أن تحقق أهدافه الوطنية، وهي الأهداف التي وضعت وخُطط لها اعتمادا على تضافر وفاعلية الشروط الأربعة، الوطني الفلسطيني والقومي العربي والنهضوي الإسلامي والتحرري العالمي وليس اعتمادا على قدرات الشعب الفلسطيني لوحده.
في مقابل ذلك كان الحلف المعادي يكتسح المواقع ويضخم قدراته، فاليهودية تستعيد سطوتها واحترامها في الغرب وفي العالم ، والصهيونية تتقوى وتتعزز مكانتها بفعل التفاف اليهود حولها وسقوط مقولة (اليهودية غير الصهيونية ) التي روج لها بعض العرب حتى اعتقد البعض أن حقوق الشعب الفلسطيني ستعاد على أيدي اليهود غير الصهاينة، أمثال يوري افنيري وغيره وتتقوى الصهيونية بفعل سطوتها المادية والاقتصادية والإعلامية في العالم أجمع 3، والمشروع الاستعماري الإمبريالي يستعيد أمجاده الغابرة وتفرض الدول الغربية سطوتها وسيطرتها على دول العالم الثالث ضمن أشكال جديدة من تحالفات وتعاقدات بريئة المظهر واستعمارية الجوهر والصليبية عادت لتحشد حولها أحقادا تاريخية ودينية لعنصريين ومهووسين وحاقدين، ولتعمل طعنا بالإسلام وبالمسلمين تحت شعارات ومشاريع تدعي أنها إنسانية وأخلاقية وهي أبعد ما تكون من الإنسانية والأخلاق.
جاهدت الدبلوماسية الفلسطينية خلال عقد الثمانينات -كما بينا في الفصلين السابقين -أن تحافظ ولو على الحد الأدنى من دعم حلفائها التقليديين ،ولكن دون جدوى ، وكانت مضطرة أن تتعامل مع المشكلة في إطارها الوطني الفلسطيني فقط وفي حدود الإمكانات الفلسطينية مع ما يعنيه وضع الشعب الفلسطيني في مواجهة إسرائيل وإمداداتها العالمية من اختلال هائل في موازين القوى .وجاءت حرب الخليج الثانية والدعوة إلى مؤتمر مدريد ليكرسا حقيقة مرة وهي أن على الفلسطينيين أن يتعاملوا مع القضية في إطارها الوطني الضيق وان لا يراهنوا كثيرا على حلفاء ألامس ، وكما قالها أبو عمار في ساحة الحرب مع إسرائيل(يا وحدنا ) كان عليه أن يكررها في ساحة المواجهة السياسية ،وكانت نتيجة(يا وحدنا) اتفاقية أوسلو وما تلاها .

سلام أم تسوية سياسية ؟
لو أردنا أن نمرحل القضية الفلسطينية أو الصراع العربي - الإسرائيلي حسب الفكر السائد حول استراتيجية حل الصراع، لصنفت الحقبة الحالية والممتدة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 1991 - مؤتمر مدريد -إلى اليوم بأنها مرحلة التسوية السياسية، والفكر الغالب فيها هو فكر التسوية بكل ما تحمله الكلمة من إقصاء للخيارات الأخرى .
لقد تراجعت إلى الوراء استراتيجية التحرير الكامل، وحرب الشعب واصبح الفكر الذي كان يعتبر التسوية ونهج التسوية بمثابة الخيانة الوطنية والقومية، وضربا من الخوض في المحرمات 4( )_، جزءا من فكر تجاوزه الزمن، ومتخلف، في منظور دعاة التسوية اليوم. فالحديث عن استراتيجية التحرير الكامل، بل أي حديث عن خيار الحرب لمواجهة العدو واستعداده الحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة، يعتبره دعاة التسوية اليوم، مظهرا من مظاهر التخلف الحضاري والجمود الفكري. ورمزا من رموز حقبة عربية حملوها السبب في ما وصل إليه الوضع العربي بشكل عام والقضية الفلسطينية بشكل خاص.
لا شك أن منطق الصراع -أي الصراع - يتضمن التسوية كحل مؤقت له، فلا صراع يبقى مفتوحا إلى ما لا نهاية، بل لابد من وضع حد له بتسوية ما، أيضا قد يقول قائل أن الحديث عن التسوية ليس بالشيء الجديد، فقد جرى الحديث عن مشاريع للتسوية منذ بداية المشكلة الفلسطينية، وقبِل العرب بعضها، بل كانت لهم مشاريعهم الخاصة للتسوية، فقبول عبد الناصر بمشروع روجرز هو قبول بشكل من أشكال التسوية، والبرنامج المرحلي - برنامج النقاط العشر الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية عام 1974 - هو مشروع تسوية، وقبول قراري 242، و 338 هو قبول بتسوية واتفاقية كامب ديفيد بين مصر والكيان الصهيوني هي تسوية، بل أنها المنطلق والقاعدة التي هيأت الوضع العربي ماديا ونفسيا لقبول منطق التسوية. وكذلك الأمر مع مشروع الملك فهد، وكل المشاريع الأمريكية والسوفيتية والأوروبية والأممية.
إذن فإن فكرة التسوية ليست بالأمر المستجد بالنسبة للصراع العربي الصهيوني، كما أن هذا الصراع لا بد له من نهاية، إلا أن الظروف المصاحبة لنهج التسوية اليوم سواء على الساحة الفلسطينية أو الوضع العربي وانهيار النظام العربي على إثر حرب الخليج أو متحولات النظام الدولي، هي ظروف تعكس الاختلال الواضح في موازين القوى لصالح العدو الصهيوني، و هي غير الظروف التي كانت مصاحبة لمشاريع التسوية السابقة وبالتالي فإن فكر ومشاريع التسوية المطروحة اليوم أكثر خطورة من سابقاتها. فالأوضاع الفلسطينية العربية والدولية السابقة كانت أفضل حالا مما هي اليوم، الأمر الذي كان يحكم مسار التسوية في إطار الحلول المؤقتة التي لا تتناقض مع المصالح والحقوق الفلسطينية و القومية للأمة العربية، بحيث كانت تلبي الحدود الدنيا من هذه الحقوق دون التفريط بما لم يتحقق. أما اليوم فإن خطورة نهج التسوية تكمن في أن هذه التسوية مفروضة لا خيار للعرب في رفضها. لقد ولى الزمن الذي كان العرب والفلسطينيون يتمسكون بمبدأ «كل شيء أو لا شيء» ويتعاملون مع فكر التسوية كنقيض لفكر التحرير وحيث كانوا لا يرون إمكانية تسوية إلا انطلاقا مما تصوغه مواثيقهم القومية والوطنية بمعزل عن العالم المحيط بهم ، وأصبح فكر التسوية اليوم وبفعل الهزائم المتوالية والفشل المتكرر لمعارك العرب وحروبهم وبفعل المتحولات الدولية يوسم بالعقلانية والواقعية !،وينظر إليه كشكل من أشكال النضج وتطور الوعي ، وعليه يمكن القول إن قلة قليلة هي التي ترفض اليوم مبدأ التسوية، وبالتالي ترفض ضرورة المرور بحلول وسطي أو مرحلية .
إن المشكلة المطروحة اليوم ليس القبول بالتسوية أو عدم القبول بها، ولكنها تتمحور حول أي نوع من أنواع التسوية يُعرض على الفلسطينيين والعرب؟ وحول علاقة التسوية المطروحة بالحل السلمي الحقيقي والشامل وبالحقوق المشروعة . الخطورة التي تصاحب الاتفاقات الموقعة ما بين الفلسطينيين وإسرائيل ومجمل مل يسمى مسلسل السلام ، لا تكمن في أن م.ت.ف اعترفت بإسرائيل ولا تكمن في ضآلة ما حصل عليه الفلسطينيون، ولكن الخطورة تكمن في التعامل مع الاتفاقات باعتبارها تمثل حلا شاملا وعادلا للقضية الفلسطينية ، الخطورة تكمن في انفراد إسرائيل في تفسير وتكييف نصوص الاتفاقات كيفما تريد وكأنها تحاور وتفاوض نفسها، وما يصاحب هذا النهج من إعادة نظر في تاريخ بأكمله وفي حقوق وطنية فلسطينية اعترفت بها وبشرعيتها غالبية دول العالم.
إن التسوية وحسب التعاريف السياسية والقانونية المهتمة بالموضوع هي محصلة لموازين القوى الراهنة وقت إبرامها «أنها محصلة علاقات وقوى وحقائق فعل بين طرفين أو أكثر تخلق الإحساس بالحاجة للاتفاق على شيء ما بشروط ومواصفات مشتركة أو على الأقل مقبولة لدى جميع الأطراف».5
أو هي (الحل الوقتي الذي قد تقضي بالالتجاء إليه ظروف التو والساعة) والنظر إلى التسوية باعتبارها «الحل الوقتي» الذي تقضي به ظروف التو والساعة يختلف جذريا عن القول بأنها حل نهائي وشامل.6
إن التسوية تؤسس اعتمادا على موازين القوى، أي أن ما يتم الاتفاق عليه وما يحصل عليه كل طرف يستند إلى ما يملكه على أرض الواقع من عناصر القوة والتأثير، وبالتالي تستبعد من التسوية كامل الحقوق الوطنية التاريخية المشروعة أو المزعومة لكل طرف، أي أن التسوية بشكل آخر تؤسس على حق القوة وليس على قوة الحق. كما يجب الإشارة هنا إلى أن القول باستناد التسوية إلى موازين القوى لا يعني بالضرورة أن تكون موازين القوى الفعلية أو الحقيقية، بل موازين القوى كما يراها المعنيون والتي قد تكون راهنة أو مستقبلية محققة ، وقد تكون عسكرية أو اقتصادية أو مستمدة من علاقات وتحالفات دولية أو إقليمية .
ومن البديهي أن اقتراب التسوية من السلام العادل أو ابتعادها عنه مرتبط بدرجة التفاوت في موازين القوى بين الطرفين أو الأطراف المتنازعة، فكلما ازداد الاختلال في موازين القوى لحساب طرف على حساب الطرف الأخر كلما ابتعدت التسوية عن مفهوم العدالة أو السلام العادل واقتربت من مفهوم الاستسلام أو تسوية الأمر الواقع، حيث ليس في مقدور الطرف الضعيف إلا القبول بالشروط التي يفرضها الطرف القوي - وهذا هو حال التسوية الجارية اليوم في المنطقة العربية - ، أو بصيغة أخرى يمكن القول أن تحويل التسوية من مجرد فكرة أو رغبة غامضة أو (استسلام مشرف ) ، إلى ممارسة أو سلوك قريب من شروط السلام العادل يجب أن يتوفر على :
أ - توفر رغبة حقيقية لدى جميع الأطراف بالوصول إلى تسوية عادلة .
ب - اقتناع كل طرف أن التسوية لن تكون انتصارا مطلقا له ولا هزيمة مطلقة، وإذا شعر أي طرف أن حصيلة التسوية بالنسبة له تساوي صفرا، وبالتالي شعر الطرف الآخر أن التسوية بالنسبة له هي تحقيق كل شروطه، فالتسوية في هذا الأمر لن تكون إلا وثيقة استسلام.
ج- توفر قيادة سياسية لدى أطراف النزاع، قوية ومتماسكة وتحظى بالشرعية أو قادرة على التحكم في مسار التسوية وفي إقناع القوى المعارضة للتسوية بصحة وجهة نظرها ، وأن تكون مؤمنة بالقضية التي تتباحث بشأنها.
د - أن تنطلق المفاوضات المهيأة للتسوية في ظل تقارب في موازين القوى، أو أن تكون الأطراف المتفاوضة قادرة على تعديل موازين القوى أو تقتنع الأطراف الأقوى بأن الطرف الآخر يتوفر على إمكانات مستقبلية لتعديل موازين القوى، فيسعى لاستباق ذلك بتقديم بعض التنازلات .وعلى هذا الأساس فإن التسوية تتصف بالمرحلية والوقتية لأنها مبنية على موازين القوى التي هي بطبيعتها متغيرة وغير مستقرة على حال، كما أن التسوية تحكمها قيم ومفاهيم عسكرية وسياسية، واختلال الأوضاع العسكرية والسياسية يؤثر بطبيعة الحال على التسوية .
أما السلام العادل والشامل فهو السلام الذي تصنعه الشعوب، على عكس التسوية التي يصنعها غالبا القادة والسياسيون والعسكريون، والسلام يؤسس على مرجعية الحقوق الشرعية للأطراف المتصارعة، أي أنه يؤسس على قوة الحق، وإذا كانت التسوية المفروضة قد تجبر الشعب الضعيف على القبول بها والإذعان لشروطها، فإن هذا القبول والإذعان لا يعتد بهما لأنهما غير مبنيين على قناعة نفسية وعقلية .
والقول هنا بأن السلام هو الذي تصنعه الشعوب والتسوية هي التي تقيمها أو تصنعها القيادات، يرجع إلى حقيقة أن أي تصرف في الحقوق والمصالح الوطنية وخصوصا إذا كانت تمس وجود الوطن ومصير الشعب لا يكون مقبولا أو مشروعا إلا بقبول الشعب به، أما القيادات فهي لا تملك حق التصرف في هذه الحقوق الوطنية، وحقها ينحصر في التصرف في كيفية الحفاظ عليها أو تعزيزها في الظروف العادية، أو استعادتها في ظروف الاحتلال، والحقوق الوطنية لا تستمد شرعيتها أو وجودها من القيادات وما يوقعون من اتفاقات، بل القيادات هي التي تستمد شرعيتها من التزامها بهذه الحقوق.
قد يكون من السهل على مستوى التنظير والمفاهيم المجردة التمييز بين التسوية والسلام ،انطلاقا من اعتماد متغير موازين القوى، إلا أنه على المستوى الإجرائي والتطبيقي بالنسبة لنزاع محدد فإن هذا الوضوح أو هذه الحدود الفاصلة يصعب أحيانا تلمسها أو إدراكها، وخصوصا إذا كانت هناك مصلحة مشتركة لأطراف التسوية - النزاع - لإخفاء عنصر الإذعان والاستسلام، وإظهار الأمور وكأنها عملية سلام متكاملة قائمة على التراضي، وهذا في واقع الأمر هو حال التسوية التي تم التوصل إليها بين إسرائيل و.م.ت .ف ،أيضا بينها وبين الأردن ، فكل الأطراف المشاركة في التسوية متواطئة على إخفاء الحقيقة عن الشعب الفلسطيني، فالولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والدول الأوروبية ذات الفعالية في التسوية، كلها توظف إعلامها ودبلوماسيتها وأموالها لإقناع الإنسان الفلسطيني والعربي بأن ما يجري ليس تسوية مجحفة أو استسلاما، بل هو سلام عادل وشامل، وهذا يعني أن اتفاق إعلان المبادئ وما تلاه في نظرهم يلبي حقوق الشعب الفلسطيني، الأمر الذي يترتب عليه حكما، سحب البساط من تحت أقدام أي طرف أو أي جيل قادم للحديث عن استعادة حقوق الشعب الفلسطيني مادامت الاتفاقات التي وقعت عليها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني حققت سلاما عادلا وشاملا وأغلقت ملف القضية الفلسطينية ! .
إن المتمعن في التحولات الدولية والعربية والفلسطينية لا يمكنه إلا أن يخرج بنتيجة أن إسرائيل هي التي فرضت شروطها على الطرف الفلسطيني والأطراف العربية ، وهذا لا يعني القول أنه كان على م.ت.ف أن ترفض المفاوضات التي بدأت في مدريد أو ترفض مبدأ التسوية الأميركية،ولكن كنا نتمنى أن يضع المتحمسون للتسوية نصب أعينهم أنهم لم يحققوا نصرا ولم يلبوا بتوقيعهم ما وقعوا من اتفاقات ، الحد الأدنى المتفق عليه من الحقوق الوطنية الفلسطينية، كما يمكن تفهم موقف المنظمة أن هي اعترفت بأنها مجبرة على القبول بالشروط الأمريكية - الإسرائيلية لتمنح لنفسها وللشعب الفلسطيني وقفة تأمل أو استراحة مقاتل، لتعيد ترتيب أوضاعها وعلاقاتها لانطلاقة جديدة واستراتيجية جديدة في التعامل مع القضية الفلسطينية، وحتى لا نكون طوباويين أو هروبيين، علنيا أن نعترف أن تحويل اتفاقات التسوية إلى سلام عادل يتطلب أحد أمرين:
الأول : أن يعدًل الشعب الفلسطيني (ومعه الشعب العربي) ميزان القوى لصالحه، أو يجعله متقاربا مع القوة الصهيونية حتى يستطيع أن يفرض شروطه، وضمن معطيات الوضع الراهن فلسطينيا وعربيا ودوليا ،لا يلوح في الأفق القريب إمكانية تحقيق ذلك .
الثاني : أن يقبل الشعب الفلسطيني (ومعه الأمة العربية والإسلامية) بإعادة النظر بالحقوق الوطنية الفلسطينية، لتقزيمها بما يتفق مع تحديد أو تعريف الطرف الآخر لها، وهو الأمر الذي تسعى إليه إسرائيل والولايات والمتحدة، حيث تجري محاولة مكثفة لإعادة النظر في التاريخ والجغرافيا، وعلى مستوى الشرعية الدولي، ومناهج التعليم، وعمل غسل دماغ للإنسان العربي لتحل ذاكرة جديدة محل ذاكرته الوطنية والقومية والإسلامية .
وإذا كان الأمر الأول صعب التحقق على المدى القريب، ولكنه غير مستبعد وغير مستحيل، فإن الأمر الثاني بدوره غير سهل التحقيق والمقاومات الشعبية العربية والإسلامية متعددة ، وهذا يعني أن السلام العادل والشامل سيبقى بعيدا عن التحقق، وستعمل عناصر عدم التوازن في التسوية وشروط الإذعان المصاحبة لها، على بقاء التوتر مستمرا في المنطقة وفي الساحة الفلسطينية .
ولا شك أن العدو الصهيوني بما يتوفر عليه من إمكانات وعلاقات وتحالفات بل أيضا بما يتوفر عليه من وحدة الموقف والرؤية، سيعمل كل جهده لإنضاج ظروف وأوضاع عربية تقبل تسويات مفروضة وتتعامل معها باعتبارها حقائق وأمرا واقعا ليس على العرب إلا التسليم بها، وخصوصا أن هذه التسوية ستصاحب بإغراءات مادية سيكون لها الأسبقية في الحكم على الأمور، إلا أن إغراءات المال عمرها قصير، كما أنها إذا أثرت على البعض فلن تؤثر على كل الأمة العربية .
إن فلسطين ليست كيلومترات تقسم أو مدنا توزع، ولكنها وطن، شعور و إحساس وانتماء، إنها أكثر من الأرض مع أنها تتضمن الأرض، وفلسطين ستبقى هي فلسطين بتاريخها وجغرافيتها وناسها، فلسطين التي لو سألت أي إنسان فلسطيني أو عربي أم مسلم لقال لك أنها فلسطين من البحر إلى النهر.
أن أخطر ما يهدد شعبا من الشعوب ليس ضياع الأرض، فهذه قابلة للاحتلال والهيمنة، ولكنه ضياع الحق، والحق لا يضيعه العدو المحتل أو أية جهة أخرى، ولكنه يضيع إن أراد أصحابه أن يضيعوه بتنازلهم عنه والتقاعس عن النضال دونه، والحقوق الفلسطينية اليوم ليست ملك العدو الصهيوني بالرغم من أنه يحتل الأرض منذ عشرات السنين، ولكنها ملك الشعب الفلسطيني .

أي سلام يسعى إليه دعاة السلام ؟
قد يقول قائل –وله العذر في ذلك – إن أي حديث اليوم عن الثورة والنضال والوحدة العربية.. الخ. هو لغو وسفسطائية لا علاقة له بالواقع المعاش ، حيث أن العرب والفلسطينيين دخلوا التسوية لحل أو تصفية القضية الفلسطينية، وحلها يعني نهاية الثورة والنضال ونهاية الصراع مع إسرائيل! .(7) _
ودون الخوض في دوافع وأهداف رجال السياسة المنشغلين بموضوع التسوية، والذين نظرا لمراكزهم ومسؤولياتهم وارتباطاتهم، فإنهم يتعاملون مع ما هو ممكن، متجاهلين أو عاجزين عن التعامل مع ما يجب أن يكون، وحتى مع ما يمكن أن يكون، ذلك أن ما هو ممكن لا يتطلب منهم سوى التعامل مع الواقع وموازين القوى دون بذل جهد لتغييره أو تبديله، وبالتالي القبول بما تفرزه موازين القوى الراهنة وهي بالطبع موازين تعمل لمصلحة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية وهو ما سينتج تسوية مجحفة لن تحقق سلاما حقيقيا .أما ما يجب أن يكون ،وهي الأهداف القومية الاستراتيجية للأمة العربية وعلى رأسها تحرير فلسطين والوحدة العربية، وحتى ما يمكن أن يكون ،وهي حلول مشرفة على قاعدة الحد الأدنى وهي إمكانية ممكنة ضمن الواقع الراهن إذا وحد العرب مواقفهم، وتجاوزا خلافاتهم ووظفوا ما تبقى لهم من أوراق الضغط وهي ليست منعدمة تماما، فإنها أمور تحتاج إلى تغيرات جذرية في بنية المجتمع العربي وقيادته .. إذن فإن تحرك الأنظمة العربية ورجال السياسة للتعاطي مع نهج التسوية الأمريكية لا يعني أن هذه التسوية ستؤدي إلى سلام عادل ونهائي لما يسمى بمشكلة الشرق الأوسط، مادام ما هو ممكن مرتبط بأوضاع وموازين قوى قائمة على شريعة القوة والعدوان.
وبعيدا عن الشعارات المغررة للسلام يمكن القول إن الدعوة الأمريكية لعقد مؤتمر للسلام مباشرة بعد حرب الخليج أملته الاعتبارات التالية :-
أولا : توظيف الوضع العربي المتردي بعد حرب الخليج وحالة العداء ما بين الفلسطينيين والعديد من الأنظمة العربية وخصوصا الخليجية ، لانتزاع أكبر قدر ممكن من التنازلات العربية - والفلسطينية خصوصا -و إطلاق رصاصة الرحمة على ما تبقى من أبعاد قومية و إسلامية وثورية للقضية الفلسطينية ، حيث أن المواقف الأمريكية والإسرائيلية المعلن عنها ، تفصل بين مشكلة الفلسطينيين والصراع الإسرائيلي - العربي، ومن جهة ثانية لا تعترف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة. وعندما تُفرغ القضية الفلسطينية من أبعادها هذه، فإنها تفقد جوهرها وتفقد حقيقتها ولن يكون عندئذ أمام أي مشارك فلسطيني في المؤتمر إلا أن يوقع على ما يطرحه الخصم لأنه سيكون في مواجهة تحالف إسرائيلي/ أمريكي/ رسمي عربي.
ثانيا:- إلغاء وشطب القضية الفلسطينية كقضية تثير التوتر في المنطقة، وما يترتب على هذا الإلغاء من تطبيع للعلاقات العربية الإسرائيلية مما يعني إطلاق يد إسرائيل في المنطقة لترتيب أوضاعها بالشكل الذي يخدم مصالحها ومصالح الغرب، ولتتحول إسرائيل إلى إمبريالية محلية تمارس نفوذها وهيمنتها الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية الاستراتيجية.
ثالثا:- التغطية على ما يجري في الخليج العربي ، وما يجري في الخليج غير منفصل عما يجري ترتيبه في المنطقة من تسويات فكلها حلقات متصلة بعضها بالبعض،ذلك أنه في الوقت الذي ينهار فيه النظام الإقليمي العربي وتخضع الأنظمة العربية للإرادة الأمريكية ، تعزز فيه القدرات العسكرية الصهيونية وتعود القواعد العسكرية الأطلسية إلى المنطقة، بما يعنيه ذلك من عودة للاستعمار المباشر والهيمنة، وما يترتب على ذلك من تهديد للأمن القومي العربي برمته.
رابعا :- إن ترويج خطاب السلام والدعوة لمؤتمر للسلام في ذلك الوقت تحديدا ،إنما كان بهدف التغطية على ما يجري في العراق من تجزئة أراضيه وتدمير قدراته التكنولوجية والعسكرية والصناعية، وهو عمل يتعدى في أبعاده ونتائجه الشعب العراقي لتمس الأمة العربية وأمنها القومي، لأنه تدمير لأسس التحضر العربي ومقوماته، تدمير للأمل العربي في خلق قوة تواجه العدو الصهيوني وتحدياته الحالية وأطماعه المستقبلية، إنه تدمير لحلم الأمة العربية في التحضر وفي مواكبة ركب الحضارة الإنسانية.و الشعوب العربية والتاريخ لن يغفر للأنظمة العربية موقفها المتخاذل بل والغبي وهي تتفرج على تدمير القدرات العسكرية والتكنولوجية العراقية التي هي خلاصة الجهد العربي والإبداع العربي والمال العربي، حيث ساهم علماء وخبراء من كل الدول العربية لتطوير هذه القدرات. والولايات المتحدة الأمريكية في تكثيف جهودها فيما يسمى بعملية السلام تكشف جهودها وضغطها لتدمير القدرات العراقية وكأنها تقول للعرب لا أمل لكم باللجوء إلى القوة لاستعادة حقوقكم، ولا أمل لكم في التحرر والتحضر، فسلموا أموركم (للرب)الأمريكي، فهو الذي يحي ويميت، يمنح ويمنع ، يدمر ويبني ! .
خامسا: سحب البساط من تحت أقدام الانتفاضة الفلسطينية التي وضعت إسرائيل في مأزق حقيقي ، فالدعوة لمؤتمر سلام تحضره المنظمة إنما يبعد الأنظار عن الانتفاضة ويعزز نهج دعاة التسوية السلمية في الساحة الفلسطينية على حساب دعاة تصعيد الانتفاضة والحل الثوري .
سادسا :-إن السلام بمعناه الشامل والعميق لا يستتب بمجرد ترتيبات أمنية أو التوقيع على مواثيق ومعاهدات في ظل بهرجة إعلامية ، بل هو أعمق من ذلك، فهو مرتبط بقناعات عقلية ونفسية وبمبادئ وبحقوق مشروعة وتاريخية، والحقوق المشروعة والتاريخية للشعوب ليست ملك لأفراد وقيادات، بل هي ملك للشعوب وهذه الأخيرة صاحبة القرار النهائي فيها، كما أن هذه القناعات والمبادئ والحقوق المشروعة لا ينتقص منها الاختلال في موازين القوى أو صعوبة المرحلة، فهذه الأخيرة إن كانت لا تسمح بعودة الحقوق المشروعة فإنها لا تلغيها ولا يمكنها لأن تكون مبررا للحل الخطأ.
سابعا : إن هذه التسوية وضمن المواقف الإسرائيلية والأمريكية المعلنة لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية، كقضية وطنية سياسية لشعب له الحق في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة التي يرضى عنها الشعب الفلسطيني ، وبالتالي فان مسلسل التسوية وان أوجد اتفاقات ما بين الأنظمة العربية وإسرائيل، فإنه لن يؤدي إلى حل مشكلة الشرق الأوسط ونهاية الصراع في المنطقة لأن أساس المشكلة هي الحقوق الفلسطينية المنتهكة والأراضي الفلسطينية المحتلة، وما خلاف إسرائيل مع الأنظمة العربية إلا قضية فرعية ناتجة عن القضية الأم، وهي الاحتلال الصهيوني وضياع الحقوق الوطنية السياسية للشعب الفلسطيني.
وعليه، فإن عملية السلام إن لم تستجب للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني فإنها لن يحقق السلام، وستبقى المشكلة مطروحة والصراع محتدم مادام هناك شعب يسمي الشعب الفلسطيني، ومادامت هناك أمة تسمى الأمة العربية وأمة تسمى الأمة الإسلامية.
ومن هنا، فإن القيادة العربية والفلسطينية المتجهة للتسوية، لا تملك الحق بالتنازل عن الحقوق التاريخية والمشروعة للشعب الفلسطيني وللأمة العربية، وما توقعه هذه القيادات من اتفاقات ومعاهدات لن تزعزع القناعة العربية والإسلامية الشعبية والأيمان العربي بعدالة القضية الفلسطينية وبعدوانية وعدم مشروعية الوجود الصهيوني، ولن تعطي هذه الاتفاقات للولايات المتحدة شهادة حسن سلوك أو وسام داعية السلام .(8)وخصوصا أن الجميع يعلم أن هذه الأنظمة غير ديمقراطية وغير مسنودة بالإجماع الشعبي، وبالتالي لا تعبر عن مواقف الجماهير وتطلعاتها وكما جاءت هذه الأنظمة بانقلابات عسكرية أو بالصدفة أو بشرعية عشائرية وراثية، فإنها قابلة للزوال بالانقلابات عسكرية أو بثورات شعبية ديمقراطية تؤسس حياة سياسية جديدة.
ولأن الولايات المتحدة الأمريكية تعلم من خلال تجاربها مع الشعوب أن الاتفاقات والمعاهدات التي تبرمها أنظمة غير ديمقراطية لا تُلزم شعوبها وتكون شرعيتها مزعزعة ، فإنها تمارس عملية تحطيم وإذلال نفسي ومادي على الشعب العربي، وعملية حصار على نقل التكنولوجيا، حتى يبقى العرب في حالة تخلف، كما أنها وإسرائيل تسعيان إلى إثارة النعرات والصراعات الطائفية والعرقية والعشائرية والسياسية داخل المجتمعات العربية حتى داخل مجتمعات الأنظمة الموالية لها، لأنها تعرف أن هذه الأنظمة غير مستقرة وتفتقد مشروعـيـة وجودها.
إن (السلام ) الأمريكي لن يحقق السلام في المنطقة، والصراع مع الوجود الصهيوني صراع طويل الأمد (صراع وجود وليس صراع حدود) - كما قال القوميون والثوريون العرب، وبعضهم نسى ما قاله - وإن كانت الصهيونية قد أقامت إسرائيل اعتمادا على أسطورة تاريخية مزعومة حول إسرائيل الكبرى وارض الميعاد تعود إلى آلاف السنين ومدعومة بالقوة، فإن الحق العربي في فلسطين مازال ماثلا للعيان، وخمسون سنة لا يمكنها أن تنسى العرب الحقيقة، هذه الحقيقة التي مازالت مجسدة على أرض الواقع شعب قدم التضحيات من الشهداء والمعتقلين، وتشبثه بهويته في المخيمات والمنافي يؤكد للعالم أن الحقيقة الفلسطينية أقوى من الوهم الصهيوني، وإن الشعب الفلسطيني حي لم ولن يموت.
فهل يسمح العرب أن تكون الأسطورة اليهودية الصهيونية أقوى من الحقيقة العربية والحق العربي؟
ليس هذا تحريضا على رفض السلام ....ولكن ما معنى السلام ؟ وأي سلام نريد وأي سلام يريدون ؟

السلام هذا المصطلح المراوغ9
السلام .. هذا المصطلح المراوغ كم باسمة وتحت رايته اقترفت جرائم وانتهكت حقوق سقطت دول وقامت أخرى، انهارت أيديولوجيات وسادت أخرى، كم باسم السلام اندلعت حروب وفتن، وكم اتفاقات سلام وقعتها أيدي ملطخة بالدماء _
السلام هذا المطلب الإنساني الذي منذ أن وجد الإنسان على الارض، ومنذ أن قتل قابيل أخاه هابيل، وهو هدف نبيل يرجوه الإنسان ليعيش آمنا مطمئنا على نفسه ومع جيرانه،وكل الأنبياء والرسل وكل الديانات السماوية كانوا دعاة سلام ، ومع ذلك كان الأنبياء أحيانا يتحولوا إلى مقاتلين ونشر دعوة الحق تمر عبر طرق مفروشة بالجثث ،لان الطبيعة البشرية فيها الأخيار وفيها الفجار ،وعليه فإن تاريخ البشرية جولات متتابعة من الحروب تتخللها فترات سلام أو هو حياة من السلام تتخللها جولات من الحروب والصراعات،فالسلام والحرب كانا وما زالا وجها عملة واحدة، فما من حرب إلا وسبقها سلام وتبعها سلام وما من سلام إلا وسبقته حرب وتبعته حروب، ومع ذلك لم يكف الإنسان عن نشدان السلام لان السلام هو الحياة.
سبق للفيلسوف الإنجليزي توماس هوبس 1588 ــ 1671 أن عبر عن هذه العلاقة الجدلية بين الحرب والسلام ورأى أن كل منهما جزء من القانون الطبيعي الذي هو « قاعدة اكتشفها العقل ويتم بواسطتها منع أي إنسان من القيام بما يؤدي إلى تدمير حياته، أو تجريده من الوسيلة التي تجعله يحافظ عليها، أو حرمانه مما يعتقد أن بواسطته يمكنه المحافظة على حياته بشكل أفضل « وفي الوقت الذي يعترف فيه هوبس أن الحرب هي الحالة الطبيعية للإنسان - على عكس فلاسفة العقد الاجتماعي الآخرين الذين يرون أن السلام هو الحالة الطبيعية -إلا أنه يرى « أنه من واجب الإنسان من باب المبدأ العقلي والقاعدة العامة أن يعمل جاهدا لتحقيق السلام، مادام له أمل في تحقيقه، وحينما يعجز عن تحقيقه فليسمح له بالبحث واستعمال كل ما تحمله الحرب من سند وإيجابيات ».
هذا القول يؤكد أنه بقدر ما أن السلام هدف نبيل وسعي عقلاني ، إلا أن له شروط ومرتبط بغايات، أي انه قائم على المشروعية والعدل،ولكن إن لم يكن بالمستطاع الوصول إليهما بالسلام فالحرب تصبح مشروعة ومبررة لأنها حرب من أجل السلام وحرب مؤسسة للسلام، وهذه هي الحرب العادلة كحروب التحرير الوطني والحرب دفاع عن النفس والحرب ضد الظلم والاستبداد، بل نجد أن ميثاق الأمم المتحدة الذي ما قام إلا من أجل السلام لم يغلق الباب نهائيا أمام الحرب، بل أعطى للأمم المتحدة، وللشعوب أيضا الحق بالقتال دفاعا عن النفس ومن أجل حق الشعوب في تقرير مصيرها 100
نقول نعم للسلام، لأننا كعرب وكفلسطينيين نريد أن نحيا بسلام وسكينة ولأننا نريد الاستقرار لنجد ذاتنا الضائعة ولنبني أوطاننا التي تبحث عن مواطنيها فلا تجد إلا رعايا واتباع.... ولكن شتان بين سلام وسلام، شتان بين سلام عادل مبني على الرضى والتوافق والمشروعية، وسلام يفرضه القوى المنتصر الجائر على الضعيف صاحب الحق ،شتان بين سلام يعيد الحقوق المغتصبة إلى أصحابها وسلام يضيع هذه الحقوق بعد أن ضاعت الأرض ،الفرق بين هذين النوعين من السلام كالفرق بين الحرب العادلة والحرب غير العادلة، ففي الحالتين الفرق ليس في الوسائل والأدوات بل في الهدف، ففي الحالة الأولى الكل يتحدث عن السلام وتعقد مؤتمرات وتوقع اتفاقات بين الأطراف المعنية باستعمال نفس المصطلحات والكلمات المهادنة والرقيقة والإنسانية وكأن أصحابها حمائم سلام بالفعل، إلا أن الهدف لكل منهما مختلف، ففي السلام العادل يكون السلام الحقيقي هو الهدف والشرعية والعدل هما المنطلق أما في السلام الذي يفرضه المنتصر الجائر فالهدف هو تحقيق مصالح طرف على حساب طرف آخر، هدفه انتهاك حقوق الطرف الضعيف وفرض شروط المنتصر حتى على حساب الشرعية الدولية، في الحالة الأولى تكون الشرعية هي المرجعية وفي الحالة الثانية تكون القوة الغاشمة هي المرجعية، ولا شك أن ما يتم التوصل إليه في حالة السلام غير العادل ليس هو السلام بل حالة مؤقتة من الأمن والاستقرار قابلة للتفجر في أي لحظة، مادام أحد الأطراف غير راض أو مقتنع بما تم التوصل إليه. نفس الفرق يوجد بين الحرب العادلة والحرب غير العادلة، ففي الحالتين تكون الوسائل المتبعة في الحرب واحدة، دمار وموت وخسائر ومعاناة، ولكن الهدف يختلف، في الحرب العادلة يكون العنف مشروعا ومبررا، إنه عنف خلاق يسعى إلى هدف نبيل ويروم السلام العادل، وفي الحالة الثانية - الحرب العدوانية -يكون العنف فعلا إجراميا لا أخلاقيا لأنه يتناقض مع السلام.
من المتفق عليه أن السياسة بمفهومها الواسع هي عملية توفيق ومعايشة ما بين السلام والحرب أو الاستعداد للحرب ،(الحرب والسلم وجها عملة واحدة ) على حد قول الفيلسوف الفرنسي ريمون ارون ، والقيادة السياسية الحكيمة هي التي تسير في ركاب السلام وتدعو له دون أن تُغرق مراكب العودة لساحة القتال إن أقفلت أبواب السلام أو غابت شروطه العادلة، أيضا تخوض الحرب وتتهيأ لها وتقرع طبولها دون أن تستبعد احتمالات السلام إن توفرت شروطه.
ولا يغيب عن المستقرئ للتاريخ، القديم منه والحديث، أن جميع الدول تحشد لجيوش وتعبئ الشعب للقتال وتخصص ميزانيات ضخمة للتسلح دون أن تكون في حالة حرب فعلية، وإن كان بعضها يتسلح بنية العدوان - الدول الاستعمارية والإمبريالية - فإن غالبيتها تبني قوتها السكرية وهي تروم السلام وتسعى إليه، باعتبار أن القوة ترعب العدو وتحبط مساعي الطامعين، فلا تناقض بين أن تكون قويا وأن تدعو للسلام في نفس الوقت، بل لا يمكن لمجتمع أن يعيش آمنا سالما في عصرنا الحالي دون أن يكون متوفرا على القوة بكل مقوماتها العسكرية والاقتصادية المجتمعية، فلكي تعيش في سلام يجب أن تكون قويا. وفي القرآن الكريم حض على الجهاد ودعوة إلى ضرورة التوفر على القوة ولكن ليس بهدف العدوان ،لأن الإسلام يتناقض مع العدوان ، ولكن لتحقيق السلام والعدل، وعندما تقول الآية (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ورباط الخيل) فإنها تحدد مباشرة هدف هذه القوة وهو (ترهبون بها عدو الله وعدوكم). إن تكن مسلما معناه أن تكون قويا.
إن السلام لا ينفصل عن القوة المبنية على المشروعية والشرعية إنهما متناقضان في الظاهر ومتكاملان في الجوهر وكل منهما يستدعي الآخر، بل يمكن القول إن موازين القوى بين الأطراف المعنية هي التي تحدد طبيعة السلام ومدى مصداقيته وتوفره على المضامين النفسية والأخلاقية والقانونية التي تفرض حالة السلام بين القوى المتصارعة، كما أن موازين القوى هذه هي التي تحدد إن كان ما يجري الحديث عنه سلام حقيقي أم استسلام طرف لطرف أو مجرد وقف حالة الحرب، وكلما كانت موازين القوى بين الأطراف المتصارعة والداخلة في مسلسل السلام متقاربة كلما كانت فرص تحقيق سلام حقيقي أكثر توفرا.
هذا لا يعني بطبيعة الحال أن أي طرف من الأطراف المتنازعة لا يمكنه أن يلج عملية السلام إلا إذا حقق التوازن في القوى مع الخصم، لأن هناك ظروف داخلية وخارجية وفرص لا تكون في الحسبان تفرض أحيانا على الطرف الضعيف أن ينتهزها ويوظفها في صراعه مع الخصم وعلى طاولة المفاوضات ،من منطلق أن السياسة هي فن الممكن وأن القيادة السياسية الحكيمة هي التي لا تفوت أي فرصة يمكنها أن تقرب من تحقيق الأهداف المشروعة، فالدوغماتية قاتلة للعمل السياسي كما أن التشاؤم واليأس يثبطانه. إن البراغماتية والمرونة السياسية ضروريتان للنضال السياسي، فمن المفيد إن كانت العاصفة قوية أن ننحني لها قليلا حتى تمر بدلا من مواجهة قد تؤدي إلى الاقتلاع من الجذور، المهم أن نبقى منغرسين في الأرض في مواقعنا ولا نتراجع عنها، هذا ما يسمى أيضا المناورة أو التكتيك السياسي. أيضا التفاؤل ضروري في العمل السياسي - الدبلوماسية والعسكرية -لأنه يعني أن المعركة متواصلة وأن هناك آمال وفرص لم تستنفذ، وأن ما لم تحققه إمكانات الواقع، سواء في ساحة المعركة أم في المفاوضات السياسية قد تحققه الأجيال المقبلة، فالهزائم والانتصارات في المعترك السياسي والعسكري ما هي إلا محصلات لموازين قوى الساعة، وموازين القوى ليست ثابتة أو أبدية بل تتغير من حين إلى حين سواء بتغيير الظروف الداخلية أو بتحول التحالفات والعلاقات الخارجية أو بهما معا، المهم التمسك بالحقوق المشروعة وعدم التفريط بها ،قد تمرحل الأهداف ولكن لا يتم التخلي عنها، ففي مرحلة الانحسار والتراجع يمكن تطبيق مبدأ "خذ وطالب" ولكن حتى تطالب بما تبقى من حقوق يجب أن يبقى باب الصراع مفتوحا وليس بالضرورة بشكله العسكري التقليدي.
القول بأن السلام لا يتناقض مع امتلاك أطرافه للقوة والمنعة الذاتية كضمانة لاستمرارية حالة السلام، لا ينفي القول بأنه يشكل حالة نقيضه للعداوة، فلا يمكن تصور قيام سلام حقيقي في أي منطقة مادامت العلاقات بين القوى والأطراف المتواجدة تسودها العداوة، وحتى تزول العداوة التي هي شرط مناف للسلام، يجب أن تزول مسبباتها، وهو الأمر الذي يتطلب الرجوع إلى الجذور أو الأسباب العميقة للصراع والى بداياته الأولى بدلا من التعامل مع الإفرازات والمظاهر الخارجية والجانبية للصراع، قد تؤدي اتفاقات سلام مفروضة إلى استقرار مؤقت أو هدنة ولكنها لن تنه الصراع مادامت العداوة كامنة في النفوس .
فهل شروط السلام العادل متوفرة فيما يسمى بمسلسل السلام في الشرق الأوسط ؟ وهل مفهومنا للسلام هو نفسه المفهوم الأمريكي الإسرائيلي ؟

