مقتطفات
الرئيسية / غير مصنف / كتاب صناعة الانقسام (النكبة الفلسطينية الثانية)

كتاب صناعة الانقسام (النكبة الفلسطينية الثانية)

صناعة الانقسام الفلسطيني

(النكبة الفلسطينية الثانية)

 

الأستاذ الدكتور

إبراهيم أبراش

 

2014

مقدمة

غالبا ما يربط المحللون الانقسام في الساحة الفلسطينية بـ (الانقلاب) الذي أقدمت عليه حركة حماس منتصف يونيو 2007 وأدى لسيطرتها على قطاع غزة وما ترتب عليه من قطع التواصل بين الضفة وغزة وتشكيل حكومتين وسلطتين متعاديتين . نعتقد أن للانقسام جذورا أعمق من ذلك ويمكن قراءته من منظور أبعد مما جرى يوم 14 يونيو 2007  أو قبل ذلك  نتيجة فوز حماس في الانتخابات التشريعية في 25 يناير 2006 ،بل وأبعد من كونه خلافا أو صراعا سياسيا بين حركتي فتح وحماس، كما لا يمكن اختزاله فقط بتمظهره الخارجي كحالة صراع على السلطة بين حركتي فتح وحماس.

ما جرى وإن كان تتويجا لسيرورة من الخلافات العميقة و تراكما لاستعصاءات إستراتيجية واجهت النظام السياسي الفلسطيني (المشروع الوطني) المعاصر منذ تأسيسه كمشروع حركة تحرر وطني ، ثم تعمق وازداد إشكالا مع ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي من خارج منظمة التحرير الفلسطينية ومع قيام السلطة الفلسطينية باشتراطات خارجية ، إلا أن إسرائيل وظفت كل ذلك لتنفذ مخططا استراتيجيا كان في حالة كمون ، واستغلت لتنفيذه الخلافات الفلسطينية الداخلية من جانب وظهور المشروع الأمريكي للشرق الأوسط الكبير 2004 من جانب آخر .

المخطط هو فصل غزة عن الضفة من خلال الانسحاب من داخل قطاع غزة دون إنهاء الاحتلال، وذلك بهدف التخلص من الكتلة البشرية الهائلة في قطاع غزة المحدود جغرافيا، والتخلص من الحالة الثورية في القطاع ،وتدمير مشروع الدولة الفلسطينية القائمة على وحدة الضفة وغزة . لذا من التبسيط بل من السذاجة تفسير وتبرير ما أقدمت عليه حركة حماس يوم 14 يونيو 2007 بأنه مجرد إجراء أمني أو حسم عسكري أقدمت عليه حكومة شرعية في مواجهة متمردين عليها . لو كان ما جرى مجرد حسم مع منفلتين أو متمردين لكان من المفترض أن تعود الأمور ما بعد الحسم إلى ما كانت عليه قبله وهو ما لم يحدث، لذا فإن ما جرى كان حسما ولكن مع المشروع الوطني والسلطة الوطنية وليس مع خارجين على القانون أو متمردين على الحكومة، لصالح مشروع مغاير وهو مشروع الإسلام السياسي الصاعد آنذاك.

إن رؤية شمولية لمجريات الأحداث بعد ذاك التاريخ إلى اليوم تؤكد بأن ما جرى كان مخططا استراتيجيا شاركت فيه عدة أطراف يهدف لتدمير المشروع الوطني الفلسطيني وتدمير ممكنات قيام دولة فلسطينية في غزة والضفة. مخطط تقاطعت وأحيانا تلاقت فيه مصالح عدة أطراف: إسرائيل الراغبة بالتخلص من قطاع غزة لكثافته السكانية وكونه يشكل عبر التاريخ حالة وطنية مقاوِمَة تستنهض معها الحس الوطني عند كل الفلسطينيين ، وواشنطن المتوجهة نحو بناء شرق أوسط جديد يقوم على سياسة (الفوضى الخلاقة) وتمكين (الإسلام السياسي المعتدل) من الوصول إلى السلطة لمواجهة (الإسلام المتطرف) بعد تعثر حملتها الدولية لمحاربة الإرهاب – بعد تفجيرات سبتمبر 2001 – بالعمل العسكري، وجماعة الإخوان المسلمين المتوافقين مع واشنطن في أن يشاركوا في الحياة السياسية رسميا والتمكين من السلطة، وحركة حماس الراغبة في السلطة باعتبارها فرعا لجماعة الإخوان المسلمين وجزءا من مخطط الشرق الأوسط الجديد، والسلطة الفلسطينية وحركة فتح بعجزهما عن مقاومة هذا المخطط بل ومشاركة بعض القيادات في المخطط ، ودولة قطر التي لعبت دور العراب لهذا المخطط.

نعم، ما جرى بمثابة نكبة ثانية للشعب الفلسطيني ،وإن لم تكن نكبة فقدان الأرض فإنها نكبة انقسام سياسي واجتماعي وثقافي دمر الحلم والأمل وأجهض ممكنات توحيد الجغرافيا والشعب ليواجه الاحتلال موحدا. كما أن هزيمة حرب 1948 (النكبة) لم تكن وليدة لحظتها بل تتويجا لمخطط بدأ من المؤتمر الصهيوني الأول في بال 1897مرورا باتفاقية سايكس – بيكو 1916 ووعد بلفور 1917 والانتداب البريطاني 1920 والانقسام الفلسطيني الداخلي قبل النكبة، ثم نكبة 1948 التي لم تقتصر على تداعياتها العسكرية بل امتددت لتداعيات اجتماعية وسياسية ونفسية، فإن الانقسام (النكبة الثانية) لم يكن نتيجة خلاف فتح وحماس أو هزيمة مسلحي فتح والسلطة أمام مسلحي حركة حماس ، بل كانت له مقدمات وله تداعيات تتجاوز سيطرة حماس على قطاع غزة ، كما أنه يتجاوز خلاف فتح وحماس وغير منقطع الصلة بمعادلة إقليمية ودولية .  

ها قد مرت سبع سنوات عجاف من الانقسام الذي شل بل ودمر المشروع الوطني، وأرجع الوضع الفلسطيني سياسيا واجتماعيا واقتصاديا عقودا للوراء. انقسام كان سببا في الحصار على قطاع غزة وفي إضعاف السلطة الوطنية، وكان سببا في مزيد من ضعف المفاوض الفلسطيني وتغول إسرائيل في الضفة والقدس ، وكان سببا في وصول المقاومة لطريق مسدود حيث آل الأمر إلى هدنة مذلة بين إسرائيل وفصائل المقاومة في قطاع غزة ، وخلال هذه السنوات فشلت كل الوساطات العربية والإسلامية كما فشلت مئات جلسات حوارات المصالحة الوطنية في إنهاء الانقسام .

بالعقل والمنطق لا يمكن إرجاع الانقسام وتفسير فشل كل محاولات المصالحة الفلسطينية إلى تشبث كل من فتح وحماس بمواقفهما، صحيح أن نخبا في الجانبين مستفيدة من الانقسام ومعنية باستمراره ، ولكنها ليست وحدها السبب في استمرار الانقسام بما يُعيق توحيد غزة والضفة في سلطة وحكومة واحدة، فما جرى كان جزءا من معادلة إقليمية كبيرة وإنهائه يحتاج لمعادلة جديدة.

لأن قيادات عليا في حركتي فتح وحماس تعلم بهذا المخطط ولكنها إما متواطئة أو عاجزة عن وقفه فإن الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية يتعرضون لعملية تضليل من النخبة

صيرورة الأحداث في مصر بعد عزل مرسي في يوليو 20013 ونهاية حلم الإخوان المسلمين في السلطة والحكم كانت بمثابة الانقلاب على ما كان يُحاك للمنطقة وفيما يخص مستقبل قطاع غزة والقضية الفلسطينية بشكل عام ،إلا أنه لا يبدو أن الانقسام سينتهي قريبا. وإن كنا نرحب بلقاء مخيم الشاطئ يوم 23 أبريل 2014 الذي حرك ملف المصالحة من خلال الاتفاق على تشكيل حكومة توافقية وتحديد موعد للانتخابات بعد ستة أشهر من تشكيل الحكومة إلا أن الاتفاق على تشكيل الحكومة مجرد جزئية صغيرة ، كما أن الإعلان عن الحكومة يوم 2يونيو بعد مخاض عسير قد يساعد على تخفيف المعاناة على قطاع غزة وتقوية شرعية الرئيس أبو مازن في أية مفاوضات قادمة ، ولكن توحيد قطاع غزة والضفة في إطار حكومة وسلطة واحدة يحتاج لمزيد من الجهود وتخطي عديد العقبات والشروط وخصوصا شروط الرباعية وإسرائيل،بمعنى أن أية مصالحة فلسطينية تنهي الانقسام وتُعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14 يونيو 2007 ستكون في إطار تسوية سياسية شاملة أو مواجهة شاملة مع الاحتلال ، وما عدا ذلك سيبقى ضمن واقع الفصل بين غزة والضفة أو إدارة للانقسام .

في كتابنا هذا سنقسم الموضوع لخمسة فصول نتناول في الأول موضوع الانقسام أو الشيء الذي انقسم،وفي الفصلين الثاني والثالث نقارب موضوع الانقسام بالاعتماد على المنهج  الكرونولوجي chronology في رصد مسلسل صناعة الانقسام كما عشنا الحدث ومن خلال كتاباتنا المباشرة ، وفي الفصل الرابع نبحث في التوظيف السياسي لحصار غزة وفي الفصل الخامس نبحث في عبثية حوارات المصالحة ونقترح رؤية إستراتيجية لإعادة بناء المشروع الوطني من خلال المصالحة الوطنية الشاملة .وسيلاحظ القارئ أننا أدمجنا في الكتاب مقالات سابقة لنا دون تغيير ، وذلك لنوثق للتاريخ ونبرئ أنفسنا من المسؤولية عما جرى حيث كتبنا في حينه وحذرنا مما كان يجري، بما في ذلك كتاب استقالتنا من منصب وزير الثقافة الذي توليناه لأشهر بعد الانقسام كانت هي الأسوأ والأخطر ما بعد نكبة 1948.

لقد سبق وأن تابعنا فصول مسلسل الانقسام المأساوي حدثا حدثا ويوما بعد يوم من خلال كتاباتنا ولقاءاتنا عبر الفضائيات وتحدثنا مباشرة مع ذوي الشأن محذرين من خطورة ما يجري ، وتعرضنا لمضايقات من كلا الطرفين لا لشيء إلا لأننا كنا وما نزال نصر على كشف الحقائق وتنوير الجمهور بها ، وإن كنا وغالبية الشعب المتضرر من الانقسام  لم نستطع وقف الانقسام وتداعياته فعلى الأقل نستطيع كشف اللثام أمام الشعب الفلسطيني العظيم حتى يعرف المؤامرة التي حِيكت ضده ، كي يبحث عن مخارج لأزمة الانقسام ولمجمل الحالة الوطنية وخصوصا في ظل توقف المفاوضات واتخاذ إسرائيل خطوات من جانب واحد سيكون لها تداعيات خطيرة على السعي الفلسطيني نحو الاستقلال والدولة المستقلة ولو في حدود ما تمنحه لنا الشرعية الدولية من حقوق سياسية على حدود 1967.

الأستاذ الدكتور / إبراهيم أبراش

مايو  2014

الفصل الأول

مقاربة مفاهيمية للمشروع الوطني الفلسطيني ولمفهوم الانقسام

في الحالة الفلسطينية تأخذ المفاهيم والمصطلحات معاني ودلالات غير تلك التي تأخذها في الدول والمجتمعات المستقلة والمستقرة ، فلا المجتمع هو المجتمع ولا الدولة هي الدولة ولا السلطة هي السلطة ولا النظام السياسي الفلسطيني هو المتعارف عليه في علم السياسة ، كما أن التعددية السياسية في الحالة الفلسطينية ليست تلك المعروفة في الأنظمة الديمقراطية والتي تعتبر مظهرا ومتطلبا ديمقراطيا ، ففي الحالة الفلسطينية تتداخل المفاهيم والمسميات بحيث يحتار المرء ما إن كانت مترادفات أم مختلفات : الثورة الفلسطينية ، النظام السياسي الفلسطيني ، منظمة التحرير الفلسطينية،السلطة الفلسطينية، حركة المقاومة، الأحزاب السياسية ،الفصائل الفلسطينية ،التعددية السياسية ،الانقسام ، الخ .

عندما نقول الانقسام فالسؤال: ما هو الشيء الذي انقسم ما دام المجتمع الفلسطيني منقسماّ جغرافيا منذ 1948 حيث يتوزع الشعب، نصفه بين ثلاثة تجمعات داخل الوطن ونصفه الآخر في دول الشتات ، وإن تحدثنا عن انقسام وتعددية سياسية فهما موجودين قبل النكبة الأولى من خلال تعددية حزبية متداخلة مع صراعات عائلية ، كما أن الجغرافيا والأيديولوجيا فرضتا الانقسام السياسي قبل أن تفرضه استحقاقات الصراع على السلطة .  

أولا : النكبة أسست للانقسام الجغرافي الذي سهل كل الانقسامات اللاحقة

 أوجدت النكبة وضعاً اجتماعياً سياسيا جديداً , فحولت المجتمع الفلسطيني إلى مجتمعات متناثرة (تجمعات ) يخضع كل منها لظروف سياسية واجتماعية وقانونية مغايرة للآخر. فقبل النكبة وبالرغم من ظروف الاحتلال كان المجتمع الفلسطيني أسوة ببقية المجتمعات العربية يعرف درجة من الانسجام والاستقرار المجتمعي والانقسامات التي كانت فيه انقسامات اجتماعية طبيعية لم تمنع من القول بوحدة المجتمع والثقافة.أما بعد النكبة فقد تناثر وتوزع الشعب في المنافي ومن بقى في حدود فلسطين التاريخية خضع قسراّ إما لسلطة دولة الاحتلال أو لنظم سياسية أثرت بشكل أو آخر على خصوصيته الاجتماعية والثقافية , نعم حافظ المجتمع على هويته الوطنية وقاتل من أجل ذلك إلا أنه كان للغربة وفقدان السيادة ثمنها السياسي، فالشتات أضعف من قدرة المجتمع على مواجهة التدخلات العربية والإسلامية تحت عناوين مختلفة كالبعد القومي للقضية الفلسطينية أو البعد الإسلامي .

         وهكذا أدت النكبة بالإضافة إلى قيام دولة إسرائيل إلى وجود تجمعات فلسطينية متعددة يقوم كل منها حسب ظروفه الخاصة بما يستطيع للحفاظ على قيم وعادات وهوية المجتمع الفلسطيني الأصيل وهذه التجمعات :

  1.  المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر:

          الفلسطينيون الذين بقوا متمسكين بأرضهم ولم تتمكن القوات الصهيونية من إخراجهم من مدنهم وقراهم في الوطن السليب, وهؤلاء هم الذين يُطلق عليهم ( عرب إسرائيل ) أو فلسطينيو 48 وتعتبرهم إسرائيل أقلية عربية. كان مجموع الفلسطينيين قبل عام 1948 حوالي 1.200.000 نسمة يعيشون في حدود فلسطين الانتدابية، تم تهجير حوالي 850000 وبقي 350000 في المناطق التي أعلن عليها قيام الدولة العبرية،هؤلاء شكلوا ما يقرب من 18% من السكان آنذاك، ويقدر عددهم اليوم بما يزيد عن مليون فلسطيني ويتمركزون في المنطقة الشمالية ( الجليل ) ويشكلون 50% من سكان المنطقة، 18% يعيشون في حيفا ويشكلون 22% من السكان (مدن مختلطة), و12% يعيشون في منطقة الجنوب (النقب ويشكلون 13% من السكان).

         منذ العام  1948 وحتى عام 1966 فرضت إسرائيل على الفلسطينيين نظام الحكم العسكري وعملت على عزل الأقلية العربية عن أي نشاط اقتصادي , اجتماعي , سياسي… الخ. تعتبر وثيقة ( كنج) مثالا واضحاً على التمييز العنصري الذي فرض على الفلسطينيين[1], ويطرح فيها اقتراحات لقمع الجماهير العربية وترويضها عبر سياسة عنصرية ومن أهم بنود هذه الوثيقة , الدعوة لمصادرة الأراضي العربية وإغلاق أبواب المعاهد العليا والجامعات الإسرائيلية أمام الطلاب العرب , وذلك بهدف تحويلهم إلى حطابين وسقاة ماء حسب أقواله, واعتبر العرب في إسرائيل قنبلة ديمغرافية  تشكل خطراً أمنياً على الدولة.

لأن إسرائيل تركز على الأرض تطبيقاً لسياستها أرض أكثر وسكان عرب أقل , فقد مارست تمييزا عنصرياً بهذا الخصوص , مثلاً بالرغم من أن الفلسطينيين يشكلون حوالي 20% من مواطني الدولة , إلا أنهم يملكون 3% ملكية خاصة من الأرض , كما أن مناطق نفوذ السلطات العربية حوالي 2.5 من مساحة الدولة , حوالي نصف الأراضي التي كانت ملكية للعرب الذين بقوا في حدود الدولة عام 1948 صودرت منذ ذلك الحين بقرارات من الدولة , ومنذ قيام إسرائيل لم يسمح للعرب بإقامة تجمعات سكانية جديدة فيما كان اليهود يمارسون حريتهم بالسكن والتنقل والاستيطان في أية منطقة , بالإضافة إلى أنه لا تزال عشرات التجمعات السكانية العربية القائمة قبل قيام الدولة غير معترف بها , والدولة تسعى لإخلائها من سكانها , وهناك حوالي 300 ألف مواطن عربي لاجئون في وطنهم , ويحظر عليهم العودة إلى بيوتهم التي يسكنون على بعد مئات الأمتار منها.

         وحيث إن المجتمع ليس مجرد تجمع لأفراد بل هو بنية أو نسق , وبالتالي فإن الاستقرار والتواصل شرط بقاء بنية مجتمعية متماسكة تبلور هوية وطنية , وتنتج وتحافظ على الثقافة الوطنية , وهذا لا يتأتى إلا باستمرار الترابط ما بين الجماعة والأرض , فإن نزع الأراضي المتبقية في ملكية عرب 1948 يقوض أساس كيانيتهم وهويتهم القومية المستقلة , ويجعل مواطنتهم منقوصة حكما , عندها ينصرف حقهم إلى حق الإقامة دون حق ملكية الأرض , أي تحويلهم إلى مواطني درجة ثانية ” وحتى هذا الحق محفوف بخطر الإسقاط” وهو ما نلاحظه اليوم بالنسبة لفلسطينيي القدس الشرقية وبئر السبع حيث يتم هدم بيوتهم وتهجيرهم منها وكذلك مطالبة إسرائيل الاعتراف بها كدولة يهودية .

         كان من نتيجة عدم المساواة ما بين اليهود والعرب في كافة المجالات , بالإضافة إلى سياسة القهر والإذلال والإقصاء إضافة إلى عيش الفلسطينيين وسط أغلبية مختلفة عنهم اجتماعياً وثقافياً , أن أدى كل ذلك لفرض تحديات غير مسبوقة على المجتمع الفلسطيني في الداخل , وكان وقع هذه المستجدات على سكان المدن أكثر تأثيراً مما هو على القرى , فهذه الأخيرة حافظت نسبياً على القيم التقليدية للمجتمع الفلسطيني سواء من حيث العلاقات الاجتماعية من إحياء المناسبات الدينية والعادات والتقاليد والزواج و أو الارتباط بما تبقى من أرض.

وبالرغم من اضطرار الفلسطينيين لحمل الجنسية الإسرائيلية والعمل في مؤسسات الدولة الصهيونية بل انخراط بعضهم في الجيش الإسرائيلي , إلا أنهم بقوا بشكل عام أمناء على هويتهم الوطنية الفلسطينية ومحافظين على انتمائهم للمجتمع الفلسطيني , بل كانوا ومازالوا يشكلون مجتمعاً فلسطينياً داخل الدولة العبرية. بالرغم من القهر الممارس على فلسطينيي الخط الأخضر فحالهم أفضل من حال الفلسطينيين في بعض الدول العربية ،مثلا ما تعرض ويتعرض له الفلسطينيون في لبنان والعراق وسوريا ، أيضا فإن أهم شاعر فلسطيني عبر عن الوطنية الفلسطينية كان من الخط الأخضر وهو محمود درويش ويليه سميح القاسم ، كما خرج من بين أهلنا في الداخل أهم الأطباء والأدباء والصحفيين .

  • المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية والأردن:

        بعد نكبة 1948 ضمت المملكة الأردنية الهاشمية الضفة الغربية من نهر الأردن مستغلة تواجد الجيش الأردني فيها بعد توقيع اتفاقيات الهدنة مع إسرائيل, وأصبحت الضفة الغربية جزءاً من الدولة الأردنية خاضعة لسيادتها. كان وما زال لفلسطينيي الأردن وضعاً مغايراً عن فلسطينيي إسرائيل وعن بقية التجمعات الفلسطينية الأخرى , فبالرغم من حملهم للجنسية الأردنية – باستثناء أبناء قطاع غزة – واندماجهم ضمن الدولة الأردنية والمجتمع الأردني، إلا أن كونهم يمثلون الغالبية بالنسبة لعدد سكان الأردن وكونهم حملوا معهم إلى الأردن قيم وعادات ومستوى حضارياً أكثر تقدماً مما كان سائداً في شرق الأردن , بالإضافة إلى أن المجتمع الأردني مجتمع تربطه كثير من الأواصر المشتركة بالمجتمع الفلسطيني , كل هذا ساعد على محافظة غالبية  الفلسطينيين في الأردن على خصوصيتهم الاجتماعية مع استشكالات سياسية حول الهوية تبرز ما بين الفترة والأخرى. عندما احتلت إسرائيل الضفة عام 1967 انسلخت الضفة عن الأردن عمليا وفي عام 1988 تم فك الارتباط إداريا ولكن بقيت العلاقة قائمة دستوريا.

        المجتمع الفلسطيني في قطاع غزة:

        تميز قطاع غزة عن بقية أماكن التجمع الفلسطيني بأنه حمل الهوية الفلسطينية دون تعرض لتهديد من هوية أو سيادة دولة أخرى , فبعد حرب 48 تم وضع القطاع تحت إشراف حاكم عسكري مصري دون أن يُلحق القطاع إدارياً أو سيادياً بمصر , هذا الوضع مكن الفلسطينيين في القطاع من التحرك السياسي بحرية اكبر , كما أن المجتمع الفلسطيني في القطاع حافظ على خصوصيته وعاداته وتقاليده دون أي تشويه أو تهديد – سنتوسع لاحقا في خصوصية قطاع غزة -.

  •  المجتمع الفلسطيني في الشتات:

        بالرغم من عدم دقة إطلاق مصطلح مجتمع الشتات أو المغتربين على الفلسطينيين الذين يعيشون خارج وطنهم إلا أنه في الحالة الفلسطينية الوضع مختلف , حيث إن الهجرة الفلسطينية كانت جماعية وقسرية  كما أن الفلسطينيين في المهجر شكلوا تجمعات (مخيمات ) مارسوا فيها  نمط وطريقة حياتهم الفلسطينية الأصيلة, كما أنه في بعض البلدان العربية يعيش الفلسطينيون بمئات الآلاف , كما هو الحال في الأردن ولبنان وسوريا , ونصف الشعب الفلسطيني تقريباً يعيش في بلاد الغربة.

  •  المجتمع الفلسطيني في المخيمات:

        لم يعرف الشعب الفلسطيني قبل 48 ظاهرة المخيمات , كما لم تعرفها مجتمعات أخرى إلا البعض منها ولفترات محدودة , أما في الحالة الفلسطينية بعد النكبة فقد عاش ملايين الفلسطينيين في المخيمات منذ عام 1948 وحتى اليوم. وتتوزع هذه المخيمات ما بين الأردن والضفة وغزة وسوريا ولبنان.

ويعتبر المخيم حالة خاصة من المجتمع الفلسطيني  فالمخيم ليس قرية ولا مدينة وبالتالي سكانه ليسوا فلاحين ولا حضريين ولا بدوا , بل هم خليط من كل هؤلاء , حيث يعيش في المخيم ابن القرية وابن المدينة  مما يجعل المخيم فسيفساء تعكس كل أشكال الطيف الاجتماعي , من تعدد في اللهجات وفي اللباس وفي الأصول الاجتماعية.

أدت حرب عام 1967 إلى احتلال الضفة الغربية وبالتالي فصلها عن الأردن ، واحتلال قطاع غزة وبالتالي فك ارتباطه الإداري والعسكري  مع مصر . مع الاحتلال تم توحيد سكان الضفة الغربية وقطاع غزة ، بل وحدث تواصل مهم بينهم وبين فلسطينيي الخط الأخضر وكان من السهل على فلسطينيي القطاع مثلا السكن والعمل في الضفة والعكس صحيح ، وعندما تأسست السلطة الفلسطينية عام 1994 جرت محاولة لتحويل الترابط والتواصل الجغرافي بين الضفة وغزة إلى مشروع سياسي في إطار سلطة الحكم الذاتي في مراهنة على تحويله لاحقا لدولة ، وهذا ما لم يحدث حتى الآن بل قامت إسرائيل بعد اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000 إلى الحد من التواصل بين سكان الضفة وغزة ووصل الأمر إلى إبعاد الكثيرين من أهل غزة من الضفة ،ولاحقا انسحبت إسرائيل من القطاع عام 2005 الأمر الذي ساعد على سيطرة  حماس عليه في يونيو 2007 وقيام حكومتين وسلطتين فلسطينيين متعاديتين.

ثانيا: من الشتات والانقسام الجغرافي إلى الانقسام السياسي

إذن فالانقسام الجغرافي موجود منذ النكبة وبالتالي فالمشكلة في الانقسام الذي جرى يوم 14 يونيو 2007 ليس  في أنه فصل سكان غزة عن سكان الضفة فلعقود والمنطقتان منفصلتان جغرافيا ، بل إن الفصل والشتات بشكل عام لم يحل دون انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة وقيام منظمة التحرير كإطار جامع للكل الفلسطيني . الانقسام الذي نتحدث عنه هو الانقسام السياسي أو الانقسام في المشروع الوطني الفلسطيني ،وحتى ضمن هذا السياق يمكن للمرء أن يتساءل هل هو انقسام السلطة الوطنية إلى سلطتين ؟ أو انقسام الحكومة إلى حكومتين ، حكومة في الضفة والحكومة المقالة في غزة ؟ أم انقسام ساكنة مشروع الدولة الوليدة بقطع التواصل بين فلسطينيي الضفة وفلسطينيي قطاع غزة ؟ أو الانقسام إلى مشروع وطني ومشروع إسلام سياسي وهذا أمر سابق لسيطرة حماس على قطاع غزة ؟ أو انقسام المشروع الوطني الفلسطيني كمشروع تحرري لشعب خاضع للاحتلال ؟ ، أو انقسام بين تيار المقاومة والجهاد وتيار التسوية السياسية ؟ .

 موضوع الانقسام محل بحثنا هو المشروع الوطني الفلسطيني ، وكل الانقسامات في الموضوعات الأخرى المُشار إليها هي تداعيات ونتائج ، وبعضها قد يكون سببا” في انقسام المشروع الوطني باعتباره مشروع الكل الفلسطيني . وفي هذا السياق يجب التنويه بأن المشروع الوطني ليس مشروع حزب بعينه ولذا يجب إسقاط الوهم أو التصور الذي يهيمن على تفكير البعض ويؤثر على سلوكهم السياسي بأن المشروع الوطني حكر على تنظيم حركة فتح أو أنه منظمة التحرير بواقعها الراهن أو مشروع أوسلو والاتفاقات الموقعة مع الإسرائيليين وما أفرزت من ترتيبات وتنسيق أمني أو هو الحكومة ، أيضا المشروع الوطني ليس مشروع حركة حماس أو أيا” من التنظيمات التي تقول بالمقاومة.

 المشروع الوطني هو مشروع معركة الاستقلال الوطني وهو نقيض الاحتلال ونقيض المشروع الصهيوني وبالتالي تعبير عن الكل الوطني.المشروع الوطني  ليس ملكا لحزب بل ملكا لمن يستطيع تحمل استحقاقاته النضالية وحمايته من أي تدخلات خارجية تحرفه عن وجهته الوطنية، والمشروع الوطني رديف استقلالية القرار الوطني، فمن لا يملك قرارا مستقلا لا يمكنه أن يؤسس أو يقود مشروعا وطنيا.

لا يمكن لشعب تحت الاحتلال أن يواجه الاحتلال ومناوراته واعتداءاته إلا في إطار مشروع وطني تحرري يتوسل كل السبل لتحقيق أهدافه ،المقاومة الشعبية كحالة دائمة والمقاومة المسلحة حيث تكون ممكنة وبالشكل المناسب لظروف المرحلة وفي إطار إستراتيجية وطنية ، والمفاوضات والتسوية السلمية ، ولا تعارض بين النهجين ويمكن الجمع بينهما في إطار إستراتيجية التحرر الوطني .إن من يروم قيادة المشروع الوطني عليه توسل كل الطرق السلمية والعسكرية ولكن في إطار إستراتيجية عمل وطني ولا تناقض ما بين نهج السلام ونهج المقاومة بمفهومها الوطني الشمولي [2].

 لم يكن الخلل في دعاة التسوية أنهم ينشدون السلام والتسوية السلمية ، كما لم يكن الخلل بدعاة المقاومة المسلحة  في أنهم يتمسكون بالحق بالمقاومة ، ولكن الخلل في الانقسام الاستراتيجي بين دعاة السلام ودعاة التسوية وهو انقسام يؤسَس في رأينا على جهل بالسلام وجهل بالمقاومة ، ذلك أن كل حركة تحرر وطني هي مشروع سلام لأنها تهدف لغايات قانونية ونبيلة منصوص عليها في المواثيق الدولية ، فهذه تعطي الشعوب الحق بتقرير مصيرها والحق بالمقاومة لاستعادة حقوقها،وكل مشروع سلام يتضمن الحق بالمقاومة لأن امتلاك الحق بالمقاومة ومقومات الصمود يعزز موقف المفاوض حتى وإن لم يلجأ لممارسة المقاومة فعليا وقت الجلوس على طاولة المفاوضات.

لأن المشروع الوطني مشروع سلام ومشروع مقاومة فإن كل الأعداء الراغبين  بضرب وتدمير المشروع الوطني يشتغلون على جبهتين: استهداف مشروع السلام الفلسطيني القائم على التسوية السلمية العادلة، و استهداف مشروع المقاومة بمفهومها الاستراتيجي الوطني. ومن هنا يمكن اعتبار كل نهج أو تفكير متعارض ورافض للوحدة الوطنية ولوجود إستراتيجية عمل وطني واحدة يعتبر انقساما وخروجا على المشروع الوطني، كما أن كل نهج أو تصرف يؤثر سلبا على المقاومة بمفهومها الوطني الشمولي أو يصادر الحق بالمقاومة يعتبر انقساما وخروجا عن المشروع الوطني.

ومن حيث المبدأ فحتى نكون أمام مشروع وطني يجب  أن توافق الأغلبية على المرتكزات والأسس التالية : الهدف الإستراتيجي للشعب الفلسطيني والأهداف المرحلية والتكتيكية ،  ثم الوسيلة أو الوسائل لتحقيق الهدف الاستراتيجي والأهداف المرحلية ،  وأخيرا” الإطار المؤسساتي والقيادي الجامع سواء كان منظمة التحرير المعدلة أو أي مسمى آخر يمكن التوافق عليه. وعلى هذا الأساس لا يمكننا القول بوجود مشروع وطني ضمن الواقع الفلسطيني الراهن .

 لو كان عندنا مشروع وطني حقيقي ولو كانت عندنا ثوابت محل توافق وطني ما كان الانقسام وما كان فشل المصالحة وفشل مئات جولات الحوار، لو كان لدينا مشروع وطني ما وُضِعت وثائق متعددة ومواثيق شرف كإعلان القاهرة 2005 ووثيقة الوفاق الوطني 2006 واتفاق القاهرة 2008 ، وورقة المصالحة التي تم التوقيع عليها في أبريل 2011 ثم اتفاق الدوحة ، ولم تنفذ حتى اليوم وأجهضت كلها. لو كان لدينا مشروع وطني وثوابت وطنية ما كانت كل المؤسسات القائمة فاقدة للشرعية الدستورية (حسب مقتضيات القانون الأساسي) وفاقدة شرعية التوافق الوطني، لو كان لدينا مشروع وطني ما كان هذا التراشق والاتهامات المتبادلة بالخيانة والتكفير ما بين من يفترض أنهم قادة المشروع الوطني، لو كان لدينا مشروع وطني ما كان الإلحاح على إجراء انتخابات لتحسم الخلافات حول الثوابت الوطنية.

ندرك جيدا صعوبة تحديد المشروع الوطني في الحالة الفلسطينية الراهنة والصعوبة الأكبر في وضعه موضع التنفيذ ،نظرا لتداخل الماضي مع الحاضر،الدين مع السياسة مع الاقتصاد ،الوطني مع القومي مع الإسلامي،الشرعية الدولية مع الشرعية التاريخية والشرعية الدينية،ونظرا لطبيعة الاحتلال الصهيوني الاستيطاني الإجلائي الخ، ونظرا لأن بعض مكونات النخب السياسية الفلسطينية وخاصة نخب السلطتين ، بدأت  كما يبدو تفقد إيمانها بعدالة القضية وبدأت حسابات السلطة والمصلحة الآنية تطغى عندها على حسابات المصلحة الوطنية،ومن هنا فإن أي توجه لإعادة البناء النظري للمشروع الوطني ووضع آليات لتنفيذه يجب أن يبدأ كخطوة أولى  خارج حسابات السلطتين والحكومتين وخارج ارتباطات الحزبين الكبيرين وخصوصا الاتفاقات الموقعة مع إسرائيل وشروط الرباعية والارتهان للأجندة الخارجية ومنها أجندة الإسلام السياسي،  ومن خلال التعامل مع الشعب الفلسطيني ليس كساكنة الضفة والقطاع بل كشعب قوامه أكثر من اثني عشر مليون فلسطيني.

من المعروف أن المشروع الوطني كفكرة، مر بعدة مراحل وأخذ عدة صياغات ، فمن المشروع القومي الذي صاغته بنود الميثاق الأول عام 1964 إلى المشروع الوطني لعام 1968 والذي يقول بتحرير كل فلسطين بالكفاح المسلح  ورفض قرارات الشرعية الدولية، إلى مشروع الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل التراب الفلسطيني وهي الدولة التي تقبل بوجود اليهود المقيمين بفلسطين واعتبارهم مواطنين في الدولة الفلسطينية وهو المشروع الذي تم اعتماده في دورة المجلس الوطني الفلسطيني عام 1971 ، إلى البرنامج المرحلي لعام 1974،إلى مشروع الدولة المستقلة كما صاغه بيان إعلان الاستقلال عام 1988 .

كان اتفاق أوسلو 1993 وملحقاته  محاولة لنقل المشروع الوطني من الجانب التنظيري إلى الواقع العملي ، وكانت اتفاقية أوسلو وتأسيس السلطة الوطنية على الأراضي الفلسطينية مراهنة على إمكانية أن تكون السلطة بداية وأساس للدولة الفلسطينية ، وكان من المتوقع أن تنتهي مرحلة الحكم الذاتي في مايو 1999 بعدها يتم التفاوض حول قضايا الوضع النهائي التي ستوصل الفلسطينيين للدولة ، إلا أن هذا التاريخ مر دون التزام إسرائيل حتى باستحقاقات المرحلة الأولى من الاتفاق ، بل قامت بعد هذا التاريخ باجتياح الضفة الغربية ومحاصرة رئيس الشعب الفلسطيني ورئيس السلطة ياسر عرفات لتدخل القضية الفلسطينية ومعها المشروع الوطني في متاهات ويتم إخضاعه لاشتراطات عربية ودولية وحتى إسرائيلية ، كالمبادرة العربية للسلام 2002 ثم خطة خارطة الطريق 2003 ، فتفاهمات انابوليس 2007 ، وأخيرا مبادرة اتفاق الإطار التي طرحها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري في 2013.

هذا التعدد في المشاريع والاستراتيجيات والتي تسمى وطنية أو مشاريع سلام والانتقال من مشروع لمشروع يشكك بمصداقية حقوقنا الوطنية وبجدية النخبة السياسية، كما أن وجود عشرة أو عشرين برنامج سياسي حزبي – لكل حزب وحركة (مشروع وطني)- لا يعني وجود مشروع وطني فلسطيني ، فتعددية المشاريع الوطنية مظهر ضعف وليس مظهر قوة. مقابل المشروع الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية بصياغاته المتعاقبة وتخومه المرنة ، ومع استمرار مأزق المشروع الوطني ومأزق المنظمة ثم السلطة كانت حركة حماس تفرض حضورها على أرض الواقع منذ نهاية 1987 من خلال الإعلان عن نفسها كحركة مقاومة إسلامية تشكل امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين ، وفي نفس العام والشهر تقريبا ظهرت حركة الجهاد الإسلامي كمشروع جهاد إسلامي فلسطيني النشأة. 

قبل الحديث عن الانقسام الداخلي لا بد من الإشارة إلى أن أخطر ما يواجه (المشروع الوطني) بصيغته الراهنة وطني – دولة فلسطينية مستقلة كاملة السيادة في الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشرقية مع عودة اللاجئين  –  بالرغم من أنه ليس محل توافق هو الخلل التكويني المرتبط بالجغرافيا السياسية ، فهذا المشروع وبحكم الجغرافيا منقسم بين الضفة وغزة و مفتاح التواصل والربط بينهما بيد إسرائيل التي تؤكد أن الضفة الغربية أراضي إسرائيلية أو أراضي متنازع عليها ، وبالتالي تواصل عمليات الاستيطان والتهويد فيها ، وعليه ستكون إسرائيل متحكمة بمفاتيح قيام هذه الدولة  مما يجعل أيضا الحديث عن دولة فلسطينية مستقلة متواصلة ذات سيادة محل شك.

هذا الخلل هو الذي سهل حدوث  (انقلاب) حماس والانقسام السياسي والثقافي والقانوني الناتج عنه . الجغرافيا وإسرائيل كانا خير داعم ومعزز للانقسام.ومن هنا فإن مشروع التسوية المنبثق عن تسوية مدريد وأوسلو لا يعني التخلي عن المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني لا يسقط ما دام الاحتلال موجودا، بل البحث عن صياغة جديدة له تحرره من الارتهان لإسرائيل[3].

انطلاقا من هذا التصور للمشروع الوطني يمكن الحديث عن الانقسام ونتائجه.

 ثالثا: في مفهوم الانقسام وجذوره التاريخية (ديناميكيات الانقسام)

الانقسام ، مصطلح جديد أضيف لقاموس المصطلحات السياسية للقضية الفلسطينية،وهو قاموس مكتظ بكل ما يعكس واقع الخلافات والصراعات والأزمات الفلسطينية وحالة عدم الاستقرار التي حكمت القضية منذ النكبة حتى الآن: نكبة 1948، انتكاسة 1967 ، أحداث  أيلول بالأردن 1970، ،حرب لبنان 1982 والخروج من بيروت، مجازر صبرا وشاتيلا 1983، الانشقاق في فتح و معارك مخيمي البداوي ونهر البارد، الفصائل العشر في دمشق، جماعة أبو نضال ، جبهة الصمود والتصدي، اتفاقية أوسلو وما أحدثته من انقسامات ، فساد وفوضى السلطة ، قوى وطنية وقوى إسلامية، برنامج مقاومة وبرنامج مساومة، الانفلات الأمني و فوضى السلاح ، الميليشيات المسلحة،عسكرة المجتمع ، سلطة العشائر والعائلات،الاقتتال الداخلي،سيطرة  حركة حماس على قطاع غزة، فصل غزة عن الضفة، حكومة في غزة وحكومة في الضفة، الرئيس والمجلس التشريعي المنتهية ولايتهما، فشل حوارات المصالحة الوطنية، اعتقال المجاهدين وإطلاق النار على أقدام المعارضين السياسيين، معتقلات فلسطينية في غزة و مثيلاتها في الضفة، تصفية حركة حماس في الضفة وتصفية حركة فتح في غزة، حصار قطاع غزة، إشكالية الأنفاق والمعابر ، صواريخ عبثية ومفاوضات عبثية، جبهة الممانعة،جبهة الاعتدال،الأجندة الخارجية،حكومة بدون برنامج سياسي، هدنة مذلة مع الاحتلال ، مسرحية لقاءات المصالحة ،الخ.

لا شك يمكننا أن نستخرج من قاموسنا السياسي  مفردات تعبر عن الجانب الإيجابي من المشهد السياسي :المقاومة والجهاد ،الصمود ،العمليات الاستشهادية ،انتفاضة الحجارة ،انتفاضة النفق،انتفاضة الأقصى،المجتمع المدني ،المسيرات والمظاهرات في الداخل والخارج ومواجهة الحصار الخ؟ إلا أن ما يؤسف له أن المصطلحات الأولى هي المعبرة عن الواقع السياسي المأزوم الراهن و الانقسام الأخير جاء تتويجا أو محصلة لها، فيما الأخرى مجرد شعارات أو تشتغل ضمن منطق الانقسام وبما يعززه وليس في إطار وحدة المشروع الوطني،ولذا لم تؤد لأي تقدم لا على مستوى مشروع المقاومة ولا على مستوى مشروع بناء الدولة . فمثلا الانتفاضة الأولى أدت لاتفاقات أوسلو وانتفاضة الأقصى ماتت بصمت مخلفة الاقتتال والانقسام دون أية مراجعة نقدية للأداء أو حتى التساؤل لماذا لم نحصد مقابل خمسة آلاف شهيد وعشرات الآلاف من الجرحى والأسرى بالإضافة للدمار أي مكاسب سياسية؟.هذا لا يعني تجاهل ما قدم الشعب من تضحيات ولا تجاهل كل الجهود التي يبذلها ذوي النوايا الصادقة من القوى السياسية.

إن كان هذا هو الواقع من خلال المصطلحات والتعبيرات المعبرة عنه، فما هو مفهوم الانقسام ومتى بدأ ؟ .

حتى نلم بنتائج الانقسام يجب أن نُعرِّف الانقسام وتعريف الانقسام يستدعي معرفة الشيء الذي انقسم .لا نقصد بالانقسام الخلافات والصراعات السياسية داخل النظام السياسي وفي إطار ثوابته، فهذه خلافات عادية تدخل في إطار التعددية السياسية وهي موجودة في كل الأنظمة السياسية وخصوصا الديمقراطية، ومن المعروف أن التاريخ السياسي الفلسطيني حافل بالخلافات وكل أشكال التعددية سواء الأيديولوجية أو تلك المفروضة بفعل أيديولوجيا البعد القومي أو البعد الإسلامي للقضية الفلسطينية أو بفعل الجغرافيا السياسية.

 فقد شهدت فلسطين قبل النكبة تعددية سياسية وحزبية وإن كان يجمعها التوجه الوطني المطالب برفض وعد بلفور وصك الانتداب والمطالبة بالاستقلال ، إلا أن حدة الخلافات والصراعات  العائلية والطبقية أدت إلى حدوث شرخ في الحركة الوطنية وحالة من الانقسام ما بين تيار يسمى بالمحافظ والتقليدي وتيار وطني ، وهو انقسام أضعف من قدرة الفلسطينيين على مواجهة الخطر المزدوج : الانتداب البريطاني من جهة والهجرة اليهودية من جهة أخرى ، وهذه الخلافات الداخلية أو الانقسام أثر سلبا على فاعلية ثورة 1936 وعلى مواجهة الحركة الصهيونية الناشئة .  

كان ظهور منظمة التحرير الفلسطينية منعطفا وتحولا نوعيا في العمل السياسي الفلسطيني حيث استنهضت الوطنية الفلسطينية بعد سنوات من التيه السياسي والغياب ، كما  مثلت المنظمة إطارا موحدا للفلسطينيين وهذا ما نصت عليه المادة 8 من الميثاق الوطني حيث جاء فيها : ( المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي فيما بين الصهيونية والاستعمار من جهة وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية،  وعلى هذا الأساس فإن الجماهير الفلسطينية سواء من كان منها في أرض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفرادا جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح.(

 إلا أن وجود المنظمة لم يمنع من ظهور تباينات وتيارات سياسية داخل المنظمة وأحيانا تخرج عن إطار المنظمة. لعبت خلفية نشأة المنظمة والتداخلات العربية فيها , وطبيعة العلاقة التي ربط أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد الشقيري مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر , في سيطرة الاتجاه الوحدوي القومي على المشاورات التي مهدت لانعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الأول. وقد ذكر الشقيري في خطابه الافتتاحي ” للمجلس الوطني الفلسطيني الأول ” إن الوحدة طريق التحرير , إلا أن الشقيري وبصفته رئيساً لمنظمة التحرير الفلسطينية وللشعب الفلسطيني بكل اتجاهاته , حاول أن يوازن بين التيارات الموجودة على الساحة وخصوصاً تيار( الوحدة طريق التحرير) وتيار(التحرير طريق الوحدة).[4]

        الهزيمة العربية في 1967 شككت في أطروحة الحرب النظامية العربية وأدت لتراجع فكر الوحدة العربية وفي نفس الوقت كانت بمثابة الشهادة بصحة منطلقات منظمات الكفاح المسلح و” حرب التحرير الشعبية “. وجاء تصاعد العمليات الفدائية في الأرض المحتلة , ومعركة المواجهة في ( الكرامة ) آذار / مارس 1968 , لتعزز من أطروحات التيار الوطني الفلسطيني المقاتل , مما ساعد على فرض هيمنته على منظمة التحرير الفلسطينية ابتداء من 1968 وليدخل تغييراً على بعض بنود (الميثاق القومي الفلسطيني ) لتتوافق مع النهج الجديد , حيث تم التذكير في ( الميثاق الوطني الفلسطيني ) الجديد على استقلالية القرار الفلسطيني والشخصية الفلسطينية. وعند تعديل الميثاق عام 1968 جاءت بعض بنود ( الميثاق الوطني الفلسطيني ) لتعكس هذا التوازن , فالمادة الثانية عشرة نصت على أن ” الوحدة العربية وتحرير فلسطين هدفان متكاملان يهيئ الواحد منها تحقيق الأخر , فالوحدة العربية تؤدي إلى تحرير فلسطين , وتحرير فلسطين يؤدي إلى الوحدة العربية , والعمل لهما يسير جنباً إلى جنب”.

إلا أن الواقع يقول بأن منظمات الكفاح المسلح التي وجدت تجاوباً كبيراً من الشعب الفلسطيني وتحولت إلى ثورة فلسطينية  أو ما بات يسمى بالمشروع الوطني الفلسطيني التحرري كانت متعددة الأفكار والأيديولوجيات, وكانت تعكس كل الفسيفساء السياسية العربية, إلا أنه يمكننا التمييز بين ثلاثة تيارات في داخلها:

  1. التيار القومي الوحدوي:

مثلته على الخصوص منظمة الصاعقة وجبهة التحرير العربية, وقد مثلتا امتداداً لحزب البعث العربي الاشتراكي بشقيه السوري والعراقي، وقوى ناصرية التوجه ولكن دون تنظيم حزبي.

  • التيار الماركسي:

كانت بداياته مع الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تشكل قبل عام 1948 وكان يضم عربا ويهود ا ولاحقا غير اسمه إلى حزب الشعب واستمر نشاطه حتى اليوم ، وفي منتصف الستينيات سعى الفلسطينيون المنضوون في إطار حركة القوميين العرب التي أسسها الفلسطيني جورج حبش بعد حرب 1948 مباشرة بتشكيل حالة فلسطينية داخل الحركة أدت لاحقا لانفصالهم عن الحركة في 1968 وتشكيل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بمنطلقات ماركسية لينينية ، وبعد عام انشقت عنها الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين كتيار أكثر راديكالية من الجبهة الشعبية.

  • التيار الوطني ” المستقل “

ومثلته حركة التحرير الوطني الفلسطيني ” فتح”, والتي كانت سباقة في ممارسة إستراتيجية الكفاح المسلح  وفي الدعوة لاستقلالية العمل الفلسطيني. ويبرر ياسر عرفات رئيس منظمة التحرير الفلسطينية وقائد حركة ” فتح ” أسباب التوجه الفلسطيني للبحث عن هوية مستقلة للفلسطينيين بالقول : ( إننا لم نكن نجد على مستوى البعد الوطني الفلسطيني عملاً قومياً ملموساً ينسجم مع هذا النهوض , لقد كانت اليقظة القومية كبيرة , ولم يكن العمل من أجل فلسطين يحتل المرتبة الأولى من الأولويات القومية , وخصوصاً عندما قال عبد الناصر ” الذي يقول لكم أن عنده خطة لتحرير فلسطين يضحك عليكم “, وهكذا فتحركنا في بداية عملنا ” فتح ” كان لعلمنا أنه لا يوجد عمل عربي من أجل فلسطين : أي أن المناخ الموضوعي الذي أولد الفكرة هو غياب عمل قومي حقيقي لفلسطين )[5].

وقد أوضحت حركة ” فتح الدوافع الكامنة وراء انطلاقتها في مذكرة قدمتها إلى ملوك ورؤساء الأقطار العربية في مؤتمرهم الثالث في الدار البيضاء في أيلول / سبتمبر 1968 حيث ذكرت (أن الحركة – فتح – بكل صراحة لا تنتظر أبداً أن يأتي يوم تعلن فيه الدول العربية بدء معركة التحرير , أو الحرب الحقيقية على إسرائيل , لا بسبب من ظروفها ولا بارتباطاتها الخارجية , بل سبب طبيعة الحكم والأوضاع الداخلية التي يحرص الاستعمار على إبقائها في جو من التخلخل والتضارب والعجز يجعلها تميل دائماً إلى تأجيل المعركة إلى ما لا نهاية).

    كما أن كيفية طرح المشكل الفلسطيني على المستوى الدولي لم يكن يتوافق مع حقيقة النزاع وجوهره , فالمسار الذي اتخذته القضية من خلال التبني الرسمي العربي لها , شَوه حقيقتها , وجرفها عن طبيعتها , حيث أصبحت القضية الفلسطينية تتداول في المحافل الدولية حسب الرؤية الصهيونية للصراع أي  كنزاع على الحدود بين الأقطار العربية والدولة الصهيونية – إسرائيل – صراع بين الأقطار العربية بملايين سكانها وثرواتها الباهظة  ومساحتها الشاسعة , وبين إسرائيل الشعب صغير العدد والمساحة , المضطهد عالمياً والمطارد في كل مكان وينشد الهدوء والاستقرار في بقعة من الأرض ( الفائضة) بالنسبة للعرب!!. وبفعل الصورة السلبية للواقع العربي ( المتخلف ) و( الإقطاعي) و( الدكتاتوري) في نظر العالم الغربي على الخصوص, فإن النزاع أخذ أيضاً صورة بين واحة الديمقراطية التي تمثلها ( إسرائيل) وبين أعداء الديمقراطية والحرية وأعداء الحضارة وهم العرب!.

أما شعب فلسطين فقد غاب عن الصورة, وفي أفضل الحالات كان العالم ينظر للمشكلة على أساس أنها مشكلة لاجئين تُبحث كغيرها من مشاكل اللاجئين في العالم على أسس إنسانية أخلاقية تحلها المساعدات المادية والتعويضات. وجاءت الثورة الفلسطينية لتصحح الصورة , ولترجع المشكل إلى حقيقته كقضية شعب صغير مشرد من أرضه , يعيش بلا مأوى , تقف في وجه حقوقه الوطنية كشعب , دولة صهيونية عنصرية  تفوقه قوة وعدة , مدعومة بالإمبريالية والصهيونية العالمية , فأرجعت الثورة بذلك للقضية صورتها الحقيقية كقضية صراع على الوجود , وجود شعب فلسطين وليست قضية نزاع على الحدود.

إن كان الذوبان الفلسطيني في المد القومي الوحدوي العربي يعد تجسيداً لعمق الشعور القومي الوحدوي لدى الشعب الفلسطيني وتعبيراً عن نظرة قومية متقدمة للخطر الذي تجسده إسرائيل في المنطقة العربية , وعن الإحساس بالبعد القومي للقضية الفلسطينية , إلا أنه كان لغياب الشخصية الوطنية الفلسطينية نتائج مدمرة على القضية حيث خدم هذا الغياب الإستراتيجية الصهيونية الإمبريالية , وعزز المقولات الصهيونية التي رفعتها الحركة الصهيونية لتبرير استعمارها لفلسطين , وهي المقولة التي يحلو للقادة الصهاينة ترديدها كلما طولِبوا بالاعتراف بالشعب الفلسطيني وهي عدم وجود شعب يسمى الشعب الفلسطيني. وكما استغلت الدعاية الصهيونية غياب الهوية الوطنية الفلسطينية وعدم وجود حركة وطنية تمثل الشعب الفلسطيني , لتصور للعالم وكأن الصراع الدائر في المنطقة العربية هو صراع بين ” دولة إسرائيل واحة الديمقراطية في الشرق ” وبين الدول العربية بملايينها البشرية وثرواتها المادية , وأن هذه الأخيرة تود أن تقضي على ” الشعب اليهودي الصغير والضعيف”.

وعلى الجانب المقابل لا يجد الفلسطينيون ما كانوا يتمنون ويتطلعون إليه , فالإستراتيجية القومية العربية بقيت حلماً بعيد المنال , وإن وجدت فمجرد قرارات وتوصيات لم تجد طريقها للتطبيق , والخلافات العربية أصبحت هي القانون الذي يحكم العلاقات العربية , ومع احتدام الخلافات تكرست الأحقاد بين الأنظمة وهذه بدورها تنقلها وتفرضها على الجماهير , فتتكون النعرات الإقليمية , وتتباعد تبعاً لذلك الوحدة العربية  , وكان الشعب الفلسطيني – مع أنه لم يكن طرفاً مباشراً في أي من التجارب الوحدوية المجهضة – يصاب بألم وحسرة على كل تجربة وحدوية فاشلة , ويشعر بأنه المتضرر الأول من هذا الفشل.

بالإضافة إلى ذلك شعر الفلسطينيون أن الأنظمة العربية والأحزاب السياسية العربية استغلت القضية الفلسطينية كورقة مساومة لخدمة مصالحها الخاصة , كما شعروا بالضيق لحالة الحصار المفروضة عليهم في المخيمات وإبقائهم كماً مهملاً لا دور لهم في صنع الحدث المتعلق بمصيرهم , يراقبون الأحداث وكأنهم غرباء لا علاقة لهم بها وكانت أية محاولة لإبراز الصوت الفلسطيني والهوية الفلسطينية كفيلة بأن تضع صاحبها في السجن وأن يوضع اسمه في سجلات رجال المخابرات وما أكثر التهم الجاهزة لتلصق بالفلسطيني.

وهكذا يمكن القول أنه إلى حين ظهور حركة حماس والجهاد الإسلامي وقبل ظهور السلطة الوطنية الفلسطينية كان من الممكن إدراج الخلافات والانقسامات في إطار المشروع الوطني التحرري ببعده العربي حيث لم تُشكل الجماعات المنشقة حالة انقسام حاد أو بديل للمشروع الوطني الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية، صحيح أن بعض القوى السياسية ذهبت بعيدا في نقد نهج منظمة التحرير إلا أنها بقيت أعجز من أن تشكل حالة انقسام مهددة للطابع الشكلاني والرمزي للمشروع الوطني، إما بسبب ضعف التأييد الشعبي لها أو لممانعة الدول العربية بالاعتراف بأي مرجعية للشعب الفلسطيني غير منظمة التحرير أو لأنها بقيت قريبة من أسس المشروع الوطني بطابعه الوطني العلماني التقدمي.

عامل مهم كان يحد ويُخفف من حدة الخلافات الفلسطينية الداخلية وهو غياب الصراع على السلطة ، والسلطة بما فيها من مغريات تؤجج حدة الخلافات . لأن مركز ثقل الحركة الوطنية كان خارج الوطن فلم تكن أي من الفصائل الفلسطينية تمارس سيادة حتى على المخيمات ، فقد كانت الخلافات والانشقاقات تأخذ طابعا فكريا وتنظيميا فقط ولم تترك هذه الانقسامات تداعيات جغرافية حيث كان الشعب موحدا جغرافيا تحت سلطة الاحتلال أو خاضعا لسيادة الدول العربية المضيفة ،فأي حزب حتى منظمة التحرير لم يمارس سلطة مادية فعلية على أي أرض أو على البشر ،وأقصى ما كانت تتمتع به منظمة التحرير في لبنان مثلا هو سيطرتها على مناطق نفوذ محدودة.

الانقسام الخطير محل النقاش ليس فقط الانقسام الجغرافي فبالأصل لم يكن هناك تواصل جغرافي بين غزة والضفة إلا في ظل الاحتلال، بل الانقسام الذي يهدد وحدة المشروع الوطني كمشروع حركة تحرر وطني بهدف واحد وإستراتيجية عمل وطني واحدة،الانقسام الذي يهدد المشروع الوطني بحده الأدنى كما صاغه بيان إعلان الاستقلال في الجزائر 1988. إن الانقسام محل النقاش هو الذي يهدد ركيزتي المشروع الوطني :المقاومة والتسوية السلمية.إنه الانقسام الذي يضرب بالصميم قدرة الشعب على الوصول لهدفه الوطني من خلال السلام العادل ومن خلال المقاومة كحالة وطنية شمولية،ولا تعارض ما بين السلام والمقاومة،بالتأكيد إن كان الانقسام يهدد مشروع أو هدف الدولة في الضفة وغزة فهو بالأحرى يهدد إمكانية ما هو أبعد من ذلك كالقول بتحرير كامل التراب الفلسطيني من البحر إلى النهر أو التوجه لخيار الدولة الواحدة ثنائية القومية .

نعتقد أن الانقسام الذي  جرى منتصف يونيو 2007  وإن كان الأخطر في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية إلا أنه كان في جزء منه تتويجا لمفاعيل انقسامية وانقلابية تعرض لها المشروع الوطني. الخلافات والانشقاقات داخل فصائل المنظمة وعدم القدرة على تجاوزها ومعالجتها في حينه أوجدت المناخ المناسب للانقسام المعيق للتوصل لاستراتيجيه عمل وطني ولمشروع وطني محل توافق الجميع ،ومع قيام السلطة الوطنية تعمقت ونشطت المفاعيل الانقسامية ومبررات الانقلاب على المشروع الوطني التحرري، ثم مع تأزم السلطة وتعثر التسوية وتصاعد قوة حركة حماس ثم مع ظهور مشروع الشرق الأوسط الكبير والتفكير الإسرائيلي بالانسحاب من غزة ، أصبح الانقسام ضرورة لمشروع جديد على حساب المشروع الوطني  تتقاطع عنده مصالح عدة أطراف .

رابعا:الانقسام الذي أوجدته اتفاقات أوسلو والسلطة

كان من أهداف إسرائيل ومخططو التسوية أن يكون تأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية حالة انقلابية على منظمة التحرير وعلى المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني، وإن كانت السنوات الأولى لتأسيس السلطة حملت آمالا واعدة عند الفلسطينيين إلا أن السلطة سرعان ما بدأت تنزلق تدريجيا بعيدا عن الآمال والطموحات الوطنية. الخلل الذي شاب ممارسات السلطة سواء على مستوى الفساد الإداري والمالي أو في مفاوضاتها مع إسرائيل أو على مستوى الفوضى والانفلات الأمني، أعطى  لإسرائيل الدافعية لتنفيذ مخططها لفصل غزة عن الضفة كما أعطى حركة حماس مزيدا من المبررات لتُقدِم على انشقاقها وانقلابها .   

مع توقيع اتفاقية أوسلو تم الانتقال من مشروع وطني مستقل-نسبيا-  ومقاوم، لمشروع وطني خاضع لشروط تسوية غير متوازنة أو تسوية مغامرة [6] ، مما أدى لحدوث تصدع للإجماع الوطني حول هذا المشروع وبالتالي غياب لإستراتيجية فلسطينية واضحة سواء إستراتيجية سلام أو إستراتيجية مقاومة، وأصبح المشروع الوطني رهينة عملية سلمية انحرفت عن مسارها، وما أنتجت من اتفاقات. الأخطر من ذلك أن النظام السياسي الذي مثلته السلطة أصبح أسير الموافقة الإسرائيلية حتى يجوز القول بأن إسرائيل أصبحت أحد مكونات النظام السياسي الذي مثلته السلطة الفلسطينية.

وعليه، إذا ما قصرنا مفهوم الانقسام على الجغرافيا ووحدة السلطة فوجود السلطة لم يشكل  حالة انقسام، أما إذا تحدثنا عنالانقسام بالمفهوم المشار إليه كتهديد وخروج عن المشروع الوطني فهو ما آل إليه حال السلطة ونهجها .  وقد كان من  أخطر ما نتج عن ربط المشروع الوطني بقراري 242 و338 تحديدا [7]هو إفقاد هذا المشروع لشرعيته التاريخية ولاستقلاليته الوطنية وهي الاستقلالية التي دخلت المنظمة دفاعا عنه عدة حروب ومواجهات مع أكثر من دولة عربية.

لم يعد من الممكن إنجاز المشروع الذي يقول بدولة مستقلة في الضفة وغزة إلا بانسحاب إسرائيل من هذه الأراضي، والانسحاب مرتبط بنجاح عملية التسوية ونجاح العملية السلمية في ظل التوازنات الدولية الراهنة مرتبط بالموافقة الإسرائيلية، وما يجعل الشرط الإسرائيلي شرط لزوم وضرورة لقيام المشروع الوطني هو الجغرافيا السياسية، حيث تفصل أراضي إسرائيل ما بين الضفة وغزة، وبالتالي استحالة التواصل ما بين شطري المشروع الوطني إلا بموافقة إسرائيل. ولنتصور أن الفلسطينيين في الضفة وغزة قاموا بتحرير هاتين المنطقتين من الاحتلال أو أجبَر المنتظم الدولي إسرائيل على الانسحاب منهما، فكيف سيحدث التواصل بين المنطقتين دون موافقة إسرائيل أو وجود قوة تجبرها على ذلك أو أن يتم هزيمتها عسكريا ؟.

لم يقتصر الانقلاب والانقسام الناتج عنه الذي أوجدته السلطة ، وخصوصا بعد تحولها من سلطة مؤقتة لسلطة دائمة بعد مايو1999 ، على أهداف المشروع الوطني وآليات تحققه بل تجاوز ذلك للمسميات. بحسن نية من البعض وبسوء نية من آخرين تم الانتقال من مصطلح حركة المقاومة الفلسطينية  أو الثورة الفلسطينية أو العمل الفدائي وهو التوصيف الذي كان يطلق على الحالة الفلسطينية إلى مصطلح النظام السياسي الفلسطيني والسلطة الوطنية، وكأن اعتماد هذين المصطلحين  يعني تجاوز مرحلة الثورة والمقاومة والدخول في مرحلة الدولة،لأن للنظام السياسي وللسلطة  أسس ومرتكزات وآليات عمل تتعارض مع أسس وآليات عمل الثورة وحركة التحرر. ونحن نفضل إن كان لا بد من استعمال مصطلح النظام السياسي الفلسطيني أن نقصره على التشكلات السياسية الرسمية والحزبية – سلطة ومعارضة-  فيما الحالة الفلسطينية ككل ما زالت في مرحلة التحرر الوطني التي تستوعب أشكالا تنظيمية ونضالية أخرى.

وهكذا ، نتيجة أخطاء صاحبت ممارسات السلطة وزيادة خضوعها لشروط الاحتلال وعجزها عن فرض شروط السلام العادل أصبحت المسافة تتباعد ما بين واقع السلطة واستحقاقات المشروع الوطني ، بل أصبحت في بعض أوجهها معيقة لإنجاز هذا المشروع. هذه الحالة الارتدادية أو الانقلابية لمسناها خصوصا بعد انتهاء المرحلة الانتقالية في مايو 1999 المنصوص عليها في اتفاقية أوسلو، بحيث أصبح كل لقاء أو اتفاقية أو مؤتمر أو جلسة مفاوضات تتم في السنوات الأخيرة تحت عنوان التسوية في الشرق الأوسط، إلا وتشكل عائقا حقيقيا على الأرض أمام السلام الحقيقي لأنها تمنح إسرائيل مزيدا من الوقت لاستكمال مشاريعها الاستيطانية والتهويدية وبالتالي تُضعف من فرص السلام بما يضعف موقف وموقع دعاة السلام لصالح المعارضين من الطرفين. كما أن كل خطوة نحو السلطة أو لتكريسها وحمايتها باتت مرتبطة بالإرادة الإسرائيلية والأمريكية وتخدم سياستهما، أو بدافع المصلحة الشخصية والحزبية الضيقة، وبالتالي تكون على حساب المشروع الوطني وهو ما يعزز حالة الانقسام الفلسطينية.

ممهدات الانقسام والانقلاب على المشروع الوطني من داخل المنتسبين للمشروع الوطني بدأت بعد قمة كامب ديفيد 2000 حيث أصر الرئيس أبو عمار على رفض الخضوع للمقترحات الأمريكية والإسرائيلية للتسوية وقرر العودة لنهج المقاومة، فيما كان آخرون من الفلسطينيين وخصوصا محمد دحلان وخالد سلام يريدون الموافقة على هذه الشروط بل واتهموا الرئيس أبو عمار أنه فوت فرصة تاريخية بعدم الموافقة على الرؤية الأمريكية ، مع أن الأمريكيين لم يطرحوا أشياء مكتوبة بل مقترحات يريدون من الرئيس الموافقة عليها دون أن يلتزموا بشيء مكتوب . وفي خطاب للرئيس أبو مازن أمام المجلس الثوري لحركة فتح يوم 10 مارس 2014 قال بأن محمد دحلان وحسن عصفور وخالد سلام تآمروا على الرئيس أبو عمار في كامب ديفيد وضغطوا عليه ليقبل بالشروط الإسرائيلية والأمريكية للتسوية وقال أيضا بأنهم أثناء القمة كانوا يقيمون في مكان إقامة الوفد الإسرائيلي والأمريكي وليس مع الوفد الفلسطيني وهو الأمر الذي أثار حفيظة محمد دحلان وأعلن بأنها مجرد أكاذيب وأنه سيكشف الحقائق عن المسئول عن اغتيال الرئيس أبو عمار وسيقول لماذا وصف الرئيس أبو عمار أبو مازن آنذاك بأنه كرزاي فلسطين ،وهذه الاتهامات المتبادلة أظهرت عمق الأزمة داخل حركة فتح وتنذر بانقسام داخل حركة فتح يضاف للانقسامات الأخرى في الحالة الفلسطينية.

أصبح الانقسام الداخلي في السلطة وحركة فتح أكثر وضوحا منتصف يونيو 2002 عندما حاصرت القوات الإسرائيلية مقر الرئيس أبو عمار بالمقاطعة يوم 7 يونيو ، وفي 14 يونيو ألقى الرئيس بوش خطابا أعلن فيه مقاطعة أبو عمار وطالب الشعب الفلسطيني بالبحث عن قيادة جديدة وتزامن ذلك مع تصريحات واضحة وخصوصا من طرف رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون بضرورة التخلص من أبو عمار، في تلك الفترة لم يكن أبو عمار محاصرا فقط من طرف الجيش الإسرائيلي في المقاطعة وسياسيا من طرف واشنطن ودول عربية رفضت السماح له بمخاطبة شعبه والعالم  تليفونيا أثناء عقد قمة بيروت، بل تمت محاصرته داخليا من تيار كان يتشكل بصمت من بعض قيادات جهاز الأمن الوقائي وقيادات فتحاوية وغير فتحاوية شهرَّت بأبي عمار وشوهت صورته وحاولت أن تلصق به كل سلبيات وأخطاء حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة، وبدأت تشكل قيادة بديلة لقيادة أبو عمار ونهجه، قيادة متصالحة مع التوجهات الأمريكية والأوروبية وأقل تصادما مع  إسرائيل، وكان تغيير القانون الأساسي الفلسطيني بما يسمح بوجود  رئيس وزراء جزءا من محاصرة نهج أبو عمار .

منذ قرار واشنطن وإسرائيل التخلص من الرئيس أبو عمار انتشرت وبشكل كبير حالة من الفوضى والانفلات الأمني، بحيث لم يكن يمر يوم إلا وتتم عملية خطف أو قتل أو سرقة أو اعتداء على مؤسسات السلطة أو الممتلكات العامة والخاصة وخطف للأجانب، وتزايدت الحالات العسكرية التي كان الناس يتناقلون أن وراء غالبيتها السيد محمد دحلان وحركة حماس ،[8] وكانت هذه الظاهرة منتشرة في قطاع غزة أكثر من الضفة . في تلك الفترة كان قطاع غزة منطقة نفوذ لمحمد دحلان ومركز قوته في مواجهة الرئيس أبو عمار كرئيس شرعي وفي مواجهة حركة حماس كقوة غير شرعية رسميا إلا أن لها حضورا شعبيا كبيرا.

لم تكن تل أبيب وواشنطن من خلال زعمهما عدم وجود شريك فلسطيني للسلام ودعوة الشعب الفلسطيني للبحث عن قيادة جديدة تهدفان البحث عن قيادة فلسطينية تشاركهم تنفيذ الاتفاقات الموقعة والوصول للدولة الفلسطينية ، بل كان الهدف الالتفاف على الاتفاقات الموقعة وتهيئة الأوضاع لتنفيذ مخطط فصل غزة عن الضفة موظفين الفوضى التي آلت إليها الانتفاضة ، وبالتالي كانوا بحاجة لقيادة فلسطينية جديدة تقبل ولو بالسر هذا المخطط أو تسكت عنه لعجزها عن مواجهته.

 في الوقت الذي كانت إسرائيل تريد التخلص من أبو عمار ومن الانتفاضة ومن قطاع غزة حيث كانت حركة حماس تعزز حضورها العسكري والسياسي ، بدأت حالة من الاستقطاب والانقسام داخل حركة فتح بين تيارين: أحدهما يمثله  محمد دحلان ورئيس الوزراء آنذاك محمود عباس، والثاني يمثله الرئيس أبو عمار المحاصر والمستهدف إسرائيليا وأمريكيا .آنذاك كان من الممكن الحديث عن تيارات : (العباسية) و (العرفاتية) و(الدحلانية) .

 لم يؤسَس التحالف بين أبو مازن  ودحلان على اعتبارات وطنية خالصة بل كان تحالف ضرورة وتقاطع مصالح آنية . كان كل طرف يعرف ما يضمره له الطرف الآخر ويعرف حدود ما يحتاجه من الطرف الآخر. كان أبو مازن آنذاك ضعيف الحضور شعبيا ولا يملك كاريزما وغير ملم بحقائق الأمور داخل مناطق السلطة لأنه بطبيعته نخبوي لا يعير اهتماما للعمل الجماهيري ولا يراهِن على الشعب في إحداث تغيير في الحياة السياسية أو في مواجهة إسرائيل ،وبالتالي كان بحاجة لمحمد دحلان الرجل القوي على الأرض والمدعوم من واشنطن وإسرائيل ، وفي المقابل كان محمد دحلان الشاب أبن الداخل القوي على الأرض يفتقر لمتطلبات قيادة شعب بسبب صغر السن وبسبب أن قيادة السلطة والمنظمة تحتاج لشخصية تاريخية وبسبب توازنات داخل حركة فتح ، وفوق ذلك أن أبو مازن يمكنه مواجهة ياسر عرفات وطرح نفسه بديلا عنه ، بينما لا يستطيع دحلان فعل ذلك .

لذلك فإن (تحالف الضرورة) بين محمود عباس ودحلان لم يعمر طويلا ، حيث كان دحلان يتصرف مع أبو مازن بأن هذا الأخير حالة مؤقتة أو سيكون رئيس مؤقت أو (كوبري) لحين التخلص من أبو عمار وانجاز مخطط  فصل غزة عن الضفة وقيام (الدولة الدحلانية) في قطاع غزة ، فيما أبو مازن الداهية سياسيا كان يُدرك نوايا دحلان والإسرائيليين ،وبالتالي ما أن تمكن أبو مازن من الرئاسة والسلطة حتى بدأ ينفذ مشروعه الخاص الذي وإن لم يخرج عن مخطط تسوية أوسلو وخطة خارطة الطريق بل يمكن القول بأنه كان على علم بمخطط فصل غزة عن الضفة ، إلا أنه حاول أن يضفي خصوصية وطابعا وطنيا على إدارة السلطة وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تسوية كان هو أهم مهندسيها، وتبديد الإشاعات التي تقول بأنه رئيس ضعيف وأداة بيد أمريكا وإسرائيل بل وبيد محمد دحلان .

كان من الممكن أن يستمر التحالف بين دحلان وعباس لفترة أطول وأن يتم تسليم قطاع غزة لمحمد دحلان  لولا حدوث متغيرات إقليمية بسبب طرح واشنطن لرؤيتها للشرق الأوسط الجديد 2004 الذي يستوعب الإسلام السياسي المعتدل،وهو ما له علاقة بتغير رؤية إسرائيل وواشنطن لدور ووظيفة اللاعبين السياسيين الفلسطينيين وخصوصا دحلان وحركة حماس بشان مصير قطاع غزة . وبالتالي فإن التحالف بين أبو مازن ودحلان بدأ يتفكك بعد انكشاف أسرار كانت خفية بعد سيطرة حماس على قطاع غزة وفتح ملف المسؤولية عن سقوط قطاع غزة بيد حماس أو بالأصح تسليم القطاع لحركة حماس، ونعتقد أن لجنة التحقيق التي شكلها الرئيس أبو مازن لبحث الموضوع وإن لمَّحت لمسؤولية الأمن الوقائي ومحمد دحلان عما جرى إلا أن أسرارا كثيرة وخطيرة حول ما جرى في مرحلة محاصرة الرئيس أبو عمار ثم مقتله وحول ما جرى في قطاع غزة ما زالت خفية ويعرفها الطرفان ولا يستطيعان البوح بها .[9]

في تلك الفترة الحرجة برز وبقوة شخص محمد دحلان الذي ترأس وأسس جهاز الأمن الوقائي في غزة وتولى لاحقا منصب وزير داخلية ومنصب مستشار الرئيس أبو مازن للأمن القومي، وكان الرجل يتصرف وكأنه سيد قطاع غزة والآمر الناهي فيه ،وكان موكبه يفوق موكب الرئيس وحراسه أكثر من حراس الرئيس،وله عدة مقرات يتنقل بينها. لم يكن ظهور دحلان مجرد تعبير عن قيادات سياسية شابة كما حاولت جماعته الترويج، بل برز كتيار سياسي مدعوم بقوة عسكرية قائمة بذاتها تربطها علاقات ملتبسة بأجهزة السلطة وبقوات فتح العسكرية ، وكذلك بالإدارة الأمريكية وإسرائيل.

بالإضافة لهيمنة محمد دحلان على جهاز الأمن الوقائي فقد شكل فرقة الدعم والإسناد والتي سماها المواطنون (فرق الموت) وميلشيات عسكرية تابعة له مباشرة أو غير مباشرة من خلال التمويل والتسليح و كان له رأي في تشكيل الحكومات،الأهم من ذلك أن هذه القوة لدحلان تركزت في قطاع غزة فقط حتى أُطلق على قطاع غزة أسم (دحلانستان) وكانت شكوك قوية تدور حول هذا التمركز لقوة دحلان في قطاع غزة متزامنا مع مشروع شارون للانسحاب من قطاع غزة ومع حالة الفوضى والانفلات الأمني التي سادت القطاع مع الدور الغامض لجهاز الأمن الوقائي، هذا الجهاز الذي تم تأسيسه أصلا ليضمن استمرار وجود السلطة والتزامها بعملية التسوية وليقمع كل من يفكر باستنهاض المشروع الوطني كحركة تحرر[10]. وما يلفت الانتباه أنه تم حل فرقة الموت بقرار من رشيد أبو شباك مدير الأمن الوقائي في نهاية شهر نوفمبر 2004 أي بعد أيام من اغتيال الرئيس أبو عمار !.

