مقتطفات
الرئيسية / أرشيف المقالات / مؤتمر حركة فتح والمصالحة الوطنية والتسوية

مؤتمر حركة فتح والمصالحة الوطنية والتسوية

11-4-2009

منذ بداياتها الأولى كفكرة منذ خمسة عقود خلت، لم تكن حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح) مجرد حزب سياسي كبقية الأحزاب العربية أو الفلسطينية التي ظهرت فيما بعد،بل كانت تعبيرا وتجسيدا لهوية وطنية صاعدة.تماهت حركة فتح مع الوطنية الفلسطينية ومع الهوية والثقافة والشخصية الوطنية حتى باتت فتح تعني فلسطين وفلسطين تعني فتح وهو الأمر الذي انعكس بالتأييد العارم الذي حضت به الحركة ليس فقط فلسطينيا بل عربيا ودوليا،وحتى عندما ظهرت فصائل فلسطينية يسارية وقومية وحاولت توطين أيديولوجياها لم تتمكن من الحلو ل محل فتح في التعبير عن الوطنية الفلسطينية،إلا أن وجودها مع حركة فتح في إطار منظمة التحرير الفلسطينية أضفى عليها وعلى المنظمة طابعا وطنيا حررها من الوصاية العربية وخصوصا بعد عام 1968.
ولأن فتح لم تكن حزبا فإنها لم تقيد نفسها بإيديولوجية محددة- إلا إذا اعتبرنا تجاوزا الوطنية إيديولوجية- ولذا لم تلتزم الحركة بمتطلبات العمل الحزبي الضيق ولم يكن ذلك ممكنا حتى إن رغبت بذلك نظرا لشعبيتها الواسعة وتداخل الانتماء التعاطفي مع الانتماء الحزبي الملتزم تنظيميا وخصوصا بعد معركة الكرامة قي مارس 1968.غياب التنظيم الدقيق والايدولوجيا إن شكلا سابقا ميزة مكنت الحركة من توسيع القاعدة الشعبية والتسيد في النظام السياسي إلا أنها انقلبت سلبا على الحركة حيث انقطعت الصلة والتواصل ما بين قيادة الحركة من جانب وجماهيرها الواسعة ومنطلقاتها الأولى من جانب آخر، وما عزز هذه القطيعة تحوُّل الانتماء لفتح من انتماء من اجل العطاء والتضحية إلى ارتباط من اجل الوظيفة والمصلحة عندما تدفقت الأموال على الحركة والمنظمة وأصبحت مصدرا للتوظيف دون اشتراط مؤهلات نضالية وحتى أخلاقية،هذا الأمر تفاقم بعد تأسيس السلطة وتَحَمُل حركة فتح كل أعباء السلطة و إسقاط كل أخطاء وتعثرات السلطة على الحركة،وتراجع التثقيف السياسي والعمل التنظيمي التعبوي لصالح الصراع على السلطة والمصالح الضيقة والمليشيات المسلحة المرتبطة بأشخاص دون رؤية نضالية حتى بات جيل كامل من الشباب ممن يُنسبون لحركة فتح لا يعرف عن تاريخ الحركة وفكرها إلا النزر اليسير فهو لم يدخل الحركة إيمانا بمنطلقاتها ومبادئها بقدر ما كان سعيا وراء الوظيفة والراتب أو لمجرد حمل السلاح.
بالرغم من تعرض حركة فتح لكثير من النكسات التي كانت تتطلب وقفة مراجعة في بنيتها التنظيمية وتوجهاتها السياسية إلا أن هذه الوقفة لم تحدث واستمرت أوضاع الحركة تسير من سيء إلى أسوء حتى الهزيمة بانتخابات يناير 2006 أمام حركة حماس ثم انقلاب هذه الأخيرة في يونيو 2007 الذي اخرج حركة فتح من السلطة ومن الحياة السياسية في قطاع غزة لم يفلحا في استنهاض الحركة وحثها على لملمة صفوفها والعودة لأصولها ودورها الريادي كتعبير عن الوطنية والهوية والشخصية الفلسطينية المستقلة.واليوم وبعد سنوات من الحديث عن عقد المؤتمر السادس للحركة ما زالت الأمور تراوح في مكانها وما زال الغموض سيد الموقف حول تاريخ ومكان انعقاده،وما نسمعه عما يدور في الاجتماعات التحضيرية للمؤتمر وفي اجتماعات اللجنة المركزية والهيئات القيادية من جدل حول المحاصصة والحديث عن تكتلات وخلافات لا تخلو من صراع على مصالح ضيقة ولا تعبر عن حرص على الحركة والمصلحة الوطنية،يثير كثيرا من القلق.