سلامــــنا وسلامـــهـــــم
كما أشرنا أعلاه ، فأن السلام مصطلح ينتمي إلى حقل العلوم الإنسانية، وبالتالي فهو مشبع بحمولة أيديولوجية ، فمعناه التجريدي ليس بالضرورة متوافقا أو منطبقا على تموضعاته الإجرائية أي الحالات التي توصف بالسلام ، بل إن كل حالة من الحالات المندرجة تحت باب السلام: علاقات، مفاوضات،مؤتمرات الخ ، تملك من الخصوصيات والشروط المصاحبة ما يجعل القاسم المشترك بينها جد واهن، ويجعل من السلام الحقيقي مثل أو طوبا تتموقع في الذهن أكثر مما تتجسد على أرض الواقع.
كثيرة هي التساؤلات والهواجس غير المريحة التي تصاحب عملية التسوية (السلام) الجارية اليوم ، تساؤلات لا تقتصر فقط على تقنيات التفاوض ولا حتى على الأهداف المباشرة والمعلنة للمتفاوضين المباشرين وغير المباشرين، ولكنها أعمق وأخطر من ذلك بكثير أنها تساؤلات تمس تاريخ المنطقة، بل تنسف هذا التاريخ وتتطلب كتابة جديدة له، تساؤلات تمس قناعات شعوب المنطقة وتخلق أزمة قيًمية، أخلاقية ونفسية تهز الإنسان العربي والمسلم وتصدم ذاكرته القومية ومعتقداته الدينية، وتشككه بهويته وانتمائه وبثقته بنفسه وبتاريخه.
إن السلام بين قوى تصارعت على أرض الواقع لأجيال يختلف عن السلام النفسي لدى الشخص المفرد، إن السلام بين القوى المتصارعة مرتبط بوجود صراع حقيقي والصراع له موضوع وله أطراف وله ضحايا، ومن مستلزمات السلام الواقعي أن تحدد طبيعة الصراع الذي يراد حسمه سلما وتحديد أطراف هذا الصراع، ودون تحديد طبيعة الصراع وموضوعه ودون تحديد أطرافه الفاعلين والرئيسيين، فإن مفاوضات السلام تفقد مضمونها ومعناها وتتحول إلى حوار طرشان أو سفسطة.
وفي النموذج التطبيقي (للسلام) في مشكلة الشرق الأوسط، يلاحظ أنه ما إن وجهت الولايات المتحدة الأمريكية الدعوة لحضور مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991 لبدء عملية (السلام) حتى سارعت كل الأطراف لتلبية الدعوة والحضور في الموعد المحدد ،حتى م.ف.ت احتجت على محاولة إبعادها عن طاولة المفاوضات، وبعد سنوات من انطلاقة مؤتمر السلام الأمريكي مازال المتفاوضون لم يتفقوا على جوهر القضية ،لقد اهتموا بإفرازات اصل الصراع -الاحتلال الصهيوني لفلسطين-وهمشوا الجوهر ،وانتهت مدة الخمس سنوات المحددة للحكم الذاتي دون أن تحل المشكلة وأضافوا سنة أخرى ستنتهي في سبتمبر عام الألفين ، دون كبير أمل في إنصاف الشعب الفلسطيني فأين يكمن الخلل ؟
إن أي محاولة لمقاربة مفاوضات عملية السلام في الشرق الأوسط لمحاولة الوصول إلى فهم لما يجري وحظوظ كل طرف في تحقيق أهدافه المعلنة، يجب أن تكون مرجعيتها الأرضية التي انطلقت منها عملية السلام، أو بصيغة أخرى معرفة ما إذا كانت مفاوضات السلام جاءت بفعل قناعة مبدأيه وصادقة لأطراف الصراع بضرورة حل النزاع على أساس احترام الحقوق المشروعة للجميع، وعلى أساس قناعة نفسية وعقلية، بإمكانية وضرورة الشرعية الدولية وقراراتها؟ أم أن المفاوضات هي من نوع المفاوضات التي تعقب حرب يسعى من خلالها المنتصر لتوظيف نصره واختلال موازين القوى لصالحه ليفرض شروطه على الخصم؟
حتى لا ننساق بعيدا مع الأوهام وحتى لا نبقى أسرى الشعارات والمواقف الحالمة والطوباوية التي خدرت عقولنا وأفلًت سواعدنا طوال خمسة عقود أو أكثر وأوهمتنا أن الوحدة العربية قاب قوسين أو أدنى، وأن تحرير فلسطين في مرمى حجر، بل أن بالإمكان استعادة الأندلس وتوسيع رقعة الوطن العربي إلى ما بعد المحيط والخليج وإرجاع الأمجاد العربية الغابرة…! و حتى نكون واقعيين في هذه المرحلة الدقيقة الحاسمة يجب الاعتراف بأن المفاوضات التي انطلقت علنا منذ مدريد وسرا قبله وبعده، هي مفاوضات بين قوى غير متكافئة، بين طرف منتصر ذو قوة متصاعدة وتحالفات قوية وهو الكيان الصهيوني وبين طرف – أطراف – منهزم ذو قوة في حالة انحسار وتراجع وهو الطرف العربي. الطرف الصهيوني يتفاوض بنفسية وعقلية المنتصر الواثق من قوته وقدرته على فرض شروطه أو على الأقل عدم تقديم تنازلات مهمة للخصم، والطرف العربي يتفاوض بنفسية وعقلية المنهزم الذي يكابر ويوهم الجماهير انه يفاوض وانه يفرض شروطه.
إنها تسوية متممة لهزيمة 1967 وما سبقها وما تبعها من هزائم وارتكاسات . نعم، إن العرب يعيشون مرحلة الهزيمة،فبالإضافة إلى الهزائم العسكرية فقد هزموا أنفسهم بانهزام (حليفهم الاستراتيجي) المعسكر الاشتراكي، وانهزموا بفشلهم في استعمال النفط كورقة ضغط ومساومة وانهزموا بفشل أو تعثر مخططاتهم التنموية وتراكم المديونية،وانهزموا عندما فشلوا في امتلاك علوم العصر وتكنلوجياه ، وانهزموا بتعثر محاولات تأسيس دولتهم القومية الوحدوية، بل فشلوا في إضفاء الشرعية على دولهم القطرية وتأسيسها على أسس ديمقراطية تؤمن وحدة وتماسك المجتمع وتحفظ للإنسان كرامته.
وأخيرا انهزم العرب عندما دخلوا التسوية دون أن يجمعهم هدف واحد أو استراتيجية واحدة، بلا ذهب كل طرف وفي جعبته قائمة مصالح قطرية محددة بل إن بعضهم ذهب للمفاوضات دون أن يكون معنيا بتحقيق مصالح قومية محددة في إطار الصراع العربي الصهيوني، بل بهدف تحقيق مصالح وجني أرباح ذات نوعية مختلفة وفي ساحات لا علاقة لها بالقضية الفلسطينية. وكم سيكون ساذجا من يعتقد أن حضور وفود عربية للمفاوضات من شرق العالم العربي ومغربه يعكس الحضور القومي للقضية الفلسطينية بل نعتقد أن حضور العديد من الوفود العربية للمفاوضات ما هو إلا مؤامرة لإضفاء الشرعية العربية على إقبار القضية الفلسطينية كقضية قومية وربط الدول العربية بقضايا ومشاكل تجعلهم غير معنيين بالقضية الأساسية ،كالمياه والنظام الشرق أوسطي الجديد الخ .وبالفعل تمكنت الولايات المتحدة وإسرائيل ومن خلال الآلية التفاوضية التي فرضت على المعنيين، من تفكيك القضية من أبعادها -المشار إليها أعلاه- وتجلى ذلك في الفصل ما بين المفاوضات الثنائية ومفاوضات اللجان المتعددة.
وكان من أخطر التحولات التي وضعت المفاوضين الفلسطينيين والعرب في موقف ضعف تفاوضي هو تحول القضية الفلسطينية من قضية قومية إلى قضية قطرية، كل طرف من الأطراف العربية يقول (اللهم نفسي) وعندما تواجه إسرائيل العرب كل طرف على حده ستكون هي الرابحة سواء في المواجهات العسكرية أو في ساحة المفاوضات .وكذا تحولها من قضية دولية يبحث عن حل لها على مرجعية قرارات الشرعية الدولية إلى قضية تُحدد فيها الحقوق والواجبات انطلاقا من العملية التفاوضية نفسه ، أي انطلاقا مما يتفق عليه المتفاوضون .
من المفهوم أن يُعرب المفاوض الصهيوني وتعرب الولايات المتحدة الأمريكية عن التفاؤل والرغبة في التوصل إلى حل يرضيان عنه، لأنهما في مركز القوة، وتفاؤلهم هو تفاؤل المنتصر الذي يملك كل أوراق الحل كما أن سياستهما ومخططهما للتسوية يقومان على أساس عدم إيصال العرب إلى مرحلة اليأس وإلى طريق مسدود يحرج الأنظمة وخصوصا الصديقة لهما، ويعطي في نفس الوقت المصداقية لقوى الرفض العربية المشككة بمسلسل السلام الأمريكي،وعليه فالتفاؤل الصهيوني مبرر وهو جزء من المخطط لإطالة مدة المفاوضات بالقدر الذي يسمح للولايات المتحدة والصهيونية بفرض سياسة الأمر الواقع على الأرض ويرتبا الأوراق في المنطقة سواء على مستوى الخليج والمنطقة العربية ككل ، أو على توسيع الاستيطان أو كسر روح المقاومة أو خلق أجواء نفسية وعقلية تسمح بتمرير التنازلات دون كثير من الضجيج أو لفتح المجال لإسرائيل لتطبع علاقاتها مع الأنظمة العربية ملتفة على جوهر القضية ليبقى المفاوض الفلسطيني وحيدا في المواجهة التفاوضية .
إلا أن ما لا يمكن فهمه، هو تفاؤل بعض الأنظمة العربية بل ولعبها دور الوسيط وحتى دور السمسار في العملية التفاوضية ،فلا يمكن تفسير تفاؤل هؤلاء إلا بكونه تفاؤل العاجز أو المتآمر غير القادر على البوح بالحقيقة، لأن اعترافهم بالحقيقة، حقيقة أن العدو الصهيوني يراوغ ويناور ولا يود تقديم تنازلات حقيقية، ولا يود تطبيق الشرعية الدولية، وحقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية وسيط غير نزيه، بل منحاز كل الانحياز إلى جانب العدو الصهيوني، إن الاعتراف بهذه الحقائق يحتم عليهم الانسحاب من المفاوضات وطرح البديل للرد على التحالف الصهيوني الأمريكي، والأنظمة العربية والمشاركة في المفاوضات بما في ذلك م.ت.ف لا يمكنها الانسحاب من المفاوضات لأنها ببساطة وضمن بنيته ونوعية قيادتها، لا تملك البديل السياسي الاستراتيجي ولا البديل العسكري.
ولا نبالغ إن قلنا أن السلام الذي تحاك خيوطه اليوم في المنطقة، حالة غريبة وشاذة من حالات السلام، إن كان يصدق أصلا عليه مفهوم السلام، فأي سلام هذا الذي يتجاهل جوهر الصراع ويتعامل مع إفرازاته ونتائجه الجانبية؟ أي سلام هذا الذي حاول تجاهل الطرف الرئيسي في الصراع – إرادة الشعب الفلسطيني - ويقفز عليه ليتعامل مع أطراف ثانوية تلعب دور المتفرج أو شاهد الزور وعندما اضطر للاعتراف بالشعب الفلسطيني يماطل في الاعتراف بحقه في إقامة دولته المستقلة ؟ وأي سلام هذا الذي يترافق مع محاباة الطرف الصهيوني وتقويته على حساب إضعاف العرب وتدمير قدراتهم العسكرية والاقتصادية والحضارية؟ أي سلام هذا الذي يتساوق مع بذر الفتن والشقاق بين العرب ومع تجزئة دولهم و إثارة الأحقاد الطائفية والعرقية في المنطقة ؟
إن السلام الذي يُصنع اليوم، سلام مؤسِس للحرب ومثير للفتن والصراعات، هذا السلام لا يمكن إلا أن يكون سلاما حسب المفهوم الأمريكي الصهيوني، أما سلامنا نحن العرب والمسلمون ، السلام القائم على الحق والمشروعية فإن شروطه غير متوفرة، وهذه الشروط يجب أن نصنعها نحن لأننا نحن المعنيين ولا يمكن للعدو أن يعمل على سلامنا وسلامتنا، وحيث إن إسرائيل تؤسس سلامها وسلامتها على القوة والمنعة فعلينا أن نؤسس سلامنا على القوة الذاتية، القوة بكل مكوناتها العسكرية والاقتصادية والاجتماعية ،وبالرغم من تردي الوضع العربي فإنه لا يفتقد أوراق تصلح للخروج من هذه المرحلة الرديئة بما لا يهين.


معاهدات سلام أم معاهدات استسلام مؤجلة ؟

بعيدا عن أوهام الحالمين وتضليل السياسيين، فإن ما جرى ويجري من محادثات لا تخرج عن إطار معاهدات الصلح، وهي المعاهدات التي تتمخض دائما عن حروب يترتب عليها تغير في موازين القوى، فتأتي معاهدة الصلح لتحدد مصالح وعلاقات القوى المتحاربة اعتمادا على موازين القوى الجديدة، وهذا خلاف المنطق الذي يحكم السلام العادل والشامل، فالأول تؤسس على موازين القوى القائمة وقت ابرم المعاهدة، وهي الموازين الناتجة عن الحرب، وبالتالي فإن الحقوق والمصالح تحدد وتقيم انطلاقا من هذه الموازين، فعلى طاولة المفاوضات لا تطرح مُثل السلام وأخلاقياته، بل تُطرح خرائط الوضع القائم وتطرح مواقع القوات وحجمها وما يملكه كل طرف من قوة... أما الثاني أي السلام العادل والشامل فهو يؤسس على مبادئ العدل والحق وعلى الحقوق التاريخية والقومية للأطراف المتفاوضة ،ومع ذلك يحدث أحيانا أن تتطابق معاهدة الصلح مع مفهوم السلام العادل والشامل إذ لم تؤد الحرب إلى منتصر ومنهزم أي إذا كانت موازين القوى متعادلة، وهذا أمر غير متوفر اليوم بالنسبة لواقع النزاع العربي الصهيوني، فهذه الموازين تعمل لمصلحة إسرائيل على كافة الجبهات، وبالتالي فإن إسرائيل تسعى لتحقيق مصالحها وأهدافها على حساب المصالحة والأهداف المشروعة العربية.
ولأن الوضع العربي والفلسطيني وكذلك الوضع الدولي قد انتظم ألان على الأقل ، بما يتناسب مع المصالح الاستراتيجية الصهيونية - الأمريكية فإنه من مصلحتهما أن يوظفا هذا الوضع بما يحقق من منظورهما وعلى قاعدة مصالحهما سلاما شاملا ونهائيا يغلق ملف القضية الفلسطينية ويغلق أمام الأجيال العربية القادمة أي إمكانية للمطالبة بحقوق وطنية أو قومية ، كما أن من مصلحتهما أن ينتزعا كل الضمانات المكتوبة ويصنعا على أرض الواقع كل الترتيبات التي تجعل أي محاولة عربية مستقبلية بإعادة النظر فيما تتمخض عنه المفاوضات الجارية اليوم أمرا من قبيل المستحيلات.
ومن هنا يمكن أن نفهم أن يُطالب المفاوض الصهيوني وحليفه الأمريكي بأن تكون المفاوضات شاملة ونهائية تمس كل أبعاد الصراع في المنطقة : حقوق الفلسطينيين، الحدود مع الدول العربية، المياه ،التسلح، والتطبيع الاقتصادي والنفسي، بل أيضا المطالبة بحقوق في النفط العربي الذي تقع آباره ضمن حدود «أرض إسرائيل الكبرى» كما تتخيلها وتعمل على تأسيسها الحركة الصهيونية.
إما إذا نظرنا إلى الطرف الثاني من معادلة التسوية وهو الطرف العربي، فهذا الطرف وبالرغم من كل ما تعرض له من إهانات ومن تراجع عن مواقف التزمت بها الولايات المتحدة بما فيها أوراق التطمينات والضمانات الأمريكية التي أغرت الفلسطينيين بالدخول في المفاوضات،ثم اكتشفوا أخيرا أنها خدعة، بالرغم من تهرب الكيان الصهيوني عن إعطاء موقف ثابت ومحددة يلتزم فيه بتطبيق قرارات الشرعية الدولية أو حتى الالتزام بما وقع من اتفاقات ، بل وازدياده تعنتا وصلفا وإرهابا داخل الأرض المحتلة وفي لبنان، بالرغم من كل ذلك فإن المفاوضين الفلسطينيين والعرب وبالرغم من تهديدهم المسرحي أحيانا بالانسحاب من العملية السلمية أو تعليقها، فانهم غير قادرين على الانسحاب لان ذلك يعد تمردا وعصيانا للأوامر الأمريكية ، انهم لم يلجوا خيار المفاوضات بمحض إرادتهم، وحتى مع تصديق أنهم دخلوا المفاوضات عن إيمان ورضى واختيار،فهم يدركون انهم الطرف الضعيف على طاولة المفاوضات، بل هم الطرف المنهزم في النزاع الطويل الأجل الذي تسعى المفاوضات لحسمه، والمنهزم في الحرب لا يستطيع أن يفرض شروطا على طاولة المفاوضات، ولا أن يحدد زمان ومكان المفاوضات او يهدد بالانسحاب منها لأن بديل المفاوضات هي الحرب وهو الخيار الذي انهزم في العرب .... هكذا برروا لشعوبهم سبب قبولهم بخيار الحل السلمي، بل كان من ضمن شروط الطرف المنتصر في الحرب -الحلف الإسرائيلي الأمريكي - أن يتخلى العرب عن أي فعل من أفعال الحرب ضد الكيان الصهيوني أو حلفائه الغربيين، أو التفكير في ذلك أو مساعدة أي شخص أو حزب أو دولة تسعى لذلك، أي أن العرب احرقوا كل مراكب العودة إلى خيار الحرب لاستعادة حقوقهم.11
إن جزءا من الخلل المصاحب لمسلسل التسوية يكمن في رفض الطرف - الأطراف - العربي الاعتراف بحقيقة التسوية الجارية وبمدى فعالية الأوراق التي يملكها، وما يروم تحقيقه من وراء مشاركته في العملية ويرفض الاعتراف بأنه يجري مفاوضات لتوقيع تسوية الأمر الواقع، وبأنه مطالب في هذه التسوية بأن يدفع ثمن هزيمته ويقر بها، هزيمة العرب في حروبهم -الحقيقة أو الوهمية - ضد إسرائيل والإمبريالية، وهزيمتهم في مراهناتهم على حلفاء زالت دولتهم وهزيمتهم في معارك التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إنهم يرفضوا الاعتراف بأنهم اليوم يدفعون ثمن دخولهم التسوية دون اتفاق على هدف مشترك يسعون إليه أو آلية مشتركة يلتزمون بمقتضياتها لإدارة المفاوضات ، وهكذا اختار الطرف الثاني موعدا للمفاوضات هو من أسوأ مراحل التاريخ العربي الحديث.
وليس من الصعوبة اكتشاف السبب الكامن وراء رفض الأنظمة - بما فيها م.ت.ف -الاعتراف بحقيقة التسوية الجارية فصولها واستمرارهم فيها بالرغم من اتضاح حقيقة الأهداف الإسرائيلية والأمريكية ، إن السبب يكمن في رفضهم الاعتراف بأنهم منهزمون وبالتالي يرفضون الاعتراف بتحمل مسئوليتهم عن الهزيمة ومسئوليتهم عن كل ما أصاب الأمة العربية من ويلات والقضية الفلسطينية من نكسات، مسئوليتهم عن تحويل الشعب الفلسطيني من شعب ثورة ونضال يضرب به المثل إلى جموع لاجئين تنتظر التوطين أو التعويض بالنسبة للفلسطينيين خارج الأرض المحتلة أو العيش في بانتوستانات بالنسبة لمن هم داخل الوطن . إن الأطراف العربية المشاركة في التسوية تُصر على السير قدما في نهجها حتى وإن كان ثمن ذلك مزيدا من التفريط بالحقوق ومزيدا من التنازلات لإسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية، إنهم يكابرون ويعاندون ويرفضون الإقرار ببديهية أن من انهزم في ساحة المعركة لا يمكنه أن يصنع النصر على طاولة المفاوضات.
منطق الأمور يحتم على من انهزم في معركة أن يخلي موقع القيادة والمسؤولية لغيره، وأن يفسح المجال أمام القوى الحية في الأمة لتقييم الوضع واستقصاء أسباب التعثر ومكامن الخلل ووضع خطة استراتيجية تجيب على واقع الهزيمة بتوظيف ما تبقى من مقومات القوة للتعامل مع ما هو كائن ،دون التفريط ب أو تجاهل ما يجب أن يكون، أو بصورة أخرى إعادة النظر في الوسائل والأدوات التنفيذية المسؤولة عن تسيير أمور الأمة، وليس إعادة النظر في مصير الأمة وحقوقها القومية والوطنية التاريخية والاستراتيجية .
ولكننا لن نكون متفائلين كثيرا في هذا الشأن، لأن منطق محاسبة المسؤولين وخصوصا إذا كانوا قادة الأمة، ونقدهم ومطالبتهم بالشفافية وبإعطاء توضيحات عما يفعلون، وبالتالي محاسبتهم لدرجة إلزامهم بالتخلي عن مواقعهم، هذا المنطق وهذه الدرجة العالية من الديمقراطية لم نصل إليها بعد في عالمنا العربي، وسيكون من العبث التحدث بهذا المنطق.فأنظمتنا العتيدة- ثورية أو محافظة - لم تأت إلى السلطة بطريقة ديمقراطية، أي بإرادة الشعب، حتى تنصاع لإرادته، إنها فوق المسؤولية الأخلاقية والقانونية والسياسية بل والدينية أيضا، وعليه فلا داعي للتفاؤل كثيرا بأن يتنازل زعيم عربي عن السلطة أو يعترف بمسئوليته عن الخطأ، حتى وإن كان خطأ بحجم إضاعة وطن والتفريط بالأرض ووضع مستقبل الأمة برمته موضع تساؤل.
إلا أن عدم القدرة على محاسبة المسؤولين على ما فات، والسكوت على ما أضاعوه من حقوق وعلى ما أصاب حاضر الأمة العربية من هن وتفكك، لا يعني السكوت عما يجري من تلاعب بمصير الأمة العربية ومن بيع أو رهن مستقبلها وحرمان الأجيال القادمة من حقها في استعادة حقوقها ومن حقها في التمرد على وضع لا يختلف اثنان على فساده ،تحت شعار مفاوضات السلام،.إن أي حلول في ظل هذا الوضع لا يمكنها إلا أن تكون - ويجب أن تكون كذلك - حلولا مرحلية تكتيكية تتعامل مع مستجدات الوضع الراهن دون التفريط بالمستقبل، حلول تقوم على مبدأ الانحناء للعاصفة دون الاقتلاع من الجذور، فالحقوق التاريخية الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني وللأمة العربية ليست معروضة للبيع أو للمساومة عليها ولا يجوز لأي مفاوض أو زعيم أن يفرط بها لأنها ليست في ملكه وحده، وخصوصا إذا كان مهزوما مغلوبا على أمره، ولان حكامنا لا يمثلوا إرادة الشعب لأنهم غير منتخبين من قبله ، فأي اتفاقية على هذا الأساس يتم التوصل إليها تدخل في صنف العقود الباطلة لأن المعني الأساسي بالقضية وهو الشعب الفلسطيني ،خضع للتدليس والضغط والإكراه.

ضياع الحق اخطر من ضياع الأرض
إن ما هو أخطر من ضياع الأرض بالحرب هو ضياع الحقوق على طاولة المفاوضات، وعليه كان من الأشراف للأنظمة العربية المشاركة في التسوية وعلى الخصوص المفاوض الفلسطيني ، لو أعلنوا لشعوبهم صراحة أن المفاوضات الجارية ليست مفاوضات سلام حقيقي ونهائي وشامل، بل مفاوضات استسلام مفروضة عليهم وأنهم في كل ما يقعون عليه من التزامات وما يقدمون من تنازلات إنما يحدث تحت ضغط التحالف الصهيوني الأمريكي، ولا يعبر عن حقيقة الموقف القومي والوطني، وأن يكفوا عن ترداد الحديث عن أن التسوية الجارية ستحقق سلاما عادلا وشاملا في المنطقة، لان مثل هكذا حديث معناه أن تاريخهم الماضي بما حفل به من نضال ومعاناة وحروب وشهداء كان خطأ ومغامرات جهالة.
قد لا نستطيع أن نلزم الأنظمة العربية أن تلتزم بالبعد القومي للقضية الفلسطينية وأن ترهن مشاكلها وعلاقتها مع الكيان الصهيوني بما تؤول إليه القضية الفلسطينية، ولكن بالنسبة للمفاوض الفلسطيني نعتقد أنه لا يقبل على نفسه ولا يجب عليه أن ينتظر من الشعب الفلسطيني أن يقبل بأن تكون نهاية التسوية اقل من دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشريف .إن الشعب الفلسطيني يملك قدرات لا حدود لها على العطاء والتضحية شعب يخرج منتفضا شامخا من وسط الركام والرماد كلما ظن أعداؤه أنه قد انتهى، والشعب الفلسطيني شعب حضاري، شعب ضُرب به المثل في عدد مثقفيه وكوادره كما ضُرب به المثل في عدد شهدائه. والشعب الفلسطيني شعب ذكي لماح يعرف ما هو الواقع الراهن ويعرف ما آلت إليه أحوال الأمة العربية وأحوال حلفائه الاستراتيجيين في المعسكر الاشتراكي، والشعب الفلسطيني أحس بفداحة الثمن الذي دفعه نتيجة مراهناته المريحة على أصدقاء وحلفاء ثبت له أنه كمن يراهن على السراب ... لكل ذلك فالشعب الفلسطيني ليس من السذاجة حتى يقفل الأبواب أمام أي حل مرحلي أو أن يتعامل بمبدأ «كل شيء أو لا شيء» .ومن هنا قَبِل جزء كبير من الفلسطينيين المشاركة بعملية السلام عندما كانت كل التصريحات والوعود الأمريكية والأوروبية والمصرية وغيرها، توحي بأن الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف هي ما سيقدم لهم ثمنا لمشاركتهم في عملية السلام.
ولكن قبول غالبية الشعب الفلسطيني بالمشاركة في عملية التسوية السلمية أو سكوته عنها ، لا يعني بالضرورة أنه كان واثقا من نجاح التسوية ، أو مطمئنا إلى حياد الولايات المتحدة الأمريكية، أو مقتنع بخطاب السلام الصهيوني،بل كان الشعب الفلسطيني يريد أن يسند قيادته لتواجه محاولات إلغائها بعد حرب الخليج ومحاولات شطب القضية الفلسطينية كقضية شعب يناضل من أجل استعادة وطنه وكان الشعب الفلسطيني الذكي واللماح يريد أن يكشف زيف خطاب السلام الصهيوني وزيف خطاب السلام الصهيوني وزيف حياد الولايات المتحدة الأمريكية في الصراع، وأخيرا كان الشعب الفلسطيني يرمي بقبوله المشاركة في العملية السلمية أن يعطي فسحة من الوقت لمنظمة التحرير الفلسطينية لتعيد تثبيت أقدامها التي زعزعتها حرب الخليج، ولتعيد ترتيب أوراقها وبناء مؤسساتها ، بحيث تتساوق المباحثات مع تصعيد النضال الفلسطيني ومع مواصلة تعبئة الشعب الفلسطيني وتصعيد الانتفاضة .
إذن كان الشطر الأكبر من الشعب الفلسطيني مستعدا لكل الاحتمالات، مستعدا في ظل الظروف التي لا يحسد عليها - ظروف لم يصنع قسوتها العدو الصهيوني وحده ولكن أيضا عرب أرادوا أن يدفعوه ثمن صموده وعروبته وصدقه ورفضه الخضوع والاستسلام - على القبول الواقعي بوجود الكيان الصهيوني على شرط أن يؤدي مسلسل السلام إلى دولة فلسطينية عاصمتها القدس تحفظ الهوية الوطنية الفلسطينية وتشكل قاعدة نضالية وروحية ومادية لهذا الشعب ،إلا أن ما لا يمكن مجرد تصوره أن يقبل الشعب الفلسطيني ضمن أي ظروف أو تبريرات أن يعترف بشكل نهائي بالكيان الصهيوني وأن يضفي الشرعية على مشروع إسرائيل الكبرى الذي يجري تأسيسه بصيغ جديدة ، وأن يكون شاهد زور بل ومباركا لتخلي الأنظمة العربية عن التزاماته القومية والأخلاقية، وأن يسكت على عملية التجويع والحصار والقتل والتعذيب الممارسة ضده داخل الأرض المحتلة وعملية تذويب شخصيته وتشويه تاريخه ونضاله ، أن يقبل كل ذلك مقابل ثمن هزيل هو أن يكون الفلسطينيون «نزلاء فنادق في منازلهم» على حد تعبير توفيق زياد. هذا ما لا يمكن أن يكون.
إن ما يثير الأسى والقلق هو استمرار إضفاء صفة السلام العادل والشامل والنهائي على الترتيبات والمخططات التي تحاك تحت ستار مفاوضات السلام، بالرغم من الانكشاف الفاضح والمعلن للمواقف الصهيونية والأمريكية، فالولايات المتحدة الأمريكية نسيت الوعود التي أعطتها للفلسطينيين ولحست كل التزاماتها السابقة بأن تكون محايدة وأن تراعى المفاوضات بشكل يؤدي إلى إقامة كيان فلسطيني في الضفة والقطاع، وأصبحت مواقفها اليوم متطابقة مع الموقف الصهيوني، بل أصبحت وكيله والمدافعة عنه عند الفلسطينيين والعرب، حيث تضغط على الفلسطينيين للقبول بالموقف الصهيوني، وتضيق عليهم الخناق لينسوا قضية العودة إلى حدود 1967، أو التفكير بقيام دولة فلسطينية، بل الأكثر من ذلك أنها تسعى لإسقاط صفة الاحتلال عن الضفة والقطاع كما أنها تضغط على الدول العربية لوقف المقاطعة العربية للكيان الصهيوني وتطبيع علاقتها معه قبل أن تلتزم إسرائيل بتطبيق مقررات الشرعية الدولية.
وبالنسبة للدول العربية يلاحظ تحول خطير في موقفها من مسلسل التسوية 12، ففي بداية المفاوضات كانت التصريحات المعلنة تؤكد على ضرورة التوصل إلى حلول على كافة الجبهات ورفض الحلول الانفرادية، وكان موقف المفاوضين العرب ملتزما بتطبيق قرار مجلس الأمن 242 الداعي للانسحاب من كل الأراضي العربية المحتلة وان تجرى المفاوضات في إطار مؤتمر دولي أما اليوم فقد نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في فرض منطق الحلول الانفرادية وسياسة الأمر الواقع، فالسوريون لم يعودوا يتحدثون إلا عن الجولان دون أن يربطوا أي اتفاق لهم مع الكيان الصهيوني بمصير القضية الفلسطينية وبمصير الأمة العربية، واللبنانيون شبه متفقين على الخطوط العريضة للتسوية مع إسرائيل ولا يعيق التسوية إلا الخوف من استغلال إسرائيل لها لإضعاف موقف سوريا التفاوضي،13 والأردن وقع اتفاقية وتبادل التمثيل الدبلوماسي مع إسرائيل ،والبعثات التمثيلية وتبادل الوفود ما بين إسرائيل ودول عربية تسير باطراد.
أما الأمم المتحدة التي يفترض أنها داعية السلام العالمي فإنها موجودة في كل مكان في العالم ولا تتورع عن استعراض عضلاتها سواء في الصومال أو انغولا أو كمبوديا أو الخليج أو هايتي او كوسوفو او تيمور الشرقية الخ ولكنها الغائب الأكبر عن الصراع العربي الصهيوني، فمشكلة الشرق الأوسط أصبحت منطقة محرمة على الأمم المتحدة وعلى أمينها العام لأن ما يجري بالفعل في هذه المنطقة لا علاقة له بالشرعية الدولية ولا بالمواثيق الدولية، بل انتهاكا لكل المواثيق الدولية سواء منها تلك التي ترفض احتلال أراضي الغير أو المتعلقة بتطبيق قرارات مجلس الأمن.
المبحث الثاني
اتفاق أوسلو- خطوة نحو الدولة أم مخطط للتصفية ؟

لاشك أن السياسة هي فن الممكن، وأن السياسي الناجح هو الذي يكون متفائلا في أحلك اللحظات وحتى وسط الهزائم، لأن التفاؤل في الحياة السياسية - الدبلوماسية والعسكرية -يعني أن المعركة متواصلة وأن هناك آمالا وفرصا لم تستنفذ، وأن ما لم تتحه ظروف الواقع الراهن وقدرات الجيل الحاضر قد يتاح للأجيال المقبلة. ويعني التفاؤل في العمل السياسي أيضا، أن الهزائم والانتصارات في المعترك العسكري، و التسويات والاتفاقات في المعترك السياسي ما هي إلا محصلات لموازين قوى الساعة، وموازين القوى هذه ليست ثابتة أو أبدية بل تتغير من حين إلى حين سواء بتغير الظروف الداخلية أو بتغير التحالفات والعلاقات الخارجية.إلا أن التفاؤل في العمل السياسي شيء ،وعدم مصارحة الجماهير بالحقيقة بإخفاء أوجه التقصير أو التنازلات التي تمس بجوهر القضية، شيء آخر. أن التفاؤل المشروع والمطلوب في النضال السياسي وخصوصا في إطار النضال الوطني التحرري طويل الأمد هو الذي لا يستسلم لإرادة الخصم، ويكون هدفه خلق الثقة بالنفس عند الجماهير، وتبديد الإحباط واليأس . نعم، قد تضطر القيادة السياسية للاعتراف بقوة الخصم والقبول ببعض شروطه للخروج من المأزق، ولكنها لا تقطع الطريق على الأجيال المقبلة لمواصلة النضال بكل صوره من أجل تحقيق الأهداف الوطنية. إنه التفاؤل المؤمن بعدالة القضية والمنطلق من مبدأ أن القضية الوطنية قضية كل الأجيال، وأن عطاءات الشعب لا تنضب وأن الحقوق الوطنية لا تضيع بالتقادم أو بهزيمة عسكرية.
ليس المقصود أن نهرب من الواقع إلى المثل أو الشعارات أو نتعامى عن صعوبة المرحلة وعن حالة اليأس والإحباط وانعدام الثقة التي بدأت تغلغل في نفس المواطن العربي بعد حرب الخليج، كما لا يمكننا أن نتجاهل متطلبات أهلنا داخل الأرض المحتلة ولا يمكننا أيضا أن نتجاهل الجهد الفلسطيني لما بعد حرب الخليج للحفاظ على القضية الفلسطينية حية وفعالة، إلا أن كل ذلك يجب أن لا يغيب عن الأنظار أن التسوية التي تحاك اليوم هي تسوية صهيونية أمريكية، وأنه خطط لها وتتعاقب فصولها ضمن مخطط يخدم أهداف إسرائيل والمصالح الأمريكية في المنطقة، وأن التنازلات الكبيرة تتم من طرف واحد حتى الآن -الطرف الفلسطيني والعربي -وأن أي حديث عن شروط فلسطينية أو عربية ما هي إلا ذر الرماد في العيون ومناورات يضخمها الإعلام الرسمي العربي والغربي ليظهر أن ما يجري هو مخطط سلام فعلي قائم على قبول ورضى طرفي الصراع، وبالتالي الزعم بأن التسوية المأمولة تسوية سلمية في مصلحة الفلسطينيين والعرب كما هي في مصلحة إسرائيل.
نعم، إن القصد من قولنا هذا ليس تبديد التفاؤل وإفقاد الإنسان العربي الأمل في الغد والثقة في النفس، ولكن القصد وضع الأمور في نصابها والتعامل مع الحدث بكل أبعاده وحيثياته، ومصارحة الجماهير بالواقع والتعامل مع القضية كقضية أجيال ومع الصراع كصراع وجود طويل الأجل من الأفضل إبقائه مفتوحا أمام كل البدائل والخيارات ما دامت التسوية لم تحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية والتي عليها شبه إجماع وطني .
ومن نافلة القول أن المرحلة التي بدأت تمر بها القضية الفلسطينية منذ مدريد تعد من أخطر المراحل في تاريخ الصراع العربي - الصهيوني وفي تاريخ العرب الحديث. فإذا كانت المراحل السابقة عرفت هزائم عسكرية ترتب عليها ضياع الأرض، فإن المرحلة الراهنة /بالإضافة إلى تكريسها للهزائم العسكرية فإنها مرحلة هزائم سياسية ونفسية سيترتب عليها ضياع غالبية الحق، وضياع الحق أخطر من ضياع الأرض، لأن ضياع الأرض، مع إبقاء الحق وتمسك أصحابه به يعطي للأجيال القادمة المبرر والمشروعية لاستعادة الأرض، أما ضياع الحق بموافقة أهله فإنه يعني ضياع القضية وضياع حقوق الأجيال المقبلة. ومن هنا يمكن فهم مناورة إسرائيل وأمريكا في جر منظمة التحرير الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني بعد حديث متكرر عن رفض الاعتراف بها ورفض التفاوض معها ، لأن إسرائيل تريد من المنظمة بصفتها التمثيلية هذه أن توقع على اتفاقات إقبار القضية الفلسطينية.