من أين يستمد محمد دحلان هذا الحضور قديما وحاليا؟ هل يستمده من المواقع التي شغلها سابقا كمسؤول ومؤسس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة ووزير داخلية ومستشار الرئيس للأمن القومي سابقا وعضو المجلس التشريعي حاليا” ؟ أم يستمدها من علاقاته وتحالفاته الخارجية الإسرائيلية والأمريكية بداية ثم الخليجية والمصرية لاحقا ؟ أم يستمدها من ثروة كبيرة حصل عليها عندما تولى المناصب السابقة ؟ أم من تمتعه بعقلية فذة وشخصية كارزماتية لا تتوفر عند غيره من قيادات حركة فتح ؟ أم يستمدها من كل ما سبق؟ . وما أسباب خلافه مع الرئيس أبو مازن ؟ وما سر التقارب بينه وبين حركة حماس أخيرا ؟ وهل حان وقت العودة لدولة دحلانستان الغزية بعد التحولات في مصر وسقوط حكم الرئيس مرسي ألإخواني ونتائج ذلك على سلطة حماس في قطاع غزة؟.

بداية وكقاعدة شبه عامة فإننا في العالم العربي وفي دول العالم الثالث بشكل عام نعيش في زمن صناعة القادة والزعماء . دول الغرب وحتى الدول العربية النفطية تستطيع توجيه الأمور والأحداث من خلال المال والإعلام والقوة الناعمة والخشنة أحيانا لإسقاط زعيم وإحلال آخر أو صناعة عدة زعماء وحالات سياسية في البلد الواحد حتى ينفُذوا من خلالهم للتدخل وتوجيه مصير البلد، فكيف الحال بالنسبة للنظام السياسي الفلسطيني الهش والمُختَرق من كل الأطراف، وحيث يعيش الشعب والأحزاب وفصائل المقاومة على المساعدات والعون الخارجي ، بدءا من واشنطن حتى إيران والقاعدة ؟ .
في مجتمع غير منتج وخاضع للاحتلال ويتميز بكثافة سكانية كبيرة دون مصادر للثروة الوطنية وإن وجدت يسيطر عليها الاحتلال، فإن إسرائيل كدولة احتلال تستطيع صناعة قادة محليين من خلال تمكينهم من مصادر الثروة وتمكينهم من السلطة ، كما أن من يملك مفاتيح التمويل الخارجي يملك السلطة والقرار السياسي . هذا لا يعني تغييب القدرات الذاتية للقادة أو دور الشعب في صناعة قادته ، بل نريد التأكيد على أهمية ودور العوامل الخارجية في صناعة بعض القادة أو التأثير على سياستهم.

خامسا:الانقسام المُركب الذي أحدثته حركة حماس وتأثيره على المشروع الوطني.

كل الانقسامات السابقة وانقلاب السلطة على المشروع الوطني والخلافات داخل حركة فتح  وتوفيرهما لمناخ انقسام متعدد الأبعاد فيه وعليه، لم يكونا بخطورة الانقسام الذي أحدثته حركة حماس.لا شك أن الانقسام الذي أحدثته سلطة خرجت عن المسار الوطني ساعد حركة حماس في انقلابها على المشروع الوطني إلا أن الفكرة والمخطط كانا متواجدين منذ تأسيس حركة حماس التي كانت تعمل كل ما فيه إساءة وإفشال للمنظمة وللسلطة وللمشروع الوطني.

 كل متابع للأحداث منذ أن بدأت الحركة عملياتها الاستشهادية داخل الخط الأخضر عام 1996 ثم عندما قررت المشاركة بالانتخابات المحلية 2005 ثم التشريعية وبعد ذلك فوزها بهذه الانتخابات 2006، سيلمس أن قيادة الحركة في الخارج كانت تسعى لإفشال مشروع السلطة وتأسيس نظام سياسي جديد ومرجعية جديدة يقطعان مع المشروع الوطني ومع مجمل التاريخ النضالي الوطني ويرتبطان بمرجعية حركة حماس وأصولها أي بجماعة الإخوان المسلمين .[11]

جاءت الأحداث في ظل ما يسمى الربيع العربي والعلاقات الخاصة التي ربطت حركة حماس بإخوان مصر بعد فوز مرسي  لتكشف ما خفي من الأمور – وسنعود للموضوع لاحقا-.

 لم تعلن حركة حماس عند نشأتها عام 1987 موقفا قاطعا من المنظمة ومشروعها الوطني، ونعتقد أنها قصدت الغموض لكونها كانت ضعيفة ولا تستطيع مواجهة التيار الوطني علنا، ولذا تفاوتت المواقف ما بين القبول المشروط بالمنظمة والرفض المبدئي وبينهما مواقف مبهمة. فميثاق حماس أشار للمنظمة بصورة غامضة عندما قال:( بأن المنظمة من أقرب المقربين إلى حركة المقاومة الإسلامية ففيها الأب والأخ أو القريب أو الصديق وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه ؟ فوطننا واحد ومصابنا واحد ومصيرنا واحد وعدونا مشترك) ولكن هذا القول المطَمئِن يتلاشى عندما يرفض الميثاق الطابع العلماني للمنظمة بالقول : ( إننا لا نستطيع أن نستبدل إسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لنتبنى الفكرة العلمانية … ويوم تتبنى المنظمة الإسلام كمنهج حياة فنحن جنودها ووقود نارها التي تحرق الأعداء) . هذا الموقف يؤشر للانقسام وهو للانقسام الأيديولوجي، و في مقابلة مع الشيخ ياسين أثناء وجوده في السجن قال بأن المنظمة تمثل فلسطينيي الخارج فقط ولا تمثل فلسطيني الداخل و بذلك أضاف عنصرا جديدا للانقسام.

منذ بداية التسعينيات عرفت العلاقة بين الطرفين مدا وجزرا ، ففي مذكرة وجهتها حماس للمجلس الوطني الفلسطيني في نيسان 1990 حددت حركة حماس الشروط التي على أساسها يمكن الدخول في المجلس الوطني وهي عشرة شروط أهمها:  اعتبار فلسطين وحدة واحدة من البحر للنهر ، والتأكيد على الكفاح المسلح ، و أن تُمثل حركة حماس بالمجلس بنسبة تتراوح بين 40 و 50 بالمائة .  مع انعقاد مؤتمر مدريد 1991 بمشاركة منظمة التحرير ، تعمقت الخلافات بين الطرفين – مع أن منظمة التحرير شاركت ضمن وفد أردني  فلسطيني مشترك -،  كما انتقدت الحركة  قبل ذلك قرارات المجلس الوطني في الجزائر في أيلول 1991 وهي الدورة التي أقرت المشاركة في مؤتمر مدريد حيث اعتبرت الحركة أن المجلس الوطني الفلسطيني بتشكيلته الحالية غير مؤهل لاتخاذ قرارات مصيرية ، بل وصل الأمر للتحفظ على شرعية تمثيل المنظمة وهو ما ظهر خلال لقاء حماس وفتح في الخرطوم في يناير 1993. 

عندما أبعدت إسرائيل 400 شخصية فلسطينية إلى مرج الزهور بلبنان في ديسمبر 1992 توترت العلاقة بين الطرفين مجددا وتوسطت السودان بين الطرفين وجرت مفاوضات في الخرطوم وطالبت حماس بنسبة 45%من مقاعد المجلس مما أدى لانهيار الحوار وحمَّل أبو عمار المسؤولية لممثلي حماس بعمان مشيرا إلى وجود تباين في المواقف بين جناح الداخل وجناح الخارج في الحركة ، مما دفع محمد نزال أحد قادة حماس في الخارج للمطالبة باستقالة قيادة المنظمة ،إلا أنه في يونيو تراجعت حماس عن موقفها المتشدد وأعلنت على لسان إبراهيم غوشة بأن المنظمة هي الإطار السياسي لجميع أبناء الشعب.

 ما بين 1994 و2004 حيث قرار حماس بالمشاركة بالانتخابات البلدية، مارست حركة حماس كل ما من شأنه تعزيز حالة الانقسام الفلسطيني من خلال رفض المشاركة بالانتخابات التشريعية التي جرت عام 1996 بل صدرت فتاوى من شيوخ حماس تُكفر الانتخابات ومن يشارك فيها ، كما رفضت حماس المشاركة في أية من مؤسسات السلطة ورفضت الاعتراف بشرعيتها كما أثارات الشكوك والاتهامات حول كل تصرفاتها . خلال وجود السلطة وفي ظلها وبمعرفتها  شكلت حركة حماس دولة داخل الدولة: مستشفيات ومدارس وجامعات وجمعيات ومليشيات خاصة بها ، بالإضافة إلى علاقاتها وتحالفاتها الخارجية المستقلة عن السلطة.

الشيء الخطير والملفت للانتباه في تلك المرحلة أن كل عملية عسكرية كانت تقوم بها حركة حماس داخل الخط الأخضر أو في مناطق السلطة  كانت ترد عليها إسرائيل بضرب مقرات السلطة الفلسطينية المدنية والعسكرية بما فيها المطار ومشروع الميناء والوزارات ،وتحميل الرئيس أبو عمار المسؤولية !، وكانت النتيجة إضعاف السلطة الفلسطينية ثم اجتياح الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس أبو عمار في المقاطعة ، في مقابل تزايد شعبية وحضور حركة حماس !.

استمر التوتر بين الطرفين- حركة حماس من جهة  والسلطة ومنظمة التحرير وحركة فتح  من جهة أخرى-  إلى درجة الاحتكام للسلاح وما يشبه الحرب الأهلية حين اغتالت حركة حماس عددا” من قادة فتح والسلطة وخطفت عددا آخر  و اندلعت معارك سقط فيها العديد من القتلى، ولم تنجح جهود الوفد الأمني المصري المرابط في قطاع غزة من وقف الاشتباكات أو وضع حد للتوتر، الأمر الذي أثار شكوكا حول دور ووظيفة الوفد الأمني المصري ؟ ولماذا يوجد  في قطاع غزة فقط وليس في الضفة أيضا ؟.

 اتهمت حركة فتح حركة حماس بأنها وراء اغتيال عدد من قادتها ومن المسؤولين في السلطة [12]، وجاءت خطة شارون للخروج من غزة وخروجه في سبتمبر 2005 في ظل حالة الاحتقان الداخلي والفوضى وخصوصا في قطاع غزة حيث الحضور العسكري والسياسي للحركة أكبر بكثير مما هو في الضفة ثم يليها مباشرة انتخابات تشريعية قبل التوصل لمصالحة وطنية أو اتفاق على الثوابت والمرجعيات الوطنية، ليثير كل ذلك  تساؤلات عميقة حول علاقة الخروج من غزة والانتخابات بالانقلاب اللاحق ثم الانقسام؟ وهل أن خطة شارون جزء من مخطط متعدد الأطراف كانت قيادات في حركة حماس مشاركة فيه بطريق مباشرة أو غير مباشر عن طريق وسطاء ، وهو مخطط وعد حركة حماس بإمارة أو حكومة في قطاع غزة مقابل وقف عملياتها العسكرية ضد إسرائيل في الضفة الغربية وداخل الخط الأخضر؟[13].

كان يُفترض أن تكون انتخابات 25 يناير 2006  حلا لأزمة النظام السياسي- المشروع الوطني والسلطة- ولكن وحيث إنها لم تنطلق من حسن نية ولا من منطلق الإيمان بالديمقراطية ولأنه لم يسبقها الاتفاق على ثوابت النظام السياسي، فقد أدت الانتخابات لتعميق الانقسام حيث فسرت حركة حماس فوزها بالانتخابات التشريعية وكأنه تفويض لها بقيادة الشعب الفلسطيني وبالتالي من حقها تغيير أسس ومرجعيات السلطة والنظام ، متجاهلة أن مرجعية السلطة هي منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن الانتخابات التي فازت فيها كانت لأعضاء مجلس تشريعي لسلطة حكم ذاتي ناتجة عن اتفاقات ملتزمة بها.

يبدو أن حركة حماس أرادت أن توظف آلية ديمقراطية لتنفيذ انقلاب كجزء من مخطط متعدد الأطراف مُعد مسبقا، وعندما فشل الانقلاب عن طريق صناديق الانتخابات  وتم فرض الحصار على الحكومة التي شكلتها حركة حماس بعد خطف الجندي شاليط بمشاركة من حركة حماس  تراجعت وقبلت بنتائج تفاهمات مكة وشكلت حكومة توافق وطني، إلا أن معسكر الانقسام وتداخل الأجندة الخارجية وخصوصا إسرائيل كان أقوى من معسكر التوافق والمصالحة الوطنية فكان اللجوء للحسم العسكري والانقلاب[14] ، وهو في حقيقة الأمر ليس حسما ولا انقلابا بالمفهوم الدقيق للكلمة بل اصطناع انقلاب لتبرير مخطط الفصل والسيطرة على القطاع .

لا نشكك بأن حركة حماس فازت بالانتخابات ولا نشكك بحقها بناء على ذلك بتشكيل الحكومة،ولا ننفي أن وضع السلطة قبل الانتخابات كان من التردي بما يستدعي ضرورة التغيير بالانتخابات أو غيرها من الوسائل، ولكن النوايا المُسبقة عند بعض قيادات حركة حماس والتي أشرنا إليها والفصل الجغرافي الواقع ما بين الضفة وغزة، جعل الانتخابات عاملا معززا للانقسام السياسي و البرامجي والجغرافي ، مما أدى لتدمير المشروع الوطني ، سواء كمشروع سلام أو مشروع مقاومة .

   مع سيطرة حركة حماس على السلطة في القطاع ضَعُفَ كثيرا المشروع الوطني الفلسطيني بمحدداته ومرجعياته التي صاغتها وثيقة الاستقلال عام 1988 ثم مشروع السلام الفلسطيني المبني على الشرعية الدولية، على الأقل على مستوى قطاع غزة وبالنسبة لحركة حماس، وأصبحت غزة وكأنها تحت حكم جماعة الإخوان المسلمين والمعركة الدائرة في غزة وكأنها معركة الإخوان المسلمين حيث حشدت هذه الأخيرة كل جهودها على مستوى العالم لرفع الحصار عن غزة في تجاهل لما يجري في الضفة والقدس .

 مع الانقسام استطاعت إسرائيل فرض معادلة خطيرة وهي إسرائيل في مواجهة عسكرية دموية مع أهل غزة وفصائل المقاومة في غزة ، و إسرائيل في مواجهة السلطة ودعاة التسوية السلمية في الضفة الغربية، وبمقتضى هذه المعادلة لم يعد الصراع كما كان سابقا ،إسرائيل في مواجهة كل الشعب الفلسطيني وهو ما كان عليه الحال طوال تاريخ القضية الفلسطينية وهو ما لمسناه خلال انتفاضة 1987 ثم انتفاضة الأقصى 2000 .

 بمقتضى معادلة ما بعد الانقسام أصبحنا نسمع عن حرب إسرائيل ضد قطاع غزة والعدوان على قطاع غزة فيما تتم عملية إخراج الضفة من ساحة الحرب المباشرة،حتى شعارات المتظاهرين في العالم أصبحت تقول لبيك غزة ونصرة غزة  وليس لبيك فلسطين ونصرة فلسطين، ونسمع في نفس الوقت عن الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس فيما فلسطينيو غزة مجرد مراقبين عن بعد لا حول لهم ولا قوة في مساندة أهلهم في الضفة .

نخلص فيما يتعلق بعلاقة حركة حماس بالمشروع الوطني أن غموض والتباس موقف الحركة لا يخفي حقيقة أنها ظهرت أصلا كبديل لمنظمة التحرير بل يمكن القول إن ما يجري اليوم من انقسام وسعي من حماس بالتفرد بدولة أو إمارة دينية في قطاع غزة كان واردا منذ فترة طويلة عند قادة حركة حماس ليس فقط من خلال استعداد الشيخ احمد ياسين بالقبول بدولة في حدود 1967 وهو الموقف الذي تكرر على لسان السيد خالد مشعل في القاهرة أخيرا، بل واضحا من كتابات لقادة ومفكرين من حماس منذ بداية التسعينيات، فالدكتور احمد يوسف[15]تحدث عام 1990 عن دولة التمكين التي تحكمها نخبة ملتزمة بالإسلام سلوكا ودستورا ومنهاج حياة.[16] ولو لم يتم إسقاط حكم الرئيس لإخواني مرسي في مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013 لقامت دولة غزة سواء بحدودها الحالية أو الموسعة باتجاه سيناء.

الفصل الثاني

كرونولوجيا صناعة الانقسام وتكريسه

سنوظف في هذا الفصل المنهج الكرونولوجي chronology الذي يعتمد التسلسل الزمني للأحداث ذات العلاقة المباشرة بالانقسام الناتج عن انسحاب إسرائيل من القطاع وملابسات تسليم القطاع لحركة حماس وثم توالي خطوات تكريس الانقسام . ولكوننا عاصرنا وتتبعنا الحدث كتابة منذ لحظة حدوثه فسنتابع مسلسل الانقسام من خلال مقالاتنا التي غطت الأحداث أولا بأول .وكما سبقت الإشارة فإن الانقسامات أو التصدعات السابقة في النظام السياسي مهدت للانقسام الأخطر لاحقا وساعدت على صيرورة قطاع غزة والضفة الغربية كيانين سياسيين منفصلين.ويضاف لهما حالة الانفلات الأمني وخصوصا في عامي 2005 و 2006 ، وهي حالة شارك في إحداثها كل الأطراف المعنية بإضعاف السلطة الوطنية تمهيدا لتدمير المشروع الوطني . ففي تصريح للسيد نصر يوسف وزير داخلية السلطة آنذاك لصحيفة الشرق الأوسط قال إن المسؤولية عن حالة الفوضى التي تشهدها مناطق السلطة تتحمل مسؤوليتها من جهة إسرائيل، من خلال مساعدتها على تهريب السلاح لمناطق السلطة وضربها وتدميرها لمقرات السلطة ، ومن جهة أخرى أطراف فلسطينية تريد إضعاف السلطة لتحقيق مصالح خاصة بها [17].

أولا : لو لم تنسحب إسرائيل من القطاع ما سيطرت حماس عليه

غياب إستراتيجية فلسطينية لمواجهة خطة شارون ؟ [18]

لم يكن الانسحاب من غزة قرارا مفاجئا لكثير من الأطراف بل جاء تنفيذا لمخطط استراتيجي بدأ التفكير رسميا فيه بعد فشل مباحثات كامب ديفيد الثانية عام 2000 . فكرة الانسحاب من قطاع غزة من جانب واحد كانت حاضرة عند المفكرين الاستراتيجيين الإسرائيليين قبل الانسحاب بوقت طويل ، فقد تم تناول الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة كسيناريو محتمل في تقرير صادر عام 1989 عن مركز جافي الإسرائيلي، وفي التعقيب على نتائج هذا السيناريو يقول التقرير: (ومن الممكن أن تكون الآثار الناجمة داخل القطاع حادة بشان السلطة بين وطنيين علمانيين –مدعومين بعناصر من منظمة التحرير يأتون من الخارج- وبين مسلمين أصوليين يتمتعون بقوة أكبر من قوتهم في الضفة الغربية. وأيا تكن النتيجة فان الدويلة في غزة ستلهب نزاعا مطردا باستمرار مع إسرائيل ولن يجني أي من الفلسطينيين الآخرين فائدة فورية منه.وستجد السلطات الغزية صعوبة في احتواء العنف الموجه نحو إسرائيل وفي حين أنها ستكون قلقة بالتأكيد من ردات إسرائيلية انتقامية عنيفة وغير متحمسة لعودة الاحتلال فمن غير الواضح إلى أي درجة سيرتدع السكان عامة بفعل الخطر الأخير فالأحوال في غزة قد تسوء إلى درجة أن بعض الغزيين قد يستعيد ذكرى الاحتلال الإسرائيلي بشيء من الحنين) .[19]

في 1 نوفمبر 2004 صدرت وثيقة عن مؤسسة TOLEDANE [20] تتضمن ورشات عمل غير رسمية عقدها فريق مشترك فلسطيني /إسرائيلي في مدريد دعا لها شلومو بن عامي وزير خارجية إسرائيل الأسبق والذي كان يعمل نائبا عن مدير مؤسسة TOLEDANE . في ذاك الوقت كان الرئيس أبو عمار محاصرا في مقر المقاطعة في رام الله ، وكان جوهر النقاش يدور حول الكيفية التي سيتم فيها فصل غزة عن الضفة وتشكيل إدارة انتقالية للسلطة في قطاع غزة بعيدا عن السلطة الفلسطينية، وكان يترأس فريق العمل الفلسطيني خالد اليازجي وكان آنذاك الذراع الأيمن للسيد محمد دحلان. تم عقد هذه الورشة في خضم العداء الأمريكي والإسرائيلي للرئيس أبو عمار ،واتفاق الطرفين على البحث عن قيادة فلسطينية جديدة ، ولم تكن الأطراف العربية المعنية وخصوصا مصر وأطراف دولية بعيدة عما يجري [21].

في ذاك الوقت كان لمحمد دحلان حضور أمني واضح  وخصوصا في قطاع غزة وكان من الواضح انه يسعى للهيمنة على القطاع ، وفي نفس الوقت كانت اتصالات وعلاقات مكثفة ما بين السيد دحلان والإدارة الأمريكية وحديث عن مساعدات مالية وأجهزة عسكرية للسيد دحلان لتجهيز قوة عسكرية في القطاع لمواجهة حركة حماس والتداعيات المستقبلية للانسحاب الإسرائيلي .

كانت النقاشات واضحة ومركزة على خلق منطقة إدارية انتقالية فلسطينية في قطاع غزة (PAT ) وهذا يعني أن  قطاع غزة : ( يجب أن يكف عن كونه منطقة محتلة كما أعلنت خطة الانسحاب الإسرائيلية ، إذ  يجب تغيير وضعه القانوني استجابة لهذا التغيير ، وسيحتاج إلى بنى سياسية وقانونية جديدة يجب إقامتها لإدارة الإقليم بشكل فعال، ومع ذلك، عملية التخطيط لبنية عملياتية سياسية وإدارية في غزة يجب أن لا تعيق طريق مفاوضات الوضع النهائي لحل الدولتين) . كما تحدثت الوثيقة عن تشكيل “ميثاق غزة ” من أشخاص من منظمة التحرير أو من السلطة أو من خارجهما ومن المجتمع المدني: ( ويجب أن يتم التصديق على رئيس تنفيذي ، أو رئيس (Chief ) للإدارة الانتقالية الفلسطينية وكذلك على وزارة  لمساعدة المعينين لإدارة شؤون المناطق المخلاة في غزة)   … وترى الوثيقة أنه من الممكن إيجاد الشخص أو الهيئة التي ستدير القطاع : ( إذا قامت مصر والمجتمع الدولي بالضغط على السلطة الفلسطينية والرئيس عرفات من أجل الموافقة على تعيين شخص أو لجنة لتولي مسؤولية الحكم والإدارة في غزة بعد الانسحاب إلا أن هذا الضغط لم يحرز أي نتيجة ).[22]

المواقف المعلنة للسلطة والمعارضة من خطة شارون لم تكن تعبر عن الحقيقة . القادة الكبار وخصوصا في فتح وحماس كانوا يعلمون حقيقة مخطط شارون ، وقد أرسل ناصر القدوة مندوب فلسطين في الأمم المتحدة رسالة للرئيس أبو عمار مباشرة بعد إعلان شارون عن عزمه الانسحاب من القطاع محذرا من وجود مخطط لفصل غزة عن الضفة وتحويل قطاع غزة لكيان قائم بذاته ،”وكشف القدوة في رسالته أن مبعوث الأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط تيري رود لارسن طلب دراسة الوضع القانوني لقطاع غزة كوحدة جغرافية مستقلة عن الضفة الغربية إضافة إلى قيام البنك الدولي بإجراء دراسات تقتصر على قطاع غزة لتقديمها إلى الدول المانحة “.[23]

ففي التقرير لمجلس الأمن المشار إليه والذي تم تقديمه في 13 يوليو 2004 جاء فيه أيضا أن هناك رغبة متزايدة من أعضاء الرباعية والمجتمع الدولي لتقديم اعترافهم بسلطة فلسطينية بديلة وقادرة ، ويمكن للسلطة الفلسطينية الحالية أن ترفض إقامة مثل هذه السلطة في غزة ، وكررت الرباعية في بيانها في 23 سبتمبر 2004 ، بشكل لا لبس فيه : (استعدادها المستمر للتعاطي مع قيادة فلسطينية أعيد إصلاحها وقابلة للحساب) .

كماحذر جورج حبش الأمين العام للجبهة الشعبية في تصريحات لصحيفة القدس العربي في نفس التاريخ من وجود مخطط لإقامة كانتون في قطاع غزة بانفصال عن الضفة كما حذر من وجود محاولات لصناعة قيادة مستقلة في قطاع غزة معتمدا في تخوفه على عمليات العنف التي سبقت الانسحاب من القطاع .

جاءت الظروف لتنفيذ الخطة بعد وصول عملية التسوية لطريق مسدود واندلاع انتفاضة الأقصى 2000 حيث تم طرحها علنا من طرف شارون في مؤتمر هرتسليا يوم 18-12- 2003 ، وصادقت الحكومة الإسرائيلية على خطة الفصل المعدلة  يوم 4-6 -2004 حيث كان الحديث عن الانسحاب من مستعمرات قطاع غزة وأربع مستوطنات في الضفة، كما تم تفعيل الخطة مع احتدام الصراع مع أبو عمار وسعي إسرائيل وواشنطن لتصفيته سياسيا والبحث عن قيادة بديلة .

  منذ بداية الحديث الجاد عن عزم إسرائيل إعادة نشر قواتها في القطاع وسحب مستوطنيها قلنا بأنالمرحلة القادمة ستكون حبلى بالتطورات والتوقعات والمراهنات ، منها ما نملك خيوطها والقدرة على تحديد مسارها وضبط تداعياتها، وغالبيتها تملك إسرائيل وقوى خارجية أخرى خيوطها وتحديد مسارها. وقلنا بأن المرحلة القادمة والتي عنوانها تطبيق خطة شارون شبيهة بمرحلة أوسلو، فالآتي مخطط سياسي جديد ولكنه يأتي في ظل متغيرات محلية ودولية أقل تفاعلا وتجاوبا مع حقوقنا المشروعة وفي ظل موازين قوى عسكرية وحضارية أكثر ميلا لصالح إسرائيل .

عندما أعلن شارون عن خطته انبرت المعارضة لتقول إن شارون يهرب من غزة تحت وقع ضربات المقاومة، وبما أنه يهرب فلننتظر حتى يُكمل هروبه ثم نرفع رايات النصر على جدران مستعمراته ولنجعل غزة قاعدة لاستكمال المشروع التحريري ! وفي السلطة كرر بعضهم خطاب المعارضة مع شيء من تلطيف اللهجة وبعضهم وخصوصا في الحكومة قالوا بما أن شارون سينسحب بإرادته المنفردة وسيفك الارتباط من طرف واحد ، فلا أحد يمنعه وعلينا أن نجلس وننتظر !.

إذن ، فإن قيادات فلسطينية كانت تعلم بالمخطط وتعلم بأن شارون لا يهرب من غزة بقدر ما إنه يقدم القليل ليأخذ الكثير وخصوصا تدمير وحدة المشروع الوطني والتخلص من الكثافة السكانية في القطاع ، ـويعلمون بأنه لن يخرج دون شروط سيفرضها على الفلسطينيين وبضمانات أمريكية وأوروبية وعربية وهذا ما جرى في قمة شرم الشيخ – [24].  مقابل هذه المواقف استهترت أو هونت بعض القيادات من الخطة إما لجهلهم بأبعادها أو لأن شارون أربكهم بخطته ولأنهم لا يملكون البديل، فالانتفاضة وصلت لمأزق والمفاوضات وصلت لمأزق.

تم تشكيل لجنة تحت رئاسة السيد الوزير محمد دحلان للتعامل مع خطة شارون وتم رصد مبلغ عشرين مليون دولار لتنسيق عملية الإشراف على الانسحاب وتسهيله ،وفرضت تساؤلات نفسها حول الموضوع ، مثلا لماذا السيد محمد دحلان تحديدا ؟ ولماذا لم يتكلف بالموضوع السيد صائب عريقات كبير المفاوضين ؟ أو لجنة من عدة وزارات بما فيها الخارجية والداخلية؟ . نعتقد أن تشكيل لجنة للإشراف على الانسحاب بتزامن مع قرار من حركة حماس وبقية فصائل المقاومة بوقف الأعمال العسكرية أثناء فترة الانسحاب معناه الاعتراف الفلسطيني بالخطة بل واستعداد البعض باعتمادها كمرجعية لتسوية جديدة  وهو ما يريده شارون.

لم يكن الخروج من غزة هروبا لجيش الاحتلال بل مخطط سياسي متكامل له تداعيات خطيرة سياسية واقتصادية وقانونية . في هذا السياق تمنينا على من سيتكلف بالتعامل مع خطة شارون الانتباه للقضايا التالية:

  1.          هذا الأمر يحتاج لخبراء في القانون الدولي لبحث  مصير المستوطنات من ناحية قانونية ، وإذا كان يجوز لإسرائيل بيع المستوطنات أو تطالب بتعويضات في حالة تركها للفلسطينيين، فعلى السلطة الفلسطينية مطالبة إسرائيل بتعويضات عن استغلالها لأراضي المستوطنات طوال 38 سنة وعن الأضرار البيئية الناتجة عن المستوطنات: تلويث المياه الجوفية وتلويث الشواطئ و تجريف الأراضي المحيطة بالمستوطنات الخ . كما يجب على المفاوض الفلسطيني ألا يقبل بالمقارنة مع ما جرى في طابا حيث تم تعويض إسرائيل عن المنشآت السياحية التي أقامتها في طابا، فما جرى في طابا كان نزاعا حول الحدود في منطقة طابا وقرار محكمة لاهاي في سبتمبر 1988 أكد السيادة المصرية على منطقة طابا مقابل تعويضات عن المنشآت التي أقامتها إسرائيل.
  2. الطريقة التي سيتم فيها الخروج من مستوطنات غزة – سحب الجيش مع بقاء السيادة الإسرائيلية – ستكون سابقة لأي انسحابات في الضفة وهذا يتطلب من السلطة الفلسطينية الاستعانة بخبراء من مختلف التخصصات وخصوصا القانونية والاقتصادية قبل أي خطوة تقدم عليها حول الموضوع. 
  3. وبالنسبة للعلاقات الاقتصادية المستقبلية بعد الخروج من غزة ، يحتاج الأمر إلى بحث معمق حتى لا نكرر تجربة بروتوكول باريس سيئ الصيت . فهل سيبقى اقتصاد غزة مرتبطا بالاقتصاد الإسرائيلي ومحكوما بمقتضيات بروتوكول باريس؟ أم سيرتبط اقتصاد غزة بالاقتصاد المصري وهو ما سيجعل الأمر أكثر سوءا ؟ أم سيكون اقتصاد فلسطينيا مستقلا يعتمد على المناطق الحرة ؟ وفي هذه الحالة سيحتاج الأمر للتحكم بالمعابر والحدود .وما طبيعة العلاقات الاقتصادية التي ستنشأ ما بين غزة والضفة؟.
  4. ما هي الوضعية القانونية لغزة بعد خروج الجيش الإسرائيلي ؟ هل هي سيادة فلسطينية أم حكم ذاتي موسع ؟ هل سيكون الانسحاب تطبيقا لقرارات الشرعية الدولية أم تطبيقا لخارطة الطريق أم دون أية مرجعية إلا مشيئة شارون ؟ والوضعية القانونية لغزة ستختلف حسب مرجعية الانسحاب .
  5. يحتاج الأمر إلى بحث في طبيعة العلاقة ما بين السلطة والمعارضة بعد خروج إسرائيل من غزة، فهذا الخروج إن حدث سيكون بعد انتزاع تعهدات وشروط أمنية قاسية من الفلسطينيين،كعدم مهاجمة إسرائيل انطلاقا من القطاع وعدم دعم وتمويل أي عمليات عسكرية في الضفة أو إسرائيل بالإضافة لوقف التحريض، وفي هذه الحالة كيف ستتصرف حماس وقوى المعارضة ؟ وهل ستقبل بالتخلي عن نهجها العسكري ؟وما هو دورها في النظام السياسي الجديد؟.

نكرر ما قلناه أكثر من مرة بأن خطة شارون لم تكن فك ارتباط من جانب واحد وليست هروبا من غزة بل مخطط سياسي جديد أو أوسلو جديدة، ولا يستطيع شخص واحد أن يتصدى للأمر.وسيبقى الأمر بيد اللاعبين الكبار والذين هم فريق أوسلو ، فهل أخذ هؤلاء العبر من أخطاء أوسلو نصا وتطبيقا ؟.    

استشراف مستقبل القضية الفلسطينية ما بعد تنفيذ خطة شارون [25]

من منطلق التحليل الواقعي – الواقعية العلمية الموضوعية وليس الواقعية القدرية فالواقعية قد تكون مدخلا لتجديد الثورة والفكر الثوري وقد توظَف لتبرير التسليم بالأمر الواقع – يمكن القول إن خطة شارون بكل محاذيرها وغموضها هي في طريق صيرورتها واقعا بعد مدة قصيرة ، فما العمل ؟ كنا معها أو ضدها، ما العمل ؟ مع الأخذ بعين الاعتبار بأن هناك فرقا بين أن يكون الفلسطينيون جميعا ضد الخطة أو مع الخطة وبين أن ينقسموا البعض مع الخطة وآخرون ضدها ولكل منهم إستراتيجيته الخاصة للتعامل مع الخطة؟. ما هي آفاق المستقبل -المستقبل القريب والمستقبل البعيد – للقضية الوطنية بشكل عام بعد تنفيذ الخطة؟.

ملابسات وأسباب طرح شارون لخطته

لا بد من الإشارة بداية بأن خطة شارون ليست تصورا لحل تُجمع عليه مختلف الأطراف باتفاقية رسمية ، بل خطة أحادية الجانب من شارون المعروف بمواقفه اليمينية المتطرفة ورفضه الاعتراف بأي حقوق سياسية للشعب الفلسطيني،والمؤمن بوهم النصوص التوراتية، وبالتالي يجب التعامل معها بحذر شديد ، فقد عودنا شارون على طرح عشرات التصورات والإدلاء بعديد التصريحات إما لتهدئة الوضع الإسرائيلي الداخلي أو لاستيعاب ردود فعل دولية معارضة لسياسته ضد الفلسطينيين أو ليغطي على مخططات غير مُعلَن عنها .

لهذا يمكن فهم غياب علامات الفرحة والحبور عن وجوه الفلسطينيين سواء في غزة أو خارجها لفكرة إخلاء مستوطنات وإعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في غزة ومناطق من شمال الضفة،وهذا عكس ما يُفترض أن يكون في الأحوال العادية ، حيث يُعتبر انسحاب قوات الاحتلال من أي شبر من أرض الوطن نصرا للشعب المقاوِم.الخطة أثارت من القلق والخوف عند الفلسطينيين أكثر مما أثارت من الفرح، فما هو السبب ؟ هل الفلسطينيون استمرءوا العيش في ظل الاحتلال ؟ أم لأنهم غير قادرين على إدارة شوارع وحواري غزة المدمرة والفقيرة ؟ أم لخوفهم أن ثمن الخروج من مستوطنات غزة هو التخلي عن كل فلسطين بما فيها القدس وحق عودة اللاجئين ؟. وما هي حقيقة الدور المصري في غزة ؟ أهو وصاية جديدة ؟ أم جزء من خطة سياسية مصرية رباعية لإحياء مسلسل السلام؟ وهل من الممكن تحويل الانسحاب إلى إنجاز وطني ولو محدودا؟.

يبدو أن شارون من خلال تصريحاته وأعضاء حكومته إنما يرمي إلى إرباك الفلسطينيين والعرب ، ويرمي إلى افتعال خلافات فلسطينية داخلية وفلسطينية عربية قبل أن يحدث الانسحاب الكامل.لا شك أن غزة كانت خنجرا في خاصرة إسرائيل تتمنى التخلي عنها منذ سنوات، إلا أن معطيات اليوم ليس هي قبل عشرة أو عشرين سنة… . ولكن… وبعيدا عن أوهام تضخيم الذات وبعيدا أيضا عن التهوين من شأن النضال الفلسطيني، يمكن القول إنه لو كان الاحتلال الإسرائيلي مريحا ما فكر الاحتلال بالخروج من غزة على الأقل الآن؟.

خطة شارون تطرح تحديات وتساؤلات خطيرة وعميقة أبعد من منطوق نصوصها الغامضة ، تساؤلات تمس أسس المشروع الوطني الفلسطيني حاضرا ومستقبلا، مما يتطلب من كل فعاليات المجتمع الفلسطيني وخصوصا المثقفين والمفكرين من ذوي الاختصاصات المتعددة وقفة عقلانية متأنية لبحث انعكاسات هذه الخطة على الأوضاع السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني.والمثير للقلق فإن من يستلم ملف غزة هي نفسها نخبة أوسلو المأزومة وهي تديره بعقلية القطاع الخاص وبما يحقق المصلحة الاقتصادية لها .

يبدو أن كل الأطراف الفلسطينية التي تعاملت مع الخطة أو ساعدت على تنفيذها، تجهل أو تجاهلت عن قصد بأن الخطة لن تكون في نهاية المطاف أحادية الجانب، نعم، شارون كان يقول ذلك حتى يبدو صادقا مع نفسه بعدم وجود شريك فلسطيني للتفاوض معه، ومقولة شارون هذه كانت ترمي لخلق فتنة داخلية قد تؤول في نظره لانبثاق قيادة جديدة تملأ فراغ غياب القيادة الذي تزعمه إسرائيل، أيضا الهدف من الزعم بأنها خطة من طرف واحد هو تمرير الخطة عند الفلسطينيين حيث قبلها البعض منهم تحت مقولة أن إسرائيل ستخرج من غزة بدون ثمن فلماذا نرفض الخطة؟ !.

لا غرو بأن خطة شارون وكما هو معلن رسميا هي خطة أمنية بالدرجة الأولى وهدفها الأول أمني ولا شك، ولكن عند التنفيذ سيحولها شارون إلى خطة سياسية إستراتيجية، حيث لن ينسحب إلا بعد جلب أطراف فلسطينية تقبل بالتعاطي مع مخططاته ومع الرؤية الأمريكية في المنطقة- وعربية- مصر والأردن-  وربما دول أخرى إلى طاولة مفاوضات تحضرها الولايات المتحدة كجزء من الرباعية وبشكل مستقل كطرف ضامن وضاغط على الفلسطينيين، هذه المفاوضات التي ستركز ظاهريا على الجوانب الأمنية كضمان حدود دولة إسرائيل ومصير المعابر ومصير الجماعات المسلحة وأسلحتها، ولكنها ستؤول إلى مخطط سياسي متكامل رُسم قبل وصول شارون للسلطة وتحديدا في الأشهر السابقة لنهاية فترة السنوات الخمس التي حددتها اتفاقية أوسلو -مايو  1999 .

لا تكمن خطورة خطة شارون في ضيق مساحة قطاع غزة بل في كونها محاولة لإجهاض المشروع الوطني الفلسطيني -كيانا سياسيا وهوية وطنية- وعلى هذا الأساس فإن الخطة أكثر خطورة وسوءا من خطة خارطة الطريق حتى بالتحفظات الأربعة عشر التي وضعها شارون عليها ، فخطة خارطة الطريق حتى بالصيغة الإسرائيلية كانت تعترف بوجود طرف فلسطيني مفاوض، وكانت ترتب حقوقا والتزامات على كلا الطرفين، وكان لها مرجعية دولية والأهم من ذلك أنه كان يلوح بالأفق دولة فلسطينية ، وكلها أمور مفتَقَدة في خطة شارون الحالية،.

خطة الانسحاب تقضي على كل المرجعيات القانونية والسياسية التي كانت تعترف للفلسطينيين بحقوق سياسية، فهي تتجاهل منظمة التحرير والسلطة وبالتالي تتجاهل الحقوق السياسية الوطنية التاريخية ،كما تتجاهل قرارات الشرعية الدولية وبالتالي تتجاهل حقوقنا المستمدة من هذه الشرعية كالحق بدولة حسب قرار 181 وحق العودة حسب قرار 194 وحق تقرير المصير حسب قرارات متعددة للجمعية العامة بالإضافة إلى قرار 242 الذي يطالب إسرائيل بالانسحاب من الأراضي المحتلة ، وغيرها من القرارات التي صدرت خلال سنوات الانتفاضة وتعترف بحق الفلسطينيين بدولة مستقلة. تجاهل هذه الشرعيات والمرجعيات تجعل من الفلسطينيين شعبا بلا تاريخ وبلا هوية سياسية ومن الأرض الفلسطينية أرضا متنازعا عليها في أفضل الحالات.والأخطر من ذلك أن تجاهل الخطة للشرعية الدولية هو تجاهل لحقيقة الصراع وأصل القضية وهو الاحتلال الإسرائيلي.

خطورة الخطة على المشروع الوطني تكمن أيضا في كونها لا تتحدث بوضوح عن انسحاب من غزة بل من مستوطنات غزة مما يعنى أن إسرائيل قد تحافظ على وجود عسكري في غزة أو (مزارع شبعا) – وهي استمرار سيطرتها على المياه الإقليمية للقطاع بالإضافة للشريط الحدودي – وبالتالي استمرار مصادر للتوتر- الخطة تتحدث عن إعادة انتشار وعدم وجود عسكري إسرائيلي دائم-، كما أنها لا تتحدث عن سيادة فلسطينية على غزة بل عن سيطرة أمنية فلسطينية ومصرية، وفرق كبير بين السيطرة الأمنية والسيادة.أيضا الخطة تتحدث عن فك الارتباط مع الفلسطينيين وليس مع فلسطين أو أرض فلسطينية.وهذا يعني أن غزة ستكون تحت حكم ذاتي فلسطيني وسيطرة أمنية فلسطينية مصرية محدودة، فيما السيادة والأمن العام بيد إسرائيل وهو ما كان في اتفاقية أوسلو حيث استغلت إسرائيل هذا النص وغيره لتبرير إعادة اجتياحها لمناطق السلطة-. يضاف إلى ما سبق غياب أي إشارة لموضوع الدولة، فهل ستسمح إسرائيل للسلطة الفلسطينية بأن تقيم دولة ذات سيادة في غزة تكون منطلقا لاستكمال استعادة ما تبقى من غزة والضفة؟.

تحدث كثيرون عن الثمن الذي قد يضطر الفلسطينيون لدفعه مقابل إشرافهم على غزة، والثمن هو الضفة الغربية والقدس، ولكن يتم تجاهل أن الفلسطينيين لن تكون لهم سيادة على غزة، والحكم الذاتي الذي سيمارسونه على غزة هو كقصور على رمال متحركة، فبالإضافة إلى محدودية سلطتهم – حيث سيشاركهم فيها المصريون من خلال تحكمهم بالمعابر- قد تتحول غزة إلى ساحة لمواجهات قد تأخذ أبعادا خطيرة بين الفصائل، فالمناصب المتاحة وخيرات القطاع المحدودة هي دون القدرة الاستيعابية لشباب غزة الذين يتزايدون باستمرار وسيكون الأمر أكثر صعوبة إذا ما توقفت المنظمات عن عملها العسكري وتحولت إلى العمل السياسي، آنذاك ستطالب بنصيبها من المناصب والخيرات التي هي محدودة في غزة.

هذه المحاذير السياسية تجرنا للحديث عن التداعيات القانونية للخطة،وفي السياسة يصعب الفصل بين السياسة والقانون بشكل عام وفي الحالة الفلسطينية على وجه التحديد. من الواضح أن الانسحاب الإسرائيلي سيقتصر على غزة – وربما تقوم إسرائيل بحركات استعراضية وإعلامية بالتظاهر بتفكيك بعض البؤر الاستيطانية في شمال الضفة سيقاومها المستوطنون بإيعاز من شارون نفسه مما سيؤدي لتأجيل موضوع مستوطنات الضفة بذريعة عدم تعطيل مسيرة الانسحاب من غزة – وفي هذه الحالة ما هي طبيعة العلاقة التي ستربط الضفة المحتلة بالكامل مع غزة الخاضعة لسلطة إدارية وأمنية فلسطينية ومصرية؟ وهل سيكون هناك نظام سياسي في غزة ونظام آخر في الضفة ؟ وما هي التداعيات النفسية والسياسية على أهالي الضفة الغربية؟ .

كما ذكرنا فإن تجاوز خطة شارون للمرجعيات الوطنية الفلسطينية والدولية، يطرح تساؤلات حول التكييف القانوني لوضعية قطاع غزة ووضعية الضفة الغربية بما فيها القدس الشريف. مفردات خطة شارون وتصريحاته وتصريحات المسئولين الإسرائيليين تقفز على حقيقة أن جوهر المشكلة هي الاحتلال ،وبالتالي الخطة لا تتحدث عن انسحاب جيوش احتلال عن أراضي محتلة ،وهذا الغياب لجوهر المشكلة هو الذي يطرح إشكالات قانونية حول مصير غزة والضفة بعد الانسحاب، في الوضع الطبيعي يفترض أنه بعد خروج جيوش الاحتلال تعود الأراضي المحتلة لأصحابها الشرعيين ليمارسوا عليها سيادتهم ويقرروا مصيرهم بأنفسهم،هذا الوضع غائب في الحالة الفلسطينية .

إسرائيل تريد الخروج من غزة ولكنها ترفض تسليم السيادة للفلسطينيين، وتطالب مصر بأن يكون لها دور في إدارة غزة ، وربما تريد إسرائيل من خلال ذلك إعادة وضع غزة إلى ما كانت عليه قبل 1967 . إلا أن ما هو غير مصرح به في خطة شارون أخطر مما هو في منطوق الخطة ، ونقصد الإشكال القانوني حول مصير الضفة الغربية. بداية يجب الإشارة إلى أنه قبل 1967 كان قطاع غزة والضفة كل منهما يعيش وضعية سياسية وقانونية مغايرة للآخر، وبعد الاحتلال الإسرائيلي عملت إسرائيل على خلق حقائق وترتيبات ديمغرافية وقانونية تَحُول دون التواصل بين المنطقتين كرفض فتح المعبر الآمن بين المنطقتين ، كما أنها تعاملت مع الضفة الغربية ليس كأرض محتلة بل كأرض إسرائيلية محررة أو في أفضل الحالات كأرض متنازع عليها ، ومما ساعدها على ذلك قرار الأردن بفك الارتباط مع الضفة عام 1987 – مع أنه فك ارتباط إداري وليس سيادي-. من هنا نلاحظ تكثيف الاستيطان في الضفة بشكل مدروس وممنهج وتسمية الضفة في وسائل الإعلام الإسرائيلية بيهودا والسامرا وهو الاسم اليهودي للضفة ثم بناء جدار الفصل العنصري الذي يقتطع أكثر من نصف مساحة الضفة بالإضافة إلى تدمير مؤسسات السلطة وتعطيل نشاطها بشكل أكثر مما هو حادث في غزة.

كان التصرف السليم الواجب الأخذ به لتعطيل المخطط الشاروني لفصل الضفة عن غزة، والهادف ليكون الانسحاب من غزة آخر الانسحابات، هو أن تتعامل السلطة الوطنية الفلسطينية مع غزة كأرض محررة أو مُدارة فلسطينيا مع استمرار التعامل مع الضفة كأرض محتلة وتستمر السلطة صاحبة القرار وصاحبة الحق في العمل السياسي لتحرير الضفة من الاحتلال حسب قرارات الشرعية الدولية وحسب خطة خارطة الطريق المعتمدة دوليا. نعلم بأن إسرائيل سترفض هذا المنطق بل ستفرض على الفلسطينيين قبل خروجها من غزة شروطا تجعل التواصل بين الضفة وغزة أمرا مستحيلا والنضال ضد الوجود الإسرائيلي في الضفة انطلاقا من غزة أمرا أكثر صعوبة ، وفي هذه الحالة كان يجب على السلطة أن تنتزع ضمانات دولية قبل أن توافق على شروط شارون للخروج من غزة ، وعلى رأس هذه الضمانات تأكيد وحدة الأرض الفلسطينية ،وتأكيد أن الضفة الغربية والقدس جزء من الدولة الفلسطينية المأمولة،وفي حالة عدم الحصول على هذه الضمانات على السلطة رفض أية مفاوضات أو اتصالات مع حكومة شارون ولتترك شارون ينسحب من طرف واحد كما يزعم ، وهناك شك كبير بأنه سيفعل ذلك.[26]

ثانيا : الانتخابات جزء من صناعة الانقسام

ما أن بدأ الحديث عن الانسحاب من قطاع غزة حتى تزايدت المطالبات بإصلاح النظام السياسي وضرورة إجراء انتخابات ، وحركة حماس التي كانت ترفض الانتخابات بل وتعتبرها كفرا وخيانة وطنية باتت متحمسة للمشاركة في الانتخابات البلدية والتشريعية ، يشاركها في ذلك واشنطن . [27]

لا نريد تكرار ما سبق وأن أكدنا عليه من أننا لسنا ضد الديمقراطية من حيث المبدأ ، وأن حركة حماس فصيل فلسطيني فاعل واكتسب ثقة ناخبيه ، كما أننا دوما نؤكد على أن النظام السياسي الفلسطيني منذ نشأته الأولى مع منظمة التحرير وهو يعيش مأزقاً متعدد الأسباب والتجليات ، ومع وجود السلطة تعمق هذا المأزق ، حيث كان وما يزال يتطلب عملية إصلاح شاملة لهذا النظام ، إصلاح لنهج وسياسات المجال السياسي لحركة تحرر وطني أكثر مما هو إصلاح سلطة حكم ذاتي، وآليات إصلاح نظام حركة تحرر تختلف عن آليات إصلاح سلطة دولة مستقلة .

 أيضاً يجب التذكير بأن خطاب الإصلاح كان خطاباً فلسطينياً قبل أن تصادره الولايات المتحدة والأوروبيون ليجعلوه خطاباً خارجياً يهدف لمواجهة الرئيس أبو عمار، ذلك أن فشل القوى السياسية الفلسطينية بالتوصل لآليات إصلاح المجال السياسي لحركة التحرر الفلسطيني على أسس وطنية وبأدوات وطنية منح القوى الخارجية فرصة لركوب موجة الإصلاح الفلسطينية أساساً ليوجهوها لخدمة أغراضهم وهي غير بريئة بالتأكيد ، حيث انصبّت آليات الإصلاح على بعض مؤسسات السلطة بما يجعلها حالة نقيض وبديل لحركة التحرر وبما يجعلها في حالة غربة عن الشعب .

كنا نتمنى لو نجحت دعوات الإصلاح وجلسات الحوار المتعددة بالتوصل لقيادة وحدة وطنية تضع إستراتيجية عمل وطني وثوابت وطنية يتم الاتفاق والاختلاف فيها لا عليها قبل دخول متاهة الانتخابات الموجهة خارجياً ، ولكن وللأسف فشلت كل جولات الحوار ، ليس فقط لأن القوى الخارجية تريد إفشال الحوار بل لأن هذه القوى وجدت أدوات داخلية تُسهل عليها المهمة ، وكانت تعمل على إفشال الحوار عن دراية وسبق إصرار أو جهل وسوء تقدير . فشل المتحاورون بالتوصل لمرجعيات حيث كان الوطن والمصلحة الوطنية هو المبتغى والهدف ،يشكك بإمكانية نجاحهم في التوصل لاتفاق عندما تصبح السلطة والسلطة فقط هي المبتغى والهدف .

 الإصرار الأمريكي على إجراء انتخابات

ولنكن صريحين ودون مكابرة ، فإن العملية الانتخابية وما يسمى بالمسلسل الديمقراطي لم تكن تعبيراً عن نضج الوعي الديمقراطي أو عن قناعة راسخة بالديمقراطية لا عند حركة فتح التي كانت تمسك السلطة ولا عند حركة حماس التي كانت تتطلع للسلطة . الانتخابات فُرِضَت بداية كجزء من استحقاقات التسوية ، ولأن الحكومات السابقة كانت مأزومة ليس فقط بالفساد الذي ينخرها ، بل بالإعاقات التي وضعتها في وجهها إسرائيل ، فلم تكن تستطيع معارضة المطلب الأمريكي والأوروبي بإجراء الانتخابات ، ولأن حركة حماس كانت مأزومة بتآكل شرعيتها الجهادية وبمحاصرتها خارجياً ، فقد تمسك الطرفان بالانتخابات وتزينوا بزي الديمقراطية ، وهم في داخلهم يدركون الحقيقة بأن ما يجري هو مخطط خارجي لا علاقة له بالديمقراطية الحقيقية .[28]

الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها لم يكونوا حريصين بأن نكون ديمقراطيين ولا يريدون الانتخابات حتى تهيئ الأمور للعودة لنهج السلام ، بل إن حديثهم عن الإصلاح والانتخابات وسعيهم لذلك إنما بهدف استمرار سلطة فلسطينية تنوب عن سلطة الاحتلال وتتعايش مع حالة من ( اللا سلم واللا حرب ) ، وحالة السلطة قبل الانتخابات وصلت لدرجة من التردي والخطورة بحيث باتت مهددة بالانهيار وانفلات الأمور من تحت الضبط ، فكان لا بد من تحديث أو تغيير في السلطة ولو على حساب حكومة فتح الشريك في تأسيس السلطة . أيضاً شعرت الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها من عرب وعجم بأن حركة حماس في الوقت الذي تتزايد شعبيتها فإنها أيضاً تعيش حالة من انسداد الأفق واليأس الذي قد يدفعها لقلب الطاولة وتخريب حالة أللا سلم وأللا حرب وذلك بتدمير مشروع السلطة ، فكانت الانتخابات هي الحل الذي ينقذ السلطة ويستدرج حماس لتصبح جزءاً من السلطة وخصوصا أن واشنطن بدأت بالتخطيط لمشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يستوعب جماعات الإسلام السياسي المعتدل وحركة حماس جزء من الإخوان المسلمين المعنيين بهذا المشروع .[29]

 وجود حماس داخل النظام السياسي الفلسطيني وداخل النظام الشرق الأوسطي الجديد يجعلها أكثر خضوعاً للابتزاز ولتغليب مصالح الجماعة على المصلحة الوطنية ،ومن هنا كان التقاطع بين أهداف حركة حماس وواشنطن وإسرائيل . الشعب ساير الانتخابات لأنه  يريد الانتخابات ليقضي على الركود وحالة العجز التي وصلت إليها الحكومات السابقة وليقيم سلطة قادرة على استكمال المشروع الوطني على قاعدة التسوية العادلة حيث لا يمكن لسلطة عاجزة داخلياً أن تكون قوية على طاولة المفاوضات، والأمريكيون والإسرائيليون أرادوا الانتخابات ووصول حماس لمحاصرتها ولإدخال الساحة الفلسطينية في صراعات داخلية تبعدها عن الهدف الحقيقي لوجودها كفصائل حركة تحرر ضد الاستعمار .

ولكن هل دخول حركة حماس للسلطة أخرج النظام السياسي من مأزقه ؟ وهل تملك حركة حماس إستراتيجية سلام تمكّن من كسر حالة ألا سلم بسلام حقيقي ، أو إستراتيجية حرب تكسر حالة أللا حرب بحرب حقيقية تقضي فيها على إسرائيل كما يطرح ميثاقها ؟ أم أن قياداتها وخصوصا في الخارج كانت متواطئة في تنفيذ مخطط أبعد من المشاركة السياسية لإصلاح النظام السياسي ، مخطط يتجاوز الحلول محل حركة فتح في حكومة لسلطة حكم ذاتي ؟.

لماذا انتخابات إن لم تؤد لحكومة ائتلافية ؟ [30]

حتى نكسب الرهان على الانتخابات طالبنا بضرورة مباشرة حوار وطني يسبق الانتخابات التشريعية ويؤدي لتقريب البرامج والمواقف والتوصل لمرجعيات وثوابت وطنية يكون الاختلاف داخلها وليس عليها ، من منطلق أن الانتخابات كآلية لتداول السلطة لن يُكتب لها النجاح إن كانت تنافساً بين استراتيجيات متناقضة ، فذلك سيصعب من إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية بل قد يؤدي لأن يثأر الفائزون من المنهزمين وعدم اعتراف المنهزمين بالهزيمة وبالتالي الارتداد على العملية الديمقراطية برمتها ، وللأسف جرت الانتخابات دون الاتفاق على ثوابت ومرجعيات وطنية ،وكانت النتيجة أن المنهزم بالانتخابات مأزوم بهزيمته والمنتصر مأزوم بنصره .

لا شك أن نتائج الانتخابات التي جرت يوم 25-1-2006 وفازت فيها حماس بالأغلبية كانت ضربة قوية لحركة فتح ولقوى اليسار ولمن طرحوا أنفسهم كتيار ثالث ، ولكن المصلحة الوطنية وروح الديمقراطية كانت تتطلب من الجميع تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية ، فحركة حماس حركة شعبية ولها جمهورها واختارها الشعب بحرية ، ليس بالضرورة إيماناً ببرنامجها ولكن رغبة بالتغيير وتطلعاً إلى التخلص من سلطة عمَّها الفساد والفوضى وحُمِلت حركة فتح مسؤولية ذلك . الديمقراطية لم تُشَرِع الانتخابات كآلية لاستبدال استبداد باستبداد بل لتوسيع المشاركة السياسية وتداول السلطة، الديمقراطية تقوم على مبدأ الاعتراف بالآخر والمشاركة بالقرار. وفي الحالة الفلسطينية إن لم تؤد الانتخابات لتشكيل حكومة وحدة وطنية أو ائتلافية فما الفائدة منها؟ .

ومع كامل تفهمنا لما أصاب حركة فتح من صدمة هي تتحمل المسؤولية عنها [31]، فإن المصلحة الوطنية كانت تتطلب أن تشارك حركة فتح في الحكومة الجديدة ، ولكن ليس في ظل البرنامج الانتخابي لحماس وإستراتيجيتها قبل الانتخابات ، بل في سياق سياسة الالتقاء وسط الطريق ، فحركة فتح لها تجاوزاتها وأخطاؤها ، وحركة حماس لها أخطاؤها وكان عليها أن تعيد النظر بكثير من شعاراتها وممارساتها . كان على حركة حماس أن تتحلى بالصراحة والواقعية وأن لا تتلكأ كثيرا في النزول من فوق الشجرة  ، فالواقع عنيد والحقيقة جلية بأنه لا يمكن للعالم – وهو محق حسب مبادئ وأصول القانون الدولي والأعراف الدولية – أن يعترف ويدعم حكومة تطالب علنا بالقضاء على دولة هي عضو بالأمم المتحدة وتعترف بها غالبية الدول العربية .

كنا نتمنى أن تباشر كل القوى السياسية حواراً لصيغة من الشراكة داخل المجلس التشريعي تمهد الطريق لحكومة وحدة وطنية ،لان حركة حماس لا يمكنها تشكيل حكومة ناجحة بدون حركة فتح ، وفتح لا يمكنها أن تكون خارج السلطة وخارج الحكومة .

 فوز حركة حماس ومأزق التوفيق بين المقاومة والسلطة

إن كانت حركة حماس لا تريد الاعتراف بإسرائيل ، ولا بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير مع إسرائيل، ولا بالمبادرة العربية، ولا بقرارات الشرعية الدولية… فلماذا دخلت الانتخابات أصلاً وهي تعرف أنها انتخابات سلطة حكم ذاتي مرجعيتها اتفاقات أوسلو؟ وماذا تريد من خلال وجودها بالسلطة ؟ الجواب الذي يتبادر للذهن مباشرة أنها تريد عكس ذلك ،أي عدم الاعتراف بإسرائيل ومواصلة نهج المقاومة المسلحة والتمسك بالشرعية الدينية والتاريخية . ولكن كيف نوفق بين ذلك وبين دعوة حماس لهدنة طويلة المدى ؟ وكيف يستقيم ذلك وإسرائيل تسمح لقادة حماس بالتنقل العلني داخل الوطن وخارجه ، وعقد لقاءات وندوات داخل الوطن وخارجه ؟ أيضاً ، السؤال الذي يفرض نفسه : هل ما يجري قد فاجأ حركة حماس وبالتالي وقَعت في مصيدة أُعدت لها ؟ أم كان أمراً متوقعاً ، وبالتالي فهي تعرف ما تريد وليست منزعجة مما يجري ؟.

نعتقد بأن حركة حماس لم تدخل الانتخابات عن جهل ورعونة ، ربما فوجئت بالنسبة الكبيرة من الأصوات،ولكنها كانت راغبة بالسلطة وتسعى إليها ليس لذاتها ولكن كمدخل لمشروع إسلامي أكبر كانت قيادة الإخوان المسلمين تخطط له . كما نعتقد بأن ما جرى من حصار لم يفاجئ كثيراً قادة حماس لأنهم ليسوا من الغباء السياسي ليعتقدوا أنه بمجرد نجاحهم بالانتخابات فإن العالم الخارجي سيغيّر استراتيجياته ومواقفه تجاه الصراع العربي الإسرائيلي وسيشتغل على أجندة حماس السياسية المُعَبر عنها بشعاراتها المعادية لإسرائيل والمطالبة بإزالتها ! وقادة حماس يدركون جيداً بأن إسرائيل وحلفاءها لم يعارضوا منح الفلسطينيين حقوقهم المشروعة لأنهم كانوا غير ديمقراطيين وكانوا يريدون انتزاع حقوقهم بالكفاح المسلح وعندما يصبحوا ديمقراطيين ويعلنوا الهدنة أو وقف المقاومة ستُقدم لهم هذه الحقوق على طبق من الفضة !، وقادة حماس يعلنون دوما بأن الراحل أبو عمار والمنظمة قدموا كثيراً من التنازلات ولم يحصلوا على شيء .

مباشرة بعد فوز حماس صدرت عدة إشارات توحي بأن لدى حماس استعداد للتعامل مع نهج التسوية ، منها الرسالة التي وجهها وزير الخارجية الدكتور محمود الزهار إلى الأمين العام للأمم المتحدة ، وحديث بعض قادتها عن الاعتراف بإسرائيل كأمر واقع أو الاعتراف بالمبادرة العربية ، وقد فسرت هذه الإشارات بأن لدى حماس استعداد مسبق للدخول في نهج التسوية أو مسايرته ولكنها تحتاج لوقت حتى تستطيع تمرير خطاب التسوية واستحقاقاته السياسية على قاعدتها الشعبية المعبأة بثقافة مناقضة لثقافة التسوية.

وإذا ما صدقت توقعات القائلين بأن حماس ستنهج نهج منظمة التحرير وتتعامل مع استحقاقات التسوية السلمية في وقت قريب ، فإن حركة حماس ستسجل سابقة خطيرة وغير أخلاقية سياسياً وهي استغلال حصار الشعب وتجويعه بل وإظهاره بصورة مذلة أمام العالم ، وتصعيد خلافها مع حركة فتح ، لتوظف ذلك كله كمبرر لتنازلات كانت مستعدة لها أصلاً ،أي لتقول بأنها لم تتنازل عن ثوابتها إلا نتيجة الضغوط التي مورست عليها ولأن هناك مؤامرة داخلية وخارجية لإسقاط الحكومة،وأنها اضطرت للاعتراف باستحقاقات التسوية أو وقف المقاومة لأن الوضع الاقتصادي لم يعد محتملاً والشعب يضغط على الحكومة لتقديم تنازلات …الخ .

مقابل هذا السيناريو هناك سيناريو أكثر احتمالا نتلمس ملامحه أيضاً من تصريحات متعددة لقادة حماس بالداخل والخارج ، وهو الرفض المطلق للاعتراف بإسرائيل أو بالاتفاقات الموقعة . فإذا كانت حماس لا تريد السلام والتسوية ضمن الاتفاقات الموقعة وفي نفس الوقت لا تريد الدخول في مواجهة مسلحة مع إسرائيل وقد ثبت أنها أكثر التنظيمات التزاما بالتهدئة… إذن ماذا تريد حركة حماس؟ هنا يقفز للذهن مشروع الشرق الأوسط الكبير ورغبة واشنطن في تمكين الإسلاميين من السلطة في العالم العربي وحركة حماس جزء من جماعة الإخوان المسلمين، وبالتالي تتراجع للوراء قضية الاعتراف بإسرائيل أو باتفاقية أوسلو ما دام المخطط يسعى لفصل غزة عن الضفة وتمكين حماس من حكم قطاع غزة .

ثالثا : احتدام الخلافات والبحث عن مخارج

وثيقة الوفاق الوطني مخرج مشرف لكل الأطراف

لا تكمن قيمة وثيقة الأسرى التي تم توقيعها في مايو 2006 في بنودها الثمانية عشر بقدر ما تكمن في الموقعين عليها ، ولذا سميت بوثيقة الوفاق الوطني ، وهي في حقيقة الأمر مشروع وفاق وطني . قيمة الوثيقة تكمن في أن قادة غالبية الفصائل الفلسطينية الفاعلة وضعوا خطوطاً عريضة لإستراتيجية عمل وطني ، وهي عناوين تحتاج لجهد كبير من الجميع لصيرورتها قوانين وممارسات والتزامات متبادلة ، وهي تحتاج لجهود أعظم حتى يعترف بها العالم الخارجي وخصوصاً إسرائيل ، وحتى تجد الوثيقة طريقها للتنفيذ فهي تحتاج لموافقة مؤسسة على الرضا وحسن النية وليس أن تفرض فرضاً ولو باستفتاء شعبي ، وتمنينا من حركة حماس وممن يتحفظ على الوثيقة إعادة النظر بموقفهم [32]، فلا نعتقد بأن القادة في سجون الاحتلال الذين وضعوا الوثيقة  أقل وطنية من القادة خارج السجن أو أقل إدراكاً لخطورة المرحلة .

من يقرأ وثيقة الأسرى سيجد أنها على درجة من المرونة بحيث تمنح مخرجاً للجميع ، مخرجاً لحركة فتح يسمح لها بالمشاركة بحكومة وحدة وطنية ومخرجاً لحركة حماس يساعدها ويساعد الحكومة على التخفيف من الضغوط الممارسة عليهما والتي تطالبها بالاعتراف بإسرائيل أو التخلي عن الحق بالمقاومة أو التفرد بتهمة الإرهاب ، كما أن الوثيقة كما أشرنا مجرد خطوة أولى وأساس لإستراتيجية عمل وطني وهي تسمح للجميع المشاركة ببناء هذه الإستراتيجية دون تعارض مع برنامجه وعقائده ، ويجب أن لا نستسهل الأمور ونعتبر بأن مجرد الاعتراف بالوثيقة سيحل المشاكل العالقة ، فالمشوار طويل والمهم هو توفر حسن النية من الجميع .

ولحماية القرار الوطني الفلسطيني المستقل كان يجب تشكيل حكومة وحدة وطنية[33]

كنا نتمنى أن يتوج (العرس الديمقراطي) بتشكيل حكومة وحدة وطنية، إلا أن حسابات حزبية داخل حركة فتح[34] وحسابات عقائدية خارجية عند حركة حماس حالت دون تشكيل هذه الحكومة وتفردت حركة حماس بالحكومة كما كان الأمر مع حركة فتح سابقا، ولكن الحكومة هذه المرة لا تلتزم بالبرنامج السياسي الذي تلتزم به السلطة والرئاسة، مما أوجد نظاما سياسيا رسميا برأسين وإستراتيجيتين ،فعمقت الانتخابات من أزمة السلطة والنظام السياسي  بدلا من أن تكون عونا ومخرجا لهما من مأزقهما.

ما أن مرت عدة أيام على تشكيل حماس الحكومة حتى ارتفعت الأصوات من حركة حماس لتتحدث عن التآمر على الحكومة والحركة لأن الجهات المانحة أوقفت دعمها للسلطة وإسرائيل واصلت عدوانها وحركة فتح لم تلتزم ببرنامج الحكومة وسياستها الخ!. والسؤال الذي فرض نفسه في هذا السياق هل كانت حركة حماس تنتظر من دول العالم أن تتجاهل التزاماتها وتعهداتها الدولية والقواعد التي تحكم علاقتها بالصراع في المنطقة وتشتغل على أجندة وبرنامج وأهداف الحركة لمجرد أنها منتخبة ديمقراطيا ؟ وهل كانت حركة حماس تنتظر من حركة فتح أن تتعامل معها بوضوح وشفافية أو بطريقة مغايرة للطريقة التي كانت حركة حماس تتعامل بها مع حكومات فتح … وحماس تعرف بأن حركة فتح منهزمة بالانتخابات ومتهمة من حماس نفسها بالفساد بالإضافة إلى كونها تشتغل على برنامج سياسي مخالف لبرنامج الحكومة؟.

إذا كانت حركة حماس وحكومتها تعتقدان وتنتظران من هذه الأطراف تصرفات غير ما كان منها فهذا جهل بالسياسة ، وإن كانتا تتوقعان مثل هكذا معاملة فيفترض أن يكون عند الحكومة سياسات عامة وخطط للتعامل مع هذا المحيط المعادي أو العاجز في أفضل الحالات بدلا من الهروب نحو خطاب التآمر أو ما هو أخطر من ذلك ونعني التهرب من تحمل مسؤولية اتخاذ القرار السياسي الوطني وترحيل هذا القرار لأطراف خارج حدود الوطن، وخصوصا أن هناك مؤشرات مقلقة على محاولات حثيثة لمصادرة القرار الوطني لصالح أطراف خارجية، وإذا غاب القرار الوطني غابت الهوية الوطنية التي هي الحلقة المركزية أو الأداة الرئيسة في نضالنا ضد إسرائيل نقيض وجودنا الوطني ، كما أن الهوية الوطنية هي حصيلة نضال امتد لأكثر من أربعة عقود.

مع انكشاف محدودية الدعم العربي والإسلامي للشعب وللحكومة لم يعد مجالا للمكابرة و التهرب من الحقيقة التي يعرفها ويدعو لها كل صغير وكبير وتتعامى عنها النخبة الحاكمة وهي تشكيل حكومة وحدة وطنية إن أردناها سلطة وطنية تؤسس لدولة في إطار الشرعية الدولية ،وقيادة وحدة وطنية إن أردناها حركة تحرر وطني . وحيث إن كل القوى السياسية فيما عدا الجهاد الإسلامي تريد سلطة وحكومة فمطلوب الإسراع بتشكيل حكومة وحدة وطنية تتعامل مع المستجدات كحكومة طوارئ ،وهذه الحكومة لا تعني بالضرورة فشل حكومة حماس بل ردا على تحديات ومستجدات طارئة وللخروج من حالة الانتظارية المهيمنة على مؤسستي الرئاسة والحكومة وكل النخبة، ولا ندري ماذا ينتظرون ؟.

قد يقول قائل بأن التحديات كبيرة والأمور معقدة مما كان لا يسمح للقيادة فعل شيء وكان مطلوب منحها مزيدا من الوقت حتى تزول الهجمة الإسرائيلية ! مثل هذا القول التبريري بعيد عن فهم حقيقة ودور النخبة السياسية أو مؤسسة القيادة ، فلا قيمة للقيادة إن لم تجد حلولا للمهام الصعبة التي تواجه الشعب ، ولا تُختبر مصداقية القيادة إلا في الأوقات الصعبة ،وكل تاريخنا صعب ، أما قيادات الظروف المريحة والنضال المريح فلا نحتاج لها وليست من متطلبات المرحلة.

وعليه إن لم يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية بأسرع ما يمكن فالقرار الوطني المستقل سيهجر أرض الوطن وستتآكل شرعية ومصداقية وفعالية مؤسسات السلطة مع مرور الزمن وسيصبح همَّ غالبية سكان الضفة والقطاع مجرد تحسين شروط المعيشة وبعض العمليات العسكرية العبثية تنَفِّس عن وطنية مكبوتة للبعض أو تكون مجرد وظيفة لعناصر ولحساب أجندة خارجية .

تراجيديا حكومة الوحدة الوطنية [35]

نعم إنه لأمر أكثر من مأساوي أن يصبح ما يُفترض أنه من الأساسيات والبديهيات بالنسبة لأي شعب خاضع للاحتلال-  ونقصد بذلك قيادة وإستراتيجية أو حكومة وحدة وطنية- يصبح حقلا للمزايدات السياسية بل والمهاترات .عندما تصبح الوحدة الوطنية محل خلاف فالوطن ليس هو الوطن والشعب ليس هو الشعب والهوية ليست هي الهوية والمواطن ليس هو المواطن عند الجميع. لقد أدت السياسات الخاطئة إلى تحويل أقدس وأعدل قضية في العالم إلى سيرك يتفرج عليه الجميع، سيرك دموي لاعبوه شباب ونساء وأطفال يموتون معتقدين أنهم يستشهدون دفاعا عن وطن .

إنه لأمر مأساوي أنه في الوقت الذي كانت تواصل فيه إسرائيل عدوانها العسكري على قطاع غزة والعدوان الأكثر خطورة الذي يجري في الضفة وهو استمرار الاستيطان وتزايده واستمرار بناء الجدار واستمرار تهويد القدس والتراجع عن تنفيذ خطة الانطواء ، في هذا الوقت كان السياسيون يتجادلون حول تشكيل حكومة وحدة وطنية، وهو اختلاف وصراع في الحقيقة على السلطة والمواقع والمناصب. لو كان الحوار ديمقراطياً لاستبشرنا خيرا لأن الحوار الديمقراطي جزء من العملية الديمقراطية ، ولكنه للأسف حوار يكشف زيف ما سموه العرس الديمقراطي والتجربة الديمقراطية الرائدة! .أي حوار لا ينطلق من اتفاق على المبدأ و الثوابت والمرجعيات وحسن النية ويكون فيه المتحاورون مشبعين بثقافة الديمقراطية  لا يمكنه إلا أن يؤدي لتعميق الخلاف أو تحويل الحوار لحوار الطرشان.

لا نريد العودة مجدداً إلى الانتخابات والتساؤل هل كانت الانتخابات خياراً وطنياً فلسطينياً؟ [36]ولكننا سنسلم بنتائج الانتخابات التي أدت لفوز حركة حماس ومن ثم تشكيلها للحكومة ونتساءل، أليس من المفروض على حكومة منبثقة عن عملية انتخابات ديمقراطية أن تحترم ثقافة وقيم وآليات الممارسة الديمقراطية؟ أليس من المفروض من حزب فاز بالانتخابات تحت شعار (الإصلاح والتغيير) أن يصلح ويغير إلى الأفضل حياة الناس في إطار الصلاحيات المسنودة لحكومة حكم ذاتي إداري محدود ، وهو إصلاح في القضايا التي كانت الحكومات السابقة مقصرة فيها أو كانت حكومات فاسدة الخ؟ أليس مطلوب ومفروض من الحكومة أن تؤمن تعليم أفضل وصحة أفضل وفرص عمل أفضل الخ؟ .

كانت حركة حماس تدرك والناس يدركون بأن الناخبين لم ينتخبوهم لأنهم يريدون تحرير كل فلسطين والسابقون كانوا يريدون أقل من ذلك ، وحركة حماس كانت تدرك بأن الشعب لم ينتخبهم لأنهم حركة مقاومة مسلحة فيما السابقون تخلوا عن المقاومة ، الكل يدرك بأن الشعب في الضفة وغزة انتخب حماس نظراً لوجود فساد مالي وإداري في الحكومات السابقة، ولأن مسار التسوية تعثر وآفاق الحل السلمي أغلقت،ولأن حالة من الفوضى كانت تسود مناطق السلطة، وبالتالي انتخب الشعب حركة حماس لتخرج السلطة والنظام السياسي من مأزقه وتؤمن له حياة كريمة وتفتح آفاق حل سلمي عادل ومشرف .