بالرغم من الإعاقات الداخلية لاستنهاض الحركة إلا أننا نعتقد أن العائق الرئيس أمام استنهاض الحركة مصدره خارجي وإن كان يوظف أدوات داخلية سواء من داخل الحركة نفسها أو خارجها كمساعدة ولو بطريفة غير مباشرة لقوى سياسية منافسة للحركة على الانتشار،ذلك أن إسرائيل تدرك جيدا ان نقيض مشروعها الصهيوني هو المشروع الوطني ومن يحمل هذا المشروع ويمثله هو حركة فتح وليس أية جهة أخرى،حتى منظمة التحرير فلا قيمة أو تأثير لها –مع كامل التقدير لكل القوى السياسية المنضوية فيها- بدون حركة فتح، كما أن قوى اليسار وحدها لا تمثل المشروع الوطني لاعتبارات إيديولوجية ولاعتبارات مادية واقعية لها علاقة بتشرذمها ومحدودية امتدادها الجماهيري ،وجماعات الإسلام السياسي لا تحمل مشروعا وطنيا ولا تعبر عن البعد والانتماء الوطني وهي موجة خارجية هبت على الحالة الفلسطينية حتى وإن كانت موجة قوية تبقى موجة عابرة ستتكسر على صخرة الوطنية الفلسطينية.حركة فتح وحدها هي النقيض الثابت للكيان الصهيوني ومن هنا كانت وما زالت المؤامرة عليها وليس على أية جهة أخرى بالرغم من كل أشكال التضليل الإعلامي والسياسي والنفسي، وحتى العنف الموجهة والمبرمج أحيانا ضد إسرائيل ،كل ذلك لا يخفى أن حركة فتح كفكرة وطنية جامعة وكحضور شعبي واسع هي المستهدفة(بالرغم من هزيمة فتح الانتخابية والحالة المزرية للتنظيم إلا أنها حصلت على 42 % من الأصوات و استطلاعات الرأي الحالية تمنحها حوالي 40% من الأصوات ).
يستند بعض المناوئين لحركة فتح في تبرير معارضتهم للحركة وللقول بأنه لا داع للتباكي عليها، على بعض السلوكيات المشينة لبعض المحسوبين على الحركة أو من خلال واقعها التنظيمي أو من خلال رؤية سياسية تقوم على أن الحركة ليست قدرا على الشعب الفلسطيني وأنها وصلت من العمر عتيا وعليها أن تترك الساحة للقوى السياسية الأخرى وخصوصا الصاعدة الخ.إن كنا لا ننكر الأوضاع المزرية لتنظيم حركة فتح ،وتعاظم دور الانتهازيين والمتسلقين داخل الحركة بقدر زيادة عدد المحبطين والمستبعدين،إلا أن حركة فتح ليست هؤلاء ولا هي بعض القيادات التي تتسابق على عضوية اللجنة المركزية أو المجلس الثوري ممن يشهد لهم الشارع بالفساد أو بالجبن بجدارة ،إن حركة فتح هي الكتلة الشعبية الأكبر التي تؤمن بالمشروع الوطني :مشروع الحرية والاستقلال و السلام العادل،مشروع الدولة والهوية والثقافة الوطنية ،إنها المشروع النقيض لمشروع الاحتلال من جهة ولمشروع من يندرجون ضمن الإسلام السياسي المغامر والغامض من جهة أخرى،وبالتالي حركة فتح هي تعبير عن كل من يؤمن بالمشروع الوطني سواء كان منتميا تنظيميا للحركة أو خارجها.