كانت الورقة الأمريكية التي على أساسها بدأت المفاوضات ، على قدر من الغموض بحيث تسمح لكل طرف طرح ما يريد من قضايا إلا العودة إلا ساحة المعركة ،وكان مؤتمر مدريد ومفاوضات مدريد ثم واشنطن ،جولات وجولات ،شروط و ابتزازات ، مناورات ودسائس ،دون التوصل إلى أي شيء ،بذل حيدر عبد الشافي وحنان عشراوي وفيصل الحسيني كل الجهود الصادقة والوطنية من أجل التوصل إلى حل مُشرف للصراع ، ولكن كما تأكد فيما بعد لم يكن مسموح لهم ولبقية الوفد 14 الذي يمثل الداخل أن يتوصلوا إلى اتفاق هدفه تطبيق قرارات الشرعية الدولية ، بل لم يكن معترف بهم كوفد فلسطيني مستقل حيث عملوا في إطار وفد أردني فلسطيني مشترك .كانت إسرائيل وأمريكا تريدان من المنظمة أن تكون هي الطرف المفاوض والطرف الذي يوقع ، أرادا أن لا تكون تسوية مرجعيتها قرارات الشرعية الدولية بل ما يتم الاتفاق عليه بالمفاوضات، وفي الوقت الذي كانت تتعثر فيه المفاوضات في واشنطن كانت مباحثات سرية تجري في أوسلو بين المنظمة وإسرائيل على قاعدة الشروط الإسرائيلية ،مفاوضات استمرت لستة اشهر بسرية تامة قادها عن الجانب الفلسطيني أبو مازن ووقعت بالحرف الأولى من طرف أبو علاء وأفضت إلى ما اصطلح عليه باتفاق أوسلو والذي تم التوقيع عليه في واشنطن يوم الثالث عشر من سبتمبر 1993 15 .
لن نخوض هنا في أسباب السرية ومن اقترح السرية_16 ،ولكن يمكن القول إن قبول منظمة التحرير بهذا الأسلوب من المفاوضات يعني إفقادها لأهم أوراق القوة في تلك المرحلة وهي الأشراف الدولي والمرجعية الدولية ،حيث تتناقض الدبلوماسية السرية مع أسلوب عمل الأمم المتحدة ، ونعتقد أن إسرائيل من خلال فرض أسلوب المفاوضات السرية تمكنت من تحقيق اكبر إنجاز وهو إسقاط البعد الدولي للقضية الفلسطينية ، حيث حلت المرجعية التفاوضية محل المرجعية الدولية ،ولم يعد من الممكن الاحتجاج على الأمم المتحدة لغيابها عن التسوية ما دام المعنيون أبعدوها وفضلوا خيار المفاوضات السرية المباشرة .
كان توقيع الاتفاق مفاجئا ومربكا للعديد من القيادات الفلسطينية وخصوصا الوفد المفاوض في واشنطن ،وقد عبر رئيس الوفد وبقية أعضاءه عن امتعاضهم لأسلوب المنظمة ولتهميشهم المتعمد ، وانسحب بعضهم من المفاوضات وصرح حيدر عبد الشافي انه لن يوقع على الاتفاق بل وتردد حديث آنذاك عن توتر العلاقة بين وفد الداخل وقيادة المنظمة وان هذه الأخيرة كانت حذرة ومتخوفة من أن يتحول وفد الداخل إلى قيادة بديلة 17 ، ونعتقد هنا أن هذه النقطة استغلتها أمريكا وإسرائيل لابتزاز قيادة المنظمة وان تفرض عليها التخلي عن وفد الداخل الذي هو في نظرهما متصلب وفتح مفاوضات سرية ومباشرة مع أشخاص معروفين منذ سنوات لإسرائيل ولأمريكا كعناصر معتدلة ولها تاريخ طويل من الاتصالات مع الإسرائيليين ومعروفون أيضا برفضهم لنهج الكفاح المسلح وبعدهم عن العمل الجماهيري إن لم يكن ازدراؤهم له .ومع ذلك فقد تحدثت كواليس الساحة الفلسطينية عن _مناورة عرفاتية 18 مفادها أن قيادة المنظمة كانت تطلب من الوفد في واشنطن أن يتصلب في مواقفه عن قصد حتى لا يتم أي اتفاق بمعزل عن المنظمة وان تضطر أمريكا وإسرائيل في الأخير إلى التفاوض مع المنظمة من منطلق أن مواقفها اكثر ليونة من مواقف وفد الداخل المشبع بروح الانتفاضة ، ولا نستبعد أن المنظمة كانت تبلغ رسائل للأمريكيين إنها اكثر استعدادا لتقديم تنازلات .
ما بين توقيع الاتفاق بالأحرف الأولى وتوقيعه بشكل نهائي ، تمت عملية الاعتراف المتبادل ما بين المنظمة وإسرائيل يوم التاسع من سبتمبر ، وهو اعتراف غريب بغرابة التسوية كلها ، حيث اعترفت منظمة التحرير لا بإسرائيل كأمر واقع بل بحق دولة إسرائيل بالوجود وذلك في مقابل اعتراف حكومة إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية ، وليس الاعتراف بدولة فلسطينية 19. وانطلقت مفاوضات ماراثونية لتطبيق اتفاق أوسلو لم تتوقف إلى اليوم ، وفي موازاتها جرت مفاوضات اللجان المتعددة التي كان هدفها الأساسي تطبيع العلاقة ما بين إسرائيل والعالم العربي بغض النظر عما ستسفر عنه المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية .كان لسقوط حكومة شامير وقيام انتخابات عامة في يونيو من عام 1992 أوصلت حزب العمل إلى السلطة ،دورا فيما تحقق ،واستطاع رابين من خلال مناوراته السياسية ومن خطابه المراوغ إدخال المنطقة في عهد جديد ، كانت سياسته ترمي إلى تحقيق عدة أهداف منها هدفا آنيا مهما للكيان الصهيوني، وهو الحصول على ضمانات القروض الأمريكية ومقدارها عشرة مليارات دولار والتي كانت الإدارة الأمريكية قد أوقفتها في عهد الحكومة السابقة حتى تظهر للعالم أنها تضغط على الحكومة الإسرائيلية لإلزامها بعملية السلام ،أما الأهداف العميقة والبعيدة المدى التي سعى إليها رابين وكانت متفقة مع السياسة الأمريكية فهي:
أولا : إغلاق ملف القضية الفلسطينية نهائيا، أي إضفاء صفة شرعية على الوجود الصهيوني في فلسطين وفي الأرض العربية، وذلك بإحضار الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات للتوقيع على وثيقة التنازل عن حقهم في وطنهم ،فإسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأمريكية يعلمان أن الوضع العربي والدولي الراهن يمثل فرصة سانحة - لم يجُد بمثلها وقد لا يجَد بمثلها المستقبل - لوضع حد لما يسمى بمشكل الشرق الأوسط وترتيب الأوضاع في المنطقة بما يخدم أهدافهما ، فالوضع الفلسطيني في الداخل كان مترد ،حيث الانتفاضة تراوح في مكانها ،إن لم تكن في تراجع ، والفلسطينيون في خارج الأرض المحتلة محاصرون مقهورون فاقدو القدرة على الفعل. والأنظمة العربية متطاحنة مع بعضها البعض منهمكة بخلافاتها مع بعضها البعض أو بمشاكلها الداخلية ، لا مصلحة مشتركة تجمعهم، ولا استراتيجية توحدهم، ولا هدف يربطهم ، حتى أن كلمة عرب أصبحت أقرب في دلالاتها إلى حقل الاثنولوجيا منه إلى التعبير عن وقع اجتماعي سياسي حضاري لجماعة بهذا الاسم، أنهم تاريخ أكثر مما هم حاضر. والنفط الذي كان أحد مصادر قوتهم انتقل من سلاح بيد المنتج إلى سلاح بيد المستهلك، والأموال العربية في نضوب، وقوة العرب تمركزت في حناجرهم وألسنتهم أكثر مما هي في عقولهم وسواعدهم ،ودوليا النظام العالمي في حالة تسيب و إعادة تركيب والقوة الوحيدة الفعالة فيه هي الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها.
لكل ذلك كانت الظروف مواتية لإسرائيل والولايات المتحدة لحل القضية الفلسطينية بشكل نهائي ، وحتى تحل القضية نهائيا يجب أن يوقع على اتفاقات التصفية والتسوية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني م.ت.ف وليس غيرها. كانت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية تعلمان أن لا حيدر عبد الشافي ولا فيصل الحسيني ولا حنان عشراوي ولا أي فرد من أفراد الوفد الفلسطيني المفاوض ... له صفة تمثيلية رسمية ، أنهم قد يمثلون سكان الضفة والقطاع ولكنهم لا يمثلون كل الشعب الفلسطيني، وعليه فإن توقيع أي اتفاقات معهم لن تكون ملزمة للشعب الفلسطيني وخصوصا خارج الأرض المحتلة .
والمتتبع لمجريات الأحداث منذ بداية ما يسمى بمسلسل السلام وحتى توقيع اتفاق أوسلو يلاحظ أن الفيتو الصهيوني الأمريكي على مشاركة المنظمة لم يكن قاطعا ونهائيا بل مشروطا. وكانت كل أطراف المفاوضات على اتصال بشكل ما بالمنظمة لإدراكهم أن وجود المنظمة ضروري لتسوية القضية الفلسطينية تسوية نهائية. ولكن المنظمة التي يريدون إشراكها في المفاوضات ليست هي منظمة الميثاق الوطني الفلسطيني، منظمة تحرير فلسطين بالكفاح المسلح. وهكذا نلاحظ أن اقتراب م.ت.ف من وضع المفاوض المقبول في مسلسل السلام الأمريكي كان يسير متساوقا مع عملية إفقادها صفتها الثورية وعمقها القومي وتصفية قادتها ورموزها الثوريين الرافضين للمساومات، ومع تصفية مواقعها وقواعدها المقاتلة في لبنان، ومع تجميد أي نشاط ثوري فلسطيني خارج الأرض المحتلة، ومع إلصاق صفة الإرهاب على كل من يمارس الكفاح المسلح أو حتى يتحدث عنه. وتقوم أنظمة عربية بدورها في العملية من خلال تضييقها على الفلسطينيين وسد سبل العيش والإقامة أمامهم ومعاملتهم معاملة إذلال واضطهاد وخصوصا في نقاط العبور وفي المطارات والموانئ، حيث يعاملون على الحدود والمطارات كأنهم أسرى حرب أو منبوذين أو إرهابيين فيحشروا لأيام وأسابيع في خيم وسراديب دون مراعاة للأطفال والنساء والشيوخ. كل ذلك ليدفعوا الفلسطينيين إلى القبول بالحلول المطروحة دون تردد. يحدث كل هذا في ظل صمت عربي ودولي مريب ومشبوه، لقد كان الظرف جد مناسب لجر الفلسطينيين إلى طاولة المفاوضات .
ثانيا : محاولة إثارة الشقاق داخل الصف الفلسطيني، وتأليب الشعب الفلسطيني وخصوصا خارج الأرض المحتلة على منظمة التحرير . فمن المعلوم أنه منذ أن قبلت قيادة م.ت.ف التعامل مع مسلسل السلام الأمريكي، ارتفعت أصوات عديدة تندد بهذا الموقف وتحذر المنظمة من التصرف في حقوق هي ملك لكل الشعب الفلسطيني عبر الأجيال، وأن مهمة المنظمة هي التحرير وليس التفريط بالحقوق الفلسطينية وكانت أشد هذه الأصوات معارضة هي حركة حماس الإسلامية التي لم تقتصر في معارضتها لنهج المنظمة على المواقف السياسية المعلنة بل تجاوزت ذلك إلى التشكيك بتمثيلية م.ت.ف للشعب الفلسطيني وطرحت نفسها بديلا لها.
كانت المرحلة السابقة متسمة بالتعامل الحذر والمصادمات الدموية في بعض الأحيان، إلا أن الأمر لم يصل لمرحلة القطيعة والمصادمات لم تصل لمرحلة كسر العظام، نظرا لأن المنظمة وخصوصا حركة فتح كانت تعلن دوما أنها في قبولها لمسلسل السلام إنما تتعامل مع أوضاع مفروضة عليها ومع مستجدات وضغوط عربية ودولية لا قبل لها على مواجهتها، وأن صفتها التمثيلية للشعب الفلسطيني تحتم عليها دخول المعترك السياسي لمحاولة التأثير في مجرياته. وكانت المنظمة تؤكد أن تعاملها مع نهج التسوية لا يعني التفريط بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني أو التخلي عن حق الشعب الفلسطيني بالكفاح بكل الطرق من أجل إقامة دولته المستقلة.
في المقابل المراهنة الإسرائيلية والأمريكية كانت تقوم على أن الأمور ستختلف إذا ما وصلت المحادثات إلى مرحلة التوقيع النهائي على اتفاقات التسوية النهائية دون أن تكون الدولة الفلسطينية المستقلة أحد إنجازات هذه التسوية ، وإن جلوس م.ت.ف. على طاولة المفاوضات ضمن الشروط الصهيونية الأمريكية وما يتطلبه ذلك من الانتقال من الخطاب المرن الغامض الذي لا يثير العدو ويرضي الجماهير في نفس الوقت إلى خطاب واضح ومواقف لا لبس فيها سيفجر الوضع الفلسطيني الداخلي وقد يؤدي إلى حرب أهلية .
كانت إسرائيل وأمريكا تريان أن التسوية ضمن شروطهما ستفرض على المنظمة مواقف تلتزم بها منها إغلاق ملف القضية ووقف النشاط الثوري الفلسطيني ضد الكيان الصهيوني، ليس حاضرا فقط، بل التخلي على أي مطالب أو حقوق مستقبلية سواء بالنسبة لسكان الأرض المحتلة أو فلسطيني الخارج.وهو الأمر الذي في حالة تحقيقه سيعطي المبرر بل والمشروعية لقوى فلسطينية متضررة من التسوية أو تشعر بأن التسوية غير ملبية لتطلعات الشعب الفلسطيني المشروعة، لترفض التسوية وتواصل النضال وخلق بديل للمنظمة يعبئ الرافضين للتسوية، مما سيفجر صراعا فلسطينيا - فلسطينيا لن تقتصر دوافعه ومغذياته على الجانب السياسي والتنظيمي فقط، بل ستؤجج ناره عوامل دينية وأطراف خارجية.
ثالثا : تكريس إقليمية القضية الفلسطينية، وخلق قطيعة ما بين الفلسطينيين والعرب، أو بتعبير آخر تحويل القطيعة الرسمية إلى قطيعة شعبية جماهيرية .فمن نافلة القول إن من أهم سمات الواقع العربي في السنوات الأخيرة تراجع مكانة الفكر القومي الحزبي والرسمي العربي وتفشي الإقليمية وحالات الصراع العربي - العربي، بل أن الأمور تنذر بالارتكاس إلى عهود ما قبل الدولة، حيث تبرز إلى السطح الصراعات الطائفية والعرقية والقبلية، الأمر الذي يفضح وهم ومأزق الدولة القطرية العربية ويؤكد أن على العرب إما أن يكونوا دولة واحدة وكتلة واحدة وإلا لن تقوم لهم قائمة كشعب متحضر له حاضر ومستقبل يفتخر بها.
إذن ودون إنكار للواقع العربي الرديء ودون تجاهل انفضاض الأنظمة العربية عن التزامها القومي تجاه الشعب الفلسطيني، ودون التعامي عن خطورة تراجع الحركات (القومية) و (الثورية) العربية عن استراتيجيتها النضالية من أجل فلسطين، فإن فلسطين مازالت في موقع الصدارة في ذاكرة وضمير المواطن العربي، ومازالت الجماهير العربية بالرغم من انشغالها بهمومها الداخلية وبالتحديات الخارجية مؤمنة بعروبة فلسطين ورافضة للتسليم بوجود الكيان الصهيوني سواء من منطلقات قومية أو إسلامية أو أخلاقية أو مصلحية، وهذه حقيقة يعلمها جيدا العدو الصهيوني والأنظمة العربية والغرب الاستعماري، ومن هنا إلحاحهم على فرض التطبيع بين العرب والعدو الصهيوني وتكثيف وسائل الإعلام لتحسين صورة العدو والتعامل معه كأمر واقع.
فقد كرست القوى المعادية للشعب الفلسطيني وللأمة العربية كل جهودها بالقوة والترهيب وبالسياسة والترغيب بالإعلام والثقافة الموجهة وبكل الوسائل ، بهدف خلق قطيعة ما بين الشعب العربي والقضية الفلسطينية، وبهدف إلغاء فلسطين من الذاكرة العربية الإسلامية، وغسل دماغ الإنسان العربي بأموال النقط وبمغريات المجتمع الاستهلاكي المرفه، فما استطاعت إلى ذلك سبيلا،لان المواطن العربي يشعر في دخيلة نفسه أنه ملتزم بعروبة فلسطين وبالعمل من أجل استعادتها إلا أن هذا الالتزام المبدئي سيتزعزع ولن بصبح له محل إذا رأى العرب أن أصحاب القضية أنفسهم انعزلوا بقضيتهم عن الأمة العربية وقبلوا بالشروط الصهيونية الأمريكية واقفلوا ملف قضيتهم، في هذه الحالة ستصبح أي مطالب عربية، مستقبلية، رسمية، أو جماهيرية، بتحرير فلسطين، وكأنها تدَخُل في شؤون الغير.
رابعا : تعزيز مقولة حياد الولايات المتحدة الأمريكية في الصراع العربي -الصهيوني، وتحسين صورتها لدى المواطن العربي بإظهارها صاحبة الفضل في تغيير الموقف الصهيوني وفي إجبار العدو على التنازل لمصلحة الفلسطينيين والعرب. فلم تدخر وسائل الإعلام العربية والأجنبية جهدا لإيهام العرب أن أمريكا مصممة على إنصافهم وعلى حل القضية الفلسطينية بما يرضيهم، وتأكيدا على صداقة أمريكا للعرب وحرصها على مصالحهم، وبالتالي إضفاء صفة الحياد على سياستها وإظهارها بأنها أوفت بوعودها إبان حرب الخليج بفرض الشرعية الدولية على الكيان الصهيوني !.


تجاهل الشرعية الدولية أدى فـي النهاية إلى استفراد واشنطن برعاية مسلسل التسوية

من غرائب هذه التسوية التي يؤطرها اتفاق أوسلو وممهداته ولواحقه، أن كل نص فيها تحول إلى مشكلة عند التطبيق وآلت التسوية برمتها إلى مأزق. وهكذا بدلا من أن تكون مراحل تنفيذ بنود الاتفاق خطوات إلى الإمام في طريق الوصول إلى الحل النهائي وهو السلام المقبول من الطرفين، تحولت هذه المراحل أو الخطوات التنفيذية إلى محطات تراجعية وخلقت مزيدا من التعقيد والتوتر أضافا مزيدا من التشكيك على مصداقية التسوية برمتها، حتى بات البعض يشك في أساس انطلاق المسلسل التسووي وفي توفر نية حقيقية لدى إسرائيل والولايات المتحدة في الوصول إلى تسوية تقوم على المبدأ الذي انطلقت منه وعلى أساسه وهو الأرض مقابل السلام وقرار مجلس الأمن 242، بل أصبح البعض يستحضر خطاب قوى رفض التسوية عند انطلاقتها الأولى، وهو الخطاب الذي اعتبر مؤتمر مدريد وما تبعه من اتفاقات مع الدول العربية، وخصوصا الفلسطينيين، مجرد مناورة لإبعاد الأنظار عما يجري في العراق وعن العودة المكثفة للقوات الأمريكية والأوروبية إلى المنطقة، وإجبار العرب على توقيع وثيقة استسلام تحت مسميات تبعد الحرج عن المفاوض العربي ،بالقول بأنها اتفاقات سلام. هذا النهج في التعامل عزز من قناعة بدأت تكسب مزيدا من الأنصار مفادها أن نهج التسوية بالشكل الذي يسير عليه سيؤدي في النهاية إلى تبديد الحلم الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أراضي الضفة العربية وقطاع غزة أو في أفضل الاحتمالات أن هذه الدولة ستقتصر على قطاع غزة مع وضع ترتيبات خاصة للضفة الغربية وتبقى القدس عاصمة لإسرائيل.
لاشك أن اتفاق أوسلو بنصوصه الغامضة، يتحمل جزءا كبيرا من المسئولية عما يجري، لأن هذا الاتفاق يشبه جراب الحاوي كل يوم يخرج الحاوي منه الجديد من الحيل والألاعيب، لا يفهمها إلا الحاوي نفسه وهو إسرائيل، إلا أن الاتفاق وقعه أشخاص كان يفترض فيهم الحرص على المصلحة الوطنية وفوق ذلك الفهم العميق للقانون الدولي ولكيفية إدارة الأزمات ، وللأسف انه في الوقت الذي حشدت فيه إسرائيل عباقرة القانون الدولي وأساتذة الجامعات قبل و أثناء توقيع الاتفاق ، فان الجانب الفلسطيني اسند مهمة التفاوض إلى رجل اقتصاد ورجل سياسة وعدد من السياسيين يحسنون الكلام والجدل اكثر مما يفهمون بالقانون . هذا لا يعني القول برفض التسوية كمبدأ، ولكن الرفض ينصب على قبول المفاوضين الفلسطينيين بنهج التفاوض السري، والاستسلام للضغوط الإسرائيلية والأمريكية ،وبجعل المفاوضات تسير بشكل انفرادي افقد القضية بعدها القومي والإسلامي، وحولها إلى قضية إسرائيلية داخلية، بحيث بات أي استنجاد بالأمة العربية أو دعوة لمؤتمر قمة عربي وكأنه شيء يتعارض مع منطق التسوية، وكأنه تدخل في شؤون الغير، ولا يعني قولنا هذا أن الفلسطينيين المتعاملين مع التسوية اختاروا هذا النهج بمطلق الحرية، بل نقصد أنهم منحوا الفرصة للأنظمة العربية لأن تتحرر من التزامها القومي تجاه فلسطين، وهو حلم كان يراود الحكام العرب منذ ما قبل مدريد ولكنهم كانوا غير قادرين أو محرجين باتخاذ الخطوة الحاسمة في هذا المسار، فجاء مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو لتعطيهم المبرر لإطلاق رصاصة الرحمة على هذا الالتزام .
أيضا الخلل يعود إلى بداية التفاوض وإلى نصوص الاتفاق حيث تم تجاهل الشرعية الدولية أو التقليل من أهميتها كمرجعية للتفاوض ولحل القضية، والاكتفاء بضمان راعيي المؤتمر روسيا الاتحادية والولايات المتحدة،حيث وجهت الدعوة للأمم المتحدة للحضور بصفة مراقب فقط ، وهو ما آل في النهاية إلى رعاية الولايات المتحدة فقط، حيث كان من المفروض أن يكون المؤتمر وكل اتفاقات التسوية تحت إشراف الأمم المتحدة، لأن القضية الفلسطينية أصبحت قضية دولية منذ قرار التقسيم 1947، وهذا الإبعاد للمرجعية الدولية منذ البداية،أي منذ مؤتمر مدريد ، مكن إسرائيل والولايات المتحدة من شل فاعلية المنتظم الدولي والأمم المتحدة فيما يتعلق بالتسوية وخصوصا على مسارها الفلسطيني، حيث آلت الأمور إلى التعامل مع القضية الفلسطينية ليس كقضية دولية بل كقضية إسرائيلية داخلية، ومن هنا وجد الأساس لإعطاء إسرائيل حق تحديد المناطق التي ترغب الانسحاب منها وحق توقيت هذا الانسحاب، وحصار المناطق المحتلة في أي وقت ، وربطها قضايا الوضع النهائي بقضايا المرحلة الانتقالية ، ذلك لأن إسرائيل لا تنظر إلى التسوية باعتبارها تطبيقا لقرارات دولية، بل كاتفاقية ثنائية تقوم على تفاهم واتفاق الطرفين ويحكمها مبدأ (العقد شريعة المتعاقدين ) والعقد هنا هو نصوص أوسلو الغامضة وليس قرارات الشرعية الدولية .
فهم ما يجري في المنطق المحتلة من تكثيف للاستيطان ومن عمليات تهويد للأرض ثم انتفاضة الأقصى وما صاحبها من إرهاب صهيوني وتراجع إسرائيل عن التزاماتها ووعودها التي قطعتها للفلسطينيين ، لا يفهم إلا انطلاقا من الخلل الأول في نصوص اتفاق المبادئ، لأن الخلل الأول أسس لسلسلة من الاتفاقات والمعاهدات والعلاقات بين إسرائيل من جهة ودول عربية و إسلامية من جهة أخرى، الأمر الذي عزز مكانتها الدولية وأسقط عنها صفتها كدولة احتلال في نظر العديد من هذه الدول، وجعلها تحصد من التسوية مكتسبات عديدة لا تقارن بما حققته الأطراف العربية بما فيها الفلسطينيون، بحيث أن أي وقف لعملية التسوية بعد انطلاقتها الأولى كان سيخدم إسرائيل أكثر مما يخدم السلطة الوطنية الفلسطينية الأمر الذي يفسر لنا الموقف الحرج لهذه الأخيرة، فلا هي قادرة على الاستمرار بمسلسل التسوية ضمن الشروط الإسرائيلية، ولا هي قادرة على التخلي عن التسوية والعودة لتأخذ مكانها كثورة وحركة تحرر وطني، لأنها من حيث تدري أو لا تردي قطعت الجسور اللازمة والضرورية لمثل هذه العودة وأصبحت أسيرة لنفسها،أسيرة لمكاسب هزيلة – مؤسسات ورتب وعلاقات – كانت تعتقد أنها نواة الدولة فأرادتها إسرائيل سجن للسلطة وبديل عن الدولة.
ليس المجال هنا للحديث حول حالة العجز التي تجعل الأنظمة العربية وجامعتهم العربية، عاجزين عن اتخاذ مواقف حاسمة حول قضية لا تمس الفلسطينيين فقط، بل تمس كل مسلم وعربي، لأن الاستيطان هو اعتراف واضح بيهودية الأرض التي يجري عليها الاستيطان بما فيها القدس ، وليس المجال هنا للحديث عن غياب موقف إسلامي واضح وفعال في قضية إسلامية مقدسة، لأن هناك مسلمون بدون إسلام حقيقي، مسلمون يتحدثون عن الإسلام أكثر مما يبنون المجتمع الإسلامي، مسلمون يتطاحنون للوصول إلى السلطة أو الحفاظ عليها موظفين الإسلام كأيديولوجية تحريضية أو تخديرية أو تجهيلية لما فيه خدمة مصالحهم، لهم استعداد للحرب دفاعا عن كراسيهم ولا يحركون ساكنا دفاعا عن القدس ومقدسات الأمة.

أصبحت إفرازات مؤتمر مدريد واتفاقية أوسلو أمرا واقعا ،أراد من أراد ورفض من رفض –كونها أمرا واقعا لا يعني أنها أخلاقية وشرعية -. في اتفاقية أوسلو حصلت المنظمة كما قال أبو عمار (على ما نستطيع وليس على ما نريد ) ،وما بين ما نريد وما نستطيع بون شاسع ، تاريخ وأحلام وحقوق ومعاناة . وبقدر ما تفاءل البعض غضب وتمرد آخرون ،فالمتفائلون اعتبروا أن الاتفاق(وضع بداية لنهاية هذا الصراع الذي استمر طيلة القرن العشرين .كما انه لا بد أن يوصل الشعب الفلسطيني إلى الاستقلال ، وللمرة الأولى يضطر الإسرائيليون للاعتراف بالشعب الفلسطيني وحقوقه السياسية المشروعة_) 20)، أما المعارضون فكانوا من مشارب مختلفة ، حيث هدد أحمد جبريل بقتل أبو عمار حيث قال :(سيدفع أبو عمار ثمن موافقته على هذا المشروع شخصيا ...وان الشعب الفلسطيني لن يسمح لعرفات أن يبقى حيا إذا وافق على هذا الاتفاق الخياني ) ، كما صرح فتحي الشقاقي رئيس منظمة الجهاد الإسلامي لوكالة الصحافة الفرنسية بأن يوم توقيع الاتفاق ( يوم اسود في تاريخ شعبنا الفلسطيني وفي تاريخ امتنا العربية والإسلامية ، إنها صفقة رخيصة لن يقبل بها الشعب ولا الأمة وسيبقى الجميع يقاومها بكل الوسائل الممكنة ) وفي نفس السياق سارت حركة حماس وفتح الانتفاضة ، بل إن عناصر قيادية في فتح انتقدت الاتفاق حين توقيعه ، فهاني الحسن عضو اللجنة المركزية لحركة فتح حمل على الاتفاق وقال إن الرئيس الفلسطيني لا يملك الحق بالتوقيع على الاتفاق باسم الشعب الفلسطيني وحذر من الملاحق السرية للاتفاق - فيما بعد اصبح هاني الحسن من المدافعين عن اتفاق أوسلو والسلطة الفلسطينية معتبرا الاتفاق جنيا لما زرعته البندقية الفلسطينية- ، وما بين الرفض المبدئي والمناورة كان موقف فاروق القدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير حيث قال بأنه لا يحق لأي قيادة إلزام الشعب الفلسطيني بالتخلي عن كفاحه المشروع لتحقيق أهدافه الوطنية المشروعة وهي تحرير أرضه من الاحتلال الإسرائيلي وإقامة دولته المستقلة 21.

إنها اتفاقية الأمر الواقع ... ولكن هل من السهل على الإنسان أن يكيف نفسه مع أمر واقع وخصوصا إن كان مفروضا ؟
كم هو قاس على النفس والوجدان التسليم بما يجري من تسوية للصراع العربي - الإسرائيلي، ومن قبول بمشروع الحكم الذاتي ، فليس من اليسير على الإنسان العربي والفلسطيني، الإنسان المؤمن بالحق الفلسطيني وبعروبة ارض فلسطين، أولئك الذين امتزجت القضية الفلسطينية بدمائهم وعاشوا على شعاراتها وواكبوا أحداثها وعانوا في سبيلها وربطوا حياتهم بها، ليس سهلا عليهم أن يتخلوا عن قيم ومبادئ تربوا عليها، وعن ذاكرة شحنت وطنيا وقوميا وإسلاميا بمقولات عروبة فلسطين أرضا وشعبا، ورفض الوجود الصهيوني فيها، واعتبار الاعتراف بالكيان الصهيوني من المحرمات الوطنية والقومية والدينية، يصعب على هذا الإنسان نفسيا وعقليا أن ينسى كل معاناته وتضحياته وتضحيات أجيال بكاملها من أجل فلسطين، ويصعب عليه أن ينسى تاريخا عاشه مليئا بالمرارة والعذاب والأمل بالغد المشرق بيوم التحرير والنصر، قاس على العقل والنفس نسيان أنات المعذبين وصرخات المعتقلين وعويل النساء وزغاريدهن حول قبور أبنائهن وأزواجهن الشهداء الذين سقطوا على درب التحرير مدفوعين بوطنية صادقة وإيمان لا يتزعزع بعدالة قضيتهم، بدءا بعطا الزير وأحمد جمجوم وفؤاد حجازي وعز الدين القسام وعبد القادر الحسيني و أبو يوسف النجار وكمال عدوان وماجد أبو شرار وغسان كنفاني، ومعهم على الدرب دلال المغربي وجيفارا غزة وأبو جهاد وأبو أياد وعاطف بسيسو ويحيى عياش وأبو علي مصطفى وصلاح شحادة وأكثر من ألفي شهيد قدمتهم انتفاضة الأقصى ، وشهداء لا حصر لهم ترتفع شواهد قبورهم في مقابر شهداء فلسطين التي زرعناها وزرعناهم فيها داخل فلسطين المحتلة وخارجها.
يقينا، لم يكن هؤلاء عشاق موت من أجل الموت، وليسوا أغبياء أو جهلة، والمبادئ التي حركتهم والمشروع الوطني الفلسطيني الذي التفوا حوله لم تكن مجرد أكذوبة أو عبث مغامرين، وهذا التاريخ الحافل بالتضحيات، من عمر القضية الفلسطينية منذ 1917 إلى اليوم، هو تاريخ هؤلاء الشهداء وهذه المعاناة هو تاريخنا وليس تاريخ غيرنا، والطرف الثاني الذي وقع الاتفاقية هو نفسه من سبب معاناتنا وقتل واعتقل وعذب وكسر عظام أطفالنا وشبابنا.
نعم، إذا حاكمنا ما يجري من تسوية، انطلاقا من المبادئ والأهداف والشعارات الثورية والقومية، وانطلاقا من المواثيق الوطنية للثورة الفلسطينية، لقلنا إن ما يجري يبدو تراجعا كبيرا إلى الوراء، وشيئا قاسيا على النفس قبوله والتسليم به بيسر وسهولة، فليس من الهين أن نفتعل قطيعة مع الماضي لمجرد توقيع ورقة أو إجراء مصافحة .
ولكن.. الواقع عنيد والشعارات والمبادئ لوحدها لا تستطيع أن تغير في الواقع شيئا إن لم تكن مدعومة ومسنودة بقوة مادية وبعقلية حضارية وبعلاقات دولية مواتية قادرة على تحويل الشعارات إلى فعل وحركة وتنفيذ على أرض الواقع، فقوة المبادئ والنظريات لا تستمد من انتظام مقولاتها وانسجامها الفكري المنطقي أو من قبول الجماهير بها وتهليلها لها، خصوصا إن كانت جماهير العالم الثالث التي تفكر بعواطفها اكثر مما تفكر بعقلها، أيضا لا تستمد هذه الشعارات والمبادئ مصداقيتها وقابليتها للحياة لتمثلها قيما أخلاقية أو دينية أو شرعية قانونية، إن قوة المبادئ تستمد من قدرتها على الفعل في الواقع والتصارع معه لتغييره، وإذا ما عجزت المبادئ والنظريات عن تغيير الواقع وتطويعه لمقولاتها وجب إعادة النظر فيها أو في الوسائـل المتبعة لتنفيذها.

يقينا، أن إسرائيل لم تصل إلى ما تريد بأقل درجة من الخسائر، لأنها على حق وتملك الشرعية والمشروعية التاريخية والقانونية ،ويقينا أن المنظمة لم تتنازل عن أهداف سابقة، وعن استراتيجيات لتحقيق هذه الأهداف، وتقبل الدخول في مفاوضات وتوقع اتفاقات على أرضية الشروط الإسرائيلية والأمريكية ، كما اعترف بذلك الرئيس أبو عمار، لأنها على خطأ أو أن أهدافها وحقوق الشعب الفلسطيني غير عادلة، أو أن قيادة المنظمة خائنة وعملية .... إن الأمر لا يتعلق بشرعية أو عدم شرعية الحقوق ولا يتعلق بخيارات ذاتية مريحة للقادة، بل يتعلق بموازين القوى وبظروف محلية ودولية خدمت إسرائيل وتناقضت مع التطلعات المشروعة للشعب الفلسطيني .

حتى نعطي لكل الشهداء، ولكل من عاني من فلسطينيين وعرب في سبيل القضية الفلسطينية، حقهم من التقدير والتبجيل، وحتى لا نظلم القيادة الفلسطينية الموقعة على الاتفاق والتي هي نفسها قائدة النضال الفلسطيني لحوالي ثلاثين عاما، لابد أن نضع المشروع الوطني الفلسطيني في سياقه التاريخية وضمن الملابسات والمحددات العربية والدولية المصاحبة لتأسيسه، ذلك أن ما طرأ على هذه المحددات والشروط العربية والدولية هي السبب الرئيسي وراء وصول القضية الفلسطينية إلى ما وصلت إليه اليوم، فبعيدا عن أوهام تضخيم الذات وبتحرر من إسار الشعارات والعواطف، يمكن القول إن المشروع الوطني الفلسطيني الذي تجسده الثورة الفلسطينية وأساسه «الميثاق الوطني الفلسطيني» هو في واقع الأمر ليس مشروعا فلسطينيا خالصا رغم صياغته وروحه الفلسطينية، بل هو مشروع مشروط ومرتهن عربيا وإسلاميا وأمميا، فالأهداف لم تحدد اعتمادا على القدرات الفلسطينية وحدها، قدرات شعب موزع ما بين الاحتلال وارض الشتات، بل اعتماد على وجود أمة عربية تقف خلفه ومجتمع دولي يسانده، ويعطي لكفاحه الشرعية، أنه مشروع موجه إلى الأمة العربية الإسلامية، والمشروع الوطني الفلسطيني لم يقل أن الفلسطينيين وحدهم قادرون على هزيمة الكيان الصهيوني، بل كانوا يعتبرون دورهم طليعة الأمة العربية والإسلامية في حرب التحرير، والفتيل الذي يشعل المنطقة العربية ويحقق الوحدة العربية -سبقت الإشارة إلى ذلك -بل وكما هو معروف فإن المنظمة مشروع عربي وُلِدت في مؤتمر قمة عربي وفي أروقة جامعة الدول العربية وتبنتها كل القوى المناهضة للصهيونية والاستعمار وللإمبريالية الأمريكية ، كانت الثورة الفلسطينية أقرب إلى التحالف الثوري الأممي مما هي إلى مشروع وطني خالص.
وفي خضم سعي المنظمة المحموم للإبقاء على الحد الأدنى من العلاقة بينها وبين الحلفاء ،طبقت سياسة اللعب على التناقضات، فإذا تخاصمت مع عبد الناصر تقربت إلى سورية، تصطدم مع بعث العراق وتتقرب إلى بعث سورية، تسوء علاقتها مع السادات فتلجأ إلى القذافي، يرفضها الكتائبيون فتتحالف مع الحركة الوطنية، يغضب منها العلمانيون فتتقرب إلى الإسلاميين... الخ.
وفي سياق التشبث بالآمال وبالتحالفات تعرض الشعب الفلسطيني لتصفيات وحروب ومضايقات، وما زاد في معاناة الشعب الفلسطيني أنه في خضم توجه كل جهود القيادة الفلسطينية للحيلولة دون انفراط عقد حلفائها، وفي خضم اهتماماتها بالأمور السياسية والخارجية، نسيت ما هو اجتماعي وإنساني بخصوص الشعب الفلسطيني، فتفشت أمراض اجتماعية خطيرة، وتسيب تنظيمي مس كل التنظيمات الفلسطينية، وانتشرت البيروقراطية والمحسوبية والعشائرية، وترهل جسم المنظمة والمنظمات وتحول مقاتلون إلى موظفين وكتبة أو عاطلين يجترون ذكريات الماضي ويتساءلون عن آفاق المستقبل. وبكلمة اشمل افتقدت حركة المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها روحها الثورية وترهلت بنيتها التنظيمية، وغابت وظيفتها التحررية، وهو الأمر الذي أضعف من قدرتها على مواجهة التحديات الخارجية.
انطلاقا من هذه الخلفية - التي قد يعتبرها البعض تبريرية - فإن ما يجري اليوم هو النتيجة الحتمية لانسحاب وتراجع الحلفاء، وتقليص الأبعاد الحقيقية للقضية الفلسطينية، بتحولها إلى صراع بين شعب نصفه رازح تحت الاحتلال ونصفه الأخر في الشتات من جهة، ودولة إسرائيل النووية المدعومة بالحركة الصهيونية العالمية وبالولايات المتحدة الأمريكية، بل بالنظام الدولي الجديد كله، من جهة أخرى، وصراع هذه أطرافه لابد أن تكون نتيجته بالشكل المتوصل إليه.
ودون تسرع في إصدار الأحكام على اتفاق الحكم الذاتي وعلى نهج منظمة التحرير التفاوضي برمته، يجب تحديد المرجعية التي نقيس عليها، فهل نقيِّم الاتفاق وبالتالي نحكم على القيادة الفلسطينية الموقعة على الاتفاق، انطلاقا من الشعارات والأهداف التي ما وجدت المنظمة إلا لتحقيقها؟أو أن نقيمه انطلاقا من الواقع والممكن؟
هناك فرق شاسع بين الأهداف الاستراتيجية والمشروعة للشعب الفلسطيني، وما تم إنجازه، فرق شاسع بين تحرير فلسطين من البحر إلى النهر وتصفية الوجود الصهيوني، وما تم التوصل إليه في الاتفاق من حكم ذاتي مؤقت،إن الفرق بينهما هو كالفرق بين الحلم والواقع.
لو حصرنا تحليلنا للأمر، وحكمنا عليه في إطاره النظري، إطار الشعارات والمبادئ والأهداف المشروعة التي صيغت في ظروف ومناخات فلسطينية وعربية ودولية، انقلبت رأسا على عقب، لقلنا إن ما يجري تراجعا عن هذه المبادئ والشعارات، فليس من اليسير على الإنسان الفلسطيني أو العربي عموما التخلي عن قيم ومبادئ تربي عليها، وعن ذاكرة شُحنت وطنيا وقوميا وإسلاميا وأمميا بمقولات عروبة فلسطين أرضا وشعبا، وبرفض الوجود الصهيوني فيها .