خطاب رئيس الوزراء السيد إسماعيل هنية يوم الجمعة 8/8 /2006 والذي قال فيه بأن الحكومة ستبقى لأربع سنوات وفي نفس الوقت يقول بأنه مع حكومة وحدة وطنية ، يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية التعامل مع تشكيل حكومة وحدة وطنية، وبأي معالجة عجائبية يمكن التوفيق بين التأكيد على استمرار الحكومة بنفس برنامجها وسياساتها والقول بتشكيل حكومة وحدة وطنية؟ إذا ربطنا حديث رئيس الوزراء بتصريحات سابقة لمسئولين حمساويين آخرين كالقول بأن حكومة حماس وجدت لتبقى وقول آخرين بأن حماس مستعدة لقلب الطاولة على الجميع ، وقول نائب عن حماس في لقاء إذاعي مباشر كنت أحد طرفيه ، قوله : (هذا هو برنامجنا ومواقفنا ومن لا يعجبهم أعلى ما في خيلهم يركبوا)!، أيضا تشكيل قوات الإسناد التي لم توجد لوضع حد للانفلات الأمني بل كقوة حماية وإسناد للحكومة ضد أي محاولات انقلابية ضدها ، إذا ربطنا كل هذه الأمور مع بعضها البعض يحق لنا التساؤل: هل أن حركة حماس ومن حيث المبدأ مع تشكيل حكومة وحدة وطنية ؟ .

حتى تتشكل حكومة وحدة وطنية يجب توفر أربعة شروط وكل شرط يشكل مرحلة ولا يمكن أن تسبق مرحلة ما قبلها أو القفز من إحداها إلى الأخرى وهذه المراحل:-

1 – المبدأ: أي أن يكون اقتناع وإيمان من حيث المبدأ بتشكل حكومة وحدة وطنية ، والمبدأ يفترض قناعة من الجميع بأن الوطن أكبر وأهم من الحزب ، وأنه لا يمكن لحزب واحد مهما كانت الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات أو ما له من تاريخ نضالي واعتراف دولي ، لا يمكن له أن يتحمل مسؤولية القضية الوطنية أو يقصي الآخرين إن أرادوا مشاركته هذه المسؤولية.

2 –الثوابت والمرجعيات: إذا توفر المبدأ تأتي مرحلة الاتفاق على الثوابت والمرجعيات ، أي الاتفاق والتراضي على الثوابت الوطنية والمرجعيات التي عليها يتم رسم السياسات العامة، فمثلا يجب الاتفاق على موقف موحد من قضايا السلم والحرب، وحول مفهوم الوطن والدولة والهوية الوطنية، موقف موحد من الشرعية الدولية والمبادرة العربية الخ، الاتفاق على الثوابت والمرجعيات يحد من حالة الاستقطاب الحادة والاحتقان وحالة مصادرة القرار الوطني لجهات خارجية. دون التراضي على الثوابت والمرجعيات لا يمكن حصول تداول سلمي ديمقراطي على السلطة وإن حدث لا يستمر، وبدونه لا يمكن تشكيل حكومة ولا قيادة وحدة وطنية لأن الوحدة تكون على هذه الثوابت والمرجعيات، وإن قامت حكومة وحدة وطنية بدون الاتفاق على الثوابت والمرجعيات فستكون حكومة وحدة شكلية مجاراة للجمهور أو خضوعا لاستحقاقات خارجية وفي جميع الحالات لن تعمر طويلاً.

3 –برنامج الحكومة: البرنامج هو صيرورة الثوابت والمرجعيات قوانين وبرامج عمل وسياسات قطاعية، وبرنامج الحكومة يبنى على الثوابت وأحيانا بتصرف يتفق عليه الجميع. لا يمكن لأية حكومة أن تستمر إن كان برنامجها متعارضا مع الثوابت والمرجعية، وفي حالة إصرار الحكومة على برنامجها بالرغم من تعارضه مع الثوابت فهذا يؤسس لحالة انقلابية وقد يؤدي الأمر لحرب أهلية.

4 –الأشخاص: ونقصد الأفراد الذين سيولون المناصب الوزارية، وهذه أسهل المراحل وأقل الشروط إثارة للجدل إن توفرت العناصر الثلاثة السابقة.

والسؤال: هل كانت تتوفر هذه الشروط عند القوى السياسية وخصوصاً عند الحزبين الكبيرين؟  كنا نأمل أن يكون التوقيع على وثيقة الأسري قد حسم الشرطين الأولين لتشكيل حكومة وحدة وطنية أي المبدأ والثوابت والمرجعيات بالتالي يقتصر الحوار على البرنامج، ولكن من خلال متابعتنا لما كان يجري في الحوارات وما نسمعه من تصريحات، يبدو أننا عدنا إلى نقطة الصفر أي أن الخلاف يدور حول المبدأ والثوابت. ويبدو أن الضغوطات الخارجية على الطرفين هي السبب الرئيس في تعثر تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، إلا أن هذه الضغوط ما كان لها أن تنجح لو لم يكن هناك البعض من أصحاب النفوذ والقرار يسهل على القوى الخارجية تسهيل مهمتها.

ولنكن أكثر وضوحاً وصراحة فإن ضغوطاً مورست على قيادة حركة حماس في الداخل لإفشال حكومة الوحدة الوطنية إن كان برنامج هذه الحكومة متطابق مع برنامج منظمة التحرير أو حتى قريب منه لأن هؤلاء يرون أن حماس جزء من جماعة الإخوان المسلمين وهي حركة متكاملة وشاملة ولا يمكنها أن تكون جزءاً من كل حتى وإن كان هذا الكل هو الكل الوطني، فهي الكل وعلى الآخرين الالتحاق بها إن أرادوا، وهذا هو تفسيرنا لخطاب السيد رئيس الوزراء المشار إليه ، فمفهومه للوحدة الوطنية هو الحفاظ على برنامج حكومة حماس وما تعتقد الحركة أنها ثوابت وعلى الآخرين الالتحاق بهذه الحكومة وليسموها حكومة وحدة وطنية إن شاءوا! بالمقابل كان هناك من يريد أن يفشل حكومة الوحدة الوطنية خدمة لأغراض أمريكية وإسرائيلية أو لأغراض شخصية ، فحكومة وحدة وطنية تتعامل بجدية مع مسألة السلام والتسوية ومع المبادرة العربية والشرعية الدولية قد تؤدي للعودة لتسوية من منطلق قوة الموقف الفلسطيني وبالتالي فتح أفق جديد  للسلام الحقيقي وهو ما لا ترغب به أمريكا وإسرائيل .

بالرغم من ذلك فلا حل لأزمة النظام السياسي الفلسطيني إلا بالإصرار على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية وفضح كل من يعمل على إفشالها. نعم من صلاحيات الرئيس أبو مازن ومن حقه بالقانون أو بروح القانون أو بالسلطة التقديرية، أن يتخذ إجراءات تؤدي لحل الحكومة كالدعوة لإعلان حالة الطوارئ أو الدعوة للاستفتاء أو لانتخابات مبكرة، إلا أن الخشية أن تستغل القوى نفسها غير الراغبة بتشكيل حكومة وحدة وطنية، تستغل الظرف لتشعلها حرباً أهلية أو فوضى.

رابعا : حكومة حماس والبحث عن ذرائع للانقلاب على الشرعية

ليست حكومة حماس وحدها بل كل الحكومات الفلسطينية مستهدفة إسرائيليا [37]

أكثر المسئولون في حركة حماس من القول بان الحكومة الفلسطينية التي يترأسونها مستهدَفة من طرف إسرائيل والولايات المتحدة بل أحيانا  يقولون بأن كل دول العالم تحاصر هذه الحكومة ،فيما كانت الحكومات السابقة –حكومات حركة فتح- صديقة أو موالية لإسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية،وهذا القول يحتاج لوقفة تمعن .لا محاجة بأن الحكومة الفلسطينية المنبثقة عن مجلس تشريعي منتخب ديمقراطيا تتعرض لحصار متعدد المجالات ومتعدد الأطراف ،فهناك حصار مالي واقتصادي وحصار سياسي ودبلوماسي،وأطراف الحصار متعددون على رأسهم بطبيعة الحال إسرائيل والولايات المتحدة ودول أوروبية وأيضا دول عربية ،والمشكلة في رأينا ليس وجود الحصار ولكن تعامل حركة حماس مع الحصار وكيف تفهمه وتسوقه للجمهور ،المشكلة في استغرابها واستهجانها لما تتعرض له الحكومة التي شكلتها للحصار واعتباره كأمر غير متوقع وكمؤامرة على الحكومة الفلسطينية الراهنة فقط لأنها حكومة حمساوية !.

مَن يفكك الخطاب السياسي للحكومة ولحركة حماس سيجد هذا الخطاب يعتريه تناقض كبير يعبر عن مأزق حقيقي تعيشه الحركة داخل فلسطين [38]، وهو مأزق الانتقال من حركة جهادية لحركة سياسية تريد أن تكون ديمقراطية في فترة زمنية قصيرة،وهو أيضا مأزق التوفيق ما بين المرجعية الأيديولوجية الدينية الأممية باعتبار الحركة امتداد لجماعة الإخوان المسلمين كما يرددون دوما، ومن جهة أخرى متطلبات العمل الوطني النابعة من خصوصية الحالة الفلسطينية وتميزها عن ساحات العمل السياسي التي تشتغل فيها جماعة الإخوان المسلمين .وهناك تناقض ثالث ينتاب الخطاب السياسي للحكومة وللحركة وهو يستشف عندما تلجأ للدفاع عن نهجها ورفضها للضغوط الممارسة عليها للتعامل مع استحقاقات التسوية ،بالقول إن الحكومات السابقة والرئيس أبو عمار لم يشفع لهم كل التنازلات التي قدموها حيث لم تعترف إسرائيل بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني بل قتل الرئيس أبو عمار على يد الإسرائيليين. فالحركة هنا وكأنها تعترف بأنها ليست الوحيدة المستهدفة بل كل الحكومات السابقة، فالمشكلة إذن هي ليست الاعتراف أو عدم الاعتراف بإسرائيل وبالتسوية ، بل في أن إسرائيل التي لا تريد التسوية والسلام ،وهذا يعني أن الحكومة الحالية لا تُحاصر لأنها حكومة حمساوية بل لأنها حكومة فلسطينية ،وهذا ما نود توضيحه.

وسط الصراعات والخلافات بين الأحزاب السياسية على السلطة وعلى كسب تأييد الشارع ، نسي كثيرون حقيقة أن ما يجري ليس سلاما بل مشروع تسوية ، ونسوا بأن منظمة التحرير لم تدخل التسوية في ظل أوضاع مريحة وبالتالي لم تشارك فيها على قاعدة الندية ،ونسي الجميع بان الولايات المتحدة وإسرائيل ليسوا ولم ولن يكونوا جادين في سعيهم للسلام ، وبالتالي لم يكونوا مرتاحين لوجود سلطة وطنية حقيقية وحكومة فلسطينية قادرة على القيام بمهامها بجدارة واقتدار، ونسى أو تناسى الجميع بأنه طوال سنوات وجود السلطة استمر الخلاف بين الفلسطينيين والإسرائيليين على شكل وطبيعة السلطة .

 كان الفلسطينيون وعلى رأسهم المرحوم ياسر عرفات – الذي مارس بعض الأمور البروتوكولية – السجاد الأحمر وطقوس رئاسية تقليدية – التي كانت محل سخرية من البعض  يريدونها سلطة وطنية تؤسِس للدولة وتحافظ على الكيانية السياسية والشخصية الوطنية في ظروف دولية وإقليمية غير مواتية ، كانت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة الأمريكية يريدونها سلطة شكلية يتلهى بها الفلسطينيون عسى ولعل أن تنسيهم حقيقة أنهم شعب تحت الاحتلال، ولم يتورع كل طرف في استعمال كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة لتحقيق أهدافه، وكانت أهم ورقة تستعملها إسرائيل للتخريب على السلطة وإعاقة عملها هو التأثير على عمل الحكومات المتعاقبة والحيلولة بينها وبين القيام بمهامها بالرغم من أنها أيضا كانت حكومات منبثقة عن مجلس تشريعي منتخب، أيضا تحميل السلطة مسؤولية الأعمال المسلحة التي تقوم بها حركتي حماس والجهاد الإسلامي ، فبعد كل عملية تقوم إسرائيل بقصف وتدمير مقرات السلطة ،بل إن اجتياح إسرائيل للضفة الغربية ومحاصرتها الرئيس أبو عمار جاء بعد عملية فندق بارك في مدينة نتانيا يوم 27 مارس 2002  التي نفذها مقاتل من حركة حماس .

وهكذا ولأن تل أبيب وواشنطن لم تكونا جادتين بالسلام وبالتسوية العادلة، فقد أيدتا السلطة الفلسطينية علنا فيما كانتا تعملان كل ما من شانه تفريغها من مضمونها الوطني ووضع العراقيل أمامها لمنعها من القيام بمهامها الوطنية . لم يتوقف الأمر على التهرب من الاستحقاقات المفروضة على إسرائيل بمقتضى اتفاقات أوسلو ولواحقه كعدم الانسحاب من مناطق منصوص عليها ووقف الاستيطان الخ، بل تعدى ذلك لاستهداف الحكومة باعتبارها الأداة التنفيذية للسلطة.استهداف الحكومة الفلسطينية في تلك المرحلة أخذ عدة أشكال ،منها إعاقة عملها الإداري وعرقلة حرية التنقل بين شطري الوطن ،والتدخل في التوظيف وخصوصا للمواقع العليا بحيث كان يوضع الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب ،وإعاقة كل محاولات إصلاح السلطة سواء ماليا أو إداريا أو سياسيا ،وتدمير الاقتصاد الوطني ،إلا أن أخطر استهداف كان الإفساد المالي والإداري والأخلاقي.[39]

لم تكن الأموال التي تقدم للسلطة ولرجالها تخدم دائما المصلحة الوطنية ، ففي كثير من الأحيان كانت تجري عمليات إفساد مالي للحكومة بشكل مباشر، وقد استُدرج البعض من العاملين في السلطة لهذا الفخ وأصبحوا أسرى للمال ومَن يمدهم بالمال أو ييسر عليهم أمر الحصول عليه بعقود خاصة أو احتكارات لسلع محددة أو تسهيل معاملات تجارية يقومون أو يشاركون بها ،ولم يتوقف استهداف الحكومات السابقة على الإفساد الفعلي بل تعداه بترويج وتضخيم الحديث عن الفساد .الفساد المالي والإداري كان موجودا ولا شك ولكن إسرائيل ومن يدور في فلكها كانوا يضخمون الحديث عن الفساد بل لا يتورعون عن كشف فساد من كانوا ضحية إفسادهم ،لأن إفساد الحكومة والقول بفسادها يسيء في النهاية للسلطة الوطنية ولمن يعمل على صيرورتها سلطة تؤسس للدولة وتحمي المصلحة الوطنية.

إذن ، كل حكومة فلسطينية هي محل استهداف من طرف إسرائيل وليست الحكومة الحالية فقط ،لأن إسرائيل لا تريد لأي حكومة فلسطينية أن تنجح في تسيير أمور الناس وخلق استقرار وطمأنينة ،بل تعمل دوما على إغراق كل حكومة فلسطينية بمشاكل لا تنتهي ،لأن نجاح الحكومة الفلسطينية في مهامها الوظيفية من إدارية واقتصادية سيجعل مناطق السلطة مناطق جاذبة للفلسطينيين فيما إسرائيل تريدها مناطق طاردة لهم،ومن جهة أخرى فإن نجاح أية حكومة فلسطينية سيقوي السلطة مما يدفع بالانتقال لخطوة أخرى وهي التفرغ للقضايا الإستراتيجية المتعلقة بالتسوية والمفاوضات ،حيث سيكون المفاوض الفلسطيني المستند على حكومة وسلطة مستقرة أكثر قوة على طاولة المفاوضات ،وإسرائيل لا تريد أن تجلس على طاولات المفاوضات مع مفاوضين فلسطينيين أقوياء ،هذا إن كانت أصلا تريد المفاوضات .

كان على الحكومة الفلسطينية التي تترأسها حماس وأية حكومة قادمة أن تقرأ جيدا أسباب تعثر وفشل الحكومات السابقة بالقيام بمهامها ،لو قرأت حركة حماس جيدا وبصدق تجربة الحكومات السابقة لأدركت جيدا أنها ليست الحكومة الوحيدة المستهدفة ،وإنها حتى لو اعترفت بإسرائيل وبالتسوية فلن يسمح لها بالنجاح كحكومة ليس لأنها حكومة حمساوية بل لأنها حكومة فلسطينية ،وهذا كان يتطلب من حركة حماس الخروج من عقدة تضخيم الذات والتمركز على الذات ، فإسرائيل تريد ترويج أن المشكلة هي مع حركة حماس التي ترفض الاعتراف بإسرائيل حتى تحرض العالم الخارجي وخصوصا الذي يؤيد عملية التسوية على حماس، وحتى تخلق فتنة داخلية وتؤلب الفلسطينيين بعضهم على بعض ، فيما مشكلة إسرائيل هي مع كل الشعب الفلسطيني،هذا ما كان يجب أن تفهمه حكومة حماس وأية حكومة قادمة .

حكومة وحدة وطنية أم حكومة فك الحصار [40]

في محاولة لتدارك الأمر قبل الانفجار حيث وصلت الحكومة التي تتنفرد بها حركة حماس لطريق مسدود راج الحديث عن تشكيل حكومة وحدة وطنية. بدأ الأمر بتوق ورغبة ثم انتظار وترقب ثم قلق وحذر ثم حالة من الإحباط وأللا مبالاة ، ثم جاءت التصريحات والتفسيرات المتناقضة والمثيرة للبس حول برنامج حكومة الوحدة الوطنية والغرض من تشكيلها،ثم المماطلة والتأجيل المتوالي للإعلان عنها . كان هذا هو حال الفلسطينيين قبيل تشكل حكومة الوحدة الوطنية الموعودة .

 إن أكثر ما استوقفنا هو ربط الإعلان عن الحكومة برفع الحصار ، إذا أضفنا لذلك ما كنا نلمسه على الأرض من غياب أي جهود تعبوية وتحسيسية من كل الأطراف لأهمية وجود حكومة وحدة وطنية ، كل ذلك دفعنا للتساؤل مجددا إن كان هناك إدراك لأهمية تشكيل حكومة وحدة وطنية ؟وهل توجد نية حقيقية بتشكيل هذه الحكومة؟ ولو شُكلت الحكومة المنشودة ولم يُرفع الحصار فهل سيفرط عقد حكومة الوحدة الوطنية؟ أو بصيغة أخرى هل حكومة الوحدة الوطنية ضرورية لرفع الحصار فقط ؟ أم لأن الوضع الطبيعي هو وجود حكومة وحدة وطنية؟ وإذا كان الحصار مبررا لتشكيل حكومة وحدة وطنية أليس من الأجدر أن يكون الاحتلال والإرهاب الصهيوني المتواصل أكثر دافعية لتشكيل حكومة وحدة وطنية؟.

عشرات الأسئلة تزاحمت في عقولنا ونحن نراقب تراجيديا تشكيل حكومة الوحدة الوطنية ،وكنا نعتقد بأن الحصار هو عامل إضافي لتشكيل هذه الحكومة وليس السبب الوحيد ، ذلك أن شعبنا الذي يخضع للاحتلال منذ عقود لا يمكنه مواجهة الاحتلال إلا بتوحيد كل جهوده ، بل يحتاج الأمر حتى لتوحيد جهود الأشقاء العرب والمسلمين،ومن هنا كان مطلب القيادة الموحدة على رأس سلم اهتمامات حركة المقاومة الفلسطينية بكل فصائلها منذ الستينيات، وخصوصا أن التعددية الحزبية لم تكن تعبيرا عن نزعة ديمقراطية بقدر ما كانت مفروضة بسبب تدخل عربي وإقليمي بالقضية من خلال وجود أحزاب فلسطينية تابعة لها.

لو عدنا قليلا للوراء لوجدنا أن مطلب الوحدة الوطنية قد تجسد نسبيا عندما استطاعت الفصائل التوافق على دخول منظمة التحرير والاعتراف بها كممثل شرعي ووحيد عام 1968 ،وبالرغم من العثرات والسلبيات التي صاحبت مسيرة هذه المنظمة إلا أنها شكلت عنوانا للقضية الوطنية ووحدت الرؤية والهدف لسنوات طوال ، ولولا وجود منظمة التحرير بهذه الصفة ما كانت القضية وصلت لكل العالم وما كان للشعب الفلسطيني سفارات وممثليات في أكثر من مائة دولة . وحتى عندما بدأت المتغيرات الدولية والإقليمية تزعزع ما كان يُعتبر ثوابت وطنية ،فإن المرونة التي مست هذه الثوابت كانت محل توافق الجميع تقريبا .

كان يجب أن لا يتم التعامل مع مطلب تشكيل قيادة موحدة أو حكومة وحدة وطنية كعمل تكتيكي أو ظرفي لتجاوز أو التحايل على الحصار من طرف حركة حماس أو مناورة للتحايل على نتائج الانتخابات وعلى الحكومة الحالية من طرف حركة فتح ، بل التعامل معها كخيار استراتيجي وضرورة حياتية للفلسطينيين ،وتصحيح لخطأ كان سببا في كثير من تعثر المشروع الوطني. عدم وجود حكومة وقيادة وحدة وطنية خلال السنوات السابقة كان خللا استراتيجيا ،وهو خلل لا يعود لأن فتح كانت راغبة بالتفرد بالسلطة، بل لأن حركة حماس كانت ترفض الاعتراف بشرعية السلطة و بمرتكزات النظام السياسي الأوسلوي كما كانت تسميه.وعليه لا يجوز وضع اشتراطات على مبدأ وجود حكومة وحدة وطنية ، فإن لم يؤد تشكيل هذه الحكومة لرفع الحصار فيجب أن لا نقول بأن مبرر وجود حكومة الوحدة الوطنية قد انتفى بل يجب أن تعمل هذه الحكومة على رفع الحصار ومواصلة العمل بالنسبة لكل المهام الوطنية.ربط تشكيل حكومة وحدة وطنية برفع الحصار إنما يفقد هذا المطلب الوطني النبيل قيمته ومعناه .

كنا ندرك بأن السبب وراء تأخير قيام حكومة وحدة وطنية لا يعود فقط لاعتبارات تخص تشكيل الحكومة سواء تعلق الأمر ببرنامج أو أشخاص أو أهداف الحكومة الخ، بل هناك أسباب أخرى أكبر وأشمل من مسألة الحكومة ، ونقصد الجندي الإسرائيلي الأسير [41] وإطلاق الصواريخ من غزة والاجتياحات الإسرائيلية المتواصلة والمعابر ورفع الحصار، وبالتالي نجاح الفلسطينيين في التوصل لتفاهمات داخلية حول تشكيل الحكومة لن يحل المشكل ، بل يحتاج الأمر لجهود إقليمية ودولية لحل القضايا المشار إليها ، وهذا يعني الحاجة لصفقة شاملة أو إعادة صياغة للنظام السياسي الفلسطيني سواء فيما يتعلق بمكوناته الداخلية أو علاقاته الخارجية ،ومن هنا تتأتى أهمية وجود حكومة وحدة وطنية حقيقية ذات برنامج سياسي واضح لمواجهة هذه الاستحقاقات ، وكلما كانت الحكومة المقبلة حكومة وحدة وطنية حقيقية كلما كانت أكثر قوة في التعامل مع القضايا العالقة وفي مواجهة إسرائيل على كافة الصعد.

نؤكد مرة أخرى أن لا بديل لحكومة الوحدة الوطنية إلا حكومة وحدة وطنية ،حكومة لا يخضع قيامها لرغبات حزبية أو شخصية ولا لاشتراطات خارجية،حكومة كل الشعب وقواه السياسية الفاعلة .حكومة وحدة وطنية هي مطلب وطني اليوم وغدا وما دام الشعب خاضعا للاحتلال والمشروع الوطني لم يُستكمل ، سواء تم رفع الحصار أم لم يرفع فحكومة الوحدة الوطنية ضرورية ، مفاوضات ولادة الحكومة صعبة وشاقة، ولكن نتمنى أن لا يكون الخلاف مرتبطا بالمربع الأول وهو غياب القناعة الصادقة بتشكيل هذه الحكومة و غياب برنامج سياسي واضح خال من الغموض الذي يتيح المجال لمن يريد إفشال الحكومة أن يفعل ذلك .

   تنازع شرعيات وحروب بالوكالة [42]

سواء سميناها مواجهات مسلحة أم اقتتالا داخليا أم مناوشات الخ، وسواء عبرنا عن أسفنا أو خجلنا أو غضبنا أو تنديدنا لما كان يجري، فلن يغير كل ذلك من الواقع شيئا، والواقع يقول إن معادلة الصراع في فلسطين لم تعد صراعا فلسطينيا في مواجهة احتلال إسرائيلي،بل صراع على السلطة بين من يفترض أن يكونوا في نفس الخندق، صراع على ما هو متاح من سلطة كمدخل ضروري حتى وإن كان دمويا للهيمنة على مجمل (المشروع الوطني) ، كل طرف حسب تصوره ومفهومه للمشروع الوطني، ومؤكد عندما يوجد أكثر من مشروع وطني لنفس الشعب الخاضع للاحتلال، ولكل مشروع إستراتيجيته ومؤسساته وامتداداته الخارجية، فلا يوجد مشروع وطني .

فحسب  إحصائيات صادرة عن  الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق المواطن فإن : (ارتفاعا كبيراً في نسبة جرائم القتل التي وقعت في ظل تصاعد ظاهرة الفلتان الأمني خلال العام 2006, مقارنة بالأعوام السابقة.وأفادت الهيئة أن 322 مواطنا فلسطينيا قتلوا داخل مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية حتى تاريخ 30/11/2006, بنسبة زيادة 51.5% عن العام 2005، منهم 236 مواطنا قتلوا في قطاع غزة و86 مواطنا قتلوا في الضفة الغربية، وأشارت الهيئة إلى أن 93 حالة قتل تمت خلال 2004، بينما خلال عام 2005 قتل 176 مواطنا فلسطينيا داخل مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة منهم 97 حالة في قطاع غزة و79 في الضفة الغربية بنسبة ارتفاع 90% عن 2004) .

 ما شهدته مناطق السلطة وخصوصا قطاع غزة من أحداث دموية بعد ( العرس الديمقراطي الفلسطيني) هو تعبير صارخ ومكثف عن أزمة عميقة صاحبت مسيرة النظام السياسي الفلسطيني . إلا أن المنعطف الأخطر في تطور الأزمة جاء من حيث كان يفترض أن يكون الخلاص وهي انتخابات يناير 2006 ، حيث أضيف للخلافات القديمة حول إعادة بناء منظمة التحرير والتسوية والمقاومة ومفهوم الثوابت الوطنية ،قضية أكثر مدعاة للخلاف والصراع وهي السلطة ،ودائما يكون الصراع على السلطة في دول العالم الثالث أشد شراسة ودموية من أي صراعات سياسية أخرى وأحيانا أكثر دموية وأقل أخلاقية من القتال ضد الاحتلال أو العدو الخارجي.

 لو كانت هذه الأحداث الدامية تجرى في أية دولة عربية أخرى لكانت أحداثا عادية لأنها لن تخرج عن طبيعة الثقافة السياسية السائدة والمنطق الذي يحكم السلطة والصراع حولها في العالم العربي، إلا أن خطورة ما يجرى في مناطق السلطة أنها مواجهات بين قوى سياسية يُفترض أنها روافد لحركة تحرر وطني تواجه عدوا ما زال يحتل الأرض ويهدد الهوية الوطنية ويدنس المقدسات الدينية ،الأمر الذي يُخرج هذه المواجهات عن كل منطق سياسي عقلاني ،حيث خلقت هذه الأحداث لدى الرأي العام الخارجي صورة سلبية عن القضية والشعب الفلسطيني،صورة جبت الصورة المشرقة التي تختزنها ذاكرة العالم عن الشعب الفلسطيني كشعب البطولات والتضحيات وصاحب القضية العادلة التي حشدت من حولها ملايين البشر وتحت شعاراتها ورايتها سارت مظاهرات عارمة في غالبية عواصم ومدن العالم.

 بعيدا عن التبريرات التي يروجها كل طرف كسبب للخلاف وللفشل في تشكيل حكومة وحدة وطنية،وبعيدا عن تُهَم التخوين والتكفير التي  يتم التراشق بها بين حركة فتح وحركة حماس وهو ما يسيء لكل الشعب حيث تجعل من نصف نخبته كفرة ومن النصف الآخر خونة ! ، فإن المشكلة في عمقها تدور حول مَن هو صاحب الشرعية وبالتالي من حقه صياغة الثوابت والمرجعيات الوطنية ومخاطبة العالم بهذه الصفة ؟ أو بصيغة أخرى، مَن هو الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني ؟.

بعيدا عن الخطاب الغامض لحركة حماس حول الديمقراطية والمشاركة السياسية فإن حركة حماس فسرت فوزها بالانتخابات التشريعية بأنه تفويض شعبي لها لتمثيل الشعب الفلسطيني وتطبيق برنامجها ليس فقط البرنامج الانتخابي بل ميثاق حركة حماس كصاحبة مشروع سياسي ديني متكامل مختلف عن المشروع الوطني لمنظمة التحرير ولحركة فتح.لقد بات واضحا أن الحكومة وحركة حماس تسعيان لجب كل المرحلة الوطنية السابقة وتأسيس نظام جديد بمرجعية جديدة ،فعندما تضفي الحركة على نفسها صفة الحركة الربانية والحكومة بأنها حكومة ربانية ،فهذا يعني القطع مع منظمة التحرير (العلمانية)، والعلمانية من وجهة نظر حركة حماس وكما يتم تثقيف قاعدتها الجماهيرية تعني الكفر ،فكيف سيتحالف الربانيون مع (العلمانيين) ؟ .

من جهة أخرى لو كان الخلاف مجرد خلاف حول البرامج السياسية وعلى سلطة سيادية كما هو الحال في الدول التي تعيش مخاض الديمقراطية وتعرف تعددية سياسية وحزبية لهان الأمر ،ولكنه خلاف وصراع دامي تداخل فيه الموقف الوطني لكلا الطرفين مع أجندة خارجية متعارضة،فالقوى الخارجية توظف الفصائل السياسية الفلسطينية من خلال الدعم المالي والسلاح لخدمة مصالحها الخاصة ،الأمر الذي جعل القوى الفلسطينية المتصارعة وكأنها تحارب بالوكالة عن قوى إقليمية ودولية.هذه الحرب بالوكالة والتي وقودها أبناء الشعب الفلسطيني لا تقتصر خطورتها على الضحايا بل تهدد بمزيد من مصادرة القرار الوطني،فهذه المواجهات المسلحة المفتوحة بين حماس وفتح تحتاج لمزيد من المال والسلاح والوضع الاقتصادي الداخلي لا يستطيع تلبية هذه المطالب ،وبالتالي يتزايد الاعتماد على القوى الخارجية ،ومن يتحكم بالتمويل المالي يتحكم بالقرار السياسي لأن علاقة القوى السياسية الفلسطينية مع الأطراف الخارجية لا تقوم على الندية بل على التبعية .

 لقد بات واضحا بأن المكونات الوطنية للنظام السياسي الفلسطيني تعكس عجزا متواصلا عن تحمل المسؤولية الوطنية، وكل الحديث عن الشرعية التاريخية بالنسبة لحركة فتح والشرعية الدينية بالنسبة لحركة حماس أصبح حديثا ممجوجا ولا معنى له ، فلا التاريخ ولا الدين يمنحا شرعية وطنية سياسية، وحتى صناديق الانتخابات لم ولن تحسم مسألة الشرعية إن لم يسبقها التراضي والتوافق حول الثوابت الوطنية . اللجوء المكثف للتاريخ والدين في المجال السياسي تعبير عن العجز عن إيجاد حلول واقعية لمشاكل الحاضر و تعبير عن عجز عن الخلق والإبداع والإنجاز. بالرغم من ذلك فما حك جلدك مثل ظفرك ويجب الحذر من تسليم مفاتيح القضية لأطراف خارجية ، فهذه الأطراف حتى العربية والإسلامية ليست حريصة على مصلحتنا وقضيتنا الوطنية ، بل يمكن القول بأن الأطراف الخارجية معنية باستمرار أزمة الحالة الفلسطينية بل وتغذيتها .

 وعليه، وحيث إن القضية الوطنية أكبر من كل الأحزاب والقوى السياسية ،وحيث إن الصراع مع إسرائيل ما زال طويلا ،وحيث إن القتال هو بين مجموعات مسلحة فيما غالبية الشعب غير مشاركة وغير راغبة فيها ، فإن تجاوز الأزمة كان أمرا ممكنا بل وواجبا وطنيا بالرغم من حالة الاستعصاء البادية ، وهذا يتطلب تحركا فعالا ومنظما من القوى السياسية غير المشاركة بالمواجهات ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص لدفع أولي الأمر للحسم من خلال التراضي والتوافق على القضايا المتعلقة بالثوابت والمرجعيات وهي قضايا كان من المفترض أن يكون التوافق على وثيقة الأسرى قد حسمها ،ولكن يبدو أن الحديث عن الاتفاق على بنود وثيقة الأسرى كان مجرد لغو.إن لم يتم حسم الخلاف عاجلا بالحوار الجاد فسيحسم الخلاف آجلا بمزيد من الدماء، فهل مزيد من الدماء أصبح أمرا ضروريا ومصلحة وطنية ؟!

  تفاهمات مكة والبحث عن التعايش المستحيل [43]

حظي لقاء مكة في فبراير 2007 بقدر كبير من الاهتمام المحلي والدولي وخلق حالة من الترقب والمراهنات ذات المرامي المتعددة والمتعارضة أحيانا،كما تفاوتت التقييمات ما بين من يعتبر الاتفاق كسبا لحركة حماس وبرنامجها ومن يعتبره كسبا للرئيس أبو مازن وتوجهه السياسي. عدم القدرة على الحسم، لمصلحة مَن من الحزبين كان الاتفاق، إنما هو مؤشر على وجود طرف ثالث مستفيد من الاتفاق وهذا الطرف هو القاسم المشترك أو المصلحة الوطنية والتي تجسدت في التفاهمات حول وقف الاقتتال وتشكيل حكومة وحدة وطنية ووضع أسس تفعيل منظمة التحرير.عندما تقدم حركة حماس تنازلات وتقدم حركة فتح تنازلات للمصلحة الوطنية وتكون هذه التنازلات عن قناعة وليس مجرد مناورة ،لا يكون أي من الحزبين قد خسر شيئا لأن المصلحة الوطنية هي مصلحة كليهما ومصلحة كل القوى السياسية .

الاتفاق حقق في حينه هدفا أسعد كل بيت فلسطيني وكل من يتعاطف مع الفلسطينيين ويعيش قضيتهم ، وهو وقف الاقتتال ولو مؤقتا والانتقال من حالة اليأس والإحساس بالخجل مما جرى إلى حالة ترقب مشوب بأمل، مع ما صاحب ذلك من تراجع في المظاهر المسلحة وفي حالات التحريض الإعلامي في الإذاعات وفي المساجد التي تحول بعضها إلى منابر لزرع الفتنة وليس للعبادة. المراهنة على لقاء مكة قد تكون له أبعاد أكبر من ذلك، فالاقتتال الداخلي كان نتيجة استعصاءات مست كل مكونات النظام السياسي وحولت القضية الفلسطينية لورقة توظفها أطراف إقليمية ودولية لصالحها وأحرجت أطراف متعددة على رأسها العربية السعودية. وبالتالي يفترض بمخرجات هذا اللقاء أن تعالج جذور المشكلة ولا تقتصر على التعامل مع إفرازاتها وأن يدشن اللقاء مرحلة جديدة من العلاقات الفلسطينية –الفلسطينية تؤسس لمرحلة جديدة من العلاقات الفلسطينية مع العالم الخارجي على أسس وثوابت فلسطينية محل توافق وطني . فهل كان ضمن أجندة المخططين لاجتماع مكة وللمجتمعين أن يعالجوا جوهر الصراع أم كان هدفهم مجرد تهدئته؟

هكذا التقت في لقاء مكة مصالح أطراف متعددة- محلية فلسطينية وإقليمية ودولية – على ضرورة تسكين الحالة الفلسطينية المنفلتة، تسكين دون أن يصل الأمر لحد العمل على حل الأزمة بشكل نهائي، كل طرف يريد تسكين الحالة أو تهدئتها ولو لحين من الزمن لأهداف خاصة به ،ويستشف ذلك من خلال سرعة الإعلان عن التوصل لتفاهم على القضايا الأساسية التي استغرق الحوار الداخلي بشأنها سنوات وآلاف الساعات دون التوصل لتفاهم مشترك ، كإعادة بناء منظمة التحرير والشراكة السياسية وحكومة الوحدة الوطنية، دون التعمق بأي منها، مع القفز على المسائل الخلافية : وزير الداخلية، برنامج الحكومة ،القوة التنفيذية ،توحيد الأجهزة الأمنية ،،مصير الحالات والميليشيات العسكرية، مصير الحكومة المنشودة إن لم يتم رفع الحصار ،الموقف من المقاومة المسلحة وإطلاق الصواريخ وأخيرا وليس أخرا قضية الجندي الإسرائيلي الأسير.

ولكن ومع القول بأن ما جرى هو مجرد تهدئة تخدم أغراض أطراف متعددة ، إلا أن التحدي أمام الفلسطينيين كان كيفية تحويل تفاهمات مكة، بعد استيعاب بقية القوى السياسية، إلى منعطف إستراتيجي في المسيرة السياسية، ذلك أن فشل تفاهمات مكة وخصوصا حكومة الوحدة الوطنية سيؤدي إلى نتائج وخيمة وقد تعود الحالة الفلسطينية لوضع أكثر سوءا مما كان قبل اللقاء حيث سيلقي كل طرف من الطرفين- خصوصا فتح وحماس- بالمسؤولية على الطرف الآخر.

إذن مع عدم استبعادنا لوجود ما ألمحنا إليه من وجود أهداف تكتيكية لدى البعض ،ومع احترامنا لموقف حركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية الرافضتين للمشاركة في حكومة الوحدة الوطنية – مع تباين منطلقات عدم المشاركة بالحكومة -،ومع الإقرار بأن ما جرى في مكة يؤكد صعوبة التمسك باستقلالية القرار الوطني، بالرغم من ذلك ، كان يمكن تحويل لقاء مكة – وأكرر مرة أخرى إن صدقت النوايا – إلى منعطف استراتيجي إيجابي بعد استكمال المشاورات مع بقية القوى السياسية لتكون الحكومة الموعودة منطلقا لمشاركة سياسية حقيقية ،حيث لا يجوز اتفاق على برنامج لحكومة والحكومة حالة عابرة، ولا يوجد ثوابت ومرجعيات وطنية تكون ضمانة في حالة فشل الحكومة .إن توفرت هذه الشروط فلقاء مكة سيشكل منعطفا لا يقل أهمية عن تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية وخصوصا في المنعطف الذي عرفته عام 1968.

إن تشكيل حكومة وحدة وطنية خطوة مهمة ولكنها البداية ، فصعوبات جمة ستواجه تشكيل الحكومة ومنها محاولة ابتزاز الرئيس أبو مازن والضغط عليه وعلى بقية القوى عسى ولعل أن يتضمن برنامج الحكومة الموعودة ما يرضي الرباعية ، ولقاء كونداليزا رايس مع أبو مازن ورئيس وزراء إسرائيل اولمرت يوم 19 فبراير 2007 وما سبقه وتبعه من تصريحات تقول بالانتظار حتى نرى برنامج الحكومة ، يصب في هذا الاتجاه . أيضا صعوبات أشد ستواجه الحكومة بعد التشكيل، فالحكومة هي مجرد بند من ثمانية عشرة بندا تتضمنها وثيقة الوفاق الوطني ونتمنى أن لا يحتاج كل بند لاقتتال داخلي ولقاءات مكية أخرى قبل تطبيقه . التحديات كبيرة ولا شك ولكن القضية أكبر وبحكمة وعقلانية قيادة ليس أمام الشعب إلا المراهنة عليهم – ما دام البديل الوطني غير جاهز- ومنحهم فرصة تصحيح الشطط في المراهنات والخطأ في الحسابات.

حكومة الوحدة الوطنية وتغيير منطلقات التسوية [44]

حكمة الرئيس أبو مازن والواقعية المتأخرة لحركة حماس أديا لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية في مارس 2007 ، بالرغم من أن طول الحوارات وطابع المحاصصة الذي سيطر عليها أفقد حكومة الوحدة الوطنية كثيرا من بريقها وأظهرها وكأنها حكومة توزيع مغانم [45]،ومع ذلك فان تشكيل هذه الحكومة يعد منعطفا وبداية تحول استراتيجي في مسيرة النضال الوطني ، إلا أن حكومة الوحدة الوطنية ليست مجرد تجاوز لحكومات الحزب الواحد ،بل يفترض أن تكون أيضا تجاوزا لمواقف واستراتيجيات وأنماط وممارسة سياسية كانت تحكم الحكومات السابقة والمعارضات السابقة ،حكومة الوحدة الوطنية تعني أن صياغة القرار الوطني ومفهوم الوطن والوطنية ومفاهيم الحرب والسلم لم يعودوا حكرا على حزب واحد ، كما يجب إعادة النظر في الشرعيات السياسية التي تؤسس على (الشرعية التاريخية) أو (الشرعية الدينية ) ،وأن حكومة الوحدة الوطنية يجب أن لا تؤسس على مساومات وصفقات ، والأهم من ذلك أن حكومة الوحدة الوطنية هي بداية صحيحة لطريق طويل مليء بالتحديات الداخلية والخارجية.

مع كامل التقدير لأعضاء الحكومة فإن قدرتها على مواجهة التحديات لا ترتبط بكفاءة الوزراء فقط ولا بالدعم الخارجي مع أن الشرطين مطلوبان، بل بتوفر إرادة النجاح عند حركتي فتح وحماس وذلك بالانتقال من شراكة في حكومة وحدة إلى الشراكة السياسية الحقيقية مع كل القوى السياسية في صياغة وتنفيذ إستراتيجية عمل وطني ، ذلك أن الحكومة هي أداة تنفيذية مؤقتة، فماذا سيكون عليه الحال إذا ما فشلت الحكومة في مواجهة التحديات ؟ الفشل في الانتقال السريع لشراكة سياسية حقيقية يعني أن فشل الحكومة سيؤدي للعودة لنقطة الصفر . إن كنا نأمل ونتمنى أن تستمر الحكومة للسنوات الثلاث القادمة إلا أن ذلك لا يمنع من الأخذ بالحسبان كل الاحتمالات نظرا لان الأسس التي قامت عليها الحكومة ما زالت هشة والتحديات كثيرة وكبيرة.

بالتأكيد لا أحد يطلب من الحكومة الدخول في مواجهة مع الاحتلال ليس فقط لأن القضايا المتعلقة بالوضع النهائي والمفاوضات هي من اختصاص الرئيس أبو مازن ومنظمة التحرير كما تنص تفاهمات مكة ، بل لأن منطق الأمور يقول بأن تتفرغ الحكومة لإصلاح الوضع الداخلي وخصوصا الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية ، فإصلاح الوضع الداخلي شرط ضرورة للقدرة على مواجهة الاستحقاقات الخارجية مع إدراكنا بتداخل الأمور مع بعضها البعض أحيانا وخصوصا بالنسبة للوضعية الاقتصادية التي هي مرتبطة بالتحديات والاستحقاقات الخارجية.

بالنسبة للتحديات الداخلية :

1 – توحيد الأجهزة الأمنية من حيث الخضوع لقرار مركزي واحد والخضوع لإستراتيجية أمنية مرتبطة بإستراتيجية العمل الوطني .

2-  إيجاد حل للقوة التنفيذية التي أسستها الحكومة السابقة.

3-  معالجة الحالات العسكرية والميليشيات التابعة للفصائل الفلسطينية .

  • إعادة الاعتبار للقانون والقضاء .
  • وضع حد لظاهرة انتشار السلاح بيد الأفراد والعائلات.
  • وضع حد للتعديات على الملك العام .
  • معالجة التوظيفات غير القانونية وفتح ملفات التوظيفات العشوائية التي جرت في الفترة الأخيرة ،سواء في زمن حكومة حماس أو في أواخر الحكومة السابقة لها ،ووضع آلية ومعايير لكل وظيفة أو توظيف جديد .
  • 8-  وضع حد لتفشي المخدرات وكل مظاهر الفساد في المجتمع .
  • رد الاعتبار للمؤسسات التعليمية سواء تعلق الأمر بمناهج التعليم أو تسييس المؤسسات التعليمية وخصوصا الجامعات .
  • 10-         توحيد الخطاب الإعلامي ووضع حد للتحريض والتعبئة المثيرة للفتنة.وتحييد المساجد من الصراع السياسي.


أما بالنسبة للتحديات الخارجية:

كان من الواضح أن للجنة الرباعية استعداد للتعامل مع الحكومة بحذر وسترفع الحصار بشكل متدرج (حتى قبل لقاء مكة لم يكن الحصار بالصرامة التي يتصورها البعض ) وحتى بالنسبة للولايات المتحدة فإن موقفها سيتغير وقد بدأت تستعمل لهجة مختلفة، ونعتقد بأن شروط الرباعية للاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية سيتم تجاوزها لصالح شرط جديد مرتبط برؤية جديدة للتسوية ولمتغيرات سيشهدها الشرق الأوسط،حيث سيتم تجاوز الاعتراف المسبق للحكومة الفلسطينية بإسرائيل بشرط الالتزام بالهدنة التي تشمل أيضا الضفة الغربية ،وحتى بالنسبة لإسرائيل لا مانع لديها من التعامل على هذا الأساس ما دامت الهدنة ستريحها من تنفيذ الاتفاقات الموقعة التي تلزمها بالانسحاب من الضفة الغربية، فالهدنة بالنسبة لإسرائيل أكثر فائدة وإغراء من الاعتراف اللفظي بها،أو بصيغة أخرى يبدو أن هناك توجها دوليا لإدماج حركة حماس بتسوية مؤجلة من بوابة الهدنة بدلا من بوابة الاعتراف كما جرى مع منظمة التحرير الفلسطينية ،وفي هذه الحالة ستلتقي حركة حماس وإسرائيل على مبدأ الهدنة طويلة المدى،وتأجيل قضايا الوضع النهائي لمستقبل كل طرف له مراهنته الخاصة عليه.ونخشى أن يكون هذا الموضوع أحد أسباب تفجر الخلاف ما بين حركة حماس وحركة فتح.

لا يحتاج الأمر لكثير من التفكير للحكم بأن المرحلة التي تمر بها القضية الفلسطينية من أسوأ وأخطر المراحل ليس فقط لتعثر عملية السلام وتعاظم العدوان الإسرائيلي بل أيضا وهو الأخطر، الحرب الداخلية التي جعلت أي حديث عن سلطة وطنية أو حكومة وحدة وطنية فبالأحرى عن دولة مستقلة قولا لا يعبر عن الواقع ، تزامن التهديدين: تهديد الاحتلال وتهديد الاقتتال الداخلي للمشروع الوطني شجع البعض لإعادة طرح مشاريع الوصاية وبالتالي إعادة القضية الوطنية إلى نقطة الصفر، إلى ما قبل ظهور الكيانية والهوية الوطنية الفلسطينية ،محملين الفلسطينيين مسؤولية ذلك.

لقد سبق وأن حذرنا من الوصاية، فقبل ثلاث سنوات كتبنا مقالا بعنوان (الانفلات الأمني دعوة للوصاية الخارجية ) [46] وبعدها كتبنا بأن خطة شارون للخروج من غزة تضع أسس تسوية جديدة تؤسِس لفصل غزة عن الضفة وتمهد لدولة غزة ثم مقالا بعنوان (حتى لا تُغيب غزة الوطن )[47] وفيه حذرنا من توجه لإقامة إمارة حمساوية في غزة وسلطة حكم ذاتي لفتح في الضفة ،ومقالات عديدة نشرت في جريدة القدس العربية والحقائق وفي صحف محلية وفي مواقع الكترونية بالإضافة لحديثنا عن الموضوع عبر الفضائيات ـبمعنى أننا وغيرنا من المتابعين كما نلمس بأن هناك مخططا أو بديلا جاهزا للمشروع الوطني، تشارك فيه إسرائيل والولايات المتحدة ودول من المنطقة هدفه الالتفاف على المشروع الوطني وفكرة الدولة الفلسطينية بإعادة الأمور لما كانت عليه الحال فبل 1967 ولكن هذه المرة بأرض أقل وسيادة أقل وكرامة أقل .

 الاقتتال الذي مباشرة بعد توقيع تفاهمات مكة كان جزءا من المخطط الذي انجرت إليه أطراف فلسطينية داخلية عن تواطؤ أو عن جهل وغباء سياسي ، والصمت السعودي على ما جرى من عودة الاقتتال ووصول لقاء مكة لطريق مسدود ، دون أية محاولة سعودية لدعوة طرفي الصراع الفلسطيني للقاء مجددا في مكة لتدارك الأمر والحفاظ على اتفاق مكة ،يثير أكثر من سؤال ؟.

تعثر اتفاق مكة قد يعود لعدم معالجة المجتمعين لجذور الخلاف أو الأسباب الإستراتيجية للخلاف وتركيزهم على بند واحد من بنود وثيقة الوفاق الوطني وهو حكومة الوحدة الوطنية ،وحتى هذه بالرغم من أهميتها فقد هيمنت عليها حسابات المحاصصة وتوزيع المغانم أكثر من الاهتمام بالشراكة السياسية الحقيقية أو بوضع برنامج واضح ومتماسك للحكومة،ولكن السبب يعود أيضا لأن هناك أطرافا خارجية لها امتدادات داخلية تحارب بالوكالة عنها ،أرادت إفشال حكومة الوحدة الوطنية ،وعملية الإفشال في ظل الفقر والحصار وما ينتج عنهما من بطالة للشباب ،لا تحتاج إلا للمال والسلاح وهما العنصران الأكثر انتشارا وحضورا لدى القوى المتقاتلة دون غيرها .

هذا ليس حديثا مشبعا بعقلية المؤامرة كما قد يتراءى للبعض بل حديث في جوهر السياسة، والمؤامرة هي جوهر أية سياسة وخصوصا إن كانت سياسة شرق أوسطية ،ولا داع للتذكير بأكاذيب الولايات المتحدة ومؤامراتها في حرب الخليج واحتلال العراق والمؤامرات التي تحاك ما بين إيران والولايات المتحدة وأطراف أخرى على حساب شعبي العراق وفلسطين ثم لغز ظهور (فتح الإسلام) في لبنان في هذا الوقت بالذات الخ . مصير المنطقة بمجملها لا ترسمه وتحدده شعوبها ولا أنظمتها بل معادلات ومصالح دولية بمشاركة من نخب محلية ،والمعادلة التي تُهيئ شروطها والتي قد ترضي أطراف متعددة وستكون على حساب المشروع الوطني – الذي أساسه دولة فلسطينية مستقلة في الضفة وغزة وعاصمتها القدس الشريف وحل عادل للاجئين – .

نخشى أننا سنكون قريبا أمام المعادلة التالية :

  1.  إمارة حمساوية في غزة تحت وصاية مصرية مشددة وتعيش على المساعدات الخارجية،وهذا الأمر يحقق مطلبا حمساويا وللإخوان المسلمين حيث سيعتبر تحقيقا لبداية دولة الخلافة الراشدة،و مع هدنة طويلة المدى بين هذه الإمارة وإسرائيل لن تظهر حركة حماس وكأنها فرطت بالقضية الوطنية .
  2. 2-   سلطة حكم ذاتي فيما تبقى من الضفة الغربية تقوده حركة فتح مع شكل من التقاسم الوظيفي أو وصاية دينية للأردن على الأماكن المقدسة ،وهذا الأمر قد يرضي شريحة كبيرة من قيادة حركة فتح وفصائل منظمة التحرير حيث سيمنحهم مخرجا للزعم بأن مشروعهم السياسي لم يفشل، كما سيكون في هذه السلطة متسعا لإرضاء تطلعات وغرور كل المتطلعين للمناصب والمواقع .
  3. 3-   إسرائيل ستستفيد لأنها لن تصبح دولة احتلال وفي نفس الوقت لن تعود لحدود 1967 وستكون قد تخلصت من خطر دولة فلسطينية مستقلة.والولايات المتحدة والرباعية بشكل عام ستبارك هكذا خطوات ما دام الأمر سيؤدي لتخفيف التوتر .
  4. 4-   دول الجوار وخصوصا مصر والأردن ستتعاملان مع الموضوع من منطلق أنهما حاولا مساعدة الفلسطينيين ولكن هؤلاء لم يكونوا على قدر حمل مسؤولية قضيتهم الوطنية وبالتالي فإنهم يقبلون هذه المعادلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الحقوق الفلسطينية وبعض الضغوط والإغراءات المالية ستسهل المأمورية عليهم.
  5. 5-   إيران وسوريا وغيرها من الأطراف المصنفة كدول ممانعة ،قد تسكت على هذه المعادلة أو المخطط لأنه سيبقي القضية مفتوحة مما يمد من أجل توظيف القضية في حساباتهم الإقليمية والداخلية.

ومع ذلك لم يحن الوقت بعد لقطع الطريق على ما يحاك من مؤامرات ويمكن تدارك الأمر، ولقاءات القاهرة قد تكون فرصة لذلك .

بعد أحداث غزة الدامية : ماذا تبقى من المشروع الوطني  [48]

هل يمكن أن يكون المشروع الوطني الفلسطيني أكذوبة كبرى؟سؤال كبير ينبثق من وسط الحالة المأساوية التي أوصلتنا إليها القوى المتقاتلة في قطاع في مناطق السلطة وخصوصا في قطاع غزة والتي كان يفترض أن تكون نواة الدولة الموعودة أو الترميز المجسد للمشروع الوطني . ما يجري قي غزة من اقتتال بين مجموعات، هي أقرب للمرتزقة، تدعى كل منها أنها تمثل القضية الوطنية ، والتداعيات السياسية والنفسية والاقتصادية المرئية أو الخفية لهذا الاقتتال في الضفة والشتات والتي لم تثر اهتمام أحد لانشغال الجميع بصوت الرصاص ومشاهد الموت ،هذه التداعيات ستتكشف قريبا وسنكتشف كم هو مهذب ومخادع لفظ الانفلات الأمني أو الاشتباك بين مجموعات مسلحة الذي توصف به الحالة، .

أيضا فإن ما يجري لا يمكن أن يختزل بالقول بأنه صراع على السلطة ما دام لا توجد أية سلطة فلسطينية حقيقية على أي شبر من أرض فلسطين ،وما يجري لا يمكن أن يقال بأنه مجرد حرب بالوكالة عن أطراف خارجية سواء كانت أمريكا وإسرائيل من جانب أو إيران وسوريا وأصولية إسلامية من جانب ثان … الحالة تستوعب كل هذه الأشياء ولكنها عندما تجتمع سويا يصبح الأمر أخطر وأكبر، ما يجري يبعث رسالة خطيرة مفادها انه لم يعد هناك وطن ولا مشروع وطني ولا قيادة وطنية،فكيف يكون للفلسطينيين ذلك أو يطالبون به وهم غير القادرين على حكم ما هو متاح بيدهم من أرض بسلطة محدودة،كيف سيقنعون العالم بأنهم يستحقون أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم في دولة مستقلة تشمل أيضا الضفة والقدس فيما نخبتهم وقياداتهم منشغلة فيما هو دون ذلك. .

عندما تصل الأمور إلى أن يتقاتل من يُفترض أنهم حماة وحملة المشروع ،وعندما يُخوِنون أو يُكفِرون بعضهم البعض ،عندئذ تنتصب أمامنا أسئلة كبيرة وخطيرة … هل كنا نعيش في وهم وعلى وهم؟هل كل هذا التاريخ النضالي المليء بالمعاناة والتضحيات والبطولات والأحلام الكبيرة والتي سربلت تاريخ امتد منذ حوالي مائة عام،هل كان أكذوبة كبرى ؟هل الذين سقطوا في هبة البراق الأولى كانوا على خطأ ؟هل عطا الزير والحجازي وجمجوم كانوا قطاع طرق ؟ هل عز الدين القسام وجماعته وثورة وثوار 1936 كانوا على باطل ؟ هل النكبة لم تكن نكبة بل عقابا إلهيا لأننا عارضنا مشروع شعب الله المختار؟ هل جموع اللاجئين في مخيمات الوطن أو (الوطن المخيم) وفي الشتات كانت تعيش في وهم وعلى وهم لا أساس له وحق ليس بالحق عندما كانت تتمسك بأمل العودة لوطن، أثبتت قيادتنا ونخبتنا العتيدة بغبائها وعنجهيتها أننا لا نستحق أن ننسب إليه و أننا لا نستحقه .

هل الشهداء الذين سقطوا في جرش وعجلون وعمان وعلى ضفتي نهر الأردن وبيروت والجنوب اللبناني وصبرا وشاتيلا والخضيرة والقدس وتل أبيب الخ قد أغدقنا عليهم صفة الشهادة زورا وبهتانا ؟ هل كانت الانتفاضتان، وما سقط خلالهما من شهداء وأسرى وجرحى، انتفاضتا لصوص وجياع وقطاع طرق ؟ هل ننزع شواهد القبور من على مقابر سميناها مقابر شهداء فلسطين وزينا بها وباركنا أرض بلاد الغربة في عمان ودمشق وبيروت وتونس الخ،لأنه ثبت أن هؤلاء لم يكن عندهم قضية عادلة يقاتلون من أجلها ؟ هل ننزع صور الشهداء والشعارات من على الجدران ونعتذر للجدران لأننا أثقلنا عليها بأوهام وأكاذيب وبشعارات لا تساوي الدهان الذي خطت به ؟ هل نعيد النظر في كتب التاريخ والجغرافيا والتربية الوطنية بتنظيفها من أوهام وأساطير عن وطن وقضية وطنية ونضال وحقوق مشروعة تقول ممارسات أمراء الحرب القذرة في شوارع غزة بأنه ليس وطنا ولا حقا مشروعا ؟  هل كان ياسر عرفت وأبو جهاد وأبو إياد وأبو يوسف النجار والكمالين والشيخ ياسين والرنتيسي وإبراهيم المقادمة وصلاح شحادة ويحيى عياش والشقاقي وأبو علي مصطفى الخ هل كانوا قادة مافيات وعصابات مسلحة غرروا بفارس عودة وبآلاف من أطفال الانتفاضتين ؟.

ولكن ومع افتراض أن كل ما ذكرنا صحيح وأننا من شعوب العالم الثالث المتخلفة التي تجري وراء الشعارات والقيادات الديماغوجية الخ وبالتالي فالقضية كلها كانت أوهاما من صنع خيالنا ! فهل كانت قوى التحرر عبر العالم ساذجة ومُغرر بها وبالتالي كانت على خطأ أيضا عندما تنبت القضية ورفدت المقاومة الفلسطينية بالمقاتلين والمناضلين وكانت الثورة الفلسطينية قدوتهم والمدرسة التي تعلموا فيها دروس النضال والمقاومة ؟ . ولنفترض أيضا بان هذه جموع شعبية عاطفية وانفعالية يمكن أن تنساق وراء أوهام وشعارات كبيرة … فماذا بشأن اعتراف أكثر من مائة دولة بعدالة قضيتنا واعترافها بمنظمة التحرير ممثلا لشعب له حقوق سياسية وبالتالي فتحت له سفارات وممثليات ؟ وماذا أيضا بالنسبة للشرعية الدولية ؟ هل كانت عشرات القرارات التي صدرت وتعترف بحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني وحقه بالعودة لوطنه وحقه بالمقاومة بدءا من قراري التقسيم وحق العودة إلى قرار محكمة العدل الدولية حول الجدار، هي أيضا أوهام وأخطاء تاريخية ؟.

يقينا لا يمكن أن يكون تاريخنا أكذوبة وحقوقنا وهما والعالم كله الذي اعترف بحقوق سياسية لنا حتى وإن لم تكن متطابقة مع حقوقنا التاريخية على خطأ ، ولا يمكن أن يكون شعبا بكامله على خطأ .إذن أين الخطأ والخلل ومن المسئول عما آلت إليه القضية ؟.

إذا كانت قضيتنا عادلة ولا غرو في ذلك فإن عدالتها ليست مستمدة من ممارسات أمراء الحرب أو أيديولوجياتهم المأزومة بل من صمود الشعب ومعاناته والاعتراف الدولي بهذه العدالة حتى وإن كانت عدالة الشرعية الدولية ،وحيث لا يمكن أن نحمل المسؤولية لإسرائيل لأن أمرها محسوم كدولة احتلال وعدو ولا يمكنها أن تمارس إلا كعدو يريد أن يدمر مشروعنا الوطني، إذن الخلل يكمن في أشباه قيادات ليست في مستوى عظمة الشعب وعدالة القضية ، المشكلة في نخب سياسية تعتبر المناصب والمواقع القيادية والامتيازات ومظاهر الأبهة من مرافقين وسيارات وجولات خارجية ولقاءات مبهرجة في فنادق فخمة وأمام الفضائيات الخ ـتعتبر هذه الأمور هي القيادة أو مواصفات القيادة.أما القلة من القيادات الحقيقية فمغلوب على أمرها فأعداء القضية يحاصرونهم إما بالقتل أو الحصار المالي والحد من حرية التحرك ، كما يحاصرهم بعض النافذين في مراكز القرار في مؤسسات السلطة ومؤسسات المجتمع المدني.

كنا نتمنى أن تكون التداعيات المدمرة والمخجلة لجولة الاقتتال الأولى التي سبقت لقاء مكة قد ردعت أمراء الحرب والفتنة بعدما فشل شرف التوقيع على وثيقة الأسرى على ردعهم وفشل أيضا لقاء مكة وما أنتج من تفاهمات في ذلك. إلا أننا فُجِعنا بأنهم اهتموا وانشغلوا بالمحاصصة ولملمة ملفات الفساد والتجاوزات فيما بينهم أكثر من اهتمامهم بوضع استراتيجيه عمل وطني حقيقية وشراكة سياسية حقيقية، كانت حكومة وحدة وطنية بالمسمى وحكومة محاصصة بالواقع ، كان هناك برنامج للحكومة شكلا وبرامج حزبية تطبق على الأرض واقعا .

نتيجة كل ذلك كان من المحتم أن تفشل الخطة الأمنية التي وضعتها الحكومة قبل بدء تطبيقها وأن يؤدي فشلها لوضع أسوأ مما كان قبل لقاء مكة، لأن المحرمات انكسرت ولم يعد الدم الفلسطيني على الفلسطيني حرام واستمرأ البعض حالة الفلتان والفوضى والقتل العبثي ، ولأن تجار فتاوي السوء والفتنة تكاثروا بقدر تكاثر تجار السلاح والفساد السياسي . [49]

ولأننا نؤمن بأنه ما زال في شعبنا خير وفي قيادتنا بقية من عقل فقد استبشرنا خيرا بتوقيع اتفاق وقف الاقتتال الداخلي يوم 18مايو2007 ، بالرغم من أنه كان الاتفاق الخامس خلال ست أيام ،ولأن إسرائيل استغلت الفتنة الداخلية لتعاود عدوانها سعيا منها في أن يؤدي هذا العدوان إلى زيادة الاحتقان الداخلي بدلا من توحيد الجهود الوطنية في مواجهتها. ولكن ….وحتى نخترق مفردات الألم والحسرة والأخلاق أو المثاليات وهي التي سيطرت على كل من تناول موضوع الأحداث الدامية في غزة ، سنطرح تساؤلات نتمنى أن تتوقف عندها قيادتنا العتيدة انطلاقا من مبدأ إنه ما زال هناك أمل،و التساؤلات هي التالية:

  1. هل لدينا رئيس منتخب وصاحب قرار ويفترض أن يكون بيده مصدر القرار الوطني ؟ أم أن الرئيس لم يعد رئيس كل الشعب بل رئيس فريق من الفرقاء المتقاتلين ؟ أو أن ما يجري يتوافق مع تصور يتبناه ومخطط يهدف الوصول إليه؟.
  2. هل يمكن الفصل ما بين موجة الاقتتال الراهنة و التحركات الأمريكية والأردنية الأخيرة ،وبالتالي نبدد الشك بأن الاقتتال من مستلزمات هذه التحركات وهناك قوى حرضت عليه وأشعلت فتيله.
  3. هل هو انزلاق محسوب ومخطط له نحو شكل من أشكال الوصاية يعيد الأمور إلى ما قبل حرب 1967 ولكن هذه المرة بحق أقل وارض أقل وكرامة أقل؟ أم أن تعاظم الدور المصري في غزة والتحرك الأردني في الضفة والحديث عن قوات دولية هي من التداعيات المنطقية لتطور الأحداث الأخيرة وبالتالي لا داع للتأويل أو التفسير؟.
  4. هل حقيقة أن الاقتتال هو بين جماعات متطرفة ومتمردة على قيادتها في كل من حركة حماس وحركة فتح تنفذ أجندة خارجية؟ أم هو قتال بين حزبين و إستراتيجيتين لم يفلح لقاء مكة ولا حكومة الوحدة الوطنية في التقريب بينهما ؟.
  5. هل بعد كل ما جرى يمكن أن نستمر بالحديث عن حكومة وحدة وطنية؟ أم يجب أن نعيد النظر ببرنامجها وإستراتيجية عملها وعامل الثقة بين مكوناتها حتى لا يبقى الاسم ستارا ترتكب من خلفه كل المحرمات والجرائم ؟.

ولأنه ليس لنا بديل لفلسطين إلا فلسطين وليس لنا بديل عن هذه القيادة الآن ما دام الشعب انزلق بإرادته نحو خيار الانتخابات التي أفرزت هذه القيادات ،انطلاقا من ذلك نتمنى على هذه القيادة أن تصارح شعبها بالحقيقة كل الحقيقة بدلا من الهروب للأمام نحو مقاومة دون إستراتيجية و مفاوضات دون أفق سياسي.

صمت الرئيس أبو مازن : غياب مؤسسة قيادة فاعلة [50]

   عندما تصل الأمور لحد اقتتال هو أسوأ من الحرب الأهلية كما تعرفها العراق أو أفغانستان أو الصومال – وعندما نقول أسوأ لأن تركيبة وبنية تلك البلدان تبرر الحرب الأهلية كالتركيبة الطائفية والعرقية والقبلية فيما لا توجد هذه التركيبة في فلسطين – عندما تصل الأمور لهذا الحد لا يعد هناك مجال للصمت ،لا لصمت الخائف ولا لصمت العاجز ولا لصمت المتشفي من الطرفين المتقاتلين ،عندما يصبح الوطن و القضية ،التي هي من أعدل وأعظم قضايا العصر، محل تصارع وتجاذب بين قيادات مأزومة وفاشلة ـبين الجهل السياسي المتشح بلباس الدين والفساد والتواطؤ السياسي باسم التسوية والسلام والشرعية التاريخية،يجب وضع النقاط على الحروف بطرح تساؤلات لم يعد مجالا لكبتها .

     هل يوجد لدينا رئيس يمارس دور الحاكم والحَكم؟ وما الفرق بين رئيسنا ورئيس الصومال طوال الحرب الأهلية الصومالية ؟ وإلى متى سيبقى الرئيس صامتا على ما يجري؟ وهل عندنا حكومة وحدة وطنية ؟ وإن كانت موجودة فمن الذين يتقاتلون في الشوارع إن لم يكونوا مكونات هذه الحكومة العتيدة ؟ وهل يجوز لحكومة تزعم بأنها شرعية ومنبثقة عن انتخابات ديمقراطية بأن تعلن الجهاد على جزء من أبناء الشعب وتعتبر هؤلاء أولى بالجهاد من العدو البعيد (إسرائيل) فيما الديمقراطية لا تقبل مفاهيم وممارسات الجهاد الداخلي ولا مفاهيم التكفير؟ . هل ما زالت هناك حكومة وسلطة بعد قصف مقري الرئيس ورئيس الوزراء بالقذائف الصاروخية وبقذائف الشتيمة والتكفير والتخوين من كلا الطرفين ؟ .

وما الذي يفعله المجتمعون في القاهرة ؟ أليس الذين يجتمعون بالقاهرة هم قادة للذين يتقاتلون في شوارع غزة ؟ ألسنا أمام أحد الاحتمالين : إما أن المجتمعين في القاهرة هم المتآمرون وهم المسئولون عما يجري في غزة ويوظفون دماء الشعب في غزة لجني مكاسب على طاولة المفاوضات التي تهيئ لمحاصصة جديدة كما يبدو؟ وإما أنهم لا يملكون سلطة على المرتزقة الذين يتقاتلون في أزقة غزة وفي هذه الحالة عليهم أن يعلنوا براءتهم مما يجري ؟ ولماذا حوارات واتفاقات لوقف إطلاق النار برعاية مصرية بين المتقاتلين في غزة فيما قيادات هؤلاء متواجدين في القاهرة ويمكن للكبار في القاهرة الاتفاق وفرض ما يتفقوا عليه على الصغار في غزة ؟ . أليست تصريحات برهان حماد رئيس البعثة الأمنية المصرية في غزة تدل من جانب بأن القيادات المجتمعة في القاهرة لا تملك القرار الميداني في غزة وتدل من جانب آخر على عجز الوسيط المصري على حل الإشكالات بين فتح وحماس وهو عجز قد يكون ذاتي أو نتيجة تدخلات وضغوط خارجية ؟. ألا يعتبر الرد المحدود لإسرائيل على الصواريخ المنطلقة من غزة وعدم إقدامها على عمليات كبيرة ،إنما يدل على أن إسرائيل كانت تعرف بما ستؤول إليه الأمور في غزة أو كانت تخطط لما يجري في غزة ؟.

     لم يعد مجالا للشك بأن المعركة تدور حول الاستيلاء على قطاع غزة ، وقد تؤول الأمور نحو سيطرة حمساوية على غزة، ليس لأنها الأقوى أو الأكثر شعبية بل لان هناك مخطط تم الإعداد له منذ سنوات لتوريط حماس بإمارة محاصرة ومنهكة في غزة ترضي غرور مرجعياتها الدينية في الخارج ، وحماس تعتقد بأنها تحقق انتصارات فيما هي تنزلق بوعي أو بدون وعي نحو مستنقع سيغرقها ويغرق القضية . مع افتراض هذه السيطرة يبقى السؤال ماذا بعد ذلك؟ ما هو الأفق السياسي للقضية الوطنية ؟ نعتقد بأن الإمكانية الوحيدة لبقاء حماس على رأس إمارة حمساوية في قطاع غزة وقد يكون على جزء من القطاع، هو قبولها بهدنة طويلة المدى مع إسرائيل ،والهدنة تعني إلغاء المقاومة بطريقة غير مباشرة وبقاء الأمور على حالها في الضفة والقدس هذا ناهيك عن نسيان قضية عودة اللاجئين والدولة المستقلة،فهل هذا هو المشروع الوطني لحركة حماس؟ .

     اليوم وفي المستقبل عندما سيتم الحديث عن هذه المرحلة الدامية الكل سيقول لقد جرى ما جرى في عهد الرئيس أبو مازن وبالتالي سيتم تحميله المسؤولية بشكل مباشر أو غير مباشر عما جرى وسيكون الرئيس أبو مازن هو موضع الاتهام لأنه الرئيس المنتخب وصاحب القرار . كنا نفهم تردد الرئيس في اتخاذ أي قرار مصيري خوفا من أن يؤدي الأمر لاقتتال داخلي ، ولكن و قد وقع الاقتتال الداخلي،  فإن عدم اتخاذ الرئيس أبو مازن قرارات حاسمة في الوقت المناسب يدفع للتساؤل حول سبب صمته ، فهل هي حكمة على مستوى أعلى من إدراكنا؟ أم عجز يخدم أطراف أخرى؟.

تقرير لجنة التحقيق بالأحداث التي أدت لسيطرة حماس على القطاع أشارت بل أكدت على ضعف بل غياب مؤسسة القيادة ومسؤولية ذلك عن الانفلات وغياب القرار ثم الهزيمة ، حيث يقول التقرير إن المواجهات بين حركة حماس والسلطة جرت : ( في الوقت الذي كانت فيه قيادة السلطة الفلسطينية الرسمية، ممثلة بالرئيس والحكومة، تعيش حالة الانقسام والازدواجية، والصراع على خلفية الصراع الفتحاوي الحمساوي، الذي يجد تعبيرات داخل أطر هذه السلطة وأجهزتها) .[51]

الفصل الثالث

المرحلة الثانية من صناعة الانقسام

سياسة التدمير الذاتي والارتهان لأجندة خارجية

ما جرى يوم 14 يونيو 2007 من هجوم شرس لعناصر حماس على المقرات الأمنية والمؤسسات المدنية التابعة لحركة فتح ولمنظمة التحرير والسلطة الوطنية ، مهاجمة البيوت والمدنيين المحسوبين على حركة فتح وممارسة عمليات قتل بشعة وصلت لحد السحل في الشوارع حتى الموت لأشخاص مثل سميح المدهون ورمي آخرين من أسطح البنايات العالية ، واقتحام وتدمير بيت الرئيس أبو عمار ومكتبه وكذلك بيت ومكتب الرئيس أبو مازن الخ ، كان نتيجة حتمية لما سبقه من أحداث أو بداية المرحلة الثانية لتدمير المشروع الوطني من خلال تمكين حركة حماس من السيطرة على قطاع غزة وصيرورة القطاع كيانا أو حالة سياسية قائمة بذاتها خارجة عن سيطرة أو إشراف منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية .

ما جرى من قتال دموي لم يكن حسما كما تزعم حركة حماس ولا انقلابا كما تقول حركة فتح  ، بل المرحلة الثانية من مخطط صناعة الانقسام الاستراتيجي ، حيث تم تهيئة المسرح لحركة حماس لتقوم بالسيطرة على القطاع في ظل حالة من الفوضى كانت تسود مناطق السلطة ، تنفيذا لمخطط أكبر من غزة ،ومجريات الأحداث على الأرض وخصوصا العسكرية كانت تدل على ذلك،ولم يصدر حتى الآن دراسة أو تقرير رسمي أو غير رسمي يضع ما جرى في قطاع غزة في سياق الحقيقي حتى اللجنة التي تم تشكيلها بطلب من الرئيس أبو مازن للتحقيق في أسباب سقوط قطاع غزة بيد حماس ركز على الجانب الأمني والعسكري الداخلي فقط ، مع إشارة عابرة إلى الدور الخارجي للأحداث حيث ورد فيه : ( إن بعض المؤشرات تقود إلى الاستنتاج بأن بعض القيادات انخدعت بأطروحات حماس ووقعت في مصيدتها، فكانت تنظر إلى المجابهة مع حماس، بمعطيات الصراع الداخلي الفتحاوي وانغماسها فيه، مما غيب عنها بصيرة رؤية الأحداث والتحولات الجارية بمحيطها، وكذلك الأبعاد الحقيقية لمجريات تلك الأحداث) [52].

