مقتطفات
الرئيسية / أرشيف المقالات / مفارقات المشهد السياسي الاسرائيلي

مفارقات المشهد السياسي الاسرائيلي

30-8-2008

فضيحة فساد رئيس وزراء إسرائيل أدت لأزمة حكومة وليس لأزمة دولة ونظام سياسي ، هذه الحالة ليست متفردة في النظم السياسية وخصوصا في الحكومات الائتلافية في الدول الديمقراطية ،فعدة دول ديمقراطية تعرف حالات من عدم الاستقرار الحكومي سواء بسبب الفضائح المالية والأخلاقية أو هشاشة التحالف الحاكم،وهي حالة لا تؤثر كثيرا على ثبات النظام السياسي ووجود الدولة بشكل عام،فالديمقراطية وقوة الاقتصاد والنظام القضائي الصارم كلها أمور كفيلة باستيعاب الأزمات الحكومية وبقائها ضمن النطاق الضيق.وهذا مؤشر لأهمية الديمقراطية في حياة الشعوب وكيف يمكنها تصحيح الأخطاء ووضع القانون فوق كل شيء،حيث لا قدسية إلا للمصلحة الوطنية التي تسمو على القيادات والأحزاب،فهذه الأخيرة أدوات عابرة تستمد شرعيتها ليس من ذاتها بل من قدرتها على خدمة المصلحة الوطنية،فلا تعرف الديمقراطيات الحقيقية قيادات تاريخية أو زعامات ملهمة ولا حكومات ربانية.

قرر اولمرت ترك منصبه ومغادرة قاطرة الحياة السياسية بعد أشهر من فتح ملف الفساد ،وخلال وجوده على رأس السلطة كان رئيس الوزراء وحكومته من أكثر الحكومات الإسرائيلية ضعفا وهشاشة،ولكن في المقابل لم ينعكس هذا الضعف سلبا على الدولة وسياساتها العامة وعلاقاتها الإقليمية والدولية وخصوصا علاقتها مع الفلسطينيين،بل على العكس من ذلك فهذه الحكومة الضعيفة والفضائحية أدارت الأزمة بطريقة مكنتها من تحقيق مكاسب دفعت حتى المنافسين والمعارضين لاولمرت للفول بأن أي حكومة قادمة ستتبنى ما أنجزته حكومة اولمرت سواء بالنسبة للملف الفلسطيني او الملف اللبناني أو الملف السوري أو الإيراني.

لقد شط البعض بالتحليل واعتبر بأن متابعة اولمرت قضائيا هو مؤشر على أزمة دولة إسرائيل بل ذهب البعض بان الأمر هو بداية نهاية إسرائيل،وببدو أن العقل السياسي لكثير من المحللين والسياسيين الفلسطينيين والعرب يتعامل مع الأمور انطلاقا من ثقافة مغايرة للثقافة الديمقراطية،من ثقافة لا تميز بين النخب والزعماء والأحزاب من جهة والوطن ومؤسسة الدولة من جهة أخرى ،ثقافة تختزل الدولة بالحزب والحزب بالزعيم وبالتالي تصبح أزمة الزعيم هي أزمة الحزب وبالتالي أزمة الدولة!، ثقافة لا تقهم آليات الممارسة الديمقراطية ،ثقافة مليئة بالمفاهيم الملتبسة للنصر والهزيمة، ثقافة يستسهل أصحابها بناء انتصارات وهمية انطلاقا من خطاب سياسي ملتهب لزعيم أو عملية مسلحة دعائية لحزب من الأحزاب،أو يعتبرون تقاعسا عسكريا للخصم في جولة من جولات الصراع أو مشاكل سياسية عابرة يمر بها، نصرا لهم،يستسهلون ذلك بدلا من التحليل الواقعي والعميق لمجريات الأمور واستخلاص الدروس والعبر مما يجري في إسرائيل ومما يجرى في ساحتنا الفلسطينية والعربية.