إن أي تقييم لاتفاق أوسلو -إعلان مبادئ بشأن ترتيبات الحكومة الذاتية الانتقالية - وما تلاه ،يجب أن لا ينصب فقط على كون المنظمة اعترفت بإسرائيل أو قبلت بنهج التسوية، أو تجاوزت الميثاق، فهذه أمور حدثت منذ زمن كما سبقت الإشارة ، وكل فصائل منظمة التحرير كانت تعلم وتشارك في أحداثها،وحتى تلك المنظمات التي كانت تتلفع بشعارات الرفض ،كان رفضها أقرب للاستسلام للأمر الواقع مما هو مشروع نضالي بديل ، إن تقييم الاتفاق يجب أن ينصب حول مدى توفره على الضمانات التي تجعل إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها الـقدس أمرا ممكنا .
قراءة متأنية لنصوص الاتفاق تخرجنا بقناعة أن من صاغ الاتفاق جعله حمال أوجه، فهو لا ينص على قيام دولة ولكنه لا ينص على العكس، فهو اتفاق يُبقي باب الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين مفتوحا ، ليفسر كل منهم الاتفاق حسب مصالحه وبما يرضي الرأي العام الداخلي، فالإسرائيليون بذلوا كل جهودهم ومكرهم ودسائسهم حتى يحولوا الاتفاق إلى مقبرة للقضية الفلسطينية وجعل حياة الفلسطينيين داخل مناطق الحكم الذاتي جحيما لا يطاق والعمل على إثارة حرب أهلية فلسطينية إن أمكن ونشر الفساد وتعطيل أي إمكانية لتحول مؤسسات الحكم الذاتي إلى مؤسسات دولة ،وإسرائيل تسعى أيضا إلى أن تثبت للعالم من خلال ذلك أن الفلسطينيين ليسوا أهلا ليحكموا أنفسهم ولتكون لهم دولة .
وكان على الفلسطينيين أن يكونوا على مستوى التحدي وأن يثبتوا أن ما لم يستطيعوا تحقيقه دفعة واحدة يمكن تحقيقه على مراحل، وأنهم أهل ليؤسسوا دولة، ولو على شبر من الأرض، دولة لن تؤسسها المنظمة وحدها ولن تكون منحة من اسرائيل، بل ستكون بفعل نضال متواصل وتضحيات على الفلسطينيين الاستعداد لتقديمها.ومن الطبيعي أن تحاول إسرائيل الحيلولة بين الفلسطينيين وما يريدون ، وفي هذه الحالة يكون الفلسطينيون قد بلغوا رسالة للعالم انهم يريدون السلام وإسرائيل ترفضه ، وهو ما يعطيهم الحق بالمقاومة بل بثورة جديدة وبرجال جدد ومفاهيم جديدة وأفاق جديدة .
وشيء طبيعي أن لا يحظى الاتفاق بإجماع الشعب الفلسطيني، وخصوصا أولئك اللاجئين الذين بدد الاتفاق حلمهم بالعودة.نعم من حق المعارضين أن يعارضوا ولكن يجب عليهم التخلي عن أن يكونوا أصداء أصوات خارجية، لقد أضاع الفلسطينيون نصف قرن من تاريخهم المعاصر وهم أدوات مسخرة لخدمة هذا النظام أو ذاك، وهذه الأيديولوجية أو تلك ،فعديد من أنظمة وأحزاب عربية وإسلامية استعملت الفلسطينيين كساحة اختبار لسياساتها وأيديولوجياتها، وشيء هين وغير مكلف لهذا النظام أو ذاك أن يقدم بعض الأموال أو الأسلحة لهذا التنظيم أو ذاك تحت شعارات ومبررات دينية أو ثورية أو قومية، ولكن هل بضعة ملايين أو عدة قطع من السلاح هي التي ستحرر فلسطين ؟، ومن حق المؤيدين أن يدعموا الاتفاق ولكن عليهم تجنب نعته بالسلام العادل والشامل، فهم بذلك يسيئون إلى أنفسهم بقدر ما يسيئون إلى تاريخ شعبهم ونضالاته.
ولكن لا نستطيع تحميل الشعب الفلسطيني أكثر من طاقته، وعلى مؤيدي الاتفاق في الأرض المحتلة أن يبتهجوا لأنه يزيل عنهم كابوس الاحتلال العسكري، ولكن عليهم أن لا ينسوا إخوانهم اللاجئين في ارض الغربة والشتات لاجئي 1948، أولئك الذين عانوا ما عانوا والذين حملوا مشعل الثورة على أكتافهم وقدموا أبناءهم وخيرة شبابهم في سبيل الوطن، أولئك القابعين في مخيمات الأردن ولبنان وسورية وفي مصر والعراق وكل أرض الغربة.
أما القوى العربية والإسلامية المعارضة أو المتحفظة على الاتفاق، فمن حقها أن تعارض لأنها شاركت الشعب الفلسطيني محنته - بغض النظر عن طبيعة المشاركة وحجمها-ولكن عليهم أن يطرحوا البديل، على ألا يكون شعارات ووعود، بل بديلا عمليا، وأن لا يطالبوا الشعب الفلسطيني المستحيلات ويحملوه مسؤولية أكبر من قدرته، يحملوه مهمة هي أساسا مسؤولية عربية وإسلامية ودولية، فالشعب الفلسطيني أعطى الكثير وأثبت للعالم أنه ما تخلى عن قضيته وما تقاعس عن النضال، وما ترك سبيلا يخدم فلسطين إلا وسلكه.
إن منطق الأمور والفهم العقلاني للسياسة الداخلية والدولية في وقتنا الراهن -بل حتى عبر العصور باستثناء فترات محدودة وهي زمن الرسل والأنبياء- يقولان إن الشعارات والمبادئ الكبرى والأهداف السامية ،بما في ذلك مبادئ السلام والعدل ،لا تُطلب بحد ذاتها ، بل في ثناياها تكمن المصلحة ، بل إن هذه الأخيرة تكون لها اليد
الطولى في حالة تعارضهما .كل شعوب الأرض تريد السلام وتسعى للسلام ، الأقوياء يريدون السلام والضعفاء يريدون السلام ،ولكن كل يرى السلام من منظوره الخاص وبما يتفق مع مصالحه ،وفي النهاية ينتصر مفهوم الأقوياء للسلام وللعدل على مفهوم الأقوياء .إن هذا يعني أن الذين يرددون شعارات السلام ويطالبون به دون أن قوة تسندهم ودون أن يتهيئوا للحرب وكأنها ستقع غدا ، إنما هم يسعون وراء السراب ، وخصوصا إذا كان الطرفان المتصارعان ينتميان إلى ثقافتين مختلفتين والى مستويين حضاريين مختلفين ،ولا تقتصر نقاط الخلاف بينهما على تعارض مصالح آني ، بل تمس حق كل منهم بالوجود الوجود .
لقد كان خطأ بل خطيئة المهرولون نحو التسوية الأمريكية ، إنهم تعاملوا مع التسوية وكأنها سلام حقيقي ، وتعاملوا مع مفهوم السلام الأمريكي وكأنه مفهوم إنساني عالمي ، وليس تصور لسلام يخدم مصلحة الأقوى ، وعلى الساحة الفلسطينية كان الأمر أكثر تشويشا ،حيث تم التعامل مع اتفاقات الحكم الذاتي المؤقت أو ترتيبات المرحلة الانتقالية وكأنها اتفاقات سلام ،الأمر الذي دفع بكثير من الفلسطينيين والعرب إلى التعامل مع إسرائيل وكأنها شريك سلام والتعامل مع الصراع برمته وكأنه حسم واصبح من مخلفات الماضي .









استنتاجات الفصل الثالث

ونعتقد أن أي تقييم لاتفاق أوسلو وما تلاه يجب أن ينطلق من المعطيات التالية :-
1 - إن الشعب الفلسطيني يدفع ثمن سقوط الشعارات والأيديولوجيات وانهيار أو تراجع الحركة القومية العربية وحركة التحرر العالمية، أي تراجع الحلفاء عن التزامهم القومي والأممي، وتحويل الصراع إلى صراع فلسطيني - إسرائيلي، مع ما يعنيه ذلك من اختلال بينِّ في موازين القوى بين الطرفين.
2 - إن م.ت.ف لم تكن مخيرة في المشاركة في مسلسل التسوية أو عدم المشاركة، وليست مخيرة في وضع الشروط على الطرف الآخر إلا في أضيق الحدود، فالتسوية جاءت في أسوء مراحل التاريخ العربي، وكل عناصرها وضعت من طرف الولايات المتحدة وبتنسيق مع الكيان الصهيوني .
3 - إن كانت هناك إيجابيات في الاتفاق فهي تعود أولا و أخيرا إلى نضال الشعب الفلسطيني مدة نصف قرن والى الانتفاضة الفلسطينية التي أثبتت للكيان الصهيوني وللعالم أن الشعب الفلسطيني حقيقة لا يمكن تجاهلها وأن الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع يرفض الاستسلام للأمر الواقع ويستحيل أن يتعايش مع قوات الاحتلال .
4 -مرت م.ت.ف بفترة عصيبة بعد حرب الخليج وكان رأسها مطلوبا إسرائيليا وأمريكيا ومن بعض الأنظمة العربية، ومورست عليها ضغوط عربية ودولية، مالية وسياسية ونفسية، لتقبل بما هو معروض عليها أو يتم تجاوزها.
5 - كانت البنية الداخلية للمنظمة ولكل المنظمات الفلسطينية الأخرى - في أسوأ حالات الإنهاك والتسيب، عسكريا وسياسيا وتنظيميا - حتى يمكن القول إنه لم يبق عمليا من حركة المقاومة الفلسطينية إلا دلالتها المعنوية أو الرمزية، وهو الأمر الذي جعلها أعجز من أن تطرح أي بديل عملي لما يطرحه الطرف الآخر، فبالأحرى أن تمارس التحرير.
6 - من العوامل الضاغطة على إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية لتسريع الوصول إلى اتفاق على المسار الفلسطيني، وتسريع التسوية على المسارات الأخرى، التخوف من المد الأصولي المتصاعد وتوظيف الأصوليين للورقة الفلسطينية في نضالهم التعبوي والسياسي والعسكري. فرغبت الولايات المتحدة وإسرائيل في إفقاد الأصوليين هذه الورقة.
7 - من العوامل الدافعة أو المسرعة لتوقيع الاتفاق رغبة الولايات المتحدة الأمريكية في حل مشكلة الشرق الأوسط لتضمن أمن حليفتها اسرائيل، ولتخلق استقرارا في المنطقة، يفسح أمامها المجال للتفرغ لمشاكلها الداخلية والدولية وخصوصا الاقتصادية منها، سواء مع حلفائها، التقليديين اليابان وأوربا، أو مشاكلها الاقتصادية الداخلية، بالإضافة إلى بؤر التوتر الأخرى في العالم .
8 - أرادت إسرائيل في تسريعها لإيجاد حل على المسار الفلسطيني، استعمال الاتفاق كورقة ضغط على الجبهات الأخرى سوريا، لبنان والأردن 22 فهذه الدول كانت مترددة بالاعتراف بإسرائيل وتسوية المشاكل العالقة بينها قبل حل المشكلة الفلسطينية، وذلك لحساسيات داخلية أو عقائدية.
9 - من المرامي البعيدة لإسرائيل من وراء توقيعها الاتفاق، استعماله كبوابة تلج من خلالها إلى العالم العربي، بتطبيع العلاقات معه ووضع حد للمقاطعة العربية لها ، ومن هنا نلاحظ أن زيارة إسحاق رابين وشمعون بيرس للمغرب مباشرة بعد توقيع الاتفاق الفلسطيني الإسرائيلي لم تثر أي احتجاج أو تساؤلات - فإسرائيل كانت تراهن أن ما ستجنيه من الاتفاق عربيا ودوليا أكثر مما ستخسره فلسطينيا.
10 - عكس الاتفاق قناعة لدى الطرفين باستحالة أي منهما إلغاء وجود الأخر. فالفلسطينيون بعد أن أصبحوا وحدهم في ساحة المواجهة ، اقتنعوا بأن الكفاح المسلح الفلسطيني والانتفاضة بالرغم من كل عطاءاتهما، لا يمكن لهما أن يزيلا الكيان الصهيوني، والإسرائيليون أكدت لهم الانتفاضة وتفاعلات القضية الفلسطينية دوليا أن الشعب الفلسطيني حقيقة لا يمكن تجاهلها.
11 - كان قبول قطاع من الفلسطينيين بالاتفاق يعكس حالة من الإحباط واليأس الذي أصابهم، وخيبة الأمل من سلبية الموقف الرسمي العربي وتجاهل المنتظم الدولي لقضيتهم بعد أن انشغل العالم بحرب الخليج والبوسنة والصومال، بالإضافة إلى تولد شعور نفسي عند بعض الفلسطينيين دفعهم إلى القبول بأي حل مؤقت يخفف عنهم وطأة القهر الصهيوني ويرفع عنهم الشعور بالدونية في بلاد الغربة.
12 - إن المنظمة لم تتنازل عن شيء تملكه، بل تراجعت عن أهداف وطنية عجزت عن تحقيقها، وتراجع المنظمة أو عدم قدرتها على تحقيق هذه الأهداف لا يعني عدم مشروعية هذه الأهداف، بل هو اعتراف بالعجز عن تحقيقها، وهو الأمر الذي يعني أن أي جهة تستطيع مستقبلا أن تخل بموازين القوى لصالح الحقوق الفلسطينية المشروعة، أو إذا حدثت تحولات دولية أو عربية تضعف الخصم وتصلب الموقفين الفلسطيني والعربي،فإن من حق هذا الطرف، سواء كان المنظمة، أو غيرها، أن يعيد النظر بالاتفاق، لأن الاتفاق هو تسوية مؤقتة مؤسسة على موازين القوى الراهنة.
أيضا إن لم يحسن الفلسطينيون التصرف في هذه الفترة العصيبة فإن الأمل - الذي هو أصلا واهيا وضعيفا - الذي يعطيه الاتفاق قد يتلاشى وتزداد القضية تدهورا.
13 - إن الاتفاق بالشكل الذي هو معلن مختلف الأوجه، فهناك فرق كبير بين التفسير الفلسطيني للاتفاق وعما ستكون عليه النهاية، والتفسير الإسرائيلي له، فبينما ترى القيادة الفلسطينية الموقعة على الاتفاق، إنه خطوة أولى ستؤدي إلى عودة اللاجئين وانسحاب إسرائيل من كل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس، وهو الأمر الذي يجعل الاتفاق منسجما، حسب هذا التفسير، مع مقررات سابقة للمجلس الوطني الفلسطيني، يرى الإسرائيليون بأن الاتفاق لا يتجاوز منح الفلسطينيين حكما ذاتيا محدودا قد يشمل في أفضل الحالات نصف الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أنه لن يكون للفلسطينيين الركنان الرئيسيان من أركان السيادة وهما الأمن العام والتمثيل الخارجي، بمعنى أن الحكم الذاتي هو تسيير الفلسطينيين لأمورهم الداخلية على تجمعاتهم البشرية داخل (أرض إسرائيل)، كما يرفضون التنازل عن القدس وموقفهم غامض من القبول بدولة فلسطينية .
14 - تأسيسا على ما سبق، كان اتفاق أوسلو اتفاق مجازفة ومراهنة، ولا يخلو من تحد، كان اتفاق نوايا أكثر من كونه اتفاق مبادئ واضحة، حيث يترك لكل طرف تفسير الاتفاق كما يشاء أي يعطي مرونة ومجالا لكل طرف ليفسره لشعبه بما يمكنه من إسكات المعارضة وتحقيق اكبر قدر من الأرباح واقل قدر من الخسائر ، كما أن الاتفاق لا يلغي الصراع بين الجانبين بقدر ما يغير من استراتيجيته وأطرافه ،حيث إنه لا يعالج المسببات الرئيسية للصراع، وقد أكدت الأحداث أن إسرائيل بذلت كل جهدها لإعاقة أي توجه فلسطيني لتحويل الصلاحيات المحصل عليها في الاتفاق إلى منطلق لبناء الدولة الفلسطينية، وهي في هذا المجال لجأت إلى المؤامرات والفتن وزرع العملاء لتفجير الوضع الفلسطيني الداخلي، مستغلة تواجد المستوطنين داخل الضفة والقطاع .
لقد أصبحت إفرازات اتفاق أوسلو واقعا ، بل واقعا تم التفاوض عليه ثم تجاوزه إلى اتفاقات جديدة تدور في فلكه ،هي أكثر سوءا منه ، فمن أوسلو إلى اتفاق القاهرة 10/2/94 الخاص بالتدابير الأمنية والمعابر ، ومنه إلى اتفاق الخليل 31/3/94 الذي جاء بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي 23(24) وهو الاتفاق الذي جرى بين الجنرال امنون شاحاك والدكتور نبيل شعت ، ونص على مرابطة مراقبين دوليين في مدينة الخليل ، وإجراءات تنظيم دخول الشرطة الفلسطينية إلى غزة وأريحا ،وبعد ذلك جاء اتفاق القاهرة التنفيذي لاتفاق أوسلو 4/5/94 ووقع من طرف ياسر عرفات واسحاق رابين ووقعه كشهود كل من الرئيس المصري حسني مبارك ،وزير الخارجية الأمريكي وارن اكرستوفر ووزير الخارجية الروسي أندريه كوزيريف ،ومن بعدهما وقعت مذكرات و اتفاقات كان أهمها اتفاق واي بلانتيشن 23/10/98 ما بين الرئيس أبو عمار والرئيس الإسرائيلي نتنياهو بحضور الرئيس كلنتون ،وهي اتفاقية أمنية في غالبيتها فرضت على الجانب الفلسطيني شروطا مجحفة ، ومع ذلك لم ينفذها نتنياهو واستمر الوضع متوترا والمباحثات متوقفة إلى حين وصول حزب العمل برئاسة براك إلى السلطة حيث تم تحريك مسلسل السلام وعقدت قمة في بالرابع من سبتمبر 1999 في مدينة شرم الشيخ المصرية ما بين أبو عمار وباراك بحضور الرئيس مبارك والملك عبد الله ملك الأردن ووزيرة خارجية أمريكا مادلين اولبرايت ، تم فيها التوقيع على مذكرة شرم الشيخ (واي ريفر)، والتي التزم فيها براك بتنفيذ مذكرة واي ولكنه في نفس الوقت فرض على الفلسطينيين الدخول في مفاوضات الوضع النهائي قبل استكمال استحقاقات المرحلة الانتقاليةوبالرغم من التفاؤل الذي ساد بعد توقيع مذكرة شرم الشيخ وتصريح الرئيس الفلسطيني يوم 21/99 أن إسرائيل قد أوفت بالتزاماتها ، إلا أن الغموض ما زال يلف الموقف الإسرائيلي والأمريكي من موضوع الدولة الفلسطينية ، وما زالت إسرائيل تماطل في قضايا اللاجئين والقدس والمستوطنات . إن المماطلة الإسرائيلية بدت جلية في مفاوضات كامب ديفيد الثانية التي انطلقت في العشرين من يوليو 2000 ثم في شرم الشيخ وطابا حيث وصلت الى طريق مسدود ثم تفجرت الأوضاع مع وصول شارون للحكم . فهل ما زال هناك أمل بأن يؤدي مسلسل التسوية إلى دولة فلسطينية والى سلام حقيقي؟.











الفصل الرابع

دولة فلسطينية أصبحت في حكم الممكن
ولكن ...هل قيامها ضمن معطيات المرحلة سيؤدي إلى سلام ؟


بعد عقد من انطلاق مسلسل التسوية و ثمان سنوات من توقيع اتفاق إعلان المبادئ ،وبعد عشرات اللقاءات والمؤتمرات والاتفاقات العلنية والسرية الناجحة والفاشلة ،أخرها تفاهمات كامب ديفيد الثانية،وبع صدور قرارات دولية جديدة تقول بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة وبعد عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين ، هل أصبح السلام اقرب منالا ؟، وهل اصبح حلم الفلسطيني بالعيش في دولة مستقلة عاصمتها القدس الشريف قابل للتحقق ؟،وهل أن قيامها – في حالة حدوثه - يعني نهاية الصراع في المنطقة ، أم مجرد استراحة مقاتل وتحول في طبيعة الصراع ؟وهل يمكن للكيان الصهيوني أن يعيش بسلام مع جيرانه العرب والمسلمين ؟….
عديد من المؤشرات والوقائع تؤكد أن الولايات المتحدة بثقلها المالي والعسكري والسياسي، وما دامت على رأس النظام الدولي ،ستتمكن راهنا من وضع حد لحالة الحرب الرسمية ما بين إسرائيل والدول العربية ،وستتمكن من جر مزيد من الدول العربية- حتى دول الأطراف التي لم تدخل في حرب مباشرة مع إسرائيل ولا يوجد بينهما مشاكل حدود- لتوقيع اتفاقات (سلام ) مع إسرائيل وإقامة علاقات عادية معها *، ومن المؤكد أيضا أن مزيدا من حالات التضييق ستمارس على معارضي التسوية الأمريكية وعلى ممارسي الكفاح المسلح والجهاد ومن يدعوا إليهما وخصوصا بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2002... ولكن كل ذلك في رأينا سيكون إلى حين ، وستكون مجرد ترتيبات مفروضة ومرحلية ولن تحقق سلاما حقيقيا .ذلك أن تسوية تقوم على شرعية تفاوضية ،تسوية يفرضها الأقوياء على الضعفاء ،تسوية أحد طرفيها شعب أقتلع من أرضه وشتت في المنافي ومن بقي منه في الوطن يعيش في بانتوستانات وتحت حصار نفسي واقتصادي رهيب وأنظمة لم تستشر شعوبها فيما وقعت من اتفاقات مع العدو ،وطرفها الثاني دولة صهيونية عنصرية مدعومة بالصهيونية العالمية والإمبريالية الأمريكية ،ويهيمن عليها جماعات دينية متعصبة تؤمن بمقولة ارض الميعاد وشعب الله المختار وتكن كل الحقد للعرب والمسلمين ،لا يمكن لهذه التسوية أن تحقق سلاما حقيقيا ،وهي لن تكون اكثر من هدنة أو استراحة مقاتل ،إنها تسوية مؤسّسة للحرب اكثر مما هي تسوية مزيلة لمسببات الحرب.





المبحث الأول
الحكم الذاتي والسلطة الوطنية
ما بين
سياسة الفصل الصهيونية والإرادة الفلسطينية في الاستقلال

اليوم والى قيام الدولة الفلسطينية ، هناك واقع يسمى السلطة الفلسطينية و ( الحكم الذاتي الفلسطيني) حتى وإن ادعت إسرائيل في ظل حكومة شارون أنها لا تعترف بهما وبرئيسهما وسواء، كنا مع اتفاق أوسلو وإفرازاته أو ضده فهو يفرض نفسه كجزء من تسوية مفروضة ، انه مفروض على فلسطينيي الضفة والقطاع كما أن الغربة مفروضة على فلسطينيي الشتات . وكما كان النضال الفلسطيني فيما قبل التسوية له محددات لم يضعها الفلسطينيون وحدهم، بل كانت الدول العربية المضيفة والمعنية بالصراع وكذا الوضع الدولي السائد آنذاك لهم الدور الأكبر في وضع هذه المحددات وضبط العملية الثورية برمتها ،فأن التسوية اليوم مفروضة على الفلسطينيين بشكل أو آخر. وحيث إنه اصبح من الصعب الآن تجديد الحالة الثورية الفلسطينية خارج فلسطين ، خصوصا بعد دخول سوريا التسوية والتحول في الموقف الإيراني (3)،فان النضال الفلسطيني يجب أن يتجه بكل أشكاله إلى داخل فلسطين ،وإذا اتفقنا أن إمكانات الفلسطينيين وخصوصية وضعهم داخل الوطن لا يسمح لهم بتدمير دولة إسرائيل ،فان الجهود يجب أن تتجه نحو تأمين الانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية وقطاع غزة ،وإذا كان هناك اتفاق حول هذا الهدف بعيدا عن المزايدات الإعلامية والشعارات الحماسية فأن الخلاف حول أسلوب التعامل والتصرف الأنسب لتحقيق هذا الهدف لا يبرر انقسام الساحة الفلسطينية انقساما حادا يبرر حمل السلاح أو تخوين البعض للبعض الآخر .
إن أي نقاش وطني عقلاني حول السلطة والحكم الذاتي في هذه المرحلة يفترض أن لا يتمحور حول ،مع السلطة أو ضد السلطة ، بل يجب أن يكون حول عمل السلطة وكيفية تطويرها ،أو بمعنى آخر التمييز ما بين السلطة الوطنية كجهاز وركن أساس لا يمكن تصور قيام دولة أو كيان سياسي بدونها من جهة وكيفية أداء السلطة لعملها ونزاهة الأشخاص القائمين بأمرها من جهة أخري.وفي هذه الحالة يفترض أن يكون إجماع وطني فلسطيني - بل وقومي عربي و إسلامي - حول مبدأ وجود السلطة - بغض النظر عن ممارسيها -، وحق الاختلاف حول كيفية عملها وبرامجها وأشخاصها الخ ، وقد أبانت السياسة الصهيونية في عهدي باراك وشارون أنها ضد وجود سلطة وطنية فلسطينية ذات مصداقية حتى وإن كانت منبثقة عن اتفاقات أوسلو .
من الواضح أن وضع السلطة وضع لا تحسد عليه وخصوصا بعد الاجتياح الإسرائيلي للضفة في نهاية فبراير 2002، فهي ليست سلطة سياسية كاملة الصلاحيات بل سلطة مقيدة بشروط والتزامات تعرقل قيامها بمهامها كسلطة سياسية بمعنى الكلمة . ومن جهة أخرى فإن الدولة عادة ما تأتي بعد تحقق الركنيين الآخرين للدولة وهما الأرض والشعب ، فهي تأتي لتمارس السيادة على الأرض والشعب ،أما في الحالة الفلسطينية فقد وجدت السلطة أولا في ظروف معقدة وبصلاحيات محدودة ،وينتظر منها استكمال عناصر الدولة ،أي استكمال تحرير الأرض ولملمة شتات الشعب .
هذه خصوصية لا تخلو من تناقض وتعقيد ذلك أن السلطة الفلسطينية وجدت في إطار تسوية وضمن اتفاقية تكبل تحركها وتجعل كل خطوة من خطواتها وخصوصا ذات الطابع السيادي مرهونة بالموافقة الإسرائيلية والأمريكية ، فيما الشعب الفلسطيني يريدها أن تقوم بمهمة مزدوجة مهمة سلطة وطنية تحريرية وسلطة سياسية تأسيسية ،وهي مهمة جد صعبة إذ أخذنا بعين الاعتبار التحديات الداخلية والخارجية التي تعترض عمل السلطة . وانطلاقا من هذه الصعوبة حدث شطط في التحليل عند من تعامل مع موضوع السلطة والحكم الذاتي ،بحيث أن هيمنة الأيديولوجيا والمواقف المسبقة والصراعات الحزبية جعلت مقاربات الموضوع تقع في السببية الفجة وتصدر أحكاما كلية اعتمادا على مقاربات جزئية .

إن الفهم العميق للتحولات الدولية والإقليمية يدفعنا إلى القول إن التحدي الذي يواجه الشعب الفلسطيني وهو يخوض نضالا سياسيا - وعسكريا ضمن ما هو متاح وكإمكانية يجب عدم إسقاطها - لتأسيس دولته الوطنية المستقلة لا يقل عن التحدي الذي واجهه عندما كان يتبنى استراتيجية الكفاح المسلح ضد الصهيونية والإمبريالية لتحرير وطنه ، وسنكون واهمين إذ اعتقدنا أن القوى التي حالت بين الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته في مرحلة الكفاح المسلح ستساند هذا الشعب في تأسيس وطنه بالطرق السلمية ،ذلك أن معارضتها لم تكن لان الشعب الفلسطيني يريد أن يُقيم دولته عن طريق الكفاح المسلح بل كانت معارضة لمبدأ قيام الدولة الفلسطينية ، سواء كانت هذه القوى تتجسد بإسرائيل أو بالولايات المتحدة الأمريكية أو بدول غيرها من داخل المنطقة ، وقد أثبتت الأحداث ذلك مع كامب ديفيد الثانية وقبلها ، حيث رفضت إسرائيل و أمريكا الاعتراف بدولة فلسطينية يعلنها الفلسطينيون على مناطق الحكم الذاتي ، كما ترددت الدول العربية في دعم الموقف الفلسطيني بخصوص إعلان الدولة من طرف واحد حتى لا يثيروا غضب أمريكا4 ، ولولا انتفاضة الأقصى لتبخر حلم الدولة.
لا شك أن حق الشعب الفلسطيني في كامل فلسطين حق لا يمارى فيه ،ولكن علينا أن نعترف وأن نتعلم من التاريخ أن الشعوب لا تحيى فقط على الأهداف والشعارات كما أن الأهداف لا تتحقق بمجرد ترديد المطالبة بها ودبج الأشعار والتنظيرات حولها ،ولكنها-الشعوب- تعيش في واقع وتتعامل مع واقع، ليست الإرادة الذاتية الفاعل الوحيد فيه مع أنه الفاعل الأساس أحيانا، . والأهداف المشروعة إن لم تُصاحَب بممارسة عقلانية وأدوات تنفيذية ومراكمة إنجازات ، فأنها ستتحول إلى أضغاث أحلام وستتآكل مشروعيتها عبر الزمن . وعليه فإن أي إنجاز على ارض الواقع مهما كان صغيرا فانه سيُبقي الأمل في النفوس متقدا وستبقى الصلة قائمة ما بين الأهداف الوطنية المشروعة من جهة وواقع الحياة اليومية والتعامل اليومي من جهة أخرى .
إن ما بين التحرير الكامل من جهة والاستسلام لمشيئة العدو من جهة أخرى، كثير مما يمكن عمله من أجل فلسطين ،سواء في إطار الواقع الجديد داخل مناطق الحكم الذاتي أو في إطار قرارات الشرعية الدولية ، وفي جميع الحالات على الفلسطينيين أن يعتمدوا على أنفسهم بالدرجة الأولى ،وان يضعوا حدا لحالة انتظار المنقذ القومي العربي أو الفاتح الإسلامي أو المحرر الأممي ، أو انتظار تدخل العناية الإلهية لتقذف اليهود بحجارة من سيجيل تجعلهم كعصف مأكول .ومن هنا على الفلسطينيين أن يُحسنوا إدارة معركة الحفاظ على الهوية والوطن ،هذا الأخير الذي ليس هو الأرض فقط ، فهذه قد تتعرض للاحتلال أو يفارقها المواطن قسرا ،بل هو بالإضافة إليها ، إحساس بالانتماء ،وشعور بهوية، واستعداد للعطاء في كل الظروف والأحوال،والفلسطينيون اليوم في ظل استحقاقات أوسلو المؤلمة عليهم أن يؤكدوا كما كانوا دائما انهم كالعنقاء التي تنهض من تحت الرماد فيما الاعتقاد أنها ماتت .
قد لا يدرك كثيرون أهمية معركة الحفاظ على الوطن ومعركة بناء الوطن ،ولكن لا بأس لمن لا يدرك أهمية الموضوع أن يتعرف على تجربة العدو ،فإسرائيل الدولة قامت منذ خمسين سنة فقط أما إسرائيل (الوطن )،إسرائيل (ارض الميعاد) فاليهودية والصهيونية جعلتها تعيش مع اليهود طوال أجيال ،لقد كان (الوطن) عندهم سابق للدولة واهم منها ،حيث كل يهودي في العالم حمل الوطن في داخله ، فكم مسلم يحمل القدس معه أينما حل وارتحل ؟! .لقد احتلت إسرائيل فلسطين منذ نصف قرن وزادت عليها أراض عربية ،ولكنها تعلم أنها لم تربح الحرب ،لأنها تعلم أن احتلال أرض فلسطين لا يعني نهاية الوطن الفلسطيني ولا القضاء على الهوية الوطنية الفلسطينية ،وهي منذ احتلالها أرض فلسطين وهي تجند كل إمكاناتها العسكرية والإعلامية والسياسية لمحاربة فلسطين الوطن والهوية ،مدركة أن حربها لاحتلال فلسطين الأرض كانت ايسر عليها بكثير من حربها ضد فلسطين الوطن والهوية ،لقد احتلت فلسطين الأرض خلال أيام ولكن حربها ضد فلسطين الوطن مستمرة منذ نصف قرن .
ليس هدفنا منح شهادة حسن سلوك للحكم الذاتي وسلطته ،ولا المراهنة على حتمية تحول الحكم الذاتي الحالي إلى دولة مستقلة على كامل الضفة والقطاع عاصمتها القدس الشريف، ولكننا نعبر عن تخوف من أن يؤدي عدم استيعاب النخبة السياسية الفلسطينية لما يجري وطنيا ومحليا ودوليا ، إما بالتفاؤل المبالغ به أو بالهروب من ساحة مواجهة الحقيقة ، أن يؤدي ذلك إلى تمكن العدو من تنفيذ كامل مخططاته والتي لا تتضمن بطبيعة الحال قيام دولة فلسطينية مستقلة ،وقد بانت حقيقة السياسة الإسرائيلية مع باراك ثم شارون في تعاملهم مع الانتفاضة ومع الاتفاقات والتفاهمات الموقعة مع السلطة الفلسطينية .لا شك أن سلبيات السلطة الفلسطينية كثيرة ولكن أيضا كانت وما زالت كثيرة سلبيات مناوئيها ،وكان على رأس سلبيات الطرفين التعامل مع بُعد واحد من أبعاد الموضوع وهو البعد السياسي وتجاهل بقية أبعاد القضية ،لقد هيمنت الانشغالات السياسية على غيرها وكأن الأرض لا تحُرر إلا بالتنظيرات السياسية، والأوطان لا تُبنى إلا بالسياسة ، لقد أراد كل واحد أن يكون مناضلا و منظرا سياسيا ونسوا أن يكونوا مواطنين سياسيين بما تعنيه كلمة مواطنة من حقوق وواجبات .لا شك أن السياسة جوهر القضية ولكن السياسة ليست شطارة وفهلوة وليست صناعة كل من هب ودب ،كما أن هناك أمورا لا تقل أهمية من الممارسة السياسية ،ونقصد بها كل عمل من شأنه أن يبني الوطن ويبني المواطن ،ذلك أن المجتمع الفلسطيني لم يفقد الأرض فقط بفعل الاحتلال ،بل تعرض أيضا لتشوهات وأمراض اجتماعية ولاختلال في القيم وتفكك للمؤسسات وغياب للبنية التحتية التي بدونها لا يتحول المجتمع إلى دولة.
لسنوات والشعب الفلسطيني يخضع لسلطة غير فلسطينية ،سلطة حكم عربي أو سلطة احتلال صهيوني ،وفي كلتي الحالتين - مع وجود فارق بطبيعة الحال ما بين السلطتين- لم يشعر الفلسطيني أنه يخضع لسلطة وطنية تعبر عن طموحاته و آماله ،ولم يشعر أن من هم في السلطة ، منه واليه . ففي البلاد العربية كان وضع الفلسطيني في أفضل الحالات ، وضع مواطن من درجة ثانية ، وفي فلسطين المحتلة لم يعرف الفلسطيني إلا سلطة احتلال وقوانين احتلال ومؤسسات تخدم الاحتلال ، وكل رمز من رموز السلطة يذكره بأنه خاضع للاحتلال وانه غير مرغوب فيه ،ولان السلطة حيث يعيش الفلسطيني تعرف حب الفلسطيني لوطنه وانه لا يقبل عن فلسطين بديلا وانه يرفض الخضوع والذل ،فقد تعاملت بحذر أو بمعاداة مع الفلسطيني و كانت دائما تضعه موضع الشك والاتهام حتى بالنسبة لأولئك الفلسطينيين الذين عبروا عن كامل آيات الولاء للدولة التي يعيشون فيها وحملوا جنسيتها، كانت السلطة حذرة في التعامل معهم ،وكانت تحرض مواطنيها عليهم بالعلن وبالسر ،وان توفرت حسن النية عند السلطة كانت فئات من المواطنين (الأصليين ) ترفض أن يتساوى الفلسطينيين معهم ويقاسموهم خيرات البلاد. وعليه كان الفلسطيني يأخذ في كثير من الحالات موقفا معاديا من السلطة وكل ما ترمز إليه ،موقفا فكريا وموقفا ممارساتيا .
وجاءت السلطة الفلسطينية إلى هذا الواقع وأراد الشرفاء فيها أن يحدثوا انقلابا في أسلوب فهم وتعامل الفلسطيني مع السلطة ،أرادت السلطة الفلسطينية أن تجعل الفلسطيني يخضع للسلطة لأنها سلطة وطنية ... وان يخضع للقانون لأنه قانون وطني...ويخضع للشرطة لأنها شرطة وطنية... ويخضع للمؤسسات لأنها مؤسسات وطنية... وبل أرادته إن احتاج الأمر أن يقبل بدخول السجن لأنه سجن وطني ...، ولم يكن الفلسطيني ضد كل ذلك ولكن كان ينتابه الشك حول الطابع الوطني للسلطة ما دامت قوات الاحتلال هي صاحبة اليد الطولى وما دامت السلوكيات لبعض رموز السلطة لا تختلف كثيرا عما كان عليه الحال وقت الاحتلال ،المواطن الفلسطيني يريد السلطة الفلسطينية ويريد دعمها بقدر ما هو حذر في التعامل معها ،انه يخاف عليها ويخاف منها في نفس الوقت .
كان المواطنون الفلسطينيون داخل الضفة والقطاع وما زالوا مستعدين لكل أشكال التضحية من أجل التخلص من الاحتلال وحتى وإن كان ذلك في مرحلة أولى يفرض عليهم استحقاقات مرحلة انتقالية وحكم ذاتي محدود ،وكانوا مستعدين لان يشدوا الأحزمة على البطون بسبب تراجع مستوى معيشتهم عما كان عليه وقت الاحتلال ،كانوا مستعدين لكل التضحيات ما دام الأمر خمس سنوات وتقوم الدولة كما وعدهم منظرو اتفاق أوسلو ،ولكن ما لا يقبل به الشعب هو تبديد الآمال وتقليص سقف الطموحات ، بالإضافة إلى ممارسات سلطوية لا تساعد على خلق حالة من الثقة ما بين السلطة الفلسطينية والشعب ،ممارسات لا تدل على أن ممارسيها من رجالات السلطة ،كانوا فدائيين ومناضلين أو انهم سيكونون بناة دولة ،لقد صُدم الناس من تصرفات البعض في السلطة أولئك الذين يعتبرون أن القضية قد انتهت والوطن قد تم بيعه والشاطر الذي يفوز بأكبر قدر من لحم الثور.
.وتساءلنا وتساءل كثيرون هل هكذا تُبنى الأوطان ؟ وأين المناضلون الذين قضوا غالبية عمرهم في الخنادق ؟ أين مثقفو الثورة من منظرين وكتاب وشعراء أولئك الذين حملوا الأمانة والرسالة وكانوا ضمير الأمة ؟ أين هم مما يجري من ممارسات لا تليق بشعب كالشعب الفلسطيني ،؟ أم أن الرتب العسكرية التي أضفيت عليهم من عميد وعقيد ورائد الخ والرواتب والامتيازات التي أغدقت عليهم بلًدت إحساسهم الوطني ؟ .
هذا لا يمنع من القول إن هناك جنودا مجهولين داخل السلطة ،قد يكونوا وزراء أو برلمانيين أو موظفين أو رجال شرطة ...*يعملون بصمت من أجل بناء الوطن ، ولا شك أن كثيرين ممن لا يريدون للشعب الفلسطيني أن ينجح في تأسيس دولته يساعدون على نشر الفساد أو يشيعون الحديث عن وجود فساد داخل السلطة الفلسطينية ويحاربون الشرفاء والمخلصين للوطن ويعيقون كل إجراء تُقدم عليه السلطة يعتقدون أنه قد يضيف لبنة في مشروع بناء الوطن ، وكثيرون أيضا يضخمون الأخطاء التي تحدث داخل السلطة ويسارعون إلى نشر أي غسيل وسخ للفلسطينيين بالرغم من أن أوساخهم اكثر بكثير مما لدى الفلسطينيين. ومع ذلك يجب الاعتراف بأن الفلسطينيين يتحملون اكثر من غيرهم المسؤولية عما يجري داخل مناطق الحكم الذاتي ، والأمر يتطلب من السلطة ومن الشعب تحمل المسؤولية ، فبناء الوطن ليس مهمة السلطة دون الشعب أو بالعكس ،بل هي مهمة مشتركة وخصوصا أن العدو يعمل لضرب السلطة بالشعب والشعب بالسلطة ويعمل كل ما في وسعه لتبديد الحلم الفلسطيني بالدولة .
إن المسؤولية إذن مسؤولية مزدوجة ،مسؤولية السلطة ومسؤولية المواطن ،فالمواطن الفلسطيني سواء كان مواطنا عاديا أو منتميا إلى حزب أو تنظيم ، عليه أن يدرك أن تأسيس دولة أو كيان سياسي لا يكون إلا بوجود سلطة وطنية ،وان أي سلطة في العالم لا بد لها من صلاحيات للقيام بمهامها بما في ذلك ممارسة القسر والإكراه ،فالسلطة تقترن دائما بالقوة وتحيل إليها (لا سلطة دون تسلط) ،ولكن في إطار القانون والمؤسسات وبما يخدم المصلحة الوطنية ،وعلى المواطن الفلسطيني أن يعرف أيضا أن السلطة لا يمكنها أن تقوم بعملها بدون قوانين يجب أن تحُترم وبدون مؤسسات يجب أن تُصان . وأذ كان يجوز الاختلاف حول الشأن السياسي ،فلا يجوز الاختلاف حول ضرورة بناء وتأسيس الدولة ،وقوى المعارضة الفلسطينية التي تتوفر على الوعي والحس الوطني مما يجعلها تميز ما بين هذين النوعين من المعارضة :معارضة ممارسات السلطة ومعارضة بناء الوطن ،إن كل جهد في اتجاه بناء الإنسان الفلسطيني والمؤسسات الفلسطينية والدولة الفلسطينية هو عمل وطني وللوطن ومن الخطأ الإحجام عنه بحجة أن يجير لمصلحة تنظيم محدد أو توجه سياسي محدد ،وعلى قوى المعارضة أن تربي أعضاءها على احترام مؤسسات ورموز السلطة الوطنية ،و إن شاءوا يعارضوا سياساتها وبرامجها وممارسات مسئوليها ،فحيث أن الشعب الفلسطيني يرفض الخضوع لسلطة الاحتلال فعليه أن يقبل بسلطة وطنية لأن ما بينهما هو الفوضى والخراب والحرب الأهلية لا سمح الله .
لم يعد خافيا على أحد أن قبول إسرائيل بحكم ذاتي فلسطيني وبسلطة فلسطينية لا يعني أنها تهيئ الوضع للاستقلال الفلسطيني ،أو أنها تدرب الفلسطينيين على كيفية حكم أنفسهم بأنفسهم ، بل قبلت بذلك مناورة وخوفا من أن تضطر لتقديم تنازلات أكثر ، ولذا فهي وكما رأينا لن تدخر جهدا لإفشال تجربة الحكم الذاتي وستمارس سياسة الأرض المحروقة بتضييق سبل العيش أمام غالبية الشعب داخل مناطق الحكم الذاتي وإطلاق قطعان المستوطنين لتنهب الأرض وتمارس الإرهاب ضد الشعب الفلسطيني حتى يتمرد الشعب على السلطة الوطنية أو يضطر لمغادرة الوطن ومن يتبق منهم يتحولوا إلى (عرب إسرائيل ) ولكن دون حقوق المواطنة .وعليه فإن الطريق أمام الفلسطينيين ما زال صعب وشاق ومهمتهم لإعادة بناء الدولة على جزء من أرض الوطن تحتاج إلى تضافر كل الجهود ،جهود فلسطينيي الداخل وجهود فلسطينيي الشتات ،تحتاج إلى جهود السلطة وجهود المعارضة ،تحتاج إلى جهود السياسيين والمثقفين والمبدعين وكل الكفاءات التي شتتها الاحتلال أو أبعدتها الممارسات السيئة لبعض المتنفذين في السلطة الفلسطينية.