أولا : تصفية المشروع الوطني-الاستنزاف والتدمير الذاتي- [53]

   وأخيرا نجح تحالف الـتآمر الخارجي مع الجهل والفساد والتواطؤ السياسي الداخلي في إنجاز المرحلة الأولى من مخطط تصفية المشروع الوطني الفلسطيني ،نجحوا في الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة سياسيا ونفسيا بعد أن باعد الاحتلال بينهما جغرافيا ،وبكل ألم نقول إن الأمور ربما وصلت لدرجة اللا عودة. (الانقلاب) على السلطة الذي استُدِرجت إليه حركة حماس في غزة معتقدة أنها تحقق انتصارا فيما هي تعرف بأن غالبية المنخرطين بالأجهزة الأمنية وغالبية أعضاء ومؤيدي حركة فتح لم يشاركوا في هذه الحرب العبثية بل لم تكن عندهم أية أوامر أو تعليمات بالقتال لأن كبار الحركة والأجهزة الأمنية والسلطة كانوا خارج القطاع مما يثير تساؤلات وشكوك حول معرفتهم بما سيجري، وأن أقل من 10% من منتسبي الأجهزة وتنظيم فتح هم الذين شاركوا بالقتال.[54]

بالرغم من أن كل المؤشرات كانت تقول بان حركة حماس تسعى للسيطرة على قطاع غزة ،وأن إسرائيل معنية بالأمر وهيأت له من خلال انسحابها من قطاع غزة ، بالرغم من ذلك لم تفعل الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة شيئا لمواجهة هذا المخطط . بقدرة قادر اختفى قادة كل الأجهزة الأمنية وتبخر عناصر الأجهزة الأمنية الذين كانوا يُقدرون في قطاع غزة بأربعين ألف جندي وانهزموا أمام 20 ألف من الميليشيات المسلحة لحماس ، وسبق ذلك تأخير دفع  مرتبات عناصر الأجهزة الأمنية، كما تبخرت كل المليشيات والجماعات المسلحة التي كانت تابعة لحركة فتح ولمحمد دحلان، والأدهى من ذلك فإن حركة فتح المعنية الأولى بالأحداث كانت منقسمة على ذاتها وبعض قياداتها نظر للمعركة وكأنها معركة حركة حماس مع محمد دحلان وبالتالي لم يشاركوا في المعارك ويقول تقرير لجنة التحقيق 🙁 فأن الأكثر خطورة ما تكشف للجنة من حقائق مخجلة تعكس حالة محزنة من الانهيار المسبق ومدى انعدام الثقة بالمؤسسة والغطاء القيادي واستفحال الرابطة العشائرية على حساب الالتزام التنظيمي والانضباط العسكري سواء في المرحلة التي سبقت المواجهة الحاسمة أو أثنائها عبر إدارة المواجهة بالمهادنة، أو الترتيب الشخصي مع ميليشيات حماس، حتى إن بعض القادة كان مرافقوهم من حماس).[55]

مقابل اتهام لجنة التحقيق لمحمد دحلان بالمسؤولية عما جرى في القطاع من خلال كونه مستشار الرئيس للأمن القومي والمسئول عن القوات الخاصة التي تم تشكيلها لحماية السلطة ولأنه تلقى ملايين الدولارات قبيل الأحداث لإعادة ترتيب الأجهزة الأمنية ولم يفعل شيئا بل غادر القطاع قبل أيام من الأحداث بذريعة السفر للعلاج في ألمانيا، مقابل ذلك يرد دحلان بان الرئيس أبو مازن هو المسؤول عن ضياع القطاع . وفي كلمته أمام المؤتمر السادس لحركة فتح في أغسطس 2008 يتهم دحلان بدوره أطرافا من حركة فتح بأنها غطت الانقلاب مع حركة حماس وأن هذه الإطراف ضلت الطريق وشاركت في الانقلاب بعمليات تنفيذية، ويتهم الرئيس أبو مازن بالمسؤولية عما جرى حيث يقول إن : (قرارات الرئيس الفردية وسلوكه هو الذي أضاع غزة من خلال:

• الإصرار على الذهاب للانتخابات التشريعية خلافاً لقرار الحركة التي اعتبرت الأوضاع الوطنية والحركية غير مهيأة.

• عدم إلزام المشاركين بالانتخابات بالالتزام بالاتفاقيات السياسية الموقعة من قبل م.ت.ف مما عقد الأمور ودفعه لتكليف حكومة بدون أساس سياسي.

• موافقته لحماس بإنشاء أول قوة تنفيذية تحت سيطرتهم الكاملة.

• توجيه جزء كبير من الإمكانات المادية والتسليح لحرس الرئاسة، ثم إخراج الحرس من المعركة!! وربط ذلك بتصريحه قبل يومين من الانقلاب (بأنه لا يستطيع لوم أحد الأطراف، وإنه يناشد الطرفين بوقف القتال!!!).[56]

 أما إسرائيل فقد وقفت تتفرج على مقاتلي حركة حماس وهم يقتحمون مقرات السلطة التي تربطها بها اتفاقية تسوية دون أن تحرك جانبا بل وصل مقاتلو حركة حماس أثناء مطاردتهم لعناصر فتح الفارين حتى الحدود مع إسرائيل تحت نظر ومرمى جنود الاحتلال، ولو أرادت إسرائيل إفشال الانقلاب وإنقاذ شريكها في التسوية لكانت تستطيع ذلك باستعمال طائرة هليكوبتر واحدة .   

هذا الانقلاب وبغض النظر عن التبريرات التي قدمتها حركة حماس، لم يكن بهدف محاصرة ومعاقبة من سمتهم بالتيار الانقلابي في حركة فتح ولو أن حركة حماس قامت باعتقال ومحاكمة هؤلاء على ما تنسبه لهم من جرائم فربما كان تصرفها مقبولا ومفهوما بل لوجدت من يصفق لها من داخل حركة فتح ،ولكن الغريب أن كتائب القسام قامت بهجومها وهي تعرف أن كل قيادات حركة فتح في الخارج،ومن اعتقلتهم من قيادات الصف الثاني أطلقت سراحهم بل قامت بتوصيلهم إلى معبر بيت حانون[57]، وفي المقابل قامت باقتحام المقرات والمؤسسات الأمنية والمدنية للسلطة بما في ذلك بيت ومقر الرئيس أبو مازن وبيت الرئيس الراحل أبو عمار، وما صاحب ذلك من فتاوى تكفير وتخوين للسلطة وأجهزتها وقادتها صدرت عن بعض رجالات حماس الذين حللوا دم العاملين في الأجهزة الأمنية للسلطة وخصوصا الأمن الوقائي، مما يعني القطيعة مع السلطة الوطنية التي قامت مع توقيع اتفاقية أوسلو والتي تتعامل مع الضفة وغزة كوحدة سياسية واحدة ـوكل ذلك يؤكد وجود مخطط معد مسبقا لصيرورة الأمور لما آلت إليه .

 جاءت قرارات الرئيس أبو مازن بحل حكومة الوحدة الوطنية وإعلان حالة الطوارئ وتشكيل حكومة طوارئ برئاسة الدكتور سلام فياض يوم 14 يونيو كرد على ما جرى في عزة لتعزز من القطيعة والفصل السياسي بين الضفة وغزة ، وخصوصا أن هذه الأحداث الدراماتيكية تصاحبت مع عمليات تصفية ممنهجة لمؤسسات ومراكز السلطة وحركة فتح في القطاع وعمليات تصفية لمراكز ومؤسسات حركة حماس في الضفة الغربية ـ بمعنى قطع أية إمكانية للشراكة أو التعاون بين الحركتين حتى على مستوى كل شطر من شطري الوطن المحتل.

الواقع يقول – وهو واقع نرفضه ويرفضه كل فلسطيني وطني مخلص لقضيته الوطنية- بأن هناك سلطة لحماس في غزة والتي تمثل 1،5% من مساحة فلسطين و6% من مساحة الأراضي المحتلة عام 1967 وفيها أكثر من مليون ونصف نسمة ،وهناك سلطة ورئيس وحكومة لفتح – أو تنسبا لفتح – فيما تبقى من الضفة الغربية والمنطقتان تخضعان للاحتلال والحصار الاقتصادي بنسب متفاوتة ، وفي المنطقتين لا يحكم فعليا سياسيون بل أجهزة أمنية ،أو بصيغة أخرى حكم العسكر بواجهات سياسية. فما هي آفاق المستقبل وكيف ستتصرف حكومتا وسلطتا الأمر الواقع ؟.

لقد بات واضحا أن الضحية الأولى لهذا الصراع الدامي بين حركتي فتح وحماس هو المشروع الوطني الفلسطيني الذي يقول بدولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشريف وعودة اللاجئين ،فمن سيفكر اليوم بتسوية تقوم على هذا الأساس في ظل وجود حكومتين وسلطتين،بل مَن سيفكر بحل لصراع فلسطيني إسرائيلي في ظل احتدام الصراع الفلسطيني/ الفلسطيني ؟ ولان أعداء المشروع الوطني والمتواطئين معهم من النخبة الفلسطينية لا يريدون نجاح هذا المشروع الوطني فسيعملون بكل جهدهم على استمرارية الخلافات الداخلية الفلسطينية .

     إذن بعد نجاح الفصل الأول من المخطط ،ولأننا نعتقد بان ما يجرى هو نتاج مخطط، فما زال في جعبة المخططين ما يقومون به للتعامل مع الحالة الجديدة، ونعتقد بأن المخططين الخارجيين والمحليين سيُفشِلون أي محاولة لرأب الصدع في الصف الفلسطيني وسيعززون حالة الفصل مع تقديم مقترحات وحلول لكل طرف من طرفي المعادلة الفلسطينية لمنحه شيئا من الشرعية والدعم ولكن بالقدر الذي يجعله قادرا على مواجهة الطرف الثاني (العدو الداخلي) فقط واستنزافه .

أما من حيث العلاقات الخارجية سيتم التخفيف من حالة الحصار على الضفة الغربية وقد يُرفع نهائيا وفي نفس الوقت لن يموت الفلسطينيون جوعا في قطاع غزة لأن المطلوب ليس إخراج حركة حماس من السلطة والحكم في قطاع غزة بل إبقائها ولكن محاصرة وضعيفة ومنهكة بالمشاكل الداخلية وليجعلوا من حكم حركة حماس نموذجا سيئا لحكم الجماعات الإسلامية وللاستقلال الفلسطيني .

ومن حيث العلاقة مع إسرائيل فمن المتوقع أن تعزز هذه الأخيرة من حال الفصل بالتعامل مع كل طرف بطريقة خاصة ، فمن المتوقع بحث مسألة الهدنة بين حماس وإسرائيل في قطاع غزة وهو ما يرضي الطرفين فإسرائيل ستؤمن حدودها مع قطاع غزة وحماس لن تكون مضطرة للاعتراف بإسرائيل، ومن جهة أخرى من المتوقع بدء مفاوضات بين حركة حماس ومصر بوساطة أطراف عربية مشاركة في مخطط الفصل وبقبول إسرائيلي ـوفي هذه الحالة ستقرض مصر شروطا مقابل هذا التعامل وهي ستكون شروطا مشددة تصل لدرجة الوصاية على القطاع ، وفي الضفة سيتم تعزيز العلاقة مع السلطة والحكومة هناك وتسهيل الأمور الحياتية على السكان وفي نفس الوقت سيتعزز الدور الأردني تمهيدا للمرحلة القادمة  .

 لكن ما نخشاه وهو الأشد خطرا ونقصد بذلك الاستنزاف أو التدمير الذاتي ، فالقوى المعادية للمشروع الوطني ستعمل على تحريك عملائها في قطاع غزة أو ستقوم عناصر فتحاوية بمحاولة الانتقام لما جرى لحركة فتح، وذلك بقيام الطرفين (دون تنسيق بالضرورة) بأعمال تخريب واغتيال ضد رموز ومؤسسات حركة حماس مما سيدفع كتائب القسام والتنفيذية للرد بعمليات اقتحام للبيوت واعتقال وتشديد القبضة الأمنية وهو ما سيحول قطاع غزة لنظام قمع وإرهاب وحالة من الفوضى ،ونفس الأمر سيحدث في الضفة الغربية حيث سيتحرك عملاء إسرائيل وستتحرك عناصر من حركة حماس للانتقام من السلطة (أيضا دون تنسيق بالضرورة)، وذلك بالقيام بعمليات اغتيال وتخريب، وسترد عليها أجهزة السلطة بالقمع والاعتقالات الخ ، وفي جميع الحالات سيتم استنزاف الحركتين باقتتال داخلي مدمر .

     كم كنا نأمل أن نجد خيرا فيما جرى حتى نفتح نافذة للأمل بالمستقبل ، ولكن الصورة تبدو قاتمة والجزء الثاني من المخطط قد يكون الأسوأ ،ومع ذلك ولأنها قضية شعب أكبر من فتح وحماس ولأننا نتمسك بموقفنا وموقعنا كمثقفين ومفكرين علينا أن نبحث عن كل ما يوحد الشعب ويحافظ على ثوابت القضية بعيدا عن كل تعصب حزبي أو ترجيح لهذا الطرف أو ذاك فإن هناك ما يمكن فعله لتجنب الأسوأ أو التخفيف منه . في هذا السياق نتمنى وقف التحريض المخجل والخطير والذي يستعمل مصطلحات التخوين والتكفير ، ووقف عمليات المداهمة والاغتيالات والانتقام والاستئصال المتبادل ونعتقد أن عند الطرفين من العقلاء وممن تربطهم علاقات صداقة وتفاهم مَن يمكنهم البدء بنسج اتصالات وعلاقات حول هذه الأمور وحول قضايا إنسانية واجتماعية عسى ولعل أن تخفف من حدة الاحتقان .

سيناريوهات ما بعد الانقلاب في غزة [58]

لن نعود مجددا للبحث المفصل في خلفيات وأسباب ما جرى في قطاع غزة وإن كنا نشك بأن طرفي الصراع أي فتح وحماس لا يقولان كل الحقيقة وأن الأطراف الخارجية أيضا متواطئة وتخفي الحقيقة، والحقيقة أن ما جرى هو مخطط مدروس تم الاشتغال عليه منذ سنوات يهدف للفصل ما بين قطاع غزة والضفة الغربية والعودة لحالة شبيهة لما كان عليه الوضع قبل حرب حزيران 1967 مع استدراج حركة حماس برضاها لحكم القطاع تمهيدا لعودة الدور المصري في قطاع غزة والأردني في الضفة وبالتالي إصابة بمقتل للمشروع الوطني الفلسطيني الذي كان يطمح لإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشريف وحل عادل لقضية اللاجئين،الكل متواطئ بنسب متفاوتة وستكشف الأيام حقيقة هذا المخطط ،و قريبا سنسمع عن مشروع جديد للتسوية يُبنى على الأمر الواقع الناتج عن الفصل.

   ما جرى في غزة هو انقلاب عسكري تم الإعداد له مسبقا كجزء من المخطط وتم تخريج هذا الجزء من المخطط على شكل انقلاب وانتصار مُبهر لحركة حماس لا يقل عن الانتصار على إسرائيل من وجهة نظرها ، وإلا كيف سيُمرر هذا المخطط ،وأن ترفض حركة حماس وصف ما جرى بالانقلاب أو تبرر ما جرى بأنه موجه ضد من تسميهم بالتيار الانقلابي في فتح لن يغير من الحقيقة في شيء ، فأن تقوم جماعة مسلحة وخصوصا عندما تكون من الحزب الحاكم أو المشارك بالحكومة بمهاجمة مقرات الأمن والجيش والقصر الجمهوري وبيت الرئيس ومحطات التلفزيون والإذاعة لأسباب سياسية ، فهذا هو تعريف الانقلاب في علم السياسة [59]، أما لماذا الانقلاب؟ فهذا أمر أخر وهو أيضا محل نظر،فحتى لو سلمنا بأن هناك تيار انقلابي وفاسد في حركة فتح وفي السلطة – وقد كتبنا منذ سنوات حول الفساد والانفلات في حركة فتح وفي السلطة وقبل أن تكون حماس في السلطة وتتحدث عن الموضوع – فإن ما جرى هو أعظم وأخطر من أن يكون مجرد مطاردة وتصفية لهذا التيار وخصوصا أنه لم يقتل أو يُسجن أو يُحاكم أي واحد من قيادات هذا التيار ! .ولو كان الأمر مجرد حسم مع عناصر أو أجهزة متمردة على رئيس الوزراء المنتخب لكان من المفترض أن تعود الأمور بعد الانتصار على المنفلتين على ما كانت عليه قبل الحسم وهذا ما لم يحدث.

الآن وقد جرى ما جرى وسواء كان الأمر تخطيطا ومؤامرة أو مجرد تداعيات طبيعية لأحداث آنية كما تقول حركة حماس ،فنحن أمام فصل سياسي وجغرافي ونفسي بين قطاع غزة والضفة الغربية ،والقرارات والقرارات المضادة من الرئيس ورئيس الوزراء المُقال تعزز حالة الفصل هذه ..إذن ما العمل ؟وما هي آفاق مستقبل النظام السياسي ؟.

نحن أمام أربعة احتمالات أو سيناريوهات :-

     السيناريو الأول :- إعادة قطاع غزة لشرعية السلطة والرئيس بالقوة العسكرية .
وهذا غير ممكن فلسطينيا فالرئيس لا يملك جيوشا ليرسلها (لتحرير غزة) ،وبقايا الأجهزة الأمنية وتنظيم فتح لا يستطيعا ذلك وإن حاولت فهذا معناه حرب أهلية لا نهاية لها ولن يكون الفوز في نهاية الأمر للمقاتلين باسم حركة فتح وبقايا الأجهزة الأمنية لأن الناس لا يريدون عودة من جربوا حكمهم طوال اثني عشر عاما ولم يكن في حكمهم ما يدفع الشعب للتعاطف معهم وتسهيل مأمورية عودتهم لحكم غزة ، أما محاولة إعادة غزة لشرعية الرئيس بواسطة قوات الاحتلال فهو ممكن عمليا ،ولكن إسرائيل لا تفكر بالرجوع لغزة ولأنها مشاركة في مخطط الفصل ،ولن يُشرِّف أي فلسطيني أن تعود الشرعية على ظهر دبابات الاحتلال ،وحالة العراق وأفغانستان أمام أعيننا،وبطبيعة الحال لا تفكر مصر أو قوات دولية بفعل ذلك،وخصوصا أن حركة حماس ليست كجماعات القاعدة مجرد مقاتلين مستجلَبين ليقاتلوا في بلاد غير بلادهم ،بل هي حركة شعبية وفازت بجدارة بانتخابات تشريعية منحتها أغلبية الأصوات،وجماعات دينية من هذا النوع من الصعب القضاء عليها نهائيا .

السيناريو الثاني :- تأبيد حالة الفصل بين شطري مشروع الوطن

بمعنى أن تستقر الأمور لحركة حماس لحكم غزة وتستقر الأمور لحركة فتح لحكم الضفة الغربية ،وهذه رغبة خفية لبعض أطراف الصراع ،ونعتقد بان هذه الأطراف ستبدأ تدريجيا بالتعامل مع حركة حماس كسلطة في غزة ضمن شروط ، وقد يبدأ هذا التعامل تحت شعارات الوضع الإنساني للسكان وعدم تحويل القطاع لسجن كبير،والتعامل مع الواقع ،وعدم التحيز في التعامل مع طرقي الصراع الفلسطيني الخ ، وربما نسمع قريبا بهدنة بين إسرائيل وحركة حماس على حدود قطاع غزة ،وربما تكون هدنة ضمنية والاتفاق على صفقة مع حماس لإطلاق الجندي جلعاد شاليط، وفي نفس الوقت ستبدأ إسرائيل بقطع علاقاتها تدريجيا مع القطاع وانتقال الدور لمصر.
السيناريو الثالث :- العودة للحوار

إن كان الاحتمالان السابقان مرفوضين وطنيا بغض النظر عن إمكانية تحققهما عمليا فالبديل هو محاولة التجاوب مع الدعوات المطالبة بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14 حزيران عن طريق الحوار . هذا الخيار وإن كان هو المفضل لدى غالبية الشعب الفلسطيني إلا أن المراهنة على نجاح الحوار تكتنفها كثير من الشكوك . سبق وأن تحاور الطرفان عشرات بل مئات جولات الحوار في القاهرة ومكة وغزة وقبل ذلك في السودان وأماكن أخرى وفي ظل ظروف أفضل من هذه الظروف ، ولم تُنجز الحوارات إلا تفاهمات ورقية لم تحل أيا من الإشكالات العميقة للخلاف بين الطرفين .

الانتقال من الحوار عبر طاولة المفاوضات إلى الاقتتال ثم الانقلاب يجعل الحوار أكثر صعوبة وخصوصا مع رفض الرئيس أبو مازن للحوار بداية ثم وضعه شروطا على حماس تنفيذها قبل بدء الحوار ، وهي شروط رفضتها حماس ،إلا أن تدخلات عربية من مصر وجامعة الدول العربية قد تهيئ الظروف للجلوس مجددا على طاولة المفاوضات ، ونعتقد أن حوارات ستبدأ بين الطرفين وقد تطول لأشهر ولكنها قد لا تؤدي إلى أية نتيجة، ليس لغياب الإرادة بالتوافق بين الطرفين بل لأن القوى الخارجية ستمارس ضغوطا على طرفي الحوار لإفشاله ،والكل يعلم بأن القوى السياسية الفلسطينية هي لاعب صغير بالرغم من كونها صاحبة القضية في مقابل اللاعبين الكبار سواء كانت إسرائيل والولايات المتحدة أو دول عربية وإقليمية ،كما أن إسرائيل المستفيد الأول من الانقسام لن تسمح بإعادة توحيد غزة والضفة في إطار حكومة وسلطة واحدة.

   ومع ذلك ولقطع الطرق على من يفكرون بالخيارين السابقين لا مناص من الحوار ولكن ليس فقط لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 14 حزيران لأن إشكالات كثيرة ستحول دون ذلك ، بل للتفاهم والاتفاق على الثوابت الوطنية ويمكن اعتماد وثيقة الوفاق الوطني كأساس،فيتم الاتفاق دون لبس – أو ما كانوا يسمونه بالغموض البناء للتهرب من الاتفاق الحقيقي- على مفهوم السلام والمقاومة والهدنة والاتفاقات الموقعة والشرعية الدولية وعلاقة الدين بالسلطة والحكم السياسي ،ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية تترأسها شخصية مستقلة تعمل على إعادة بناء مؤسسات السلطة وخصوصا الأجهزة الأمنية وتهيئة الوضع للانتخابات التشريعية .
السيناريو الرابع :من التقسيم إلى التقاسم

حيث أن السيناريوهات السابقة تتراوح ما بين الممكن المرفوض والصعب المُحبَب والمقبول ،وحيث إن الأمر يبقي مفتوحا لكل احتمال،هناك سيناريو رابع يمكن اللجوء له والتعامل معه وطنيا إن فشلت الحوارات في التوصل للنتائج التي أشرنا إليها – وهنا نؤكد بأن هذا ليس خيارنا ولكنه خيار يمكن التفكير به إن أغلقت كل الأبواب – ونقصد بذلك إن كان الفصل أمرا مفروضا على الفلسطينيين الآن،يمكن آنذاك تحويل التقسيم إلى تقاسم والتقاسم يعنى التفاعل والمشاركة في الإعداد للمشروع الوطني ضمن المعطيات المفروضة ،وهذا يحتاج لوقف كل عمليات التحريض ـمن تكفير وتخوين ،ووقف عمليات التصفية الممنهجة من كل طرف للطرف الآخر- تصفية حركة حماس في الضفة وتصفية حركة فتح في قطاع غزة- ومساعدة كل طرف للآخر في أن يستكمل مهامه حسب ظروفه ومعطياته وعلاقاته لتصفية الاحتلال،وما بعد زوال الاحتلال يمكن البحث في صيغة توحيدية .

ندرك تماما بأن هذا الخيار قد يكون الأصعب والأكثر إثارة للجدل، ولكن يمكن التعامل معه مرحليا لتجنب مخاطر التقسيم النهائي ،وهناك أمور كثيرة يمكن تقاسمها بالتشارك وتوزيع الأدوار واستمرار الحوار قد يكون مفيدا في هذا السياق .

للأسف هذه السيناريوهات تتراوح ما بين المستحيل والصعب والمرفوض، وأحلاها مر كما يقول المثل ، والأخطر من ذلك أن نجاح أي سيناريو لا يتوقف على الإرادة الفلسطينية فقط بل يحتاج إلى إجازته إما من إسرائيل أو من أطراف خارجية.

 حتى لا نكون شهود زور على مخطط تصفية المشروع الوطني[60]

مع أن كل كاتب يشعر بشيء من الرضا عن الذات عندما تأتي الأحداث مصدقة لتوقعاته وتحليلاته، إلا أن شعورا بالألم والحزن الشديد ينتابنا لأن الأحداث جاءت متوافقة مع توقعاتنا. حزن لما آلت إليه الأمور وحزن أشد لأن ملامح مخطط تحطيم المشروع الوطني وفصل غزة عن الضفة كانت واضحة لدرجة أن أي مسئول يزعم بعدم توقعها هو تبرير لإخفاء التواطؤ أو إخفاء العجز عن وقف المخطط، مؤشرات الانقسام والاشتغال لصيرورته واقعا بدأت سنوات قبل انقلاب حماس، ولا داع لتكرار ما سبق و كتبناه. فقد توقعنا وحذرنا من خطورة غياب إستراتيجية عمل وطني وتعدد الاستراتيجيات والسلطات، وحذرنا من إجراء انتخابات تشريعية قبل الاتفاق على مرجعيات وثوابت النظام السياسي، وحذرنا من خطورة الفلتان الأمني وقلنا إنه ليس عفويا أو بالمصادفة بل هو ضمن مخطط لتدمير المشروع الوطني وان هناك أطرافا محلية تشارك بهذا المخطط، كما حذرنا من مخطط للفصل ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة والالتفاف على القرار الوطني المستقل وعودة الوصاية على الشعب الفلسطيني الخ.

كما أشرنا فإن السيناريو الأسوأ الذي حذرنا منه هو تأبيد حالة الفصل لقوة تأثير الأطراف المشاركة بهذا المخطط بما فيها أطراف متعادية ومتصارعة ولكنها تتقاطع عند نقطة فصل غزة عن الضفة للالتفاف على المشروع الوطني الفلسطيني، إلا أن السيناريو الذي سميناه (من التقسيم إلى التقاسم ) وقلنا بأنه أهون الشرور إن لم تتوفر شروط الحوار الناجح على المدى القريب، و بعد ما جرى من أحداث في الأيام الأخيرة من الضروري التفكير به كخطوة مرحلية ومؤقتة أو كمدخل لحل جذري للخلاف الداخلي.

قبل أن نوضح فكرتنا، دعونا نستقرىء باختصار وبموضوعية تداعيات الأحداث في الفترة الأخيرة . فشل جولات الحوار، فشل الخطة الأمنية، ثم فشل حكومة الوحدة الوطنية.بعد انقلاب حماس الدموي منتصف يونيو، حماس تستولي على المراكز الأمنية ثم على مقرات الوزارات والسلطة، عجز حماس عن تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، امتداد الخلاف من خلاف مع حركة فتح لخلاف مع كل القوى السياسية، قطع رواتب آلاف من الموظفين، تزايد النقمة الجماهيرية ضد حكم حماس، تحول حكم حماس من حكومة ربانية أو منتخبة كما كانوا يزعمون لحكومة وحكم بالبطش والقوة، مداهمات واعتقالات وإطلاق نار على الشباب والمسيرات السلمية، الحد من الحريات السياسية والإعلامية، وقف حركة حماس لعملياتها العسكرية داخل إسرائيل واستجداءها لهدنة من الإسرائيليين، وقوع عمليات مسلحة داخلية ضد مواقع وعناصر حكومة حماس، وتخطيط حمساوي لزعزعة الاستقرار في الضفة الغربية، تزايد عمليات التحريض والتشكيك والتخوين عبر الفضائيات ومختلف وسائل الإعلام بشكل يسيء لكل الشعب الفلسطيني، إعلان إسرائيل قطاع غزة كيانا معاديا، توقف الجهات المانحة عن إنجاز مشاريع تنموية في القطاع، تراجع التأييد والاهتمام العربي والدولي بحركة حماس وبمعاناة سكان القطاع، ثم عقد مؤتمر انابولس دون تحقيق إنجاز سياسي كبير، غياب أي مسعى جدي للحوار مع تمسك حركة حماس بمواقفها ورفضها الاعتراف بالخطأ الذي ارتكبته، تزايد العدوان الإسرائيلي متزامنا مع عقد مؤتمر باريس مما دفع البعض بالربط بين الأمرين، الأهم من كل ذلك أن أكثر من مليون ونصف المليون من أهلنا في القطاع أصبحوا يعيشون حالة غير مسبوقة ليس بفلسطين فقط بل في كل النزاعات الدولية، من حصار وجوع وإحباط وفقدان الثقة بالحاضر والمستقبل وتراجع المستوى الحضاري وحالة من الخوف والقلق، وكل هذا حدث بعد الموت غير المعلن للانتفاضة، إن لم يكن فشلها في تحقيق أهدافها، دون أن يجرؤ أحد على عمل مراجعة وتقييم ومحاسبة لست سنوات، نتيجتها آلاف الشهداء وعشرات آلاف المعتقلين والجرحى، وتدمير البنية التحتية في الضفة والقطاع وعدم تحقيق أي إنجاز سياسي، بل تراجع مهول للقضية الوطنية على كافة الأصعدة .

لقد بات واضحا أن المخطط الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه هو مخطط يتجاوز الأطراف الفلسطينية، دون تجاهل الدور المركزي لفساد وسوء إدارة استشرى في بعض المؤسسات والأجهزة التابعة للسلطة، في إنجاح المخطط، كما بات واضحا أن إسرائيل والأطراف الإقليمية المعنية بالأمر تريد استمرار حالة الفصل والانقسام للنظام السياسي و للمجتمع الفلسطيني ليس حبا بحركة حماس أو إعجابا بالنظام الذي تؤسسه، بل توظيفا لهذا النموذج الفاشل من حكم الإسلاميين في تسوية حسابات داخلية مع التيارات الدينية، أو انطلاقا من رؤية سياسية للتسوية ترى أن الحل يمكن أن يكون ممكنا إذا عادت الأمور لما قبل حزيران 67، أي التعامل مع قطاع غزة كحالة سياسية مختلفة عن حالة الضفة الغربية- وهناك دول عربية تفضل هذا التوجه وتشتغل عليه-، أيضا هناك دول تريد توظيف الحالة الفلسطينية المتوترة لخدمة أجندة سياسية خاصة.

وعليه، ولأن الحالة الفلسطينية اليوم هي أضعف مما كانت عليه قبل الانتفاضة ، فإن إنهاء حالة الفصل لن يكون بقرار فلسطيني خالص في المنظور القريب على أقل تقدير – وإن كان التوافق الداخلي شرط ضرورة لنجاح أي مساع في هذا الاتجاه – كما أن إسرائيل لن تسمح بإحداث هذه المصالحة، وما يزيد الطين بلة أن بعض الأصوات في حركة حماس تتصرف وكأنها تحقق إنجازا أو تنفذ مخططا معدا مسبقا وهو أن تكون حماس سلطة حاكمة في قطاع غزة ، وهو تَطَلُع ينسجم أيضا مع أيديولوجيتها الدينية التي تنظر لمفهوم الدولة خارج سياق المفهوم الوطني والدولي، فعودة الخلافة الراشدة يمكن أن تبدأ على أية بقعة من أرض المسلمين، أيضا فإن ممارسات حركة حماس وتصريحات قادتها الاستفزازية والمرتبكة تُصَعِّب على الحكومة و السلطة الشرعية ومنظمة التحرير وضع إستراتيجية لحل وطني عاجل للوضع الراهن أو للمستقبل في القطاع، وتجعل خيارها الوحيد هو الدعوة للحوار والعودة لخيار الشعب وهو الانتخابات، الأمر الذي ترفضه حركة حماس حتى الآن.

ضمن هذه المعطيات، ومع الخط التصعيدي للخلاف – والذي للمفارقة والغرابة أنه يتزامن من مأزق يتعاظم كل يوم للطرفين ، مأزق ما تسميه حركة حماس خط المقاومة والممانعة ،ومأزق نهج التسوية الذي تراهن عليه السلطة بسبب التعنت الإسرائيلي – ،ومع توقع ما هو أسوأ بعد مؤتمري أنابوليس وباريس  أواخر 2007 بالرغم من كل التأكيدات التي أعلنها الرئيس أبو مازن ورئيس الوزراء سلام فياض على مسؤولية الحكومة عن أهلنا في القطاع والعمل على رفع الحصار عن القطاع، فلا يمر يوم دون أن يتعمق الشرخ وتتزايد حالة القطيعة وتتزايد معاناة الناس في القطاع، معاناة غالبية الشعب وليس حركة حماس، بل تظهر مؤشرات مقلقة على تزايد الاستعداد النفسي عند شرائح شعبية في الطرفين للتكيف مع الوضع، وتعمل قوى متعددة لتغذية الاستعدادات النفسية لقبول عملية الفصل، أيضا وجود قناعة عند البعض من النخبة السياسية في الجانبين لاعتبار ما جرى أمرا مقبولا أو يدخل في باب (رب ضارة نافعة)، وتواتر الحديث عن (الغزيين) و(الضفويين) وأن ما جرى هو تصحيح لخطا حدث بسبب الاحتلال والوضع الطبيعي في نظرهم أن قطاع غزة – المنفصل جغرافيا عن الضفة – حالة مختلفة عن الضفة الغربية والمجتمع (الغزي) مختلف عن المجتمع في الضفة الخ. إذن ما العمل ؟.

إن كان خيار الحسم العسكري مرفوضا وطنيا وعملياتيا عند الرئيس أبو مازن والحكومة وعند حركة فتح وكل القوى الوطنية، وإن كانت النية الحقيقية لطرفي المشكل متجهة بالفعل لوضع حد للفصل بين شطري الوطن (كما تقول تصريحاتهم المعلنة)، فلا بديل عن الحوار، حوار ليس على استعادة مواقع أمنية أو محاصصة سياسية ،أو لمجرد رفع العتب بالقول إننا لسنا ضد الحوار،بل حوار حقيقي وجاد حول القضايا الإستراتيجية، مثل مفهوم الدولة والتسوية والسلام والمقاومة، أي حول الثوابت الوطنية، التي كان من المفترض الحسم بها قبل إجراء الانتخابات التشريعية، هذا الحوار يحتاج لجهد ووقت كما أنه سيواجَه بممانعة من إسرائيل ومن أطراف متعددة مستفيدة من الانقسام الفلسطيني الداخلي.

ولأننا نؤمن أن لا مجال للتقدم بالمشروع الوطني ولا بعملية السلام إلا بالمصالحة الداخلية قبل المصالحة مع إسرائيل،ولأننا نؤمن أن لا شرعية لحكومة إن لم تكن حكومة كل الشعب وكل الوطن، ولأن الواقع يقول بأن الوفاق والوئام الداخلي المؤَسَس على إستراتيجية عمل وطني يحتاج لوقت، إذن يجب التعامل بعقلانية مع مرحلة وسط أو انتقالية تمهد لعودة الوئام وهي مرحلة ضرورية لتهيئة شروط نجاح الحوار الإستراتيجي ، وأقصد التعامل مؤقتا مع واقع الفصل دون منح أية شرعية لأمر واقع مفروض بالقوة، ويكون ذلك من خلال وقف كل أشكال التحريض والاعتقالات وأعمال العنف المتبادل من الطرفين – لمدة شهرين مثلا-، وذلك لخلق الأجواء المهيئة للحوار الجاد ثم للمصالحة.

 أن تستمر العلاقة بين حركتي فتح وحماس علاقة عدائية، وأن يستمر التحريض، لن يساعد على إنجاح الحوار.إن إنجاح هذا السيناريو أو الفرصة الأخيرة هو مسؤولية جميع الأطراف ولكن بالدرجة الأولى مسؤولية حركة حماس التي انقلبت على الشرعية، والكرة عندها لأن أعمالها هي التي تعمق الهوة بينها وبين كل فصائل منظمة التحرير ومع الشعب داخل القطاع، ولكن في نفس الوقت فإن تمترس القيادة الفلسطينية حول شرط ضرورة تراجع حركة حماس عن عملها الانقلابي قد يبدو مبهما وتعجيزيا، فما هو مفهوم التراجع عن الانقلاب؟ومن سيملأ الفراغ؟ وما ضمان عدم حدوث عمليات ثأرية من الشعب ضد قيادات وعناصر حماس في غزة؟ وأسئلة كثيرة تفرض نفسها.

قد يقول قائل كيف يجلس الرئيس أبو مازن مع الانقلابيين ؟وكيف سيتم الاتفاق بين الطرفين ما دامت حركة حماس لا تقر بمرجعية منظمة التحرير وتقول بعدم الاعتراف بالاتفاقات الموقعة ؟.في السياسة لا توجد ثوابت مطلقة ، فثوابت السياسة هي المتغيرات التي تحددها الأمة وتعبر عن المصلحة الوطنية وتخدمها في كل مرحلة من مراحل تطور الأمم ، وعليه فإن توفرت إرادة المصالحة ومتطلبات المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية فالحلول ممكنة والعقبة التي تسمى الخلاف حول الثوابت يمكن تذليلها. بالنسبة للإشكال الأول ، يمكن للرئيس أبو مازن أن يختار طرفا صديقا – ويمكن أن تكون الرباعية العربية مثلا- يتحاور مع حماس نيابية عن الرئيس خلال مدة الشهرين (الهدنة الداخلية) لتهيئة شروط الحوار الجاد والتي من بينها اعتراف حركة حماس بخطأ اللجوء للانقلاب،واعترافها بشرعية الرئيس أبو مازن واستعدادها لتشكيل حكومة من المستقلين على أساس الثوابت والاتفاقات التي اعترفت بها منظمة التحرير الفلسطينية.ثم بعد ذلك تجلس كل القوى السياسية الفلسطينية بما فيها حركة الجهاد وممثلون عن المجتمع المدني برعاية الرباعية العربية للبحث في تشكيل حكومة من المستقلين،ولوضع إستراتيجية سياسية تفاوضية يحدد لها سقفا زمنيا يمكن أن يكون الفترة التي تفصلنا عن الانتخابات التشريعية ،إن لم تستجب إسرائيل لهذه الإستراتيجية المدعومة بالموقف العربي من خلال المبادرة العربية للسلام ،حينئذ يمكن ومن خلال الموقف الموحد البحث عن أشكال أخرى من النضال بما في ذلك الخيار العسكري.

أما بالنسبة للإشكال الثاني، فبعد مشاركة حركة حماس بانتخابات تشريعية لسلطة هي نتاج لاتفاقات أوسلو ،وبعد مشاركتها بحكومة وحدة وطنية (مع أصحاب أوسلو) وبعد أكثر من تصريح وموقف حول الموافقة على دولة في الضفة وغزة بعاصمتها القدس وعودة اللاجئين وهي نفسها ثوابت منظمة التحرير وحركة فتح ،وبعد استعدادها لهدنة مع إسرائيل ،والهدنة بدون أي مواربة تعني وقف المقاومة، وبعد محاولاتها الحثيثة لفتح قنوات اتصال مع العالم الخارجي وخصوصا مع الأوروبيين والأمريكيين لاستقطاب اعتراف ودعم للحركة ، وبالتأكيد لن تطلب الحركة من هذه الدول الوقوف لجانبها للقضاء على إسرائيل…،بعد كل ذلك ما هي الخلافات السياسية الإستراتيجية بين حركة حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية؟. لقد بات واضحا أن الخلاف بين الطرفين ليس خلافا عميقا حول الثوابت أو على مبدأ التسوية السلمية بقدر ما هو خلاف حول السلطة وعلى من يقود مشروع التسوية؟وهو خلاف لا يستحق كل الدماء التي سالت.

لا يُعقل أن نتفاوض مع إسرائيل التي تحتل الأرض وتمارس كل أنواع الإرهاب ضد شعبنا وهي مفاوضات مشروعة ومبررة بمنطق الواقعية السياسية، ولا يُعقل أن تستجدي حركة حماس هدنة مع إسرائيل وحوارا مع الأمريكيين إن استطاعت، فيما هما عاجزان عن الحوار مع بعضهم بعضا،ولا ندري أيهم أقسى على النفس ،الجلوس مع مَن يحتل الأرض ويقتل ويدمر ويمتهن الكرامة ،أم الجلوس مع الخصم الوطني السياسي حيث جمعت الطرفين المعاناة والتشريد والخندق الواحد؟أيهم أقسى على النفس ،هدنة مع العدو المحتل مقابل الاحتفاظ بسلطة بدون سيادة على جزء مما تبقى من الوطن ،أم التخلي عن السلطة والعودة للصف والكل الوطني بما يحافظ على المشروع الوطني؟.

إن أهمية السرعة في التوصل لمصالحة وطنية مستمدة أيضا من إمكانية التوصل لهدنة ما بين حركة حماس وإسرائيل – والهدنة جزء من المخطط المشار إليه وهي بدأت ضمنيا بعد الانقلاب مباشرة حيث لم تطلق حركة حماس أي صاروخ على سيدوروت –[61] تمهد لمفاوضات بين الطرفين قد تؤدي لشكل من الدولة في قطاع غزة وفي هذا تحقيق لرؤية بوش حول الدولة وتطبيق لخطة خارطة الطريق حول الدولة المؤقتة ،وبذلك يتم إخراج إسرائيل من مأزقها،إلا أن ذلك يعني أيضا قطع الطريق على أي مصالحة وطنية ونهاية المشروع الوطني الذي يقول بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع .

نقول هذا حتى نبرئ أنفسنا وحتى لا نكون شهود زور على مؤامرة تصفية المشروع الوطني الذي قدم شعبنا في سبيله عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين ومعاناة وتشرد وحروب ،وأحلام وتشوقات،المصالحة فرصة أخيرة إما أن نلتقطها ونباشرها قبل فوات الأوان وتتجاوز النخبة السياسية المكابرة والإغراءات والحسابات الصغيرة ،وإما أن يسجل التاريخ أن أعدل قضية ضيعتها نخبة وقيادة لم تكن في مستوى عدالة وعظمة القضية .

وحتى لا أكون شاهد زور قدمت استقالتي من الوزارة

لم يكون موقفي الرافض للانقسام وللمشاركة بأي فعل معزز له مجرد موقف نظري بل كان سلوكا ومنهجا تجسد عندما قدمت استقالتي من منصب وزير الثقافة الذي شغلته ما بين يوليو 2007 و فبراير 2008 وهذا هو مضمون كتاب استقالتي الذي قدمته للرئيس أبو مازن ولرئيس الوزراء سلام فياض  وحيثيات قبولي للمنصب ثم استقالتي :

لم أكن بالوضع الذي أحسد عليه عندما تلقيت مكالمة هاتفية تطلب مني المشاركة بالحكومة الفلسطينية التي شكلها الدكتور سلام فياض على اثر الانقلاب المسلح الذي أقدمت عليه حركة حماس وأطاح بحكومة الوحدة الوطنية، فكوني أكاديميا وكاتبا تحدثت وكتبت كثيرا عن السلطة ومساوئها وعن الخلل في الأداء السياسي بل عن جدوى وجود سلطة وحكومة في ظل الاحتلال… فقد كان قبولي بمنصب وزير وكأنه يحمل في طياته حالة من التناقض بين القول والممارسة، بين الموقف والموقع.

وبالفعل تعرضت لانتقادات وعتب من كثير من الأصدقاء من فلسطين ومن خارجها لقبولي المنصب، وتفهمت موقف أصدقاء وتفهم بعضهم موقفي، ولو كانت الظروف غير الظروف لاعتذرت عن قبول العرض لأني كنت منسجما وراضيا عن نفسي وعملي الفكري والأكاديمي،ولكن كان يقلقني المصير الذي آل إليه المشروع الوطني ،مشروع الاستقلال والدولة،المشروع الوطني الذي لم ننجز منه شيئا، بل أصيب بمقتل في أكثر من جانب من جوانبه ،ذلك أنه بعيدا عن أوهام :سلطة وحكومة ومجلس تشريعي ووزارات ومؤسسات، والتي أصبحنا أسرى لها ولاستحقاقاتها الوظيفية ومغرياتها المالية… بدلا من أن تكون هذه المؤسسات أدوات في معركة التحرير،وبعيدا عن ملهاة الانتخابات والصراع على السلطة والمعابر والرواتب، حتى قضية الأسرى أصبحت قضية رواتب وكانتينا…، بعيدا عن هذه الملهيات والمنزلقات المقصودة فإن الواقع يقول بأن الاحتلال ما زال جاثما على كل الوطن بل تتم عملية شرعنة وتجميل بعض أشكال وجوده .

ما دفعني لقبول المنصب في حينه هو معايشتي لأحداث الانقلاب الذي أقدمت عليه حركة حماس وقبل ذلك متابعتي لنهجها السياسي وممارساتها على الأرض والذي كان يشير إلى انزلاق حماس بوعي أو بدون وعي نحو مخطط لتدمير المشروع الوطني ، فالانقلاب كان تتويجا أو مرحلة من مخطط لتدمير المشروع الوطني بفصل غزة عن الضفة تمهيدا لوصاية بمفاهيم وتخريجات جديدة ونقل ساحة الصراع بل تغيير طبيعة الصراع، من صراع مع العدو المحتل، لصراع فلسطيني داخلي حول مَن يحكم غزة التي يسعى المخططون لأن تكون هي الدولة الفلسطينية التي يتحدثون عنها، ليتفرغ العدو لاستيطان ما تبقى من القدس والضفة.

لذا كنت في حالة يتوجب فيها تحديد موقف، إما الانحياز للمشروع الوطني الرسمي الذي عنوانه الرئيس أبو مازن حيث القول بالتمسك بالثوابت وبوحدة شطري الوطن، أو رفض المشاركة بحكومة فياض وبالتالي الانحياز لحكومة الأمر الواقع في غزة التي لم ألمس يوما أنها تجسد مشروعا وطنيا أو لديها رؤية سياسية وإستراتيجية واضحة للصراع مع العدو؟. حتى الوقوف موقف الحياد من الطرفين كان بمثابة الانحياز للأمر الواقع الذي فرضته حركة حماس.
وعليه كان قبولي بالمشاركة بحكومة الدكتور فياض نوعا من المراهنة أو الأمل أنها مرحلة انتقالية لن تدوم أكثر من شهرين أو ثلاثة وتعود الأمور مجددا لحكومة وحدة وطنية، حكومة كل الوطن وكل الشعب، بالرغم من شكوك قوية عبرت عنها في أكثر من مقال وفضائية بأن ما جرى في غزة هو مخطط والفلسطينيون المشاركون فيه مجرد لاعبين صغارا فيه لعبوا أدوارا عن جهل من البعض وتواطؤ من البعض الآخر.ولكن في المنعطفات المصيرية الحرجة يجب التشبث بأي أمل ولو كان واهيا.

انطلاقا من ذلك، مارست عملي منذ منتصف يوليو كوزير للثقافة، بنية صادقة بأن أخدم المشروع الوطني وأساعد على استنهاض الحالة الثقافية إيمانا مني بأن ما جرى لمشروعنا الوطني هو اختراق لثقافتنا الوطنية وليس مجرد اختراق أمني أو سياسي فلو كانت ثقافتنا الوطنية محصنة لما جرى ما جرى، أيضا كنت أراهن بأنه من الممكن أن نصلح بالثقافة ما تفسده السياسة. إلا أن الأمور جرت عكس ما كنا نتمنى، فالانشقاق والفصل يُكرس يوما بعد يوم والتحريض المقيت يتعاظم ومفهوم العدو يتبدل من خارجي لداخلي، والحكومة تُسير الأعمال دون إستراتيجية عمل وطني [62] وأهلنا في القطاع يعانون الأمرين: إرهاب وحصار وتجويع على يد الاحتلال، وقمع للحريات على يد سلطة الأمر الواقع، والعدوان الإسرائيلي يحصد كل يوم عديد الشهداء في القطاع ويحصد مزيدا من الأرض والكرامة الوطنية بالاستيطان المتواصل في الضفة الغربية وخصوصا بالقدس – وهنا يجب التحذير بأن ما يجري بالقدس والضفة أكثر خطورة مما يجري بغزة، وكأنه مقصود تسخين وتوتير المشهد في القطاع لإخفاء الممارسات الاستيطانية والأمنية في الضفة -، وآفاق التسوية المشرفة تبدو أبعد منالا، وعلى مستوى وزارة الثقافة فلا توجد موازنات والقليل المتاح لا يساعد بالمطلق على استنهاض الحالة الثقافية وتعزيز الثقافة الوطنية التي هي اليوم مهددة بالتلاشي أو التشويه، هذا بالإضافة إلى أن الثقافة الوطنية بشكل عام ليست على سلم اهتمامات السلطة والحكومة وكأنه أمر مقصود تحويل الشعب لمجرد جموع بشرية تُختزل طموحاتها بالمأكل والمشرب ومتطلبات الحياة اليومية دون ناظم يحفظ لها هويتها وانتماءها وهو الثقافة الوطنية.

لكل ذلك وحيث لا أستطيع أن أكون متفرجا على عملية تقسيم ما كان مفترض أن يكون أرض الوطن المستقل، وعلى عذابات أهلنا في القطاع وعلى ما يجري بالضفة ، و بالتالي غير قادر على الوفاء بقسم الولاء الذي أقسمته عند تولي المسؤولية، وهو قسم ولاء للوطن وللمشروع الوطني، قررت تقديم الاستقالة من الحكومة الفلسطينية الثانية عشر التي يترأسها الدكتور سلام فياض.

وبالفعل قدمت استقالتي للرئيس ولرئيس الوزراء يوم الخميس الموافق للسابع من فبراير 2008، كصرخة احتجاج على الوضع العام وعلى العبثية التي تحكم نهج من يقولون بالمقاومة ولكن يمارسونها بعيدا عن شروط ومتطلبات المقاومة الوطنية الحقيقية، وعبثية المفاوضات في ظل السياسة الإسرائيلية الراهنة، وفي كلا الحالتين هي عبثية مدمرة للمشروع الوطني.

ثانيا : قطاع غزة : كيان مستقل أم أرض محتلة ؟ [63]

ليس بالمصادفة العابرة تزامن ما يجري في قطاع غزة من توجيه للأمور نحو الفصل والقطيعة مع الضفة ، مع ما يجري في الضفة من تكثيف للاستيطان وتعثر للمفاوضات أو حرف مسلسل التسوية بعيدا عن التسوية العادلة، فكل منهم لزوم الآخر، بمعني أن القوى المعادية وعلى رأسها إسرائيل ترى أنه يجب أن تكون مشكلة انفصال غزة حتى تتوقف إسرائيل عن دفع ما عليها من استحقاقات للتسوية ،ويجب أن تتعثر المفاوضات أو تتوقف حتى يتم تعزيز وتقوية المخطط الرامي لفصل غزة عن الضفة،وعليه لا يمكن الفصل بين فشل المفاوضات مع الإسرائيليين حول الضفة والقدس من جانب وتعزيز الحالة الانفصالية في غزة من جانب آخر،وضمن هذا السياق يمكن فهم  مجريات الأحداث السياسية الأخيرة ،وضمن نفس السياق أيضا يجب التعامل مع التهديدات الإسرائيلية المتكررة باجتياح قطاع غزة حيث إسرائيل تتحدث عن اجتياح قطاع غزة وعيونها على الضفة والقدس .

        التهديد الإسرائيلي المتكرر باجتياح قطاع غزة لا يعبر عن نية حقيقية بالاجتياح بقدر ما تسعى إسرائيل من ورائه لتحقيق أهداف متعددة كانت واردة منذ تعاملها مع مسلسل التسوية في مؤتمر مدريد ثم اتفاق أوسلو، و إذ استحضر بداية الحديث عن التسوية عام 1994 تحت شعار (غزة وأريحا أولا) و الإعلان عن اتفاقية أوسلو، حيث حذر كثيرون من أن تكون (غزة أولا وأخيرا) [64]، أدرك أنها لم تكن كتابات مشاكسة أو متشائمة، بل كانت تعبر عن رؤية ثاقبة للأمور، وما جرى خلال الأشهر الأخيرة يكشف حقيقة النوايا الإسرائيلية وحقيقة تصورها للسلام في فلسطين.انطلاقا من ذلك فإن إسرائيل لن تعيد احتلال قطاع غزة وما حديثها عن الاجتياح إلا محاولة لإخفاء أهدافها الإستراتيجية التي تتظاهر الطبقة السياسية الفلسطينية بتجاهلها …وعليه فإن التهديد الإسرائيلي باجتياح القطاع يهدف لتحقيق عدة أهداف أهمها:-

  1.  إخفاء الجرائم التي ترتكبها كل يوم في قطاع غزة سواء بالحصار أو بعمليات التقتيل والتدمير الإجرامية، وذلك بشد الانتباه نحو التهديد بالآتي وهو الاجتياح الذي سيكون كما يقولون مدمرا وغير مسبوق….وبالتالي سينشغل الناس والمراقبون بحالة ترقب للحدث الأكبر الآتي وهو الاجتياح على حساب تتبع وإدراك خطورة الجرائم التي ترتكب كل يوم.  الممارسات التي تقوم بها إسرائيل هي أكثر خطورة من الناحية السياسية والإنسانية والعسكرية من الاجتياح  إن حدث..إسرائيل انسحبت من تلقاء نفسها من القطاع تنفيذا لمخطط تؤكد الوقائع الجارية على الأرض انه ناجح وهو فصل غزة عن الضفة وهي غير مستعدة للتراجع عن هذا المكسب الكبير، كما أن إسرائيل تدرك الأهداف الحقيقية لحركة حماس من وراء إطلاقها الصواريخ أو السكوت عن مطلقيها وهي أهداف لا تندرج ضمن إستراتيجية وطنية للتحرير بقدر ما هي أداة ضغط لتحقيق مكاسب سياسية تمكنها من حكم غزة، كما أن الاجتياح سيطرح سؤال  ما بعد الاجتياح، فهل ستجتاح لتبقى في القطاع وهو أمر غير وارد ؟أم ستجتاح لتنظيف القطاع من مطلقي الصواريخ ومن يقف وراءهم من فصائل المقاومة ثم تخرج ؟والسؤال المبني على هذا السؤال هو لمن ستسلم القطاع بعد الاجتياح ؟هل لحماس مرة أخرى أم للرئيس أبو مازن ؟وهل سيقبل الرئيس وحكومته تسلم حكم القطاع من إسرائيل بعد ارتكاب هذه الأخيرة للمجازر المصاحبة للاجتياح؟.
  2. 2-   التهديد المتكرر باجتياح قطاع غزة ردا على الصواريخ المنطلقة من هناك وما يصاحب ذلك من تضخيم لتأثير الصواريخ على إسرائيل، إنما يهدف لتغييب القضايا الإستراتيجية والقضية الوطنية بشكل عام ولإبعاد الأنظار عما يجري في الضفة، ذلك أن ما يجري في الضفة أكثر خطورة مما يجري في غزة وأهداف إسرائيل الإستراتيجية هي في الضفة والقدس وليس في غزة، وعليه فإن من الأهداف الإستراتيجية لإسرائيل من وراء انسحابها من القطاع هو إبعاد الأنظار عن عمليات الاستيطان المتواصلة في القدس والضفة، وبالفعل استغلت إسرائيل انشغالنا وانشغال العالم بما يجري في غزة لتُسرع من وتيرة الاستيطان ولتزيد من عملياتها الأمنية والإرهابية في كل مدن وقرى الضفة غير عابئة بوجود حكومة وأجهزة أمن فلسطينية.
  3. استمرار حالة غزة متوترة من خلال استمرار الحصار أو التهديد بالاجتياح، وغياب الرؤية للحل، معناه إبقاء مفاوضات الوضع النهائي معلقة وإن تحركت تعثرت عند إثارة إسرائيل لمضمون البند الأول من خطة خارطة الطريق الذي يشترط وقف عمليات العنف من طرف الفلسطينيين ،فكيف لأبي مازن وسلطته أن يوقفوا العنف أو الصواريخ المنطلقة من غزة دون أن تكون لهم سلطة على غزة؟ ولأن إسرائيل لا تريد مفاوضات أو تسوية فمن مصلحتها استمرار حالة غزة بل وزيادة توتيرها .فعبثية الصواريخ تصبح ضرورة لتكون المفاوضات عبثية.

 وعليه لا يمكن أن تنجح المفاوضات بالتوصل لحل لقضايا الوضع النهائي قبل حل الوضع في قطاع غزة ،أما المتفائلون بحل فنخشى أن يكون الحل المقصود إما دولة غزة ،أو تجاهل غزة باعتبارها كيان معادي وبالتالي إخراجها من التسوية ،والبحث عن حل في الضفة يقوم على التقاسم الوظيفي ما بين بقايا سلطة فلسطينية والاحتلال والأردن .وخيار المفاضلة لن يكون للفلسطينيين بل للعدو الإسرائيلي. 

هذه الأهداف الإسرائيلية تتقاطع وربما تلتقي مع أطراف فلسطينية وإقليمية تشتغل على موضوع فصل غزة عن الضفة، كلّ لهدف خاص به، من هذه الأطراف الفلسطينية ،حركة حماس، التي بات كل همها استكمال حلقات الفصل موظفة معاناة سكان القطاع وأرواح ضحايا العدوان الصهيوني وخطاب المقاومة التي تم اختزالها بصواريخ تنزل بردا وسلاما على قلوب بعض القادة الإسرائيليين الباحثين عن ذرائع لتأبيد الفصل والتهرب من استحقاقات التسوية.

لا شك أن حركة حماس تم انتخابها من الشعب ،ولا شك أيضا أن قرارات المجلس الوطني الفلسطيني شرعية، ومن هذه القرارات ما ورد في البرنامج المرحلي لعام 1974 حيث جاء أنه يمكن لمنظمة التحرير إقامة سلطة وطنية مقاتلة على أي جزء من فلسطين يتم تحريره أو يُعطى لنا… لكن دعونا نسأل حركة حماس:هل قطاع غزة أرض محتلة أم منطقة محررة؟ فإن كان القطاع أرضا محتلة فعلى حماس أن تعلن ذلك وآنذاك عليها أن تجيب على الأسئلة التالية: لماذا تقيم حركة حماس في أرض محتلة: سلطة وحكومة ومجلس تشريعي؟ولماذا تُريح الاحتلال من مسؤولياته تجاه الشعب الخاضع للاحتلال المنصوص عليها في القانون الدولي، وذلك بسعي الحركة لتوفير  متطلبات الحياة اليومية للمواطنين ؟ولماذا تطالب بفتح الحدود مع مصر كحدود فلسطينية –مصرية؟ وإن كانت غزة أراضي محتلة فلماذا تستقبل حركة حماس الوفود العربية والأجنبية على أراضي محتلة وتتباهى أمامهم بأنها حررت غزة بالمقاومة وتطالب العرب والمسلمين والأجانب بزيارة غزة للإطلاع على تجربة الاستقلال الفريدة من نوعها؟.

أما إذا كان القطاع منطقة محررة أو مستقلة، فهذا يتطلب الإجابة على التساؤلات التالية: لماذا استمرار العدوان والتوغلات الإسرائيلية على القطاع ؟ولماذا استمرار إطلاق الصواريخ على إسرائيل؟ولماذا لا تحدد حركة حماس العلاقة التي تربط غزة بالضفة ؟ولماذا لا تعلن استقلال قطاع غزة؟ وإن كانت غزة محررة، فلماذا لا تمارس السلطة القائمة في القطاع سيادتها على المجال الفضائي والبحري للقطاع ؟ولماذا فقط تضغط لفتح الحدود مع مصر دون أن تحاول فتح الحدود البحرية والمجال الفضائي ؟ ألا تعلم حركة حماس أن فتح الحدود مع مصر فقط دون سيادة على الحدود البحرية وعلى المجال الفضائي، يعني إلحاق القطاع دون سيادة، لمصر؟ ألا تدرك حركة حماس أن مطالبتها للعالم للتخاطب والتفاوض معها كسلطة شرعية في قطاع غزة، يعني تكريس فصل القطاع عن الضفة ؟.

أسئلة كثيرة وكبيرة بعضها سياسي وبعضها قانوني وفي الحالة الفلسطينية يتداخل القانون بالسياسة كما يتداخل الاقتصاد والدين بالسياسة،وهنا نذكر بالبعد الدولي للموضوع ،مثلا إن قرارات الشرعية الدولية تتعامل مع الضفة والقطاع كوحدة واحدة ،والشرعية الدولية تعتبر أن منظمة التحرير الفلسطينية هي ممثل الشعب الفلسطيني وبالتالي هي المخاطِب والمخاطَب بهذا الشأن .  

 لا نروم من هذه الأسئلة التقليل من أهمية أن يكون وجود الاحتلال في جزء من الوطن أقل حضورا من بقية أجزاء الوطن، ولكننا لا نريد للشجرة أن تخفي الغابة، ولا نريد لتضحيات آلاف الشهداء والمعتقلين وما خلفوا من آلاف اليتامى والأرامل والمنكوبين، عبر أكثر من أربعة عقود من النضال داخل الوطن وخارجه، لا نريد لها أن تؤول لمجرد كيان سياسي دون سيادة مرتبط بمشروع خارج حدود الوطن يضع حدا للمشروع الوطني، مشروع الدولة الوطنية الفلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشريف وحق عودة اللاجئين.وهنا نعيد التأكيد بأنه ليس المهم من يحكم في غزة ؟حركة فتح أو حركة حماس ؟ بل المهم أن تكون الحالة السياسية بالقطاع جزءا من المشروع الوطني ونقطة منطلق لاستكمال هذا المشروع.وأن لا يكون ثمن تمكين حركة حماس من حكم مريح للقطاع، إطلاق يد إسرائيل بالضفة والقدس ووأد المشروع الوطني.

وعليه … ليس المهم أن تجتاح أو لا تجتاح إسرائيل القطاع – ما يجري من تقتيل يومي وحصار هو أسوأ من الاجتياح- بل المهم هو الموقف الفلسطيني والإستراتيجية الفلسطينية – إن وجدت- للتعامل مع الحالة بالقطاع. ما العمل.إن تم اجتياح القطاع ؟وما العمل إن لم يحدث الاجتياح ؟ ما العمل إن نجحت المفاوضات ؟وما العمل إن لم تنجح؟لا أعتقد أنه يوجد جواب لدى الطرفين.

سلطتان وحكومتان ولكن من يحمل ويحمي المشروع الوطني [65]

كنا بسلطة فأصبحنا بسلطتين، كنا بحكومة فأصبحنا بحكومتين،كنا بشرعية ثورية /تاريخية فأصبحنا بالإضافة لها بشرعية ديمقراطية وانتخابية بعد أن فرضوا علينا انتخابات خارج السياق في تجربة لم يعرفها أي شعب خضع للاستعمار، كنا بإستراتيجية وطنية ومشروع وطني فأصبحنا باستراتيجيات ومشاريع بعدد الفصائل بل بعدد كل جماعة مسلحة… ولكن مقابل ذلك أصبحنا نفاوض اليوم على حق أقل وأرض أقل.. قيل لنا إن مشكلة الفلسطينيين أنهم يضيعون فرصا ثم يندمون عليها ، قالوا ذلك منتقدين رفض الفلسطينيين لقرار التقسيم –مع أن قرار الرفض كان عربيا وليس فلسطينيا- وقالوا ذلك منتقدين رفض الفلسطينيين المشاركة باتفاقات كامب ديفيد التي وقعها الرئيس السادات مع إسرائيل ،وقيل ذلك لإقناع الفلسطينيين بالمشاركة بمؤتمر مدريد ثم توقيع اتفاقية أوسلو ،وقيل ذلك للضغط على الفلسطينيين لتوقيع ما تلا ذلك من اتفاقات بما فيها خطة خارطة الطريق وتفاهمات انابوليس ثم التنسيق الأمني مع الأمريكيين والإسرائيليين.قيل لنا العالم يتغير ومفاهيم القوة تتغير والشرعية الدولية تتغير وعليكم أن تُحسنوا التعامل مع عالم متغير ….  فتغيرنا وقبلنا بالشرعية الدولية وتسابقنا مع إسرائيل في محاولة كسب ود العالم وخصوصا واشنطن،وقبلت منظمة التحرير أن نعيد النظر بحقوق منحتنا إياها الشرعية الدولية ، فنبذت الإرهاب وقبلت بتجاهل قرارات دولية في صالحنا وبالتحايل على قرار حق عودة اللاجئين ليصبح إيجاد حل عادل لقضية اللاجئين ،وقبلت بدولة في الضفة والقطاع حتى وإن كانت بالتجزئة وعلى مراحل وحتى منزوعة السلاح …،ومع ذلك فالسلام أصبح أبعد منالا وقياداتنا تتفاوض اليوم دون مرجعية واضحة. جعلوا وجعلنا من أرضنا وشعبنا حقل تجارب لكل الأيديولوجيات وساحة اختبار قوة لكل المحاور الخارجية،باسم الإسلام تارة وباسم العروبة تارة أخرى وباسم أي زعيم عربي يريد أن يوظف القضية الفلسطينية ليخفي استبداده وفساده في بلده.ومع ذلك وبالرغم من كل هذه الأبعاد : بعد إسلامي قوامه مليار ونصف من المسلمين وبعد قومي قوامه حوالي من أربعمائة مليون من الناطقين بالضاد ،وبالرغم من مئات المؤتمرات والمظاهرات تحت رايات هذه الأبعاد… فالشعب الفلسطيني يعيش حصارا بل سجنا كبيرا حيث يموت فيه الأطفال من نقص التغذية والناس من نقص الدواء، وتتفاوض قيادات سياسية على هدنة مقابل الغذاء وبقاء حكم حماس في غزة،وقيادات أخرى تتفاوض لاستمرار الدعم الدولي في ظل استمرار الاستيطان والاحتلال في الضفة.  فأين الخلل يا ترى ؟هل في العالم لأنه لا يريد أن يكون طوع بناننا؟ أم في العدو الذي لا يمكن إلا أن يكون عدوا و أن يمارس كل ما يتعارض مع طموحاتنا وحقوقنا المشروعة؟ أم أن الخلل يكمن بالإضافة لما سبق، فينا كفلسطينيين.خلل يكمن بغياب إستراتيجية وقيادة عمل وطني. نتمنى ألا يُفهم من ذلك أننا نقلل من أهمية المواقف الخارجية المعادية ولا من السياسة الإسرائيلية الرافضة للسلام ، ولكن لو كانت لدينا إستراتيجية عمل وطني وقيادة وحدة وطنية ورؤية إستراتيجية محل توافق ما كانت أمورنا وصلت لما نحن عليه ، ولما تمكن العدو منا كما هو موجود اليوم حيث ينفرد بأهلنا وبالحكومة بالضفة ، وكذا بأهلنا وبالحكومة في القطاع ، بل يحاول أن يضرب ويبتز كل حكومة بالحكومة الأخرى .  تحت تأثير الرهاب الفكري والنفسي لمقولة: (إن الفلسطينيين يضيعون الفرص) ساد الارتباك والتخبط  في السياسة والإستراتيجية عند النخبة السياسية بحيث بات البعض يهرول بلا حدود نحو إبداء الاستعداد للتنازل للعدو، والبعض الأخر يهرب بعيدا نحو التشدد وتُغييب العقل في التعامل مع القضية الوطنية بحيث باتت كلمة السلام والتسوية السلمية تعادل الخيانة،البعض يريد ألا يُضيِّع أية فرصة تلوح تحت شعار التسوية السلمية حتى وإن تعارضت مع حقوقنا المشروعة ، والبعض يُضيع كل فرصة حتى وإن كانت تخدم الحقوق المشروعة،الذين يريدون ألا يضيعوا أية فرصة ينظرون بتشاؤم للمستقبل ولا يعولون كثيرا على متغيرات قريبة تخدم القضية الوطنية ، والذين يضيعون كل فرصة يراهنون على مستقبل واعد يتغير فيه حال الأمة الإسلامية والعربية أو تأت طير أبابيل ترمي اليهود بحجارة من سجيل. بعيدا عن ثنائيات التفاؤل والتشاؤم، تعظيم الذات وجلد الذات،الوطنية والخيانة،التسوية السلمية والمقاومة،الشرعية وعدم الشرعية …،فإن الواقع يقول بان الشعب الفلسطيني وبالرغم من كل شيء ما زال ثابتا ومتجذرا في وعلى أرضه، وإن كانت إسرائيل تحقق الأمن لشعبها فهي عاجزة أن تحقق السلام لا لشعبها ولا للمنطقة. قد تنكسر عزيمة نخبة وطبقة سياسية فلسطينية،قد ينهار حزب أو حركة سياسية،قد يجوع الشعب ويُحاصَر… ولكن إرادة الشعوب لا تنكسر وحقوقها الوطنية التاريخية لا تتلاشى ،ولنأخذ ذكرى (النكبة) كمثال ، ففي الذكرى الستين  ومن خلال الفعاليات الفلسطينية والعربية في كل مكان والتي شاركت بها الفضائيات العربية  بشكل متميز، نلمس وكأن النكبة حدثت بالأمس فقط ، فتم رد الاعتبار لحق العودة وتم إحياء الوطنية الفلسطينية مجددا،وحاصرت الذكرى الكيان الصهيوني الذي احتفل بها تحت عنوان (عيد الاستقلال) ،في جو يسوده الخوف والتوتر و بالكاد استطاعت كلمات رؤساء الدول الحليفة – وخصوصا كلمة الرئيس بوش-أن تطمئنهم وتشعرهم بالأمان. ولأن المشوار ما زال طويلا، فالمطلوب تجديد الرؤى واستراتيجيات العمل والنخب السياسية ،وإن كان للوطن علينا حق فإن للعقل علينا حق أيضا، وحق العقل من حق الوطن ،حق العقل أن نبتعد عن الشعارات الكبيرة التي تثير العواطف ولا تغير الواقع، والإيديولوجيات المأزومة والمصالح الشخصية والحزبية الضيقة،حق العقل علينا أن نعيد الاعتبار لمشروعنا الوطني ولاستقلالية القرار الوطني ،أن نُحيي إستراتيجية السلام الفلسطينية ،السلام العادل القائم على حقنا بدولة فلسطينية مستقلة بالضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشريف مع حق عودة اللاجئين الفلسطينيين،وحق العقل علينا ألا نخشى السلام أو نتهرب من استعمال مفرداته،فالسلام هدف ومطلب استراتيجي لكل شعوب الأرض ،فلا شعب عاقل يقول بأنه لا يريد السلام،و في إطار السعي للسلام يمكن توظيف أدوات متعددة كالمفاوضات أو المقاومة أو الحرب،ولكن كل ذلك في إطار وجود إستراتيجية سلام محل إجماع وطني. وهكذا خسرنا أو كدنا نخسر معركة السلام كما خسرنا أو كدنا نخسر معركة الحرب والمقاومة والجهاد ،والخلل في جميع الحالات لا يكمن بمبدأ وفكرة السلام كما لا يكمن بالحق بالمقاومة ،بل بغياب إستراتيجية عمل وطني وتوافق وطني، وبغياب مشروع وطني حقيقي، اليوم نعيش بحكومتين وسلطتين وبعديد من الأحزاب والفصائل، ولكن دون مشروع وطني،فمن سيحمل ويحمي المشروع الوطني ؟ .

ثالثا : وقف المقاومة مقابل دولة غزة

التهدئة تضع النظام السياسي الفلسطيني على مفترق طرق [66]

سواء اليوم أو غداً ستصبح تهدئة سارية المفعول بين حركة وحكومة حماس في قطاع غزة من جهة وإسرائيل من جهة أخرى، ليس المهم تفاصيل التهدئة أو مدة سريانها، وليس المهم كيف يسوق كل طرف لشعبه تفاصيل ومبررات التهدئة بحيث يبدو وكأنه لم يتنازل للخصم ولم ينخرط بالتهدئة من موقف الضعف، بل المهم المغزى والدلالة السياسية بل الإستراتيجية للتهدئة بالنسبة للطرفين،والدروس المستخلصة منها وكيف يمكن البناء عليها لتكون نقطة منطلق لإعادة جسر الفجوة السياسية والمؤسساتية ما بين شطري الوطن.

كان مجرد الحديث عن تعايش ما بين حركة حماس وإسرائيل هو خوض بالمحرمات، فحماس بالنسبة لإسرائيل حركة إرهابية لا يمكن التعامل أو الحوار معها فبالأحرى التجاور والتعايش معها بهدوء، لسنوات وحتى قبل أيام كانت المقاومة وخصوصاً إطلاق الصواريخ من غزة بالنسبة لحركة حماس ترقى لدرجة القدسية وأي شخص يطالب بوقفها كان يصنف كخائن… أما اليوم ومع التهدئة فكل شيء قابل لإعادة النظر، إعادة نظر باسم العقلانية والواقعية أو إعادة نظر باسم التكتيك والمناورة أو إعادة نظر باسم الظروف الإنسانية ورفع المعاناة سواء عن أهالي غزة بالنسبة لحركة حماس أو سكان سديروت والنقب بالنسبة لإسرائيل، أو إعادة نظر بسبب وصول الخيارات المطلقة لطريق مسدود.

قد يقول قائل هذه هي السياسة، ونحن نقول نعم هذه هي السياسة فالسياسة لا تقبل المطلقات وفي عالم اليوم كل شيء نسبي حتى الدين أصبح اجتهادات وتفسيرات وتأويلات، ولكن صحيح أيضاً أن السياسة علم واستفادة من تجارب سابقة وانتهاز فرص وعدم تفويت فرص، السياسة رؤى ثاقبة واستراتيجيات ومراكمة إنجازات وليس حقل تجارب لكل من هب ودب من أحزاب وقوى سياسية، وعندما يتعلق الأمر بسياسة تخص مستقبل وحقوق شعب تصبح الارتجالية والاجتهادات الخاطئة وعدم الاستفادة من الأخطاء والتجارب السابقة بمثابة الجريمة السياسية بحق الشعب.

فما هي الدروس المستفادة من التهدئة؟ وكيف نهتبل فرصة التهدئة لإعادة بناء النظام السياسي بدلاً من أن توظفها إسرائيل لإطلاق رصاصة الرحمة على المشروع الوطني والحقوق السياسية الفلسطينية؟ .الدروس المستخلصة من التهدئة تتعلق بالجانبين،فبالنسبة لإسرائيل فالدروس المستفادة هي:

  1.  أنه لا يمكن لإسرائيل أن تستمر طويلا بالكذب والمناورة بالحديث عن السلام والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والشرعية الدولية فيما هي تحاصر مليون ونصف المليون بقطاع غزة فيما يرقى لدرجة الإبادة الجماعية وجريمة حرب.
  2. 2-   بالرغم من التفوق العسكري لإسرائيل إلا أن هذه القوة لا يمكنها أن تنهي ظاهرة إطلاق الصواريخ أو أية عمليات تنطلق من غزة، ليس بسبب العجز العسكري ولكن بسبب الكلفة المادية والأخلاقية للحسم العسكري، وحتى هذا الحسم سيكون مؤقتا وليس نهائياً.
  3. لا يمكن لإسرائيل أن تقضي على حركة حماس لأن هذه الأخيرة ليست مجرد مجموعات مقاتلة ولكنها حركة سياسية تحظى بشعبية وحازت على أغلبية الأصوات في مناطق السلطة في انتخابات ديمقراطية ونزيهة.
  4. 4-   لا يمكن لإسرائيل (أن تحصل على الزبدة وثمنها معا) كما يقول المثل الفرنسي، بمعنى أنها لا تستطيع أن تستمر بالاستيطان وبإعاقة المفاوضات وقتل فرص السلام وفي نفس الوقت القضاء على إرادة شعب يريد أن ينال استقلاله.
  5. لكل هذه الحيثيات قررت إسرائيل التوجه نحو تهدئة ليس رغبة منها بالسلام أو أن صحوة ضمير انتابت قياداتها لأنها قررت نهج الطريق الأقل سوءا وهو أن تقبل بهدنة مشروطة على أمل أن تؤدي هذه التهدئة لتعزيز حالة الفصل بين غزة والضفة وأن تعيق التهدئة المصالحة الوطنية الفلسطينية.