إن أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من المشهد السياسي الإسرائيلي في ظل حكومة اولمرت الضعيفة ثم قرار مغادرته للحكومة، وهي دروس لا تخلو من مفارقات :-
أولا:- إن التهم الموجهة لاولمرت تدور حول تلقيه رشا بعشرات آلاف الدولارات بما فيها تذاكر سفر للعائلة، بينما في أنظمتنا العربية والإسلامية تتم سرقات وتفتح ملفات فساد ورشا تقدر بالملايين بل بالملايير ،ومع ذلك لا تسقط حكومات ولا يستقيل أو يُعزل وزير إلا في حالات نادرة عندما يخشى النظام من أن تطال الفضيحة الرؤوس الكبيرة فيتم التضحية بالصغار ليبقى الكبار،وحتى لا نذهب بعيدا فقد فُتحت ملفات فساد في السلطة الفلسطينية وتم التغطية عليها ولو طبقنا مبدأ (من أين لك هذا) على كثير من المسئولين في السلطة وفي الحكومات المتعاقبة لوجدنا العديد من قضايا الفساد.
ثانيا:-إن كل الأحزاب الإسرائيلية صهيونية ومتعصبة للدولة وللمشروع الصهيوني وأن الإسرائيليين مستعدون للتضحية بقادتهم وأحزابهم حتى وإن كانت تاريخية وتشكيل أحزاب جديدة، إن اقتضت المصلحة الصهيونية ذلك.
ثالثا:- إن المجتمع الصهيوني خلق ثقافة التنوع والتعددية ولكن في إطار ثوابت صهيونية – أو مصلحة وطنية كما نقول بخطابنا السياسي-داخل هذه الثوابت الصهيونية يختلفون يمينا ويسارا، ولكن من اجلها وفي مواجهة عدو خارجي تزول كل الفوارق بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار أو بين أحزاب دينية وأحزاب علمانية،و لا يعد فرقا يذكر بين بيرس و ننانياهو أو اولمرت وشارون أو موفاز وليبرمان،أو عوفاديا يوسف ويوسي بيلين الخ.
رابعا:- عندما ننسب إسرائيل للدول الديمقراطية فلا يعني هذا أنها تتوفر على ديمقراطية مثالية، فالديمقراطية في إسرائيل هي آلية تتوافق عليها الأغلبية اليهودية لإدارة شئون الدولة في ظل الخضوع للقانون،وهذا الشكل من الديمقراطية الداخلية لا ينفي الجانب العدواني والعنصري لسياستها الخارجية أو بالنسبة لتعاملها مع الفلسطينيين،فهذه الأغلبية هي التي تحدد معسكر الأصدقاء ومعسكر الأعداء ويخضع الجميع لقرار وحكم الأغلبية.
خامسا:- إن وحدة وتماسك المجتمع وقوة المؤسسات الديمقراطية تعطي قوة وحصانة للدولة وتحميها من التعرض لأي أزمات وجودية بسبب الأزمات الحكومية،وهكذا لاحظنا كيف أن ضعف حكومة اولمرت لم يمنعها من استيعاب نتائج الحرب مع لبنان بل تحقيق انجاز استراتيجي من خلال قرار مجلس الأمن 1701 بداية ثم صفقة الأسري نهاية،حيث تم إغلاق ملف الصراع ما بين لبنان وإسرائيل لتتحول الحدود اللبنانية الإسرائيلية كحدود إسرائيل مع بقية الدول العربية،واستطاعت هذه الحكومة الضعيفة برئيس وزرائها الضعيف والفاسد من توظيف المفاوضات مع الفلسطينيين بما يخدم السياسة الاستيطانية ويعفي إسرائيل من أي استحقاقات تتعلق بالانسحاب من الأراضي المحتلة،كما تمكنت هذه الحكومة من انجاز التهدئة مع حركة حماس مما أمن لها حدودها الجنوبية وعزز من حالة الفصل والقطيعة ما بين ما كان يفترض أن يكونا شطري الدولة الفلسطينية.
سادسا:- بالرغم من أزمة الحكومة الإسرائيلية فالمشهد السياسي اليوم لا يوحي ويشير بان المشكلة الرئيسة في المنطقة هي مع الإسرائيليين،بل مع الفلسطينيين وبعضهم بعضا، فسواء كانت الحكومات الإسرائيلية قوية أو ضعيفة ليست هذه هي المشكلة اليوم،فحتى أزمة الحكومة الإسرائيلية حولتها المؤسسة الإسرائيلية إلى ورقة قوة في مواجهة الفلسطينيين المنقسمين والمتقاتلين مع بعضهم بعضا ـفلا احد في الفصائل والمؤسسات الفلسطينية منشغل بما يجري في إسرائيل أو يفكر بتوظيف أزمة الحكومة الإسرائيلية من اجل المصلحة الوطنية ،الجميع منشغل بالخلافات الداخلية وبالقتال في غزة و بالصراع المقيت والمخزي حول السلطة والحكم ،حتى الحكومات العربية باتت منشغلة بحل الخلافات الفلسطينية الداخلية وليس بالاستفادة من أزمة الحكومة في إسرائيل لتفعيل المبادرة العربية مثلا.
وأخيرا يمكن القول بأنه لم يعد مجالا للشك بعدوانية إسرائيل وعدم استعدادها للسلام العادل،ولم يعد شك بأن هذا الكيان الغاصب لم ولن يتورع عن ارتكاب الجرائم بحق الشعب الفلسطيني وتاريخه شاهد على ذلك وابتزازه لمرضى غزة آخر نماذج هذا الإرهاب،ولكن هل يمكن لنا كفلسطينيين أن نوظف هذه الحقائق عن إسرائيل لنواجه بها العالم ونطلب عونه وتأييده لقضيتنا الوطنية العادلة فيما العالم يشاهد ما نمارسه في مواجهة بعضنا البعض؟لقد بات أمرا مخجلا أن يكون التعذيب في السجون الفلسطينية أكثر عنفا وامتهانا للكرامة الإنسانية من التعذيب في السجون الإسرائيلية،لقد بات أمرا مخجلا أن نتحدث عن اعتقالات ووساطات لإطلاق سراح أسرى فلسطينيين في سجون فلسطينية،فيما آلاف المعتقين في سجون ومعتقلات العدو،وبعد اقتحام حكومة حماس لحي الشجعية بغزة وفرار العشرات لإسرائيل وما تبع ذلك من أحداث بتنا نخشى يوما تكون فيه إسرائيل وسيطا ما بين حكومتي غزة والضفة وبين فتح وحماس.

 

عن admin