السلطة الفلسطينية والمعارضة :نحو بناء استراتيجية جديدة .
السلطة والمعارضة في الساحة السياسية العربية من المفاهيم الملتبسة وتتسم بكثير من الغموض والتداخل لدرجة أن فقدت هذه المفاهيم في أكثر من حالة دلالتها ولم تعد صالحة للتعبير عن اتجاه أو لون سياسي واضح المعالم وخصوصا إذا أردنا إضفاء قيم الشرعية والمشروعية أو الوطنية عليها فالكل يزعم أنه يمثل الشرعية والوطنية. ذلك أن مَن هم في السلطة ليسوا بالضرورة أصحاب حق فيها أو افضل من غيرهم ،وفي المقابل الذين يصنفون أنفسهم كمعارضة ليسوا بالضرورة اقرب إلى الشعب أو اكثر غيرة على مصالحه من السلطة القائمة ،بل أحيانا تكون معارضتهم للسلطة إنما من اجل السلطة ذاتها أو سلطة أسوأ من السلطة القائمة .لا من اجل مصلحة الشعب ،هذا الوضع هو الذي يجعل المواطن العربي حائرا وفاقدا للثقة بالسياسة وبالسياسيين ،فهو في الوقت الذي لا يكون فيه راضيا كل الرضى عن النظام القائم لا يثق في نفس الوقت بقوى المعارضة، وخصوصا عندما تكون معارضة شعاراتية تجتر نفس الخطاب منذ عقود غير قادرة على التكيف مع متغيرات الواقع ،أو معارضة تمولها دول وأجهزة مخابرات أجنبية .
ومع ذلك يبقى حال العلاقة بين السلطة والمعارضة في الدول العربية ومفهومها في الخطاب السياسي العربي اقرب إلى الفهم من العلاقة بين السلطة والمعارضة والحدود الفاصلة بين كل منهما في الساحة الفلسطينية . ففي الساحة العربية وبالرغم من كل ما أشرنا إليه من غموض تحيل مفهوم السلطة دائما إلى من هُم في الحكم من أشخاص وأجهزة الدولة ومؤسساتها ونهجها السياسي العام ، وتحيل مفهوم المعارضة الى القوى السياسية المنظمة التي هي خارج السلطة ولها مواقف متعارضة مع السياسة العامة للدولة ،بمعنى أن السلطة والمعارضة تشتغلان في فضاء الدولة المستقلة ذات السيادة ،وفي الوضع الطبيعي ، في إطار ثوابت وطنية هي بمثابة الخطوط الحمراء التي لا يجوز الاختلاف حولها.أما في الساحة الفلسطينية وفي التاريخ الحديث لفلسطين وحيث تغيب الدولة الفلسطينية المستقلة فإن مفهوم السياسة بشكل عام ومفهومي السلطة والمعارضة على وجه الخصوص لهم معان ودلالات مغايرة تماما . مع أن وسائل الإعلام دَرُجت أخيرا على استعمال مصطلحي السلطة الفلسطينية والمعارضة كمرادف أو تعبير عن نهجين سياسيين في الساحة الفلسطينية وهما: نهج أوسلو والتسوية السلمية بقيادة الرئيس أبو عمار ،ونهج رفض أوسلو بقيادة المنظمات التي مقرها دمشق بالإضافة إلى حماس والجهاد الإسلامي ،إلا أن الأمور ليست بهذه البساطة في التصنيف لاختلاف الحقل السياسي الفلسطيني عن نظيره العربي .
للحالة الفلسطينية خصوصيات تفرض أن تأخذ علاقة السلطة بالمعارضة طابعا متميزا يخرجها من إطار علاقة سلطة بمعارضة فقط ،لان الصراع بين الطرفين لم يكن- ويجب أن لا يكون - صراعا على السلطة لأنه في هذه الحالة سيكون صراعا على سراب في ظل وجود الاحتلال . العلاقة الحقيقية بينهما يجب أن تكون علاقة تنافس في أدوات ومناهج النضال ضد عدو مشترك ولو على برنامج الحد الأدنى الذي يؤمن مرحليا تأسيس سلطة وطنية في دولة مستقلة . ومن جهة أخرى فان موضوع الخلاف تغير مع الزمن ففتح المتهمة اليوم بأنها مع الحل السلمي كانت في نهاية الستينات متهمة بتقديس البندقية بينما المعارضة (الجبهتان الديمقراطية والشعبية )كانتا مع العمل السياسي وضد (نهج فتح المغامر )على حد قولهما ، بل إن الجبهة الديمقراطية التي تزعمت المعارضة هي أول من روج لنهج التسوية وطرح موضوع الدولة ثنائية القومية وكانت من اشد المتحمسين للتسوية السلمية .فما الذي تغير اليوم ؟ وما هي طبيعة و موقف المعارضة اليوم ؟ وما هو الدور المطلوب منها في ظل مأزق التسوية ؟.
حتى نفهم تعقد علاقة المعارضة بالسلطة في الساحة الفلسطينية اليوم يجب الرجوع إلى بدايات ظهور المعارضة ودوافع هذا الظهور . فمن المعلوم انه عند تأسيس منظمة التحرير كانت المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وبمثابة السلطة السياسية للشعب الفلسطيني ، وحتى الانشقاق في صفوف فتح في 1983 وخروج عدد من المنظمات من المنظمة لم يمنع من استمرارية النظر إليها بالصفة المشار إليها ،فالخلاف كان مع نهج قيادة المنظمة وليس رفضا لمبدأ وجودها أو لصفتها التمثيلية ، هذا الأمر لم يمنع من وجود تعدد في التنظيمات المنتمية للمنظمة وهو تعدد فرضه واقع الشتات الفلسطيني من جهة والأبعاد المتعددة للقضية ما بين البعد القومي والبعد الأممي والبعد الإسلامي من جهة أخرى ، بالإضافة إلى التدخلات العربية في الشأن الفلسطيني والمستمر إلى اليوم .
واقع الشتات الفلسطيني دفع بالدول العربية التي توجد بها كثافة فلسطينية إلى محاولة استقطاب الفلسطينيين خوفا من أن تنبثق بينهم حركة وطنية فلسطينية تنهج سياسة تهدد استقرارها أو تهيج الجماهير أو تُحرج الأنظمة . وما كانت منظمة التحرير بقادرة على منع هذه الأنظمة من خلق تنظيمات تابعة لها كمنظمة الصاعقة التابعة لسوريا وجبهة التحرير العربية التابعة للعراق وأخرى تابعة لليبيا ،كما لعبت الاعتبارات الأيديولوجية والخلافات الشخصية بين القادة والتي أعطي لها طابع خلافات عقائدية دورا في تلون الخريطة السياسية وتعدد التنظيمات، فكانت الجبهة الشعبية أولا ثم انشقت عنها الجبهة الديمقراطية وعنهما انشقت عدة تنظيمات ،كما ظهر الحزب الشيوعي الفلسطيني ،و أخيرا ظهرت التنظيمات ذات التوجه الإسلامي كحماس والجهاد الإسلامي ....
مع أنه كان من الأفضل تجنب تعدد التنظيمات وما يترتب عنه من تعدد السياسات والولاءات ، إلا انه كما يقال رُب ضارة نافعة ،فحيث أن المنظمة غير قادرة على منع تشكل هذه المنظمات لأنها تؤَسَس في بلاد لا سلطة للمنظمة عليها ، فقد حاولت المنظمة أن توظف وجود هذه التنظيمات لما فيه خدمة المصلحة الوطنية وذلك بأن تكون هذه المنظمات صلة الوصل ما بين القضية الفلسطينية والمنظمة من جهة والقيادات والجماهير العربية والعالم الخارجي وخصوصا المعسكر الاشتراكي من جهة أخرى، وفي نفس الوقت عملت قيادة المنظمة وخصوصا أبو عمار على تطويع واحتواء هذه المنظمات من خلال الورقة المالية و إغراءات المناصب في مؤسسات المنظمة وسفاراتها ومن خلال غطاء الشرعية الذي تمنحه المنظمة لأي تنظيم جديد .
والى حدوث الانشقاق في فتح والمنظمة عام 1983 كان الأمر مقبولا بل كان أبو عمار يفتخر بما سماه ديمقراطية البنادق فالهدف كان واحدا والاستراتيجية كانت واحدة مع تغير في الخطاب السياسي بما تمليه الولاءات والأيديولوجيات والمصالح أحيانا .
دشن الانشقاق مرحلة جديدة في العلاقة ما بين منظمة التحرير ( السلطة) وتحديدا تنظيم فتح والتنظيمات الفلسطينية (المعارضة) ، مرحلة تجاوزت مقولة ديمقراطية البنادق إلى صراع البنادق الفلسطينية مع بعضها البعض ، وتبلور نهجان سياسيان متناقضان (من وجهة نظر بعض فصائل المعارضة) خصوصا التي اتخذت من دمشق مقرا لها . فقد اتهمت المعارضة قيادة المنظمة بأنها خرجت عن الخط الوطني وعن الثوابت الفلسطينية ورهنت القضية الفلسطينية لمشاريع سلام وهمية تقودها الولايات المتحدة والأنظمة الاستسلامية العربية ، وقد تأجج الصراع بين الطرفين مباشرة بعد الخروج من بيروت وقبول المنظمة لمشروع السلام العربي - مشروع قمة فاس الثانية- وبعد زيارة أبو عمار للقاهرة اثر خروجه من طرابلس ثم توقيع الاتفاق الأردني الفلسطيني وعقد دورة المجلس الوطني الفلسطيني في عمان وبعد ذلك بيان القاهرة 1985 والذي تعهد فيه أبو عمار بنبذ الإرهاب . كان من الممكن أن تتطور العلاقة بين منظمة التحرير وقوى المعارضة إلى ما هو أسوأ ،وخصوصا مع تبني سوريا وإيران للمعارضة ،لولا اندلاع الانتفاضة المجيدة في ديسمبر 87 وهي الانتفاضة التي حتمت إيجاد نوع من التنسيق وتوحيد الجهود لمواجهة العدو المشترك داخل فلسطين وما جعل تجميد الصراع ممكنا وخصوصا في السنوات الأولى للانتفاضة اشتراك جميع الفصائل في الانتفاضة .
وجاءت اتفاقية أوسلو التي تصاحبت مع تراجع الانتفاضة أو كانت على أنقاضها ، لتؤجج الصراع مجددا ولتضع حدا لتجربة القيادة الموحدة للانتفاضة ،واصبح خطاب المعارضة اكثر وضوحا في تحديد أسباب القطيعة مع قيادة المنظمة ونهجها، فهي ترى أن اتفاقية أوسلو هي تنازل خطير واستسلام وعملية بيع فلسطين للصهاينة وان قيادة منظمة التحرير تخلت عن الميثاق وعن الكفاح المسلح .... وفي مقابل ذلك التزمت المعارضة - والتي تزايد عددها لتصبح عشرة منظمات بانضمام حركتي حماس والجهاد الإسلامي إليها - بمواصلة الكفاح المسلح والجهاد ضد العدو إلى أن يتم تحرير كامل فلسطين ،كما استمرت برفض نهج التسوية السياسية .
وجد خطاب المعارضة - وخصوصا حماس والجهاد الإسلامي - في البداية نوعا من التأييد والتفهم في الشارع الفلسطيني نظرا للتنازلات الكبيرة التي قدمها المفاوضون الفلسطينيون وانغلاق أفاق المستقبل أمام الفلسطينيين ، وازداد هذا التأييد مع مباشرة حماس والجهاد العمل العسكري ضد إسرائيل وما عزز خطابها آنذاك هو وجود مواقف عربية وإسلامية ما زالت تؤيد الثوابت القومية والوطنية وترفض نهج التسوية ،إلا أن سياسة القمع والحصار التي مارستها إسرائيل ضد الفلسطينيين ردا على كل عملية عسكرية لحماس والجهاد وعدم تثمير هذه العمليات سياسيا ومباشرة ، مقابل قوة خطاب السلام وتواصل المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية التي أدت في بدايتها إلى تراجع القوات الصهيونية عن بعض مواقعها وتسليمها للسلطة الفلسطينية ، أدى كل ذلك إلى تراجع شعبية المعارضة وإلى أن تعيد حماس والجهاد النظر في بعض مواقفهما وأن تبحث والسلطة الفلسطينية عن قاعدة للعمل المشترك ، وأعتقد أنهما في ظل انتفاضة الأقصى توصلا بشكل ما على بعض القواسم المشتركة وهذا مأتى الحقد الأمريكي والإسرائيلي على أبو عمار .

لقد فهمت غالبية أطراف المعارضة أنها أمام اختبار صعب اختبار مواقف واختبار مواقع وان زمن الاحتماء بالشعارات أو بحليف قومي أو ثوري قد ولى ، وكان على قوى المعارضة الفلسطينية أن تستوعب ما يجري منذ حرب الخليج الثانية وانهيار الاتحاد السوفييتي ومؤتمر مدريد حيث تبنت الأنظمة العربية التي حضرته – وهي غالبية الدول العربية - السلام كخيار إستراتيجي .
وحتى لا نجافي الحقيقة نقول ، إن المعارضة متباينة سواء من حيث المواقف أو من حيث القوة والتأثير أو من حيث شعبيتها ، فشخصيات مثل جورج حبش وخلفه الشهيد ابو علي مصطفى ونايف حواتمة وشفيق الحوت والشيخ احمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وغيرهم لا يشكك أحد في وطنيتهم ولكن قد يكون لنا موقف من صحة مراهناتهم .وفي مقابل ذلك لا نمنح شهادة وطنية وحسن سير وسلوك لكل أنصار أوسلو ودعاة التسوية ،ذلك انه في الوقت الذي تعيش فيه المعارضة مأزقها الخاص بالتوفيق ما بين المواقف والشعارات من جهة وما يعتمل داخل الساحة الفلسطينية والعربية من أحداث من جهة أخرى ،في هذا الوقت تعيش السلطة الفلسطينية وفريقها المفاوض مأزقا لا يقل خطورة وخصوصا في ظل انتفاضة الأقصى . فأذ كان الأولون لم يستطيعوا ولا يبدوا انهم يستطيعون في المنظور القريب تحرير فلسطين ، فأن الآخرين لم يستطيعوا بعد ثمان سنوات من أوسلو أن يحققوا ما وعدوا به الشعب من دولة مستقلة وعاصمتها القدس بل لم يستطيعوا أن يلزموا إسرائيل بان تلتزم بما وقعت من اتفاقات حول حكم ذاتي هزيل .
نعم ...إذا أخذنا كل طرف على انفراد فليس لأي منهم ما يفتخر به وليس ذلك بالضرورة لنقص في الوطنية أو في الاستعداد للتضحية بل لان التحديات كانت عظيمة والتحولات في النظامين العربي والدولي جاءت ضد مصلحة الشعب الفلسطيني ،وهو الأمر الذي يحتم تضافر الجهود الفلسطينية لمواجهة تحديات المرحلة القادمة والتي نعتقد أنها ستكون اخطر من كل ما سبق ،لأنها هي التي ستحدد إن كانت فلسطين ستُثبَت على الخريطة الدولية كدولة مستقلة ذات سيادة أم إنها ستزول بشكل نهائي ويتحول أهلها الى (عرب إسرائيل ) ولكن دون حقوق المواطنة هذه المرة .لا شك أن التفاوض على قضايا الوضع النهائي ليس بالأمر المشرف أو المبهج لأنه سيكون مثل الذي يتفاوض على بيع جزء من جسده، ولان الظروف الحالية لا تعمل لمصلحة الفلسطينيين سواء مَن هم في السلطة أو مَن هم في المعارضة ، فان وحدة الصف الفلسطيني تصبح ضرورة ملحة سواء من اجل الدخول موحدين في مرحلة التفاوض على الوضع النهائي أو من اجل منع إسرائيل من التفرد بالسلطة الفلسطينية لتفرض عليها اشتراطات جديدة ،المهم اليوم وبعد وصول شارون للحكم وما أرتكب من مجازر تعزيز الوحدة الوطنية التي تجسدت في الانتفاضة ثم البحث فيما بعد عن أسلوب التحرك المناسب ،والذي لا نعتقد انه بالضرورة سيكون تحركا على قاعدة أوسلو ، بل قد يكون تحركا للتحرر من قيود أوسلو وخصوصا أن هذا الاتفاق قد انتهى عمليا و قانونيا مع انتفاضة الأقصى ، وحكومة شارون تعلن ذلك بصراحة.
ومع كامل الاحترام للمعارضة الفلسطينية وخصوصا أولئك الذين في الخارج وهم مقاتلون سابقون ولاجئون يعانون الغربة ،نقول إن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى كل الجهود وساحة المواجهة اليوم هي فلسطين وخصوصا الضفة والقطاع ،والمرحلة اليوم ليست مرحلة البحث عن زعامة بل هي مرحلة النضال الجماهيري المكثف في إطار علاقة جديدة و على قاعدة التوافق على الحد الأدنى لتجاوز المرحلة الحالية التي أصبح فيها الشعب الفلسطيني وجها لوجهه مع العدو في ظل صمت عربي ودولي إن لم يكن تواطؤ .
مما لا شك فيه أن الوضع داخل مناطق الحكم الذاتي ليس هو وضع دولة أو مناطق محررة وليس وضع احتلال بالمطلق ،إلا أن هذا لا يمنع من توحيد الجهود من أجل بناء الوطن ،وكثيرة هي المجالات التي يمكن للمعارضة أن تساهم فيها بل أن تكون ساحة نشاطها الأساس فبالإضافة الى ساحة المواجهة العسكرية مع العدو هناك ساحة المجتمع المدني .ففي المجتمع المدني تتلاقى وتتصارع القوى السياسية والاجتماعية ليس من اجل الفوز بالسلطة أو السيطرة عليها بل من اجل بناء المواطن ثقافيا وسياسيا وتفعيل الحياة السياسية والثقافة وتشكيل قوة ضاغطة على السلطة تؤثر على مواقفها وتراقب سلوكياتها وتصحح أخطاءها وقد تسقط الحكومة القائمة ، ولكن كل ذلك في إطار الأخلاق والممارسات الديمقراطية الثورية .


المفاوضات المقبلة - بداية متعثرة ونهاية مفتوحة على كل الاحتمالات-؟

كان حديث الساعة فلسطينيا قبل مايو 1999 - تاريخ نهاية المدة المحددة لاتفاق إعلان المبادئ وبداية التفاوض على قضايا الوضع النهائي -هو موضوع الدولة الفلسطينية ،هل ستقوم يوم الخامس من مايو أم ستؤجل ؟وإذا قامت فكيف ستتصرف إسرائيل ، وان لم تقم فكيف ستواجه السلطة الفلسطينية شعبها من يساندها منه ومن يعارضها؟ وما هي الأسانيد القانونية والإمكانات الموضوعية لقيامها ؟ وهل في بنود اتفاق أوسلو ما يدعم موقف السلطة الفلسطينية في قيام الدولة بحلول الرابع من مايو ؟ وهل هذه الدولة ستحقق السلام المنشود ؟. وحيث انه لا مواعيد مقدسة عند الصهاينة وخصوصا إذا كانت هذه المواعيد تفرض عليهم التزامات تتعلق بالأرض المحتلة، فقد مر الرابع من مايو وبالتالي المدة المتفق عليها للحكم الذاتي وفشلت مفاوضات كامب ديفيد وما تلاها من اتفاقات ، واندلعت الانتفاضة لتؤكد فشل المراهنة على السلام الأمريكي الإسرائيلي ،وما زالت أسئلة كثيرة وعميقة ومعقدة تضغط على الإنسان الفلسطيني وتجعله في موقف الانتظار والترقب دون أن يستطيع لملمة أفكاره وشحذ قدراته العقلية لاتخاذ موقف وهو على يقين من سلامة هذا الموقف ، والأمر لا يتعلق بالإنسان الفلسطيني أو العربي العادي بل نلمس حالة الإرباك عند القياديين الفلسطينيين الذين تتباين مواقفهم وتلتبس تصريحاتهم من كان منهم في المعارضة أو في السلطة .
إن ما أوصلنا إلى هذه الحالة من الإرباك والتردد ليس لان الحقوق التاريخية الفلسطينية ملتبسة وغير واضحة ولا لان الحق الفلسطيني في الدولة المستقلة بعاصمتها القدس الشريف ، غير شرعي ويتناقض مع منطق التسوية العادلة، ولا يعود التردد والإرباك إلى غياب الإرادة الفلسطينية في تحمل استحقاقات قيام الدولة ، بل يعود الغموض إلى اتفاقات أوسلو الغامضة والملتبسة من جهة والى تردد بل جبن الأنظمة العربية في اتخاذ موقف دعم الدولة الفلسطينية والاعتراف بها بكل ما يترتب عن هذا الاعتراف من الدخول في مواجهة ساخنة مع الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية -وحتى لا يرتعب البعض فنحن لا نقصد بالمواجهة الساخنة إعلان الحرب على إسرائيل ،بل مجرد التهديد بها وجعلها إمكانية واردة والتهديد بقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني وإغلاق السفارات وهذا هو الحد الأدنى من الواجب القومي العربي تجاه فلسطين.
بعيدا عن متاهات التسوية والتي أراد الذين خططوا لها أن يتوهونا عن الطريق ، يمكن القول إنه لأول مرة في تاريخ فلسطين ما بعد نكبة 1948 أصبحت دولة فلسطينية تنهض من جديد في حكم الممكن بحكم الضرورة وليس بحكم القانون الدولي فقط ،وانه لأول مرة يتحدث مسؤولون إسرائيليون والصحافة الإسرائيلية عن تخوفات حقيقية من قيام الدولة الفلسطينية وانه لأول مرة يخاطب الرئيس الفلسطيني من طرف زعماء العالم كرئيس دولة، ولأول مرة تتحدث أوروبا والولايات المتحدة عن الشعب الفلسطيني وحقه في قيام دولته المستقلة (5). قد يقول البعض ولكن ما الثمن الذي دُفع والذي سيدفع مقابل ذلك ؟ نعم الثمن باهظ ولكن بعد أن تخلى الجميع عن الفلسطينيين مختارين أو مجبرين لا ننتظر من الفلسطينيين إلا أن يتعاملوا مع السياسة باعتبارها فن الممكن لان الفلسطينيين اليوم ليسوا في مرحلة فرض شروط بالرغم من كل عظمة الانتفاضة بل في مرحلة إثبات وجود.
هذا الكلام ما كنا نقوله قبل سنوات قلائل بل كنا نستنكر أي حديث عن دولة فلسطينية على جزء من ارض فلسطين مقيدة بقيود ويكون ثمنها اعتراف بالعدو وتنازل عن الحقوق التاريخية ، ولكن بعد الانهيارات المتسارعة في الأوضاع العربية ،والهروب الرسمي العربي والإسلامي المخجل من الالتزام بالقضية الفلسطينية تحت أعذار واهية أو واقعية ، وبعد أن انشغلت الشعوب العربية بهمومها الداخلية أو خُلقت لها هموم لتنشغل بها كـ(الديمقراطية ) وحقوق الإنسان والبطالة والمديونية والحروب الأهلية والتطرف الديني الخ- ،وبعد أن انشغل العالم عن الشعب الفلسطيني بتعدد بؤر التوتر في العالم.بعد كل ذلك لم يعد أمام الفلسطينيين إلا أن يشقوا طريقهم بأنفسهم وبالمخلصين من العرب والمسلمين .
نعم ليس من الهين أن يصبح الهدف الفلسطيني اليوم المطالبة بإقامة دولة في الضفة وغزة ضمن قيود وشروط نعلم أنها ستكون مجحفة ومهينة ،ولكن ما الذي جعل الشعب الفلسطيني -أو فلنقل نصف الشعب- يقبل بذلك ومن الذي أوصل القضية إلى ما وصلت إليه اليوم ،ليس من الأنصاف أن نحمل حركة المقاومة الفلسطينية أو م-ت -ف - أو السلطة الفلسطينية أو الشعب الفلسطيني المسؤولية بشكل جماعي أو انفرادي عما جرى ،نعم أخطأت السلطة الفلسطينية و أخطأت م-ت-ف ،لكن السبب في تردي القضية ليس الخطأ الفلسطيني فقط بل أيضا الخطيئة العربية والتحولات الدولية التي لم تأت بما تشتهي السفينة الفلسطينية، لان الشعب الفلسطيني لوحده لا يمكنه أن يحرر كامل فلسطين ولم يقل ذلك يوما .
لا نقلل في كلامنا هذا من قومية أو وطنية أحد لا السلطة الفلسطينية ولا المعارضة الفلسطينية ولا الدول التي تحتضنهم ، لكل تصور ومنهج ولكن الواقع اثبت أن الكل أخطئ والشعب الفلسطيني هو الذي يدفع الثمن اليوم.
لا شك أن السلطة الفلسطينية في وضع لا تحسد عليه ذلك انه بالرغم من أن عناصر الدولة الأساسية شبه متوفرة :الأرض والشعب والسلطة السياسية بالإضافة إلى قرار التقسيم وتأييد دولي يتزايد كل يوم ،إلا أن خصوصية القضية وبنود اتفاق أوسلو يجعل اعتراف إسرائيل والاعتراف الدولي المسبق -وخصوصا الدول العظمى وعلى رأسها الولايات المتحدة - شرطا أساسيا لقيام الدولة الفلسطينية ،وهو الأمر الذي يدفعنا إلى القول إن الدولة الفلسطينية لن تقوم بمجرد الإعلان عن قيامها -حيث أُعلن عن قيامها قبل ذلك عدة مرات كان آخرها إعلان الجزائر 1988-بل أن قيامها فعلا وممارستها لسيادة حقيقية على الأرض والشعب ما زال يحتاج إلى إرادة فلسطينية جماعية والى برنامج وحدة وطنية مرحلي يكثف العمل فلسطينيا وعربيا ودوليا في هذه المرحلة الدقيقة للقضية الفلسطينية،بل لا نبالغ إن قلنا إن قيامها يحتاج إلى نضال لا يقل عن النضال الذي خاضه الفلسطينيون منذ قيام الثورة إلى اليوم ،وانه لمن المؤسف أن تقف بعض قوى المعارضة الفلسطينية موقف المتفرج إن لم يكن موقف الشامت مما يجري اليوم وكأن المسألة لا تعنيها ، وكأنها في دخيلة نفسها تقول ليت أبو عمار يفشل في إقامة الدولة .و يبدو أن كثيرين من العرب والفلسطينيين لا يدركون خطورة المرحلة وأهمية قيام دولة فلسطينية مستقلة على ارض فلسطين ولو على شبر من ارض فلسطين ، إن الدولة الفلسطينية اليوم وفي ظل انهيار البعد القومي للقضية وفي ظل انشغال العالم بقضايا أخرى غير القضية الفلسطينية وفي ظل التحالف الإستراتيجي المتين ما بين إسرائيل وأمريكا لم تعرفه العلاقات بين الدولتين من قبل ، في ظل هذه الظروف يمكن أن تكون-بل يجب أن تكون- الدولة الفلسطينية مهمة نضالية وواجب قومي و إسلامي و أنساني ومنطلق نحو نهج جديد لاستعادة بقية الحقوق المشروعة.

منذ مدريد ومع توقيع كل الاتفاقات ما بين المنظمة وإسرائيل كان الأمر بالرغم من خطورته وما به من تنازلات ،يسمح بالتعامل الهادئ والعقلاني مع هذه الاتفاقات لأنها كانت تسمى أحيانا اتفاقات مبادئ واتفاقات مؤقتة أو اتفاقات حكم ذاتي مؤقت حينا آخر الخ ،بمعني أن هذه الاتفاقات كانت تقبل اكثر من تفسير وتأويل ويمكن تعديلها وحتى عدم الاعتراف بها بل راهن البعض على فشلها ،كانت كل الاحتمالات والمراهنات مفتوحة حتى المراهنة على تدخل القدرة الإلهية. ولكن اليوم الأمر مختلف ولم يعد مقبولا الصمت والتعامل بعدم مبالاة مع ما يجري ، لان ما سيوقع عليه من اتفاقات معناه إنهاء المشكلة الفلسطينية وفي ضوء موقف شارون المجمع عليه إسرائيليا وفي ضوء ضعف الموقف التفاوضي للفلسطينيين وفي ضوء الصمت العربي إن لم يكن التواطؤ ،سيفرض الإسرائيليون ما يريدون بحيث سيبقون القدس عاصمة موحدة وأبدية لهم ولن يتخلوا عن المستوطنات وخصوصا في الضفة الغربية ولن يسمحوا بعودة اللاجئين إلى ديارهم ، فهل من حق المفاوضين الفلسطينيين وحدهم البت في الأمر؟ وهل من المعقول أن تبقى الساحة الفلسطينية منقسمة ما بين سلطة ومعارضة فيما العدوان الصهيوني يستهدف كل الشعب الفلسطيني : الأرض والإنسان ، الحاضر والمستقبل ؟ أليس هذا هو الوقت المناسب لتجسيد وحدة وطنية فلسطينية ترد على حكومة الوحدة الوطنية التي شكلها شارون ؟.
إن مفاوضات الوضع النهائي اخطر من أن تُترك للفريق المفاوض الفلسطيني حتى ولو لم يكن هناك شك في وطنيتهم ، فالأمر ليس القدرة على التفاوض بل موضوع التفاوض وموازين القوى بين المتفاوضين ،فالحسم في قضايا الوضع النهائي ضمن المعطيات الراهنة ليس في صالح الفلسطينيين لأنهم في وضع ضعيف، وان يستمر اللاجئون لاجئين والمشردون مشردين والحكم الذاتي حكما ذاتيا افضل من التوقيع على إغلاق ملف القضية في هذه الظروف . كانت المفاوضات في المرحلة السابقة تسير والمفاوضون الفلسطينيون في مأزق أما اليوم ومع الانتفاضة المجيدة فالمأزق ليس فلسطينيا فحسب بل إسرائيليا أيضا ، فالفلسطينيون فرضوا قضيتهم على العالم والكل يتحدث عن دولة فلسطينية وهناك ملايين فلسطيني في فلسطين وهناك قرارات الشرعية الدولية وخصوصا قرار التقسيم وقرار عودة اللاجئين وقرار مجلس الأمن 1397، بالإضافة إلى قرارات القمم العربية وقرارات المؤتمر الإسلامي وهناك أيضا لجنة القدس وفوق كل ذلك هناك إرادة الشعب الفلسطيني المقاوم التي يجب أن تتجسد في موقف وطني موحد ، فكيف يسمح المفاوض الفلسطيني لنفسه التفاوض على الوضع النهائي منفردا وأمامه هذه الذخيرة من القرارات ومن أوراق القوة التي ستكون اكبر عون له ؟ وكيف تقف المعارضة الفلسطينية من العملية السياسية وكان الأمر لا يعنيها ؟.
نعتقد انه سيكون من العبث ترك موضوع البحث في الوضع النهائي بيد الفريق المفاوض الفلسطيني إلا في حالة واحدة وهي أن يكون الفلسطينيون غير جادين في غلق ملف القضية ولا يريدون أن تكون الاتفاقات الموقعة بينهم وبين الإسرائيليين حول الوضع النهائي للقضية لها أي شرعية فلسطينية أو عربية أو إسلامية وبالتالي لا تلزم الأجيال القادمة .أما إذا كانوا جادين في التسوية فأن الأمر يتطلب من الفلسطينيين جميعا وضع إستراتيجية وطنية جديدة ، إستراتيجية متحررة من المراهنات المريحة للسلطة على أوهام السلام وعلى الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة ، ومتحررة من المراهنات المريحة للمعارضة ، مراهنة على حلفاء قدرتهم على دعم نهج الكفاح المسلح محدودة ومراهنة على التفرد بساحة العمل السياسية .
لقد أبانت الانتفاضة وردود الفعل الصهيونية عليها ومحدودية الدعم العربية ، على أن الفلسطينيين جميعا مستهدفون من كان منهم في السلطة ومن كان منهم في المعارضة ، سياسة القتل والتدمير الصهيونية وحدت الشعب بحيث أصبح جسدا واحدا في مواجهة العدو ، فلا يجوز أن تنقى النخبة السياسية منقسمة الى أحزاب وقوى يتربص كل منها للأخر . الاستراتيجية المطلوبة اليوم ، وبعيدا عن الشعارات وعن الأهداف المشروعة غير القابلة للتحقيق الآن ، هي التي تحدد هدفا واحدا ووحيدا وهو تطبيق قرارات الشرعية الدولية ، وهي القرارات التي في حالة عدم التزام إسرائيل بها تمنح للشعب الفلسطيني الحق باللجوء الى كافة الوسائل للاستعادة حقوقه المشروعة دوليا ، بما في ذلك اللجوء الى الكفاح المسلح . المهم أن يكون هناك موقف فلسطيني واحد يخاطب العالم بخطاب الشرعية الدولية ، ما دام العالم يزعم انه مع الشرعية الدولية .
ولكن هل قيام الدولة الفلسطينية ضمن الظروف الحالية سيؤدي إلى سلام ؟ !