أما بالنسبة لحركة حماس الطرف الثاني من التهدئة فالدروس المستخلصة من التهدئة:

  1.  إن الخطاب والممارسة لحركة معارضة جهادية لا يصلحان بالضرورة عندما تصبح حكومة وسلطة حيث طرحت حماس في عهد الشيخ أحمد ياسين هدنة لمدة خمس عشرة سنة ولكن بعد أن تنسحب إسرائيل من الضفة وغزة وقيام الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين، وتهدئة اليوم مختلفة تماماً.
  2. 2-   إن تحمل مسؤولية قيادة شعب وسلطة تفرض الأخذ بعين الاعتبار المعايير والاشتراطات الدولية والإقليمية، وخصوصا أن الشعب الفلسطيني فقير ولا يتوفر على اقتصاد وطني قوي يمكن بمقتضاه الاستغناء عن الدعم الخارجي، بالإضافة للجغرافيا السياسية التي تحد من حرية التصرف مع العالم الخارجي.
  3. 3-   إنه بعد سنة ونصف من صيرورة حماس حكومة لم تستطع أن ترفع الحصار عن الشعب الفلسطيني في القطاع وكل مؤيديها من عرب ومسلمين عجزوا عن فك الحصار المضروب على غزة.
  4. 4-   إن المقاومة الفصائلية لا تخدم المصلحة الوطنية بقدر ما تخدم مصالح من يمارسها، ومحاولة حركة حماس احتكار المقاومة أدى لتفرد إسرائيل بحركة حماس ودفعها للمساومة على المقاومة مقابل أن تحتفظ بالسلطة على 15% من مساحة الضفة والقطاع أي 0.7% من أرض فلسطين التاريخية التي تقول حماس إن هدفها تحرير كامل فلسطين.
  5. 5-   تفرد حركة حماس بقرار استمرار المقاومة أو وقفها سيجلب لها متاعب، فبالإضافة إلى أنه لا يحق لحركة حماس أو غيرها التفرد بقرار المقاومة لأنه حق للشعب وليس لفصيل أو حزب، فإن التهدئة التي تعني وقف المقاومة قد تخلق متاعب لحماس مع الفصائل الأخرى وبالتالي يجب أن تنال التهدئة موافقة أو تغطية رسمية من الرئاسة ومنظمة التحرير الفلسطينية، بمعنى أن تكون التهدئة قرارا وطنيا شاملاً وليس اتفاقا مع حركة حماس لوحدها.

بعد كل ذلك يمكن القول بأن التهدئة ما بين حركة حماس وإسرائيل تضع النظام السياسي الفلسطيني على مفترق طرق، فإما أن تنجح إسرائيل في توظيف التهدئة لتعزيز حالة الفصل ما بين الضفة وغزة وتجعل من التهدئة منطلقاً لفتح قناة اتصال مباشر أو غير مباشر مع حركة حماس بكل ما يخص قطاع غزة بعيداً عن السلطة الوطنية والرئاسة، وإما أن تكون التهدئة منطلقا لإعادة بناء النظام السياسي ووضع حد للفصل ما بين شطري المشروع الوطني، فالتهدئة تتضمن اعترافا واقعياً من حماس بإسرائيل وقبولاً واضحاً بوقف المقاومة، وإسرائيل بالهدنة قبلت بالتعايش ليس مع حكومة وحدة وطنية تشارك فيها حماس بل مع حكومة وسلطة حمساوية خالصة. ومن جهة أخرى فالتهدئة لن تكون نافذة المفعول إلا بموافقة إقليمية ودولية، وبالتالي فهذه فرصة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، حكومة الكل الوطني والمشروع الوطني، فقد أزالت التهدئة الفيتو الإسرائيلي والأمريكي والدولي على مثل هكذا حكومة.

وأخيراً لا بد من التحذير من غياب السلطة الوطنية برئاسة الرئيس أبو مازن عن التهدئة سواء كانت موقعة أم ضمنية لأن هذا الغياب قد يفسر وكأن قطاع غزة وحركة حماس حالة أو كيان سياسي وحقوقي منفصل عن الضفة ومن حقه التصرف دولياً وخارجياً بعيداً عن السلطة المركزية، ونعتقد أنه كان خطأ أن تجري المفاوضات والحوارات بغياب ممثلين عن السلطة الوطنية، وعليه نتمنى أن تكون السلطة الوطنية جزءا من التهدئة إن لم تكن هي الموقعة عليها وأن تتزامن التهدئة مع نجاح الحوار الوطني إن كانت هناك رغبة حقيقية بعودة توحيد شطري المشروع الوطني.[67]


لماذا التهدئة الآن؟ ولمصلحة مَن امتدادها للضفة الغربية؟  [68]   بالرغم من تكرار الاعتداءات الإسرائيلية مما يعتبره البعض تهديدا أو فشلا للتهدئة الوليدة، إلا أن التهدئة وجدت لتبقى وأن الأسباب أو الدوافع للتوصل للتهدئة وكذا الأسباب التي يمكن أن تفشلها، لا علاقة لها بإطلاق بعض الصواريخ من قطاع غزة على إسرائيل أو استمرار إسرائيل بأعمالها العدوانية والاستيطانية في الضفة الغربية.إن فهم التهدئة يجب أن يتجاوز القراءة السطحية للحدث وتجاوز الشعارات التي يعلن عنها كل طرف لتفسير وتبرير موافقته على التهدئة, ذلك أن التوصل لتهدئة ما بين حركة حماس وإسرائيل ليس مجرد حدث ظرفي أو سياسي عابر أو مجرد تهدئة عسكرية، بل هي منعطف ضمن مسار أو توجه له أبعاد إستراتيجية ستؤدي لصيرورة النظام السياسي الفلسطيني والصراع الفلسطيني الإسرائيلي بشكل مغاير عما كان عليه طوال أربعة عقود من تاريخ النظام السياسي الفلسطيني المعاصر،ما يجري بين حركة حماس وإسرائيل مرشح لأن يكون أكثر من تهدئة وأقل من اتفاقية سلام. التوصل لتهدئة ما بين حماس وإسرائيل ليس سببه الصواريخ المنطلقة من قطاع غزة، ومن يحترم عقله سيرفض تمرير مقولة أن إسرائيل انهزمت أمام صواريخ القسام وبقية الفصائل، أو أنها قبل ذلك هربت من قطاع غزة بسبب المقاومة، كما أنه سيرفض تصديق أن سبب التهدئة رغبة إسرائيل باستعادة جلعاد شاليط، وبطبيعة الحال ليست الضغوط العربية و الدولية أو دوافع إنسانية وراء التهدئة، كل هذه أسباب موجودة ولكنها طارئة وليست أساسية و تأتي ضمن سياق ومخطط أعمق وأكثر شمولية.. لا نقول هذا تقليلا من أهمية رفع الحصار عن قطاع غزة بالرغم من أنه سيكون رفعا جزئيا – نقول جزئي لأنه حتى لو فُتحت المعابر فستبقى غزة محاصرة بجرا وجوا –وبطبيعة الحال نرفض استمرار البعض بإطلاق الصواريخ من القطاع نكاية بحركة حماس ومن باب المعاملة بالمثل وتصفية حسابات سابقة،ونقول لهؤلاء إن من يريد المقاومة فهناك فلسطين المحتلة والضفة الغربية إلا إذا اعتبروا هذه المناطق أراض غير محتلة!. نقول هذا حتى يدرك المواطن وكل القوى السياسية حقيقة ما يجري وأن يتخذ الجميع الاحتياطيات اللازمة لمواجهة التداعيات المترتبة على التهدئة، بحيث لا نفاجأ بما تحمله الأيام القادمة من تطورات. حتى نفهم التهدئة يجب أن نتساءل لماذا التهدئة الآن ؟.وقد سبق أن طالب بها الراحل ياسر عرفات ومن بعده أبو مازن، وكُنت وكثيرون غيري طالبنا منذ سنوات حركة حماس وبقية الفصائل بوقف الصواريخ من غزة من أجل المصلحة الوطنية، حتى اتهمنا البعض بكل الصفات السيئة.ولماذا كانت إسرائيل وحركة حماس يرفضون التهدئة قبل ذلك وينتهكون كل تفاهم حولها؟ ما الذي تغير سوى أن القبول بالتهدئة قبل سنوات ربما كان سيقوى من موقف السلطة وسيحسن علاقاتها الخارجية وسيمنع كل ما جرى من تدمير لمؤسسات السلطة وبيوت ومنشئات مدنية وآلاف الشهداء والجرحى والأسرى، وربما كان ثمن التهدئة آنذاك تقوية فريق المفاوضات وانتزاع مزيد من الأرض من الإسرائيليين. ما الذي تغير سوى أن حركة حماس كانت خارج السلطة فأصبحت اليوم هي السلطة في قطاع غزة !؟ وبالنسبة لإسرائيل كانت التهدئة سابقا في حالة نجاحها ستجبر إسرائيل على التنازل عن أجزاء من الأرض في الضفة أما التهدئة اليوم فستطلق يد إسرائيل بالضفة دون أن يكلفها الأمر إلا السماح بإدخال مواد غذائية ووقود للقطاع بأموال فلسطينية ! أي أن تصبح المعادلة (الأمن مقابل الغذاء ) بدلا من (الأمن مقابل السلام ) . حتى نفهم التهدئة يجب ربطها بعدة أحداث جرت خلال السنوات الماضية وجاءت التهدئة تتويجا أو نتيجة لها: عدم تفعيل الممر الآمن بين الضفة وغزة والذي كان منصوص عليه في اتفاق أوسلو مما أدى لحالة قطيعة ما بين أهلنا في الضفة وأهلنا في غزة.رفض إسرائيل توحيد الهوية الوطنية بحيث كان ممنوع على صاحب الهوية (الغزاوية ) الإقامة والعمل في الضفة إلا في أضيق الحدود.حالة الفوضى والانفلات الأمني وخصوصا في قطاع غزة و التي سادت نهاية عهد الراحل ياسر عرفات واستمرت حتى سيطرة حماس على السلطة في القطاع، وهو انفلات مخطط ومدروس.التنصيص في خطة خارطة الطريق على فكرة الدولة ذات الحدود المؤقتة، وربما كان في خلفية تفكير واضعي الخطة أن الدولة المؤقتة هي دولة قطاع غزة.انسحاب إسرائيلي أحادي الجانب من قطاع غزة دون أي اتفاق معلن مع السلطة.6-   التأكيد الأمريكي والتسهيل الإسرائيلي على إجراء الانتخابات التشريعية في يناير 2006 بالرغم من المؤشرات التي تقول بتزايد شعبية حركة حماس.توقف حركة حماس منذ سنوات عن القيام بعمليات استشهادية داخل الخط الأخضر وعدم اللجوء لسياسة إطلاق الصواريخ من الضفة على المستوطنات وعلى إسرائيل بالرغم من أن الصواريخ محلية الصنع وأي صاروخ سيوقع العديد من الإصابات عند الإسرائيليين نظرا للتداخل السكاني.سيطرة حركة حماس على قطاع غزة دون أية مقاومة فاعلة من أجهزة السلطة أو من حركة فتح.وجود غالبية قيادات السلطة وحركة فتح خارج القطاع عند وقوع الانقلاب ومن كان متواجدا تم تسهيل عملية مغادرته للقطاع.بالرغم من مرور سنة على سيطرة حركة حماس على السلطة في القطاع فإن أموالا ومواد أساسية تدخل للقطاع بما فيها رواتب موظفين، وهي التي مكنت الحركة من الاستمرار بحكم القطاع.11-                      تجنب إسرائيل التدخل لإنهاء سيطرة حركة حماس على القطاع سواء أثناء أحداث يونيو أو بعدها.سرعة تشكيل حكومتين بصلاحيات كاملة في كل من القطاع والضفة.فشل أو إفشال كل محاولات المصالحة بين حركة حماس وقيادة المنظمة بالرغم من مرور أكثر من سنة على القطيعة، كما أفشلت كل محاولات المصالحة والحوار الوطني قبل ذلك.تسهيل إسرائيل لحرية الحركة لقيادات حركة حماس من وإلى قطاع غزة.15-                      الاتفاق على أن تقتصر التهدئة على قطاع غزة دون الضفة الغربية وبالتأكيد ستستمر حركة حماس بالتوقف عن القيام بأية عمليات مسلحة داخل إسرائيل.

لا يمكن بعد كل ذلك نزع التهدئة عن هذا السياق أو القول بان التهدئة هي حدث ظرفي أو أنها مهددة بالانهيار، ونعتقد بأن التهدئة ستنجح وتستمر حتى وإن حدثت بعض الانتهاكات هنا أو هناك، لان التهدئة ونجاحها غير مرتبط بالجانب العسكري بل ببعدها السياسي والإستراتيجي، فهناك تفاهم وإن لم يكن مكتويا بين كل الأطراف المحلية والإقليمية والدولية على استمرارها واستكمال بقية فصولها،وعندما نقول الجميع إنما لنشمل حتى السلطة والحكومة في الضفة حيث ما يجري هو نوع من المحاصصة ولكن هذه المرة ليست محاصصة على مستوى المناصب بل تقسيما لما تبقى من وطن. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يدفع إسرائيل للتراجع عن التهدئة هو أن تستدرك النخبة السياسية الفلسطينية الأمر ويدرك المخلصون فيها خطورة ما يجري ويعملوا على توظيف التهدئة لإعادة بناء النظام السياسي وإنجاح الحوار الوطني ضدا عن الرغبة الإسرائيلية. إسرائيل ستضع الفلسطينيين وخصوصا حركة حماس أمام خيارين:إما استمرار التهدئة في قطاع غزة وإما المصالحة الوطنية وتوحيد شطري الوطن. بالرغم من كل الحيثيات السابقة والتخوفات من توظيف إسرائيل للتهدئة لصالحها فيجب على كل القوى السياسية التمسك بالتهدئة واحترامها، فلا مجال بعد كل ما جرى للمعاندة والمكابرة أو محاولة تصفية حسابات قديمة. الفلسطينيون يستطيعون أن يوظفوا التهدئة هذه المرة من أجل المصلحة الوطنية بعيدا عن التجاذبات الحزبية.والتهدئة يمكنها أن تكون منطلقا للتفكير بإعادة بناء النظام السياسي والمشروع الوطني على أسس جديدة وضمن واقع جديد وإن كان هذا الواقع وكحالة مؤقتة كيانين منفصلين ، المهم أن تكون مرجعية سياسية عليا واحدة لكل الشعب الفلسطيني ويستمر المسعى حثيثا للحوار الوطني، ويجب أن لا ننسى بأن الشعب الفلسطيني ليس منقسما جغرافيا فقط بين غزة والضفة بل هناك تجمعات فلسطينية أخرى في إسرائيل والشتات هي أيضا يجب أن تكون تحت مظلة قيادة فلسطينية واحدة وتعمل ضمن إستراتيجية وطنية واحدة. نتمنى على الذين يطالبون بامتداد التهدئة للضفة الغربية التفكير الجاد بهذا الطلب ومدى مطابقته للإستراتيجية التي يقولون بها، ذلك أن التهدئة التي تعني وقف العدوان الإسرائيلي على شعبنا في قطاع غزة ورفع الحصار عنه، تعني في نفس الوقت وقف المقاومة المسلحة، وإن كان وقف المقاومة من قطاع غزة له ما يبرره حيث لا تتواجد بالقطاع مستوطنات وقوات إسرائيلية، فإن الوضع في الضفة مختلف، فلا يوجد حصار بل احتلال واستيطان متواصل، والتهدئة هناك تعني وقف المقاومة، فهل يجوز وقف المقاومة في الضفة فيما هي خاضعة للاحتلال الكامل؟ لو لم تكن التهدئة الآن ضمن السياق الذي أشرنا إليه والذي هدفه فصل غزة عن الضفة ،ولو كانت حركة حماس جادة في نهجها كحركة مقاومة لأوقفت إطلاق الصواريخ من القطاع مباشرة بعد إخراج شارون لجيشه ومستوطنيه من القطاع ولنقلت ساحة المعركة للضفة الغربية التي هي أحق بأعمال المقاومة والجهاد،ولكن يبدو أنه كتب على الشعب الفلسطيني أن يدفع ثمن أزمة قيادة وبؤس نخب سياسية وعدم الاستفادة من التجارب السابقة . العدوان على غزة والمفاهيم الملتبسة للنصر والهزيمة [69]   الشيء المؤكد أن العدوان الواسع على قطاع غزة نهاية ديسمبر 2008 وبغض النظر عن نتائجه العسكرية والأمنية لن ينهي حالة الصمود وإرادة المقاومة وبالتالي لن ينهي الصراع مع إسرائيل ولا القضية الوطنية الفلسطينية،والشيء المؤكد الثاني أن المستهدف ليس حركة حماس ولا مطلقي الصواريخ بل الشعب الفلسطيني ككل كوجود بشري وإرادة صمود حيث غالبية الشهداء والجرحى ليسوا مقاتلين في حركة حماس هذا ناهيك على أن أبناء حركة حماس من الشعب وليسوا جموع مقاتلين مرتزقة مستوردين من الخارج،إسرائيل غير صادقة بأنها تستهدف فقط مقاتلي حركة حماس وإلا فالسؤال هل أن أبو علي مصطفى وياسر عرفات والشقاقي كانوا قادة في حركة حماس؟وهل أن آلاف الشهداء وعشرات الآلاف من الجرحى ومثلهم من الأسرى كلهم من حركة حماس؟وإن كان المُستهدف فقط هي حركة حماس التي لم تظهر للوجود إلا سنة 1987 فهل كانت علاقة إسرائيل بالفلسطينيين قبل هذا التاريخ علاقة سلام وتعايش أم صراعا داميا ومريرا؟هل الذين قتلوا في مجازر دير ياسين و قبية وخانيونس وصبرا وشاتيلا و إيمان حجو ومروان فارس ومحمد الدرة وعائلة أبو غالي وأكثر من خمسة آلاف شهيد خلال انتفاضة الأقصى الخ هم من تنظيم حركة حماس؟إذا أخذنا الصورة في شموليتها الموضوعية والتاريخية سنخلُص بأنه صراع وجودي ما بين الشعب الفلسطيني والحركة الصهيونية وبالتالي فإن الرد على هذه المجزرة وعلى العدو الصهيوني يجب أن يكون ردا وطنيا شموليا وببعد عربي وإسلامي ومن الخطورة أن ننساق لما تريده إسرائيل بتحويل الصراع  لصراع ما بين حركة حماس وإسرائيل أو بين عزة وإسرائيل. لو أن كل مجزرة ارتكبتها إسرائيل تُحسب نصرا لها لسطرنا لها عشرات الانتصارات ،ولكن ما قيمة هذه الانتصارات التي تراكمت طوال ستين عاما ولم تنه الصراع ولم تجبر الشعب الفلسطيني على الاستسلام؟إن ما تعتبره إسرائيل نصرا هو في الحقيقة هزيمة على المستوى الاستراتيجي لأنها (انتصارات) أطالت من عمر الصراع وعمقت الكراهية بين الشعبين،والمجزرة الجديدة في غزة لن تخرج عن السياق.ولكن في المقابل، صحيح أن الشعب الفلسطيني لم يستسلم ولم يرفع الراية البيضاء ولو وجدت إسرائيل في القيادات الفلسطينية من يرفع الراية البيضاء ويقبل بالشروط الإسرائيلية لحل الصراع  لما استمر الصراع مفتوحا حتى اليوم. لكن يجب ألا نذهب بعيدا بالحديث عن النصر لأن كل طفل أو رجل يستشهد وكل معطوب وأسير وكل مؤسسة وبيت يُهدم هي خسارة للشعب وإضعاف لمقومات الصمود،عدم الاستسلام والصمود أمر محمود ولكنه لا يعتبر لوحده انتصارا ويجب على القوى السياسية أن لا تتحدث عن انتصارات لمجرد أنها بقيت على قيد الحياة أو أن قوة مقاتليها لم تتعرض للخسارة ! [70]، فالشعب أهم من القيادات ومن الأحزاب، وإن لم تكن وظيفة القيادة والمقاتلين حماية الشعب ودفع الأذى عنه وتحمل المسؤولية عما يلحقه، فما هي وظيفتها؟ كما أنه ليس صحيحا أن القدر كتب على الشعب الفلسطيني أن يستمر بتقديم التضحيات فيما تستمر القيادات جيلا بعد حيل تتحدث عن انتصارات تتعاظم كلما كَثُر عدد الشهداء وشدة المعاناة،ومن الخطورة توظيف الدين وليِّ عنق النصوص المقدسة لتبرير أخطاء وتقاعس السياسيين .نعم سيسجل التاريخ للمقاتلين وللشعب  الصامد كل آيات الاحترام والتقدير ولكن سيُسَجل على السياسيين ما يستدعي المراجعة بل و المحاسبة. إذا وضعنا جانبا العواطف والانفعالات و المفاهيم الملتبسة للنصر والهزيمة، ولأنه ليس العدوان الأول ولن يكون الأخير،ولان هذا هو أخطر عدوان ليس فقط من حيث عدد الضحايا وحجم التدمير بل أيضا من حيث أنه يجرى في ظل حالة انقسام جغرافي وسياسي فلسطيني خطير، فإن الأمر يحتاج لمعالجة مغايرة، معالجة لا تؤسس على مجرد وقف المجازر الحالية وحل مشكلة حصار غزة بل بالإضافة لذلك تعمل على إعادة الصراع لحقيقته وطبيعته الأولى كصراع وجود بين الكيان الصهيوني من جهة وكل الشعب الفلسطيني من جهة أخرى وأن للصراع مع العدو وللقضية الوطنية ثوابت على رأسها حق الشعب الفلسطيني  في تقرير المصير والحق بالمقاومة والحق بالدولة المستقلة وعودة اللاجئين الفلسطينيين لمدنهم وقراهم التي تم تهجيرهم منها،هذه الثوابت تعني أن المشكلة ليست في غزة فقط بل أيضا بالضفة المحتلة والقدس وأنها معركة لا تخص فلسطينيي الداخل فقط بل أيضا الشعب الفلسطيني بالشتات،كما أنها قضية ذات بعد عربي وإسلامي. الانقسام السياسي والجغرافي خلق حالة من التعقيد في الحالة السياسية وهو الأمر الذي أتاح لإسرائيل ظروفا مريحة للتدخل لتسريع تنفيذ هدفها بتدمير المشروع الوطني الفلسطيني ولتجاوز قرارات الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة التي تطالب إسرائيل بالانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وتعترف للفلسطينيين بالحق بالدولة والاستقلال،وسيكون من السذاجة الاعتقاد بأن هدف إسرائيل من حملتها العسكرية في غزة هو فقط منع إطلاق الصواريخ من غزة.نعتقد بأن الهدف الإسرائيلي يتجاوز ذلك بكثير، هدف إسرائيل بالإضافة لوقف إطلاق الصواريخ وفرض هدنة دائمة ووقف المقاومة هو تكريس فصل غزة عن الضفة وخلق أوضاع في غزة يصعب التراجع عنها لاحقا وزرع بذور فتنة وحرب أهلية مفتوحة في القطاع حتى تتفرغ إسرائيل للضفة الغربية والقدس استيطانا وتهويدا وتلغي عملية السلام  المتوقفة أصلا،ولا نستبعد أن تقوم إسرائيل بتعاون مع أطراف أخرى بترتيب أوضاع سياسية وأمنية في القطاع قبل خروجها حتى تضمن نجاح مخططها. حتى لا تتوه خطانا عن الطريق :الحرب على غزة كانت جزءا من صناعة الانقسام [71]   حربنا الرئيسة في الضفة والقدس وليس في غزة وعدونا إسرائيل وليس حماس ولا تسوية أو سلام بدون مصالحة فلسطينية.هذا ما يجب الرد به على سياسة الخداع والمناورة الإسرائيلية وعلى تصريحات نتنياهو الأخيرة.تصريحات نتنياهو يوم الثالث من يناير 2011  أمام لجنة الخارجية والأمن البرلمانية بأن غزة لن تكون جزءا من أي اتفاق سلام ليس بالأمر المستغرب والغريب [72]، قد تبدو تصريحاته كرد على مطالبة الرئيس أبو مازن قبل ذلك بيومين من إسرائيل بتحديد رؤيتها للتسوية والحل النهائي ولكنها أيضا تصريحات لا تخرج عن سياق الإستراتيجية الإسرائيلية التي دشنها شارون منذ عام 2004 من خلال خطة الانسحاب من طرف واحد من قطاع غزة والتي استمرت كل الحكومات اللاحقة لشارون ملتزمة بها وتعمل على تعزيزها من خلال تكريس فصل غزة عن الضفة واعتبار غزة كيانا معاديا لإسرائيل . كل مراقب لمجريات الأحداث منذ انسحاب إسرائيل من القطاع في 2005 سيلاحظ أن تناغما وتوافقا يجري ما بين : مسار عملية التسوية المتعثرة ،حصار قطاع غزة والنهج الإسرائيلي لتخفيفه، إعاقة المصالحة الفلسطينية ،الحديث المتكرر عن حرب وعدوان على قطاع غزة والتهدئة على حدود قطاع غزة الخ .منذ الانقسام في يونيو 2007 حتى اليوم ونحن نلاحظ أن جولات المفاوضات كانت تتجاهل الوضع في قطاع غزة حيث تركز على الاستيطان في الضفة والقدس والحدود ما بين الضفة وإسرائيل بالإضافة إلى الملف الأمني أما قطاع غزة فهو إقليم خارج عن الشرعية بالنسبة للسلطة ومنظمة التحرير،وكيان معاد بالنسبة لإسرائيل ،وكنا دوما نتساءل ماذا لو تم الاتفاق على اتفاق إطار بين الطرفين بالنسبة للحدود والقدس والأمن والمياه واللاجئين وجاء وقت التنفيذ قبل إنجاز المصالحة الداخلية؟هل سيُعتبر الوضع في القطاع عائقا أمام تنفيذ الاتفاق وبالتالي مسيرة التسوية مما يستدعي إنهاء سيطرة حماس على القطاع بالقوة ؟ أم سيقتصر الحل على الضفة وبالتالي سنكون أمام كيانين فلسطينيين منفصلين، واحد في الضفة مسالم ومتصالح مع إسرائيل والآخر في غزة كيان معاد لها؟. كان الإعلام وخطابه ومفرداته أداة من أدوات صناعة الانقسام من خلال تمريره لمفاهيم ومصطلحات تعزز حالة الانقسام وخصوصا عندما يتم الحديث عن الحرب ،العدوان ،التهدئة في وعلى قطاع غزة ، مع تجاهل ما يجري في الضفة والقدس . مصطلحات ثلاثة مرتبطة مع بعضها وكَثُر استعمالها أخيرا بعد الانقسام الفلسطيني ومع التصعيد العسكري على القطاع.فما أن تتحرك الطائرات أو الدبابات لتضرب في قطاع غزة حتى يتحدث الإعلام عن الحرب على قطاع غزة والعدوان على قطاع غزة، وعندما يتوقف التصعيد يتم الحديث عن التهدئة والهدنة ما بين إسرائيل وقطاع غزة. فهل صحيح أن الحرب والعدوان الإسرائيلي لا يكونا إلا إذا تعلق الأمر بقطاع غزة ؟ وهل يجوز الحديث عن تهدئة في القطاع وتجاهل ما يجري في الضفة الفلسطينية والقدس من احتلال واستيطان ؟. كانت فضائية الجزيرة أول من استعمل مصطلح الحرب على غزة مع الهجوم العسكري على القطاع في نهاية ديسمبر 2008 وبعدها أصبح الجميع يتحدث عن الحرب على قطاع غزة أو العدوان على القطاع وهما المصطلحان اللذان عادا للتداول مجددا خلال الأيام الأخيرة  متزامنين مع الحديث عن التزام فصائل المقاومة في القطاع  بالتهدئة.الملاحظ أن مصطلح الحرب لم يُستعمل قبل ذلك إلا عند الحديث عن المواجهة ما بين إسرائيل والدول العربية كحرب حزيران وحرب أكتوبر ،أما بالنسبة للعلاقة ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين فتحكمها علاقة شعب خاضع للاحتلال ودولة احتلال ،والاحتلال دوما حالة حرب وعدوان مستمر على الشعب الخاضع للاحتلال حتى وجود السلطة والمفاوضات لم يغيرا من حقيقة هذه العلاقة، فالسلام لا يتحقق بمجرد الجلوس على طاولة المفاوضات بل بنجاح المفاوضات بإنهاء حالة الصراع بتسوية محل توافق كلا الطرفين وهذا ما لم يحدث. منذ بدء الاحتلال 1967 وإسرائيل تقوم بعمليات دهم واجتياح واغتيال واعتقال سواء في الضفة أو غزة ولم يكن أحد يتحدث عن حرب إسرائيلية على الضفة أو حرب على غزة،حتى عندما قامت إسرائيل باجتياح الضفة الغربية في عام 2003 ومحاصرة مخيم جنين ومحاصرة الرئيس أبو عمار في المقاطعة لم يستعمل الإعلام مصطلح الحرب على الضفة الغربية أو على جنين ، وقبل الانقسام كان الجيش الإسرائيلي يقوم باستمرار بتوغل في القطاع وبعمليات قصف للمنازل وللمؤسسات ولم يتحدث أحد عن حرب على القطاع . تكثيف الحديث عن الحرب والعدوان على غزة وارتفاع هدير الدبابات وأزيز الطائرات على الحدود وفي أجواء القطاع يجب أن لا يخفي عنا حقيقة أن الحرب هي التي تجري في الضفة والقدس وفي المحافل الدولية وأن معركتنا الحقيقية في الضفة والقدس وليس في غزة. الحديث عن حرب وعدوان على قطاع غزة بتجاهل عما يجري في الضفة وعن مجمل القضية الوطنية يوحي وكأن القضية الفلسطينية اختُزِلت في قطاع غزة وكأنه لا تجري حرب  إسرائيلية معممة على كل الشعب الفلسطيني وفي جميع أماكن تواجده ،فمن المعروف أن الاحتلال بحد ذاته حرب وعدوان على الشعب الخاضع للاحتلال ،والاستيطان والتهويد في الضفة والقدس حرب وعدوان على الشعب الفلسطيني ،وعندما ترفض إسرائيل الالتزام بالعملية السلمية فهذا معناه أن ما يحكم العلاقة ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين ليس علاقة سلام بل علاقة حرب ومواجهة .القول بالحرب والعدوان على غزة فقط معناه تجزئة القضية الوطنية وتكريس الانقسام بإخراج الضفة والقدس من ساحة المواجهة. ما بعد الانقسام  وبشكل مخطط ومدروس يتم توجيه الأمور في قطاع غزة وفي الضفة بما يعزز تكريس عملية الفصل بينهما  والتعامل مع قطاع غزة كأنه كيان سياسي قائم بذاته . إسرائيل معنية بإبقاء القطاع جبهة مفتوحة حتى تبعد الأنظار عن الضفة والقدس حيث الحرب الحقيقية التي تخوضها إسرائيل وحيث يجب أن تكون حربنا الحقيقية أيضا، بدون الضفة والقدس كحد أدنى لا يمكن أن تقوم دولة فلسطينية . قطاع غزة جزء من فلسطين ولكنه ليس بديلا عن فلسطين،ومن هنا يجب أن لا نقع بحبائل إسرائيل التي تريد أن تلهينا بقطاع غزة وتهيئ لفتنة فلسطينية في قطاع غزة وتؤلب العالم على قطاع غزة والحكومة القائمة فيه بزعم وجود تنظيم القاعدة أو صيرورته أداة بيد إيران وسوريا الخ  من المزاعم. بالإضافة إلى التضليل المبطن من خلال استعمال مصطلحي الحرب والعدوان على غزة دون الضفة فإن الحديث عن  التهدئة  في قطاع غزة يثير أكثر من سؤال  ،مثلا كيف تكون تهدئة مع عدو ما دامت كل فلسطين محتلة ؟ وكيف تحدث تهدئة بدون توافق وطني؟ ولماذا لا يحدث توافق وطني على ربط التهدئة على جبهة قطاع غزة بوقف الاستيطان ومجمل الممارسات العدوانية التي تجري في الضفة والقدس ؟.حتى الحصار والحديث عن رفعه يتم بشكل مبرمج بما يعزز الانقسام والقطيعة بين الضفة وغزة. مرة أخرى يجب التأكيد على أنه ليست غزة وحدها معادية لإسرائيل بل كل الشعب الفلسطيني معاد لها والصراع ما زال صراعا فلسطينيا إسرائيليا – ونتمنى أن يكون عربيا إسرائيليا وإسلاميا إسرائيليا – صراع وحرب كل الفلسطينيين وفي جميع أماكن تواجدهم وبكل سبل المقاومة الممكنة ، ويجب الحذر من تحويله لصراع إسرائيلي غزي.قد يتطلب الأمر تغيير في وسائل مقاومة ومواجهة إسرائيل ما بين الضفة وغزة وفلسطينيي 48 وفلسطينيي الشتات إلا أن ذلك يجب أن يكون في إطار وحدة القضية والشعب والمعركة . ونؤكد مرة أخرى بأن معركتنا الحقيقية في الضفة والقدس وليس في غزة. نختلف مع الحكومة القائمة في غزة ومع حركة حماس ولكنهما جزء من الشعب الفلسطيني ولا نسمح أو نقبل بأي عدوان أو حرب عليهما ونرفض أي حديث عن تحرير غزة من حماس عسكريا من أي جهة كان الحديث ،لا شك أن المصالحة وتوحيد الشعب في الضفة وغزة والشتات ضرورة وطنية وهذا يجب أن يكون من خلال التوافق وبعيدا عن اللجوء إلى السلاح.   التصعيد الإسرائيلي على قطاع غزة يضع حماس أمام خيارات صعبة   منذ سيطرة حركة حماس على قطاع غزة صنفت إسرائيل القطاع ككيان معاد وبالتالي كانت تبيح لنفسها ممارسة الإرهاب والعدوان عليه لاعتبارات أمنية أحيانا ولاعتبارات سياسية حينا آخر.وفي كثير من الحالات كان الهدف من التصعيد العسكري على قطاع غزة إبعاد الأنظار عما يجري في الضفة الغربية والقدس حيث المعركة الرئيسية لإسرائيل ،أيضا للتهرب من استحقاقات العملية السلمية من خلال إظهار بان المشكلة في المنطقة ليست سياسية ولا ترجع للاستيطان بل سببها العنف الآتي من قطاع غزة على شكل صواريخ وجماعات إرهابية مرتبطة بأطراف خارجية،وأحيانا كانت إسرائيل توظف التصعيد على قطاع غزة لإبعاد الأنظار عن مشاكل سياسية واقتصادية داخلية تعانيها الحكومة أو لكسب نقاط في انتخابات داخلية على الأبواب. إلا أن التصعيد العسكري على جبهة قطاع غزة بعد ثورات الربيع العربي وإن كانت كل العناصر السابقة تصلح لتفسيره وهي حاضرة بدرجة ما، إلا أن أمورا مستجدة طرأت على معادلة المواجهة وهذا ما يتبدى من خلال تزامن التصعيد على القطاع مع ما يقوم به الجيش المصري في سيناء ،أيضا الجماعات المستهدفة من الإسرائيليين حيث لاحظنا أن إسرائيل لم تعد تستهدف (جماعات المقاومة) التقليدية التي التزمت بطلب وبضغط من حماس بتهدئة مع إسرائيل، كحركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية والألوية الخ ،بل تستهدف جماعات السلفية الجهادية المرتبطة بالجماعات السلفية الجهادية في سيناء .
وهكذا فإن تطور الأحداث على الحدود الجنوبية بين قطاع غزة وإسرائيل لم يعد شأنا فلسطينيا إسرائيليا فقط بل بات مرتبطا بتداعيات الأحداث في سيناء وهي أحداث تعطي مؤشرا على معادلة جديدة تتشكل في الشرق الأوسط، أحد طرفيها التحالف بين الإسلام السياسي المعتدل وعلى رأسه الإخوان المسلمين وحركة حماس جزء منهم ، وواشنطن وحلفها الجديد من جانب ،في مواجهة جماعات الإسلام السياسي المتطرف وكل دولة أو جماعة تعارض التحالف ألإخواني /الأمريكي أو ينهج سياسة معارضة للمصالح الأمريكية في المنطقة،من جانب آخر .
وهكذا فيما كانت الشعوب العربية تنتظر أن يؤدي ما يسمي بالربيع العربي إلى الديمقراطية والاستقرار الأمني وتحسين الوضع الاقتصادي ،فقد أدى إلى تراجع الحالة الاقتصادية وحالة من الانفلات والفوضى الأمنية وتفجر النزعات الطائفية والقبلية والجهوية وإلى مواجهات بين ما يسمونها الجماعات الإسلامية المتطرفة من جانب و الإسلام السياسي المعتدل الذي تم إيصاله للحكم في غزة وتونس ومصر من جانب آخر .
من اليمن والصومال وليبيا وتونس إلى مصر وغزة طغىت الصراعات بل المواجهات العسكرية بين الجماعات الإسلامية وبعضها البعض على غيرها من القضايا المصيرية للأمة .ففي غزة قامت القوة التنفيذية التابعة للحكومة في سبتمبر 2008 بمهاجمة مواقع وسكن ممتاز دغمش زعيم (جيش الإسلام) المتهم بعلاقته بتنظيم القاعدة ،وسقط العشرات من القتلى والجرحى،وفي أغسطس 2009 قامت قوة من حكومة حماس بالهجوم على مسجد أبن تيمية في مدينة رفح معقل الشيخ عبد اللطيف موسى وجماعته (جند أنصار الله ) وتم قتل عبد اللطيف والعديد من جماعته ،جرى كل ذلك بدون ردود فعل أمريكية أو غربية أو عربية ،ولو أن ما جرى كان في عهد السلطة الفلسطينية وقامت أجهزة السلطة بهذا العمل لقامت الدنيا ولم تقعد متهمين السلطة بأنها تنفذ مخططا أمريكيا إسرائيليا لمحاربة المجاهدين الخ .وقبل شهرين بدأ الجيش المصري وبأوامر من الرئيس ألإخواني مرسي بعملية واسعة ضد الجماعات الإرهابية المتطرفة في سيناء بعد عملية إجرامية جرت في بداية أغسطس أدت لمقتل 16 جنديا مصريا في مدينة رفح المصرية،وما زالت العملية متواصلة ويسقط خلالها قتلى وجرحى من الطرفين ، ومع إقرارنا بحق الجيش المصري بحماية الأمن القومي لمصر ومواجهة كل من يخرج على القانون ،إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه هل كان الجيش المصري يستطيع دخول سيناء بدون موافقة أمريكية وإسرائيلية ؟ أيضا لو كانت هذه المواجهات بين الجيش المصري والجماعات الإسلامية في عهد مبارك لكانت الاتهامات انهالت على مبارك بأنه متواطئ مع إسرائيل وواشنطن وانه يقتل المجاهدين الخ .
إن كان التصعيد على غزة جزءا من حرب معممة إسرائيلية على الفلسطينيين في كل مكان ،إلا أن يجب الحذر من تداعيات هذا التصعيد على الوضع الأمني والسياسي في قطاع غزة ،فقد بات مصير قطاع غزة مرتبطا بمآل الأحداث في مصر سياسيا وأمنيا وخصوصا في سيناء،وأخشى ما نخشاه أن يتم استدراج الجيش المصري لحرب استنزاف طويلة المدى في سيناء يؤدي لتنسيق ودعم لوجستي متبادل وانتقال عناصر مقاتلة ما بين الجماعات الجهادية في سيناء ومثيلاتها في قطاع غزة ،وبذلك تصبح حكومة حماس وقطاع غزة جزءا من هذه المواجهة .وإن كانت إسرائيل ترمي لدفع حركة حماس للدخول في مواجهة مسلحة لتصفية الجماعات الجهادية في قطاع غزة،فإن مصر ستطلب من حماس نفس المطلب بل طلبت ذلك بعد عملية رفح [73]، وفي هذه الحالة سنكون أمام تحالف حمساوي إخواني أمريكي إسرائيلي في مواجهة الجماعات المتطرفة ،كما أشرنا أعلاه .
مشكلة حركة حماس مع حركات المقاومة الأخرى سابقة لظهور الجماعات السلفية الجهادية ،حيث بدأت مؤشرات المواجهة بين حركة حماس كحزب سلطة معني بالحفاظ على سلطته في القطاع والحركات المقاومة الأخرى منذ سيطرة حماس على قطاع غزة في يونيو 2007 ثم تزايدت مع الهدنة بين حماس وإسرائيل برعاية قطرية ومصرية ، وقد رأينا بعض فصول هذه المواجهة كما أشرنا أعلاه مع جماعات سلفية جهادية، كما جرت مواجهات محدودة مع الجهاد الإسلامي تارة ومع الألوية تارة أخرى. التصعيد الإسرائيلي على القطاع وأحداث سيناء يضع حركة حماس أمام أحد الخيارين: إما أن تصمت حماس على هذه الجماعات الجهادية حتى لا يتم تصنيف حركة حماس كجماعة معادية للجماعات الإسلامية ومنصاعة للإرادة الأمريكية والإسرائيلية بمحاربة الإرهاب .هذا السكوت سيؤدي إلى مزيد من تعاظم قوة هذه الجماعات وشعبيتها وهي تتزايد بالفعل بسبب خروج حماس من ساحة المقاومة وانشغالها بالسلطة ومغانمها وترفها ،وبسبب البطالة و الأزمة الاقتصادية لأهالي قطاع غزة وهي أزمة لم تعد تُقنع أحدا بأن سببها الحصار وبات المواطنون والمراقبون مقتنعين بأن سبب الأزمة يعود لأخطاء وفشل حركة حماس في إدارة قطاع غزة. أو أن تدخل حركة حماس وحكومتها في مواجهة مفتوحة مع هذه الجماعات وهي مواجهة لا تُحمَد عقباها ولن تكون هينة ،ليس لقوة وكثرة عدد الجماعات السلفية الجهادية بل لضعف شعبية حركة حماس ولكون كثير من المنتمين لهذه الجماعات تعود أصولهم التنظيمية لحركة حماس ،كما أن إسرائيل ستكون معنية بتغذية هذا الصراع وإطالة أمده ولها من الأدوات في قطاع غزة وسيناء ما يساعدها على ذلك .

كان من الممكن أن تستمر سياسة أللا حرب وأللا سلم التي تريدها حركة حماس مع إسرائيل وهي سياسة تقوم على عدم الاعتراف المتبادل وأيضا على السكوت المتبادل على الأمر الواقع بين غزة وإسرائيل لأنها سياسة تخدم إسرائيل وتشكل عائقا أمام المصلحة وتخدم النخبة الحمساوية الحاكمة في غزة حيث ستتمكن من التفرغ للسيطرة على كل مقدرات القطاع ومراكمة الثروة دون خوف من التهديدات الإسرائيلية ،إلا أن (الربيع العربي) خلق معادلة جديدة كشفت كثيرا من الأوراق و أدت للمأزق الحالي لحركة حماس .حماس اليوم تدفع ثمن نهجها المتفرد بالمقاومة ، رافعة شعارات كبيرة كالجهاد حتى تحرير فلسطين من البحر إلى النهر ،ورافضة الاعتراف بإسرائيل والتسوية ، موظفة قيمة سامية وهي الجهاد لتقدم أرواح آلاف الشباب على مذبح العمليات الاستشهادية لخدمة أغراض حزبية مصلحية ضيقة تكشفت أخيرا أنها دولة غزة .
لا يمكن لحكومة حماس اليوم أن تمنع جماعات إسلامية بان تسير على نفس النهج الذي سارت عليه حركة حماس قبل أن تتحول لحزب سلطة ،لا تستطيع أن تقول للجماعات السلفية الجهادية إن محاربة إسرائيل كفر،أو تمنعها من القول بأن فلسطين وقف إسلامي لا يجوز التفريط به ولا يجوز الهدنة مع اليهود والكفرة حتى تعود فلسطين لأهلها.كما وظفت حركة حماس الدين لأغراض سياسية حزبية فمن (حق) الجماعات الجهادية أن توظفه أيضا،فالدين الإسلامي ليس حكرا على أحد ،ولم تأخذ حركة حماس تفويضا ربانيا ولا تفويضا شعبيا باحتكار الدين أو احتكار الحق بالجهاد ! .
لا يعني ذلك أننا نؤيد نهج جماعات السلفية الجهادية ،فنحن قلنا ونعيد بأن كل عمل مسلح أو جهادي ضد إسرائيل ،سواء كان إطلاق صواريخ أو عمليات استشهادية ،خارج إطار إستراتيجية وطنية شمولية لن يكون أكثر من عمل عبثي إن لم يكن نوعا من (الارتزاق الجهادي ) . إن الحق بالمقاومة حق مشروع دينيا ودنيويا ما دام الاحتلال قائما ،ولكن في إطار إستراتيجية وطنية للمقاومة وليس مقاومة فصائلية حزبية موسمية بالشكل الذي سارت عليه حركة حماس ويحتذي بها الآخرون اليوم .اليوم على حماس أن تجني ثمار ما زرعت ،وعليها أن تختار إما أن تكون مع جبهة واشنطن والإسلام المعتدل في مواجهة الجماعات الإسلامية المتطرفة؟ أو تصطف إلى جانب (معسكر المقاومة والممانعة ) ،معسكر مقاومة واشنطن وإسرائيل ،مادامت فلسطين محتلة من إسرائيل المحمية والمدعومة من واشنطن.   حرب الهدنة الدائمة وترسيم حدود دولة غزة [74]   في الحروب والصراعات الدولية لا تكشف الدول والكيانات السياسية عن كامل أهدافها واستراتيجياتها فهناك أهداف معلنة وأهداف خفية،والحرب العدوانية الإسرائيلية على قطاع غزة لا تخرج عن هذا السياق ،فالخفي من هذه الحرب قد يكون أكثر خطورة على القضية الوطنية من الأهداف المعلنة من الحرب ،وضجيج الصواريخ ودماء الشهداء وحالة الدمار قد تكون غطاء لتمرير مخططات كبيرة عجزت السياسة والمواجهات الصغيرة عن تمريرها، فالحرب سياسة ولكن بوسائل عنيفة أو أداة لفتح مغاليق السياسة.أيضا حسابات النصر والهزيمة في الحروب لا يتم احتسابها وسط ضجيج المعارك بل في المحصلة النهائية للحرب وما تتمخض عنه من تفاهمات واتفاقات،أيضا مفاهيم النصر والهزيمة يتم احتسابها وطنيا وليس حزبيا ،فانتصار حزب لا يعني بالضرورة انتصار الوطن والقضية الوطنية إلا إذا كان في إطار إستراتيجية وطنية .
تختلف حرب نوفمبر 2012 بين ( قطاع غزة ) والإسرائيليين عن كل الحروب والمواجهات السابقة حتى عن الحرب الأخيرة على القطاع نهاية 2008 سواء من حيث نطاق ومدى الحرب أو من حيث الأهداف المعلنة أو من حيث ردود الفعل والبيئة العربية والدولية أو من حيث مآلاتها النهائية،وعلينا أن نتذكر أن أكثر من ثلاثة آلاف صاروخ أطلقها حزب الله على تل أبيب وحيفا ومدن إسرائيلية متعددة،وكلنا نعرف النتيجة ليس لنقص في الشجاعة والوطنية عند حزب الله بل لأن الحالة العربية والدولية لم تقف لجانبه وبقيت مواجهة محصورة بين الحزب ودولة إسرائيل التي وظفت كل قوتها العسكرية ليس فقط لمواجهة مقاتلي حزب الله بل لتدمير لبنان.  الحرب من حيث نطاقها ومداها فلأول مرة وبعد مرور خمس أيام على الحرب ،تأخذ الحرب شكل القصف الصاروخي المتبادل بين فصائل المقاومة في قطاع غزة وإسرائيل حتى يجوز تسميتها بحرب الصواريخ، فقد وصلت الصواريخ الفلسطينية لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي إلى تل أبيب والقدس ومدن أخرى.صحيح أن الخسائر التي يوقعها القصف الصهيوني بالفلسطينيين أكبر ماديا وبشريا من خسائر العدو ،إلا أن خسائر العدو المعنوية والنفسية كبيرة جدا ،فكيف لدولة تهدد كل العالم العربي وتهدد بحرب على إيران أن ترتعب من صواريخ فلسطينية تنطلق من غزة الصغيرة والمحاصرة ؟ وكيف سيصدق الإسرائيليون أن دولتهم ستحميهم من الخطر الإيراني وهي غير قادرة على حمايتهم من صواريخ غزة ؟.
إن كان المدى الميداني يقتصر على غزة وإسرائيل إلا أن المدى السياسي والمعنوي أكبر بكثير من المدى الميداني حيث تفاعل كل الشعب الفلسطيني مع الحدث وارتفعت معنويات الفلسطينيين حتى داخل إسرائيل وهم يشاهدون ويسمعون عن صواريخ فلسطينية تضرب تل أبيب والقدس ،ومع أن التأثير المعنوي لحظي وعاطفي ويؤسَس على الحدث الراهن دون حسابات عقلانية وإستراتيجية عن المآلات،إلا أنه يبقى مهما بالنسبة لشعب خاضع للاحتلال والحصار. ولنا أن نتصور ونحلم لو أن مدى المواجهة توسع وأن الصواريخ تنطلق على إسرائيل من الضفة ومن جنوب لبنان ومن سيناء والأردن وسوريا! ،بالتأكيد ستكون الحرب والمعادلة مختلفة تماما، الأمر ممكن عمليا ،ولكن حسابات الدول ليست حسابات الأحزاب. بالنسبة للأهداف وسط ضجيج الصواريخ والقذائف والتهديد الإسرائيلي بالتصعيد إلى درجة الاجتياح البري للقطاع ،إلا أن ما يميز هذه الحرب عن غيرها أن الطرفين ملتزمان بأهداف معلنة محددة ومطالبهم لوقف الحرب محددة بأمور واضحة . بالنسبة لإسرائيل وقف صواريخ المقاومة من قطاع غزة ،فكل قادة إسرائيل كانوا متفقين على هذا الهدف ولم نسمع أحدا منهم يتحدث عن احتلال قطاع غزة أو إسقاط سلطة حماس – في الوقت الراهن على الأقل- ،وبالنسبة لحركة حماس وكما ورد على لسان رئيس وزراء حكومة غزة إسماعيل هنية في اليوم الثاني للحرب وبعد ذلك على لسان كل قادة حماس ،أن ما تريده حماس هو فتح معبر رفح البري بشكل نهائي ووقف العدوان ووصول المساعدات مباشرة لحركة حماس ،ولم يطلبوا لا مددا عسكريا ولا سلاحا ولم يطلبوا من إسرائيل غير وقف العدوان ووقف استهداف المقاتلين ورفع الحصار عن قطاع غزة هذه الأهداف المعلنة والمباشرة وحتى لو وصل الأمر لاجتياح مناطق من القطاع كمحور فيلادلفيا أو توسيع الحزام الأمني على الحدود ،فإن ذلك يدخل في إطار تحسين الوضع العسكري لتحسين شروط التهدئة فقط. من حيث أطرافها مع كامل التقدير للمقاومة وبطولات وتضحيات أهلنا في غزة، وللتعاطف والتأييد الكبير لأهلنا في الضفة مع أهل غزة إلا أن الحرب الفعلية تدور بين ( قطاع غزة ) وإسرائيل ،وحركة حماس هي من يقود المعركة ويحدد مساراتها وسبل وشروط وقفها بمعزل عن أي مرجعية وطنية أخرى ،فحماس هي التي تحارب وهي المرجعية النهائية ،حتى الدول العربية والأجنبية وإسرائيل باتوا يتعاملون مع حركة حماس في كل صغيرة وكبيرة فيما يخص الحرب والتهدئة،أما منظمة التحرير والسلطة والرئيس أبو مازن فلا يختلف وضعهما عن وضع أية جهة خارجية بالنسبة لمسار الحرب وشروط التهدئة ، بالرغم من الدعم المالي والاقتصادي الكبير الذي تقدمه المنظمة والسلطة في الضفة لأهل غزة . إذن هي حرب لفرض تهدئة إستراتيجية وترسيم حدود نهائية بين غزة وإسرائيل،أو هي حرب من أجل توقيع صفقة شاملة ما بين حركة حماس وإسرائيل برعاية وضمانات عربية وتركية وأوروبية وربما أمريكية.صفقة تتضمن التزام من حماس بوقف إطلاق الصواريخ من القطاع سواء من جهتها أو من أي طرف فلسطيني آخر وعدم إطلاق النار على القوات الإسرائيلية المرابطة على حدود القطاع ،دون هذا الالتزام الواضح لن تستطيع الحكومة الإسرائيلية تمرير إهانة قصف تل أبيب والقدس بصواريخ فلسطينية، ونعتقد أن حماس لا تمانع في ذلك مقابل فتح معبر رفح البري بشكل كامل لتصبح الحدود المصرية مع غزة حدود دولة بدولة وتعهد إسرائيلي بعدم استهداف قيادات حماس والمقاومين أو قصف غزة،وإن تمت الأمور بهذا الشكل لن يكون هناك مبررا لاستمرار عمل الأنفاق حيث يتم ردمها أو وقف العمل بها بتوافق مع كل الأطراف. إن صفقة بهذا الشكل إن كانت ستُخرج الطرفين – حماس وإسرائيل – بمعادلة لا منتصر ولا منهزم – إلا أنها ستعني على المستوى الوطني تكريس الانقسام وتثبيت سلطة حماس في غزة وخصوصا أن حركة حماس إن تمت الصفقة بدون اجتياح بري إسرائيلي ستخرج من الحرب منتشية بما أنجزت صواريخها التي ستغطي على أية اتفاقات يتم توقيعها ، مما سيجعلها أقل رغبة في المصالحة الوطنية .المصالحة الممكنة في ظل هذه الحالة هي مصالحة إدارة الانقسام ،ونعتقد أنه من الممكن ومن المطلوب التعامل مع هذه المصالحة مرحليا إلى حين نضوج شروط المصالحة الإستراتيجية أو إعادة بناء المشروع الوطني في إطار منظمة التحرير. نعم يمكن التعامل مرحليا مع مصالحة تعزز رفع الحصار ودعم حالة الصمود وإعادة البناء في القطاع ،مقابل دعم مبادرة الرئيس بالذهاب إلى الأمم المتحدة لانتزاع اعتراف بدولة فلسطينية غير عضو على كامل الضفة وغزة دون إسقاط حق العودة.
كل ذلك مرتبط بنجاح مفاوضات التهدئة التي تجري في القاهرة ، وإن لم تنجح هذه المفاوضات فقد تلجأ إسرائيل إلى توغلات برية وربما تعيد تموضع قواتها في محور فيلادلفيا لتهدم الأنفاق مصدر القوة الصاروخية كما تعتقد ، ثم تتفاوض مع مصر وحماس من مصدر قوة ،ولكن لتحقيق نفس الأهداف.هذا التخوف من مآل الأمور نبنيه على اقتصار المواجهة بين قطاع غزة وإسرائيل وصمت الجبهات الأخرى، وعلى الحالة العربية التي عبر عنها مؤتمر وزراء الخارجية حيث أعلن المؤتمر ومن خلال وزير خارجية قطر أن العرب لن يحاربوا إسرائيل وأن كل ما سيقدمونه هو المال والمساعدات الإنسانية.والمؤسف أنه في الوقت التي تبدي الجامعة العربية حالة ضعف واستكانة في مواجهة ما يجري من عدوان على غزة وتستبعد الحرب نهائيا بل لم تتخذ أي إجراءات عقابية ضد إسرائيل ،كان لها أنياب شرسة عندما تعاملت مع قضيتي ليبيا وسوريا ،فأرسلت المال بسرعة ثم السلاح والمقاتلين وحرضت مجلس الأمن على اتخاذ قرارات ملزمة ضد نظامي القذافي والأسد، ويبدو أن الربيع العربي له خطوط وضعتها له واشنطن لا يستطيع تجاوزها وهي المس بأمن إسرائيل.

رابعا : التوظيف السياسي للحصار على غزة

الحصار:المخاض العسير لولادة (إمارة) غزة [75]

منذ أن أعلن  شارون عام 2004عزمه الخروج من غزة في إطار خطته للانسحاب أحادي الجانب، انشغل الفلسطينيون بقضية غزة حتى هيمنت على المشهد السياسي الفلسطيني والدولي وغَيَّبت غزة القضية الوطنية بكل مكوناتها الأساسية من لاجئين والقدس وحق العودة وحتى المفاوضات والتسوية أصبحتا موضوعا هامشيا أو مؤجلا لحين الحسم بمصير غزة. منذ عام 2004 تداعت الأحداث وخصوصا بقطاع غزة بشكل دراماتيكي :الانفلات الأمني في القطاع ، تدفق السلاح بشكل غير مسبوق على القطاع ، تواجد وفد أمني مصري بالقطاع دون الضفة الغربية ، قبول حركة حماس بالمشاركة بالانتخابات التشريعية بعد طول ممانعة لا تخلو من تبريرات دينية،تفكك وإضعاف الأجهزة الأمنية لصالح الميليشيات والجماعات المسلحة ، تدمير تنظيم حركة فتح أو إعاقة استنهاضه وخصوصا في قطاع غزة ، تعاظم انفلاش وفساد السلطة،الحديث عن الدولة ذات الحدود المؤقتة،انسحاب شارون من قطاع غزة،الانتخابات التشريعية التي أوصلت حماس للسلطة،الاتصالات المباشرة وغير المباشرة  بين حركة حماس وواشنطن وأطراف أوروبية وإسرائيلية بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال الوساطة القطرية،إمعان إسرائيل بسياسة الاستيطان بالضفة والتهرب من استحقاقات التسوية التي تؤسَس على وحدة الضفة وغزة والمرجعية الدولية، فرض الحصار على الضفة وغزة خلال حكومة حماس ثم حكومة الوحدة الوطنية،الاقتتال الداخلي،انقلاب حركة حماس في يونيو 2007وفصل غزة عن الضفة،انسحاب الوفد الأمني المصري من القطاع، تواجد حكومتين وسلطتين متعاديتين في الضفة وغزة،انحياز وتواطؤ معلن وخفي لأطراف عربية وإقليمية ودولية لحكومة حماس،تزايد التنسيق الأمني بين الأجهزة الأمنية لحكومة سلام فياض وقوات الاحتلال، حصار قطاع غزة ،التهدئة بين حماس وإسرائيل ،ثم الحملات المكثفة المبرمجة والمخططة على أعلى المستويات لرفع الحصار عن قطاع غزة بذريعة الظروف الإنسانية  مقابل تراجع الجهود والمحاولات الداخلية والعربية للمصالحة الفلسطينية.

قد تبدو هذه الأحداث عفوية ولا رابط بينها إلا أن المدقق بالأمور والملم بالسياسة الإسرائيلية والدولية والتي لا تقبل الفراغ السياسي وخصوصا بالنسبة لقضية كالقضية الفلسطينية وبمنطقة كمنطقة الشرق الأوسط الأكثر سخونة وخطورة في العالم ، سيدرك أن الأحداث المشار إليها حلقات مترابطة لتسوية جديدة تتشكل على الأرض . فعلى عكس اتفاقية أوسلو التي سبقتها مفاوضات مكثفة ثم أعلن عنها رسميا ووضعت خطوات ومراحل لتنفيذها وسط ضجيج إعلامي كبير ثم وصلت لطريق مسدود ،هذه التسوية الجديدة بدلا من أن يُعلن عنها بداية ثم تفرض على الأرض -كان من المتوقع أن تجد معارضة فلسطينية قوية- جرت الأمور بالعكس ،حيث تم التفاهم عليها سرا وضمنيا ثم بدأ الاشتغال على تنفيذها بهدوء ودون إعلان رسمي لولادتها لان المشاركين فيها لا يريدون الاعتراف بمشاركتهم بها.

منذ أن بات واضحا أن التسوية المُعلنة المؤسَسَة على اتفاقية أوسلو وقراري 242 و338  وصلت لطريق مسدود حتى بدأ الاشتغال على تسوية خفية، تسوية أمر واقع تشارك بها أطراف متعددة بعضها كمشارك فاعل ومؤسس وأخرى من خارج فلسطين تشارك  لوجستيا وماليا دون أن تظهر بالصورة وأخرى تعلم بالمخطط وتباركه من بعيد وبصمت وأطراف تعلم بالمخطط  ولا توافق عليه ولكنها لا تقدر على وقفه أو مواجهته بالعلن،كل هؤلاء مشاركون بتسوية الأمر الواقع التي نشهد آخر فصولها اليوم من خلال استعداد حركة حماس للإعلان عن قيام دولة غزة،هذا الإعلان الذي ينتظر تنصيب رئيس من حماس ،وفتح معبر رفح ولو جزئيا،وفي هذا السياق فإن التهدئة وخرقها المتكرر الذي يعطي ذريعة لمواصلة الحصار هي محاولات لممارسة ضغوط على مصر أو منحها ذرائع لفتح معبر رفح أو تشجيع أطراف دولية على فتح خط بحري بين القطاع والعالم الخارجي،مما سيؤدي لقطع العلاقة كليا ما بين القطاع وإسرائيل وبالتالي بالضفة الغربية .

الحصار الذي يتعرض له أهلنا بالقطاع، أهل غزة الذين احتضنوا المشروع الوطني عبر التاريخ وحملوا اسم فلسطين وحافظوا عليه ودفعوا ثمنا باهظا للحفاظ على الهوية الوطنية وشعلة الثورة، حصار ظالم وغير أخلاقي تتحمل مسؤوليته كل الأطراف المشاركة بتسوية الأمر الواقع غير المعلنة تسوية فصل غزة عن الضفة وتصفية المشروع الوطني الفلسطيني.بطبيعة الحال إسرائيل هي المُخطِط الأول لأنها المستفيد الأول ولا داع لتكرار الحديث عنها لأنها عدو والعدو سيمارس كل ما هو مُدمِر لخصمه،ولكن الأطراف التي نقصد هي التي يفترض أنها صاحبة القضية الوطنية أو متبنية لها بحكم الانتماء القومي أو الديني ، هذه الأطراف الفاشلة والعاجزة أسقطت فشلها وعجزها على أهل غزة ، فشل منظمة التحرير و سلطتها وحكومتها في التقدم على مسار مشروع التسوية الذي راهنت عليه طويلا،وفشل حركة حماس ومعها كل الإسلام السياسي في العالم في تطبيق مشروعها المقاوم وشعاراتها الكبيرة حول التغيير والإصلاح ،وفشل العرب في فرض مشروعهم للسلام .

كل الذين يتباكون اليوم على أهل غزة سواء كانت حركة حماس أو السلطة في الضفة أو مراكز الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في الخارج أو دول عربية وأجنبية، كلهم يدركون أن مشكلة غزة ليست إنسانية بل سياسية وإستراتيجية ، وأن الأمر لا يتعلق فقط برفع الحصار المالي والغذائي بل بتحديد مصير غزة ووضعيتها القانونية وشرعية السلطة القائمة بها، ما يجري هو مخاض مؤلم وقاس لتنفيذ المرحلة الثانية لخطة شارون للانسحاب من القطاع، مخاض ولادة دولة غزة أو الإمارة التي ستشكل قاعدة لمشروع سياسي إسلامي يحل محل المشروع الوطني الفلسطيني الذي وصل لطريق مسدود أو أوصلوه لذلك،الأمر ليس كسر حصار لأسباب إنسانية بل تحديد الوضعية القانونية لقطاع غزة ورسم الحدود والعلاقات الدولية ما بين قطاع غزة ككيان سياسي منفصل عن كيان منظمة التحرير وسلطة الحكم الذاتي من جهة والعالم الخارجي من جهة أخرى.

مصر تعلم حقيقة الأمر وكذا الأنظمة العربية ولذلك فإن مصر والدول العربية تماطل وتتهرب من الإقدام على خطوات جادة للمصالحة لأنها تعلم أن القوى الدافعة باتجاه التسوية الجديدة أو تسوية الأمر الواقع  أقوى من الحوافز والدوافع الأخلاقية والوطنية والقومية للمصالحة الفلسطينية ، بل يمكن القول بأن محاولات مصر الأخيرة للمصالحة لم تكن جادة وهي أقرب لرفع العتب وتهدئة الجماهير المصرية الضاغطة باتجاه المصالحة ورفع الحصار بحسن نية، ومصر والدول العربية أيضا مترددة في الإقدام على المصالحة وكسر الحصار المفروض على القطاع لأنها تدرك أنه فات الأوان على المصالحة على قواعد ومرجعيات متوافق عليها للمشروع الوطني،وتدرك أيضا أن فتح الحدود والاعتراف بحكومة الأمر الواقع في القطاع معناه المشاركة  في فصل غزة عن الضفة و إنهاء المشروع الوطني الفلسطيني وبالتالي إعادة النظر بملف التسوية ومشروع السلام العربي والصفة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية،هذه الأطراف تعرف المخطط وليست بعيدة  عنه ولكنها لا تريد أن تبدو كمشاركة فيه .

قد تبدو هذه المقاربة تشاؤمية وتشكك وتتهم الجميع وتؤسَس على افتراضات لا حجج دامغة عليها ، ومع أننا لا نعتبر التشاؤم ونهج التآمر أمورا بعيدة عن السياسة بل هي جوهر السياسة الواقعية فليس هدفنا نشر روح  التشاؤم أو التشكيك بوطنية أحد بل معرفة الأمور على حقيقتها والتحرر من خطاب الايدولوجيا والشعارات والمراهنات على الأوهام ،إن كان الحوار والمصالحة لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل يونيو 2007 وعلى أرضية وحدة السلطة والنظام السياسي باتا أمرا صعب المنال لان إسرائيل لن تقبل بمصالحة على غير شروطها ومحاور إقليمية أصبحت قادرة أيضا على فرض شروط على قوى فلسطينية ، فهذا لا يعني أن حبل الحوار والمصالحة انتهي، فالفلسطينيون بحاجة للحوار والمصالحة حتى لو استمرت حالة الفصل القائمة بين عزة والضفة لوقت من الزمن .

إن فشلت المصالحة والتفاهم على الحكومة والسلطة والنظام السياسي، فالفلسطينيون بحاجة لاستمرار الحوار والمصالحة للحفاظ على القضية الوطنية والشعب والهوية ومواجهة تحديات المستقبل. فلسطين أكبر من الحكومة والسلطة ومن فتح وحماس وبقية الفصائل، وإن كانت أطراف عربية وإقليمية متواطئة على المشروع الوطني فلا يعني هذا أنها مفرطة بالضرورة بالقضية الفلسطينية ومتواطئة مع العدو ، فقد تندرج سياستها في إطار سياسة إنقاذ ما يمكن إنقاذه ولو في إطار مشروع للإسلام السياسي المعتدل والمقبول أمريكيا، وقد تكتشف هذه الأطراف مع الوقت أنها أخطأت في مواقفها لأن الإدارة الأمريكية الديمقراطية تريد توظيف مقولة الإسلام المعتدل لمواجهة ما تعتبره الإرهاب الإسلامي  وليس تأسيس علاقة إستراتيجية معه .

هذا التشخيص للحالة وهذه التداعيات الدراماتيكية ما كانت لتكون  لو كانت إسرائيل جادة بالسلام ولو حقق مشروع السلام والتسوية الذي تتبناه السلطة إنجازا على الأرض.في ظل غياب المصالحة الوطنية قد تتغير أو تتعثر  المعادلة – تسوية الأمر الواقع –نسبيا  في حالتين:

  1.   لو غيرت حركت حماس مواقفها من التسوية والاتفاق الموقعة والاعتراف بإسرائيل ولكن وحتى في هذه الحالة لا نعتقد أن إسرائيل مستعدة لتنفيذ الاتفاقات الموقعة والسماح بقيام دولة في الضفة وغزة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين.
  2. أن يتم التوصل لتسوية ما بين الرئيس أبو مازن وإسرائيل في اللحظة الأخيرة ،ولكن هذا الاتفاق لن يجد قبولا من حركة حماس وربما من فصائل أخرى وبالتالي يحتاج تنفيذه لتدخل قوات عربية أو دولية أو تدخل إسرائيلي،  وهذا يعني تعميق الانقسام الفلسطيني الداخلي.

وعلى كل حال فهذان الاحتمالان بعيدان عن التحقق. أما بالنسبة للانتخابات فلا نعتقد أنها ستحل المشكلة في ظل استمرار حركة حماس على مواقفها وفي ظل وجود المواقف المتناقضة حول المرجعيات والثوابت الوطنية:السلام والتسوية والمقاومة والدولة ومفهوم المشروع الوطني ،وقد كتبنا أكثر من مرة بان الانتخابات ليست دائما آلية مناسبة لحل التناقضات الداخلية فالتفاهم والتراضي قد يكونا أجدى، ونخشى إن تمت الدعوة للانتخابات دون تفاهم أن يؤدي الأمر لمزيد من الانقسام وتكريس القطيعة.

بدائل كل هذه الخيارات المأزومة هو المصالحة الوطنية الجادة على قاعدة اعتراف طرفي المعادلة – فتح وحماس- أن كلا منهما فشل في خياراته،فتح والسلطة فشلت في التقدم على مسار السلام وبات واضحا أن المفاوضات مع إسرائيل منحت وتمنح إسرائيل شرعية مواصلة الاستيطان والتهرب مما عليها من استحقاقات كدولة احتلال، وحركة حماس فشلت في تقديم بدائل وطنية وفي إخراج النظام السياسي الفلسطيني من عثرته، فتوظيفها للدين ولشعارات المقاومة وممارستها للمقاومة خارج إستراتيجية وطنية، كل ذلك أوصل حركة حماس لطريق مسدود ولن يخرجها من عثرتها المراهنة عالم إسلامي وإسلام سياسي مأزوم، وحتى السماح لها بإقامة إمارة أو دولة غزة لن يكون سماحا برخصة مفتوحة بل لحين لن يطول يسمح لإسرائيل باستكمال مخططاتها الاستيطانية في الضفة وتكريس حالة الفصل بين غزة والضفة، ثم ستخلق  إسرائيل وربما أطراف أخرى فتنة في القطاع ستجعل منه ساحة لحرب أهلية مفتوحة.

تعمير غزة والمصالحة الوطنية  [76]

تزامن احتضان مصر لجولة جديدة من حوارات المصالحة يوم 10 مارس 2009 مع عقد قمة شرم الشيخ لجمع المال لإعمار غزة التي لحق بها دمارا كبيرا بسبب العدوان الإسرائيلي نهاية ديسمبر 2008  وبداية يناير 2009 .  ليس لنا إلا أن نشكر جمهورية مصر العربية على جهودها لجمع الفرقاء السياسيين الفلسطينيين على طاولة الحوار تمهيدا للمصالحة. فمع تواضع نتائج الجولة الأولى من الحوار إلا أنها أنعشت آمالا عند الشعب الفلسطيني المنكوب بالعدوان و الدمار والمجازر في غزة والمنكوب بالاستيطان والاعتقالات والتدمير في الضفة والقدس.الجهود المصرية مهمة ولكن إنجاح أو فشل الحوار يعتمد أساسا على الإرادة الفلسطينية وعلى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية الأخرى لإنجاح الحوار فالمصالحة، ذلك أن القضية الفلسطينية تتجاذبها أربعة قوى أو مصادر تأثير:المال السياسي والايدولوجيا السياسية والجغرافيا السياسية واستحقاقات التسوية السياسية،كما أن المصالحة حلقة من سلسلة مترابطة:رفع الحصار عن غزة ،إعادة أعمار غزة ،التهدئة ،المصالحة ثم التسوية السياسية،ولا يمكن فصل أي من هذه الملفات عن الأخرى ولكن يمكن ترتيبها حسب أولويات التعامل والحل بحيث يؤدي حل كل منها لإزالة العقبات أمام الملفات الأخرى،وهذه الحلقات كل منها مرتبطة إما بالمال السياسي أو بالأيديولوجيا السياسية أو بالجغرافيا السياسية.

        ما صيَّر المال السياسي  فاعلا وضاغطا على الحالة السياسية الفلسطينية هو غياب أو ضعف الاقتصاد الوطني الفلسطيني من جانب وسلبية الرأسمالية الفلسطينية سواء في الوطن أو الشتات من جانب آخر،وإن كان مفهوما ضعف الاقتصاد الوطني بسبب الاحتلال والشتات فإن سلبية رجال المال والأعمال الفلسطينيين في رفد المشروع الوطني أمر يحتاج للتفسير وما يحتاج لتفسير أكثر هو سعي بعض رجال المال لتشكيل حزب أو تيار سياسي جديد تحت قيادتهم بدلا من دعم المشروع الوطني أو دعم جهود المصالحة .

أما قوة تأثير الأيديولوجيا ذات الامتداد الخارجي فهو ضعف التيار الوطني وتشتته وعدم قدرته على الدفاع عن الايدولوجيا الوطنية.ومع ذلك فإن المال السياسي والأيبيولوجيا السياسية أمران طارئان أو يمكن تجاوزهما ولكن الجغرافيا السياسية هي الثابت الذي لا يتغير وهذا الثابت تتحكم به قوتان،إحداها تدفع لتكريس الانفصال وهي إسرائيل  والأخرى وهي مصر محل مراهنة وأمل الفلسطينيين بأن تكون مدخلا للمصالحة ،وقد لعبت مصر حتى الآن دورا في الوقوف بوجه تكريس الفصل بين الضفة وغزة وخصوصا أثناء العدوان الأخير على غزة.

        المال السياسي والأيديولوجيا السياسية يلعبان دورا سلبيا في المصالحة الفلسطينية وعلى مستوى التسوية السياسية لان الأطراف الإقليمية المغذية لهما لها أجندة ورؤية خاصة للصراع مما يجعل المصالحة الفلسطينية مرتبطة بالمصالحة العربية والإقليمية،ومن هنا يأتي دور الإرادة الوطنية ودور الجغرافيا السياسية كضرورة  لأية مصالحة فلسطينية ولأي تسوية سياسية،هذه الأخيرة لن تنطلق مجددا وبالشكل الذي يحقق المصلحة الوطنية الفلسطينية إلا إذا تم استبعاد التجاذبات الثلاثة المشار إليها أو خضوعها للمصلحة الوطنية الفلسطينية،ومن هنا يأتي دور مصر في المصالحة الفلسطينية وفي التسوية السياسية فمصر تملك مفتاح الجغرافيا السياسية ليس فقط بالنسبة لقطاع غزة ولكن بالنسبة للقضية الفلسطينية بشكل عام،ومن الواضح أنه لا يمكن أن تنجح مصالحة فلسطينية بدون أن تكون مكوناتها متصالحة مع  الجغرافيا السياسية وخصوصا مع مصر حيث يصعب تصور وجود كيان سياسي فلسطيني متصادما مع إسرائيل ومعاديا لمصر في نفس الوقت.

