مقتطفات
الرئيسية / أرشيف المقالات / ماخفي من حوارات المصالحة الفلسطينية في القاهرة

ماخفي من حوارات المصالحة الفلسطينية في القاهرة

15-4-2009

يبدو أن مصير حوارات المصالحة الفلسطينية سيؤول لمصير مسلسل التسوية:فشل غير معلن ونجاح غير مشرف،وإلى process أي عملية بلا نهاية وبلا أفق مطمئن واستمرارها سيكرس واقع الانقسام كما المفاوضات مع الإسرائيليين تكرس الاستيطان.من المعلوم أن عملية المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين استمرت لأكثر من خمسة عشر عاما تحت شعار السلام والنتيجة أنها تحولت لمفاوضات من اجل المفاوضات فيما السلام يتباعد، وفي ظل استمرارها تعاظم الاستيطان وتهويد القدس ،وتحت شعار السلام تحولت سلطة فلسطينية كان يُفترض أن تكون مؤقتة وتنتهي في مايو 1999 إلى سلطة دائمة أزاحت عن عاتق الاحتلال مسؤولية إعاشة وأمن أربعة ملايين فلسطيني وحلت محل الدولة ومحل حركة التحرر وبات الدفاع عنها هدفا بحد ذاته،ولأن التسوية بدون تسوية والسلام بدون سلام أفرزا مصالح مشتركة عند الطرفين- إسرائيل من جانب ونخب فلسطينية طفيلية صنعت شراكة مصالح مع الإسرائيليين– أصبحت هناك مصلحة مشتركة للطرفين بالاستمرار على نفس الحال واستمرار الإدعاء بوجود عملية سلام والبحث عن مخارج للمشاكل التي تواجه عملية التسوية من داخل منطق التسوية واعتمادا على ما كرسته إسرائيل طوال السنوات السابقة أي مع استمرار الاستيطان وجدار الفصل ومن ثم فصل غزة عن الضفة،والنتيجة تحولت التسوية إلى process في حالة تعارض وتناقض مع الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني ومع منطق ومنطوق السلام.
لأن إسرائيل مستفيدة من استمرار المفاوضات ولأن الطرف الفلسطيني لا يملك أي بدائل وخصوصا بعد الانقسام الداخلي الذي اضعف المفاوض الفلسطيني الضعيف أصلا ،ولأن إسرائيل مستفيدة مما أنتجته التسوية من وقائع على الأرض،فقد بات استمرار الحديث عن التسوية والمفاوضات مصلحة مشتركة للطرفين فلا أحد منهما يجرؤ على الخروج من العملية السياسية، ولكن الأخطر من ذلك هو البحث عن تسويات جديدة بسقف أقل من الاتفاقات الموقعة السابقة أو البحث عنه مخارج أو نجاحات جزئية كالتنسيق الأمني أو سلام اقتصادي وستكون هذه التفاهمات الجديدة و الانجازات أكثر خطورة من إعلان الفشل من حيث تأثيرها على المشروع الوطني.