إذا كانت الدولة الفلسطينية في حكم الممكن فهذا لا يعني أنها ستقام غدا أو أن قيامها سيؤدي إلى استتباب السلام لان الدولة العبرية إن اعترفت بها فلن يكون اعترافها بفعل إيمان بحق الفلسطينيين في دولة ولا بالحقوق السياسية المشروعة للشعب الفلسطيني بل من جهة لان الشعب الفلسطيني فرض نفسه كحقيقة لا يمكن تجاهلها وقضيته كقضية سياسية يعترف بها العالم ومن جهة أخرى لان بنية وعقيدة الكيان الصهيوني يرفضان اندماج الفلسطينيين في دولتهم ،بمعنى أن إسرائيل إن اعترفت بدولة للفلسطينيين فإنما بهدف الفصل ما بين اليهود والفلسطينيين .وعلى هذا الأساس فإن لم تتمكن إسرائيل من الحيلولة دون قيام دولة فلسطينية فستعمل على تنفيذ أحد المخططين : إما ربط هذه الدولة بالدولة الأردنية وبالتالي تصدير المشكلة الفلسطينية خارج إسرائيل ،أو أن تضع تحت تصرف هذه (الدولة) اكثر عدد من السكان واقل مساحة من الأرض مع الإبقاء على المستوطنات كعامل توتير وتهديد لاستقرار الدولة الفلسطينية وعنصر تشكيك في السيادة الفلسطينية على ارض الدولة الفلسطينية وخصوصا الضفة الغربية ، ولا نستبعد في هذا السياق أن تطرح إسرائيل فكرة الدولة ثنائية القومية في الضفة والقطاع بما يمنح الشرعية لوجود المستوطنين والمستوطنات (7).
وفي جميع الحالات ستتعامل إسرائيل مع الكيان الفلسطيني كنقيض وكعدو وكعنصر تهديد للمشروع الصهيوني ،وستعمل على جعل حياة الفلسطينيين داخل فلسطين ،اقتصاديا واجتماعيا ونفسيا وسياسيا ،جحيما لا يطاق لتدفع بهم إلى الهجرة ،كما ستعمل على توتير العلاقة ما بين الكيان الفلسطيني والدول العربية المحيطة به حتى لا يجد الفلسطينيون في هذه الدول النصير والمساند وحتى لا يتم إحياء البعدين القومي والإسلامي للقضية ،وقد تمكنت إسرائيل حتى ألان من خلق حالة شقاق ما بين السلطة الفلسطينية ودول الجوار :سوريا ولبنان والأردن وهي تعمل على توتير العلاقة بين السلطة ومصر .بالإضافة إلى ما سبق فستعمل إسرائيل على وضع شروط وقيود على الدولة الفلسطينية الناشئة سواء من حيث العلاقات الخارجية أو التسلح أو التحكم في موارد المياه أو المبادلات الاقتصادية مع الخارج ،ناهيك عن عدم إعادة القدس وعدم عودة اللاجئين ،الأمر الذي سيثير معارضة شعبية فلسطينية ضد السلطة الفلسطينية التي ستتحول إلى حكومة .
إلا أن أهم عوامل عدم الاستقرار بعد قيام (الدولة) ستكون الطبيعة الدينية والعنصرية لإسرائيل ،وهي طبيعة تتناقض كل التناقض مع السلام ومع الاستقرار الدولي ،ذلك أن تعصب أصحاب ديانة ما يستدعي تعصب أصحاب الديانات الأخرى مما سيفجر الوضع ،وخصوصا أن التعصب الديني لليهود لا يقتصر على جماعة محددة بل هو نهج عام عند غالبية الإسرائيليين وهو في نظرهم مبرر قيام دولتهم ،وهذا العامل الديني عند اليهود يختلف عما هو الأمر عند الجماعات الأخرى فهو تدَيٍن سياسي استيطاني ، بمعنى أنه لا يقتصر على ممارسة الشعائر الدينية والتطرف في المعتقد والممارسة بل يذهب إلى إضفاء طابع ديني ووطني على احتلال الأرض والاستيطان فيهاوهذا ما سيجعل وجود المستوطنات عنصر توتر وسببا في استمرارية الصراع وعودة الكفاح المسلح أو الجهاد بمفاهيم جديدة وربما نهج جديد.
ولكن هل يقبل العالم اليوم وخصوصا الولايات المتحدة والأمم المتحدة بوجود حركة تحرير فلسطينية جديدة ؟وهل يقبل الوضع العربي والفلسطيني بعد توقيع اتفاقات السلام مع إسرائيل باحتضان حركة مقاومة فلسطينية انطلاقا من أراضى الحكم الذاتي أو من الأراضي العربية المجاورة ؟وما هو واقع و آفاق النضال المسلح الفلسطيني؟

أولا :-اليهودية المتعصبة والصهيونية العنصرية تتناقضان مع السلام العادل.
من المعروف أن الكيان الصهيوني مشروع استعماري استيطاني مغلّف بالدين وبالأسطورة، وتحديدا بمقولتي شعب الله المختار وأرض الميعاد والمقولتان متلازمتان. إن مقولة شعب الله المختار هي من اكثر المقولات عنصرية عبر تاريخ البشرية القديم والحديث، وهي أخطر من النازية ومن العنصرية المعاصرة لا لأنها تقول بما تقول به العنصرية من تمييز وتفضيل لجنس من البشر على بقية الأجناس، بل أيضا لأنها تضفي بعدا دينيا على هذه العنصرية، إنها مقولة تزعم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي فضل اليهود على غيرهم من الأقوام وهذا مسا بالذات الإلهية ،وقد فند القرآن الكريم هذه المقولة ، ولأنهم شعب الله المختار فيجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم، وبالتالي من حقهم أن لا يلتزموا بما تلتزم به الشعوب الأخرى من قوانين و أعراف !- وهذا ما طبقته النازية الهتلرية في مفهومها للمجال الحيوي وفي تبرير احتلالها للدول الأخرى- .وإذا كان الكيان الصهيوني يقوم اليوم باحتلال أراض دول عربية ويعتدي على سيادة دول أخرى، ويرفض احترام القوانين الدولية، ويسعى للهيمنة على المنطقة الشرق أوسطية سواء حسب المشروع الشرق أوسطي المغلف بالاغراءات الاقتصادية لشمعون بيريس أو حسب المشروع الهيمني الأمني العسكري لنتنياهو أو الجمع بين التصورين كما يعمل باراك ،فما ذلك إلا لأن اليهود يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، والشعوب الأخرى هم (الأغيار )الذين ذكرتهم التوراة والذين يجوز قتلهم واستباحة عرضهم وأرضهم.
يرتبط بمقولة شعب الله المختار ويحيل إليها مقولة أرض الميعاد والتي تعني أن (ربهم ) وعدهم -شعبه المختار -بأرض خاصة بهم تمتد من النيل إلى الفرات ، وفلسطين هي قاعدة المنطلق وهي المركز الديني لهذه الدولة، وحيث أن رب اليهود وعدهم بهذه الأرض فإن قيام دولتهم على هذا الأساس يصبح عملا دينيا والدفاع عنها واجبا دينيا والحفاظ عليها واجبا دينيا ومن يفرط بجزء من هذه الأرض يعد خارجا عن الدين،ومن هنا يمكن فهم مقتل اسحق رابين والاحترام والتقدير الذين حضي بهما قاتله وكل الإرهابيين والمتطرفين اليهود والمكانة المتميزة التي يحتلها المتطرفون الدينيون في النظام السياسي الإسرائيلي .
هذا الإضفاء للبعد الديني على المشروع الصهيوني الاستعماري لا يقتصر على كونه عنصر تعبئة وتحريض ليهود فلسطين بل توظفه الصهيونية العالمية لحشد المسيحيين في أوروبا والأمريكيتين، لتبني هذا التصور، حيث أن الكتاب المقدس عند المسيحيين يشمل العهدين : العهد القديم وهو التوراة والعهد الجديد وهو الإنجيل، بمعنى أن الصهيونية واليهودية العالمية تمارسان عملية مماهاة لربهم المذكور في التوراة بالله رب العالمين، وبالتالي اعتبار كل ما جاء في التوراة - التي وضعها أحبارهم - مرجعا لتاريخ البشرية ومرجعا دينيا ملزما لكل العالم أو على الأقل ملزما لليهود والمسيحيين، ومن هنا يمكن فهم هذا التحالف بين الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية.والدول الغربية .
لن نكلف أنفسنا عناء تبيان الأغلاط والتحريفات بل والإساءة إلى الله جلت قدرته والتي تتضمنها مقولتا شعب الله المختار وأرض الميعاد، ولكن يمكن التساؤل هنا هل يُعقل أن يكون الخالق جلت قدرته يؤمن بالعنصرية فيميز شعبا عن شعب؟ أن يفرق الله رب العالمين بين عباده؟ (9) وهل يُعقل أن الله جلت قدرته كان قبل ثلاثة آلاف سنة يرسم حدودا سياسية للشعوب ؟.لو أن لأمة أن تزعم أنها شعب الله المختار فهي الأمة العربية الإسلامية، ألم يختار الله سبحانه وتعالى العرب من بين كل الأمم لينزل القرآن بلغتهم ؟ وألم يختار محمدا عليه السلام، من بينهم ليكون خاتم الأنبياء ؟ ومع ذلك لم يقل العرب يوما انهم شعب الله المختار، لأن الإسلام لا يفرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى، ولأن المسلمين يؤمنون بأن الله سبحانه وتعالى لا يمكنه أن يميز بين الناس والشعوب إلا بالإيمان والعمل الصالح.
هذا البعد الديني وظف بشكل مكثف من طرف الحركة الصهيونية المتحالفة مع الحركة الاستعمارية لإقامة الكيان الصهيوني، حيث مزجت الصهيونية أو وحدت بالعنف والتآمر والتزوير ما بين الدين والقومية والدولة، ويقول بن غوريون رجل الدولة وأحد أهم مفكري الحركة الصهيونية الأوائل : ( إن الصهيونية تستطيع وبإمكانها اجتياز الهوة بين المثال الديني التاريخي إلى الواقع، عن طريق العنف ... إذ أن العنف هو الوسيلة الوحيدة لفرض الاتساق الهندسي على جدل الواقع ).
هذا التوظيف التحريفي والابتزازي للدين يظهر في سياسة الكيان الصهيوني اليوم مع الانتفاضة حيث أصبح دم ومال الفلسطيني مباحا لقطعان المستوطنيين وجنود الاحتلال ، فهذا الكيان هو في ممارساته من أكثر دول العالم عنصرية وصلفا واستعلاء وهو الوحيد الذي يضع نفسه فوق الشرعية الدولية وقراراتها، وهو الوحيد الذي يحتل أراض دول أخرى وهو الوحيد الذي يعطي نفسه الحق بالاعتداء على سيادة الدول المجاورة، وهو الدولة الوحيدة في العالم التي تعطي جنسيتها لليهودي لمجرد أنه يهودي مهما كان أصله ولونه، والكيان الصهيوني هو الدولة الوحيدة التي تريد تأسيس دولة دينية يهودية خالصة، لأن في منظورهم شعب الله المختار لا يمكنه أن يتساوى مع الأغيار - والفلسطينيون أغيار كما تقول توراتهم -.بل ولأول مرة يقسم رئيس وزراء إسرائيلي – شارون – قسم الولاء وهو يضع يده على التوراة.
إذن في ظل كيان يقوم على أساطير دينية ويريد دولة يهودية خالصة،(10) وينظر للآخرين كأغيار والأغيار حسب التوراة يجوز قتلهم وتعذيبهم وانتهاك حرمتهم، في ظل كيان تقول نصوص دينه و كما جاء على لسان نبيهم يشع بن نون « ابقِروا بطون الحوامل، اذبحوا الأطفال، اقتلوا الرجال، احرقوا الأرض ثم استولوا عليها»، في ظل كيان يطبق هذه النصوص فيرتكب مجازر دير ياسين وقانا ويكسر عظام أطفال الحجارة، ويحتل الأرض ويدمر البيوت ويعتقل ويُرهب، ويكدّس الأسلحة النووية ويعتبر نفسه فوق القوانين والأعراف الدولية لأنه (شعب الله المختار)، في ظل هكذا كيان هل يمكن الدخول معه في علاقات تقوم على التسامح والسلام ؟
لا يعني قولنا هذا الدعوة إلى الحرب والقتال الآن، ولكن المقصود هو معرفة العدو الصهيوني جيدا، وإن كانت موازين القوى المحلية والتحولات الدولية والضغوطات الخارجية تفرض رفع شعارات التسامح والسلام، فإنه علينا أن نتهيأ للحرب وكأنها ستقوم غدا وعدم المراهنة على لغة السلام الأمريكية والصهيونية، وعدم وضع بيضنا في سلة واحدة، فالقائد أو السياسي الذكي هو الذي يحسب حساب أسوأ الاحتمالات ف(هناك زواج بين الدبلوماسية والقوة المسلحة ) كما يقول هنري كسنجر أهم منظري السياسة الأمريكية ، (11) ونعتقد أن الكيان الصهيوني اليهودي بتركيبته وسياسته الحالية لا يمكنه أن يقبل بالعيش بسلام مع دول المنطقة إلا إذا كان هو السيد المطلق في المنطقة .
وعليه سيبقى العامل الديني عنصر صراع مع الكيان الصهيوني حتى وان حسمت أوجه الصراع الأخرى من سياسية واقتصادية وقانونية، فما دام الكيان الصهيوني يؤسس وجوده على عقيدة صهيونية يهودية متعصبة، وما دام يستحضر بقوة كل الرموز والأساطير الدينية اليهودية التي لا تعترف بأصحاب الديانات الأخرى مسلمين ومسيحيين كأصحاب حق في فلسطين، وفي ظل التحالف المتين بين الجماعات الدينية اليهودية المتطرفة والنخبة السياسية الحاكمة، فإن كل هذا سيكون مدعاة لأن يستحضر الفلسطينيون والعرب البعد الديني في مواجهتهم مع العدو الصهيوني، وهم في ذلك لن يكونوا متطرفين دينيين ولا معادين لليهود بل دعاة حق ومدافعين عن حقوقهم التاريخية والدينية.



ثانيا :- واقع وأفاق المقاومة المسلحة ضد إسرائيل
توقيع منظمة التحرير وإسرائيل على معاهدات سلام لم يمنع استمرارية بعض المنظمات الفلسطينية وخصوصا حماس والجهاد الإسلامي من ممارسة الكفاح المسلح أو الجهاد ضد إسرائيل وهي العمليات التي أثارت ردود فعل مبالغ فيها، حيث قامت إسرائيل وحلفاؤها بأقصى درجات الاستثمار السياسي لهذه العمليات ليس فقط لردع الفاعلين ومعاقبتهم بل لعقاب الشعب الفلسطيني كله، ولابتزاز قيادته وخلق حالة من الإحساس بعقدة الذنب عند الفلسطينيين ومن يتعاطف معهم من العرب والمسلمين، بإظهار أن كفاحهم ونضالهم كان وما زال عملا إرهابيا منبوذا. وعلى الصعيد الدولي سعت إسرائيل لتوظيف ما وقعت من اتفاقات مع السلطة الفلسطينية ودول عربية وما أقامت من علاقات دبلوماسية ومكاتب تمثيل مع دول عربية أخرى ،توظيف كل ذلك لإحداث تغيير استراتيجي في السياسة الدولية وفي القانون الدولي، يعتمد صفة الإرهاب كتوصيف لكل عمل عنف يُمارس ضد الكيان الصهيوني ومصالحه وضد الأنظمة القائمة ومصالحها بغض النظر عن أهداف القائمين بهذه الأعمال ودون الربط بالمقابل ما بين إرهاب الجماعات وإرهاب الدولة، ودون الأخذ بعين الاعتبار حق الشعوب في تقرير مصيرها وحقها في مقاومة الاحتلال. أو بمعنى آخر إن ما عجزت إسرائيل وحلفاؤها الغربيون في تمريره خلال العقود الماضية وتحديدا منذ عام 1972 تريد تمريره وتثبيته الآن، وهو إلغاء حق الشعب الفلسطيني وكل الشعوب الخاضعة للاحتلال والقهر الأجنبي، في النضال من أجل تقرير المصير.
لقد طرحت عمليات حماس والجهاد الإسلامي وبقية الفصائل الفلسطينية قضية كانت مثار جدل منذ عقود، وهي تبيان الحدود الفاصلة بين الإرهاب والحق في الكفاح من أجل تقرير المصير؟ ومن هي الجهة التي من حقها ممارسة الكفاح المسلح؟ وما هي الحدود الفاصلة بين العمل السياسي والعمل العسكري؟ وأين موقع إرهاب الدولة من الإرهاب الدولي؟ وهل صفة الإرهاب الإجرامي المنبوذ تذهب لكل عمل يستهدف المدنيين لأسباب سياسية أم يجب البحث في دوافع وبواعث القائمين بهذه الأعمال ، بمعنى الأخذ بمقولة الغاية تبرر الوسيلة؟.
وبالنسبة للحالة الفلسطينية إذا كانت( غالبية) الشعب الفلسطيني اختارت قبل الانتفاضة – ولو مرحليا - نهج التسوية السلمية فهل من حق( المعارضة) اختيار نهج الكفاح المسلح؟ وهل عمليات حماس والجهاد الإسلامي تدخل في باب الجهاد؟ (12) أم هي جزء من مشروع سياسي لتنظيم فلسطيني له أهداف محدودة وخاضع لسياسات خارجية؟ وإذا كانت تنخرط ضمن مشروع سياسي وطني فهل يجوز وجود مشروعين متناقضين استراتيجيا على الساحة الفلسطينية في هذه المرحلة الحرجة من القضية الفلسطينية؟ وأخيرا ما هو دور العوامل الخارجية في رسم استراتيجية حركتي حماس والجهاد الإسلامي؟
إن المشاكل الكبرى هي التي تطرح تساؤلات كبرى وعميقة، وصعوبة المشاكل لا تكمن فقط في حلها بل في تحديد أسبابها وتعريفها، وحتى يستطيع المراقب والمتابع لقضية ما فهم المشاكل على حقيقتها عليه أن يتحرر من هيمنة وسائل الإعلام وعدم موضوعيتها وما تحمله من مواقف مسبقة ومن شحنة إيديولوجية وترهيبية تعقل العقل عن الإدراك السليم لماهية المشكلة، وخطاب السلام السائد اليوم هو خطاب لا يعكس الواقع ولا يشخص حقيقة الأوضاع وهو خطاب تمنيات اكثر مما هو خطاب حقائق ،وبالتالي يتعامل مع كل من يمارس الجهاد أو المقاومة وكأنه إرهابي ومعارض للسلام بينما السلام لم يقم بعد والاحتلال ما زال قائما.
إن التوجه الإسرائيلي الغربي نحو إدانة الإرهاب بالمطلق ومساواتهم بين الإرهاب وبين عمليات العنف التي تقوم بها الجماعات والأفراد ضد قوات محتلة أو ضد أنظمة استبدادية، أي التنديد بالعنف دون البحث عن الأسباب، هو جزء من استراتيجية غربية أمريكية، وجزء من تصور لنظام عالمي جديد يضفي الشرعية على الوضع القائم اليوم ويعتبر كل من يقاوم هذا الوضع إرهابيا، أنه جزء من مقولة نهاية التاريخ التي ينظرون لها. فالعالم في نظرهم قد اكتمل وتشكل في وضع نموذجي مثالي لا يجوز لأحد أن يقاومه أو يطالب بتغييره. ومن سمات هذا الوضع نهاية عهد حركات التحرر، وزمن النضال الثوري ما دام كل العالم أصبح تحت المظلة الأمريكية.
ولكن إذا كان من المفهوم سعي إسرائيل والولايات المتحدة والغرب لإزالة الحدود ما بين الإرهاب المُدان من جهة و الحق بالنضال لتحرير الوطن وتقرير المصير من جهة أخرى. فهل يجوز لنا كعرب ما زالت أجزاء من أراضينا تحت الاحتلال، وما زالت حقوقنا مغتصبة، وما زالت الهيمنة والسيطرة تكرس تخلف شعوبنا، هل يجوز لنا أن نتفق معهم في رؤيتهم هذه؟ أم يجب علينا أن نتحرر من وطأة الإرهاب النفسي الإعلامي، ونحدد موقفا شجاعا نميز فيه بين الإرهاب من جهة والحق في المقاومة من جهة أخرى؟أيضا يجب علينا كفلسطينيين وكعرب وكمسلمين أن نحذر مما ترمي إليه إسرائيل وهو إيقاعنا بعقدة الذنب والإثم، وتوليد حالة نفسية من إحباط وعجز، تشعرنا أننا مذنبون ومدانون، ليس بسبب تفجيرات حماس وغيرها، بل بسبب كل تاريخنا النضالي ضد الكيان الصهيوني، فتولد هذا الإحساس لدينا واعترافنا بالإثم والذنب يعني أن كل تاريخنا ودفاعنا عن حقوقنا وطلبنا لها هو تاريخ إرهابي خاطئ، تاريخ إرهابي وإجرامي يجب أن يُدان.

قبل أن تتسيد الولايات المتحدة على العالم وفي ظل النظام الدولي ثنائي القطبية المنهار ، كلما تم التطرق إلى موضوع الإرهاب في المؤتمرات الدولية، وبفعل ثقل وجود المعسكر الاشتراكي ودول العالم الثالث، وبفعل تزايد عدد حركات التحرر الوطني وتصاعد نضالها المسلح ، كان يتم التمييز بين الإرهاب من جهة وحق الشعوب في الكفاح المسلح من جهة أخرى. ففي قرار الجمعية العامة رقم 3103 بتاريخ 12/12/1973 جاء : «1-إن نضال الشعوب الواقعة تحت السيطرة الاستعمارية والأجنبية والأنظمة العنصرية، في سبيل تحقيق المصير والاستقلال هو نضال شرعي، ويتفق تماما مع مبادئ القانون الدولي، 2-إن أية محاولة لقمع هذا النضال هي مخالفة لميثاق الأمم المتحدة، ولإعلان مبادئ القانون الدولي الخاصة بالعلاقات الودية والتعاون الدولي، 3-إن النزاعات المسلحة التي تنطوي على هذا النضال يجب النظر إليها باعتبارها نزاعات دولية مسلحة بالمعنى الوارد في اتفاقيات جنيف (1949) الخاصة بالنزاعات المسلحة والوضع القانوني للمتحاربين». وتوالت القرارات الدولية التي تضفي الشرعية على الكفاح المسلح للشعوب الخاضعة للاستعمار والأنظمة العنصرية، منها القرار الصادر عام: 1977 الدورة (32) الذي ذكر بالاسم الشعب الفلسطيني كصاحب حق في الكفاح المسلح، حيث جاء في الفقرة الثانية منه :« تؤكد الجمعية العامة -ما لشعب ناميبيا وزمبابوي وللشعب الفلسطيني وسائر الشعوب الواقعة تحت السيطرة الأجنبية والاستعمار من حقوق غير قابلة للتصرف، في تقرير المصير و الاستقلال الوطني والسلامة الإقليمية والوحدة الوطنية والسيادة دون أي تدخل أجنبي »، ليس هذا فحسب، بل فشل مشروع اتفاقية قدمته الولايات المتحدة إلى « اللجنة المتخصصة المعنية بالإرهاب الدولي » التابعة للأمم المتحدة، لوضع (نظام أمن دولي مشترك) لمكافحة الإرهابيين والحيلولة دون حصولهم على المأوى والتمويل في أي مكان في العالم، واعتبار أي هجوم إرهابي على أية دولة في العالم وكأنه هجوم على كل الدول المنظمة للاتفاقية، إلا أنه لم تتم المصادقة على هذا المشروع ، وما يجري اليوم هو إحياء لهذا المشروع ويعتبر مؤتمر شرم الشيخ في مصر بمثابة التبني لهذا المشروع .
ما الذي جرى حتى تتغير المواقف جذريا؟
أحداث كبرى عرفها العالم وانعكست سلبا على القضية الفلسطينية، تكمن وراء تحول المواقف وتقاربها فيما يتعلق بالعنف السياسي الذي أصبح يوسم بالإرهاب دون البحث عن أسبابه وأهداف منفذيه. هذه التحولات ظهرت بأجلى صورها بالنسبة للقضية الفلسطينية التي بقيت القضية الوحيدة أو الحالة الوحيدة من حالات حركات لم تصل إلى مبتغاها خلال عقود تصفية الاستعمار والنضال التحرري، فجاء النظام الدولي الجديد ليطوي بالإضافة إلى النظام الدولي المنهار ما لصق به وكان من إفرازاته أو من أدواته الصراعية، وهي حركات التحرر العالمية، والفكر الثوري، وسياسة تصفية الاستعمار. كانت حركات التحرر العالمي -بما فيها حركة التحرير الفلسطينية- جزء من النظام الدولي الثنائي القطبية، وأداة من الأدوات التي وظفها المعسكر الاشتراكي في صراعه ضد الإمبريالية وتوابعها المحلية، ولأن للمعسكر الاشتراكي ثقله العسكري الاستراتيجي وثقله داخل هيئة الأمم المتحدة، وثقله الإعلامي الإيديولوجي فقد انتزعت حركات التحرر كثيرا من أهدافها وحققت استقلال شعوبها بشكل أو بآخر. التجربة الوطنية الفلسطينية هي حركة التحرر الوحيدة التي لم تحصل على أهدافها لاعتبارات متعددة منها الموقع الجيوسياسي لفلسطين في منطقة الشرق الأوسط حيث الصراع على أشده للهيمنة على المنطقة ونفطها، ولأن الحركة الوطنية الفلسطينية كانت تواجه الكيان الصهيوني الذي هو حليف استراتيجي للولايات المتحدة، ومعترف به من طرف الاتحاد السوفيتي وهو أيضا دولة عضو في هيئة الأمم المتحدة .
إذن لاعتبارات لا داعي لشرحها هنا، لم تهتبل حركة المقاومة الفلسطينية مرحلة الثنائية القطبية أو حاولت وفشلت في تحقيق أهدافها الوطنية -وفاجأتها التحولات المتسارعة والمتزامنة وخصوصا حدثي حرب الخليج الثانية وانهيار النظام الدولي الثنائي القطبية، وانبثاق نظام دولي على أسس جديدة تقوده الولايات المتحدة الأمريكية الحليف الاستراتيجي المتين للكيان الصهيوني.
هذا النظام الذي جاء ليطوي صفحة الماضي بصراعاته وتحالفاته بإيديولوجياته وشعاراته ومن ضمن ما بدأ بطيه قضية حركات التحرر والنضال الثوري ضد الاستعمار والإمبريالية واهتبلت إسرائيل الفرصة الذهبية مدعومة بالولايات المتحدة لتسوية الحساب مع الحركة الوطنية الفلسطينية ، ليس فقط فيما يتعلق بالتسوية المستقبلية بل أيضا تصفية وإعادة نظر بملفات ماضية أو هي محل خلاف، وكانت أولى الخطوات جر حركة المقاومة الفلسطينية ومعها العرب إلى طاولة المفاوضات ضمن شروط أمريكية وإسرائيلية ثم سعيها لتسوية ملفات قانونية مثل إلغاء قرار الأمم المتحدة لعام: 1975 الذي اعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، ومحاولتها تجاوز قرارات الشرعية الدولية الأخرى أو التحايل عليها منها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وقرار التقسيم وقرار عودة اللاجئين والقرار 242 وغيرها من القرارات .
كانت التسوية وإقرار السلام في منطقة الشرق الأوسط ركنا أساسيا من أركان الاستراتيجية الأمريكية قائدة النظام الدولي الجديد، وقدرة الولايات المتحدة على الاستقرار في المنطقة والهيمنة عليها هو المؤشر على القدرة الأمريكية على قيادة النظام الدولي الجديد، وهو الأمر الذي أكده بوضوح الرئيس الأمريكي كلينتون في تقريره السنوي عن « استراتيجية الأمن القومي، للولايات المتحدة » والذي صدر يوم 14/3/1996 حيث قال: « إن منطقة الشرق الأوسط والخليج تقع في مقدمة أولويات استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، وأن الولايات المتحدة ستظل ملتزمة وبثبات في العمل من أجل الحفاظ على الأمن والاستقرار وإحلال السلام الشامل والعادل والدائم بين إسرائيل والدول العربية لأن في ذلك بالإضافة إلى دعم الدول الصديقة في المنطقة، حفاظا على مصالح الولايات المتحدة الحيوية في تلك المنطقة من العالم ».
إذن النظام الدولي الجديد الذي تقوده -حتى الآن- الولايات المتحدة لا يمكنه أن يسمح بوجود دول أو منظمات أو حركات تحريرية تعاديه وتعادي مصالح الدول المتنفذة فيه، وهو بالتأكيد لن يسمح بوجود شيء يسمى حركات تحرر ضد الاستعمار والإمبريالية لأن قادة هذا النظام ومؤسسيه هم (الاستعمار والإمبريالية) ولأنهم ينظرون إلى هذه الحركات كمخلفات أو بقايا من أدوات الصراع التي كان يستعملها المعسكر الاشتراكي المنهار، فكيف إذا كانت هذه الحركة التحررية تمارس الكفاح المسلح ضد أقوى حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، أي الكيان الصهيوني! .
من هنا يمكن أن نتلمس التحول في المواقف حول الكفاح المسلح والعنف الثوري التحرري، فكما أشرنا سابقا، كانت إدانة الإرهاب تستثني العمليات التي تقوم بها حركات التحرر الساعية إلى الاستقلال وتقرير المصير، أما اليوم فتجري محاولة تغييب حركات التحرر ونضالها، والأمر بدأ قبل سبتمبر 2001 فالبيان الختامي لمؤتمر شرم الشيخ -مؤتمر صانعي السلام- الذي عقد في مصر يوم 13/3/1996 مباشرة بعد قيام حماس بعمليات تفجير داخل فلسطين المحتلة ، لم يشر من قريب أو بعيد إلى هذه الحركات، أو إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها وأدان الإرهاب بالمطلق بغض النظر عن أسبابه وأهدافه، حيث جاء فيه « ويؤكدون-المجتمعون- إدانتهم الشديدة لكافة أعمال الإرهاب بكافة أشكالها النكراء مهما كانت دوافعها وأيا كان مرتكبوها بما في ذلك الهجمات الإرهابية الأخيرة في إسرائيل » فالبيان هذا لم يقتصر على إدانة الإرهاب دون البحث في أسبابه وأهدافه بل حدد العمليات الموجهة ضد إسرائيل بأنها عمليات إرهابية ولم يشر إلى الاحتلال الإسرائيلي أو إلى العمليات الإرهابية التي قامت وتقوم بها إسرائيل.
وجاءت تفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن لتوظفها أمريكا لإعادة ترتيب النظام الدولي ولإعادة تعريف الإرهاب ليصبح الفعل الإرهابي هو الفعل الموجه ضد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في العالم سواء كان هذا الفعل حدث داخل الولايات المتحدة او في أي منطقة في العالم ، ثم تدخل إسرائيل على الخط وتجعل من أمريكا قدوة لها فتقتل الفلسطينيين وتدمر المنازل وتعتقل المواطنين بذريعة محاربة الإرهاب .

يجب التمييز بين شرعية الحق في النضال والتوظيف الخاطئ لهذا الحق:
نعتقد أن أكبر مكتسب خرجت به إسرائيل ومن يؤيدها في تضخيم ردة الفعل على العمليات الاستشهادية هو إزالة التمييز بين الإرهاب المدان وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره باستعماله لكل الوسائل المتاحة ومجاراة بعض الدول بما فيها دول عربية للموقف الإسرائيلي . هذا التمييز بين شرعية الحق في الكفاح والتوظيف الخاطئ له يطرح على الفلسطينيين تحديا كبيرا، ومسئولية جسيمة وهي ضرورة وضع ثوابت للعمل الفلسطيني ذلك أنه إذا كان من حق الشعب الفلسطيني أن يتمسك بحقه في النضال ما دامت أرضه محتلة، وما دامت التسوية متعثرة، فمن هي الجهة، ذات الصلاحية لممارسة هذا الحق؟ومتى وكيف وأين ؟، وهل العداء مع إسرائيل عداء سياسي أم عداء ديني؟ بمعنى هل على المسلم أن يقاتل الإسرائيلي لأنه يهودي أم يقاتله لأنه يحتل الأرض ؟
فإذا كانت السلطة الفلسطينية قبلت خيار التسوية بداية وجمدت خيار الكفاح المسلح ، فهل كان يجوز للأقلية أن تقف ضد إرادة الأغلبية؟ وهل كان من المناسب أن تمارس أعمالا تعيق العمل السياسي للسلطة الفلسطينية؟. فممارسة حق النضال لتقرير المصير يفقد معناه إذا تحول إلى أعمال فئوية لجماعات لا تندرج في إطار الإجماع الوطني، وخصوصا إذا غاب التنسيق بين الطرفين -السلطة والمعارضة- وإذا تقاطعت أو التقت مواقف قوى المعارضة مع مصالح أطراف خارجية تريد أن توظف القضية الفلسطينية لخدمة مصالحها.
واليوم وبعد سقوط أوهام السلام قد يقول قائل -ونقول نحن- إن إسرائيل سيئة النية في سعيها للتسوية، وأنها مارست وتمارس أعمالا إرهابية ضد الفلسطينيين فيجب الرد عليها بالعنف الثوري، وهذا قول صحيح نظريا، ولكنه يحتاج لتكون له مرودية إلى أن يندرج في إطار استراتيجية فلسطينية بل عربية إسلامية مشتركة أو على الأقل في إطار تنسيق يسمح بأن توظف هذه العمليات لخدمة الأهداف الوطنية، وهذا التنسيق للأسف لم يكن موجود، وعدم وجوده جعل قدرة إسرائيل حتى الآن على استثمار هذه العمليات لصالحها أكبر من الفوائد التي تحققت للقضية .
مما لا شك فيه أن المزاعم الأمريكية والصهيونية حول نعت العمليات الاستشهادية بالإرهاب هي مزاعم لا تقوم على أي أساس أخلاقي أو قانوني أو واقعي فحق الشعوب في مقاومة الاحتلال منصوص عليه في كل المواثيق الدولية والشرائع الدينية ، والشعب الخاضع للاحتلال له حرية وصف نضاله بما يتناسب مع عقيدته وأيديولوجيته فإن شاء سماه كفاحا مسلحا أو حرب عصابات أو حرب تحرير شعبية الخ ، وإن شاء سماه جهادا أو عمليات جهادية . أما الزعم بان المسلمين يوظفون الدين لأغراض سياسية ، فهذا الزعم قد يكون صحيحا في بعض الحالات وهو مرفوض بالنسبة لنا إن أخذ شكل حرب أهلية أو تصارع على السلطة ،أما فيما يتعلق بمعارضتهم لتوظيف الدين لمحاربة العدو الصهيوني فهذا مردود عليه أولا : لأن الكيان الصهيوني كيان استيطاني احتلالي قائم على الإرهاب والغصب ومقاومته واجبة على كل مواطن بغض النظر عن دينه ولونه ، ومن المعروف أن مناضلين وقادة أوائل في الثورة الفلسطينية كانوا من المسيحيين – جورج حبش ونايف حواتمه وناجي علوش الخ- . أيضا شارك في القتال إلى جانب الثورة الفلسطينية العديد من المناضلين من مختلف جنسيات العالم وأديانه بل شارك فيها يهودا خلال السبعينيات قاموا بعمليات عسكرية داخل فلسطين وتم اعتقالهم .
وثانيا : كيف يقول الغرب وإسرائيل هذا القول وجزء كبير من التأييد الغربي المسيحي لإسرائيل قائم على أساس ديني – الكتاب المقدس عند المسيحيين يشمل العهد القديم وهو التوراة اليهودية والعهد الجديد وهو الإنجيل المسيحي – كما أن الكيان الصهيوني قائم بالأساس على مزاعم ومقولات دينية كمقولة وعد الرب وأرض الميعاد ... و الجماعات الدينية المتطرفة في إسرائيل هي التي تتحكم في سياسة البلاد ، هذا ناهيك عن أن دولة الكيان الصهيوني هي الدولة الوحيدة في العالم التي تمنح جنسيتها على أساس ديني .
إذن من حق الشعب الفلسطيني أن يقاتل باسم الجهاد او باسم الشرعية الدولية ومن واجب كل عربي ومسلم مناصرة ومشاركة الفلسطينيين في قتالهم ، ولكن هذا لا يمنع من عقلنة الممارسة الجهادية والإستشهادية حتى لا تضر بعدالة القضية وقدسية المبدأ ، وحتى لا يكون الجهاد بدون طائل . وعندما نقول بعقلنة المقاومة فهذا لا يعني دعوة للتخلي عنها بل دعوة للبحث عن طرق ووسائل جديدة للمقاومة تأخذ بعين الاعتبار واقع العالم اليوم وواقع النظم والحركات السياسية العربية والإسلامية .فمثلا عندما يرفع المجاهدون راية الجهاد لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، فأن تحرير فلسطيني يعني القضاء على إسرائيل ، وإسرائيل دولة يعترف بها المنتظم الدولي بل حتى دول عربية وهي عضو في هيئة الأمم المتحدة ... فكيف يمكن أن نطالب العالم ان يقف إلى جانبنا للقضاء على دولة معترف بها ؟ نفس الأمر بالنسبة للعمليات الإستشهادية ، فهذه العمليات بالرغم من شرعيتها وكونها ردا على إرهاب صهيوني لا يرحم صغيرا ولا كبيرا من الفلسطينيين ، فهي تثير غضب الرأي العام العالمي وينظر لها باعتبارها عمل إرهابي فغير المسلم لا يفهم القيمة التي يمثلها الاستشهاد عند المسلم.
وواقع الحال ما دام الفلسطينيون غير قادرين لوحدهم على القضاء على الكيان الصهيوني ضمن موازين القوى القائمة اليوم وما دامت الأنظمة والحركات السياسية العربية والإسلامية غير معنية بالجهاد في فلسطيني – فهي ترسل المقاتلين والمجاهدين والأموال إلى كابول وقندهار وكشمير وكوسوفو وتتجاهل القدس المحتلة وكأن تلك البلاد النائية أكثر قدسية من القدس – وغير قادرة ولا راغبة بتبني الجهاد في فلسطين ، فعلى الفلسطينيين أن يستقطبوا إلى جانبهم الرأي العام الدولي وتأييد دول العالم ، وهذا يتطلب وضع برنامج عمل وطني مرحلي يأخذ بعين الاعتبار هذه الخصوصيات ، برنامج لا يتخلى عن الحق بالمقاومة ولكن تمارس المقاومة أو الجهاد بمفهوم واسع لا يقتصر على العمليات الاستشهادية ضمن استراتيجية عمل وطني لا كخيار حزبي او فئوي وأن يتم التفكير بقصر العمليات الاستشهادية على مناطق محددة او وقفها مؤقتا إن احتاجت المصلحة الوطنية ذلك .
وكأن التاريخ يعيد نفسه ،فكما حدث إثر هزيمة 1967 حيث ارتفعت بعض الأصوات مطالبة السير على نفس طريق حرب الشعب في الجزائر وفيتنام باعتباره الطريق الوحيد لاسترداد الحق60،ترتفع أصوات اليوم تطالب بالسير على طريق حركات التحرر السابقة وعلى طريق حزب الله في لبنان ، متجاهلين الخصوصيات وتحديدا ما بين تجربة حزب الله والمقاومة الفلسطينية . وهكذا أحتدم الجدل والنقاش في الأيام الأخيرة حول الدروس الممكن استخلاصها من انسحاب إسرائيل من الجنوب ، وللأسف حوٌَل البعض الأمر من نصر بالانسحاب إلى فرصة للهجوم على الفلسطينيين وحركة المقاومة الفلسطينية ،واختلاق مقارنة لا محل لها بين الحالتين ، وأجدها مناسبة لإثارة موضوع كان من الضروري إثارته وهو كيف يمكن للمثقف أو السياسي أو المواطن الفلسطيني بشكل عام أن يمارس حقه في النقد الذاتي وفي نفس الوقت لا يشوه التاريخ النضالي الفلسطيني ولا يروج لسياسة الإحباط والتيئيس ولا يصاب بعقدة تعذيب الذات ؟.
سأستشهد بداية بما قاله الشاعر الكبير محمود درويش في كلمته التي ألقاها في احتفال جامعة بير زيت بالذكرى الأولى لتحرير جنوب لبنان من الاحتلال الإسرائيلي ،حيث قال :- ( ربما لا يصلح المثال اللبناني لأن يحتذى بحذافيره في كل مكان ،وربما لن تكون المقارنة بينه وبين طرف آخر ،شديد التعقيد ،اكثر من وليمة لتعذيب الذات بلا سبب .بيد أن البديهية التي لا تبتذل بمرور الزمن ،تعلمنا أن تحرر الإرادة شرط لتحرير الأرض ،وأن في أعماق كل شعب طاقة روحية قادرة على ابتكار بلاغتها الوطنية التي تتلاءم مع الظروف الخاص والمحدد ، لذلك نصفق للبنان )- 61
مما لا شك فيه وما لا يختلف عليه اثنان أن حزب الله قام بأعمال بطولية ضد العدو ، ومنذ سنوات والعالم يتابع أعمال البطولة لحزب الله في جنوب لبنان ،متابعة مشحونة بالإعجاب بتضحيات وبطولات شباب يضحون بأنفسهم من اجل الوطن وفي سبيل الله ، ولم يكن يخامرنا أدنى شك في صدق الشهادة وعظمة التضحية ونبل الهدف للذين يستشهدون ، كنا دوما ننظر إلى هذه الأعمال وعمليات حماس والجهاد الإسلامي في فلسطين كمؤشرات على أن امتنا ما زالت لم تستسلم وأن هناك شبابا مستعدون للشهادة في سبيل الوطن ، لم تكن هناك أذن أي مشكلة حول مبدأ الشهادة وروح النضال ، ذلك أن وجود احتلال يستدعي بالضرورة وجود الحق بالمقاومة ،هكذا تعترف وتنص كل الشرائع الدينية والوضعية .