نعم، الجلوس إلى طاولة المفاوضات أمر مهم ولكنه ليس هدفا بحد ذاته بل هو آلية للتوصل لمصالحة وحتى تكون المصالحة منتجة ووطنية يجب أن تكون من أجل فلسطين ولإعادة بناء المشروع الوطني والنظام السياسي وليس فقط لإعادة بناء ما دمره العدوان على غزة، بمعنى نريده تعمير يعزز المصالحة والمشروع الوطني وليس بديلا أو معيقا لهما. بناء ما دمره العدوان ورفع الحصار له الأولوية ولا شك ولكن يجب الحذر من الوقوع بالشراك الصهيونية التي تهدف لخلق وقائع وتفاصيل على الأرض تلهي الفلسطينيين حتى ينسوا أو يؤجلوا التعامل بجوهر الصراع وهو الاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس وحق العودة،إسرائيل تريد أن تُغيِّب غزة فلسطين وأن نبقى مشدودين ومتصارعين على غزة وقد تسعى مع أطراف أخرى لأن تُختزل الدولة الفلسطينية التي تتحدث عنها التسوية  بغزة وتكون غزة الدولة المؤقتة التي تتحدث عنها خطة خارطة الطريق والحل المفضل الذي كان يفضله شارون ويسعى إليه اليمين المتطرف اليوم وهو الحل المؤقت طويل المدى.

في هذا السياق تم عقد  مؤتمر شرم الشيخ يوم 2 مارس 2009 على إثر الحرب على غزة ، وذلك بهدف إعادة تعمير غزة ، ونظريا تم جمع حوالي خمسة مليار دولار . من المفترض أن يكون تعمير غزة خطوة نحو المصالحة وإعادة بناء المشروع الوطني التحرري وليس خطوة لتكريس الفصل والتقسيم،لأن ما أثار القلق التناغم أو التزامن  بين الحديث عن تعمير غزة وحديث توني بلير قبل ذلك عن الحل الاقتصادي  للصراع وهو التصور الذي يتحدث عنه نتنياهو أيضا، وإذا أضفنا لذلك أن الحكومة القائمة في رام الله هي حكومة تسيير أعمال بدون مشروع وطني وحكومة حماس في غزة غير معنية بالمشروع الوطني، حينئذ لا بد أن يثور القلق أولا إن كانت الأموال ستصل لقطاع غزة ، وثانيا إن كان الإعمار سيكون مدخلا  للمصالحة أو عاملا مكرسا للانقسام ؟.

ندرك تعقد وتشابك الملفات المطروحة على المتحاورين في القاهرة،كما ندرك ضغط الوقت ودقة المرحلة سواء من حيث الأوضاع في غزة وفي الضفة والقدس أو من حيث طبيعة الحكومة الصهيونية القادمة أو من حيث ترسيخ حالة الفصل مع كل يوم يمر،إلا أن إيماننا بصدق وإخلاص قادة العمل الوطني وإحساسهم بما يحس به الشعب من خطورة المرحلة يجعلنا نأمل بأن يعودوا مجددا للحوار بعد مؤتمر شرم الشيخ ،وخصوصا أن الآمال انتعشت مع التصريحات الصادرة عن المتحاورين وخصوصا ممثلي فتح وحماس،وطمأنتنا تصريحات أوروبية ودولية عن الاستعداد للتعامل مع حكومة توافق وطني تشارك بها حركة حماس، وتصريحات متعددة المصادر تبدي مرونة تجاه حركة حماس ،الأمر الذي يتطلب من حركة حماس مواقف عقلانية ومتحررة بعض الشيء من الايديولوجيا ومن المراهنة على غير الشعب الفلسطيني ،ويتطلب منها أيضا مزيدا من الثقة بالشريك الوطني الفلسطيني- فتح والرئاسة الفلسطينية- الذي بدوره أصبح مدركا للطريق المسدود الذي أوصلته إليه مفاوضات غير مؤسسة على توافق وطني وفريق مفاوضات منح ثقة أكثر من اللازم بالمفاوض الصهيوني وبإدارة الرئيس بوش.

تمنينا على قيادتنا الذي ينتظر العدو فشلهم في تحقيق المصالحة بتوق لا يقل عن التوق الذي ينتظر به الشعب نجاحهم، أن يُعيدوا النظر أو يعملوا وقفة تأمل في أوهام اعتقدوا بصحتها أو حاولوا أن يسوقوها لشعبهم وكأنها مسلمات.أوهام (الحياة مفاوضات)! فالحياة مفاوضات إن أنجزت الهدف الوطني أو أحدثت تقدما في هذا السياق، أما إن غاب الإنجاز الوطني تتحول المفاوضات لموت ودمار،أيضا إعادة النظر بأوهام الحكومات الإلهية والانتصارات المؤسَسَة على أشلاء آلاف الشهداء والجرحى ودمار البيوت والممتلكات،فالشعب يضحي من أجل الحرية والاستقلال وليس لتعزيز مواقع قيادية للبعض أو منحهم شرعية سياسية..إعادة النظر هذه ولو بينهم وبين أنفسهم ستساعدهم كثيرا في قبول بعضهم البعض وفي تفهم مواقف بعضهم البعض .

الكونفدرالية الفلسطينية في ظل الاحتلال أكثر خطورة من الاتفاقات الموقعة [77]

وهم جديد أو خديعة جديدة يجري تمريرها على الشعب الفلسطيني ستضاف إلى مسلسل طويل من الخدع والأوهام التي تَعَرض لها علي يد الأنظمة العربية أو على يد قياداته السياسية منذ محادثات حسين –مكماهون ومحادثات فيصل –وايزمان منتصف العقد الثاني من  القرن العشرين مرورا بثورة 1936 ونكبة 1948 إلى وهم التسوية الأمريكية وآخرها وهم جبهة الممانعة.الخديعة الجديدة تسمى الكونفدرالية الفلسطينية !.فهل أن حالة اليأس والإحباط التي تنتاب الشعب الفلسطيني بسبب فشل نخبته السياسية وتقاعس الأنظمة العربية وشدة إرهاب العدو الصهيوني ،سيدفعه للقبول أو تصديق هذه الخديعة الجديدة؟.

إذن في  ظل حالة العجز والفشل التي تنتاب كل القوى السياسية الفلسطينية وفي ظل حالة العجز العربي والتقاعس الدولي،وبعد جولات ماراثونية من الحوارات بين الفصائل الفلسطينية وما بين الدول العربية وبعضها البعض وبين بعضها وأطراف دولية، وبحالة المتفرج العاجز المراقب للعمليات غير المسبوقة للتهويد في القدس والاستيطان في الضفة وفي ظل تسليم وكأنه تسليم بقدر لا مهرب منه مع الانقسام وفصل غزة عن الضفة و مع الدمار الذي لحق بغزة… وبصمت مريب وبما يشبه المفارقة مع حل الدولتين الذي تتحدث عنه التسوية ،يتم الحديث عن الكونفدرالية بين غزة والضفة.فهل هناك معادلة جديدة خفية  للصراع في المنطقة وبالنسبة للقضية الفلسطينية تحديدا؟وما الذي دهى النخبة السياسية الفلسطينية لتصاب بما هي عليه من حالة عجز وشلل وانتظار ونفاق سياسي ؟وكيف نفهم ونفسر تزامن الحديث عن كونفدرالية فلسطينية والجهود المبذولة دوليا للعودة لحل الدولتين ؟.

        بالرغم من أن مصطلح  الكونفدرالية بين غزة والضفة لم يرد في المبادرة المصرية الناتجة عن حوارات الفصائل في القاهرة والتي عرضت على الفصائل وتظاهر ممثلوها وكأنهم لم يسمعوا بها أو أنهم يعارضونها، ولكنها متَضمَّنة فيها وتمت الإشارة إليها بل ومناقشتها في الكواليس ما بين مسئولين في المخابرات المصرية ومسئولين من حركة فتح وحركة حماس كل على انفراد،بل ناقش الفكرة سرا مسئولون من الحركتين قبل ذلك بكثير،ونعتقد لو أن المقترح  المصري حول اللجنة المشتركة الذي يتضمن فكرة الكونفدرالية دون أن يسميها  كان مرفوضا حقا من الفصائل الفلسطينية لما أقدمت مصر على طرحه.

صيرورة الأمور لتكريس التقسيم كنا قد حذرنا منه مباشرة بعد الانقلاب بأسبوع حيث وضعنا سيناريوهات كان أحدها تحت عنوان (من التقسيم إلى التقاسم) وهذا ما يجري اليوم حيث قررت حركتا فتح وحماس تقاسم ما كان مفترضا أن تكون أرض المشروع الوطني الواحد،ولكن حتى يُجمِّلوا جريمة شرعنة وتكريس الانقسام ويغطوا على فشلهم سموا الانقسام كونفدرالية متجاهلين أننا تحت الاحتلال وأن مصطلح كونفدرالية يُطلق عادة على رابطة لدول أو مجتمعات مستقلة.هذه التخريجة كانت معدة مسبقا منذ بداية مخطط تدمير المشروع الوطني بفصل غزة عن الضفة وهو ما تحدثنا عنه مرارا منذ سنوات، وعليه ليس صحيحا تماما أن السبب في فشل حوارات المصالحة هي التدخلات الخارجية فقط،فهذه ولا شك موجودة منذ أن وُجِدت قضية تسمى القضية الفلسطينية ،ولكن السبب الرئيس  للفشل ومن يتحمل مسؤوليته هي القوى السياسية وخصوصا حركة فتح وحركة حماس . هناك قوى داخل منظمة التحرير وحركة فتح والسلطة وقوى داخل حركة حماس لها مصلحة بحالة الانقسام وهي إما مصلحة شخصية-مصلحة مصالح مادية- أو مصلحة حزبية ضيقة أو مصلحة نابعة عن ارتباط مع قوى خارجية وهذه القوى التي تبدو متعادية تتقاطع عند نقطة ديمومة الفصل بين غزة والضفة،ولكن وحتى مع وجود العامل الخارجي فإن المسؤولية عن الانقسام وعن الفشل في المصالحة تتحملها الفصائل الفلسطينية ،ولا داع أن تبدأ هذه الفصائل منذ الآن بتعليق فشلها على مشجب التدخلات الخارجية ،فالخارج لن يكون أكثر فلسطينية من الفلسطينيين.

خطورة طرح الكونفدرالية واقتناع الشعب بها والتعامل وكأنها موجودة ،لا تكمن في وجود تجمعين فلسطينيين منفصلين أو وجود حكومتين وسلطتين كحالة اضطرارية ومؤقتة،ولكن الخطورة تكمن بإضفاء الشرعية والرسمية على هذا التقسيم وأن تعترف به الفصائل الفلسطينية ودولا عربية،إن حدوث ذلك معناه نهاية المشروع الوطني القائل بدولة مستقلة في الضفة وغزة ومعناه ضياع حق العودة وضياع القدس ومعناه وضع المقاومة بكل أشكالها في مأزق ومعناه فقدان المكتسبات التي تمنحها قرارات الشرعية الدولية وهي القرارات التي تتعامل مع الضفة وغزة كوحدة واحدة ،والأخطر من ذلك فإن القبول ولو بالصمت بفكرة الكونفدرالية في ظل الاحتلال معناه نهاية الاتفاقات الموقعة بين إسرائيل والسلطة وإن كانت هذه الاتفاقات لا يُؤسف عليها فإن الاعتراف بالكونفدرالية في ظل الاحتلال سيكون أسوأ من الاعتراف بالاتفاقات الموقعة لأنه اعتراف سيدفع أي مؤتمر دولي قادم أو تسوية نهائية لأن تؤسَس على واقع الانقسام ما دام الفلسطينيون اعترفوا به ويتعايشون معه.  

 مشكلة غزة ليست إنسانية كما أن غزة ليست المشكلة [78]

              يبدو أنه تحت شعار رفع الحصار عن غزة يجري استكمال مخطط شارون للإجهاض على المشروع الوطني الفلسطيني بتكريس فصل غزة عن بقية الوطن. فليس الأمين العام للأمم المتحدة  ومفوضية الاتحاد الأوروبي وحدهما يملكان عواطف ومشاعر ليغدقاها على أهل غزة المدمرة بيوتهم والذين يعانون من نقص في الغذاء والدواء ، بل غالبية  الوفود العربية والإسلامية والدولية التي هلت على غزة في الفترة الأخيرة تحت شعار رفع الحصار عن غزة أو لبيك غزة ونصرة غزة الخ ، تعاملوا مع المشكلة في غزة من منظور إنساني ظاهريا، والبقية نصروا غزة من منظور الإسلام السياسي والجميع كان يتجاهل جوهر المشكلة.

الحديث عن حصار غزة والدعوات المتكررة لرفع الحصار عنها وتوالي الزيارات لغزة  وخصوصا في الفترة الأخيرة من شخصيات سياسية أوروبية وأمريكية وغيرها عبر معبر رفح ،يطرح أكثر من سؤال حول دوافع الزوار و دوافع هذا التحمس الكبير لرفع الحصار عن غزة في الوقت الذي تتعاظم فيه الممارسات الصهيونية  في الضفة والقدس لتهدد الوجود الوطني برمته؟.

بداية يجب القول بأنه كان من المنتظر أن يكون للأمم المتحدة ولأمينها العام مواقف أكثر إنصافا لمعاناة الشعب الفلسطيني ليس فقط لأن الأمم المتحدة جزء من الرباعية المكلفة بعملية السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين بل لأن الأمم المتحدة واكبت القضية الفلسطينية منذ بداياتها الأولى ويعرف السيد بان كي مون بأن هناك عشرات القرارات الدولية التي تتحدث عن حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره وحقه بمقاومة الاحتلال وحقه بدولة مستقلة ،كما يعرف بأن ما أقدمت عليه إسرائيل من أفعال خلال عدوانها على غزة في نهاية ديسمبر 2008  هي جرائم ضد الإنسانية تستدعي المحاكمة لقادة الصهاينة .

إن قبول الأمم المتحدة تعويضات بعشرة ملايين دولار عن الخسائر التي لحقت بمؤسساتها في غزة يعتبر استهتارا بحياة 1400 مواطن قتلوا خلال العدوان وحوالي 4000 جريح بالإضافة للدمار في البنية التحتية للقطاع ،الأمم المتحدة ليست شركة متعددة الجنسيات لتُقَيِّم وتحسب الأمور من منظور مالي بل يفترض أنها مؤسسة دولية معنية بحفظ السلام في العالم ونصرة الشعوب المظلومة وهناك مسؤولية أخلاقية وسياسية وقانونية تقع على عاتق الأمم المتحدة تجاه الشعب الفلسطيني ,مشكلة غزة ليست إنسانية فقط، صحيح يوجد بعض  النقص في الغذاء والدواء والكساء في غزة والتعليم مدمر والمياه ملوثة والبيوت التي دمرها الاحتلال ما زالت ركاما وحرية سفر أهل غزة ما زالت مقيدة،ولكن هذه كلها تداعيات لجوهر المشكلة وهو  استمرار الاحتلال وإعاقة إسرائيل لعملية السلام والانقسام الفلسطيني الداخلي .

التركيز على البعد الإنساني للأوضاع في قطاع غزة وهو ما يجري أيضا في الضفة حيث يتم تحويل ومحاصرة الحكومة والسلطة هناك ليقتصر دورهما على الجانب الاقتصادي والمعيشي للناس، معناه إعادة القضية الفلسطينية لأكثر من خمس وأربعين سنة للوراء حيث كان يتم التعامل مع القضية الفلسطينية كقضية إنسانية يمكن التعامل معها من خلال وكالة الغوث ،ولكن هذه المرة يتم توسيع للتغطية الإنسانية لتشمل اللاجئين والمواطنين وتوسيع الجهات المُغيثة لتشمل دولا متعددة ،والأخطر من ذلك مشاركة فلسطينيين في هذا التوجه.هذا التعامل مع القضية من منظور إنساني واقتصادي يتجاهل خمسة وأربعين عاما من النضال العسكري والسياسي الذي حول القضية من قضية لاجئين لقضية سياسية لشعب خاضع للاحتلال من حقه نيل حريته،الفلسطينيون لم يعودوا جموعا من اللاجئين والمتسولين بل جماعة سياسية لها وطن محتل ومن حقها أن تعيش بكرامة في وطن مستقل.

سواء كان بان كي مون أو غيره من الوفود الأجنبية وحتى بعض الجهات الفلسطينية فليس من حقهم استغلال الأوضاع المتردية في غزة لحرف القضية الوطنية عن مسارها الحقيقي ،فالمشكلة في غزة سياسية كما أن غزة ليس أصل المشكلة فما يجري في غزة مجرد تداعيات لجوهر المشكلة وهو  تهرب إسرائيل من استحقاقات عملية السلام  وأزمة المشروع الوطني التي عمقها الانقسام، وإن كانت أطراف خارجية تريد التهرب من مسؤوليتها السياسية عن الشعب الفلسطيني بالهروب نحو القضايا الإنسانية لكونها أسهل بالتعامل ويمكن لهذه الأطراف أن تزعم بأنها قامت بواجبها من خلال بعض المساعدات ،وإن كانت أطراف من الإسلام السياسي توظف أيضا معاناة أهل غزة لترفع الحصار عن غزة لتثبيت سلطة حركة حماس ككيان سياسي منفصل عن الضفة ومجمل الوطن ، فإننا نقول بأن غزة ليست فلسطين ولا قيمة لأي كيان سياسي في غزة بمعزل عن الوطن الفلسطيني والمشروع الوطني الفلسطيني الذي يجب إعادة بناءه وليس الهروب من استحقاقاته،والذين يركزون اليوم على رفع الحصار عن غزة فقط إنما يستكملون تنفيذ خطة شارون للانسحاب من القطاع عام 2005  سواء كانوا مدركين ذلك أم لا.

مع كامل التقدير لكل من يتعاطف مع معاناة أهل غزة إلا أنه يجب الحذر من توظيف بعض الأطراف للأوضاع في قطاع غزة  لسلخ غزة عن الضفة والدفع لخلق حالة كيانية سياسية في قطاع غزة منفصلة عن بقية الأرض الفلسطينية ،هذا التوجه كان حاضرا بداية مسلسل التسوية الذي كانت أولى خطواته غزة وأريحا أولا،وكانت إسرائيل وما زالت تريده هكذا ،وهو التوجه الكامن وراء انسحاب شارون من غزة وهو التوجه الذي حكم كل الإستراتيجية الصهيونية بغض النظر عن الأحزاب الحاكمة، وحتى اليوم فهناك ربط ما بين تكثيف الاستيطان في الضفة والقدس وتزايد التعامل الدولي مع قطاع غزة والحكومة القائمة فيها ، ونرجو من الوطنيين في حركة حماس وبقية الفصائل في غزة الحذر من الوقوع في هذا المخطط حيث يبدو أن تقاطعا قد يحدث ما بين المخطط الصهيوني المشار إليه ومخطط الإسلام السياسي وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين الذين يريدون تأسيس دولة إسلامية ولتكن في غزة المدمرة ،بعد أن فشلوا في تأسيسها في أي مكان في العالم طوال سبعة عقود من وجوده.

من يعتقد أن رفع الحصار عن قطاع غزة وصيرورة غزة كيانا سياسيا مستقلا هو إنجاز وطني، فليسأل نفسه لماذا قدم الشعب الفلسطيني آلاف الشهداء والأسرى والجرحى بالإضافة إلى المعاناة والدمار خلال السنوات الأخيرة وقد عُرضت غزة على الراحل أبو عمار ورفض العرض لأنه لا يرى في غزة إلا جزءا من وطن وليس الوطن؟ من يعتقد أن رفع الحصار عن غزة وصيرورتها كيانا سياسيا إنجاز وطني فليعترف بأن ممارسته للمقاومة المسلحة ودفعه  آلاف الشباب  للموت والأسر وتعريض بنيات الوطن للدمار الخ لم يكن من أجل تحرير فلسطين بل من أجل  سلطة هزيلة في قطاع غزة .سيكون واهما من يعتقد أنه إذا ما رُفِع الحصار عن غزة ستتحول غزة لكيان وطني مستقل وتشكل قاعدة نضالية ومنطلقا لاستكمال تحرير الوطن ، فغزة التي لا تمثل سوى 1،5% من مساحة فلسطين  وسكانها الذين لا يشكلون سوى 15% من مجموع الشعب الفلسطيني ،وغزة المحاصرة من مصر  جنوبا و من إسرائيل من بقية الجهات لن يكون حالها بعد الحصار ،ولن يسمح له أن يكون ،أفضل كثيرا من حالها الراهن، إلا في حالة واحدة وهي إن قرر أهل غزة والحكومة القائمة فيها قطع صلتهم بالمشروع الوطني وبكل ما يمت بصلة للمقاومة .سيكون نهج المقاومة ورأس المشروع الوطني هو الثمن لرفع الحصار وتمكين حركة حماس من الحكم المريح في غزة .

لا شك بأن العدوان على غزة وحصارها والممارسات الاستيطانية والإرهابية الصهيونية في الضفة والقدس أحدثت تحولات إيجابيه لصالح عدالة القضية ،تحولات في موقف الرأي العام العالمي وحتى موقف حكومات أجنبية تجاه القضية الفلسطينية لأن الظلم والتعنت والإرهاب والصلف الصهيوني لم يعد من الممكن السكوت عليه ، هذه التحولات وإن كانت دون المأمول إلا أنه يمكن استثمارها ليس فقط لرفع الحصار عن غزة بل لإعادة الاعتبار للقضية الوطنية كقضية سياسية ،قضية شعب تحت الاحتلال ومن حقه نيل استقلاله والعيش بدولة مستقلة ،والكرة في ملعب القيادات السياسية الفلسطينية لتنهي الانقسام وتُغَلِب المصلحة الوطنية على المصالح الحزبية وعلى حسابات السلطة .

معادلة صعبة:رفع الحصار أم تكريس الانقسام؟ [79]

هل توجد رؤية سياسية وقانونية فلسطينية لمستقبل قطاع غزة إذا ما رُفع الحصار عنه ؟ وهل رفع الحصار يُفهم ويأخذ نفس المعنى عند القائلين به والمشاركين في حملات رفع الحصار؟ ،أم أن رفع الحصار مصطلح مراوغ يخفي من النوايا السياسية أكثر مما يظهر من الشعارات الإنسانية ؟ أسئلة تفرض نفسها ونحن نشاهد الجهد الخارق الذي تبذله حركة حماس ومن يشايعها وخصوصا من الإسلام السياسي لرفع الحصار عن قطاع غزة – حماس تسعى لرفع الحصار السياسي وليس الاقتصادي – ،ونسمع حركة فتح تعلن على لسان مسئوليها تأييدها لرفع الحصار عن غزة، دون أن يقول أي منهما ماذا سيكون عليه حال قطاع غزة بعد رفع الحصار في ظل الانقسام.

لا أحد فلسطيني أو عربي أو أي إنسان كان ،غير الصهاينة، يؤيد الحصار ولا يتعاطف مع معاناة أهل غزة ، ولكن ماذا بعد رفع الحصار عن قطاع غزة ؟ وكيف سيتم هذا الرفع؟ هل بقرار إسرائيلي؟ أم بقرار دولي؟ أم بالأمر الواقع دون أية ترتيبات قانونية كما جرى مع الانسحاب عام 2005 ؟. وهل لدى الحركتين أو السلطة أو منظمة التحرير الفلسطينية رؤية سياسية لمستقبل قطاع غزة بعد رفع الحصار، من حيث علاقته بالضفة الغربية وبالسلطة الفلسطينية وبالمشروع الوطني الفلسطيني، أو من حيث علاقته بمصر والعالم الخارجي ؟ ألا توجد خشية عند القيادات الفلسطينية بأن يشهد القطاع، في حالة كسر الحصار بقوافل السفن وغيرها ،حالة من الفوضى القانونية والحدودية قد تستغلها إسرائيل وواشنطن مجددا لفرض ترتيباتها وتصوراتها الأمنية والقانونية والسياسية  الخاصة للقطاع ولمجمل القضية الفلسطينية ؟.

لا يحاجج أحد أن أهالينا في قطاع غزة يعانون من حصار جائر فرضه العدو الصهيوني وأن من يعاني من الحصار ليس حركة حماس والتي تزعم إسرائيل أنها المستهدفة من الحصار،فحركة حماس ونخبتها باتت تعيش في بحبوحة اقتصادية تحسدها عليها  نخب سياسية عربية ،بل تفوقت في ثرائها على ثراء نخبة سلطة أوسلو طوال ثلاثة عشر عاما، وأهل غزة يلمسون ذلك يوميا ،ومُن يعاني من الحصار ليس قيادات الفصائل، فهؤلاء وعائلاتهم يتحركون بسهولة،وليس أغنياء الحصار من تجار وأصحاب الأنفاق والمهربين الخ .

إن من يعاني من الحصار هي الغالبية الشعبية من كل الشرائح التي لا تنتمي إلا للوطن : الطلبة حيث يُحرمون من الالتحاق بالجامعات الخارجية ،المرضى حيث يُحرمون من تلقي العلاج المناسب ،الأكاديميون حيث يُمنعون من التواصل مع الجامعات ومؤسسات البحث في الخارج ،أصحاب رؤوس الأموال الوطنيين  وهم يشاهدون مصانعهم يأكلها الصدأ دون أن يتمكنوا من تحديثها أو تشغيلها ، صاحب الأرض وهو يرى أرضه تُخصبها الطبيعة دون أن يتمكن من تصدير محصولها،والزوج أو الزوجة أو الإبن وهو غير قادر على الالتحاق بذويه وجمع شمله مع أسرته، كل هؤلاء إن لم يكونوا ممن تسعفهم أوضاعهم المالية على الحصول على تنسيق خاص  بدفع آلاف الدولارات أو يكونوا من نخبة حركة حماس وبقية الفصائل التي على صلة مباشرة بالمخابرات المصرية أو بسفارة فلسطين في القاهرة …،فلا حظ لهم من السفر،حتى وإن حالف الحظ بعضهم ووصل لمعبر رفح الحدودي وغادر المعبر فإنه يُقسم أغلظ الأيمان أن لا يسافر مجددا بسبب ما يلقاه من إهانة ومذلة من المصريين العاملين في المعبر .

لا غرو أيضا أن الحصار كسياسة صهيونية ليس جديدا حيث تم فرضه على السلطة بكاملها في الضفة وغزة قبل فوز حركة حماس في الانتخابات الأخيرة ، كما فُرض على الرئيس أبو عمار في المقاطعة قبل اغتياله . الجديد أن الحديث والتركيز الإعلامي يدور حول الحصار في ظل الانقسام مما يجعل مفهوم الحصار ومفهوم رفع الحصار يدخل في حيز الالتباس والتوظيف السياسي حتى بات مصطلحا مخادعا وحمال أوجه، ففيما ينظر عامة الناس في الخارج لرفع الحصار من منظور إنساني بأنه توفير متطلبات الحياة المعيشية لمواطنين في غزة من غذاء وكساء وسكن وصحة ،فإن سياسيين ،يفهمون ويمارسون على أساس هذا الفهم، رفع الحصار بمعنى الاعتراف بالحكومة القائمة في القطاع والتعامل معها كحكومة شرعية و فتح الحدود بين القطاع والعالم الخارجي.

        الجديد في خطاب الحصار اليوم تجاهل ما يجري في الضفة الغربية من ممارسات صهيونية لا تقل خطورة عن حصار قطاع غزة ، وأن الجهد الإعلامي والمالي– وخصوصا من الحركات والفضائيات المحسوبة على الإسلام السياسي – المبذول فلسطينيا وعربيا وإسلاميا ثم أصبح دوليا لرفع الحصار عن قطاع غزة يوازيه صمت وخنوع لما تتعرض له الضفة والقدس، حتى بتنا نشك بأن غزة في عيون (الإسلاميين) أكثر قدسية من القدس، فلا نسمع عن حملات شعبية عربية وإسلامية ودولية لوقف الاستيطان في الضفة وتهويد القدس،حتى حركة حماس لا تقوم بأي نشاط هناك لا مقاومة مسلحة ولا مقاومة شعبية ،وكأنها تكتفي من الوطن بغزة .لا يعني ذلك أن تستمر معاناة المواطنين في قطاع غزة لحين إيجاد حل للضفة الغربية والقدس، ولكن ما نخشاه  أن يدفع الفلسطينيون ثمن رفع الحصار عن غزة من حقوقهم الوطنية في الضفة والقدس ،وأن يكون الثمن السياسي لرفع الحصار عن غزة أقسى وأخطر من الحصار نفسه،وهذا الثمن هو تثبيت وشرعنة الانقسام .

كل فلسطيني وكل حر في العالم يريد رفع المعاناة عن غزة، ولكن، كيف يمكن تجنب أن لا تؤول جهود الصادقين والمخلصين المشاركين والداعين لرفع الحصار، لخطوة تخدم المشروع الصهيوني  وتحديدا تنفيذ المرحلة النهائية من خطة شارون لتدمير المشروع الوطني ومشروع السلام الفلسطيني ،وهو المخطط الذي بدأ بالانسحاب من القطاع في 2005 ؟. ندرك أن كثيرا من المشاركين في حملات رفع الحصار برا أو بحرا صادقون في مسعاهم ومشاعرهم وخصوصا عندما يشاهدون ما تبثه بعض الفضائيات، وبشكل مبالغ فيه أحيانا ،من مشاهد للدمار ومناشدات لمرضى وأطفال ونساء يشكون سوء حالهم،ولكن يجب الحذر من قوى سياسية فلسطينية وغير فلسطينية بدأت تتسلل لحملات رفع الحصار ليس بدوافع إنسانية ولكن لأهداف سياسية حيث ترمي لخلق حالة شعبية ورسمية ضاغطة لرفع الحصار  وآنذاك سترفع إسرائيل ومعها مصر الحصار وتفتحا الحدود ضمن شروط ، وآنذاك سيبدو رفع الحصار الذي سيُثّبت ويُشرعن الانقسام الفلسطيني وكأنه جاء نتيجة مطلب شعب فلسطيني ونتيجة جهد دولي،آنذاك سيصح المثل الذي يقول (الطريق إلى جهنم معبدة بأقدام ذوي النوايا الحسنة) .

بات واضحا أن التقدم نحو رفع الحصار السياسي عن قطاع غزة وعن حركة حماس يسير بنفس سرعة وتيرة تعزيز الانقسام و فشل المصالحة ،وإن الاقتراب من حركة حماس سواء أمريكيا أو أوروبيا ودوليا يسير بنفس وتيرة ابتعاد المصالحة الفلسطينية واستمرار وقف المقاومة وتأزم عملية المفاوضات ومجمل التسوية التي وضعت أسسها اتفاقات أوسلو،وإن سرعة التقدم نحو (دولة غزة) تساوي سرعة انهيار ممكنات قيام دولة سيادية في الضفة الغربية والقدس أو بهما وغزة معا.

رفع الحصار عن غزة ومستقبل المشروع الوطني [80]

الأحداث الساخنة والخطيرة تحتاج لعقول باردة للتعامل معها، وفي هذا السياق جاءت  القرصنة الإسرائيلية لقافلة الحرية [81] التي تمثل عنوانا ورأس حربة لرأي عام عالمي يتزايد يوميا مطالبا برفع الحصار عن غزة من منطلقات إنسانية غالبا ،وهو حدث غير منفصل عن جهود رفع الحصار المتزامنة مع فشل المفاوضات وتعثر المصالحة . الهجوم على قافلة الحرية أخذ بعداً عاطفياً انفعاليا كبيرا بسبب العنف الإسرائيلي،وبعداً دولياً بسبب وقوعه في المياه الدولية ولأن السفينة المستهدفة كانت لتركيا غير البعيدة عن الترتيبات التي تجري في المنطقة ،ولكنه لم يُثر إلا القليل من التفكير العقلاني حول مآل حملات رفع الحصار وكيفية رفعه والوظيفة الحقيقية للحملات الدولية لرفع الحصار وخصوصا في ظل استمرار الحالة الفلسطينية والعربية على انقسامها.

عندما تتقدم العاطفة وثقافة الصورة على العقل،وتتغلب الحسابات الحزبية والأيديولوجية الضيقة على حساب الرؤية الواقعية العقلانية للتعامل مع الحدث من منظور المصلحة الوطنية،آنذاك فإن الواقع سيعيد إنتاج نفسه مرارا ولكن بصورة أكثر مأساوية،أو ستكون إنجازات متواضعة لا تصب في  المصلحة الوطنية حتى وإن تم تمرير الإنجاز كانتصار من هذا الفريق أو ذاك.

مَن كان يعتقد أن قافلة الحرية [82] وغيرها من القوافل البرية أو البحرية وحدها سترفع الحصار كليا عن غزة سيكون واهما، فليس هكذا يتم حل مشكلة سياسية معقدة ،ذلك أن حصار غزة غير منفصل عن مجمل ما تتعرض له القضية من مخاطر ولا ينفصل عن السياسات الإقليمية والدولية المحيطة بالقضية. مهمة قافلة الحرية هو تسليط الأضواء على معاناة أهل غزة وتبليغ رسالة عن تأييد قطاع واسع من الرأي العام العالمي لشعب فلسطين ورفضه للاحتلال الصهيوني وممارساته ،وبالتالي يمكن القول بأن قافلة الحرية  حققت هدفها ضمن هذه الرؤية بالرغم من الثمن الباهظ الذي دفعه المشاركون فيها.أما الذين يراهنون على هذه الحملات وعلى الرأي العام فقط لرفع الحصار فسيجانبهم الصواب من حيث أن الحصار قد يُرفع اقتصاديا وإنسانيا ولكن حل أبعاده السياسية يحتاج لآليات مغايرة، وحتى من يستشهد أو يستحضر ما جرى في جنوب أفريقيا أو فيتنام – بالرغم من الاختلاف بينهما والحالة الفلسطينية- حيث كان لتحرك الرأي العام العالمي دور في محاصرة النظام العنصري في جنوب إفريقيا وفي تسريع انسحاب الولايات المتحدة من فيتنام  فعليهم التذكر بأن الأمور حسمت في الحالتين رسميا على طاولة المفاوضات بين القيادة الوطنية الموحدة في البلدين و دولة الاحتلال وبقرارات دولية.

نجحت قافلة الحرية وما سبقها من حملات مؤيدة للشعب الفلسطيني في كشف زيف المبررات الأخلاقية والقانونية الدولية للحصار وخصوصا بعد العدوان على القطاع نهاية 2008 وبداية 2009، ولكن لا يجوز أن نبالغ لدرجة الجزم بأن هذه الجهود الشعبية تكفي لكسر الحصار نهائيا أي الحصار كجزء من قضية وطنية متعددة الأبعاد. ذلك أنه مقابل هذه التوجهات الشعبية نحو كسر الحصار تقابلها تصورات مغايرة لرفع الحصار ومواقف دولية لا تتناسب مع توجهات الرأي العام و متغيرات عميقة تمس النظام السياسي الفلسطيني كنظام يقوم على وحدة الضفة وغزة جغرافيا ووحدة السلطة سياسيا ،وأهم هذه المتغيرات :-

  1. تزايد الحرج الذي تشعر به أنظمة عربية وإسلامية بسبب المواقف الشعبية المتعاطفة مع الفلسطينيين والمطالبة برفع الحصار عن غزة، و ممارسة هذه الأنظمة لعبة الهروب للأمام بمجاراة الجماهير في شعاراتها بدلا من التصرف كدول في التعامل مع مجمل الصراع في المنطقة.ويبدو أن هذه الأنظمة استحسنت التعامل مع القضية الفلسطينية من بوابة رفع الحصار عن غزة بدلا من التعامل معها كقضية صراع عربي إسرائيلي وحتى كصراع فلسطيني إسرائيلي ،فثمن سياساتها لرفع الحصار عن غزة سيكون أقل كلفة مما لو نهجت سياسة المواجهة مع إسرائيل وواشنطن.
  2. ظهور مواقف دولية تسعى لتغيير طبيعة الصراع في المنطقة من خلال تجزئة القضية الفلسطينية لقضية غزة ورفع الحصار عنها، وقضية الضفة وإيجاد حل للاستيطان ولسبل التعايش ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين هناك .
  3. فشل المصالحة الفلسطينية الداخلية حتى الآن حيث تم تعليق المصالحة على الورقة المصرية  دون التفكير بمداخل أخرى للمصالحة.
  4. تثبيت سلطة حماس في قطاع غزة كسلطة حمساوية شمولية لا تتعدى ولايتها القطاع ،وتثبيت سلطة في الضفة تحت إشراف حركة فتح كسلطة حكم ذاتي مقتصرة على الضفة ولا تتعدى ولايتها جزءا من الأرض.
  5. 5-             إفشال إسرائيل المتعمد للمفاوضات لأن هذه المفاوضات تقوم على اتفاقات تقول بالوحدة الجغرافية لغزة والضفة وبوحدة السلطة الفلسطينية وبالولاية السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية .
  6. استمرار التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل وهي تهدئة تشمل مجمل الأراضي الفلسطينية من البحر إلى النهر .
  7. اعتراف حركة حماس بدولة فلسطينية في الضفة والقطاع والاعتراف بدولة إسرائيل كأمر واقع ، وهو ما جاء على لسان السيد خالد مشعل في لقاء له مع مراسلة رويتر في دمشق يوم الأربعاء 10 كانون ثاني 2007 ، حيث قال حرفيا “المشكلة ليست أن هناك كيانا اسمه إسرائيل المشكلة أن الدولة الفلسطينية غير موجودة وهناك أمر واقع هناك إسرائيل موجودة على الأراضي الفلسطينية المشكلة أن الدولة الفلسطينية غير موجودة.” [83]

ضمن هذه المتغيرات فإن الحصار سيُرفع اليوم أو غدا، وعليه سيكون الفلسطينيون أمام مفترق طرق : إما أن يُرفع الحصار بقرار مصري منفرد أو دولي /عربي، في ظل الانقسام، أو يتم رفعه في ظل مصالحة وطنية ،والسؤال :ما هو مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني ما بعد رفع الحصار عن غزة ،والذي قد يكون قريبا وعلى مستوى فتح معبر رفح،إن لم تحدث المصالحة قبل ذلك أو لم يكن رفع الحصار ضمن صفقة فلسطينية أو عربية ،تكون المصالحة جوهرها؟.

 لنذكر مرة أخرى بأن الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة يدخل ضمن مخطط سياسي استراتيجي وبالتالي فالمخططون الإسرائيليون يريدون رفع الحصار بعد أخذ الثمن في إطار صفقة سياسية أو تسوية سياسية يجري الإعداد لها ،سيرفعون الحصار عن القطاع عند استكمال حلقات هذا المخطط الذي يحقق نجاحات على الأرض كما سبق الذكر ،أيضا هناك دول وحركات سياسية تسعى لرفع الحصار عن القطاع ولكن ضمن رؤيتها السياسية الخاصة المتعارضة مع المشروع الوطني الفلسطيني ،وهذه الجهات تعتبر رفع الحصار عن القطاع ، حتى إن أدى لتكريس فصل غزة عن الضفة وتكريس كيان سياسي منفصل في غزة، نصرا لمشروعها الإسلامي العالمي،وهذه الأطراف لا ترى في مسعاها هذا خيانة للقضية الفلسطينية بل مدخلا مغايرا للتعامل مع القضية ومع الصراع في المنطقة،ومسعى هذه الأطراف يجد قبولا تكتيكيا من مراكز قرار أمريكي.

في المقابل لا نرى أو نسمع ،لا من مسئولين سياسيين أو كتاب ومفكرين وطنيين ،عن وجود إستراتيجية فلسطينية أو تصور لمواجهة هذه المخططات ،إستراتيجية تعمل على رفع الحصار في إطار وحدة المشروع الوطني حتى وإن كان رفعا جزئيا يقتصر على فتح معبر رفح .خارج إطار الورقة المصرية التي أصبحت متجاوزة ،لم نسمع من مسئول أو حزب فلسطيني عن إجابة أو تصور لمستقبل النظام السياسي الذي يقوم على وحدة الضفة وغزة تحت سلطة واحدة لما بعد رفع الحصار عن غزة،لم نسمع عن تصور أو رؤية استشرافية لمستقبل المشروع الوطني برمته ،سواء كان مشروع السلطة أو مشروع التحرر الوطني،إذا ما تم رفع الحصار عن القطاع خارج إطار المصالحة الوطنية.

هل لأن الموضوع لم يخطر على بال أحد؟ هل لأنهم فكروا به ولا يجدوا إجابة ففضلوا الصمت ؟أم لأنهم ،أو بعضهم ،لديهم الإجابة والتصور ولكنهم لا يجرؤون على البوح به ويتركون الواقع ليفرض نفسه ويتحدث عن نفسه؟.أم أن هناك في التسوية الأمريكية القادمة إجابة على هذه التساؤلات ؟. لأننا لم نفقد ثقتنا بقيادتنا فما زلنا نراهن على إمكانية تدارك الأمر واستباق ما يُخطط من مؤامرات لتدمير المشروع الوطني ،بتجديد جلسات حوار المصالحة بسرعة و إن أقتصر جدول الأعمال على إيجاد آلية لفتح معبر رفح بما لا يؤدي لحالة قطيعة ما بين غزة و الضفة وبما يحفظ وحدة الشعب الفلسطيني ووحدانية التمثيل الفلسطيني .

حصار غزة :هذا المصطلح المراوغ[84]

يبدو أن غزة وضحايا حصارها تحولوا إلي حائط مبكى ومادة إشهارية وإعلامية لأحزاب وأنظمة سياسية لم يعد يعنيها أمر فلسطين ولا الضحايا بحد ذاتهم بل توظف المشهد والخطاب الدرامي للحصار لخدمة مشاريعها السياسية وأجندتها الخاصة.فتحت عنوان رفع الحصار عن غزة يتم إعادة صياغة القضية الفلسطينية والانقلاب على أصولها الأولى ونكران تاريخ طويل من النضال الوطني والقومي والمعاناة الأشد وقعا على الشعب من الحصار ،ويتم تجاهل وإسقاط حقوق وطنية أهم من غزة التي هي جزء من الوطن ولكنها ليست الوطن،وتحت عنوان رفع الحصار تعمل إسرائيل على أن تكون غزة البداية وغزة النهاية ،مع إخراج غزة من هويتها وكينونتها الوطنية الفلسطينية وتحويلها لورقة يخفي من خلالها البعض فشله وعجزه في القيام بواجبه القومي والإسلامي تجاه القضية المركزية فلسطين ،فيما البعض الآخر وجد في القطاع المحاصر والفقير والمدمر فرصة تاريخية لتحويله لقاعدة منطلق لمشاريع سياسية وهمية يلبسونها لبوس الدين والعقيدة ،وداخل القطاع تشكلت طبقة جديدة راكمت ثرواتها وأقامت مشاريعها الاستثمارية والاقتصادية في ظل الحصار وعلى حساب الشرائح التي تعاني حقيقة من الحصار وأصبحت هذه الطبقة الجديدة تشكل حالة مفارقة مع المشهد العام للحصار كما يتصوره الناس خارج القطاع .

        من المهم أن نبكي على ضحايانا الذين يسقطون في كل جولة من جولات الصراع مع عدو لا يخفي أنه يرغب ببناء وجوده على حساب وجودنا الوطني ولا بأس أن نُحَوِل ضحايانا من بشر وحجر لحائط مبكى نستدر من خلالهم عطف العالم ونُذكر أنفسنا من خلالهم بأننا كنا ضحايا تحولات تاريخية ودولية سارت رياحها على عكس ما تشتهي سفننا وأننا اليوم ضحايا كيان صهيوني استيطاني يتصرف وكأنه فوق كل قانون وشريعة … ،ولكن علينا أن لا ننسى في كل حفل بكاء وعويل على الضحايا الجدد أن هؤلاء شهداء وطن ومن أجل الوطن وليسوا شهداء حزب ومن أجل حزب، ولا يجوز لأحد أن يُخرج الحدث عن سياقه الوطني العام فيقيم على أشلاء الضحايا حائط بكاء خاص به وبمشروعه، قد يكون من المهم أيضا أن نخفف عن الضحايا وذويهم  المصاب ونجعل معركتهم لرفع الضيم وتخفيف المصاب جزءا من معركة الكل الوطني ،ولكن … من المهم أن نعرف كيف أصبحوا ضحايا وكيف نضمن عدم تكرار المأساة أو الأخطاء التي صيرتهم كذلك،وفوق كل ذلك كيف ننتقم لهؤلاء من الأعداء الحقيقيين ،وذلك بتحويل الضحية من حائط مبكى ومادة إعلامية وإشهارية على حساب كرامته الإنسانية  لهذا الحزب أو النظام السياسي أو لفضائيات تشتغل وكيلا عن واشنطن لخدمة أغراضها الإستراتيجية لنشر (الفوضى البناءة ) في المنطقة  …  ، إلى مواطن يتعالى على مصابه ويستنهض قواه لينتقم من جلاديه بطريقة عقلانية و ضمن إستراتيجية وطنية .

لا شك أن كل الشعب الفلسطيني ضحية الاحتلال الصهيوني الذي بدأ عام 48 وبالتالي يفترض أن يتحول كل ضحايا الاحتلال لجبهة واحدة موحدة في مواجهة العدو المشترك ،إلا أن إسرائيل نهجت إستراتيجية لتدمير وحدة الشعب والقضية بتجزئة القضية إلى قضايا متعددة تُشغل من خلالها الشعب وتجره لمسارب مواجهات تدفعه أحيانا ليواجه بعضه البعض.الحصار جزئية من إستراتيجية إسرائيلية متواصلة: سلطة بدون سيادة ،نخب سياسية مرتبطة بالاحتلال تغتني من خلال شراكتها الاقتصادية مع إسرائيل بمقدار عجزها عن إنجاز أي تقدم على مسار المفاوضات التي تقودها مع إسرائيل ،أحزاب بدون رؤية مشتركة ،اقتصاد بدون مجتمع منتج ،إنتاج بدون حرية تصدير واستيراد،تمويل خارجي مشروط ،قيود تعيق التواصل بين غزة والضفة ،انتخابات ترتد على أصولها الديمقراطية وتؤقَت بما يعزز الفتنة والصراع الداخلي، التنسيق الأمني في الضفة ،تهدئة غير معلنة مع إسرائيل في غزة،التضييق على المعابر الحدودية ،الحواجز الداخلية ،الاستيطان المستشري في الضفة ،التهويد المتعاظم للقدس ،الجدار العازل ،خطة شارون لفصل غزة عن الضفة ،اعتقال وزراء ونواب من حركة حماس ،انقلاب حركة حماس والانقسام السياسي ، إبعاد فلسطينيين من الضفة والقدس ،وأخيرا هيمنة موضوع رفع الحصار عن غزة على كل القضايا بحيث غيبت غزة الوطن. 

نستحضر كل هذه الأمور لنؤكد على أن الحصار جزء من إستراتيجية صهيونية أكثر شمولا وافتعال مشكلة الحصار في غزة هدفه إبعاد الأنظار عن جوهر القضية في الضفة والقدس وعودة اللاجئين .لا شك أن الحصار يدمر مقومات الحياة الكريمة للبشر ويدمر ممكنات بناء البنية التحتية للقطاع الذي يسكنه أكثر من مليون ونصف المليون نسمة.والحياة الكريمة ليست فقط توفير الغذاء والماء والدواء والكساء فهذه أمور متوفرة بنسبة كبيرة، وقد يرتد السحر على الساحر إذا ما استمرت حركة حماس بالتركيز على البعد الإنساني للحصار حيث إسرائيل مستعدة لإغراق القطاع بالمواد الغذائية والدواء لتنتزع هذه الورقة من حركة حماس.الحياة الكريمة أن يعيش المواطن سيدا في ظل حكومة وطنية شرعية سيدة تحترم حقوقه وتحفظ كرامته وتحترم الحريات العامة للجميع ، حكومة تستمد شرعيتها من ولاء واحترام الشعب لها وليس من توازنات إقليمية ودولية وترتيبات أمنية يفرضها العدو.كما أن البنية التحتية للقطاع ليست بناء أجهزة أمنية وسجون أو مشاريع ترفيهية ومشاريع شراء الأراضي والعقارات التي يقدر رأسمال كل مشروع بملايين الدولارات  وهي مشاريع تشكلت في ظل الانقسام ومع الحصار.

المطلوب رفع الحصار للتخفيف عن الضحايا وليس تحويل الحصار لحائط بكاء تستغله قوى سياسية لخدمة أغراض سياسية حزبية ضيقة كإقامة إمارة أو دويلة في غزة على حساب وحدة المشروع الوطني والقضية الوطنية؟ أو لخدمة نخب يتعاظم ثراؤها كل يوم يمر على الحصار حتى بات الفقر في غزة يتعايش مع طبقة رأسمالية طفيلية معنية باستمرار الحصار ولو كشعار مضلل يبرر نهجها غير القانوني وغير الأخلاقي في الثراء؟.حتى يكون رفع الحصار مطلبا وطنيا وقوميا ودوليا إنسانيا يجب أن يصب في طاحونة المصلحة الوطنية والمشروع التحرري الوطني وهذا لن يحدث إن تم فصل واقعة فرض الحصار على غزة عن مسبباتها الأولى وعن السياق العام لأزمة النظام السياسي الفلسطيني وعن الإستراتيجية الإسرائيلية التي خططت بداية لفصل غزة عن الضفة.

إن تم التعامل مع الحصار ورفع الحصار خارج السياق الوطني العام  فستتحول الدينامية الدافعة لرفع الحصار عن غزة – بغض النظر عن حسن نوايا البعض- لأداة تخدم الإستراتيجية الصهيونية، وبدلا من أن يتحول الضحايا لقوة ضمن إستراتيجية وطنية للانتقام مع العدو الحقيقي – إسرائيل- سيتحولون لأدوات أو حالة معيقة للمشروع الوطني ولورقة ابتزاز يوظفها العدو لاستكمال مشروعه الاستراتيجي وهو السيطرة التامة على الضفة والقدس وتدمير المشروع الوطني التحرري – المقاوم والسلمي – وتحويل قطاع غزة لساحة صراع فلسطيني /فلسطيني يخوض فيه الفلسطينيون الحرب بالوكالة عن أصحاب أجندة خارجية وغير وطنية.

         يبدو أن غزة ستغيِّب الوطن وأن جهود رفع الحصار ستؤدي لولادة دويلة مشوهة في غزة ، وحتى لا نكون مبالغين فلندقق بمفردات الخطاب السياسي والإعلامي اليوم:حصار غزة،الحرب على غزة، لبيك غزة ، نصرة غزة ، غزة سجن كبير، قوافل الحرية لغزة ، لجان تحقيق دولية حول غزة، حملات دولية لفك الحصار عن غزة، اجتماعات لمجلس الأمن ومنظمات دولية وإقليمية للبحث فيما يجري في غزة ومستقبلها ، مقترحات أوروبية وأمريكية وإسرائيلية للتخفيف من الحصار عن غزة أو رفعه الخ ، وشعارات وقرارات وتصورات أخرى كثيرة أصبحت تشكل منظومة متكاملة  لحالة سياسية قائمة بذاتها تسمى قطاع غزة ،منقطعة الصلة بالقضية الأصلية وهي القضية الوطنية الفلسطينية.

إذا أضفنا إلى ما سبق وجود حكومة وسلطة في القطاع تتصرف كدولة قائمة بذاتها ولا تتعدى سياساتها العامة حدود القطاع ، وقيادة سياسية لحركة حماس بدأ العالم يتعامل معها تدريجيا ليس باعتبارها ممثلة للشعب الفلسطيني وللقضية بشكل عام بل كممثلة لقطاع غزة ،حيث لا نسمع إلا نادرا أن لقاءات السيد خالد مشعل وبقية قيادات حماس مع المسئولين الأجانب الذين يلتقون بهم تتطرق لقضايا تتجاوز رفع الحصار عن غزة وعلاقة القطاع بإسرائيل وخصوصا في القضايا الأمنية.وفي المقابل فإن المفاوضات المتعثرة والتي أخذت شكل المفاوضات غير المباشرة أصبحت تقتصر على قضية تجميد الاستيطان وقضيتي المياه والأمن في الضفة الغربية فقط ،وكأن لا وجود لقطاع غزة ،أما فلسطين القضية الوطنية قضية الحرية والاستقلال الوطني فقد غابت عن الخطاب الإعلامي والاهتمام الدولي.

ضمن هذا السياق نلاحظ أن الحديث عن حصار غزه ورفعه أو تخفيفه غطى على جوهر القضية وهو الاستيطان في الضفة وتهويد القدس ومأزق التسوية وتهرب إسرائيل من التزاماتها ،كما غطى على المقاومة العسكرية والسلمية خطابا وممارسة،وبدلا من أن تدفع ديناميكية دعوات رفع الحصار التي أوجدها رأي عام عالمي يتزايد في تأييده ودعمه للفلسطينيين إلى التسريع بالمصالحة زادت من تعقيد ملف المصالحة وجعلتها أبعد منالا .نلاحظ أيضا أن غالبية الحديث عن رفع الحصار بات منبت الصلة بجوهر القضية الفلسطينية حيث الحديث يدور عن رفع الحصار عن غزة بما يكرس فصلها عن الضفة وتأبيد حالة القطيعة بين الطرفين أما الرؤى التي تسعى لتزامن رفع الحصار مع المصالحة بما يحافظ على وحدة الشعب والأرض فهي شبه غائبة.

رفع الحصار أم إعادة رسم الخارطة السياسية في المنطقة؟[85]

هناك صراع بين عدة رؤى للحصار ورفعه وسيرتبط مصير قطاع غزة والقضية الفلسطينية بشكل عام بغلبة أحد هذه الرؤى على غيرها أو توافق بعضها على حساب الرؤى الأخرى . وعندما نتحدث عن رؤى فليس المقصود مجرد تصورات نظرية لمثقفين أو مفكرين أو رجال سياسية، بل كل رؤية تعبر عن مشروع سياسي للصراع ولمستقبل القضية الفلسطينية، وفي هذا السياق يمكن رصد عدة رؤى أو مشاريع تتعلق بالحصار وأهدافه وما بعد رفع الحصار :-

  1. التفسير والرؤية الإسرائيلية:الحصار جزء من خطة شارون لتدمير المشروع الوطني.

مع أن الحصار سياسة إسرائيلية متواصلة حيث سبق فرض إسرائيل الحصار على غزة أن فرضته على كل مناطق السلطة وعلى الرئيس أبو عمار .حصار غزة بدأ بعد انتخابات يناير 2006 التي أوصلت حماس لسدة السلطة ثم تعزز وأصبح شاملا بعد خطف الجندي شاليط واستكملت حلقاته بعد انقلاب حماس على السلطة الفلسطينية وتفردها بحكم غزة الأمر الذي استغلته إسرائيل لتعلن غزة كيانا معاديا.إسرائيل تبرر الحصار علنا باعتبارات أمنية فيما تخفي الحقيقة وهي أن الحصار وشروطها لرفعه أو تخفيفه يندرج ضمن مخطط لفصل غزة عن الضفة وتدمير المشروع الوطني الفلسطيني المبني على الشرعية الدولية والاتفاقات الموقعة في إطار عملية التسوية والتي تعتبر غزة والضفة وحدة جغرافية واحدة.إسرائيل لن تستمر إلى ما لا نهاية بفرض الحصار ولكنها تريد تحقيق أهداف من الحصار على غزة وثمنا مقابل رفعه ،وقد حققت كثيرا من أهدافها وعلى رأسها تدمير البنية التحتية المادية والاجتماعية والنفسية لأهل القطاع الذين كانوا دوما حاضنة المقاومة والمشروع الوطني ،أيضا إبعاد الأنظار عن المعركة الأساسية وهي تحرير الضفة والقدس ،أيضا التهرب من استحقاقات التسوية السلمية،وإضعاف الرئيس أبو مازن على طاولة المفاوضات، والهدف الذي لا يقل أهمية هو وقف المقاومة المسلحة وخصوصا من طرف حركة حماس حيث مع الحصار والانقسام تحول الجهد الرئيس لحركة حماس نحو تثبيت سلطتها في القطاع ورفع الحصار عنه .

 أما الثمن مقابل الرفع النهائي للحصار فسيكون في إطار صفقة شاملة تتضمن إطلاق صراح الجندي شاليط ووقف المقاومة مع ضمانات دولية وعربية كوجود مراقبين أو قوات دولية وضمان عدم العودة للمصالحة  أو التواصل مع الضفة وأن تتحول غزة لكيان سياسي قائم بذاته في إطار تسوية نهائية وقد تكون هذه الدولة هي المشار إليها في خطة خارطة الطريق . وفي هذا السياق نستحضر مخطط اقترحه مستشار الأمن القومي الإسرائيلي الأسبق غيورا أيلاند بتوسيع قطاع غزة نحو سيناء وذلك بضم 720 كلم من سيناء إلى القطاع في إطار تسوية إقليمية شاملة ،إلا أن سقوط الرئيس ألإخواني محمد مرسي أفشل هذا المخطط .

  • تفسير ورؤية اللجنة الرباعية:انصياع للرؤية الصهيونية وتغطية على فشل التسوية .

تقاطعت رؤية الرباعية – وهي نفسها رؤية الأمم المتحدة حيث هذه الأخيرة جزء منها-  في بداية فرض الحصار مع الرؤية الإسرائيلية ،إلا أن الرباعية كانت تنظر للحصار كإجراء مؤقت يمكن أن ينتهي إذا ما التزمت حركة حماس بشروط الرباعية المعروفة وهي الاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات الموقعة وبعملية السلام بما هي حالة متعارضة من وجهة نظرها مع المقاومة المسلحة. فيما بعد ظهرت توجهات للتخفيف من الحصار وللتواصل مع حركة حماس مع بداية اتصالات سرية وعلنية ما بين مسئولين من حماس ومسئولين أوروبيين وهو تواصل تزامن مع وقف حركة حماس للمقاومة المسلحة ومع صدور تصريحات متعددة من قادة حركة حماس تقول بالاعتراف بإسرائيل كأمر واقع والقبول بدولة في الضفة وغزة .

بعد جريمة أسطول الحرية نشط الدور الأوروبي وظهرت تصريحات متعددة تطرح أفكارا  لرفع الحصار ولكن بصياغات عامة وحذرة  منها تصريحات للرئيس الفرنسي ساركوزي وآخرها ما أعلنه يوم 11 يونيو 2010 وزير الخارجية الإسباني ميغيل انخيل موراتينوس عن نيته تقديم خطة للاتحاد الأوروبي لمناقشتها داخل اللجنة الرباعية بهدف رفع الحصار عن قطاع غزة من خلال بعثة مراقبة أوروبية للمعابر مع إسرائيل ومصر، ونشر قوة بحرية أوروبية لمراقبة شواطئ غزة.وأوضح موراتينوس أنه سيقدم للممثلة الأعلى للسياسة الخارجية الأوروبية كاثرين آشتون في الاجتماع المقبل للشؤون الخارجية الأوروبية في الرابع عشر من نفس الشهر، خطة تهدف إلى إطلاق ‘مبادرة أوروبية بالتشاور مع إسرائيل وكافة الأطراف حتى لا يتكرر ما حدث مع قافلة الحرية.

3..الرؤية الأمريكية:رفع حصار اقتصادي وسياسي مؤقت تمهيد لتسوية تؤسس على واقع الفصل.     

بالرغم من أن واشنطن جزء من الرباعية إلا أن واشنطن تُعتبر المقرِر النهائي للتسوية ولمجريات الأمور في الشرق الأوسط ، وصحيح أن تحالفا استراتيجيا يربط واشنطن بتل أبيب وبينهم توافق في الرؤى حول غالبية قضايا الشرق الأوسط ،إلا أن لواشنطن مصالحها وتصوراتها الإستراتيجية التي لها السبق حتى على تصورات ومصالح الحكومات الإسرائيلية لكون واشنطن تعرف أن تصورات الحكومات الإسرائيلية تخضع أحيانا لتجاذبات الأحزاب السياسية ولاعتبارات انتخابية،وعليه فواشنطن تبلور تصورا لرفع الحصار يرتبط برؤيتها الشمولية للصراع وللتسوية في المنطقة.

بعد لقاء الرئيس أبو مازن مع الرئيس اوباما منتصف يونيو 2010  تم التطرق لرفع الحصار عن غزة ارتباطا بالتسوية،ولكن يبدو أن التصور الأمريكي لرفع الحصار عن غزة قريب مما تريده إسرائيل ومن هنا نجد أوجه شبه ما بين الشروط الإسرائيلية والشروط الأمريكية التي طرحها نائب الرئيس الأمريكي بايدن على الرئيس المصري أثناء اللقاء به مؤخرا كما ذكرت وكالات الأنباء ،وعناصر هذه الرؤية: نشر قوات دولية على حدود قطاع غزة مع إسرائيل،وقف إطلاق نار دائم وشامل بين إسرائيل وحركة حماس، تواجد قوات أمن من السلطة الوطنية الفلسطينية على المعابر بين إسرائيل وقطاع غزة وكذا معبر رفح، أما مآل قطاع غزة فيبحث من خلال قدرة حركة حماس على ضبط الأمن بالمفهوم الأمريكي والإسرائيلي بطبيعة الحال،مقابل ذلك تبدي واشنطن استعدادا لدعم اقتصادي لغزة وتحسين شروط الحياة لسكانها.

من الملاحظ أن هذا التوجه الأمريكي إجراء مؤقت لحين نضوج شروط التسوية النهائية محل البحث والتي ستؤسس كما ذكرنا على واقع الفصل بين غزة والضفة ، وبالتالي فرفع الحصار عن غزة يصب ضمن منظور تحسين شروط الحياة لأهل غزة كما هو الحال في الضفة ، وبالتالي وإلى حين إنجاز التسوية النهائية ،سيتم تمرير السلام الاقتصادي مقابل الأمن في غزة كما هو الحال في الضفة ،على حساب السلام السياسي المؤَسِس لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة.

4. رؤية وتفسير جماعات الإسلام السياسي: رفع الحصار انتصار لمشروع إسلامي .

جماعات الإسلام السياسي والجماعات الدينية الإسلامية الأخرى وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين ،سواء كان تحركهم ضمن قوافل ومهرجانات كسر الحصار التي تتحرك تحت عناوين أجنبية أو تحت راياتها الخاصة،تنظر للحصار باعتباره عقابا صهيونيا وغربيا موجها لحركة حماس لإسقاطها من السلطة في القطاع أو حرمانها من حق انتزعته عبر انتخابات ديمقراطية ،وبالتالي ترى هذه الحركات أن المُستَهدَف هو المشروع الإسلامي أو النهضة الإسلامية والتي تعتبر حركة حماس رأس حربتها أو عنوانها في فلسطين. إذن هدف الحصار من وجهة نظر هذه الجماعات ،إما القضاء على حركة حماس أو إجبارها على الخضوع للشروط الإسرائيلية وعلى رأسها الاعتراف بإسرائيل.

ومن هنا تروِّج هذه القوى لمعركة رفع الحصار عن غزة ليس كجزء من مواجهة بين المشروع الوطني الفلسطيني وإسرائيل بل معركة بين المشروع الصهيوني المتحالف مع الغرب الصليبي وحلفائهم في المنطقة من جانب، والمشروع الإسلامي من جانب آخر، مع قدرة فائقة على توظيف الإعلام والرأي العام العالمي ،وتوظيف انتقائي للشرعية الدولية . وبالتالي فإن كسر الحصار عن غزة وتثبيت الحكومة الحمساوية الإسلامية فيها هو الهدف الرئيس لهذه الجماعات حتى وإن كان الثمن النهائي لرفع الحصار عن غزة نهاية المشروع الوطني بكل مكوناته وتاريخه ، فالانقسام وتكريس حالة سياسية في غزة منفصلة عن الضفة وهو ما يعتبره أصحاب المشروع الوطني نهاية وتدميرا للمشروع الوطني،يمثل بالنسبة لجماعات الإسلام السياسي نصرا لمشروعهم السياسي الإسلامي،وبالتالي ما يعتبره الوطنيون خسارة تعتبره جماعات الإسلام السياسي نصرا وتمكينا.ومن هنا نلاحظ الدور الفاعل والنشط عالميا لجماعات الإسلام السياسي في حملات رفع الحصار حتى بات شعارهم ليس نصرة فلسطين أو نصرة الأقصى بل (نصرة غزة ) و (لبيك غزة)، ما يريدونه وما يشغلهم أولا هو رفع الحصار السياسي عن حركة حماس وحكومتها وليس الحصار الاقتصادي والإنساني وليس إنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني الذي يريدون إقامة مشروعهم على أنقاضه.

5. تفسير ورؤية الرأي العام الشعبي العالمي :عطاء دون مقابل

تحركات الرأي العام العالمي الشعبي والمنظمات الحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني المُطالبة برفع الحصار تأتي في سياق مواقف مبدئية لهذه الجهات في دعم القضايا العادلة . هؤلاء يؤيدون القضية الفلسطينية بشكل عام لأنها قضية عادلة،حيث المطالبة برفع الحصار توجه مجرد من أي دوافع سياسية أيديولوجية ،فهناك شعب فلسطيني له قضية عادلة يناضل ويعاني منذ أكثر من ستين عاما ولم يترك بابا من أبواب السلام والحوار والاستنجاد بالشرعية الدولية إلا وطرقه، ولم يترك وسيلة من وسائل المقاومة إلا ونهجها ،في مواجهة دولة مدججة بالسلاح وبالفكر العنصري وبالممارسة الإرهابية ،دولة ترفض دعوات السلام وتقمع المناضلين والمقاومين وتمارس كل يوم جريمة بحق الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة وفي الشتات ،وقد وصلت العربدة الصهيونية لدرجة مهاجمة سفن مسالمة في عرض المياه الإقليمية .

ضمن هذه الرؤية المؤيدة لفلسطين القضية العادلة كان تحرك غالبية الناشطين الأجانب لرفع الحصار عن غزة وجزء من هؤلاء شاركوا في حملات احتجاجية ضد الاستيطان في الضفة وساندوا شعوبا أخرى تناضل من أجل الحرية والاستقلال .بالتأكيد جزء كبير من هؤلاء النشطاء لا تشغلهم كثيرا الخلافات الفلسطينية الداخلية وبالتالي لا ينحازون لفريق ضد الآخر ومن الظلم القول بأن هؤلاء يرمون لفصل غزة عن الضفة أو تكريس الانقسام ،كل ما يريده هؤلاء رفع المعاناة عن أهالي قطاع غزة أما ما بعد ذلك فهذه قضية فلسطينية داخلية متروكة للفلسطينيين أنفسهم.

6.  النظام الرسمي العربي والإسلامي :غياب رؤية مشتركة، ومواقف انتهازية

   ما يثير القلق والغضب هو مواقف الأنظمة العربية والإسلامية كدول منفردة أو من خلال جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي . وجدت هذه الأنظمة في دعوات رفع الحصار والتعاطف الشعبي مع معاناة أهل غزة فرصة لركوب الموجة والظهور بمظهر من هو قريب من الحس الشعبي بل بعض الأنظمة العربية والإسلامية زايدت على الجماهير في الشعارات وفي الهروب إلى الأمام نحو تمويل قوافل رفع الحصار وتغطيتها إعلاميا.

تتناسى هذه الأنظمة والمنظمات أن فلسطين عضو كامل العضوية في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ،وتتناسى أن القضية الفلسطينية قضية قومية عربية وقضية إسلامية بل إن منظمة المؤتمر الإسلامي تشكلت على إثر حريق المسجد الأقصى عام 1969 ،وتتناسى هذه الأنظمة والمنظمات أن غزة ليس فلسطين وأن المعركة الأساسية ليس رفع الحصار عن غزة بل إنهاء الاحتلال الصهيوني للأراضي المحتلة عام 1967 على أقل تقدير كما تقول مبادرتهم للسلام ،لأن الوضع في غزة من تداعيات الصراع مع إسرائيل ومن تداعيات الانقسام الفلسطيني .

أن تختزل هذه الأنظمة مساعيها لتصبح مجرد العمل على تخفيف الحصار إنما يشكل هروبا من مسؤولياتها القومية والإسلامية بتسجيل انتصارات وهمية،هروب من المعركة الحقيقية إلى معركة افتعلتها إسرائيل بداية وتريد من الآخرين أن تكون معركتهم ،معركة ستكون إسرائيل المنتصرة فيها حتى وإن ادعى الآخرون النصر، ذلك انه حتى وإن نجح العرب والمسلمون في كسب معركة رفع الحصار عن غزة خارج سياق المصالحة الوطنية وخارج وحدة المشروع الوطني ،فهذا النصر وبالرؤية الإستراتيجية التي خططت لها إسرائيل هو نصر لإسرائيل،لأن إسرائيل بداية أرادت إبعاد الأنظار عن المعركة الأساسية في الضفة والقدس واختزال فلسطين بغزة وأن يصبح رفع الحصار عن غزة مطلبا شعبيا ورسميا عربيا ودوليا تنصاع له إسرائيل في النهاية ولكن ضمن شروطها التي ستكون متضمنة في مبادرة أمريكية أو دولية لرفع الحصار.

من الواضح أنه لا توجد رؤية عربية مشتركة لرفع الحصار عن غزة ، فما دامت الأنظمة منقسمة ما بين دول (ممانعة) ودول (اعتدال) ،وما دامت هذه الأنظمة  منقسمة وتتوزع ما بين  محاور إقليمية ودولية،وما دام لها مواقف مختلفة فيما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل…، فستبقى دعوات رفع الحصار والاستعداد لتسيير قوافل لغزة مجرد مزايدات وكنوع من رفع الحرج بعد ما  جرى لأسطول الحرية وحالة النقمة العالمية على إسرائيل. لو كانت الأنظمة العربية والإسلامية صادقة تجاه الفلسطينيين وتريد رفع الحصار بما يخدم القضية الفلسطينية ،ما كانت بحاجة لإرسال قوافل ومتطوعين وإطلاق تصريحات نارية كنيران ألعاب الأطفال، وما كنا بحاجة لزيارات المسئولين ، لو كانت النوايا صادقة لدعت جامعة الدول العربية لقمة تتخذ قرارا بالإجماع وملزما برفع الحصار عن غزة وبإنجاز المصالحة الفلسطينية ،نفس الأمر بالنسبة لمنظمة المؤتمر الإسلامي ، فمن المعروف أن الذين يحاصرون غزة والذين يغذون حالة الانقسام ويمنعون المصالحة ،أعضاء إما في منظمة العالم الإسلامي أو في جامعة الدول العربية،صحيح أن هناك إسرائيل والرباعية ،ولكن لو توفرت الإرادة العربية والإسلامية لكانت قدرة إسرائيل والرباعية على الاستمرار بالحصار وإعاقة المصالحة أضعف مما هي عليه.7

7. الرؤية الوطنية للحصار وما بعد الحصار : الرؤية المُغيبة

الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات والذي يقَدَر بـ 12 مليون نسمة، ليس الأحزاب والحركات السياسية ، فهذه مجتمعة لا تمثل أكثر من نصف الشعب الفلسطيني وحتى المنتمون لهذه الأحزاب لا يُقرون سياسة أحزابهم بالمطلق ،هذه الأحزاب التي بدأت تضعف بفعل ارتباطاتها بأيديولوجيات غير وطنية أو بأجندات دولية .الشعب بغالبيته بما فيه الذين يعانون من الحصار يشعر بالمؤامرة التي تحاك ضد قضيته الوطنية وهو يدرك أن أطرافا فلسطينية مستفيدة من حالة الانقسام ومستفيدة من الحصار وإن الأحزاب والحركات السياسية إن لم تكن مستفيدة ومتواطئة فهي عاجزة عن وقف سيرورة الانقسام وصيرورته المدمرة للمشروع الوطني،وبالتالي فالشعب عندما يخوض معركة رفع الحصار ويطالب برفعه إنما كجزء من نضاله الوطني الشامل سواء في غزة أو في الضفة أو في الشتات بل وجدنا فلسطينيي الداخل على رأس من يخوض معركة رفع الحصار بنفس الحماس الوطني الذي يدفعه لخوض معركة الدفاع عن القدس .

الرؤية الوطنية لرفع الحصار تؤسس على مصالحة وطنية يكون رفع الحصار جزءا منها والشعب يدرك لو أن نخب السلطة في غزة والضفة  قررت تغليب المصلحة الوطنية على حساب مصالحها الخاصة وارتباطاتها الداخلية لكان من الممكن إنجاز المصالحة ورفع الحصار أو على الأقل تعطيل المخططات المعادية والتي تريد توظيف رفع الحصار عن غزة لخدمة مصالح الشعب.والشعب الفلسطيني في الضفة يشعر بمعاناة فلسطينيي غزة بقدر ما يشعر فلسطينيو غزة بمعاناة أهلهم في الضفة الذين يعانون ويتعرضون لمخاطر أكثر مما تتعرض له غزة ،يتعرضون للاستيطان والتهويد والحواجز ، وبالتالي هناك مصلحة مشتركة بالتخلص من الخطر المشترك وهو الاحتلال ،والتخلص من الاحتلال لا يكون إلا برد الاعتبار للمشروع الوطني الذي يسمو على الأحزاب وعلى الحكومات.

كانت وما تزال مراهنتنا أن تتغلب الرؤية الوطنية العقلانية الحريصة على المصلحة الوطنية، مصلحة كل الشعب وكل الوطن على الرؤى الأخرى ،ولا نعتقد أن شعبنا تعوزه العقول القادرة على اجتراح حلول إبداعية لرفع الحصار عن غزة ومواجهة الاستيطان والتهويد في الضفة من خلال تقاسم وظيفي وطني يبدأ بجهود فلسطينية مشتركة لرفع الحصار عن غزة وجهود فلسطينية مشتركة لمواجهة الاستيطان والتهويد في القدس مع الاشتغال على إعادة بناء المشروع الوطني .اليوم تتوفر فرصة تاريخية لا تعوض وهي المأزق الصهيوني وحالة الرفض الشعبي الدولي لسياساته والتعاطف المتزايد مع عدالة القضية الفلسطينية ،العالم مستعد ليخطو خطوات أكثر أهمية لرفع الحصار ومواجهة الإرهاب الصهيوني ودعم القضية الفلسطينية في كل أبعادها إذا ما وجد حاضنة وطنية فلسطينية تمثل الكل الفلسطيني ،هذه الحاضنة هي مشروع وطني تحرري بأهداف واستراتيجيات عمل واضحة ومحل توافق الجميع .إن لم نبتهل هذه الفرصة التاريخية فسرعان ما سيضعف هذا الهيجان الشعبي والتعاطف الدولي لأن الرأي العام حالة متقبلة ،وقيمته تكمن في القدرة على توظيفه لحظة تأججه وحراكه،وقد سبق أن تحرك الرأي العام العالمي لصالحنا مرات عدة كان آخرها أثناء العدوان على غزة في يناير 2009  ولم يؤدي هذا الحراك لحماية أهل غزة من الدمار الصهيوني ولا لبناء ما تم تدميره ولا لرفع الحصار عن غزة بسبب الانقسام الداخلي .

حتى لا يكون ثمن رفع الحصار أسوأ من الحصار [86]

        حتى لا يبني البعض أمجاداً وانتصارات وهمية على أشلاء المشروع الوطني الفلسطيني حذرنا من دعوات رفع أو تخفيف الحصار عن قطاع غزة خارج إطار المصالحة وخارج سياق وحدة المشروع الوطني . بات واضحا بأن المعركة المتشعبة الأبعاد التي عنوانها رفع الحصار عن قطاع غزة تُخفي مخططات ترمي لإعادة تعريف وصياغة مفردات القضية الفلسطينية لإخراجها من سياقها الحقيقي كحركة تحرر وطني تسعى لتحرير فلسطين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين ،وتحويلها بدلا من ذلك لمجرد قضية إنسانية لأهالي قطاع غزة يمكن حلها برفع أو تخفيف الحصار أو قضية اقتصادية ومعيشية لسكان عرب في الضفة والقدس يمكن حلها بما يسميه نتنياهو وبلير بالحل الاقتصادي تمهيدا للتقاسم الوظيفي مع الأردن .