في ظل غياب البدائل يصبح التمسك بالوضع القائم، وإن كان خاطئا و مرفوضا ،إنجازا، بل يصل الأمر أحيانا لأن تخفي أطراف المعادلة المأزومة عجزها وفشلها بتسويات جديدة غير مشرفة وتبحث عن تبريرات لهذا النهج ،وهذا ما يجري اليوم مع حوارات المصالحة الفلسطينية.بالرغم من التركيز اليوم على الحوارات التي تجري في القاهرة بين حركتي فتح و حماس إلا أن الحوارات بين الطرفين بدأت منذ بداية التسعينيات وفي أكثر من دولة ،طوال عقدين من الزمن لم يتم حل الخلاف بل كان يتعمق ويتمأسس داخليا وخارجيا بتداخله مع الأجندة الخارجية،ثم جاء فوز حماس بالانتخابات وبعده الانقسام لتضاف قضايا خلافية جديدة كموضوع الأجهزة الأمنية والانتخابات وسيطرة حماس على قطاع غزة.عقدت الجولة الأولى من الحوار ثم عُلقت لجولة جديدة ثم علقت مرة أخرى وقيل انه تم تحديد يوم 26 إبريل للعودة لطاولة الحوار للبحث فيما تبقى من قضايا خلافية،إلا أن المتابع سيلمس انه خلال الجولات السابقة لم يتم التوصل لشيء جوهري وان ما يسمي (ما تبقى من خلافات) هي جوهر الخلافات بمعنى أنهم لم يتفقوا على شيء،وإن كان مجرد اللقاء وتخفيف الحملات التحريضية أمرا إيجابيا.الخطورة لا تكمن فقط بعدم الاتفاق ولكن بعدم الاعتراف بالفشل ومحاولة تغطية الفشل بتفاهمات بدأت ضمنية ويبدو أنها تتحول للعلن وللرسمية،تفاهمات على مصالحة مصالح تؤسس على واقع الانقسام.
كل تسوية أو حل أو اتفاقات غير مشرفة أو فلنقل ليست في مستوى ما يأمل الشعب ،يحتاج تخريجها لعراب يتحمل المسؤولية ويستطيع تسويقها،وبالنسبة لمصالحة المصلحة بين قوى نافذة في حركتي فتح وحماس، يبدو أن المخابرات المصرية تقوم
بهذا الدور من خلال الاقتراح بتشكيل إطار أو كما ورد على لسان أحد قادة الفصائل (حكومة لاصقة)، يجمع بين الطرفين يتكلف بالإشراف على إعادة تعمير غزة مع الحفاظ على واقع وجود حكومتي غزة والضفة أي مع استمرار الانقسام.فقد لاحظنا عدم الإعلان عن فشل الحوارات ولم يعلن عن النجاح بل هناك حالة من التعتيم والسرية حتى على بقية الفصائل المشاركة شكليا بالحوارات فبعضها متواجد كشاهد زور وبعضها متواطئ حتى و|ن أعلن رفضه لما يدور.هناك شيء يحاك ليس منذ بدء الحوارات الأخيرة بل قبل ذلك بكثير،منذ انقلاب حركة حماس في يونيو 2007 والذي ازداد ريبة بعد مؤتمر انابولس والعدوان على غزة ثم مع لقاءات القادة العرب والأجانب في شرم الشيخ والرياض و عمان أخيرا والزيارات السريعة والمتكررة لمسئولين عرب لواشنطن،ويبدو أن ما أعلن عن هذه اللقاءات والتحركات لا يعبر عن حقيقة ما يجري وما يحاك من معادلة جديدة للقضية الفلسطينية تؤسس على تكريس الانقسام بين غزة والضفة وإيجاد مخرج يشرعن هذا الانقسام دون أن يتحمل طرف بعينه مسؤوليته. حوارات القاهرة بين حركتي فتح وحماس دخلت في هذا الجو المريب بحيث لم يعد احد قادر على الحكم إن فشلت أم نجحت ،ونحن نعتقد أنها فشلت بتوحيد شطري الوطن وإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني ،ولكنها نجحت في توافق الطرفين الفلسطينيين وبرعاية مصرية ومباركة عربية وأمريكية وإسرائيلية،نجحت في محاصصة جديدة ولكن هذه المرة ليس على مناصب بل محاصصة تحافظ على سلطة حماس في غزة وسلطة شكلية على البشر لحكومة يشكلها الدكتور سلام فياض وفريقه على ما سيتبقى من الضفة الغربية وإيجاد إطار ما شكلي ينسق بين الطرفين حتى يقولوا نجحنا في المصالحة.

قد يقول قائل وهل يمكن بعد كل ما جرى من تكفير وتخوين كل طرف للطرف الآخر ومن عمليات قتل وإطلاق النار على الأرجل واعتقالات الخ، أن يتوافق ويتصالح الخصمان اللدودان مع استمرار الانقسام؟ قد يكون السؤال وجيها ومبررا لو كان ما جرى مجرد خلاف سياسي داخلي بين الفلسطينيين أو مؤامرة خارجية لم تشارك فيها أطراف فلسطينية، لكن لو نظرنا إلى ما جرى كمخطط أو تسوية جديدة تم الاشتغال عليها منذ سنوات بمشاركة أطراف متعددة فلسطينية وعربية وخارجية،فالسؤال يفقد وجاهته بحيث يصبح كل شيء في السياسة ممكن،وبالتالي ما يقال عن اقتراح مصري لمصالحة تؤسس على واقع الانقسام سيتحول لإنجاز يرضي الطرفين،أما توافق هذه المصالحة المصلحية مع المصلحة الوطنية العليا فأمر متروك للشعب ليقرر وللتاريخ ليشهد.

 

عن admin