إلا أن ما يثير الاستغراب موقف البعض من الذين عملوا مقارنة ما بين حركة المقاومة اللبنانية في الجنوب -حزب الله - وحركة المقاومة الفلسطينية ، بعضهم بحسن نية ولكن بالنسبة لآخرين مقارنة غير بريئة أو غير موضوعية حيث لا قياس مع وجود فارق .فهؤلاء لم يروا في الموضوع إلا جانبا واحدا وهو أن حزب الله قاتل بصدق وحق ضد إسرائيل وحقق أهدافه بإجبار إسرائيل على الانسحاب فيما المقاومة الفلسطينية فشلت في تحقيق أهدافها ،أو القول إن التجربة في جنوب لبنان يمكن أن تحتذي بحذافيرها.وهذا المنطق يريد أن يقول أيضا إن من يقف وراء حزب الله أوفوا بواجبهم القومي والإسلامي في الصراع ضد إسرائيل ما دامت إسرائيل انسحبت من الجنوب ،وبالتالي فهم غير مقصرين ،وإن لم يحرر الفلسطينيون بلادهم فالخلل في الفلسطينيين وفي نهجهم العسكري والسياسي.
ولكن هل من العدل والإنصاف أن نعمل مقارنة ما بين الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان وبالتالي مقاومة حزب الله لتحرير الجنوب من جهة والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين والمقاومة الفلسطينية لتحرير فلسطين من جهة أخرى ؟.وهل من الإنصاف الحديث عن انتصار حزب الله وهزيمة المقاومة الفلسطينية ؟ وهل من العدل أن نضع احتلال إسرائيل لجنوب لبنان في مساواة مع احتلال الحركة الصهيونية لفلسطين ؟ . وهل القضية هي الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان أم احتلال فلسطين وما احتلال جنوب لبنان إلا جزئية في صراع أشمل وهو الصراع ضد الوجود الصهيوني ؟ . وهل الصراع في الشرق الأوسط بدأ مع احتلال الجنوب ؟.


من المفيد أن نؤكد أنه لو لم تكن مقاومة مسلحة في الجنوب ما فكرت إسرائيل بالانسحاب من الجنوب على الأقل في ذلك الوقت – مايو 2000- وليس هدفنا التقليل من عظمة حدث التحرير ومرأى جنود العدو وهم ينسحبون لأول مرة من ارض عربية احتلوها بالقوة بعد أن تعودنا على رؤيتهم يحتلون الأرض ويطمحون إلى المزيد ،والأمر أيضا ليس تمجيدا لمنظمة التحرير ونهجها التفاوضي –أو اعتبار ما حققه حزب الله بالقوة حققته أو ستحققه السلطة الفلسطينية بالسلم -، ولكن المرام هو وضع الأمور في سياقها الحقيقي ، وأن نعطي للأشياء أسماءها ولا نجعل الفروع والجزئيات تخفي جوهر المشكلة ،وأن لا يجعلنا الحماس الزائد يغطي على حقيقة أن الشعب الفلسطيني سطر أعظم ملاحم البطولة في العالمين العربي والإسلامي ، و مقابر شهدائه المزروعة في اكثر من دولة عربية خير دليل على ذلك وآلاف المعتقلين والأرامل والأيتام وملايين اللاجئين خير دليل على كونه لم يقصر يوما ،وعليه لا يحتاج إلى أخذ دروس في النضال من أحد وبطولاته في مخيم جنين وفي نابلس وبقية المناطق الفلسطينية خلال الانتفاضة والاجتياح أعترف بها الصديق والعدو وجعلت كل شعوب الأرض تخرج تأييدا للحق الفلسطيني .

دفاعا عن حماس والجهاد الإسلامي أيضا
عندما فندنا المقارنة لم يكن هدفنا التقليل من القيمة المعنوية للنصر الذي حققه حزب الله ، بل عدم توظيفه للتشكيك في حركات المقاومة الفلسطينية بما في ذلك حركتي حماس والجهاد الإسلامي ، فالمقارنة لا تجوز حتى مع هاتين الحركتين ،فحزب الله كان يقاتل في أرضه التي هي دولة مستقلة ومفتوحة على كل دول العالم ويقاتل لإجبار إسرائيل على تطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بلبنان واتفاق نيسان كان واضحا في التزام حزب الله بعدم مهاجمة الدولة العبرية ،وعليه فأن انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان ضَمن حماية شمالها من الهجمات الفدائية وهو الهدف الرئيس لاحتلالها للجنوب عام 1978 ، فيما حماس والجهاد الإسلامي تقاتلان من داخل فلسطين المحتلة والحدود مغلقة بينها وبين العالم الخارجي ، وهي لا تقاتل من اجل تطبيق قرارات الشرعية الدولية بل للقضاء على إسرائيل ، ولو رفعت حركة المقاومة الإسلامية في فلسطين هدفا لها تطبيق قرارات الشرعية الدولية- والذي يعني ضمنا الاعتراف بإسرائيل ، لوجدت مزيدا من المؤيدين الدوليين وحصدت مزيدا من الاعتراف بها ،ولكن اعترافها بالشرعية الدولية ينفي مبرر وجودها .
لا نشكك إطلاقا بصدق ووطنية المنتمين لحركتي الجهاد وحماس في فلسطين ولا بقيادتهم ،ولكن هذا الحب العظيم للوطن والرغبة في الشهادة يجب أن لا يكونا عائقا والبحث عن حلول مرحلية و التعامل مع السياسة كفن الممكن . ولن نذهب بعيدا ، ذلك أن من الدروس المستفادة من التجربة الإيرانية في عهد الخميني ومن الانتصار الذي حققه حزب الله ، نلمس أن التحولات الدولية والإقليمية وموازيين القوي تحتم الأخذ بسياسة المرحلية أو التكتيك السياسي ،أو تغيير وسائل المقاومة حسب الظروف ،فالثورة الخمينية لم تقض على الشيطان الأكبر بل لم تدخل معه في أي مواجهة عسكرية مباشرة ،وهي اليوم تبحث عن آلية جديدة للتعامل معه - حتى كشر لا بد منه - ، وحزب الله مارس الجهاد والعمليات الاستشهادية بعقلانية بحيث تجنب القيام بعمليات استشهادية أو عسكرية داخل فلسطين المحتلة ،وها هو اليوم بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب يقصر عملياته على مزارع شبعا ، وكل عمليات القتل والإرهاب الصهيوني خلال الانتفاضة لم تزحزحه عن موقفه وتدفعه لفتح جبهة انطلاقا من جنوب لبنان ليس لعدم إيمان بعدالة القضية بل لأنه يحسب الأمر بعقلانية .

لقد علمتنا التجربة وعلمنا التاريخ أن كثيرا من الحقوق الوطنية ومن القيم السامية يخسرها أصحابها وتفقد مصداقيتها إن لم يتعاملوا معها بعقلانية وضمن رؤية شمولية تربط ما بين الفعل والهدف والوسيلة وردود الأفعال المحلية والدولية، ونحن لسنا بشعب جديد على الكفاح المسلح وتاريخنا مع العدو الصهيوني هو تاريخ نضال وحرب وعمليات انتحارية. وقائمة شهدائنا لها بداية دون نهاية، ومقابر شهدائنا المنبتة في أكثر من دولة عربية أصبحت جزءا من تراثنا الوطني ومحجات لشعبنا ولكن هل تعلمنا درسا من ماضينا النضالي، أم حكاياتنا تكرار لأسطورة سيزيف؟.



المبحث الثالث
انتفاضة الأقصى وضرورة التفكير في المسكوت عنه



إن تعرف الحقيقة شيء وان تعلن عنها أو تبوح بها شيء آخر ، الانتقال من معرفة الشيء إلى البوح به يحتاج إلى قدرات هائلة : قدرات الشجاعة الأدبية – شروط ذاتية - من جانب وقدرات مواجهة الحالة العاطفية والانفعالية والسياسية المصاحبة للحدث – شروط موضوعية – من جانب آخر. وفي مجتمعاتنا العربية والإسلامية – ونحن منها- هوة كبيرة بين ما يعرفه الباحثون والمثقفون وحتى السياسيون من جانب وما يبوحون أو يصرحون به علنا من جانب آخر ، وهي حالة تعبر عن ظاهرة أشمل وهي تناقض الفكر والممارسة . قد يتحدثون في جليساتهم الخاصة مع المقربين جدا – داخل الدواويين أو البيوت والمكاتب – بما يضمرون من أفكار وما يجيش في عقولهم من تصورات وهواجس ولكنهم لا يجرؤن على التصريح العلني عن أفكارهم في الندوات العلنية أو إلى وسائل الإعلام من صحافة وإذاعة وتلفزة 0أ وإن صرحوا مارسوا عكس ما يصرحون
هناك نوع من انفصام الشخصية عند المثقف العربي ورجل السياسة العربي ، انفصام يجعله يمارس ما لا يعتقد ويقول في العلن ما لا يؤمن به بينه وبين نفسه ، انفصام يتجلى في كونه يريد ان يرضي الشعب ويكسب ثقته و أن يظهر في مستوى درجة الهياج الجماهيري بل ويركب موجة العواطف الشعبية ، وفي نفس الوقت في دخيلة نفسه لا يؤمن بما يقول ويعتبر الشعب جاهلا وعاطفيا ولا يدرك أبعاد العملية السياسية !، انفصام يتجلى بانخراطه بعملية سياسية وهو لا يؤمن بصحتها ، ينخرط بها انصياعا لمكسب يريد تحقيقه أو إخفاء لسياسة خاطئة هو مشارك فيها منذ البدء ولا يريد أن يعترف بالحقيقة ويتحمل المسؤولية عن وصولها الى طريق مسدود.

هذه الحالة من الانفصام الفكري والقيمي يتجلى بوضوح في القضايا الوطنية المصيرية عندما لا تكون النخبة السياسية في مستوى عظمة القضية أو تكون للنخبة تصورات عن نهج التعامل مع القضية على خلاف ما ترتئيه الجماهير ، فتلجأ النخبة السياسية الى ركوب موجة المد الجماهيري بل والمزايدة عليها بالشعارات وتوظيف ما بيدها من وسائل صناعة الرأي العام ومن إمكانات مادية حتى تضفي على نفسها شرعية شعبية . ولكن هذا النهج من التعامل مصيره الى طريق مسدود لان العواطف والانفعالات هي لحظات آنية وما يبقى هو ما يتحقق على أرض الواقع . الجماهير قد يُغرر بها في بعض القضايا لكل الوقت ، وقد يغرر بها حول كل القضايا لبعض الوقت ، ولكن لا يغرر بها كل الوقت وبالنسبة لكل القضايا ، وخصوصا إن كانت هذه القضايا قضايا مصيرية تمس ثوابت الأمة : هويتها ووجودها ومستقبلها .
ولننتقل من التعميم إلى التخصيص ، ولنبحث في الحالة الفلسطينية وتحديدا الأحداث الدرامية المتسارعة ما بعد كامب ديفيد الثانية وقمة هذه الأحداث انتفاضة الأقصى ، ونتساءل لماذا انتفض المنتفضون ؟ وكيف تعاملت النخبة السياسية الفلسطينية مع الحدث ؟.
بداية ، من غير المؤكد أن انطلاق الانتفاضة كان في إطار فعل موجه ومخطط له مسبقا من القيادة الفلسطينية – الرسمية وغير الرسمية – وبالتالي كانت هناك استراتيجية مسبقة حول توجيه وتنظيم العمل الانتفاضي وأيضا لم تكن هناك استراتيجية وطنية موحدة حول أهداف الانتفاضة أو ما يمكن أن تحققه الانتفاضة . وكل متابع لتصريحات المسؤولين الفلسطينيين يلمس التضارب في المواقف ، فالبعض يعلن أن الانتفاضة وضعت حدا لمسلسل التسوية ولاتفاقات أوسلو وعليه يجب العودة إلى ما قبل أوسلو – العمل العسكري - ، فيما يصرح مسؤول آخر بأن الانتفاضة تحتم إعادة النظر في الأسس التي قامت عليها التسوية ووضع أسس جديدة – تصريحات أحمد قريع للصحف الوطنية يوم 26/11/2001- فيما يعلن آخرون أن الانتفاضة لن تتوقف حتى قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف ، ويصرح الرئيس أبو عمار أن الانتفاضة لن تتوقف حتى التزام إسرائيل بما تم الاتفاق عليه في شرم الشيخ –وقبل ذلك كانت تصريحات المسؤولين الفلسطينيين تنفي وجود اتفاق في شرم الشيخ – أما أبو مازن فيصرح أن الانتفاضة لن تتوقف حتى تنفذ إسرائيل ما تم الاتفاق عليه في كامب ديفد هذا داخل السلطة أما بالنسبة للمعارضة فالانتفاضة لن تتوقف حتى القضاء على الكيان الصهيوني 0 ناهيك عن التصريحات المتناقضة حول إعلان قيام الدولة – أبو الأديب يصرح في عمان أن الدولة الفلسطينية المستقلة ستقوم قبل متم العام 2001 فيما يصرح ياسر عبد ربه أن الدولة الفلسطينية لن تقوم قبل انسحاب إسرائيل من كامل الأرض الفلسطينية - وبعد اجتياح مارس 2002 أصبحت التصريحات الرسمية الفلسطينية اكثر إرباكا وتناقضا بحيث ارتفعت أصوات تقبل بقيام دولة فلسطينية على المناطق " أ "فقط ويتم التباحث حول المنطقتين "ب" و "ج " .
إن تناقض التصريحات وإن كان يعكس حالة الإرباك التي أصابت النخبة السياسية الفلسطينية بفعل اتساع الانتفاضة وتواصلها الانتفاضة ، فأنه يؤكد غياب استراتيجية عمل وطنية ، وأن تغيب استراتيجية عمل عند النخبة السياسية أمر في غاية الخطورة ، ليس فقط على مستوى القدرة على توظيف الانتفاضة بما يخدم القضية ولا يجعل دماء الشهداء والجرحى تضيع هدرا ، ولكن على مستوى مستقبل القضية برمتها ، ذلك أن تتصرف نخبة سياسية دون استراتيجية وتكون تصرفاتها ردود فعل على فعل الخصم إنما يشكك في قدرتها على الإمساك بزمام الأمور بل في قدرتها على الوصول بالشعب إلى شاطئ النجاة .

الانتفاضة منذ أسبوعها الأول بلغت رسائل ولا شك وخلقت وقائع وكشفت حقائق كان يراد لها أن تبق في طي النسيان ، أهم هذه الرسائل هي تأكيد موقف سابق للجماهير وهو أن الكيان الصهيوني لا يريد سلاما يعيد الحقوق لأصحابها ، أكدت الموقف الجماهيري القائل إن شروط السلام العادل لم تتوفر بعد ، والانتفاضة أكدت أن الشعب الفلسطيني ما زال على العهد رافضا للاحتلال ورافضا لسياسة الأمر الواقع . والانتفاضة أدخلت تغيرا نوعيا في الثقافة السياسية العربية والإسلامية ، فخلال الشهرين الأولين فقط سمعنا من الأناشيد والأغاني الثورية وشاهدنا من المظاهرات والندوات حول القضية الفلسطينية ما لم نسمعه أو نشاهده طوال عقد من الزمن ، ما رأيناه وسمعناه بدد وهم انقطاع الصلة بين القضية الفلسطينية وبعديها العربي والإسلامي ، وبدد أوهام السلام والتطبيع التي روجها البعض وحاول من خلالها القول بأن الجماهير العربية والفلسطينية دخلت دون رجعة حظيرة السلام الأمريكي .
ولا نبالغ أيضا إن قلنا إن النخبة السياسية الفلسطينية بل والعربية ركبت موجة الانتفاضة وسايرت الحس الجماهيري بل وزايدت عليه بالشعارات ، بحيث فتحت المجال لإذاعاتها وتلفزتها لتغطية حدث الانتفاضة وبث الأغاني الثورية التي تعيد المستمع إلى مرحلة الستينات والسبعينات ، وتبارت في إقامة مهرجانات جمع الأموال من أجل الانتفاضة وتبني الجرحى واسر الشهداء الخ . ونعترف في نفس الوقت أن الانتفاضة وحدت الشارع الفلسطيني. ولكن ….
القضايا الساخنة – وليس هناك ما هو اسخن من دم طاهر يُراق كل يوم دفاعا عن الوطن - تحتاج ألي عقول باردة تعلو للحظة عن العواطف والانفعالات ووقع الصورة والصوت لإعلام يتعامل مع العواطف أكثر مما يتعامل مع العقول . نحتاج إلى عقول تبحث في المسكوت عنه وتطرح تساؤلات ،إن كان البعض يعتقد أن الوقت ليس وقتها ، فنحن نعتقد على العكس أن هذا هو وقتها . تساؤلات مثل لماذا وصلت الأمور الى ما وصلت إليه ؟ ولماذا هذا الارتباك في الموقف الفلسطيني والعجز في الموقفين العربي والإسلامي والتجاهل في الموقف الدولي ؟ لماذا تقف أجهزة السلطة الفلسطينية وقيادات السلطة الفلسطينية وفريق المفاوضين والوزراء الخ موقف العاجز والمشلول ؟ لماذا السلطة عاجزة عن حماية الشعب ؟ .لماذا صمت مهندسو اتفاقات التسوية وعباقرة التفاوض والمهووسون بالإعلام وعدسات الكاميرات ؟ أين ابتساماتهم الدبلوماسية ومصافحاتهم الحارة مع مفاوضيهم الإسرائيليين ؟.
لا نروم من دعوة القارئ الى مشاركتنا التفكير في المسكوت عنه وفي هواجسنا ، أية إثارة للشكوك حول وطنية هذا الشخص أو ذاك ، فالأمر ليس خيانة ووطنية بل اجتهادات صائبة واجتهادات خاطئة . اجتهادات خاطئة إلى درجة الإضرار بالمصالح الوطنية و التقليل من سقف التطلعات ، اجتهادات فوتت فرصا على الشعب الفلسطيني كان من الممكن لو ابتهلت في حينه لكانت أوضاعه افضل مما هي عليه ومقومات صموده افضل مما هي عليه الآن .
هل يكفي ان نبقى نكرر ما يعرفه القاص والداني حول عدوانية العدو وشراسته !؟ وهل هو شيء جديد أن يتعامل العدو بعداء وبحقد تجاه شعبنا ؟ وهل من المجد والجديد تكرار القول بانتهاك إسرائيل للشرعية الدولية ولحقوق الإنسان ؟ لماذا تقوم إسرائيل بإعادة احتلال مناطق السلطة وتوسع مستوطناتها بشكل تدريجي في ظل ألا مبالاة من الجميع ؟ هل الممارسات الصهيونية فاجأت الشعب الفلسطيني أم فاجأت النخبة السياسية التي كانت تعيش أوهام السلام ؟ .
إن محاولة تفسير وفهم ما يجري يجعلنا أمام حالة من اثنتين :-
الحالة الأولى :إما أن المفاوضين الفلسطينيين ومن ورائهم النخبة السياسية العربية الحاكمة كانوا متفائلين أكثر من اللازم ومؤمنين فعلا بالسلام الأمريكي ويعتقدون أن إسرائيل جادة في التسوية السلمية وتريد سلاما يرضي الحد الأدنى للحقوق الفلسطينية ، وكانوا يعتقدون أن أمريكا طرف محايد بالفعل ،بل اعتبرها البعض صديقة ،وأنها لا يمكن أن تسمح لإسرائيل بالنكوص على ما تم الاتفاق عليه مع الفلسطينيين . وفي هذه الحالة تأتي الأحداث لتؤكد فشل مراهناتهم وسذاجة تفكيرهم ، لأن الأحداث أكدت أنهم فشلوا في قراءة الخريطة السياسية الإسرائيلية والدولية . وهذا يطرح تساؤلات حول أهلية نفس الفريق المفاوض ونفس النخبة السياسية على الاستمرار في مواقعهم وتحمل مسؤولية القضية في ظل الانتفاضة وما بعد الانتفاضة .
والحالة الثانية : إن الفريق المفاوض والنخبة السياسية كانوا يعلمون حقيقة النوايا الإسرائيلية ويعلمون عدم جدية إسرائيل في السلام وأنها تريد توظيف المفاوضات لتفرض على الأرض وقائع جديدة كتوسيع المستوطنات في الداخل والانفتاح على العالم العربي والإسلامي في الخارج ،ويعرفون أيضا أن الولايات المتحدة منحازة إلى إسرائيل ، ولكنهم -المفاوضون الفلسطينيون - ساروا في التسوية معتقدين أنه لا يوجد آنذاك بديل عن المفاوضات ودخولهم كان نوع من المناورة والتحايل على الإسرائيليين والأمريكيين لخلق وقائع جديدة على الأرض تبطل المخططات الإسرائيلية والأمريكية . وبالفعل قاموا بخطوات جعلت الدولة الفلسطينية تبدو قريبة المنال ، كالمطار والوزارات والإدارات وبنية تحتية ووفود أجنبية تزور مناطق السلطة ومسؤولون فلسطينيون يجوبون العالم تحت راية فلسطين الخ .
في كلا الحالتين هناك خلل إستراتيجي ، فأن كان المفاوضون الفلسطينيون يعتقدون حقيقة أن إسرائيل تريد السلام وأن أمريكا وسيط نزيه فالأحداث الأخيرة كشفت سذاجة مراهناتهم وبالتالي الثمن الباهظ الذي دفعه الفلسطينيون لمثل هكذا مراهنات . وإن كانت الحالة الثانية هي الصحيحة فالخلل أشد فداحة ، فكيف توهم المفاوضون الفلسطينيون أن إسرائيل على درجة من السذاجة بحيث تسمح لهم بتأسيس دولة من وراء ظهرها ؟ وألم يكونوا مستوعبين ومدركين أهداف إسرائيل من وراء وضع طرق التفافية وزرع مستوطنات في أماكن محددة بدقة وربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي وتحكمها في المطار والمعابر ، ألم يكونوا يعتقدون أن إسرائيل ترمي من وراء كل ذلك التهيئة لحدوث ما جرى مع انتفاضة الأقصى ، أية محاولة تمرد الفلسطينيين على الاستيطان وسياسة الاحتلال ومحاولة الإعلان عن قيام دولة من طرف واحد .
في السياسة لا مجال للحديث عن النوايا الطيبة أو القول لنجرب ونرى ، وخصوصا عندما تؤدي مثل هذه الأشياء إلى معاناة رهيبة من قتل لمئات الأشخاص وجرح الآلاف وتجويع شعب بكامله ، السياسة ليست فهلوة وشطارة وليست فقط حسن نية حتى مع توفر حس وطني ، إن السياسة وخصوصا إن كانت على مستوى قيادة أمة في اللحظات المصيرية هي علم وإدراك ثاقب للأمور ، هي حسن وطني وإرادة وطنية ، هي مناورة وخداع وقوة وقانون وأخلاق في نفس الوقت ، القيادة السياسية الناجحة هي القيادة ذات الماضي النظيف وذات الحاضر النظيف سياسيا وأخلاقيا ،وذات القدرة على استشراف آفاق المستقبل ، القيادة التي تفتقر الى الدعم الشعبي الواسع داخليا ستكون ضعيفة على مستوى الدفاع عن القضايا الوطنية خارجيا .
نعم من حقنا أن نسأل البعض من أولي أمرنا أولئك الذين لم يتركوا وسيلة من الوسائل إلا واستعملوها ليقنعونا بخطاب السلام ويمنوننا بخيرات السلام الأمريكي ! من حقنا أن نسأل أولئك الذين جهدوا أنفسهم ليقنعونا أن زمن الجهاد والعنف الثوري قد ولى ، وأن الزمن لم يعد زمن الثورة بل زمن الدولة ، وان الزمن لم يعد زمن الفدائي والثائر بل زمن الدبلوماسي والمثقف الجنتلمان !
نعم من حقنا أن نسأل وبحدة أولئك المسؤولين الذين كانوا في زمانهم الزاهر - زمن ما قبل الانتفاضة - يصولون ويجولون وكأنهم أباطرة العالم ، نسألهم لماذا لم يضعوا في حساباتهم منذ البداية أن الأمور يمكن أن تصل إلى هذا الحد ، وأليس من البديهيات التي على القائد السياسي أن يكون ملما بها هي أن يأخذ بعين الاعتبار أسوء الاحتمالات وهو الأمر الذي كان يتطلب من المسؤولين في السلطة التوفر على خطط بديلة للرد على المخططات الصهيونية في حالة نكوصها عن تنفيذ ما وقعت من اتفاقات بدلا من حالة الإرباك الشديدة التي تنتابهم اليوم ! ؟ من حقنا أن نسأل قادتنا عن قيمة كل ما وقعوا من اتفاقات منذ أوسلو الى شرم الشيخ الى طابا الأخيرة ؟ ولماذا لم تتضمن هذه الاتفاقات بنودا تجعل لجوء إسرائيل إلى ما تقوم به اليوم أمرا مستحيلا ؟ من حقنا أن نسأل أولي الأمر لماذا اهتموا بشكليات السلطة دون جوهرها ؟ وما قيمة سلطة لا تحمي جماهيرها من تسلط أعدائها ؟ .
نعم نحن مع السلطة الوطنية الفلسطينية ومع التفاوض والتسوية السلمية المشرفة من حيث المبدأ ، ولكن من حقنا أن نتحفظ على شكل الممارسة ونهج وآليات التفاوض . أليس من الغريب أن تؤدي الانتفاضة إلى ما يشبه الزلزال في الحياة السياسية الإسرائيلية فيما لم يحدث أي تغيير في حكومتنا وفريق مفاوضينا أو في أي جهاز من الأجهزة ، وكأن كل ما جرى هي مكتسبات ومنجزات يجب أن يكافأ المسؤولون عليها ببقائهم في مراكزهم ! . أليس غريبا أن يعبر الأطفال والشباب عن تأجج غضبهم بانتفاضة سلاحها الحجارة ، فيما كانت انتفاضة النخبة السياسية مجرد شعارات وأشعار وسيل من الكلمات وتوظيف مبتذل لدماء الأطفال والمراهقين .
ما جرى ويجري وخصوصا بعد اجتياح مناطق السلطة يحتاج إلى لحظة تفكير دون انفعال ودون عواطف ، لحظة نقد ذاتي صريح تتجاوز المصالح الشخصية والحزبية الضيقة ، نقد ذاتي بدونه سنستمر في التخبط في حياتنا ونهجنا السياسي وفي أسلوب تعاملنا مع الانتفاضة الحالية والانتفاضات القادمة ، لان الحل ليس اليوم وليس بالغد القريب .


خطورة المرحلة تتطلب تحديث النظام السياسي الفلسطيني

لا يحتاج المرء وخصوصا إن كان متابعا للشأن الفلسطيني ، إلى ما تنشره الصحف الإسرائيلية والأجنبية ليعرف أن هناك أزمة قيادة و صراعا خفيا على السلطة وتعدد في مراكز القرار في الساحة الفلسطينية ، ليس فقط من حيث محاولة إسرائيل وأمريكا خلق قيادة فلسطينية جديدة بل أيضا داخل الساحة الفلسطينية ما بين قيادة السلطة وعلى رأسها أبو عمار من جهة وجبهة المعارضة من جهة أخرى ، بل داخل السلطة نفسها ، أي ما بين أبو عمار من جهة وقيادات ورموز هم إفراز للتسوية ولاتفاقات أوسلو من جهة أخرى . ما يميز الصحف الأجنبية عندما تتناول الموضوع ليس أنها تعرف أكثر مما يعرفه الصحفيون العرب والفلسطينيون أو يعرفه المتابعون للشأن الفلسطيني ، بل تميزها يكمن في أنها أكثر حرية في التحدث عن أمور داخلية فلسطينية وليس عندها خطوط حمراء عند تناولها للشأن الفلسطيني ،بالإضافة إلى سوء النية أحيانا ، أما الكاتب الفلسطيني والعربي عموما ، فكثير من الخطوط الحمراء تمنعه من تناول أمور سياسية داخلية ، يعرف عنها الكثير ولكنه لاعتبارات وطنية أو أخلاقية أو مهنية لا يجرؤ على البوح بها.
منذ سنوات وقضية خلافة أبو عمار تقلق كثيرين من الوطنيين ، وكان دائما يُرد على من يطرح الموضوع إما باتهامه بمحاولة إثارة الفتنة في الصف الفلسطيني أو معاداته للقيادة الحالية ، هذا إن كان السائل في نظر المسؤول المسؤول من المشكوك بولائه للسلطة ، أما إن كان السائل من أهل البيت – بيت السلطة أو بيت فتح – و المسؤول المسؤول إما جاهلا لحقيقة وخطورة الموضوع أو مستصغرا لشأن الجاهل ، فيكون الجواب أن لا داع للقلق وأن البيت الفلسطيني تحكمه مؤسسات و أمر الزعامة محسوم فيه ومتفق عليه، وبالطبع مع خطاب إنشائى طويل حول قدرة منظمة التحرير على الصمود والبقاء طوال عقود بالرغم من كل ما تعرضت له من مؤامرات ،الخ . وهكذا كان يتم دائما القفز على الموضوع ، مع ان كل صغير وكبير في مناطق السلطة وخارجها يلمس ضرورة إحداث تغيير في بنية السلطة وآليات تعاملها مع الأحداث ، و يتحسس مؤشرات صراع على السلطة ، أحيانا يكون الصراع مشروعا ومبررا يأخذ شكل التنافس على العمل النضالي وخدمة الجماهير لاستقطاب المؤيدين والاتباع ، ولكن في كثير من الحالات يكون الصراع غير نظيف وغير أخلاقي بالمفهوم السياسي الحضاري وبالمفهوم السلوكي ، صراع لا يشارك فيه الشعب الذي يوجه كل طاقاته لقتال العدو ، ولكنه صراع مقتصر على قلة ممن أفرزته أوسلو وفرضتهم أرادت خارجية على شعبنا ، وأصبح الموضوع أكثر إلحاحا بعد حصار أبو عمار واجتياح مناطق السلطة ، ليس بمعنى الخضوع للمخطط الصهيوني الأمريكي بل للرد عليه وإفشاله والحيلولة دون خضوع أبو عمار للابتزاز الإسرائيلي الذي يظهر جليا في تعهدها بعدم مس أبو عمار شخصيا مع تحميله المسؤولية عن كل ما يجري ، الرد يكون بإعادة هيكلة القيادة بحيث لا تصبح رهينة مصير شخص واحد أو تختل مؤسسة القيادة بغياب أبو عمار .
مما لا شك فيه ان الصراع على السلطة هو جوهر السياسة ، ولكن شكل الصراع هو الذي يختلف ، فحيث توجد ديمقراطية ومؤسسات يكون الصراع سلميا وعبر صناديق الاقتراع أو بالتراضي وهذا الشكل من الصراع أو التنافس لا يثير بلبلة عند الجماهير ولا يجعلها تشعر بقلق على مستقبلها ، فالمؤسسات تضمن التداول السلمي على السلطة ، ولكن ،حيث تغيب الديمقراطية وتغيب المؤسسات ويكون المتنافسون على السلطة من مشارب متناقضة ويعبرون عن مصالح متضاربة لا تشكل المصلحة الوطنية العليا قاسما مشتركا بينها ،في هذه الحالة يكون الصراع على السلطة صداميا مباشرا أو يأخذ شكل المؤامرات والدسائس .
وفي الحالة السياسية الفلسطينية الراهنة ، ودون تجاهل لكل أشكال النضال والتضحية التي يبديها الشعب الفلسطيني في مواجهة العدو الصهيوني ، بل ومن أجل ألا تضيع هذه التضحيات وتذهب دماء الشهداء هدرا بسبب عدم قدرة القيادة على تثميرها سياسيا ، يجب فتح ملف مؤسسة القيادة في السلطة ومنظمة التحرير .إن عدم تناسب حجم التضحيات التي يقدمها الشعب الفلسطيني مع الإنجاز السياسي يثير القلق ويدفع للتساؤل عن السبب ، ولا يكفي تكرار القول بجبروت العدو والإنحياز الأمريكي واختلال موازين القوى لصالح العدو ، فكل حركات التحرر قاومت عدوا يتفوق عليها عسكريا .
دون مواربة يجب القول بأن النظام السياسي الفلسطيني يعاني خللا في بنيته وفي ممارساته ، ولهيب المعركة الدائرة على أرض فلسطين يجب أن لا تعمي أبصارنا عن حقيقة وجود أزمة قيادة ، فحصار أبو عمار وانتقال القيادة الميدانية إلى مراكز متعددة لا تجمعها استراتيجية واضحة أمر يثير يقلق ليس فقط على الانتفاضة ومستقبلها بل على مستقبل القضية برمتها . وإن كان وجود أبو عمار رغم محاصرته يحول دون فلتان الأمور نهائيا إلا أن من الواضح أن هناك إرباك وغموض على مستوى الاستراتيجية المتبعة وآلية اتخاذ القرار وخصوصا في العلاقة ما بين العمل السياسي والعمل العسكري .
فتح ملف مؤسسة القيادة في فلسطين لا يخص الحاضر بل المستقبل أيضا وخصوصا مع إدراكنا أن الصراع مع العدو طويل وشاق ، ومن هنا يمكن القول إن مؤسسة القيادة – سواء مؤسسات السلطة أو مؤسسات منظمة التحرير- في حالة من التردي مما يدفع إلى الشك في قدرتها على فرز قيادات جديدة من داخلها أو إعطاء الأمل للشعب الفلسطيني بأن غياب أبو عمار عن السلطة لسبب أو آخر لن يؤدى إلى الطوفان أو فوضى الشعب المسلح ، هذا ناهيك عن التآمر الخارجي على الشعب الفلسطيني وهو التآمر الذي يضع ضمن أهدافه خلق فتنة حول القيادة في الساحة الفلسطينية. لو كان الوضع في فلسطين عاديا كبقية الدول أو كانت الأزمة التي تعيشها السلطة ومعها أبو عمار عابرة وآنية ، لهان الأمر وما كان الحديث عن أزمة قيادة ومؤسسات على تلك الدرجة من الاستعجال والحرج ، ولكن الشعب الفلسطيني يواجه عدوا خبيثا له علاقة خاصة بالزمن وغير متعجل في أمره ، بمعنى أن لديه استعدادا للتعايش مع الأزمة لسنوات .
لا شك أن العدو الصهيوني واستمرار حالة الحصار والتآمر متعدد الأطراف ضد الشعب الفلسطيني وقيادته السياسية ، لعبا دورا كبيرا في وصول الحالة السياسية التنظيمية والمؤسساتية للفلسطينيين إلى هذا الوضع ، ولكن أسبابا داخلية فلسطينية ساهمت في الأمر، وإن كنا كفلسطينيين نريد بالفعل أن نخرج من المأزق ونبطل المؤامرات المعادية ، فعلينا الاعتراف بالمسؤولية الذاتية عن الخلل ، وقبل الاعتراف بالمسؤولية يجب أن تعترف القيادة الفلسطينية والنخبة السياسية بوجود أزمة قيادة عندنا . هذا الاعتراف لا يشكك في شرعية قيادة أبو عمار ولا في تاريخه النضالى ، ولكنه اعتراف ينطلق من منطلق علمي وواقعي وهو أن كل مرحلة ومنعطف تاريخي في حياة الشعوب يحتاج إلى قيادات جديدة وأساليب جديدة في التعامل مع الحقل السياسي ، فيمكن لشخص أن يقود ثورة دون أن يُنعت بالدكتاتورية والاستبداد ، ولكنه لا يستطيع أن يحكم شعبا ويؤسس دولة بمفرده إلا ويتهم بالدكتاتورية والاستبداد ، وخصوصية الحالة الفلسطينية تتطلب توسيع قاعدة القيادة لتشمل كل الفعاليات السياسية على قاعدة برنامج طوارئ للعمل وطني .
لا أحد من رجالات السلطة يقول أنه ينافس أبو عمار أو يطمح بالسلطة ، ولكن الممارسة على ارض الواقع والحديث في الجلسات الخاصة تنبئ بعكس ذلك . عديد من المسؤولين الكبار من رؤساء أجهزة أمنية أو وزراء أو قادة تنظيمات سياسية يطمح لخلافة أبو عمار ، ومنهم من لا ينتظر حتى تنتهي مرحلة أبو عمار طبيعيا أو بالتراضي ، بل يشتغل ويخطط لتشويه صورة أبو عمار ونشر الأكاذيب حول ما يجري داخل السلطة ولا يتورع هؤلاء عن الاستعانة سرا بجهات خارجية في هذا الشأن . وعدم قدرة هؤلاء الطامحين والطامعين بالسلطة على طلبها علنا ، هو أن أبو عمار زعيم تاريخي ومنتخب من جهة ، فيما هم بدون تاريخ نضالي وبدون شعبية داخلية ومنهم من نُصب مسؤولا بإملاءات خارجية ، هذا ناهيك عن أن أبو عمار يتوفر على ملف لعديد منهم حول سرقاته ومفاسده وحول الأموال التي استلمها من أبو عمار كمساعدة بعناوين مختلفة . أما الشرفاء من الزعماء الحريصين على المصلحة الوطنية ، فهم مع احترامهم للرئيس أبو عمار يشعرون أن الظروف الصحية لأبي عمار وخصوصية المرحلة ولإفشال سياسة شارون بحصار أبو عمار حيث يعتقد انه بشل حركة أبو عمار سيفقد الفلسطينيون بوصلة العمل السياسي وستتفجر الأوضاع الداخلية ، كل ذلك يتطلب إحداث تغييرات جذرية على مستوى القيادة بكل مستوياتها التنظيمية ومناهج عملها داخل الوطن وخارجه ، وهم يتمنون أن يأتي التغيير من داخل البيت الفلسطيني وعبر مشاورات بين جميع الفاعلين السياسيين تؤدي لتشكيل قيادة جماعية ويمكن أن يكون أبو عمار رئيسا شرفيا لها ، يكون الهدف الأول لهذه القيادة وضع حد لجميع الأقاويل حول خلافة أبو عمار وتبليغ رسالة لشارون إن أبو عمار هو رمز القضية ولكنه ليس القضية وحصاره بل غيابه لن يؤثر على النضال الفلسطيني ، وأن تنكب هذه القيادة على وضع إستراتيجية عمل وطني تهتم بإعادة الاعتبار للسلطة وتفعيل ممارساتها وتضبط البنادق الفلسطينية بحيث تخضع كل عملية عسكرية لخطة متفق عليها بحيث لا يكون مردود الفعل العسكري سلبيا على العمل السياسي وعلى المصلحة الوطنية، والأهم من ذلك أن تضع استراتيجية عمل بعيدة المدى لا تتعامل مع القضية وكأنها قاب قوسين من الحل بل من منطلق أن الصراع مع العدو طويل وشاق والتضحيات القادمة قد تكون أكبر مما قدم حتى الآن ، تضع استراتيجية تعيد توحيد وتفعيل نضالات الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج وعدم المراهنة فقط على الانتفاضة وشعب الداخل ، فلم يعد مقبولا أن يستمر نصف الشعب الفلسطيني – الدين يعيشون في الشتات – خارجين عن ساحة النضال ويعيشون حالة من الترقب والعجز عن فعل أي شيء فيما نطالب الجماهير العربية والإسلامية بأن تتحرك وتدعم قضيتنا .
من خلال استقرائنا ومعايشتنا للحياة السياسية داخل مناطق السلطة وفي حالة عدم الأخذ بالاقتراح المشار إليه أعلاه ، نعتقد بأن شكل النظام السياسي في مناطق السلطة بعد أبو عمار سيكون نظاما عسكريا/ أمنيا بواجهة سياسية ، بمعنى أن الحكم الفعلى سيكون بيد الأجهزة الأمنية بحجة ضرورتها لحفظ الأمن ولأن قياداتها أيضا مرضي عنها إسرائيليا وأمريكيا وإقليما أما الواجهة السياسية فستسند إلى أحد كبار صناع أوسلو ، ولإضفاء طابع دستوري وشرعي ، قد يسند الأمر إلى رئيس المجلس التشريعي أبو علاء .
ومع أننا لا نعتقد أن الرئيس أبو عمار من نوعية ملك فرنسا الذي قال ( فليأت من بعدي الطوفان ) ، إلا أن الخشية ان يكون الطوفان من بعد أبو عمار دون أن يقصد ذلك ، لا شك أن التصور الذي ذكرناه حول طبيعة النظام السياسي بعد أبو عمار يوحي بالجمع ما بين شرعية دستورية وشرعية القوة ، ولكن هل سيتمكن من سيخلف أبو عمار من حفظ الأمن والسير على نهج التسوية دون تقديم تنازلات ؟. وفي حالة اضطرار القيادة الجديدة على تقديم تنازلات أو دفع استحقاقات التهدئة الأمنية تمهيدا للجلوس على طاولة المفاوضات – كالقيام بجمع الأسلحة أو اعتقال مناضلين – فهل ستتقبل المعارضة هذه الإجراءات كما كانت تتقبلها في حضور أبو عمار ؟. يجب أن لا ننسى أن المشروعية التاريخية لأبي عمار وشخصيته الكارزمية كانتا ضمان استمرارية سلطته ، وكانت قوى المعارضة بما فيها حماس والجهاد والشعبية تحسب حساب لشخص أبو عمار أكثر مما تحسب حسابا لقوة أجهزته الأمنية .