عليه فإن المقياس على الالتزام بفلسطين شعبا وأرضا من أي حزب أو دولة أو شخص وسواء كان التزاما باسم  الوطنية أو القومية أو الإسلام لا يكون فقط من خلال المناداة برفع الحصار عن غزة أو تسيير قوافل لرفع الحصار أو حتى بالصدام مع إسرائيل لرفع الحصار عن غزة ، بل من خلال الالتزام بالقضية الفلسطينية حسب أصولها وتعريفها الأول كحركة تحرر وطني لكل الشعب ولكل فلسطين وكحد أدنى تحرير الضفة والقطاع وقيام الدولة. أما الدول والأنظمة التي تملك الجيوش والإمكانيات الاقتصادية والعسكرية والتحالفات الدولية والتي تثور وتهيج وترعد وتزبد مطالبة برفع الحصار عن القطاع فعليها ألا تخفي تقاعسها وتواطؤها تحت شعار رفع الحصار عن غزة ،معركة رفع الحصار عن غزة معركة مؤسسات مجتمع مدني ومنظمات حقوقية وقانونية دولية ومعركة جماهير شعبية، أما الدول والأنظمة العربية والإسلامية فمعركتها الأساسية يجب ألا تقتصر على رفع أو تخفيف الحصار عن غزة بل يجب أن توجه لإنهاء احتلال القدس والضفة وغزة ،رفع الحصار عن قطاع غزة كمطلب وطني وقومي وإسلامي وإنساني ملح،وسواء كان  بجهود تركية أو عربية أو دولية  لن يُسقط المسؤولية عن العرب والمسلمين تجاه فلسطين لأن القضية الفلسطينية لن تنتهي برفع الحصار عن غزة،ولأن غزة ليست فلسطين،فلا يبني أحد أمجاده على أشلاء المشروع الوطني التحرري الفلسطيني.

 نعم … يجب رفع الحصار عن غزة،ولكن ألم تلاحظوا أن مشكلة غزة غطت على القضية الفلسطينية ،غطت على الاستيطان في الضفة وتهويد القدس، كما سبق وأن غطت اتفاقات أوسلو على يافا وحيفا والجليل وعكا وعلى قرارات وحقوق تُقر بها الشرعية الدولية ؟ ألم تلاحظوا أن الحديث عن رفع الحصار يسير طرديا مع تراجع المصالحة وتعزيز الانقسام وتوقف المقاومة وتعثر مفاوضات السلام؟ فهل غزة أهم من الضفة والقدس؟ ومتى كانت دولة غزة مطلبا وهدفا وطنيا فلسطينيا ؟ لماذا ذاكرتنا ضعيفة بحيث ننسى بسرعة أن إسرائيل عرضت قطاع غزة على الرئيس أبو عمار أكثر من مرة ليقيم عليه دولة مستقلة مقابل تأجيل البحث في القضايا الأساسية كالقدس والضفة واللاجئين ولكنه رفض ذلك لأن القضية أكبر من غزة؟ ألم تلاحظوا أن الجميع يتحدث عن رفع الحصار عن غزة ولكنهم لا يتفقون على تفسير وتعريف مفهوم الحصار وكيف سيُرفع الحصار عن غزة وما بعد رفع الحصار؟ إن الخشية أن يكون ثمن رفع الحصار بالحسابات الوطنية أسوأ وأشد وطأة من الحصار نفسه.

كانت نشوة الانتصار السابقة لأوانها التي انتابت حركة حماس بعد تداعيات جريمة مهاجمة أسطول الحرية وحالة الإرباك في تصريحات ومواقف حركة فتح من الحصار وما بعد رفعه ، تدلان على أن العواطف والحسابات الحزبية الضيقة المنقطعة الصلة بالرؤى الوطنية الإستراتيجية بعيدة المدى ما زالتا الموجه لعمل هاتين الحركتين .حركة حماس لم تحقق نصرا يبرر نشوة النصر التي تشعر بها والبادية على وجوه قادتها ومن خلال تصريحاتهم وهي نشوة دفعتها لقطع الطريق على كل يد ممدودة للمصالحة، كما أن المشروع الوطني التحرري الذي شكل لازمة لحركة فتح ،وهو المشروع الذي يؤكد على وحدة الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة وفي الشتات ويؤكد على رفض الانقسام وأولوية المصالحة على غيرها من الترتيبات سواء التي تخص غزة أو الضفة ، لم ينتهي هذا المشروع حتى يفكر البعض في حركة فتح ومنظمة التحرير بنفض اليد من معركة تحرير الضفة والقدس ونقل معركتهم لغزة والبحث عن نصيب في حكمها بعد رفع الحصار،لم ينته المشروع الوطني حتى يخفي البعض في فتح والمنظمة فشلهم وعجزهم بركوب موجة رفع الحصار عن غزة .

بالرغم من عدم شرعية حصار غزة وصيرورة المطالبة برفعه قضية رأي عام عالمي ،إلا أن القائلين برفع الحصار لا يتشاطرون نفس الرؤية لطبيعة الحصار على غزة ولكيفية رفعه ولمستقبل قطاع غزة بعد رفع الحصار .صحيح أن دوافع إنسانية تقف وراء مطالب بعض الحركات الشعبية المطالبة برفع الحصار حيث لا يرى هؤلاء في رفع الحصار إلا البعد الإنساني والرغبة في التعبير عن رفض السياسة الصهيونية بشكل عام ،وصحيح أيضا أنه ليس مطلوبا من المتعاطفين مع الحالة الإنسانية في القطاع الغوص في تفاصيل القضية الفلسطينية ومناقشة الأبعاد الإستراتيجية الكامنة وراء فصل غزة عن الضفة ووراء رفع الحصار بمعزل عن  المصالحة الوطنية وعن مجمل القضية الوطنية ،وصحيح أيضا أن هذه الجماهير والدول المؤيدة لرفع الحصار عن غزة تستحق كل شكر وتقدير لتلمسها عدالة القضية الفلسطينية وفضحها للطبيعة الإرهابية للنظام الصهيوني ووضعها قضية رفع الحصار محل الصدارة في الاهتمامات الدولية ، ولكن ،يبدو أن شعار رفع الحصار تحول لمصطلح مراوغ وحمال أوجه ،تفسره وتتعامل معه  أطراف متعددة كل منها حسب تفسيرها للحصار وتفسيرها لرفع الحصار وللثمن المطلوب مقابل رفع الحصار.

إن لم يتدارك الفلسطينيون والعرب الأمر بسرعة ويوحدوا رؤيتهم لمفهوم رفع الحصار والسياق الوطني والقومي لرفعه فإن الحياة ستدب في جسد شارون الميت الحي عندما يسمع أن إسرائيل قبضت ثمن رفع الحصار عن غزة وهو تكريس فصل غزة عن الضفة وإنهاء  وحدة وتواصل غزة والضفة تحت راية سلطة وحكومة واحدة وبالتالي تدمير المشروع الوطني ،لان هذا كان هدف شارون عندما انسحب من القطاع عام 2005 وأبقى الحصار عليه . فهل سنستكمل بأيدينا خطة شارون ؟.

الفصل الرابع

الربيع العربي يكشف مستور (انقلاب حماس)

 مع أن اندلاع الثورات في تونس ومصر وغيرها من البلدان أحدث ارتباكا مؤقتا في إسرائيل وضخم من مراهنات بعض قوى الإسلام السياسي ومنها حركة حماس الحاكمة في قطاع غزة ، إلا أن المفارقة الخطيرة التي تسترعي التوقف عندها ، أنه في زمن ما يسمى بالربيع العربي يتزايد النفوذ الأمريكي والغربي في المنطقة العربية بحيث لم تعد ولو دولة واحدة خارج إطار هذا النفوذ !، وأنه في زمن ما يسمى بالربيع العربي يزداد الاستيطان الإسرائيلي والتهويد في الضفة والقدس وتدنيس المقدسات بشكل غير مسبوق،كما يزداد الوضع المالي والاقتصادي تدهورا ، بل حتى الجهود العربية لإتمام المصالحة الفلسطينية وإنهاء الانقسام توقفت؟!. لم يعد مجالا للشك أن الانقسام الذي يؤسس لإمارة أو دولة غزة جزء من الإستراتيجية التي أشرنا إليها وإنجاز متقدم لما يسمى (الربيع العربي) ولذا تعمل كل القوى الفاعلة في المعادلة المُشار إليها على تكريس الانقسام. 

أولا : الانقسام جزء من معادلة إقليمية جديدة

كسر الحصار و دولنة غزة [87]

بعد الجولة الخارجية في يناير 2012 للسيد إسماعيل هنية رئيس وزراء حكومة غزة قال المستشار السياسي لهنية يوسف رزقة وكذلك الناطق الرسمي باسم حركة حماس سامي أبو زهري: إن هذه الزيارة التي أستُقبِل فيها هنية استقبال رؤساء الدول كسرت الحصار المفروض على غزة !. والسؤال ماذا بعد كسر الحصار على غزة إن كُسر بالفعل؟ وهل القول بكسر الحصار يعني أن غزة لم تعد خاضعة للاحتلال الإسرائيلي؟ وما هو التكييف القانوني الدولي لوضع قطاع غزة الآن؟. قبل الإجابة على هذه الأسئلة يجب التأكيد على أن تفكيك الحصار عن القطاع وإعادة تعميره مكسب لأهل غزة، وأن من حق إسماعيل هنية أن يصول ويجول في العالم لأنه يمثل حركة فازت في انتخابات تشريعية أو لأنه يمثل حركة مقاومة كما يقول، ولكن،حسابات الانجازات الصغيرة يجب أن لا تنسينا الحسابات الإستراتيجية المتعلقة بمجمل القضية الفلسطينية أو تكون على حسابها ، فغزة ليست فلسطين ولا نريد أن تُغَيِب غزة فلسطين. 

أحداث متزامنة تشهدها القضية الفلسطينية كلها تصب في صيرورة تكريس فصل غزة عن الضفة ودولنة قطاع غزة بحيث باتت دولة أو إمارة  غزة تنتظر من يقرع الجرس ويعلن قيامها أو الاعتراف بها رسميا. إنه مخطط تتوالى حلقاته وتتكشف تفاصيله لكل حصيف ومتابع إلا لمن لا يريد أن يرى الحقيقة ،أو يراها ولا يريد أن يعترف بها حتى لا يكشف فشله أو تواطئه: تواطؤ المشارك في المخطط بداية أو المستفيد منه لاحقا.

ففي الوقت الذي تتعثر فيه التسوية السياسية ويتعاظم الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس و يتم التضييق إسرائيليا على السلطة في الضفة وتغيير وظائفها من خلال العمل على تجريدها من كل مظاهر السيادة الوطنية،وفي الوقت الذي تتعثر فيه المصالحة أو تتحول في أفضل الاحتمالات إلى مصالحة إدارة الانقسام،وفي الوقت الذي تمنع إسرائيل غالبية شعبنا من التنقل ما بين غزة والضفة، وفي الوقت الذي يعلن فيه الاتحاد الأوروبي بأن ما تقوم به إسرائيل في الضفة من ممارسات يجعل من المستحيل إنجاز حل دولة غزة والضفة ؟ … في هذا الوقت قام رئيس وزراء حكومة غزة بجولة خارجية سماها الناطق الرسمي باسم حماس سامي أبو زهري بأنها عنوان كسر الحصار عن غزة وهو ما أكد عليه رئيس الحكومة المقالة إسماعيل هنية نفسه في كلمته أمام أعضاء المجلس التشريعي في غزة بعد عودته.هي تاريخية بحق لأن الاستقبال الذي حظي به هنية في بعض الدول لا يقل عن استقبال رؤساء الدول !.

ليس (الربيع العربي) وحده من ساعد على نجاح زيارة هنية والتعامل معه كرئيس حكومة شرعية كما قال قادة تونس في تبريرهم لاستقبال هنية الأمر الذي أثار حفيظة منظمة التحرير والسلطة في الضفة،ولكن أيضا مأزق التسوية ومنظمة التحرير والسلطة في الضفة جعل الأنظار تتجه لحكومة غزة ولحركة حماس باعتبارهما امتداد لقوى الإسلام السياسي الصاعد ،أيضا أنه منذ سيطرة حماس على القطاع منتصف 2007 وهي تشتغل على دولنة غزة وبالفعل تمكنت من السيطرة على كل مناحي الحياة الرسمية وغير الرسمية وتم إعادة هيكلة الوزارات بحيث باتت مستقلة نهائيا عن حكومة رام الله ،وأسست لنظام جبائي شمولي مكنها من الاعتماد على الذات ماليا بنسبة كبيرة ، بالإضافة إلى المؤسسات الأمنية المتعددة التي تُخضع لسطوتها الجميع.

 ماذا بعد كسر الحصار وقد مرت سنوات على سيطرة حركة حماس على القطاع  ،خلال هذه السنوات حكمت حركة حماس حكما استبداديا منفردا، وهو شكل نظام الحكم الذي تثور الشعوب العربية ضده،وخلال هذه السنوات تآكلت الشرعيات التي صيرت حماس الحزب الأول في فلسطين . تآكلت شرعية صناديق الانتخابات لأن المدة الدستورية للحكومة والتشريعي انتهت، وتآكلت شرعية المقاومة لأن حماس لم تعد نمارس المقاومة.إن كان لدى حركة حماس  وبعد رفع الحصار عن غزة رؤية إستراتيجية للمرحلة القادمة غير الاكتفاء بدولة غزة ،فنتمنى أن نسمع عنها،وحتى على مستوى دولة غزة ،فإلى متى ستبقى حماس متفردة بالسلطة في القطاع ومُهمِشَة للأحزاب والقوى السياسية الأخرى؟.

فلتذهب دولة غزة إلى الجحيم

ما هو قريب من هذا المعنى قال به قادة الصهاينة قبل انسحابهم من غزة في سبتمبر 2005 ،آنذاك كان قطاع غزة وأهل قطاع غزة كابوسا يؤرق الصهاينة وخنجرا دائم الخَزِ في جنوبهم،وقنبلة موقوتة لا يعرفون متى تنفجر وكيف سيكون انفجارها، نعم كان قادة الصهاينة دائمي التصريح والتمني أن تذهب غزة إلى الجحيم وأن يبتلعها البحر،والجحيم والبحر قول مجاز المقصود به التخلص من قطاع غزة لأية جهة تتحمل مسؤولية إدارته وتؤمن حدوده مع إسرائيل،وقد سبق للرئيس أبو عمار أن رفض عرضا إسرائيليا بتسلم قطاع غزة وإقامة دولة به. مرد قول إسرائيل ذلك أن غزة كانت آنذاك تمثل حالة فلسطينية نضالية مستعصية على الاحتلال،حيث كل عملياته الإجرامية من تجريف للأراضي وتوغلات وقصف للبيوت وقتل للمدنيين لم تزد أهل غزة إلا إصرارا على الصمود وثباتا على المواقف،ولأن غزة آنذاك كانت بؤرة تأجيج وتحريض على الثورة تتعدى تأثيراتها فلسطين لتشمل العالم اجمع.

نعم ، فغزة تلك المنطقة الصغيرة من جنوب فلسطين والفقيرة وشبه الصحراوية لم تتميز فقط من خلال دورها النضالي بعد الاحتلال الإسرائيلي عام 67 بل كان دورها النضالي قبل الاحتلال لا يقل أهمية عن دورها بعد الاحتلال. فقطاع غزة حافظ على الهوية الفلسطينية بعد النكبة وفي سنوات التيه والضياع بعد أن فرضت إسرائيل جنسيتها وقوانينها على فلسطينيي الخط الأخضر،وفرض الأردن جنسيته وقوانينه على فلسطينيي الضفتين،فيما كان ممنوعا على فلسطينيي الشتات التعبير عن هويتهم أو ممارسة حقهم بالنضال الوطني.

خلال سنوات التيه والضياع استمر فلسطينيو القطاع في حمل راية الهوية الوطنية والحفاظ على الشخصية الوطنية وخصوصا أن ثلاثة أرباع القطاع من اللاجئين الذين كانت الغربة وحياة اللجوء دافعا قويا عندهم لرفض الواقع والنضال من اجل العودة لأرضهم التي شردوا منها ، ولاجئو القطاع جسدوا وعبروا عن خصوصية كل قرية ومدينة فلسطينية بملابسها ولهجاتها ومأكولاتها وتجاربها النضالية وذاكرتها التاريخية،وفي قطاع غزة تشكلت أولى خلايا المقاومة الوطنية منذ الخمسينيات، وأبناء القطاع رفدوا الثورة في الخارج بخيرة القيادات والمقاتلين ، ومن قطاع غزة انطلقت شعلة الانتفاضة الأولى 1987، وقطاع غزة احتضن اللبنات الأولى لمؤسسات كان يؤمل منها تجسيد حلم الدولة ولو في إطار تسوية مشكوك بنجاحها، فكان المطار ومقر الرئاسة (المنتدى) ومقرات وزارية والمجلس التشريعي والبدء بمشروع ميناء غزة ،بالإضافة إلى الممثليات الأجنبية ومشاريع تنموية واعدة الخ .

إن كانت غزة بالنسبة إلى الفلسطينيين تمثل جنوب فلسطين أو منطقة من فلسطين يحبونها كما يحبون فلسطين فإنها بالنسبة لأهل غزة المقيمين أو المغتربين تمثل مسقط الرأس أو الوطن الصغير وخصوصا بالنسبة لمن لم ير أية منطقة أخرى من فلسطين. فطوال ثلاثة عقود من غربتي الإجبارية كانت صورة وذكريات الوطن الذي تختزنه ذاكرتي هو قطاع غزة وخصوصا مخيم البريج الذي وُلِدت وترعرعت فيه ،ولكن وطن الذاكرة أو وطن مسقط الرأس مجرد إثبات مكان مولد أو ذكريات جميلة عن مرحلة الطفولة والمراهقة،إنه حب أضافي لفلسطين الوطن الكبير، كما هو الحال لحب ابن الخليل لمدينته وحب أبن القدس لمدينته وابن يافا لمدينته.لا يمكن لمسقط الرأس أن يشكل وطنا ودولة، ولا يمكن لأي منطقة تتميز بدور أو بخصوصية  نضالية أن تشكل دولة أو كيانا خاصا، فلكل مدينة في فلسطين تاريخها النضالي، ومقابر شهداء فلسطين في الأردن وسوريا ولبنان لا تميز بين شهداء مدينة ومدينة ،فالشهداء قضوا في سبيل الله والوطن وليس دفاعا عن مدينة بعينها.

لن نقلل من المعاناة التي يعيشها أهلنا في قطاع غزة ، ولكن يجب أن لا ننسى أن كل فلسطين محتلة وأن أهلنا في الضفة والقدس وفي مخيمات لبنان واليوم في مخيمات سوريا عاشوا ويعيشون معاناة لا تقل عن معاناة أهل غزة ، وبالتالي فالتميز بقسوة  المعاناة لا يبرر مجرد التفكير بالخروج من الحالة الوطنية من خلال توظيف المعاناة لخدمة تطلعات سلطوية للبعض أو لخدمة أجندة خارجية .وحتى نكون أكثر وضوحا وصراحة ، وبعيدا عن الانتقائية في الحديث عن المعاناة ، فإن أهلنا في الضفة والقدس هم الأكثر معاناة من الاحتلال والمعركة الحقيقية بالمقياس الوطني هي التي تجري هناك، ويجب أن نحكم ونحاكِم ونُقَيم الوضع في الضفة والقدس ليس من خلال سياسة السلطة وممارساتها بل من خلال معاناة الشعب وما تتعرض له الأرض من استيطان وتهويد.

غزة ولا شك تقدم شهداء وتعاني من الحصار والقصف ،ولكن غزة تبقى أرضا فلسطينية وليست محل أطماع أحد وليس من خيار أمام فلسطينيي غزة إلا أن يكونوا فلسطينيين ،أما في الضفة والقدس فالاستيطان متواصل في الضفة والمواطنون مهدَدون بمصادرة أرضهم ومياههم وغير آمنين على مزارعهم وأعمالهم ،والقدس تهود بشكل غير مسبوق حتى المساجد ودور العبادة باتت تُحرق وتدنس علنا. يجري هذا في الضفة والقدس في ظل عجز السلطة وتواطؤ بعضها مع الاحتلال ،ولكن أيضا في ظل صمت جماعات الإسلام السياسي التي تريد أن تؤسس مشروعها السياسي ولو على أنقاض المشروع الوطني، يساعدها في ذلك بعض الفضائيات المحسوبة على حكومات أو على جماعات سياسية تفرغت بشكل كلي لما يجري في غزة تحت عنوان وشعار حصار غزة ونصرة غزة مع التركز أكثر على المشاهد المأساوية لجثث الأطفال والعائلات المشردة والبيوت المهدمة.

لأن حركة حماس اختزلت فلسطين بغزة وتركزت مناشدتها للعالم على رفع الحصار عن غزة، فقد وجدت جماعات الإسلام السياسي بما فيها تركيا وكذا الأنظمة العربية والإسلامية الفرصة للتخلص من مسؤوليتها القومية والإسلامية والجهادية تجاه القضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني، بأن اختزلت بدورها مسؤوليتها لتقتصر على المطالبة برفع الحصار عن غزة والعمل على مساعدة غزة ماليا،وهذا الأمر يُظهر هذه الأطراف وكأنها تناصر الشعب الفلسطيني لأنها لن تكون فلسطينية أكثر من الفلسطينيين ، وفي نفس الوقت يخلصها من عبء الحديث أو العمل على تحرير فلسطين أو مواجهة الاستيطان والتهويد الإسرائيلي بما قد يسببه لها ذلك من حرج مع حليفتها واشنطن.

بفعل الماكينة الإعلامية للإسلام السياسي ومن يسانده من دول غُيبت فلسطين لصالح غزة وأصبحت قضية رفع الحصار عن غزة القضية المركزية ومقياس الحق والعدالة ومقياس الانتماء العربي والإسلامي بالنسبة لجماعات الإسلام السياسي والحكومات العربية والإسلامية،و تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية كقضية تحرر وطني ، تراجعت قضية القدس والضفة الغربية واللاجئين والمقاومة ووجود إسرائيل بحد ذاته.

استطاعت هذه الفضائيات تغييب ومصادرة العقل والتفكير العقلاني لتختزل القضية الفلسطينية بغزة وحصار غزة، وباتت غزة أكثر قدسية من القدس . نتيجة هذه الجهود سيتم رفع الحصار عن غزة  اليوم أو غدا، وإسرائيل عندما خرجت من غزة مبقية على حصارها إنما لتساوم على رفع الحصار مستقبلا بثمن ،وثمن رفع الحصار هو التخلص نهائيا من المسؤولية عن غزة بإلقاء هذه المسؤولية على أية جهة فلسطينية أو على مصر أو على كليهما،هذا ما كان يقصده قادة الصهاينة بأن تذهب غزة إلى الجحيم أو فليبتلع البحر غزة .واليوم تنجح إسرائيل في تنفيذ مخططها الأصلي ولكن بتخريجة تبدو وكأنها انتصار للفلسطينيين ولكل من طالب برفع الحصار.

لن يغير نفي قيادات من حماس ما يتردد في كواليس حركة حماس حول فصل غزة عن الضفة والإعداد للإعلان عن دولة غزة،لأن ما يجري على الأرض أكثر إفصاحا ودلالة من أي حديث ، فمنذ اليوم الأول للانقلاب والجهود تجري حثيثا لدولنة غزة ، ما يجري مخطط مرسوم وليس خطأ يمكن إصلاحه، مخطط للأسف يصب مباشرة في خدمة السياسة الصهيونية ويعتبر استكمالا لمخطط شارون بالانسحاب من غزة، وفي نفس الوقت  يندرج ضمن السياسة الأمريكية لصناعة الشرق الأوسط الكبير و الفوضى البناءة ، وهما جزء من استراتيجيه أوسع تسميها واشنطن محاربة الإرهاب أو التطرف الإسلامي من خلال استيعاب الإسلام المعتدل وتقله من جبهة الجهاد والمقاومة لجبهة السلطة والحكم.

إن انتصار من يوجهون ويمولون ويغطون إعلاميا حملات رفع الحصار ومن يسعون لدولنة غزة هو انتصار للإستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. ومع ذلك نؤكد مرة أخرى أن قوى وأحزاب وشخصيات فلسطينية وعربية وأجنبية تشارك في حملات رفع الحصار بحسن نية ،وهؤلاء صادقون في مشاعرهم ولا تدفعهم لهذا السلوك إلا روح الانتماء والتعاطف الصادق والعمل ضمن المتاح، فلهؤلاء كل تقدير واحترام .

(دولة) غزة التي تتشكل اليوم على مساحة 1,5 %  فقط من مساحة فلسطين التاريخية والتي يريد البعض تسويقها كانتصار للمقاومة ولفلسطين إنما تتصير دولة نتيجة تقاطع عدة إرادات ومصالح ، ليست الإرادة الوطنية إحداها :-

  1. إرادة إسرائيلية بالتخلص من غزة وما تمثله من خطر ديمغرافي وأمني على إسرائيل إن بقيت تحت سيطرتها .
  2. إرادة أمريكية بتدجين الإسلام السياسي من خلال تمكينهم من السلطة لإبعادهم عن ميدان الجهاد والمقاومة،وهي إرادة تلتفي مع سياسة بعض الأنظمة العربية التابعة .
  3. إرادة الإسلام السياسي وخصوصا حركة الإخوان وفرعها في قطاع غزة في التمكين بدولة إسلامية في سياق المشروع الإسلامي الكبير الذي يروجون له.
  4. إرادة نخبة حاكمة في قطاع غزة ذات أفق سياسي ضيق وانتماء وطني ضعيف أغرتها السلطة والامتيازات ترى في دولة غزة ضمانا لمصالحها .
  5. إرادة بعض مكونات السلطة في السلطة الوطنية بإخفاء فشلهم وعجزهم بتصدير الأزمة من خلال الترويج بأن غزة تشكل عبئا على ميزانية السلطة وبالتالي على سكان الضفة الغربية،وعليه يجب التخلص من غزة ،وبعض من هؤلاء معبأ تاريخيا بحقد على غزة وأهلها ، وهؤلاء غير بعيدين عن توجهات بعض صناع القرار في الأردن.

نعم نحب غزة وأهل غزة ونحترم تضحيات أهل غزة، ولكن حبنا لفلسطين واحترامنا لتضحيات شعب فلسطين عبر التاريخ أهم وأكبر من حبنا واحترامنا لغزة وأهلها. نعم ، لشهداء ولصمود أهل غزة كل احترام وتقدير، ولكن، لأن هناك من يريد أن تنقلب غزة على ذاتها وتاريخها ورمزيتها وعلى المشروع الوطني ، ولأن غزة تحولت  لساحة صراع على سلطة ومناصب تثير شهوة الصغار فقط ، ولأن فقر غزة وبؤسها أصبح مصدر غنائم لنخبة غيبت فلسطين وتكرش أفرادها حتى باتوا دون رقبة، ولأن غزة تحولت لمقبرة للمقاومة وللمشروع الوطني، ولأن غزة باتت تنزلق يوما بعد يوم لتقوم بدور وظيفي يخدم مشاريع وأجندة إسرائيلية وأمريكية وإقليمية.

لأنه يراد لغزة أن تندرج ضمن هذا السياق وتقوم بهذه الوظائف،نقول: فلتذهب دولة غزة ومن يقولون بها إلى الجحيم .

ثانيا : المشروع الوطني كبش فداء صعود الإسلام السياسي في العالم العربي

قد يقول البعض إن تزامن صعود الإسلام السياسي وسيطرته على الحكم في أكثر من بلد عربي من خلال ما يسمى (الربيع العربي) مع السياسة الأمريكية للهيمنة على الشرق الأوسط من خلال مشروع الشرق الأوسط الكبير وسياسة (الفوضى الخلاقة ) يعود للمصادفة البحتة وبالتالي لا يوجد رابط يربط بينها وأية محاولة للربط بينها و تصوير الأمر وكأنه مخطط  إنما يندرج في إطار فكر ونظرية المؤامرة. نعتقد أن شواهد الواقع وما يتوفر من معلومات يؤكد وجود هذا المخطط الذي يعرفه كثيرون من أصحاب القرار وبعضهم يشارك فيه بوعي ولكنهم يخفون الحقيقة عن الشعب حتى لا تتضرر مصالحهم وتتزعزع مواقعهم .كما أن نظرية المؤامرة التي يتذرع بها كل من يخشى الحقيقة ،جزء أصيل من الحياة السياسية المعاصرة وهي جوهر وقلب السياسة الواقعية التي تؤسس على القوة والمصلحة والتفاهمات والاتفاقات غير المعلنة ،وساذج من يعتقد أن كل سياسات الدول وخصوصا الكبرى تقوم على الشرعية الدولية والقانون الدولي والاتفاقات المعلنة ،فما هو خفي من هذه السياسات أكثر مما هو معلن.

إذ أذكر الأمثلة والحالات التالية ، ليس دفاعا عن الجماعات المتطرفة  لأننا ندرك الدمار الذي لحق بالشعوب العربية منذ ظهور هذا الوباء ،كما لا أرمي من ورائها الطعن أو التشكيك بالأنظمة والدول والقوى التي تدافع عن نفسها وعن شعوبها من خلال مواجهة هذه الجماعات ،ولكن ما أرمي إليه هو تأكيد أن الهدف من صعود الإسلام المعتدل بمباركة الغرب كان بهدف  خلق فتنة وفوضى وضرب الإسلام المتطرف. بدأ ضرب الإسلام المتطرف بتنسيق أمريكي أطلسي مع بعض الجماعات الإسلامية المعتدلة في أفغانستان ومنها انتقل إلى باكستان والعراق واليمن وغزة – مهاجمة حماس مسجد ابن تيمية وقتل الشيخ عبد اللطيف موسى وكل جماعته في أغسطس 2009 ، ومهاجمة جماعة جيش الإسلام بقيادة ممتاز دغمش في نفس العام – .

نعم ، إن أخشى ما نخشاه أن الفلسطينيين، شعبا وقضية تحرر وطني سيدفعون ثمن وصول وإيصال الإسلام السياسي المعتدل– خصوصا جماعة الإخوان المسلمين- للحكم في إطار أكبر تخطيط استراتيجي غربي /إسلام سياسي عبر التاريخ ،تشارك فيه حركة حماس باعتبارها امتداد لجماعة الإخوان المسلمين  في فلسطين . إن كانت مؤشرات التنسيق بين الطرفين تعود لسنوات خلت حيث بداياتها مع العلاقة الخاصة التي ربطت جماعة الإخوان المسلمين في بداية ظهورها مع مراكز القرار الإستراتيجية في بريطانيا ثم تواصلت مع واشنطن وحلف النيتو منذ خمسينيات القرن الماضي لمواجهة الخطر الشيوعي في المنطقة،إلا أن أهداف هذا التحالف تغيرت من مواجهة الخطر الشيوعي إلى مواجهة خطر الإسلام المتطرف ومنه إلى السيطرة الإستراتيجية الكاملة على المنطقة.وعليه فهدف تحالف الغرب /الإخوان المسلمين يتجاوز إسقاط أنظمة دكتاتورية أو تأسيس أنظمة ديمقراطية.

فإذا كان للشعوب العربية الحق في السعي للديمقراطية والتخلص من الدكتاتورية ،ومن حقها أيضا قبول الدعم من أي جهة كانت واختيار شبكة علاقاتها وتحالفاتها،كما من حق جماعات الإسلام السياسي المشاركة في الحياة السياسية وتولي السلطة ما دام الشعب اختارها،فإن أهداف واشنطن من وراء دعم الحراك الشعبي العربي تتجاوز نشر الديمقراطية في العالم العربي بل وتتجاوز مواجهة الإسلام المتطرف والإرهاب كما كان مرسوما في البداية. هذه أهداف جزئية أو مرحلية لخدمة هدف أكبر.واشنطن توظيف فزاعة التطرف الإسلامي لتحقيق أهداف أكبر من القضاء على الإرهاب، ولا نستبعد أن جزءا كبيرا من العمليات الإرهابية التي تقوم بها جماعات يُقال إنها منتمية للقاعدة موجهة بطريقة غير مباشرة من أجهزة المخابرات الأمريكية والإسرائيلية التي اخترقت هذه التنظيمات،حتى يجوز القول إن لواشنطن ولإسرائيل (تنظيم قاعدة) خاص بهما ،وما يجري في سوريا يؤكد ذلك.

ما يجري اليوم في العالم العربي والشرق الأوسط سيعيد ترتيب الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة على عدة مستويات أهمها أنه سيجعل المنطقة العربية والشرق الأوسط كله منطقة نفوذ لواشنطن ولحلف الناتو ولإسرائيل، من خلال تجديد أنظمة الحكم والتحالفات في المنطقة بما سيعزز ويؤمن مصالح الغرب لسنوات قادمة،وهي سيطرة ستؤدي أيضا لتعزيز مكانة الغرب في صراعه الاستراتيجي مع منافسيه وخصومه الدوليين الحاليين والمستقبليين كروسيا والصين وأية قوة اقتصادية أو عسكرية صاعدة،ومع إيران إن ساءت العلاقة بينهم. لو اقتصرت نتائج هذه الإستراتيجية أو المعادلة الجديدة في المنطقة على إسقاط بعض الأنظمة الدكتاتورية التي انتهت صلاحيتها لهان الأمر وربما وجدنا عذرا لقوى الإسلام السياسي في التنسيق مع واشنطن، إلا أن الخطورة أن هذه الإستراتيجية تستهدف القوى التحررية و الوطنية والقومية والديمقراطية الحقيقية وتستهدف المشروع الوطني التحرري الفلسطيني سواء كان بشكل مباشر أو غير مباشر.

وهكذا من ليبيا إلى مصر مرورا بتونس وسوريا فإن حركات الإسلام السياسي، التي وصلت إلى السلطة أو شاركت فيها أو تسعى لها، تشارك بوعي أو بدون وعي بجريمة التضحية بالمشروع الوطني الفلسطيني مقابل وصولها إلى السلطة. صحيح أن المشروع الوطني بشقيه المقاوم والمفاوض كان يمر بمأزق بسبب التعنت الإسرائيلي والتواطؤ الأمريكي والتخاذل العربي بالإضافة إلى فشل وعجز السلطة ومنظمة التحرير الفلسطينية عن إنجاز اختراق مهم نحو الدولة الفلسطينية المستقلة،إلا أن الفلسطينيين والشعوب العربية لم تكن تنتظر من يطلق رصاصة الرحمة على المشروع الوطني بل كانوا يأملون أن سقوط زعماء تآمروا على الفلسطينيين وتاجروا بقضيتهم سيؤدي لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني واستنهاض حالة شعبية ورسمية عربية مناهضة لإسرائيل وحلفاء إسرائيل وخصوصا واشنطن، ويأملوا التراجع عن كل الاتفاقات والتفاهمات والعلاقات التي كانت تربط العرب بإسرائيل،وكذلك إعادة النظر بالتحالف الأمني والعسكري مع الغرب وإعادة النظر بالقواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة،كل ذلك تمهيدا لإعادة تشكيل دول الطوق حول فلسطين ووضع إستراتيجية لتحرير الأراضي العربية المحتلة عام 1967 إن لم يكن أكثر من ذلك . أليس هذا هو الحلم العربي طوال العقود التالية لهزيمة 67 ؟ وما قيمة ربيع عربي أو ثورات عربية إن لم يتم رد الاعتبار للإهانة التي لحقت بالعرب عام 67 ؟.

مع كامل الاحترام والتقدير للشعوب العربية التي قامت بالثورة فإن سقوط الحكام المستبدين لم يكن فقط بفعل الحراك الشعبي بل نتيجة دخول أطراف أخرى على خط الثورة ،أطراف داخلية – جماعات إسلامية وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين – وأطراف خارجية –واشنطن وحلف الناتو– .أطراف تلاقت مصالحها لتوجيه الأمور ضمن معادلة جديدة يتم تخريجها وكأنها انتصار للثورة. ما كان لجماعة الإخوان المسلمين أن تصل للسلطة أو تشارك فيها لو لم تكن تفاهمات مسبقة بينها وبين واشنطن على عدم الإخلال بالوضع القائم بين إسرائيل والعرب،أيضا أن تشجع جماعة الإخوان المسلمين حركات المقاومة الفلسطينية التابعة لها على تهدئة الأوضاع مع إسرائيل. ومن هنا نلاحظ أن كل قوى المعارضة (الإسلامية) وخصوصا إخوان مصر أرسلت رسائل مزدوجة ،رسائل لواشنطن بأنها غير معادية للغرب ولمصالحه وتواجده في المنطقة ،والكل تابع الاتصالات والزيارات التي قام بها ممثلون عن هذه الجماعات للسفارات الأمريكية في بلدانهم ولواشنطن ولعواصم الغرب للتنسيق معها وطمأنتها على التزامها بمصالحها في المنطقة ،أيضا أرسلت هذه الجماعات رسائل عبر واشنطن وعبر ممثلي اليهود في واشنطن لإسرائيل بأنها تحترم الاتفاقات الموقعة معها وبالتالي تستمر باعترافها بوجود إسرائيل.

مما لا شك فيه أن الوضع في دول ما يسمى (الربيع العربي) سيكون مختلفا عما كان عليه سابقا ،والشعوب العربية هي المعنية بتقييم والحكم على هذا التغيير سلبا أو إيجابا ،كما أنها صاحبة الحق في اختيار نظامها السياسي وتوجهاته السياسية والأيديولوجية ،ونحن مع إرادة الشعوب العربية .ما يعنينا كفلسطينيين أن لا ندفع ثمن الصراع على السلطة وعلى تقاسم النفوذ في العالم العربي ،ما يعنينا وما يجب عدم السكوت عنه أن تستمر النخب والحركات السياسية العربية في توظيف قضيتنا ومعاناة شعبنا كأدوات للوصول إلى السلطة وتتكرر تجربتنا مع القوى والأنظمة القومية والثورية التي صادرت قضيتنا وقرارنا المستقل لأربعة عقود ،فانتكست وانتكست قضيتنا معها. لا نريد أن نخرج من سطوة أنظمة مستبدة تاجرت بالقضية وساومت عليها تحت شعارات وأيديولوجيات قومية ووطنية وثورية الخ ، إلى أنظمة إسلامية تضحي بالمشروع الوطني الفلسطيني وبحقنا في دولة مستقلة تحت شعار المشروع الإسلامي أولا، أو تبرير مهادنتها وتحالفها مع واشنطن وإسرائيل بضرورات بناء الوضع الداخلي أولا.

قطاع غزة : أدوار وظيفية ورهانات متعددة

بعد سنوات على انقلاب حماس على منظمة التحرير والسلطة وحدوث الانقسام، يحق للمرء أن يتساءل لماذا حدث الانقسام ؟ ولماذا فشلت كل محاولات المصالحة الفلسطينية ؟ ولماذا تراجعت الجهود الجادة تجاه المصالحة الفلسطينية بعد وصول الإسلاميين للسلطة في أكثر من بلد عربي ؟ ولماذا لم تبذل جماعة الإخوان المسلمين ودول مثل إيران وتركيا جهودا جادة لرأب الصدع الفلسطيني؟،وإن كانت نخب وأطراف فلسطينية مستفيدة من الانقسام وتُعيق كل محاولة للمصالحة ،فهل هذه النخب والأطراف تشكل وحدها العائق أمام المصالحة أم هي مجرد أدوات صغيرة في لعبة أكبر ؟. الجواب في ظني أن المصالحة فشلت لأن الانقسام الفلسطيني جزء من مخطط إعادة ترتيب وضع المنطقة أي إنه مرحلة مبكرة وإنجاز متقدم من (الربيع العربي)،ولأنه كذلك فإن الدول والجماعات الفاعلة في المعادلة الشرق أوسطية الجديدة معنية باستمرار الانقسام.

إن كان ما يسمى الربيع العربي الذي تُعرف بدايته – يناير 2011 – ولا تُعرف له نهاية ، استحضر تاريخ العلاقة بين جماعات الإسلام السياسي المعتدل – وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين-  والغرب، وربط صعود الإسلاميين بإستراتيجية واشنطن للشرق الأوسط الكبير لاستيعاب الإسلام المعتدل وإعادة رسم خريطة المنطقة بما يضمن الهيمنة الإستراتيجية الأمريكية،فإن البداية الحقيقية لتنفيذ هذا المشروع لم تبدأ في تونس ومصر بل في فلسطين عام  2004 ولكن ضمن تطبيق يأخذ بعين الاعتبار الخصوصية الفلسطينية من حيث عدم وجود دولة ونظام سياسي سيادي فلسطيني والواقع الجغرافي المجزأ لمناطق السلطة.

كانت واشنطن تدرك تماما بأنه لا يمكن تجاوز القضية الفلسطينية إن أرادت إنجاح مخططها لمواجهة التطرف الإسلامي وإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة،وهنا التقت السياسة الأمريكية لإعادة ترتيب الأوضاع في المنطقة مع السياسة الإسرائيلية التي تريد الانقلاب على التسوية ومشروع حل الدولتين والتخلص من ياسر عرفات . لأنه لا يوجد في فلسطين دولة ونظام سياسي مستقل كبقية الدول العربية ،ولأن أسلوب تحريض الشعب على السلطة للخروج إلى الشارع والمطالبة بإسقاط النظام كما جرى في الدول العربية مرفوض إسرائيليا حيث تخشى إسرائيل أي حراك شعبي فلسطيني كما أن الشعب الفلسطيني يرفض الدخول في مواجهة مع السلطة في ظل وجود الاحتلال،ولأن في فلسطين ازدواجية سلطة وانقسام سياسي وإيديولوجي طرفاه السلطة ومنظمة التحرير من جانب وحركة حماس من جانب آخر ،فقد قررت إسرائيل وبدعم واشنطن أن الأسلوب الأنجع لتحقيق مصلحتهم المشتركة بـ (إسقاط النظام ) في فلسطين يتمثل في تطبيق خطة موجودة مسبقا تقضي بالانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة مما يؤدي لفصل غزة عن الضفة،وإفشال إمكانية قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة بقيادة منظمة التحرير ورئيسها أبو عمار ،وخلق فتنة فلسطينية داخلية – فوضى خلاقة كما تريد واشنطن-  .

لم تكن إسرائيل تريد إنهاء سلطة أبو عمار لأنه إرهابي أو يدعم المقاومة بل لأنه يريد تطبيق اتفاقية السلام بحذافيرها بما يسمح بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل أراضي الضفة وغزة،ومن هنا عملت إسرائيل بتشجيع من واشنطن التي اعتبرت أن أبو عمار عقبة في طريق السلام ومن أنظمة عربية تخلت عن أبو عمار وهو محاصر في المقاطعة ، عملوا على تغيير الواقع القائم في مناطق السلطة من خلال خلق أوضاع في قطاع غزة مختلفة عما هي في الضفة وتهيئ قيادات فلسطينية للقيام بأدوار وظيفية منفصلة في غزة والضفة.

كان التوجه الإسرائيلي والأمريكي بإسناد أمر قطاع غزة للرجل القوي في غزة آنذاك محمد دحلان كما سبق الذكر ، ولكن لأن العقيدة السياسية التي تحكم واشنطن وإسرائيل والغرب عموما تقوم على مبدأ (لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة) ،وحيث أن مصالحهم وكما نصحتهم مراكز التفكير الاستراتيجي تكمن في التحالف مع الإسلام المعتدل وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين ،فلم يكن لديهم مانع من التخلي عن حلفاء قدامي إن كان في ذلك خدمة لإستراتيجيتهم الجديدة ، وبالفعل تم التخلي عن أبو عمار بل اغتياله وتعزيز نفوذ محمد دحلان وتهيئته ليكون (حاكم غزة ) ، ودخل  النظام السياسي الفلسطيني في أزمة مهدت لتنفيذ خطة الانسحاب أحادي الجانب من غزة .

مع تبني مشروع الشرق الأوسط الكبير عام 2004 والتوجه نحو التحالف مع الإسلام السياسي تم التخلي عن محمد دحلان (مؤقتا) لصالح حركة حماس التي أدركت مبكرا ومن خلال حلفائها وخصوصا قطر أن إسرائيل لن تنسحب من الضفة الغربية وأن قطاع غزة أقصى ما ستعطيه إسرائيل للفلسطينيين.واليوم نلاحظ الحملة التي تشنها إسرائيل ضد الرئيس أبو مازن ليس لأن أبو مازن لا يريد السلام أو أن مواقفه وطنية متطرفة بل لأن دوره الوظيفي انتهى ولأن هناك معادلة جديدة تحتاج لشخصيات جديدة بسقف سياسي أقل من السقف السياسي لأبي مازن والسلطة مع أن مواقف وسياسات أبو مازن تواجه بانتقادات  كبيرة في الساحة الفلسطينية لكونه ذهب بعيدا في المفاوضات وفي مراهنته على عملية التسوية.

نلاحظ أن نفس الدور الذي تقوم به اليوم قطر وواشنطن فيما يسمى الربيع العربي قامتا به في فلسطين منذ عام 2004.وهكذا التقى المخطط الإسرائيلي مع المخطط الأمريكي من خلال وعد حركة حماس بسلطة في قطاع غزة مقابل التزامها بشروط أهمها أن توقف عملياتها الاستشهادية داخل الخط الأخضر وداخل الضفة والقدس وأن يقتصر نشاطها العسكري على قطاع غزة. 

وهكذا حرضت واشنطن وإسرائيل و جماعة الإخوان المسلمين حركة حماس على السلطة ودفعوها للانقلاب عليها بعد أن شجعوها على الدخول في لعبة السلطة من بوابة المشاركة في الانتخابات .إن من يتابع مجريات الأحداث منذ 2004 سيلاحظ كيف أن شارون طرح خطته للانسحاب من قطاع غزة في 2 فبراير 2004 ونشرت رسميا آنذاك في صحيفة هأرتس الإسرائيلية ،وانسحبت إسرائيل بالفعل في سبتمبر 2005 ،ومباشرة قررت حركة حماس وقف عملياتها العسكرية داخل الخط الأخضر ثم أوقفتها في الضفة والقدس،وفي نفس العام قررت المشاركة في الانتخابات المحلية التي جرت في ديسمبر ،ثم في الانتخابات التشريعية في يناير 2006 ،وتلا ذلك الانقلاب في يوليو 2007 في ظل صمت إسرائيل المطبق وسكوتها على الهجوم الحمساوي لأيام على مواقع السلطة حيث كان مقاتلو حماس يطاردون رجال السلطة حتى الحدود مع إسرائيل دون أن تفعل هذه الأخيرة شيئا.

تم تمكين حماس من السلطة في غزة بتعاون أو تواطؤ بعض رجالات السلطة الفلسطينية. ولا نستبعد أن يكون دحلان وبعض قيادات السلطة العسكريين والسياسيين لعبوا دورا مباشرا من البعض وغير مباشر من آخرين في تمكين حماس من حكم عزة ، مقابل وعد واشنطن وإسرائيل لدحلان  بدور قادم في غزة بعد انتهاء الدور الوظيفي لحركة حماس ،ومن هنا نفهم سبب المساعي التي لا تكل لدحلان وجماعته للعودة لغزة، وعودة جماعة دحلان بقوة للمشهد السياسي في قطاع غزة وخصوصا بعد إسقاط الرئيس ألإخواني محمد مرسي في يوليو 2013، حيث يراهن النظام الجديد على محمد دحلان لإنهاء حكم حماس في غزة وربما مساعدته على حكم غزة حتى في ظل استمرار حالة الانقسام .

انطلاقا مما سبق فإن الانقلاب العسكري الذي قامت به حركة حماس منتصف يوليو 2007 لم يكن تصحيحا لمسار السلطة أو حسما عسكريا ضد متمردين على شرعية صناديق الانتخابات وليس استنهاضا أو إنقاذا للمشروع الوطني ولو كان الأمر كذلك لباركنا خطوتها لأن أوضاع السلطة كانت تحتاج لتغيير حقيقي، إلا أن ما قامت به حركة حماس كان انقلابا على المشروع الوطني برمته وتدشينا لمشروع إسلام سياسي يبدأ من قطاع غزة،وليس عبثا أن يقف القيادي في حماس عبد الفتاح دخان في ذكرى انطلاق حماس في السنة الموالية للانقلاب ويطلب من جميع الوقوف في المهرجان وكان على رأسهم كل قيادات حركة حماس ليقسموا قسم الولاء للإخوان المسلمين ،وليس عبثا أيضا أن يرفض بعض قادة حماس الوقوف للنشيد الوطني الفلسطيني أو حتى تحية العلم الفلسطيني،وليس عبثا أو مصادفة أن يعلن السيد إسماعيل هنية أن انتصار مرسي في الانتخابات المصرية انتصار لفلسطين وتنطلق احتفالات ومظاهر فرح عارم في غزة ،فيما القدس تُهود والاستيطان يلتهم غالبية الضفة والمقاومة متوقفة والانقسام يتعاظم يوما بعد يوم .

لم يكن الحشد والتأييد المالي والإعلامي لحكومة حماس في قطاع غزة ولرفع الحصار عن القطاع ،الذي قامت به جماعات الإسلام السياسي عبر العالم مدعومة بفضائيات لدول عربية حليفة لواشنطن وخصوصا فضائية الجزيرة ،ببعيد عن هذا المخطط، فقد كان دعما وتأييدا لنقطة انطلاق مشروع إسلامي مدعوم أمريكيا يبدأ من غزة حتى وإن كان على حساب المصالحة والوحدة الوطنية الفلسطينية ،كان شعار لبيك غزة ورفع الحصار عن قطاع غزة وتضخيم حالة الفقر والجوع في القطاع الخ ،كلها آليات وأدوات لإنجاح مشروع إسلام سياسي وليس إنقاذ مشروع وطني أو دعم منطقة محررة للانطلاق منها لتحرير فلسطين بما يتوافق مع قرار المجلس الوطني لعام 1974 الذي دعا (لقيام سلطة وطنية مقاتلة على أي قطعة أرض يتم تحريرها أو تعطى لنا ).

كان أمرا غريبا بالنسبة للبعض أن يتوجه كل اهتمام الإسلام السياسي لقطاع غزة ويتجاهل المعركة الرئيسة في الضفة والقدس وكأن غزة في نظرهم أهم من القدس وفلسطين،فلم يفكر الإسلام السياسي وحلفاؤه كقطر وغيرها ،بما لهم من قوة ونفوذ عبر العالم في عمل شيء من أجل مواجهة المخططات الاستيطانية في الضفة والقدس وتركوا أهلنا هناك يواجهون الاحتلال لوحدهم،ولو قدم الإسلام السياسي ومن معه ربع الأموال التي تدفقت على غزة لأهلنا في الضفة ، والقدس على وجه التحديد، ما ضاعت القدس وما تغولت إسرائيل على أهلنا هناك. حتى تركيا لم تكن بعيدة عن المؤامرة حيث تجاهلت المعركة الحقيقية في فلسطين والقدس وافتعلت معركة رفع الحصار عن غزة وهي معركة خدمت تركيا وإسرائيل معا ولم تخدم الفلسطينيين وإن خدمت النخبة النافذة في غزة. إيران أيضا تتقاطع مع هذا المشروع في صالح  توظيف القضية الفلسطينية لصالح مشروعها القومي الفارسي الشيعي،وقد انخدع فلسطينيون كثيرون بإيران وشعاراتها،ولكن يبدو أن إغراء المال كان أكثر تأثيرا من توافق الرؤى والأيديولوجيات،وقد بانت حقيقة الموقف الإيراني في الدعوة المشبوهة التي وجهتها أطراف إيرانية لإسماعيل هنية رئيس وزراء الحكومة المقالة لحضور قمة طهران نهاية شهر أغسطس 2012 فهذه الدعوة ،حتى وإن كانت من مستويات دنيا ، اعتراف بوجود كيانيين سياسيين فلسطينيين وبالتالي بدولة غزة ،وكانت بالون اختبار لو نجح لتوالى توجيه الدعوات لحاكم غزة وبالتالي توالت الاعترافات بكيان غزة .

لا شك أن غزة بوطنية أهلها وروح المقاومة عندهم والعمليات التي كانت تنطلق منها كانت تشكل حالة إزعاج لإسرائيل ،إلا أن انسحاب شارون لم يكن فقط بسبب المقاومة في غزة ولكن لأهداف إستراتيجية أبعد،ولو كان الانسحاب بسبب المقاومة لاستمرت المقاومة من غزة بل وانتقلت إلى الضفة لتحريرها كما تم (تحرير غزة )،إلا أن الذي جرى أن المقاومة المسلحة بدأت تسير في منحى تراجعي وبات انشغال حماس بتعزيز إمارتها في القطاع  أهم من انشغالها بتصعيد المقاومة ونقلها لبقية فلسطين. السُذج فقط يعتقدون أن سبب توقف العمل العسكري لحركة حماس في الضفة وداخل الخط الأخضر  بعد سيطرتها على القطاع يعود للتنسيق الأمني بين السلطة وإسرائيل ،فمن يطلب الشهادة لا يمنعه تنسيق أمني أو غيره ،والتنسيق الأمني كان موجودا قبل هذا التاريخ بل كان الجيش الإسرائيلي متواجدا في قطاع غزة، ومع ذلك كانت تحدث عمليات عسكرية داخل الخط الأخضر والضفة والقدس.

لا يعني ما سبق تبرئة السلطة والتنسيق الأمني من مسؤولية وقف المقاومة أو حصارها ، بل المقصود عدم تحميلهم كل المسؤولية عن وقف حماس وبقية الفصائل لعملياتها العسكرية،وعلى كل حال لو كانت حماس جادة بالاستمرار بنهج المقاومة فلا يوجد تنسيق أمني في قطاع غزة يمنعها من القيام بعمليات عسكرية انطلاقا من القطاع ،والتهدئة القائمة في القطاع تؤكد ما قلناه من مخطط مرسوم منذ 2004.لم تكن خطة شارون خروجا من غزة فقط بل إخراجا لغزة من مربع المقاومة ومن ساحة المواجهة مع إسرائيل وبالتالي من المشروع الوطني التحرري.

منذ الانقسام 2007 ومحاولات حثيثة تجري لاستكمال عناصر ومقومات دولة غزة ، ويبدو أن منظمة التحرير والسلطة والرئيس لم يعد لهم حول ولا قوة فيما يجري في غزة، والبعض في السلطة والمنظمة لا يمانع هذا المصير لغزة، وقد سمعنا بعض الأصوات المشبوهة في السلطة تُحمل قطاع غزة مسؤولية الأزمة المالية للسلطة مما يولد حالة كراهية بين أهلنا في الضفة وأهلنا في غزة،وآخرون تحدثوا عن نوع من الكونفدرالية بين كيان غزة وكيان الضفة . للأسف فإن من يلهثون وراء دولة غزة أو يسكتون عن قيامها ينسون الثمن الباهظ  الذي تدفعه القضية الفلسطينية وخصوصا الضفة والقدس ،والذين يلهثون وراء دولة أو إمارة غزة يعتقدون أنه بمجرد فتح معبر رفح البري للبشر والبضائع أو إقامة منطقة حرة بين مصر والقطاع ،سينتهي الحصار على غزة وتقوم إمارة العتيدة ! وهؤلاء يجهلون وقد يتجاهلون أن لا دولة دون سيادة والسيادة لا تُجزأ ، وبالتالي لن تُكتمل الدولة والسيادة حتى على مستوى دولة غزة إلا من خلال السيادة على فضاء غزة وبحر غزة وهو أمر بيد إسرائيل وليس مصر مهما كان حاكمها،وإسرائيل في ظل أوضاعنا الراهنة لن تسمح بسيادة جوية وبحرية لغزة إلا بثمن باهظ ستأخذه في الضفة والقدس.

من الآن ولحين تغير المعادلة الإقليمية واتضاح مسار المفاوضات سيدفع أهل غزة ثمنا باهظا من أمنهم واستقرارهم ،لأن من يمنح يمنع ،وللأدوار الوظيفية غير المستندة على حرية وإرادة الشعب نهاية .هناك ثمن ستدفعه القضية الفلسطينية بشكل عام و أهل غزة بالخصوص حتى يتم رفع الحصار نهائيا .ولأن للدور الوظيفي لحماس في غزة نهاية، وما دام الآخرون -حركة فتح وفصائل منظمة التحرير وبقية القوى السياسية – لن تمكنهم إسرائيل من دولة في الضفة فقد يتجه التفكير لدفعهم لمشاركة حماس في حكم قطاع غزة أو يحلوا محلها وخصوصا وقد مرت سنوات على حكم حمساوي متفرد ؟ .ومنطقيا نتساءل إلى متى ستستمر حماس تحكم غزة لوحدها ؟. لم يعد خطاب المقاومة بدون مقاومة ،ولا الحديث عن شرعية صناديق الانتخابات التي تجاوزها الزمن ،ولا التعديلات الحكومية الشكلية تقنع أحدا بشرعية ما يجري في قطاع غزة ،كما أنها لا تغير من الحقيقة شيئا ،حقيقة أن غزة محكومة بسلطة شمولية لحزب واحد.

الصغير والكبير في فلسطين وخارجها بات يشعر بأن دولة غزة قادمة في صيغتها وحدودها الحالية أو في صياغات وحدود أخرى، وقد كتبنا وتحدثنا عبر وسائل الإعلام كثيرا محذرين من هذا المصير للقضية الفلسطينية . لذا نقول لأولئك الذين يطالبون بالاعتراف بدولة غزة كأمر واقع أو يبرروا ويُجَمِلوا حالة الانقسام أن يتوقفوا عن التذاكي وعن الفذلكات السياسية والبحث عن موقع ودور فشلوا في الحصول عليه قبل الانقسام .هناك فرق بين أولئك المتحذلقين والمنافقين الذين يعتبرون صيرورة غزة دولة انتصارا ويعملون على تكريس هذه الحالة و تجميلها وتبرير سلوكيات من أشتغل عليها من جهة ، وأن نعتبر حالة الانقسام أمرا واقعا مرفوضا جاء نتيجة مؤامرة وممارسات خاطئة وعلينا العمل لتجاوزه ،من جهة أخرى.

على حماس الاختيار في الأولوية بين : فلسطين و جماعة الإخوان

منذ سنوات ونحن نطالب بضرورة توطين جماعات الإسلام السياسي الفلسطينية لأيديولوجيتها وسياساتها بأن تصبح هذه الجماعات جزءا من المشروع الوطني وأن تعطي الأولوية للمصلحة الوطنية على حساب أية حسابات أو ارتباطات خارجية، وفي أكثر من مناسبة طالبنا حركة حماس بإعادة النظر بارتباطها التنظيمي الإلحاقي بجماعة الإخوان المسلمين وأن توقِف مراهنتها على أجندة الإسلام السياسي الخارجية وتوقِف رهن مصير القضية الفلسطينية وقطاع غزة بتطور الأحداث في دول (الربيع العربي) وخصوصا مصر.

لا يعني ذلك أن تتخلى حماس أو جماعات الإسلام السياسي الفلسطينية عن مرجعيتها الدينية، بل أن تعيد النظر بارتباطاتها التنظيمية والسياسية الخارجية وتنحاز للمشروع الوطني الذي يشكل الإسلام جزءا أصيلا منه، وقلنا ونعيد التأكيد بان في الوطنية الفلسطينية متسع للجميع . إن  جماعات الإسلام السياسي ومنها جماعة الإخوان المسلمين ليست الإسلام ، بل هي أحزاب وإن كان لها أهداف دينية بعيدة المدى – الخلافة – ،إلا أنها توظف الدين لأهداف سياسية وعلى رأسها الوصول للسلطة والحكم،وحركة الإخوان المسلمين في مصر تقاتل وتناضل من أجل الحكم والسلطة ، والكل يتذكر كيف أن مرسي بعد وصوله للرئاسة التزم بالاعتراف بدولة إسرائيل بل وتوسط لهدنة بين فصائل المقاومة وإسرائيل بمقتضاها تتوقف المقاومة لأنه يرى أن مصلحة مصر لها الأولوية على المواجهة مع إسرائيل .

 أما حركة حماس فيفترض أن قضيتها الأولى أن تتحالف مع القوى الوطنية لمواجهة الاحتلال وليس الصراع من أجل السلطة والحكم في قطاع غزة أو دعم جماعة خارجية تسعى للسلطة والحكم في بلدها . وقد يبدو عبثا مطالبة حماس بقطع علاقتها بالإخوان أو اتخاذ موقف معاد منهم سواء لأسباب تاريخية وإيديولوجية أو من باب رد حماس الجميل للإخوان على ما قدموه لحركة حماس من دعم مادي وغيره ـ ولكن وكما أن جماعة الإخوان تعطي الأولوية لمصر فعلى حركة حماس إعطاء الأولوية لفلسطين وخصوصا في هذه المرحلة الحرجة والصعبة في مصر وفلسطين.

لا غرو أن ما يجري في مصر شأن مصري ومن حق الشعب المصري والحكومة المصرية اتخاذ ما يرونه مناسبا من قرارات بما يتناسب مع خصوصية الحالة المصرية ، ولجماعة الإخوان المسلمين هناك أن تتصرف بما تريد داخل حدود مصر، وقرار الحكومة المصرية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية هو قرار وطني مصري ولا أعتقد أنه سيتعدى حدود مصر بالنسبة لفروع جماعة الإخوان في البلدان الأخرى لأن هذا سيعتبر تعديا على سيادة الدول الأخرى وتدخلا بشؤونها الداخلية ، و لكن من حق مصر أن تتخذ ما تراه مناسبا من إجراءات ضد المنتمين لجماعة الإخوان من غير المصريين عندما يريدون دخول مصر أو يقومون بأعمال مؤكدة  تهدد السيادة والأمن القومي المصري .[88]

 مع أن حركة حماس تقول وتؤكد أنها فرع وامتداد لجماعة الإخوان المسلمين إلا أن تَعامُل الحكومة المصرية  مع إخوان فلسطين يُفتَرض أن يكون مختلفا عن تعاملها مع إخوان مصر لعدة أسباب أهمها:

  1. الجوار الجغرافي المباشر ما بين مصر وقطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس  الإخوانية ، وحيث إن مصر منفذ قطاع غزة الوحيد إلى العالم الخارجي .
  2. 2-   إن قطاع غزة جزء من الشعب الفلسطيني وجزء من الأراضي الفلسطينية التي يترأسها أبو مازن .
  3. 3-   إن مصر مكلفة بملف المصالحة بين حركة حماس حركة فتح .
  4. 4-    إن حركة حماس مصنفة كجماعة إرهابية من طرف إسرائيل وواشنطن ودول أجنبية أخرى.
  5. 5-   بالرغم من كل ـأخطاء حركة حماس بحق المشروع الوطني وإساءتها لكثير من الوطنيين الفلسطينيين إلا أن القاعدة الكبيرة من عناصرها تبقى جزءا من الشعب الفلسطيني ولهم دورهم في العمل الكفاحي ضد الاحتلال ، وبالتالي من الخطأ تصنيفها كحركة إرهابية أو كعدو.

 مع أننا لا نتفق مع من يطالب من الفلسطينيين بتصنيف حركة حماس كحركة إرهابية أسوة بما جرى مع إخوان مصر ، إلا أن الوضع المأساوي الذي يعيشه قطاع غزة تحت حكم حماس وفشلها المعمم: السياسي والاقتصادي والمقاوم ، ودورها في تدهور المشروع الوطني من خلال الانقسام ، يضاف إلى تداعيات قرار الحكومة المصرية باعتبار جماعة الإخوان المسلمين حركة إرهابية على قضية المعابر والمصالحة … كل ذلك يتطلب من حركة حماس إعادة نظر جذرية بسياساتها بما يمنح الأسبقية للمصلحة الوطنية على حساب أية ارتباطات أخرى بما فيها ارتباطها بجماعة الإخوان المسلمين ، لأن فلسطين فوق وأهم من كل الأحزاب والأيديولوجيات .

حماس ليست حركة إرهابية ولكنها تفقد شرعيتها الوطنية يوما بعد يوم ، سواء شرعية صناديق الانتخابات حيث انتهت صلاحية المجلس التشريعي وانتهت الشرعية الديمقراطية لرفض حماس الاحتكام لشرعية الانتخابات مجددا ، وانتخابات المرة الواحدة لا تمنح شرعية أبدية ، وحماس تتفرد بالسلطة والحكم في قطاع غزة، كما تفقد حماس شرعية المقاومة حيث الهدنة التي تمتدحها إسرائيل تعني وقف المقاومة أو تحويلها لمقاومة أي عدوان على غزة وليس مقاومة لتحرير فلسطين، كما أن الشرعية الدينية في زماننا مجرد لغو لأن الدين لا يمنح شرعية سياسية لحزب أو نظام سياسي ، وفوق كل ذلك تفقد الشرعية الشعبية حيث يتراجع تأييدها ومصداقيتها بسرعة كبيرة في قطاع غزة  وفي الأماكن الأخرى.

انتشار ثقافة الخوف والرعب بين سكان غزة ، خوف من الحاضر وخوف على مستقبل الأبناء، وخوف على الراتب والوظيفة، وخوف على مستقبل الوطن ، بالإضافة إلى جو الخوف الذي تثيره التصريحات النارية  لبعض قادة حماس والمُهَدِدة للمعارضة الوطنية ، أو من خلال الرسائل التي تبعثها الاستعراضات العسكرية ومظاهر التجييش وهي رسائل موجهة للداخل وليس لإسرائيل …كل ذلك قد يثير الخوف لحين من الوقت وعند البعض من الناس ، ولكنه لن يُخيف كل الشعب لكل الوقت ، كما أن الخوف سيتحول مع مرور الوقت لحقد ، والحقد سيدفع إلى ما لا تُحمَد عقباه ، وعلى عقلاء حماس أخذ العبرة مما يجري في العالم العربي من حولنا .

الفصل الخامس

من حوارات المصالحة العبثية إلى المراجعات الإستراتيجية للمشروع الوطني

بالرغم مما اشرنا إليه في الفصول السابقة من كون الانقسام يتجاوز مجرد الخلاف بين حركة فتح وحركة حماس ،إلا أننا كنا نؤكد على ضرورة المصالحة ومحاولة إصلاح ما يمكن إصلاحه، سواء على مستوى السلطة والحكومة أو على مستوى منظمة التحرير أو على المستوى الاجتماعي والقانوني والتعليمي ،حيث كنا نراقب التداعيات الخطيرة للانقسام وكيف امتدت لكل نواحي الحياة وكيف توظف إسرائيل الانقسام لتحقيق أهدافها في الاستيطان والتهويد .

 كنا نراهن على عودة الوعي الوطني عند الأحزاب والفصائل وتحديدا حركتي فتح وحماس عندما يروا النتائج المدمرة للانقسام وكيف أن إسرائيل وواشنطن ودول عربية وإقليمية تتلاعب بهم وتوظفهم لخدمة أجندتها الخاصة ،كنا نأمل إن لم تستطع الأحزاب توحيد مواقفها لمواجهة التحديات الإسرائيلية والمتغيرات من حولنا فعلى الأقل تصارح الشعب بالحقيقة وتعترف بأخطائها. لكن ثقافة النقد والنقد الذاتي ليس من ثقافة نخبنا السياسية والمراجعة غير واردة في حساباتها لأن النقد والمراجعة تعني تحديد مواطن الخطأ والخلل وهذا يستدعي محاسبة المخطئين ، والأحزاب والنخب السياسية لا تريد أن تعترف بالخطأ وليست مستعدة للمحاسبة .

وهكذا طوال السنوات السبع ما بعد سيطرة حماس على القطاع ومحاولات حثيثة تجريها أطراف داخلية وعربية وغير عربية لجمع طرفي المعادلة الفلسطيني على طاولة الحوار ، من السودان إلى اليمن والسنغال وانتهاء بمصر والدوحة ،حوارات بعد حوارات ولكنها كانت أقرب لحوار الطرشان، ففيما كانت الابتسامات توشح وجوه رئيسي وفدي حماس وفتح وهم يعلنون أمام الفضائيات عن التوصل لاتفاق مصالحة ،كانت الأمور تجري على أرض الواقع عكس ما يقولون حيث كان الانقسام يترسخ يوما بعد يوم .    

أولا : تراجيديا حوارات المصالحة

بعد الانقسام بدأ قادة الفصائل الفلسطينية بالتوافد إلى أرض الكنانة عسى ولعل أن يتفقوا على مواثيق شرف تكون أدعى للاحترام والقدسية من المواثيق التي تم توقيعها في رحاب مكة المكرمة.لا ندري بالضبط رقم جولات الحوار ولكنها بالتأكيد تعد بالمئات،جولات حوار بين حركتي فتح وحماس بدأت في بداية التسعينيات في السودان ثم انتقلت لأكثر من موقع داخل البلد وخارجه.في بدايات الحوار كانت المواقف والمواقع تبدو متباعدة،فحركة حماس كانت تطرح نفسها كحركة مقاومة لا تفرط بأي جزء من فلسطين ولا تسعى لسلطة أو حكم ولا تقبل بأي مساومة أو مهادنة مع العدو، فيما كانت توسم المنظمة وحركة فتح بالتفريط بالحقوق الوطنية وبمهادنة العدو الخ،واليوم تغيرت الظروف ،الواقع والمواقع ،تغيرت موازين القوى المحلية والإقليمية والدولية، أصبحت حركة حماس حكومة وتقبل بسلطة على غزة مع تأجيل كل القضايا الأخرى بما فيها القدس وعودة اللاجئين ،ومع ذلك ما زال الخلاف محتدما وما زالت المواقف المعلنة كما هي مع إضافة موضوع الانقلاب وتداعياته ثم الخلاف حول الانتخابات الرئاسية والتشريعية.

يعود مجددا الملف الفلسطيني الداخلي ليد الأنظمة العربية وخصوصا مصر لإصلاح ما أفسدته الطبقة السياسية الفلسطينية،إلا أن العرب هذه المرة يستلموا الملف تحت عنوان مساعدة الفلسطينيين على المصالحة وحل مشاكلهم الداخلية،عودة لا تعبر عن القدرة أو الرغبة في استلامه بل بسبب الإحراج  – مع أن بعض الأطراف العربية رعت الانقسام وكانت عرابة المخطط منذ خطوته الأولى – عودة  الأنظمة العربية للتعامل مع الملف الفلسطيني الداخلي مجددا تؤيده وترغب به كل القوى السياسية الفلسطينية، حتى حركة حماس التي راهنت لسنوات على الجماهير العربية والإسلامية وعلى حلفائها العقائديين دون طائل، لم تجد مناصا من اللجوء للأنظمة العربية ولمصر تحديدا التي تربطها مع إسرائيل وواشنطن علاقات مميزة.هذا الرجوع هو مؤشر على فشل كل مكونات المشهد السياسي الفلسطيني على حل المشاكل والصراعات  الداخلية،وللأسف هذه العودة قد تشعر الأنظمة العربية ببعض الراحة حيث لم يعد مبررا للفلسطينيين لاتهام العرب بالتقاعس ما دام الفلسطينيون أنفسهم متقاتلين ومختلفين على السلطة وعلى كل شيء.

حتى نكون صادقين مع أنفسنا عند الحديث عن المصالحة، دعونا نُعمل العقل أو نحسبها بالعقل بعيدا عن التمنيات والعواطف لكي لا يصاب المواطن الفلسطيني بمزيد من النكسات وخيبة الأمل،.إعمال العقل يتطلب أن نكون أكثر وضوحا وصراحة ،حتى نكون عقلانيين وصريحين في التعامل مع واقع  الأمور واستشراف المستقبل، يجب التمييز ما بين الحوار والمصالحة من جانب والربط ما بين المصالحة والتسوية السلمية من جانب آخر حيث المصالحة لا تنفصل عن المفاوضات مع إسرائيل وعن التسوية ومتطلباتها .الحوار قد يحدث وهو جرى قبل ذلك ويجري اليوم  وقد تجلس حركتا فتح وحماس بوجود وسيط عربي أو بدونه وقد تستمر الحوارات لسنوات ولكننا لا نريده حوارا من أجل الحوار بل حوارا يؤدي لمصالحة وطنية،الحوار الذي لا يؤدي  للمصالحة الوطنية لا قيمة له وسيكون مصيره مثل مصير المفاوضات مع إسرائيل والتي استمرت سنوات دون حصاد وطني يرضى عنه الشعب.

 في ظل الحالة العربية الراهنة فإن أي مبادرة عربية للمصالحة ستكون نتاج توازنات عربية معقدة وشاقة،هذا إن اتفق العرب على مبادرة. في ظل الحالة العربية  المُطبِعة بغالبيتها مع إسرائيل أو متجهة نحو التطبيع لا يمكن للعرب استحداث مصالحة وطنية تتعارض مع شروط إسرائيل والولايات المتحدة، وحتى لا نعل من سقف تفاؤلنا وحتى لا نرمي المسؤولية منذ الآن على مصر والعرب ، فإن المصالحة التي تعني وحدة الموقف والسلطة والحكومة والأرض الفلسطينية ومنفتحة ومتواصلة مع العالم الخارجي لن تكون إلا على أرضية شروط الرباعية ومع وجود قوات عربية أو أجنبية لتضمن ما يتم الاتفاق عليه.

ولكن وحيث أن الأمر يدور عن حوارات والحوارات تعني البحث عن قواسم أو تفاهمات مشتركة تنتج عن تنازلات متبادلة تؤدي لمخارج مشرفة من الأزمة،يمكننا تصور عدة احتمالات أو سيناريوهات لشكل المصالحة ،وأعتقد أن المتحاورين سيكونون أمام الخيارات التالية للمصالحة:-

  1. المصالحة بمعنى الاتفاق على ثوابت ومرجعيات وطنية ضمن بنية النظام السياسي الذي أوجدته اتفاقية أوسلو،وهذا يشمل الاتفاق على حكومة واحدة وسلطة واحدة في الضفة وغزة. هذه المصالحة لا فرصة أمامها للنجاح إلا إذا كانت متصالحة مع الشروط التي سبق وأن وضعتها الرباعية فالدول العربية التي سترعى المصالحة لا تستطيع تحسين أو تغيير شروط الرباعية،وهنا لا تكمن المشكلة في تراجع حركة حماس عن انقلابها ولا بالأجهزة الأمنية ولا بالخلاف حول الانتخابات الرئاسية والتشريعية ومواعيدها،  فهذه تداعيات ونتائج لغياب الاتفاق على ثوابت ومرجعيات وطنية متوافقة مع شروط التسوية ،وهنا نذَّكر بأنه شُكلت بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة حكومة حمساوية وكانت النتيجة فرض الحصار على مناطق السلطة وحصار الحكومة بطبيعة الحال ومزيد من الفلتان والاقتتال الداخلي ،ثم شكلت حكومة وحدة وطنية بعد اتفاق مكة برئاسة حركة حماس التي استمرت ملتزمة بمواقفها المتعارضة مع شروط الرباعية وكانت النتيجة أيضا استمرار الحصار، ثم حدث الانقلاب فالفصل والقطيعة.وعليه لا يجوز العودة لحالة كانت فاشلة وخصوصا أننا لم نسمع من إسرائيل والرباعية تراجعا عن شروطهم  وكذا لا نسمع من حماس مواقف تشير لقبولها بشروط الرباعية ولا يظهر بالأفق تسوية دولية جديدة بشروط مغايرة أكثر توازنا وعدلا من تسوية أوسلو،وعليه فإن قاعدة المصالحة وشرطها ضمن المعطيات القائمة هي القبول بشروط الرباعية وإسرائيل.