إن من يتابع الجدل داخل الحركة حول عقد المؤتمر سيلمس انقساما بين ثلاثة تيارات ،أحدها يسعى لجر الحركة نحو التماهي مع المتطلبات الصهيونية والأمريكية للتسوية وبالتالي القضاء على حركة فتح كحركة وكمشروع تحرر وطني،وفريق يسعى لمصالح ذاتية وبالتالي فإن قتاله لعضوية اللجنة المركزية والمجلس الثوري هو سعي لمناصب وامتيازات أو حفاظا عليها ولو تم تقليص رواتب ومخصصات وامتيازات أعضاء اللجنة المركزية والمجلس الثوري لخفت حدة الصراع على هذه المراكز عند هذه الفئة،أما الفئة الثالثة فهم الملتزمون والمؤمنون بمنطلقات الحركة وبالمشروع الوطني والهادفون لإنقاذ الحركة من وضعيتها المأساوية وتحريرها مما عَلُق بها من سلوكيات ومن أشخاص حرفوها عن مسارها.الخطورة تكمن في الفريق الأول الذي يسعى إما أن تكون نتائج المؤتمر بما يتماشى مع توجهاته أو لا ينعقد المؤتمر وفي الحالتين سيكون هو الفائز لأن إعاقة عقد المؤتمر معناه إعاقة المصالحة الوطنية وإعاقة المشروع الوطني وبالتالي تكريس الوضع القائم داخل فتح وتكرس الانقسام في الحالة الفلسطينية، وفي هذه الحالة لن يكون هناك لا مشروع مقاومة ولا مشروع سلام وهذا ما تريده إسرائيل وما يتوافق مع مصالح هذه الفئة.
لقد بات واضحا أن لا نجاح لمصالحة وطنية حقيقية ولا لمشروع وطني ولا لسلام حقيقي إلا باستنهاض حركة فتح وهذا لن يكون إلا بعقد المؤتمر حالا ،أما الخوف من أن يؤدي عقد المؤتمر لانقسام الحركة فهو نوع من الترهيب حتى لا ينعقد المؤتمر،وحتى لو افترضنا حدوث انقسام للحركة فالأمر سيكون صحيا لأن الفاسدين لن يستطيعوا تمثيل الحركة ولن يكونوا إلا أقلية منبوذة،أما المخلصون الذين سيمثلون التيار الوطني الحقيقي فإنهم سيجدون عشرات الآلاف من الذين ابتعدوا عن الحركة يعودون إليها مجددا بالإضافة إلى مئات الآلاف من الأعضاء الجدد المؤمنين بالمشروع الوطني وستكون فتح الحقيقية الوطنية بعد الانقسام أقوى مما هي عليه قبل الانقسام،وإن كنا نتمنى ألا يحدث الانقسام وهو لن يحدث .
نخلص للقول بان استنهاض حركة فتح من خلال عقد مؤتمرها السادس ليس شأنا فتحاويا خالصا بل شأنا وطنيا ،فعقد المؤتمر وتوحيد أبناء فتح تحت قيادة وطنية ملتزمة ينزع الذرائع من حركة حماس التي بررت انقلابها بالفلتان في الحركة وبمن سمتهم بالفريق الانقلابي،حركة فتح موحدة وقوية يشجع أيضا حركة حماس وبقية القوى السياسية على المصالحة الوطنية ويمنحهم ويمنح الشعب طمأنينة بان حركة فتح ما زالت ملتزمة بالمشروع الوطني، واستنهاض حركة فتح والمصالحة الوطنية تنزع الذرائع من تل أبيب وواشنطن اللذان تقولان بعدم وجود شريك فلسطيني للتسوية ويتحججان بأن الحالة الانقسامية الفلسطينية هي ما يعيق عملية السلام . كل ذلك يدفعنا لمناشدة الرئيس أبو مازن المؤتمن على الحركة وعلى الشعب الفلسطيني لان يأخذ دوره و يحسم الأمر في عقد المؤتمر بأقرب وقت ومهما كانت النتائج، ليس من اجل فتح فقط بل من اجل القضية الوطنية حيث لا استنهاض للحالة الوطنية إلا باستنهاض حركة فتح.

عن admin