مع كامل احترامنا للرئيس أبو عمار ولكل القيادات الوطنية المناضلة في الداخل ، ومع رفضنا المطلق للمحاولات الإسرائيلية لإبعاد أبو عمار عن ساحة العمل السياسية أو إجباره على الخضوع للإملاءات الصهيونية ، فأن الشعوب وقضاياها المصيرية لا ترتبط بالأشخاص مهما عظم عطاءهم و المرحلة تحتم البحث جديا في إعادة إصلاح البيت السياسي الفلسطيني وخلق انسجام وتنسيق ما بين العسكري والسياسي ، وعدم الوقوع تحت التأثير الحماسي والانفعالى للعمليات الجهادية ، فلا نعتقد أن الظروف المحلية والدولية الراهنة تسمح للشعب الفلسطيني بقيادة ثورة مسلحة تهزم إسرائيل وتجبرها على الخضوع لمطالبنا التاريخية المشروعة . العمل العسكري في هذه المرحلة والذي يجري تحت شعار تحرير كامل فلسطيني أو بهدف القضاء على إسرائيل ستكون مردوديته سلبية على القضية وخصوصا على مستوى كسب الرأي العام الدولي ، بينما العمل العسكري أو الجهادي في إطار برنامج توافق وطني يهدف إلى تطبيق قرارات الشرعية الدولية سيكون أكثر جدوى ، ولكنه حتى يكون كذلك يحتاج إلى قيادة سياسية ومؤسسات سياسية منفتحة على كل قطاعات الشعب وفعالياته السياسية ، المرحلة تحتاج إلى تجديد الفكر والمفكرين ،تحتاج إلى رجال جدد بعقلية جديدة .

إصلاح السلطة بين إرادة التغيير الوطني والاملاءات الخارجية
بعد طول ترقب وانتظار استمع العالم يوم 16/6/2002إلى خطاب الرئيس الأمريكي بوش حول الشرق الأوسط وهو الخطاب الذي خيب آمال الفلسطينيين والشعوب العربية بل حتى الأوروبيين الذين كان لبعضهم تحفضات على بعض ما ورد في الخطاب ، ومع ذلك يبدو أن الأفكار الرئيسة التي طرحها بوش هي التي سيتم التعامل معها حيث كانت بمثابة المنقذ من الحرج والتخبط لجميع الفاعلين الرسميين في المنطقة الذين وصلوا إلى طرق مسدود فلا هم قادرون على حسم الصراع عسكريا ولا هم قادرون لوحدهم على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. وقبل أن نتطرق لموضوع الإصلاح لا بأس من أن نشير إلى أهم الأفكار الواردة في الخطاب ، فقد تميز الخطاب بلهجة صارمة ضد القيادة الفلسطينية متهما إياها بممارسة الإرهاب وداعيا إلى أن ينتخب الشعب الفلسطيني قيادة جديدة إن أراد أن تكون له دولة حيث يقول " إن السلام يتطلب قيادة فلسطينية جديدة مختلفة حتى يمكن أن تولد دولة فلسطينية " وأضاف " إنني أدعو الشعب الفلسطيني إلى انتخاب زعماء جدد لا يشينهم الإرهاب "،وقال أيضا " حينما تكون هناك قيادات جديدة للشعب الفلسطيني ومؤسسات جديدة وترتيبات أمنية جديدة مع جيرانه فإن الولايات المتحدة ستؤيد قيام دولة فلسطينية " .
بداية لا بد من الإشارة إلى أن الدعوة لإصلاح السلطة ليس اختراعا أمريكيا ، فمنذ بداية ممارسة السلطة لمهامها عام 1994 ارتفعت أصوات تعبر عن انتقاداتها لوجود بعض الأشخاص في السلطة ثم توالت الانتقادات على ممارسات السلطة السياسية والمالية وكانت قمة هذه الانتقادات عندما صدر بيان المراقبة المالية عام 1997 الذي تحدث بوضوح وبالأرقام عن الفساد المالي ، الإصلاح إذن هو مطلب فلسطيني ، والإصلاح بالمفهوم الوطني الفلسطيني يعني تحسين أداء السلطة السياسي والمالي لتكون اكثر قدرة على مواجهة إسرائيل ولتكون أكثر قربا إلى الشعب وأكثر تعبيرا عن مطالبه الوطنية ، وقد تصاعد خطاب الإصلاح بعد غزو إسرائيل لمناطق السلطة في 28/2/2002 وحالة الشلل التي أصابت السلطة أثناء الغزو وبعده ،بل ارتفعت أصوات من داخل السلطة تطالب بضرورة الإصلاح ، ولكن الإصلاح الذي تريده أمريكا وإسرائيل خلاف ما يريده الفلسطينيون ، بل يمكن القول إن دعوة الإصلاح الأمريكية والإسرائيلية هدفها سحب البساط من تحت أقدام مطالب الإصلاح الحقيقية الفلسطينية ،ومع ذلك فان تطالب أمريكا وحتى إسرائيل بإصلاح السلطة فهذا لا يعني إغلاق ملف الإصلاح بحجة انه مطلب أمريكي .
لقد صرح الرئيس أبو عمار في خطابه الأول ما بعد رفع الحصار عن مقره أنه سيشرع في إدخال إصلاحات شاملة على بنية السلطة ،وتعاظم حديث الإصلاح فلسطينيا ووصل حد تقديم بعض المسؤولين استقالتهم للرئيس ليسهلوا عليه المأمورية كما زعموا ، ولكن للأسف ما جرى مع التعديل الوزاري خيب الآمال . ونعتقد أنه بعد كل ما جرى لن يسمح الشعب الفلسطيني بأن يُغرر به مرة أخرى وتمرر عليه إصلاحات شكلية تقتصر على تغيير المواقع والوجوه داخل نفس التركيبة السابقة أو يكتفي بخطاب الإصلاح بدلا من الإصلاح نفسه الإصلاح الحقيقي في رأينا يجب أن لا يقتصر على تغيير بعض الوجوه أو رشوة بعض المطالبين بالتغيير بدمجهم في مؤسسات السلطة ، وإن كانوا من داخل السلطة منحهم مناصب أعلى درجة كما حدث في مرات سابقة ، المطلوب اليوم إصلاح الخطاب نفسه وإصلاح الخطاب يعني إعادة النظر بالبنية الفكرية والاستراتيجية والمؤسساتية لصاحب الخطاب السياسي الفلسطيني ، إعادة نظر تنبني على الاعتراف بالخطأ أولا ووضع اليد على / أو تحديد مواطن هذا الخلل واوجه القصور في عمل السلطة ثانيا ، وأخيرا تغيير أجهزة السلطة وإسناد عملية الإصلاح الحقيقي لحكومة جديدة بما تعنيه الكلمة.
للأسف الشديد فأن التغييرات التي طرأت على السلطة بالتعديل الوزاري لم تكن تتناسب مع حجم خطاب الإصلاح الذي روجت له السلطة ، وحتى مع الزعم أن هذا مجرد تعديل وزاري يمهد للإصلاح الحقيقي ، فان تركيبة الوزارة ونوع أشخاصها القدامى والجدد لا يبشر بأنها حكومة قادرة على قيادة قاطرة الإصلاح الحقيقي ، لقد خيب التعديل الوزاري أمل الشعب وجعله اكثر خوفا على مستقبل القضية ، والوعد بإجراء انتخابات نهاية العام الجاري 2002 لن يحل المشكل ولن يطمئن الشعب وقد يكون التلويح بالانتخابات مجرد هروب إلى الأمام وتهرب من الضغوطات الشعبية والخارجية .
إن انتخابات لا تكون مسبوقة بمشاورات مكثفة وتفاهمات على برنامج عمل وطني وتصفية للأجواء السياسية بين جميع الفعاليات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني ، هذه الانتخابات ستكون نتائجها كارثية على العمل السياسي الفلسطيني وعلى القضية الوطنية بشكل عام ، ويجب أن لا يغتر البعض بمصطلح الانتخابات وإيحاءاته الديمقراطية وخصوصا إذا كانت الانتخابات كما في الحالة الفلسطينية مطلبا أمريكيا وإسرائيليا.
لا شك أن الانتخابات أداة من أدوات الممارسة الديمقراطية تسهل على الفرقاء السياسيين التداول السلمي على السلطة ، إلا أن هذا الدور الذي تلعبه الانتخابات ينطبق على الدول المستقلة ذات السيادة أو أية حالات أخرى حيث تكون جميع القوى متفقة على ثوابت أو مرجعية متفق عليها للعمل السياسي وحيث يكون الناخب والمنتخب حر الإرادة , ولكن في غير ذلك من الحالات فأن الانتخابات ليست دائما الحل الأمثل لحسم الخلافات السياسية وليست دائما حلا ديمقراطيا يخدم المصلحة الوطنية . وفي الحالة الفلسطينية على سبيل المثال يجب الحذر الشديد من خطاب الديمقراطية -والانتخابات كأحد آلياتها- الذي يسعى لتزييف الوعي والهروب من الواقع وهو الاحتلال الذي هو بدوره نفي للحرية والإرادة الحرة .شواهد كثيرة من العالم تبين أن الولايات المتحدة في ظل العولمة و النظام الدولي الجديد أصبحت توظف خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان ليس من أجل الإنسان والإنسانية كقيمة بحد ذاتهما بل من أجل تحقيق مصالحها الإستراتيجية في العالم ، فخطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان أصبح أداه للهيمنة والتدخل في سياسات الدول الضعيفة وهذا ما يتناقض مع حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي وحقها في اختيار النظام الذي يتوافق مع هويتها ومصالحها القومية والولايات المتحدة الأمريكية لها سوابق في معاداتها لأنظمة ديمقراطية إذا ما نهجت هذه الأنظمة سياسية وطنية تتعارض مع السياسة الأمريكية وتآمرها أخيرا على الرئيس الفنزويلي المنتخب ديمقراطيا خير دليل على ذلك وقبل ذلك حدث في التشيلي عام 1973 عندما تآمرت مع الجيش لإسقاط الرئيس أليندي المنتخب ديمقراطيا ومن هنا ليس غريبا أن تتآمر على الرئيس الفلسطيني المنتخب ديمقراطيا أيضا .

هذا لا يعني رفضنا للديمقراطية والانتخابات من حيث المبدأ بل رفضنا ينصب على التوظيف المشوه والخطير لهما بما يتناقض مع القيمة السامية المتضمنة في جوهرهما وبما يضر بالمصلحة الوطنية العليا . وعليه فأن تحفظنا على إجراء انتخابات فلسطينية ضمن الشروط التي وردت في خطاب الرئيس بوش وضمن الوضع القائم في فلسطين المحتلة ينبني على التالي :-
أولا :إن قانون الانتخابات الفلسطيني الذي صدر بتاريخ 7/12/1995 وعدل بتاريخ 29 من نفس الشهر والسنة غير صالح للتطبيق ضمن الوضع القائم في الضفة وغزة ،فهذا القانون جزء من اتفاق أوسلو الذي تنكرت له إسرائيل وأعلن شارون انه لا يعترف به كما أن إعمال هذا القانون يتطلب سيطرة السلطة على هذه المناطق حتى يتمكن الناخبون من الإدلاء بأصواتهم بحرية وحتى يتمكن المرشحون من القيام بحملاتهم الانتخابية بحرية أيضا ، وهذا مستحيل التطبيق ما دامت الضفة الغربية كلها محتلة وما دام قطاع غزة مقسم على ثلاث مناطق معزولة عن بعضها .
ثانيا : إن خطاب الرئيس بوش أشترط تغيير القيادة الفلسطينية عن طريق الانتخابات قبل الانسحاب الإسرائيلي ، وهذا يتناقض مع قانون الانتخابات الفلسطيني الذي يعتبر الضفة الغربية والقدس دائرة انتخابية واحدة فيما يتعلق بانتخاب الرئيس. ونعتقد أنه إذا جرت انتخابات في ظل الوضع القائم ستكون اعترافا وتكريسا للاحتلال وتعويدا للفلسطينيين على العيش ضمن الكانتونات الحالية التي أقامتها حكومة شارون وتمديد أجل الحكم الذاتي الحالي إلى ما لا نهاية وهو ما تسعى إليه إسرائيل.
ثالثا : تركيبة الوزارة وحالة مؤسسات السلطة الحالية غير مؤهلتين للإشراف على انتخابات حرة ونزيهة ، فإذا كانت نسبة كبيرة من الشعب غير راضية عن الحكومة الجديدة – المعدلة – وغير راضية عن أداء السلطة بشكل عام فهذا مؤشر على استنكاف هذه النسبة عن المشاركة في الانتخابات .
رابعا : الانتخابات كآلية من آليات الممارسة الديمقراطية هي تعبير عن الإرادة الحرة للشعب بكامله وعن الإرادة الحرة للأفراد فكيف يمكن أن تكون انتخابات حرة ونزيهة والشعب خاضع للاحتلال ومناطق السلطة مستباحة والسلطة نفسها غير حرة في اتخاذ قرارها ؟.
خامسا : في الوضع الطبيعي يفترض أن تؤدي الانتخابات إلى تشكيل حكومة تعبر عن رأي الأكثرية وتلتزم بقراراتها الأقلية ، إلا أن الخصوصية الفلسطينية لا تسمح بإعمال هذه القاعدة الديمقراطية لأن الشعب الفلسطيني ما زال خاضعا للاحتلال فالمشكلة هي الاختلال وليس خلافا بين الأحزاب على السلطة ، كما أن وجود تناقض أساس بين إستراتيجيتين – استراتيجية السلطة واستراتيجية المعارضة- واحدة تقول بالحل السلمي والأخرى تقول بالخيار العسكري ، يفقد القيمة الديمقراطية للانتخابات أي التداول السلمي على السلطة . فلو أنتصر تيار السلطة بنهجه التسووي وعلى رأسه أبو عمار كما حدث في الانتخابات السابقة فلن تلتزم الأقلية لأنها ستقول إنها تمارس حقا مشروعا دينيا ودنيويا وهو القتال من أجل التحرير ،هذا ناهيك بأن أمريكا نفسها تقول بأنها لن تتعامل مع أبو عمار حتى ولو انتخب مجددا وإذا أنتصر تيار المعارضة – في حالة مشاركتها في الانتخابات- وهيمن على المجلس التشريعي أو انتخب أحد قادة المعارضة رئيسا ، فستنتهي السلطة وأجهزتها وكل مشروع التسوية لأن أمريكا الداعية للديمقراطية لن تقبل بالتعامل مع منتخبين يرفعون رايات الجهاد والنضال ، وهذا ما يؤكد أن أمريكا لا تريد الديمقراطية في فلسطين بل تريد قيادة تقبل بالسياسة الأمريكية سواء كانت منتخبة أو غير منتخبة .
سادسا : المرحلة التي تمر بها القضية ليست مرحلة تحقيق مكاسب سياسية بل مرحلة تحقق فيها إسرائيل مزيدا من المكتسبات على مستوى الأرض خصوصا ، وإلحاح أمريكا وإسرائيل على قيام حكومة منتخبة إنما يرمي إلى وجود حكومة يضفي وجودها الشرعية على التنازلات الفلسطينية المحتملة أو على التنازلات المفروضة بفعل سياسة الأمر الواقع ، وقد يكون ضمن المخطط إيجاد حكومة تملك شرعية ديمقراطية عن طريق انتخابات لن تكون نزيهة بطبيعة الحال ، تحل محل الشرعية الثورية للرئيس أبو عمار الذي سيتم التخلص منه مباشرة بعد الانتخابات.
سابعا : الاشتراطات الواردة في خطاب الرئيس بوش تضرب القيمة الديمقراطية للانتخابات ، فعندما يشترط بوش أن تفرز الانتخابات قيادة جديدة وأن تكون هذه القيادة مناهضة للإرهاب كما يقول فهذا يتناقض مع جوهر الديمقراطية التي هي ان الشعب حر في اختيار قيادته وإن نتائج الانتخابات ملزمة للشعب وعلى جميع الشعوب الحرة ان تعترف بهذه القيادة المنتخبة ، فالشروط الأمريكية هي إهانة للشعب الفلسطيني وتفسيره إن الشعب الفلسطيني لا يعرف مصلحة نفسه .

ندرك أن السلطة – أو ما تبقى منها - في وضع حرج ومترددة ما بين تصورين متناقضين للإصلاح : إصلاح بالمنظور الأمريكي الإسرائيلي يجعل السلطة مقبولة من طرفهما ولكنها ستكون منبوذة وطنيا لأنها ستتحول ببساطة إلى قوات لحد جديدة ، وإصلاح بالمنظور الوطني الفلسطيني يرضى عنه الشعب ولكنه سيجعل السلطة والشعب في مواجهة مباشرة مع أمريكا وإسرائيل . ولكن يمكن للسلطة بدلا من الهروب إلى انتخابات حسب الشروط الأمريكية أن تُدخل تغييرات ترضي الشعب ولا تستفز العالم الخارجي ، فالشعب لا يطالب بالكثير ويمكنه أن يقبل أن يبدأ الإصلاح بإزاحة أشخاص من الحكومة ومن الأجهزة يُجمع الشعب على فسادهم ، وأن تُخلق الحياة العامة بتفعيل دور القانون والقضاء النزيه وأن يوضع حد لشجع (طبقة أغنياء التسوية )، وان يتم التفكير جديا بأن يتولى الأمر قيادة جديدة ويستحسن أن تكون جماعية يترأسها أبو عمار أو تحل محل القيادة الحالية لأبي عمار – ما دام هناك ضغوط قوية بما فيها عربية مطالبة بتغييره بذريعة أنه العائق أمام السلام - ويبقى أبو عمار رمزا للقضية ،كما جرى مع الرئيس نلسون منديلا الذي ترك السلطة ومع ذلك بقي رمزا للنضال ومفخرة لشعب جنوب إفريقيا
لكل ذلك نرى أن حكومة ائتلافية مرحلية أو حكومة طوارئ تقوم على التراضي بين الفعاليات السياسية هي الحل الأفضل في هذه المرحلة لأنها ستكون متحررة من استحقاقات أوسلو ومن الضغوط الخارجية وتساعد على وضع استراتيجية عمل وطني تتعامل مع المستجدات دون أن يكون وجودها اعترافا بالأمر الواقع المفروض إسرائيليا ، حكومة مؤقتة يكون هدفها الرئيس هو ترتيب البيت الفلسطيني وتمتين الوحدة الوطنية قبل أن تدخل في أي مفاوضات سياسية مباشرة مع إسرائيل.



خلاصة الفصل الرابع


الحديث عن قيام دولة فلسطينية لا يعني بداية النهاية لمشكلة الشرق الأوسط ولا يعني قرب حل القضايا المعلقة ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين ،ذلك أن عدم انطلاق المفاوضات ما بين إسرائيل من جهة وسوريا ولبنان من جهة أخرى ،وفي ظل وجود مقاومات شعبية متعددة لنهج التسوية ،ومع مماطلة إسرائيل ومناوراتها وتزايد إعمالها الإرهابية ضد المدنيين كمجازر مخيم جنيين ومجزرة حي الدرج في غزة ،فان مفاوضات الوضع النهائي لن تنه المشكلة ، ونعتقد أن إسرائيل ستماطل كعادتها وستدخل المفاوض الفلسطيني في متاهات لا نهاية لها ،وخصوصا أن الموضوعات محل البحث هي جوهر القضية واكثر جوانب القضية إثارة للجدل .
إن موضوع المفاوضات وأطرافها وبوادر وصاية عربية جديدة على الشعب الفلسطيني يبين لنا صعوبة المرحلة والتحول الخطير الذي طرأ على الصراع العربي الإسرائيلي . كانت الثورة ثورة كل الشعب الفلسطيني من اجل تحرير كل فلسطين ،واليوم سلطة فلسطينية محاصرة لا تحض إلا برضى جزء من الشعب وتتفاوض على جزء من الأرض ،وعربيا ،كانت الثورة الفلسطينية طليعة الأمة العربية وتحض باهتمام ودعم كل الشعب العربي وكانت تعتبر قضية وطنية لكل شعب عربي ،وكان مصيرها مرتبط بمصير الأمة العربية بل إن الميثاق القومي ثم الوطني لم يضعا ضمن اختصاص المنظمة صلاحية البت في مصير القضية لأنها لا تخص الفلسطينيين لوحدهم ،والقوميون العرب ربطوا مصير الأمة العربية بقضية التحرير ،واليوم يتفاوض فريق فلسطيني من عدة أشخاص للبت في مصير القضية في ظل صمت عربي ورسمي واللامبالاة تجعل المرء يتشكك إما أن العرب لم يعودوا عربا أم أن الفلسطينيين لم تعد فلسطين !،وإسلاميا ،المسلمون الذين أهينت كرامتهم باحتلال القدس وتنادوا للجهاد من اجل تحريرها ،والذين تعالت صرخاتهم وهاجوا وماجوا عند حرق المسجد الأقصى عام 1969 وتنادوا لتأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي ثم لجنة القدس وعقدوا مئات الندوات والمؤتمرات حول القدس ،هؤلاء المسلمون الذي أرسلوا مجاهدين إلى كوسوفو وافغانستان وكشمير ...ها هم يقفون اليوم موقف المتفرج فيما القدس تهود يوما بعد يوم وإسرائيل تعتبرها عاصمة موحدة وأبدية لها !، ودوليا ،وبعد أن كانت القضية الفلسطينية تشغل العالم وتحرك دواليب الأمم المتحدة ،وبعد أن صدرت عديد من القرارات الدولية حول الصراع العربي الإسرائيلي ،وبعد أن كانت هذه القرارات هي المرجعية للتفاوض وللحل السلمي ،ها هم الفلسطينيون والإسرائيليون يتقاتلون ويتفاوضون لحل القضية في غياب الشرعية الدولية وقراراتها بل أن الشرعية الدولية لم تنجح في إرسال لجنة تحقيق بعد ارتكاب إسرائيل لمجزرة جنيين.
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة لن تسمح بالتسوية أن تفشل ، قد تفشل جولة أو جولات من المفاوضات ، ولكن التسوية الأمريكية لن تفشل لأنها ترتبط بمصالح استراتيجية أمريكية قبل كل شيء ، وستجبر أمريكا الطرفين على الاستمرار بالمفاوضات لسنوات ، وسيتواصل الحديث عن إنجازات حققت ، ولكن الصراع سيستمر ، ما دام هناك وجود صهيوني في فلسطين وما دامت أمريكا تفرض هيمنتها على المنطقة العربية .
نختم قولنا بثلاث ملاحظات نعتبرها مسلمات يجب ألا تغيب عن البال:-
الأولى: إن الشعب الفلسطيني هو الأصل والعدو الصهيوني هو الاستثناء، وأن احتلال أرض الشعب لا ينقص من شرعية حقه في وطنه، والشعب الفلسطيني لم ولن يتخلى عن هذا الحق حتى لو وقعت السلطة الفلسطينية مئات الاتفاقات و استسلمت كل الدول العربية فلن يتخلى الشعب الفلسطيني عن حقه، وإن تخلى الجيل الحالي عن حقه، فلن تتخلى الأجيال المقبلة، فالشعب الفلسطيني وجد ليبقى، ولن يتحقق السلام إلا بدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس.
الثانية: لا يجب أن نخلط ما بين دور ووظيفة الدين والحركات الدينية في فلسطين ودورهما ووظيفتهما في الدول العربية والإسلامية الأخرى، وألا تتخندق السلطة الفلسطينية في خندق واحد مع الأنظمة التي تحارب الحركات الأصولية ، لأن طبيعة الصراع في فلسطين يقوم على أساس ديني، فالدولة العبرية قامت على أساس ديني مزعوم، وبالدين توظف الصهيونية كل يهود العالم وأيضا الغرب المسيحي فعلينا أن نوظف الدين لاستقطاب كل المسلمين في العالم، وأكبر خطأ ترتكبه السلطة الفلسطينية هو قيامها بضرب البعد الديني للقضية الفلسطينية، وعليه يجب التمييز بين الدين كمكون رئيسي في ثقافتنا وهويتنا وكعنصر تعبئة وتحريض ضد عدو استعمل نفس السلاح ،وبين حركات سياسية توظف الدين لأغراض سياسية محدودة، ونتمنى ألا تكون العلاقة بين السلطة الفلسطينية وحماس والجهاد الإسلامي علاقة صراع إقصائي بل علاقة تنسيق وتعاون ضمن رؤية استراتيجية مشتركة لا تسقط المكون الديني في القضية الفلسطينية.
الثالثة: نتمنى على كل الأطراف في الساحة الفلسطينية وتحديدا السلطة الوطنية الفلسطينية، تجنب أية صدامات أهلية أو مزيد من التفتت في الساحة الفلسطينية إرضاء لإسرائيل لأن هذه الأخيرة ترمي لحدوث ذلك، فالمرحلة هي مرحلة تسوية غير معروفة النتائج ومفتوحة على كل الاحتمالات والوحدة الوطنية هي قوة بيد الفلسطينيين لمواجهة أخطار المستقبل ،وفي هذا السياق يجب الحذر من أن يتوجه النضال من نضال ضد الاحتلال إلى نضال ضد السلطة الفلسطينية وفساد السلطة ،وإسرائيل تشتغل على تحويل الغضب الشعبي الفلسطيني ليصب ضد السلطة .
لقد مد العرب أيديهم للسلام ليس منذ مدريد بل منذ رفع الفلسطينيون شعار - هدف الدولة الفلسطينية الديمقراطية، وما زالوا مادين أيديهم للسلام دون أن يجدوا من الكيان الصهيوني إلا كل صد وصلف واستهتار، نعم للتسامح والسلام ولكن من منطلق القوة والكرامة وبما لا يمس الحقوق التاريخية المشروعة للعرب في أرضهم.



الخاتمة

في وقت يلمس كل متابع للأحداث في فلسطين تسارع الأحداث وتطورها بشكل خطير أربك المراقبين والمتابعين وأصحاب القرار ، وأوجد حالة من الإرباك والقلق وعدم اليقين بأي شيء و من أي شيء عند شريحة واسعة من الجمهور.. أصبحت الأسئلة التي تتردد : من المسؤول ؟و إلى أين ؟ وما العمل ؟ . أسئلة تطرح أحيانا بحسن نية وكحالة من التعبير عن القلق والبحث عمن يبذر بذور الأمل بالغد ، وحينا آخر تطرح للتشكيك بمن في يده مقاليد الأمر بتحميله مسؤولية كل ما يجري ومطالبته بالحل السحري والعاجل للخروج من المأزق، أو للتشكيك بمن هم في المعارضة لكشف أنهم لا يتوفرون على بدائل تخرج القضية من أزمتها وأنهم اكثر سوءا ممن هم في السلطة ، بل لا يتورع البعض من المغرضين بطرح هذه الأسئلة بهدف زيادة الأمور إرباكا والتشكيك بمجمل العمل الوطني الفلسطيني الرسمي والشعبي ، عمل السلطة و عمل المعارض ، والترويج لروح الاستسلام للشروط الصهيونية من منطلق أن لا قدرة للفلسطينيين ولا للعرب والمسلمين ولا للعالم الخارجي على إنقاذ الشعب الفلسطيني من الهجمة الصهيونية.
أعتقد أن الإجابة عن السؤال ما العمل ؟ ليس بالأمر الصعب أو المحرج ، بالرغم من صعوبة المرحلة وخطورة التحديات ،إن وضعت القضية في سياقها التاريخي والاستراتيجي بعيدا عن أوهام السلام المراوغ الذي ساد المنطقة خلال العقد الأخير. لا شك أن القضية ستبدو صعبة والتساؤلات ستكون محرجة إذا وضعنا التحديات الراهنة في مقابل أوهام السلام ، ولكن إن حللنا الوضع الراهن ووضعنا معطياته أمام الفهم التاريخي الاستراتيجي لطبيعة الصراع في المنطقة وأطرافه لكانت القضية أكثر وضوحا و التساؤلات أقل وقعا وإحراجا .
ينسى البعض أن الأمر يتعلق بقضية شعب ومصير أمة ، قضية عمرها يفوق المائة عام وعدالتها من عدالة الحق الذي لا يمارى ، وهي ليست قضية سياسية عابرة يمكن أن تحل بين ليلة وضحاها في مؤتمر سري أو لقاء أمني أو عبر شاشات التلفزة ، كما أنها قضية ليس حلها بالضرورة من اختصاص الجيل الحالي دون غيره ، أو أنها قابلة للمساومة عليها وتطويعها حسب موازين القوى وتوجهات الرأي العام العالمي وتحولات النظام الدولي ، وليس المطلوب أن تحسم اليوم إما بتحقيق نصر مؤزر أو استسلام مذل ...
ومن جهة أخرى ليس الشعب الفلسطيني وحده يعيش مأزق وأزمة بل العدو يعيش أزمة عميقة بفعل الانتفاضة وتداعياتها ، وحالة من الرعب والقلق على حاضرة ومستقبله ، مما يعني أن معاناة الفلسطينيين لا تذهب عبثا بل لها مردودية والأمر يحتاج إلى صبر وجهد ومكاشفة ومصارحة . صبر وجهد ليس بهدف تحقيق انتصار الآن على العدو بالضربة القاضية ولكن لإثبات الوجود في معركة ستحدد أن تكون فلسطين دولة مستقلة ذات سيادة أو لا تكون وتشطب من الخريطة ،النصر المنتظر من الانتفاضة هو منع المخططات الصهيونية من أن تحقق أهدافها ، إن لم تتوفر مقومات النصر الكامل اليوم فيمكن للشعب أن يحقق نصرا غير مباشر وهو مقاومة الاستسلام و كل محاولات التفريط بالوطن .
الصراع طويل والشعب لن يلوم القيادة الحالية والنخبة السياسية الحالية إن لم تنجز التحرير لانه يعرف قوة الهجمة الصهيونية وشدة التخاذل العربي الرسمي ، والجماهير الفلسطينية بالرغم من مآخذها على القيادة تتفهم خطورة المرحلة ، ولكن الجماهير الفلسطينية لن تغفر للقيادة وللنخبة إن هما فرطا بالحقوق المشروعة وبدماء الشهداء.
ما يمكن عمله اليوم لا يقتصر بالضرورة على العمل الاستراتيجي للتحرير العاجل ، بل يمكن أن يتركز اليوم ضمن سياسة داخلية وخارجية تحقق أهدافا مرحلية وعاجلة تقوى الموقف الفلسطيني وتضع أسسا لصمود يحول دون تحقيق العدو لأهدافه ، سياسة تأخذ بعين الاعتبار أن الصراع مع العدو صراع طويل وشاق ، والأيام القادمة قد تكون أصعب وأشق من سنوات النضال السابقة .
في هذا السياق هناك الكثير مما يمكن عمله :-
أولا : على المستوى الداخلي :
تمتين الجبهة الداخلية بـ تفعيل دور المؤسسات والقانون ، ووضع حد للتسيب والفساد في المؤسسات الرسمية ، القضاء على ظاهرة العملاء الصغار والكبار ، إعادة الثقة ما بين الشعب والسلطة ، تقوية النظام التعليمي وخصوصا الجامعي وإبعاده عن الصراعات السياسية والحزبية ، تخليق الحياة العامة ووضع حد لأمراض اجتماعية متفشية قاتله تشوه صورة الإنسان الفلسطيني وقيمه ،كالنميمة والحسد والرغبة في الاغتناء السريع وضعف الإحساس بالواجب والكذب والنفاق وتفكك التضامن الأسري الخ ، الحد من القبلية والعشائرية والجهوية الضيقة وأخيرا الدفاع عن مبدأ وجود سلطة وطنية ، ولكن سلطة وحدة وطنية على أسس صحيحة وليس وحدة وطنية شكلية تقوم على مجرد إعادة توزيع غنائم السلطة على النخبة السياسية أو سلطة تتشكل حسب الإملاءات الخارجية .
ثانيا : على المستوى الخارجي .
الانتفاضة تمنح السلطة الفلسطينية فرصة عليها اهتبالها ، وهي إعادة القضية الفلسطينية لأبعادها القومية والإسلامية ، وتمتين علاقة الشعب العربي والمسلم بالقضية الفلسطينية . لا شك أن الأمر ليس بيد السلطة أو الشعب الفلسطيني ، فالوضع الرسمي العربي والإسلامي غير متحمس للعودة مجددا للالتحام بالقضية الفلسطينية ، ولكن يمكن للقيادة الفلسطينية أن توظف حالة التعاطف الشعبي العربي والإسلامي مع الانتفاضة لتصحيح ما أرتكب من أخطاء وتجاوزات خلال السنوات الماضية ، وفي هذا السياق يأتي دور مؤسسات المجتمع المدني في كلا الطرفين لتصحيح أخطاء السياسيين ، وخصوصا أن المجتمع المدني أثبت حضوره ودعمه للانتفاضة .
وفي السياق الخارجي أيضا ، مطلوب من السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية أن يعيدا الحياة للسفارات الفلسطينية ولمؤسسات منظمة التحرير ، فهذه الأخيرة ومنذ ظهور سلطة الحكم الذاتي وهي تعيش حالة عطالة وتسيب وعدم محاسبة ، فيما نصف الشعب الفلسطيني يعيش خارج فلسطين وهو يحتاج إلى رعاية وتأطير وتوجيه . لقد ساهم عدم تفعيل السفارات والمؤسسات الفلسطينية في الخارج والممارسات المشينة لبعض السفراء والدبلوماسيين في تشويه القضية الفلسطينية. ومن هنا يجب إعادة بناء السفارات والمؤسسات الفلسطينية وإشراك الشعب الفلسطيني خارج فلسطين في العمل النضالي .

إذن ما العمل ؟ سؤال يجب أن لا يُطرح على السلطة فقط أو المعارضة أو كليهما أو على الفلسطينيين ، بل سؤال يجب أن يَطرحه أيضا كل مواطن فلسطيني وعربي ومسلم على نفسه ، ماذا فعل من أجل فلسطين ؟ وماذا يمكنه أن يفعل من اجلها ؟ وأن يبدأ بالعمل حسب قدرته في نفس الوقت الذي يطالب فيه أولي الأمر بأن يعملوا ويقوموا بواجبهم .



المراجع

أولا : الكتب
.
-إبراهيم يحيى الشهابي ،من التشرد إلى الدولة ،منشورات اتحاد الكتاب العرب ،دمشق :1980
-حسن الجلبي وعدنان السيد حسين، سلم أوسلو ، بيروت :1995.
-خالد الحسن ،مستقبل السلام في الشرق الأوسط ،أوراق سياسية ،رقم 4 ،مطابع الأنباء الكويتية .
-خالد الحسن ،لبنانيات ،أوراق سياسية رقم -9- ،الكويت :1984
-خالد الحسن ،الدولة الفلسطينية شرط أساسي للسلام العالمي ،أوراق سياسية رقم 8، الكويت .
- محمد عبد العزيز ربيع ،الحوار الفلسطيني -الأمريكي :الدبلوماسية السرية والاتصالات الفلسطينية /الإسرائيلية ،عمان ،دار الجليل للنشر :1995.
- ممدوح نوفل ،الانقلاب ،دار الشروق للنشر والتوزيع ،عمان :1996.
- سميح شبيب ،منظمة التحرير الفلسطينية وتفاعلاتها في البيئة الرسمية العربية -دول الطوق -1982-1987،نيقوسيا :1988
- نزيه أبو نضال وعبد الهادي النشاشييبي ،البرنامج الوطني الفلسطيني بين نهجي التحرير والتسوية ،دار الحقائق ،بيروت :1984.
- صلاح خلف -أبو اياد-،فلسطيني بلا هوية ،شركة كاظمة للبيع والتوزيع والترجمة ،د.ن

ثانيا :- المجلات والصحف

--مجلة المستقبل :11/4/1987
-مجلة اليوم السابع: 26/11/1988
-مجلة النهار العربي والدولي :26/12/1982

-جريدة القدس العربي :3/10/1991
:10-11/10/1992
:27/11/1992
-الاتحاد الاشتراكي:10/4/1992
:17/10/1992
-جريدة الشرق الأوسط : 3/8/1993
: 2/9/1993
:21/10/1993
:11/9/1993
:3/10/199
-جريدة الحياة ،لندن:
26/3/1999
:18/4/1999
:24/8/1999
:24/8/1999
-جريدة القبس الكويتية :11/5/1990


الساعة الآن 08:46 PM

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd

تركيب و تطوير ][ Pssawa.com ][