 هذه المصالحة تحتاج لحكومة توافق وطني مشكلة من كل القوى السياسية تراعي وزن حماس في الانتخابات التشريعية الأخيرة،حكومة على رأسها رئيس وزراء من خارج الأحزاب السياسية و ببرنامج سياسي هو وثيقة الوفاق الوطني بعد وضع النقاط على الحروف بالنسبة لقضايا وردت بصيغة مبهمة وغامضة،وتحتاج هذه المصالحة لوجود أمني عربي وضمانات قوية من العرب حتى لا تحدث عمليات ثأرية وتصفية حسابات وخصوصا في قطاع غزة. كما يكون على رأس اهتمامات هذه الحكومة إعادة بناء الأجهزة الأمنية وتهيئة الظروف لانتخابات رئاسية. نخشى أن حركة حماس غير مستعدة لقبول مصالحة بهذا الشكل وقد تفضل التفرد بالسلطة على قطاع غزة مع استمرار الأوضاع على حالها على القبول بمشاركة في سلطة وطنية على كامل الأراضي المحتلة ضمن الشروط المطلوبة.

  • الخيار الثاني : مصالحة وطنية على أسس نظام سياسي جديد يحرر المشروع الوطني من استحقاقات التسوية المتعثرة ومن المقاومة الفصائلية والمغامرة،هذه المصالحة تتطلب تنازلات من الطرفين للوصول لقواسم مشتركة أهمها التعاطي مع فكرة السلام والشرعية الدولية وفي نفس الوقت إعادة النظر بالمفاوضات ونهجها وبكل ما أنتجت من ترتيبات أمنية وسياسية تقيد الإرادة الفلسطينية ،ولكن هذه المصالحة قد تؤدي لمواجهة مع إسرائيل وربما لإعادة النظر بوجود السلطة.ونعتقد أن العرب لن يكونوا متحمسين لدفع استحقاقات مثل هكذا مصالحة،وما أنتجت السلطة من مؤسسات وعلاقات ومصالح ستشكل عائقا أيضا أمام هذه المصالحة.
  • الخيار الثالث : مصالحة على أرضية تسوية الأمر الواقع الناتج عن الفصل،بمعنى تنظيم للعلاقة بين حالتين سياسيتين فلسطينيتين منفصلتين مؤقتا لحين تغير الظروف المحلية والإقليمية والدولية،وهذه المصالحة تعني وقف حملات التحريض والاعتقالات المتبادلة واعتراف بسلطة حركة حماس في غزة وسلطة حركة فتح والمنظمة في الضفة والسماح لكلا الحركتين وبقية فصائل العمل الوطني بحرية العمل السياسي في الضفة وغزة، مع العمل على إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية أو إطار سياسي جديد يشمل كل القوى السياسية بما فيها حماس والجهاد وحل إشكالية الرئاسة بحيث يكون رئيس واحد للشعب الفلسطيني في كل أماكن تواجده،وتتطلب هذه المصالحة دعم مطالب حركة حماس بفتح الحدود مع مصر  وبعدم إعاقة حماس لجهود الحكومة والسلطة في رام الله بمواصلة المفاوضات حول الضفة والقدس وقضايا الوضع النهائي .
  • ما نخشاه هو فشل العرب في التوصل لصيغة توافقية حول المصالحة أو تظهر مبادرة للمصالحة غير متوافق عليها عربيا وفي حالة رفضها من حركة حماس لن يكون أمام مصر  إلا رفع الحصار عن قطاع غزة ضمن شروط وبالتدريج  وهو ما سيؤدي لتعزيز الحالة الانقسامية بدلا من حلها،ومصر ستُقدِم على هذه الخطوة متسلحة بمبررات  أنها والعرب حاولوا عمل مصالحة ولم ينجحوا وأن الضغوط  الممارسة عليها لتفهم الحالة الإنسانية في القطاع هي التي دفعتها للإقدام على هذه الخطوة مع أن مصر تعرف بأن ما تريده حركة حماس هو كسر الحصار السياسي أي الاعتراف بسلطتها وشرعيتها وليس كسر الحصار الاقتصادي والإنساني..إقدام مصر على هذه الخطوة سيرضي حماس و أطراف أخرى ولكنها خطوة ستنهي المشروع الوطني الفلسطيني المتعارف عليه.

يمكن القول بأن المصالحة ضمن الخيار الأول هي الواقعية و الممكنة بالرغم من التحديات التي تواجهها ،ونجاحها قد يؤدي للخيار الثاني الأفضل وطنيا، إن لم تتجاوب إسرائيل مع متطلبات التسوية، فلا يمكن مواجهة استحقاقات التسوية والممارسات الإسرائيلية والضغوط الدولية إلا بنظام سياسي موحد وحكومة توافق وطني متصالحة مع الحالة الدولية ومتفهمة لتعقيدات المرحلة،بدون هذه المصالحة لن ينجح مشروع السلام الفلسطيني ولا مشروع المقاومة .

اعتراف حركة حماس بمرجعيات السلطة الوطنية وحتى بشروط الرباعية لا يعني أننا سننجز الدولة في اليوم الموالي للاعتراف بل يعني أننا كفلسطينيين سنواجه العدو و استحقاقات التسوية موحدين وستكون وحدتنا قوة في مواجهة مَن يفكر بالتلاعب بمسار المفاوضات وبقضايا الوضع النهائي وهو اعتراف سيمنح شرعية لكل أشكال المقاومة في حدود 67.هروب حركة حماس للأمام قد يؤدى لتسجيل نقاط نصر لها كحزب وكمشروع إسلامي ولكنه لن يحقق نصرا لفلسطين والفلسطينيين، ما ستعتبره حركة حماس نصرا فيما لو تم فتح معبر رفح في ظل حالة الانقسام والفصل هو هزيمة للمشروع الوطني أو رهنا له للمجهول. 

مع استمرار حوارات القاهرة لم يعد حديث في الشارع الفلسطيني إلا الحوار والمصالحة ، أما الاحتلال،القدس ،اللاجئون ،التسوية ،المقاومة، أمور أصبحت في الدرجة الثانية من الاهتمام ومجرد عناوين فرعية في نشرات الأخبار، إن ذكرت أصلا،أو تُدرج ضمن سياق الحديث عن الحوار والمصالحة، بمعنى أنها أمور معلقة ومؤجلة لما ستسفر عنه حوارات المصالحة في القاهرة،وللأسف فإن العقل والخطاب السياسي الفلسطيني أصبح منشغلا بالخلافات الداخلية على حساب الانشغال بالعدو المشترك وهو الاحتلال وتداعياته،حتى بتنا نشعر بالتردد بل بالخجل من الكتابة أو الحديث عن الخلافات الداخلية فيما إسرائيل تواصل الاستيطان وتهويد القدس وإذلال الشعب سواء في غزة أو بالضفة والقدس وحتى بالنسبة لفلسطينيي الداخل.

كان السؤال الذي يتردد على لسان كل فلسطيني وفي قطاع غزة أكثر من الضفة:هل تنجح حوارات المصالحة أم تفشل؟ أو هل أنت متفائل أم متشائم ؟وللأسف فإن الحالة النفسية السائدة كانت  أقرب للتشاؤم منها للتفاؤل،ويمكن تفهم هذه الحالة التشاؤمية انطلاقا من فشل حوارات عديدة سابقة ومن خلال استمرار التحريض و التصريحات الاستفزازية في وسائل إعلام طرفي المعادلة دون ممارسات ملموسة على الأرض تهيئ ظروف حوار ناجح ،أيضا من خلال غموض ردود الفصائل على الورقة المصرية للمصالحة وهي ردود في غالبيتها تقول نعم ولكن.

إلا أن أخطر ما يواجه المصالحة على أساس وحدة المشروع الوطني ووحدانية التمثيل للشعب الفلسطيني هو تفشي قناعة أو تفكير عند نخبة سياسية يتزايد عددها باستمرار تنظر لما جرى ليس كشر مطلق ولكن كتسوية مؤقتة حتى وإن كانت من تخطيط العدو وتخدم مصالحه، فمن باب (رب ضارة نافعة) يرى هؤلاء أن حالة الفصل الراهنة قد تكون حلا مؤقتا للخلافات السياسية ولتعثر التسوية ومأزق المقاومة،بمعنى أن الفصل قد يخفف من الصراع الداخلي أو يخلق حالة من فك الاشتباك ويملأ الفراغ  الناتج عن تراجع الاهتمام السياسي الدولي بالقضية الفلسطينية إلى حين حدوث متغيرات إقليمية ودولية تدعم المشروع الوطني وتغير من موازين القوى،وهذا التفكير أو التوجه تدعمه قيادات سياسية عند طرفي الصراع ولكلٍ أهدافه الخاصة وهو توجه تدعمه بطريقة خفية أنظمة عربية وإقليمية.

ومع ذلك وبعد كل ما جرى ويجرى للفلسطينيين وصيرورة القضية الفلسطينية برمتها في مهب الريح،وبعد اتضاح المأزق الذي تعيشه التسوية المعلنة ومن يراهن عليها والمأزق الذي يعيشه القائلون بالمقاومة المسلحة كخيار وحيد ،وبعد أن بات واضحا أن حكومة بالضفة لا تستطيع القيام بتمثيل المشروع الوطني ولا القيام بأعبائه ما دامت ولايتها مقتصرة على الضفة الغربية، وأن حكومة بغزة لا تملك مشروعا وطنيا ولا تستطيع أن تنجز المشروع الوطني حتى وإن ادعت أن لها مشروعا وطنيا،وبعد أن أصبح كل يوم يمر إلا و يزيد من مأسسة الانفصال داخليا وخارجيا، بعد كل هذا تصبح المصالحة ضرورة وطنية وضرورة سياسية لكل القوى السياسية التي تدعى تمثيل الشعب الفلسطيني أو تسعى له، حيث لا مشروع وطني إن لم يكن مشروع كل الشعب وعلى كل الأرض، ذلك أنه من الوهم الاعتقاد أن قطاع غزة يمكنه أن يشكل ويحتوي المشروع الوطني وكذا الأمر بالنسبة للضفة الغربية .

وعليه فإن سؤال المصالحة اليوم يجب ألا يكون هل تنجح المصالحة أم لا ؟ بل كيف نُنجِح المصالحة ؟ إن من يريد أن يبحث عن مؤشرات أو موجبات الفشل لن تعوزه الأدلة التي تعزز تخوفاته وهي أدلة كثيرة وملموسة ،ولكن في نفس الوقت فإن من يريد نجاح المصالحة ويشعر بأن مصير الشعب والقضية مرتبط بنجاحها سيجد أيضا من الأدلة والمعززات ما يجعل المصالحة ممكنة بل وضرورة وطنية.

إن المراهنة على نجاح المصالحة يجب أن لا تؤسس على الايديولوجيا التي تغلف خطاب كل طرف أو المصالح والعلاقات الخارجية التي تحد من حريته في اتخاذ القرار بل من الأصالة الوطنية الفلسطينية القابعة تحت قشرة الأيديولوجيات وركام المصالح الآنية،لو قشطنا القشرة الخارجية -الأيديولوجيا -عن خطاب كل سياسي أو مواطن فلسطيني  لوجدنا تحتها وجه الفلسطيني الأصيل أبن النكبة والمعاناة وابن البلد الذي تشرَّب حب فلسطين وعَشِق اسمها وجبالها وسهولها ومخيماتها وزيتونها وبحرها، الايديولوجيا والمصالح أمور عابرة ومؤقتة ولكن الانتماء للوطن هو الشيء الأصيل .

المراهنة على الولايات المتحدة وعشقِها من طرف البعض لن يغير من السياسة الأمريكية المتحيزة تجاه إسرائيل ولن يجعل أمريكا نصيرا لهؤلاء في تحقيق رؤيتهم للمشروع الوطني حتى ضمن الاتفاقات التي رعتها أمريكا نفسها،كما أنها مراهنة لن تجعل هؤلاء أصدقاء لأمريكا لأنه لا صداقات دائمة عند الأمريكيين وهي أيضا مراهنة لن تجعل أمريكا وطنا لأبنائهم بديلا عن فلسطين،والمراهنة على الايدولوجيا الإسلامية ومن يمثلها خارجيا لن يجعل من دولة الخلافة المنشودة بديلا عن الوطن الفلسطيني ولن يجعل من هؤلاء المراهنين وأبنائهم مواطنين في دولة الخلافة المزعومة أو مواطنين في أي دولة إسلامية ولن تقبل أي دولة من دول الممانعة التي تدعم الإسلاميين الفلسطينيين أن تمنح هؤلاء وأولادهم مجرد إقامة على أراضيها،فلا بديل عن فلسطين إلا فلسطين ولا كرامة للفلسطيني إلا بوطنه.

حتى تنجح المصالحة يحتاج الأمر للمصارحة حيث إن المكابرة لا تؤسِس لمصالحة حقيقية،ونقصد بالمصارحة النقيض للمكابرة، التخلي عن أوهام الشرعية التي يدعيها كل طرف:أوهام شرعية الانطلاقة الأولى أو الشرعية التاريخية فالتاريخ لا يمنح شرعية سياسية دائمة،وأوهام الشرعية الدينية فالدين لا يمنح شرعية سياسية وهو لم يمنحها لأحد بعد الرسول محمد، وأوهام شرعية الانتخابات حيث الانتخابات التي تمنح الشرعية السياسية هي الانتخابات الدورية وهي بمثابة تفويض مؤقت مشروط بنجاح الفائز بالتقدم نحو إنجاز المشروع الوطني وليس تقسيمه أو التخلي عنه ،أيضا هي الانتخابات التي تقوم على المشاركة السياسية والاعتراف بالآخر والاعتراف بمرجعيات النظام السياسي وقانونه الأساسي.

المصارحة تعني الاعتراف بالمقابل بأن الجميع أخطا بحق الشعب والقضية الوطنية، ربما لم تكن أخطاء مقصودة ومخططة بل نتيجة اجتهادات خاطئة ولكن حتى في هذه الحالة فالمسؤولية لا تسقط لأن الشعب والقضية ليسا حقل تجارب.ونعتقد أن الاعتراف بالخطأ أو النقد الذاتي لن يقلل من قيمة أو هيبة أحد وخصوصا أن غالبية الشعب تعترف وتقبل بواقع أن حركتي فتح وحماس هما عماد النظام السياسي ولا بديل عنهما لقيادة الشعب في هذه المرحلة الحرجة،حتى وإن تَطَلَب النقد الذاتي والاعتراف بالخطأ تقديم تنازلات ،فهذه التنازلات لن تذهب لصالح الطرف الثاني بل لمصلحة الوطن ومن يتنازل للمصلحة الوطنية لا يخسر شيئا بل سيكسب احترام الشعب.

   لكل ما تقدم يجب أن ينجح الحوار ويؤدي لمصالحة وطنية ليس كنصوص على ورق ولكن كممارسة على الأرض تتجسد بعودة وحدة النظام السياسي والسلطة..إن الحوارات الجارية اليوم بين القوى السياسية الفلسطينية تختلف عن كل الحوارات السابقة ونتائج الفشل ستكون أكثر وبالا من فشل الحوارات السابقة، ذلك أن الحوار يجري اليوم بين فريقين كل منهما يسيطر على أرض- في ظل الاحتلال- وله سلطة وحكومة وعلاقات خارجية تدعم وجوده وتشرعن هذا الوجود،وهناك أوضاع انفصالية تُكرَس كل يوم بمعنى أن فشل جولة الحوار هذه لا يعني انتظار جولة جديدة بفرص أفضل بل تكريس القطيعة بشكل نهائي.

يجب أن لا نغيِّب الدور الإسرائيلي، فحيث أن إسرائيل هيأت المسرح لحدوث الفصل والقطيعة فهي معنية باستمرارها ،وهنا يجب التحذير من مخططات إسرائيلية تهدف لإفشال المصالحة كتكثيف الاستيطان والاعتداءات على المواطنين والمقاومين بالضفة أو التهديد بإفشال التهدية القائمة بغزة إن تقدمت المصالحة الوطنية،وهناك  وسيلة أخرى بدأت إسرائيل باللجوء لها وهي رفع الحصار عن القطاع بطرق ملتوية كما جرى مع شرعنة الأنفاق بين غزة ومصر والسكوت عنها.

المصالحة الفلسطينية ضرورة وليست خيارا[89]

هل كان من الضروري أن يحدث الانقسام والحصار والعدوان العسكري المتكرر على قطاع غزة ، والهجمة الاستيطانية المتعاظمة في الضفة لنكتشف أهمية وضرورة المصالحة والوحدة الوطنية؟وهل كان من الضروري المراهنة مجددا على العالم الخارجي بكل أبعاده الإقليمية والدولية الرسمية والشعبية لنكتشف أن ما حك جلدك مثل ظفرك ولن يكون أحد أكثر فلسطينية من الفلسطينيين؟ وهل كان الأمر يحتاج لكل هذه المعاناة المباشرة من تقتيل واستيطان واعتقالات وتصفيات وتحريض وتخوين وتكفير لأهلنا في غزة و الضفة والمعاناة غير المباشرة لأهلنا في الشتات وهم يبكون ويتألمون على ما وصلت إليه أمورنا في الداخل، لنكتشف أن لا بديل عن الوطن إلا الوطن ولا بديل عن المشروع الوطني إلا المشروع الوطني التحرري،ولنكتشف أن الوطن ليس حكومة وسلطة وأن غزة ليست فلسطين؟وهل كنا بحاجة للانتظار حتى يصل  اليمين الصهيوني للحكم في إسرائيل الذي لا يؤمن بالسلام ولا يعترف بأي مواثيق واتفاقات مع الفلسطينيين لنكتشف أن المفاوضات عبثية وأن ما جنته إسرائيل منها أكثر بكثير مما جناه الفلسطينيون ولنكتشف أن المشروع الوطني مهدد بالضياع والقضية الوطنية برمتها أصبحت في مهب الريح؟.

 بعد كل عدون على قطاع غزة كان ينعقد موسم توظيف المشهد المأساوي لنتائج العدوان لأغراض ليس لها علاقة بفلسطين، سواء كان المشاركون في موسم البكاء والعويل قوى سياسية أو فضائيات. خرجت الجماهير العربية والإسلامية والأجنبية في مسيرات ومظاهرات، احتجوا ولعنوا وهددوا وبكوا ثم عادوا إلى بيوتهم في انتظار مجزرة صهيونية جديدة ومظاهرات جديدة . ربما التحرك الشعبي يبلغ رسالة مهمة للأنظمة وخصوصا العربية والإسلامية التي لها مشاكل مع الجماعات الإسلامية ومع جمهورها بشكل عام، وربما يُبنى على هذا التفاعل الجماهيري مع القضية  للمستقبل إن أحسنا كفلسطينيين توظيفه للمصلحة الوطنية وليس لحسابات حزبية،ولكن لا يمكن لهذه الجماهير تقديم مدد حقيقي الآن للفلسطينيين لمواجهة العدوان الصهيوني، ونحن نقدر الظروف التي تعيشها الجماهير مع أنظمة الحكم,جمعت ملايين الدولارات وآلاف الأطنان من المواد الغذائية والطبية الخ ودخل منها القليل والكثير ينتظر إذنا من العدو .

عُقدت قمم عربية ولم ينتج عنها إلا قرارات هروب للأمام ومزيد من انقسام الحالة العربية، و تأكيد مواقف سابقة وإحساس متزايد بالخوف على أنظمتهم ووجودهم. الفلسطينيون وحدهم بقوا في الميدان في مواجهة الدمار والحصار وعذابات الآلاف من أسر الشهداء والجرحى وفي مواجهة الاعتداءات والاستيطان وفي مواجهة حكومة إسرائيلية يمينية قادمة لا تهدد فقط حركة حماس والمقاومة بل تهدد مشروع السلام الفلسطيني وتعلن بوضوح أن الضفة جزء من أرض إسرائيل ولا تقسيم للقدس ، فماذا نحن فاعلون؟.

مع كل حوار للمصالحة كنا نأمل أن أطراف المعادلة من الفلسطينيين- وخصوصا حركتي فتح وحماس- أصبحوا أكثر إدراكا لخطورة المرحلة ولثقل المسؤولية الملقاة على عاتقهم ،وأكثر إدراكا لمعادلة جديدة للصراع في المنطقة تُطبخ على نار هادئة سيكون وقودها كل الحالة النضالية الفلسطينية والتاريخ الوطني،  معادلة ستتجاوز منظمة التحرير وحركة فتح وحركة حماس وكل من ينتمي لنهج الثورة والجهاد،وكنا نأمل أن يدرك المشاركون في الحوارات بأن الانقسام الداخلي حوَّلنا إلى لاعبين صغار في قضية هي قضيتنا الوطنية،ومع ذلك فإننا نؤمن أنه لا يمكن أن يمر أي مخطط تصفوي لقضيتنا إلا إذا وجد المخططون أدوات فلسطينية لتمريره ومن هنا تأتي أهمية المصالحة الوطنية.

حتى ندرك أهمية المصالحة الوطنية علينا أن نتصور ما سيكون عليه حالنا لو فشلت جهود المصالحة الوطنية؟ما هو مستقبل قطاع غزة ؟ ما هو حال ومصير الضفة والقدس؟ ما هو مصير الشعب الفلسطيني بالشتات؟ ما هو مصير القضية الفلسطينية برمتها؟. فلنفترض أن الحصار قد رُفِع عن القطاع وأن التهدئة قد ثبتت وأن المعابر(خصوصا معبر رفح) قد فُتحت بدون مصالحة، فماذا بعد؟هل ستكون غزة دولة قائمة بذاتها؟.وما العلاقة التي ستربطها بالضفة؟وهل ستتحول غزة قاعدة للانطلاق لتحرير الضفة فيما فصائل المقاومة ملتزمة بالتهدئة ؟وهل سيعترف العالم بدولة غزة كبديل عن الدولة الفلسطينية؟ وهل سيكون لدولة غزة جواز سفر وبطاقة هوية ومناهج تعليم وسفارات خاصة بها؟.

أيضا التساؤلات تفرض نفسها بالنسبة للضفة الفلسطينية،ذلك أن فصل غزة عن الضفة معناه أن تتفرد إسرائيل بالضفة استيطانا وتهويدا وأن ينتهي وجود المشروع الوطني هناك حيث العدوان القادم سيكون على الضفة بعد أن تؤمن إسرائيل حدودها مع غزة بالتهدئة،وحيث الحكومة الفلسطينية هناك مجرد مسيرة لأعمال الحياة اليومية للمواطنين دون حول ولا قوة لها لوقف الاستيطان وحملات الاغتيال والاعتقال التي يقوم بها العدو. فشل المصالحة الوطنية معناه تكريس الانقسام واختزال فلسطين بغزة وقد لا تمانع دول كثيرة بالاعتراف بحكومة غزة إن كان ثمن هذا الاعتراف تخلي الفلسطينيين عن المقاومة و الضفة والقدس وحق العودة أو تركها للمجهول، وأسئلة كثيرة مقلقة ستفرض نفسها فيما لو فشلت المصالحة الوطنية.

لجان الحوار الوطني : مهام صعبة ولكنها ليست مستحيلة [90]

بعد حوارات مكثفة ما بين 10إلى 19 مارس 2009 تم الاتفاق على تشكيل خمس لجان رئيسية  تتكفل بالملفات الأساسية لإيجاد مخارج للقضايا المكلفة بها، وتسهيلا للمهمة أعلن الدكتور فياض عن استعداده لتقديم استقالة حكومته كبادرة حسن نية لتشجيع المتحاورين وللتهيئة لتشكيل حكومة توافق وطني . هذا لا يعني أن العقبات قد ذللت وأن قطار المصالحة انطلق ولن يتوقف إلا عند محطة المصالحة النهائية ، فالتعثرات واردة وإمكانية تدخل أطراف خارجية لإعاقة الحوار واردة وقد تكون أقوى من الإرادة الوطنية بالمصالحة،ولكن يبقى عنصر الإرادة الوطنية ضروري وهو الأساس وخصوصا إرادة الرئيس أبو مازن وحرصه على المصالحة لحرصه على المشروع الوطني الذي كان أحد مؤسسيه وفي سبيله تعرض لكثير من الاستفزازات بل والإهانات.

انطلاقا من حرصنا ورغبتنا بإنجاح الحوار أبدينا الملاحظات التالية بالنسبة لبعض اللجان متمنين أن تؤخذ بعين الاعتبار من طرف المتحاورين في القاهرة:-

أولا : بالنسبة للجنة الحكومة

بالرغم من تداخل الملفات إلا أن النجاح في لجنة الحكومة سيشكل مدخلا للنجاح في عمل اللجان الأخرى ،ولا نقصد بالحكومة المحاصصة والاتفاق على نصيب كل طرف من المقاعد بل البرنامج السياسي لهذه الحكومة ، فبدون برنامج سياسي واضح ومحل توافق وطني ومتصالح مع الحالة العربية والدولية لن تتمكن الحكومة من الإقلاع وستتكرر تجربة حكومة الوحدة الوطنية الناتجة عن لقاء مكة . إسرائيل تجلس في حالة ترقب وقد تجد في برنامج الحكومة مبررا لعدم التعامل معها، وعليه يجب نزع الذرائع  حتى وإن تطلب الأمر اعتراف هذه الحكومة بإسرائيل لأنه لا يعقل أن تشكل حكومة وتقوم بمهامها بدون الاعتراف بإسرائيل حيث المشاكل الأساسية هي مع إسرائيل التي بيدها كل المعابر وقد جربت حركة حماس فتح المعابر بدون تسوية سياسية ولم تفلح ،وإن كان الاعتراف بإسرائيل يحرج حركة حماس فيمكنها البقاء خارج الحكومة خلال هذه المرحلة الانتقالية أو تنسّب وزراء لا يكونوا من أعضائها .

هناك جانب أخر له أهمية وهو أن فشل لجنة الحكومة قد ينعكس سلبا على المصالحة الوطنية برمتها فيما نجاحها سيذلل العقبات ويخلق حالة نفسية مشجعة عند الجمهور وسيساعد نجاحها كثيرا في التعامل مع المصالحة الشعبية والاجتماعية، .أيضا يجب التعامل بجدية عند اختيار الوزراء فهذه الحكومة سيعلق عليها كثير من الآمال بعد فشل حكومة الوفاق الوطني وأزمة الحكومتين الحالتين، وشخصية رئيس الوزراء ووزير الداخلية سيكون لهما أثر مهم عند التعامل مع الملف الأمني حيث القول بالاحتكام لقانون الخدمة بهذا الشأن  لن يكون حلا سهلا وكافيا فالأمر يحتاج لحلول إبداعية.  أيضا قد يطول عمر هذه الحكومة في حالة عدم إجراء الانتخابات في موعدها المفترض في يناير 2010 وهو احتمال وارد جدا،وبالتالي يجب عدم التعامل مع  الحكومة المنوي تشكيلها بارتجالية أو اعتبارها حكومة مؤقتة وبملفات محددة .

ثانيا: بالنسبة للجنة الانتخابات

ستواجه لجنة الانتخابات تحديات متعددة سواء من حيث الاتفاق على موعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية أو من حيث قانون الانتخابات ،ولكن نجاح هذه اللجنة ونجاح العملية الانتخابية بشكل عام غير متوقف على تذليل هاتين العقبتين بل على التوافق الوطني حول أسس ومرجعيات النظام السياسي. فقد جرت انتخابات تشريعية ورئاسية نزيهة ولكنها بدلا من أن تُخرج النظام السياسي من مأزقه زادته تأزما،والسبب أن المتنافسين على الانتخابات ينطلقون من مرجعيات ورؤى متناقضة ومختلفة على أساسيات النظام السياسي، فالانتخابات كآلية للتداول على السلطة تشترط اتفاق القوى السياسية على أساسيات النظام السياسي والاختلاف في إطارها وليس عليها. لا يمكن إعمال تداول السلطة بين متناقضات، ففي الديمقراطيات الغربية مثلا الكل متفق على كون النظام السياسي ليبرالي تعددي ورأسمالي وعلماني وداخل هذه الثوابت يختلفون على كيفية إدارة النظام ومن ينجح في الانتخابات يمارس الحكم في إطار هذه الثوابت ومن يفشل يمارس المعارضة في إطارها أيضا وإلا سيكون خارجا عن القانون.وعليه نتمنى أن يحدث توافق وطني حول موضوعات السلام والمفاوضات والمقاومة والدولة قبل اللجوء إلى الانتخابات وإلا ستتكرر تجربة انتخابات يناير 2006.

ثالثا: بالنسبة للجنة منظمة التحرير الفلسطينية

منذ أن ظهرت حركة حماس والجدل محتدم حول موقعها قي النظام السياسي وعلاقتها بمنظمة التحرير وهل هي شريك أم بديل للمنظمة؟،وبالرغم من عشرات جولات الحوار التي انطلقت بداية التسعينيات لم يتم التوصل لتفاهم بين حركتي حماس وفتح حول الموضوع وما زال السؤال مطروحا إن كانت حركة حماس شريكا أم بديلا؟ لو كان الخلاف حول نصيب كل طرف في الشراكة لهان الأمر حيث يمكن تعميم نتائج الانتخابات التشريعية على منظمة التحرير بمعني أن تكون نسبة تمثيل كل فصيل في مؤسسات المنظمة مساوية لنسبة تمثيله بالمؤسسة التشريعية،أو تجرى انتخابات على مستوى المنظمات والاتحادات الشعبية وتعمم نتائجها أو يتم الجمع بين الحالتين:الانتخابات التشريعية وانتخابات المنظمات والاتحادات الشعبية،ولكن يبدو أن الخلاف أكبر من ذلك خلاف حول القيادة والزعامة للشعب الفلسطيني وهو الأمر الذي يتم إخفاءه بالحديث عن البرنامج السياسي للمنظمة،لأن البرنامج السياسي الذي تم التوافق عليه في الجزائر (وثيقة الاستقلال) 1988 وافقت عليه حركة حماس من خلال تصريحات أكثر من مسئول، أما إن كان الخلاف حول الاعتراف بإسرائيل فنعتقد أن هذه العقبة مرتبطة بالارتباطات الخارجية لحركة حماس أكثر مما هي تعبير عن قناعات سياسية عند قيادات حماس بالداخل الذين يدركون خصوصية الحالة الفلسطينية وثقل ضغط الجغرافيا السياسية.

نتمنى أن تتمكن لجنة منظمة التحرير من الاستفادة من إرث ورصيد منظمة التحرير ومن المكتسبات التي حققتها دوليا ومن طابعها الوطني الجامع وفي نفس الوقت الأخذ بعين الاعتبار مستجدات الواقع وخصوصا وجود حركة حماس والجهاد الإسلامي والمبادرة الوطنية كقوى فاعلة وخصوصا حركة حماس .ويمكن التفكير بتشكيل قيادة عمل وطني داخل الوطن من كل القوى الوطنية وبعض الشخصيات المستقلة تتصدى لتحديات المرحلة الراهنة وأن يتم الاشتغال على إعادة بناء منظمة التحرير بهدوء وبدون الوقوع تحت ضغط زمن محدد،وهذا لا يعني أن قيادة العمل الوطني ستكون بديلا عن المنظمة بل ستكون قيادة  ميدانية ومؤقتة وبمهام محددة داخل الوطن تذلل العقبات أمام مختلف اللجان وتدعم جهود إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير.

رابعا: بالنسبة للجنة المصالحة الوطنية

كما هو ملاحظ فهذه اللجنة تحمل اسم كل العملية السياسية الجارية فكل اللجان تندرج في إطار المصالحة الوطنية حيث كل لجنة مكلفة بجانب من جوانب المصالحة هذا يوحي بأن عمل هذه اللجنة سيكون على مستوى المصالحات الشعبية على المستوى العائلي والعشائري. النجاحات التي ستحققها اللجان السياسية والأمنية ستسهل كثيرا من عمل هذه اللجنة فكثير من القضايا الثأرية ستخف حدتها إذا تقدمت المصالحة السياسية ومن هنا فإن التنظيمات السياسية وخصوصا حركتي فتح وحماس سيكون لهما الدور الرئيس في إنجاح هذه اللجنة كما أن نجاح هذه اللجنة سيكون مرتبطا بتفعيل دور القانون والقضاء وبجهد ومشاركة من لجان الإصلاح والمخاتير الذين لهم دراية في هذا المجال،ومن الملاحظ أن العبء الأكبر الملقى على عاتق هذه اللجة سيكون في قطاع غزة حيث عدد المتضررين أكبر بكثير مما هو في الضفة.ولكن ما نود التأكيد عليه أن هذه اللجنة يجب أن تستمر بعملها يغض النظر عن مدى التقدم الحاصل في اللجان الأخرى وحتى لو فشلت اللجان وفشل الحوار كان يجب على لجنة المصالحة الوطنية الاستمرار بعملها حيث ستسند إليها آنذاك مهام المصالحة السياسية أيضا،وقد لاحظنا كيف أن غياب لجنة وطنية عليا للمصالحة أدى لتفاقم الأمور واستدعى تدخل أطراف خارجية في شؤوننا الداخلية.

نحو مفهوم جديد للمصالحة  والشراكة السياسية [91]

لم يكن الأمر بحاجة لخطاب السيد خالد مشعل يوم الحادي عشر من أكتوبر 2009، ولا لخطاب الرئيس أبو مازن في اليوم الذي يليه في مدينة جنين، لننفض اليد من أية مراهنة على نجاح المصالحة الموعودة. فعندما يعود السيد خالد مشعل للمربع الأول ويؤكد على أن لا بديل عن تحرير كل فلسطين من البحر إلى النهر وأن المقاومة هي الخيار الاستراتيجي الوحيد لحركة حماس، فإنما لا يريد المصالحة أو لا يرى إمكانية لها ،ولو كان السيد خالد مشعل يرى إمكانية للمصالحة بما هي عودة الأمور إلى ما كانت عليه، لأبقى الباب مواربا للحلول الوسط، ولكن وحيث أنه لا يريدها فقد فضَّل أن يكسب الشارع والجمهور العربي والإسلامي الذي بدأ يثير تساؤلات حول نهج حماس ومدى ثباتها على مواقفها.أيضا لم يكن الأمر بحاجة لخطأ طلب تأجيل تقرير جولدستون لتعلن حماس تهربها من المصالحة الوطنية  وتطلب تأجيل جلسة التوقيع على المصالحة، ،ولم تكن مصر بحاجة لطلب حماس بالتأجيل لتوافق بسرعة وتعلن التأجيل ،وما كان من الضروري كل هذه المناورات والاتهامات المكشوفة والمبطنة للفلسطينيين بأنهم سبب فشل المصالحة ليعلن الوزير أبو الغيط أن لا فرص للمصالحة ، قبل أن يتراجع ويمنح مهلة أيام للطرفين (المشاغبين اللذين لا يعرفان مصالح وطنهما ) للتوقيع على الورقة المصرية – مجرد توقيع –، فأبو الغيط والحكومة المصرية يعلمان جيدا أنه لا توجد إمكانية لنجاح مصالحة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه قبل أحداث يونيو 2007.كما لم يكن تهرب حماس من المصالحة وتردد الموقف المصري مفاجئا لمتنفذين في  السلطة وفي تنظيم فتح ولا بالنسبة لأصحاب القرار في واشنطن وتل أبيب وعواصم عربية.

حركة حماس لم تكن بالأساس تريد مصالحة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه من حكومة وسلطة واحدة في الضفة الغربية وقطاع غزة  ملتزمتين بنهج التسوية بما يترتب على ذلك من تخليها عن السلطة والحكومة في قطاع غزة، ولم تكن ترغب بالاحتكام  للعملية الانتخابية مرة أخرى.كما أن مصر لم تكن جادة في احتضانها لجلسات الحوار وفيما تطرح من أوراق للمصالحة، فآخر ورقة كانت واضحة بأنها خضوع للأمر الواقع وتكريس للانقسام مع إيجاد آليات لتنظيمه وتمريره بشكل متدرج،أيضا فإن قيادات في السلطة الفلسطينية وعواصم عربية وأجنبية كانت تدرك حقيقة ما يجري ،كانت تدرك أن كل الحديث عن الحوار والمصالحة الوطنية منذ أحداث منتصف يونيو 2007 حتى اليوم كان مجرد تخدير للجمهور الفلسطيني وكسبا للوقت  لإخفاء الفشل والعجز، إن لم يكن التواطؤ المبطن ،الأمر الذي أتاح الفرصة لحركة حماس لتكريس سلطتها في القطاع ولتعويد الناس على التكيف مع واقع الانقسام.

لأن كل الأطراف كانت مشاركة في مخطط فصل غزة عن الضفة أو تعلم به وعاجزة عن وقف مساره ، فإنها تخفي حقيقة ما يجري بشعارات كبيرة عن رغبتها بالمصالحة الوطنية وفي تحميل كل طرف لأطراف الأخرى مسؤولية فشل المصالحة ،وفي نفس  الوقت  فكل الأطراف المشار إليها تغذي حالة الانقسام بطرق متعددة بعضها معلن ومكشوف وبعضها خفي، فلا يُعقل أن حكومة حركة حماس تعيش سنوات على أموال ومتطلبات حياة لحوالي مليون ونصف من السكان من خلال ما يأتيها  عبر الأنفاق وبدون علم مصر وإسرائيل وواشنطن! كما أن استمرار السلطة الفلسطينية بدفع رواتب ومساعدات أو كما يقولون بأن 58% من ميزانية السلطة تذهب لغزة ليس بدافع الواجب الوطني أو الإنساني بل بأمر من الدول المانحة وخصوصا واشنطن حتى تتمكن حركة حماس من حكم قطاع غزة وتثبت وجودها فيه،فقرار بهذا الحجم -58% من الميزانية لغزة- لا يستطيع سلام فياض اتخاذه منفردا.

 صحيح أننا حتى آخر لحظة كنا نؤكد على المطالبة بإنجاح حوارات المصالحة ونحذر من النتائج الوخيمة لفشل المصالحة ولكن ذلك حتى نبقي جذوة الأمل متقدة عند الجمهور.كنا نعلم حقيقة ما يجري وبألا جدوى من كل جلسات الحوار،وندرك بأن  قيادات كبيرة في التنظيمات الفلسطينية التي شاركت في جلسات الحوار و  كل من احتضن هذه الحوارات  من دول عربية وخصوصا مصر،كانوا يدركون الحقيقية –وقد كتبنا أكثر من مقال حول الموضوع-،حقيقة أن ما جرى ليس مجرد خلاف سياسي بين فتح وحماس يمكن حله بمصالحة على الطريقة العربية أو بمحاصصة وزارية ووظيفية ،بل كان توظيفا لهذا الخلاف من طرف إسرائيل ودول إقليمية وقيادات سياسية فلسطينية للبناء عليه لتنفيذ مخطط بديل للمشروع الوطني الفلسطيني لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي يقول بدولة في الضفة الغربية وقطاع غزة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين ، مخطط تقاسم ما أنجزته التسوية وما تبقى من المشروع الوطني ولو كشعارات ، بما يرضي كل الأطراف الفلسطينية المشاركة ،أما الدول العربية المشاركة مباشرة وهي مصر والأردن وقطر فكان لكل منها دور ولكل منها نصيب ،و كل من يدرك حقيقة علاقة هذه الأنظمة بواشنطن وإسرائيل يعلم ما هو الثمن ،هذا ناهيك عن إسرائيل التي هيأت كل الشروط والظروف المناسبة لواقعة الانقسام،فالانقسام أعفاها من أي استحقاقات تتعلق بالانسحاب من الأرضي المحتلة كما تنصص الاتفاقات الموقعة ومنحها مزيدا من الوقت لتستكمل مشروعها الاستيطاني والتهويدي في الضفة والقدس.

إذن ما جرى ويجري ليس مجرد خلاف بين فتح ومعها السلطة من جانب وحماس من جانب آخر، حتى الصورة التي راجت حول كون الخلاف يدور بين مشروع إسلامي تقوده حركة حماس ومشروع وطني تقوده حركة فتح ،لا تعكس الواقع  تماما أو لا تعبر عن كل المشهد ،بل كانت تسويقا للخلاف يخفي حقيقة المخطط، ويضفي شرعية ما على كل طرف ،حيث يسمح لحماس بأن تزعم بأنها تمثل المشروع الإسلامي الجهادي ،ويسمح لحركة فتح والسلطة للزعم بأنهما يمثلان المشروع الوطني .

ما جرى ويجري هو تسوية سياسية خفية شارك فيها بشكل مباشر أو غير مباشر- بعلم ومشاركة من البعض وبجهل من آخرين – مَن يُفترض أنهم أعداء: مسئولين من فتح والمنظمة والسلطة ، وقيادات من حماس، وإسرائيل وواشنطن ،ولعبت أنظمة عربية دور العراب وخصوصا مصر التي تكفلت بفتح والسلطة ،وقطر التي تكفلت بحركة حماس. كانت هذه التسوية في حالة كمون ولكن محل تفكير في مراكز القرار الإسرائيلي منذ توقيع اتفاقات أوسلو،وانتقلت من  التفكير إلى التنفيذ عندما فشلت حوارات كامب ديفيد واندلعت الانتفاضة عام  2000 ،وباتت تطبخ على نار هادئة عام  2002  عندما تمت محاصرة الرئيس أبو عمار بالمقاطعة  وأخيرا تم تخريجها تحت عناوين مخادعة، كالقول بالحسم العسكري بالنسبة لحماس والانقلاب بالنسبة لحركة فتح، فيما الحقيقة انه لم يكن لا حسما ولا انقلابا بل تسوية أمر واقع غير معلنة .

 حتى آخر لحظة كان يراودنا الأمل بأن تكون رؤيتنا للأمر غير صحيحة وأن المصلحة الوطنية والانحياز للوطن وللشعب سيتغلبان على أي حسابات ضيقة عند الأحزاب السياسية ، ولكن للأسف فإن القوى الدافعة نحو الانقسام والمستفيدة منه أقوى من قوى المصالحة والمصلحة الوطنية ، كانت سيرورة الأحداث وموازين القوى تخدم هذا التوجه. كان كل يوم يمر على حماس وهي في السلطة يبعدها عن نهج المقاومة وعن المصالحة الوطنية،حيث كان عليها أن تختار بين السلطة والمقاومة ،وبين السلطة والمصالحة، وقد خيرتها تل أبيب وواشنطن بين الأمرين أكثر من مرة وبطرق مباشرة وغير مباشرة،ويبدو أنها اختارت السلطة.كان كل يوم يمر على الانقسام يُنتج ويؤسس في قطاع غزة ولدى حماس في الخارج نخب جديدة ومكاسب وارتباطات وواقع يجعل التراجع أكثر صعوبة ،أيضا كان  كل يوم يمر على السلطة في الضفة إلا ويجعلها أكثر ضعفا وبالتالي أكثر ارتهانا للشروط الأمريكية والإسرائيلية ، وأكثر ضعفا على طاولة المفاوضات،وأكثر تكيفا مع واقع الانقسام، ولم يكن تعثر مفاوضات التسوية ببعيد عن الموضوع بل كان مقصودا ومدروسا من طرفي معادلة المفاوضات لفسح المجال لتسوية الانقسام لتتوطد ،حتى حركة فتح وبعد مؤتمرها السادس أفرزت قيادات متنفذة في اللجنة المركزية معنية باستمرار الانقسام .

وعليه ، لم تكن كل الذرائع التي تقول بها فتح وحركة حماس لتبرير عدم نجاح الحوارات أو للتهرب من المصالحة أو لتبرير الانقسام وما ترتب عليه من تداعيات في الضفة وغزة …،لم تكن هذه الذرائع صحيحة والقائلون بها كانوا يدركون أنهم لا يصارحون الشعب بالحقيقة، فلا الانفلات الأمني والاغتيالات والاعتقالات  قبل (الانقلاب ) كانت سببا فيما حدث، ولا الانتخابات ونتائجها كانت سببا فيما جرى بل كانت جزءا من المخطط، كما لم يكن التنسيق الأمني لحكومة دكتور فياض مع إسرائيل، ولا تدخل الأطراف الخارجية ولا الاعتقالات المتبادلة ولا تقرير جولدستون الخ ،السبب في إعاقة المصالحة ،هذه تداعيات لمواقف وسياسات كانت معدة مسبقة ،وكان لا بد لهذه التداعيات أن تحدث،وبالتالي فهذه نتائج وليست سببا.

لقد لعبت كل الأطراف المشاركة برضاها أو عجزا وقهرا ، دورها بإتقان لخداع الشعب وتمرير التسوية القائمة(تسوية الانقسام )،وإسرائيل العقل المدبر والداعم لوجستيا للانقسام تراقب وتوجه الأمور لتستمر حالة الانقسام إن لم يكن إلى ما لا نهاية فعلى الأقل لتوظف هذا الانقسام لحين استكمال مخططاتها الاستيطانية والتهويدية في الضفة والقدس ولتعيق مسار السلام لأطول فترة ممكنة، كما أن واشنطن معنية باستمرار حالة الانقسام لأن مصالحها تتلاقى مع المصلحة الإسرائيلية ولأنها لا تجد ضغوطا جادة من العرب والمسلمين عليها بل كل مسايرة وخضوعا ، فما أن لاحت فرص لمجرد التوقيع على الورقة المصرية للمصالحة حتى طالبت واشنطن بضرورة أن تؤسس هذه المصالحة على الاعتراف بشروط الرباعية، فيما لم تطلب من حماس في ظل الانقسام لا الاعتراف بشروط الرباعية ولا الاعتراف بإسرائيل ، بل كانت الوفود الأمريكية غير الرسمية تتوافد على غزة وتقابل مسئولين في حماس بالإضافة إلى اللقاءات الخارجية .

ليس بالضرورة أن تكون الأطراف الفلسطينية تمارس الخيانة الوطنية والقومية، فهي لجأت للمشاركة بهذا المخطط- التسوية غير المعلنة أو تسوية الانقسام-أو السكوت عنها، عندما استشعرت صعوبة نجاح المشروع الوطني وصعوبة تطبيق حتى الاتفاقات الموقعة ،وبالتالي لجأ كل طرف للحصول على أكبر قدر من المغانم قبل أن يغرق المركب وذوي النوايا الحسنة أملوا أن يؤدي تصرفهم لمنع مزيد من تآكل الحقوق الفلسطينية،ولكن هذه الأطراف كان من الممكن أن تستدرك الأمر باكرا ،بأن لا توظف الدول العربية والإسلامية القضية الفلسطينية لخدمة أجندة سياسية خاصة بها،وأن لا تعزز حالة الانقسام خدمة لهذه الأجندة،وأن تقوم الفصائل الفلسطينية بتشكيل قيادة وحدة وطنية والتوافق على إستراتيجية وطنية واحدة،ولكنها للأسف فضلت الأنظمة مصالحها مع واشنطن وتل أبيب ،كل منها بمبرراته الخاصة ، فيما انساقت الفصائل لتغليب مصلحتها الحزبية الضيقة . والنتيجة أن إسرائيل هي المستفيد الوحيد راهنا .

لقد جرى ما جرى (ووقع الفاس بالرأس) كما يقول المثل، فهل سيبقى الشعب في الضفة وغزة يدفع ثمن الانقسام من دمه وراحته وحقوقه التي تتآكل كل يوم بفعل الاستيطان إلى ما لا نهاية؟وهل سيستمر الشعب مخدوعا بمناورات و مهاترات ودجل حديث الحوار والمصالحة وهو يشاهد أن ما يجري على الأرض سواء في الضفة أو في غزة يتعارض كليا مع حديث المصالحة و روحها؟ لقد انكشفت ورقة التوت وبانت العورة، ،إن كل المشاركين في الحوارات غير صادقين وأنهم أعجز – عجز غياب القدرة أو عجز غياب الإرادة- من أن ينجزوا مصالحة وطنية تعيد الاعتبار للمشروع الوطني وتضع إسرائيل في الزاوية.بالتالي يجب الكف عن الحديث الممجوج عن الحوار والمصالحة بالصياغات والمفاهيم السابقة، ولا داع لمزيد من البحث عن تبريرات للتهرب من مصالحة بمفاهيم وأسس غير قابلة للتحقق الآن.

مصر كما فتح وحماس يدركون أن لا مصالحة إلا ارتباطا بالتسوية السياسية،فلا ينُتظر أن تؤسِس المصالحة التي ترعاها المخابرات المصرية ،حكومة مقاومة أو حكومة  تنقلب على السلطة والتزاماتها،وحتى مصر لن ترعى أو تقبل بمصالحة تؤدي لهذه النتيجة ،وحيث أنه لا يوجد أفق لنجاح تسوية خطة خارطة الطريق أو أية تسوية سياسية ناجزة ،فلا مصالحة فلسطينية تؤسِس لسلطة وحكومة واحدة في الضفة وغزة .إلى أن تظهر تسوية سياسية جديدة وجادة وقابلة للتنفيذ وتلبي ولو الحد الأدنى من الحقوق السياسية للفلسطينيين ،أو تتوفر شروط مقاومة حقيقية ،فإن تسوية الأمر الواقع أي تسوية الانقسام ستستمر بمفاعيلها المدمرة،وحتى لا تستمر بهذا الشكل وحتى لا تزيد من حالة الكراهية والعداء بين أبناء الشعب الواحد وبما يمكن إسرائيل من استغلال هذه الحالة لتتفرد بكل طرف على حده … يجب التفكير بمصالحة جديدة وشراكة سياسية جديدة تتعامل مؤقتا مع هذا الواقع للانقسام ،مصالحة تعمل على تحويل الانقسام إلى تقاسم وظيفي وطني.

بعد كل ما جرى لا داع لأن تستمر الأطراف الفلسطينية المشارِكة باللعبة بالضحك على الشعب والزعم بأنها تسعى لمصالحة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه ،ولا داع بأن يستمر كل طرف بتحميل الطرف الآخر مسؤولية إفشال المصالحة ؟. آن الأوان لتصارح القوى السياسية – خصوصا فتح وحماس- الشعب بالحقيقة وتُوقف حملات التحريض والتخوين والتكفير وتصيُد أخطاء بعضها بعضا ،والبدء بمرحلة جديدة حتى وإن كانت صعبة على النفس، مرحلة التفكير بمصالحة ولكن ضمن مفهوم جديد وأسس وطنية جديدة خارج استحقاقات التسوية واستحقاقات الصراع على السلطة ،مصالحة تؤسس لمشروع وطني يتعامل مؤقتا مع  واقع الانقسام.مشروع وطني جديد ليس مشروع سلطة وحكومة بل مشروع حركة تحرر وطني، مشروع يشكل بديلا لنهج التدمير الذاتي الذي تمارسه الفصائل بحق قضيتنا وشعبنا.

هذا المشروع حتى يكون وطنيا بالفعل يجب أن يكون مشروع الكل الفلسطيني في الداخل والخارج وهذا يتطلب تفعيل دور نصف الشعب الفلسطيني الذي رُكن على الرف منذ توقيع اتفاقات أوسلو،وأن يضع هذا المشروع على سلم اهتماماته رفع الحصار عن قطاع غزة ومواجهة الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس. مدخل هذا المشروع ليس بالضرورة الانتخابات التشريعية والرئاسية وليس التوافق على حكومة وحدة وطنية بل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتستوعب الكل الفلسطيني،لو تمكنا من بناء منظمة التحرير على أسس جديدة وبقيادة جديدة فسيكون حل بقية القضايا أيسر كثيرا. لن تنجح أية مصالحة أو شراكة سياسية أو مشروع وطني إن بقي أي فصيل فلسطيني خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية. والورقة المصرية يمكن البناء عليها بعد تعديلها، ونعتقد بأن أهم ما في الورقة المصرية أنها لحظت أهمية تساوق المصالحة في إطار السلطة مع إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير .

 نعلم أنها مهمة صعبة وشاقة ، ولكن مصير الشعوب لا يرتهن بمصير نخب سياسية أو بموازين قوى آنية أو بإرتكاسات عابرة ، بل بإرادة الصمود والبقاء عند الشعب ، فلنعتبر أن ما جرى انتكاسة لحركة التحرر الفلسطينية الراهنة وفشل لمشروع وطني لم تأت الرياح بما تمكنه من الإقلاع، وحيث أن (لكل جواد كبوة )فيمكن للشعب وقواه الحية أن يتجاوزوا ويتغلبوا على المحنة، فتاريخ صراعنا مع المخطط الصهيوني لم يبدأ مع منظمة التحرير ولا مع السلطة بل أقدم من ذلك ،ومن الواضح أنه صراع مفتوح على المستقبل .

ليست هذه دعوة لشرعنة الانقسام أو لتكريسه ،بل دعوة لوقف المهاترات حول المصالحة الوطنية والتعامل بواقعية مع ما جرى ومحاولة تجاوزه بأقل الخسائر الممكنة،إن لم نبادر كفلسطينيين للأمر ، فقد يتم توقيع الورقة المصرية ولكنها لن تنفذ،وآنذاك قد ندخل في جولة جديدة من الصراع الدامي في الضفة وفي غزة ،ليس مع إسرائيل بل مع بعضنا البعض ،وقد يمتد  هذا الصراع الدامي للتجمعات الفلسطينية في الخارج،وآنذاك لن يكون لا مشروع مقاومة ولا مشروع سلام.

ثورة فلسطينية لإنهاء الانقسام أصبحت ضرورة وطنية بعد انغلاق أفق المصالحة[92]

إن كانت الشعوب العربية تثور بسبب الفقر فالفقر في مناطق السلطة الفلسطينية أكثر،وإن كانت تثور بسبب الجوع فالجوع  عند الفلسطينيين أشد وطأة ، وإن كانت تثور بسبب  البطالة فالبطالة عند الفلسطينيين أشمل وغير مسبوقة في التاريخ ،وإن كانت تثور بسبب التفاوت في الثروة وغياب العدالة الاجتماعية فلدى الفلسطينيين من أغنياء الثورة وأغنياء السلطة وأغنياء الانتفاضة وأغنياء الانقسام وأغنياء الأنفاق وأغنياء الحصار وأغنياء الفساد السياسي ما يشكل طبقة منتفعة أكثر تخلفا واستغلالا وفسادا مما في الدول العربية الأخرى، أما إذا ثار الشباب والشعب لأنهم فقدوا المراهنة على الأحزاب التقليدية يسارية كانت أو إسلامية  التي بات همها البحث عن بعض المكاسب والوظائف ومشاركة النظام ببعض غنائم السلطة وببعض مقاعد المؤسسة التشريعية ،فإن حالة أحزابنا وفصائلنا باتت عبئا على الحالة الوطنية وتكيفت مع حالة الانقسام وفقدت الدافعية للثورة والجهاد،وبالتالي لا شيء يمنع الشباب الفلسطيني من الثورة دون انتظار إذن من الأحزاب أو مشاركتها ، أما إن ثارت الجماهير العربية بسبب غياب الديمقراطية أو نقص فيها فالديمقراطية عندنا وُلِدت متعثرة وكانت شكلية وحتى الديمقراطية الشكلية تم وأدها مباشرة بعد الانتخابات التشريعية الأخيرة وما تبعها من انقلاب حماس ثم الانقسام ،أما إن ثاروا بسبب امتهان الكرامة وغياب الحريات فحدث عنهما بلا حرج عند الفلسطينيين ،فهل هناك من امتهان للكرامة وإذلال لإنسانية  الفلسطيني من الاحتلال؟ وهل هناك من إذلال وانتهاك للكرامة وحَدٌ للحرية من الحصار على غزة والحواجز في الضفة ؟ وهل هناك من إذلال للكرامة الوطنية من الانقسام الذي دمر المشروع الوطني وبدد الآمال بإمكانية قيام دولة مستقلة كما بدد الآمال بإمكانية استنهاض الحالة الوطنية النضالية ؟وهل هناك من إذلال وامتهان للكرامة من ضياع الوطن والاستيطان المتواصل وتهويد المقدسات وعربدة المستوطنين؟ ليس ذلك فحسب بل ابتلينا بسلطتين وحكومتين وجودهما بحد ذاته إهانة للكرامة الوطنية لان وجودهم الأخيرة،م مرهون برضا العدو عنهم وعن أدائهم، وحتى يرضوا العدو ويسكت عن وجود هاتين السلطتين فهما تعملان كل ما من شأنه إعاقة المقاومة ومحاربتها بل وتعهير من يمارسها ،لا فرق في ذلك بين حكومة حماس في غزة وحكومة رام الله.

 لا أعجب لاندلاع الثورات في العالم العربي بل أعجب لخنوع الشعب الفلسطيني طوال السنوات الخمس الأخيرة ، سنوات التيه السياسي و الانقسام والإذلال الوطني.لعقود والفلسطينيون سادة الثورة ، فمنذ 1965 حتى 2005  والفلسطينيون يعيشون حالة من الثورة داخل الوطن وخارجه،صحيح أن الثورة أو حركة التحرر الفلسطينية تعرضت لكثير من الانتكاسات والعثرات والتآمر عليها،وصحيح أيضا أنها عرفت انقسامات وصراعات داخلية ،ولكنها خلال هذه المسيرة التي كانت تقاد تحت عنوان المقاومة وحرب الشعب حينا وشعار الجهاد حينا آخر لم تتوقف المقاومة ولم يتخل الشعب عن حقوقه ، مع الثورة أضاف الفلسطينيون لسجلهم النضالي مصطلح الانتفاضة وهو المصطلح الذي دخل القاموس العالمي ووقفت شعوب الأرض احتراما وإجلالا أمام الطفل الفلسطيني وهو يحمل حجرا يواجه به دبابات الاحتلال الصهيوني . خلال المسيرة الطويلة للثورة بانتفاضتيها ألهم الفلسطينيون كثيرا من  الشعوب وحركات التحرر في العالم وعلموهم دروسا في الثورة والانتفاضة والصبر على الشدائد ،وكانت الكوفية الفلسطينية وما زالت رمزا للبطولة والتحدي.

نعم نقول نحن الشعب الفلسطيني الذين كنا سادة الثورة العربية ومبدعو الانتفاضة الشعبية والقابضون على الجمر، بتنا اليوم نعيش حالة انتظار،انتظار طير أبابيل ترمي اليهود بحجارة من سجيل ،أو انتظار جيوش المعتصم تنطلق من إيران لتحرير القدس ! أو انتظار قرار أممي يقدم لنا الوطن على طبق من ذهب ! أو انتظار أن تغير الثورة العالم العربي من حولنا ليشكل كماشة تلتف على إسرائيل وتدفع باليهود إلى البحر ! .هللنا للثورة التونسية كما هللنا للثورة المصرية وسنهلل لكل ثورة عربية آتية ،ولكن يجب ألا ينتابنا الوهم بان الشعوب العربية ثارت من أجلنا ،لا شك أنها تحبنا وتتعاطف معنا ولكن قضاياها الوطنية لها الأولوية على قضيتنا ،وستنشغل لسنوات بأمورها الداخلية ،حتى وإن غيرت سياساتها تجاه إسرائيل فيجب أن لا ننتظر أن ترسل جيوشها لتحرر فلسطين نيابة عنا . ربما يتغير العالم العربي للأفضل وربما تتزايد الحكومات المناصرة لعدالة قضيتنا وقد يصبح وضع إسرائيل أكثر إحراجا ، ولكن ، ثورة العالم العربي لن تنفعنا إن لم نباشر ثورتنا بطريقتنا الخاصة .

استحسنا دعوة شباب فلسطيني عبر الموقع الاجتماعي الفيس بوك للثورة رافعين شعار (الشعب يريد إنهاء الانقسام)،وهي مبادرة طيبة ولكن يؤخذ على شباب 5 فبراير أو شباب ثورة الكرامة، أو لسوء حظهم، أنهم تسرعوا في تحديد يوم الثورة (ثورة الكرامة ) لأنه كان يوم الحسم بالنسبة للثورة المصرية وكان الإعلام منشغلا بما يجري في مصر ،كما أن الشباب لم يهيئوا لحركتهم المشروعة جيدا بحيث ينسقوا مع شباب الضفة بل والشباب الفلسطيني في الشتات وداخل الخط الأخضر لأن الانقسام لا يقتصر على غزة والضفة بل يشمل كل الشعب الفلسطيني، وإنهائه مطلب وطني شامل ، كما أن تدخل بعض المواقع المحسوبة على شخصيات في حركة فتح شوه الفكرة وأظهرها وكأن حركة فتح تقف وراء ثورة الكرامة ،وبالتالي بدت ثورة الشباب وكأنها موجهة فقط ضد حكومة حماس في غزة .

نعم الشعب الفلسطيني أحوج اليوم أكثر من أي يوم مضى للثورة ،والمؤهلون لهذه الثورة ليس الأحزاب والفصائل والحركات التي فقدت مصداقيتها وأصبحت عبئا على الوطن ومعيقا لاستنهاض الحالة الثورية الوطنية ،ولا أستثني أحدا، من حماس إلى فتح ومن الجبهة الشعبية إلى بقية الفصائل ،المؤهلون هم الشباب الذين يشكلون غالبية الشعب الفلسطيني ،وغالبية الشعب الفلسطيني ليست منخرطة تنظيميا في أي من الأحزاب والفصائل ،إنها الأغلبية الصامتة والمقموعة بأجهزة الأمن وبالخوف أو مقموعة بالراتب والكوبونة ،ليس صحيحا أن حركة حماس تمثل الأغلبية ولا حركة فتح ،إنهما الأكثر ضجيجا وتأثيرا بفعل المال والسلاح ولأنهما أحزاب سلطة وليس نتيجة تمثيلهم الحقيقي للشعب،وقد كشفت ثورتا تونس ومصر حقيقة أحزاب السلطة ومدى شعبيتهم.

 المؤهلون لقيادة الثورة هم الشباب بكل فئاتهم وعندما يتحرك الشباب سيخرج كل الشعب من ورائهم ،الشعب الذي أذله الانقسام والاقتتال الداخلي والتحريض المتبادل والحصار والاحتلال وفقدان الأمل بغد أفضل،حتى المستفيدون من الحكومتين والسلطتين سيخرجون وراء الشباب في ثورتهم عندما يشعرون أن الشباب لا يسعون لمناصب أو مكاسب ولا تسيرهم أدوات خارجية أو حزبية،الشعب يريد الطليعة التي تكسر حاجز الخوف كما كسر الشباب في مصر وتونس حاجز الخوف .

أن يرفع الشباب شعار (الشعب يريد إنهاء الانقسام ) فهذا لا يعني أنهم غير مدركين لوجود الاحتلال وكونه الخطر الأكبر على القضية الوطنية،ولكنهم على ما أظن وما أتفق معهم به يدركون أنه لا يمكن مواجهة الاحتلال في ظل حالة الانقسام وأن القوى المستفيدة من الانقسام لن تسمح بمحاربة الاحتلال إن كان في ذلك إنهاء سلطتها وتجريدها من مصالحها.وبالتالي يصبح إنهاء الانقسام وإسقاط القوى المستفيدة منه والمتمسكة به مدخلا ضروريا لاستنهاض الحالة الوطنية العامة ولوضع إستراتيجية كفاحية تعيد القضية الوطنية لأصولها كحركة تحرر وطني.إن ثورة فلسطينية لإنهاء الانقسام باتت ضرورة وطنية اليوم، وكل من سيقف في وجه ثورة الشباب لإنهاء الانقسام سيكون مدافعا عن الانقسام وبالتالي معاديا للإرادة الشعبية ومنحازا للعدو الإسرائيلي.

ونقول للشباب إن شباب فلسطين هم الذين فجروا كل ثورات الشعب الفلسطيني وهم الذين فجروا الانتفاضتين المجيدتين ،ونقول للحكومتين في غزة والضفة تعلموا درسا مما جرى في تونس ومصر وما يجري في ليبيا واليمن وغيرها ،لن تنفعكم أجهزتكم الأمنية وأسلحتكم ولن تنفعكم تحالفاتكم الخارجية كما لن تنفعكم شعاراتكم التي ملها الشعب لأنه اكتشف زيفها ،فلا الوطن والوطنية حكرا لكم ولا الدين المقاومة حكرا لكم.

المصالحة الفلسطينية من إرادة التوقيع لإرادة التنفيذ[93]

إن كان التوقيع على اتفاق المصالحة يوم 4 مايو 2011 احتاج لإرادة فلسطينية ومصرية فإنها عند التنفيذ تحتاج لإرادة أقوى، كما ستظهر إرادات أطراف أخرى ستعمل على إعاقة إنجاز المصالحة أو توجيهها بما يخدم مصالحها. إن كان صحيحا القول بأن الشيطان يكمن في التفاصيل فصحيح أيضا أن الشيطان يكمن في الإرادات،فهناك فرق بين الإرادة الظاهرة والإرادة الخفية. أيضا إن كان التوقيع يحتاج فقط لتوافق الأحزاب فإن التنفيذ يحتاج لمشاركة الشعب في كل خطوة من خطوات التنفيذ.

أخيرا تم توقيع اتفاق مصالحة فلسطينية مما ترك بشائر أمل وفرحة عند الشعب الفلسطيني مع بعض القلق حول التنفيذ ،والشعب الفلسطيني معذور في فرحته الحذرة وقلقه الدائم نتيجة تجارب سابقة أثبتت أن التوقيع وحده لا يكفي،إلا أن ما سمعناه من كلمات الرئيس أبو مازن والسيد خالد مشعل في حفل التوقيع في القاهرة يبدد كثيرا من الخوف ويحيي أملا بطي صفحة الانقسام ولو تدريجيا وجزئيا ، ذلك أن ما قال به السيد خالد مشعل في حفل توقيع الاتفاق كان بمثابة رؤية جديدة متكاملة تطابقت تقريبا مع رؤية الرئيس أبو مازن ورؤية بقية فصائل منظمة التحرير سواء من حيث مفهوم الدولة أو الالتزام بالشرعية الدولية أو منح فرصة للسلام أو مفهوم المقاومة،أيضا كان في خطاب الرئيس أبو مازن نوع من إعادة تقييم النهج السابق واستعداد لطي صفحة الماضي، ولسنا في وارد البحث عن أسباب التغيير في المواقف فالمهم أنه تغيير وتقارب يخدم المصلحة الوطنية.

كان التوقيع حبل خلاص لحركتي فتح وحماس ولسلطتيهما من مأزق كان يعيشه كلا منهما،وكان بمثابة اعتراف غير معلن من كل الأطراف بخطأ وخطورة المراهنة على أطراف خارجية تحت أي مبررات أيديولوجية أو سياسية أو مصلحية،وكان اعترافا بخطأ محاولة كل طرف التفرد بإستراتيجية لن تنجح إلا كإستراتيجية عمل وطني – تفرد حماس بخيار المقاومة وتفرد فتح بخيار  التسوية -،كان التوقيع بمثابة عودة للوطنية الفلسطينية التي تم تشويهها والإساءة لها ،عودة لروح الوطنية الكامنة عند كل قائد فلسطيني وكل حزب وحركة وكل مواطن فلسطيني ،ولِمَ لا وقد كانت الوطنية جوهر كل الثورات العربية القائمة اليوم والتي تحررت من كل الإيديولوجيات التي قسمت الأمة لعقود طويلة .الأرضية الوطنية لاتفاق المصالحة يؤسس لمرحلة فلسطينية جديدة تُدمج كل الأيديولوجيات في الوطنية الفلسطينية ،أو توطن الأيديولوجيات ،وطنية ُتخضع كل الارتباطات الخارجية للمشروع الوطني الذي يتم إعادة تشكله اليوم .

مع تمنياتنا أنه بمجرد التوقيع تم طي ملف الانقسام إلى الأبد،إلا أنه يجب الحذر في المرحلة القادمة،لأن ما تم هو بداية مشوار قد يطول حيث كثير من الأطراف الداخلية والخارجية المستفيدة من الانقسام ستحاول إعاقة تنفيذ بنود الصفقة.لا نقصد من كلامنا هذا التقليل من أهمية ما جرى أو تبديد التفاؤل بل تحصين المصالحة بالوعي بدقة المرحلة وصعوبة الملفات العالقة وخطورة ما يمكن أن تُقدِم عليه إسرائيل لإفشال المصالحة،الوعي الشعبي والإرادة الحزبية وخصوصا عند حركتي فتح وحماس ضروريان في كل مرحلة من مراحل تنفيذ بنود الاتفاق ، فالإرادة عند التنفيذ أهم من إرادة التوقيع بل إن المحك العملي على صدق النوايا بالمصالحة تكمن في إرادة التنفيذ وليس إرادة التوقيع .

الحاجة لإرادة التنفيذ ضرورية في كل مرحلة من مراحل تنفيذ الاتفاق بدءا من تشكيل الحكومة حيث ستُطرح إشكالات حول شخص رئيس الوزراء والوزراء وحول برنامج الحكومة وهل يحتاج البرنامج لقبول الرباعية وإسرائيل أم سيكون برنامج محدد الصلاحيات بدون رؤية سياسية؟ وما بعد الاتفاق على تشكيل الحكومة، هل ستُعرض على المجلس التشريعي لأخذ الثقة ؟ وما مرجعية الحكومة هل هي المجلس التشريعي؟ أم الرئيس؟ أم اتفاق المصالحة والقيادة المصرية راعية المصالحة؟وإن تم إعادة انعقاد المجلس التشريعي بكل أطيافه فهل سيمارس صلاحياته بأثر رجعي فيطالب بعرض قرارات سابقة عليه لتكتسب الشرعية؟ أم ستبدأ صلاحياته الفعلية من يوم توقيع اتفاق المصالحة أو من يوم انعقاده بعد تشكيل الحكومة الجديدة؟ وإن طالب المجلس التشريعي بممارسة صلاحياته متذرعا بالقول بأن صلاحيته لم تنته ألا يعني ذلك سقوط مقولة (الرئيس منتهي الولاية) وبالتالي على الرئيس ممارسة صلاحياته كاملة في الضفة وغزة والشتات كرئيس الشعب الفلسطيني ورئيس السلطة لحين انتخاب رئيس جديد؟وهل سيتم حل الحكومة المقالة في غزة وحكومة تسيير الأعمال في الضفة ؟أم سنكون أمام ثلاث حكومات:حكومتان فعليتان تحكمان وحكومة شكلية لا تحكم؟ وهل ستسمح إسرائيل للوزراء بالتنقل ما بين الضفة وغزة بحرية ؟ أم سيقتصر نشاط الحكومة على غزة مما يكرس الانقسام؟ وماذا بالنسبة للموظفين وخصوصا في غزة فهل سيعودون لوظائفهم الآن أم بعد الانتخابات أم لن يعودوا أبدا ؟ الخ.تكون ميزانية واحدة أم واحدة للضفة وأخرى لغزة؟الخ .

وبالنسبة للجانب الأمني، ما هي صلاحيات حكومة التكنوقراط وعلاقاتها بالأجهزة الأمنية؟هل ستخضع هذه الأجهزة لوزير الداخلية الجديد أم للحكومتين (السابقتين)؟وإذا كان المتحاورون طوال سنوات لم يستطيعوا حل المشكل الأمني فهل ستنجح اللجنة الأمنية بحل المشكلة خلال أشهر؟وماذا بالنسبة لسلاح الأحزاب وهل سنكون أمام المشكلة التي يواجهها لبنان بالنسبة لعلاقة سلاح المقاومة بالحكومة؟ وهل سيتم تفعيل الممر الآمن بين الضفة وغزة حتى يتحرك الوزراء ونواب التشريعي والمواطنون والبضائع بحرية بين الضفة وغزة أم ستتحكم إسرائيل بكل حركة وبالتالي توجه الأمور بما يعزز الانقسام ؟ الخ.

هذه تحديات ستواجه المصالحة خلال المرحلة الانتقالية لحين إجراء الانتخابات.وفي حالة تجاوز إشكالات السنة الأولى فهل ستجرى الانتخابات بالفعل بعد سنة من تشكيل الحكومة؟ وهل ستقبل كل الأطراف بإعادة تشكيل المنظمة وقبول نسبة تمثيلهم في مؤسسات المنظمة بناء على نتائج الانتخابات القادمة؟وما هو ميثاق المنظمة الجديد؟.

هذه تساؤلات نطرحها لأن الجمهور يطرحها ونتمنى أن يكون المتحاورون اتفقوا على كل أو غالبية التساؤلات السابقة و بالتالي لن تكون إشكالات عند التنفيذ، وإن كنا نطرح هذه التساؤلات فلكي نهيئ المواطنين لمرحلة جديدة عليهم المشاركة بها وإنجاحها بجهودهم وعدم الجلوس كمراقبين لحين إنجاز المصالحة نهائيا، فالأحزاب والحكومة القادمة بحاجة لكل جهد شعبي لاستكمال مشوار المصالحة الوطنية. بتوقيع اتفاق المصالحة ندخل مرحلة بل معركة جديدة تحتاج منا جميعا خوضها لأنها معركة مصيرية ستحدد مستقبل النظام السياسي والمشروع الوطني، إنجاح المصالحة مسؤولية الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والشعب في الداخل والخارج ،ولن يرحم التاريخ كل من يُعيق المصالحة أو يقف موقف المتفرج.

ضرورة إعادة النظر بمفهوم المصالحة وبالاتفاقات السابقة حولها [94]

أولت تفاهمات المصالحة سواء في القاهرة 4 مايو 2011 أو الدوحة 6 فبراير 2012 الأولوية لانتخابات تؤدي لتشكيل حكومة تمارس عملها في سياق سلطة حكم ذاتي وملتزمة بالضرورة باتفاقيات أوسلو وبشروط الرباعية ،واليوم وبعد كل ما جرى على الأرض والمتغيرات من حولنا سواء الاعتراف الدولي بفلسطين دولة ونشوة الانتصار عند حماس بعد العدوان على غزة أو على مستوى استمرار الاستيطان الإسرائيلي ورفض إسرائيل لعملية التسوية- وتجاوزها لاتفاق أوسلو وتوابعه أو التحولات في مصر، بعد كل ذلك لا يجوز أن نؤسس لمصالحة على قاعدة اتفاقية أوسلو أو مصالحة تُرجع الأمور إلى ما كانت عليه قبل يونيو 2007.

حتى على مستوى المصالحة بالصيغة المتفق عليها فلن تسمح إسرائيل بأن تتوحد غزة المدججة بالسلاح والصواريخ والميليشيات من كل الأصناف مع الضفة حيث الاحتلال والاستيطان والمستوطنين والتنسيق الأمني، في حكومة وسلطة واحدة ، كما أن إسرائيل عندما تعرف أن المصالحة الوطنية مشروطة بإجراء الانتخابات فستعمل كل جهدها لإعاقة إجراء الانتخابات ، وبالتالي سيكون من المغامرة رهن المصالحة بإجراء انتخابات ، كما أن إسرائيل لن تخضع  للإرادة الفلسطينية بالوحدة وإنهاء الانقسام ، وهي التي صنعت الانقسام بداية.  

لا نريد أن نقلل من قيمة الإرادة الفلسطينية ولا من جهود الأخوة في مصر أو غيرها  لتحقيق المصالحة ولكن الرغبات والإرادة لوحدهما غير كافيين في حالة كحالة الانقسام ،إنهما أساسيان وكافيان لمصالحة مدخلها انتفاضة أو ثورة على الاحتلال ،ولكن غير كافيين لمصالحة في إطار سلطة تحت الاحتلال وتسوية سياسية والتزامات دولية .

بعد توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة ثم الدوحة جرت مستجدات لم تكن حاضرة عند توقيع الاتفاقين ، مما يجعل المشهد السياسي الفلسطيني يعج بالمفارقات وسرعة المتغيرات. فإن كان الربيع العربي الذي أنهى انقسام العالم العربي إلى معسكر ممانعة ومعسكر اعتدال وهو ما كان يغذي ويعزز الانقسام الفلسطيني، إلا أنه في المقابل عزز من مكانة حركة حماس في غزة في بدايته . وإن كان توقيع حركة حماس لهدنة مع إسرائيل برعاية مصرية وفر أحد شروط الرباعية وهو وقف الأعمال المسلحة ضد إسرائيل إلا أن الهدنة في المقابل زادت من حالة فصل غزة عن الضفة ومن دولنة القطاع، كما أن سقوط الرئيس الإخواني مرسي في مصر بعد ثورة 30 يونيو 2013 والاستفتاء على الدستور المعدل يوم 18 يناير 2014 خلط الأوراق مجددا مما أثر سلبا على حركة حماس وخصوصا بعد أن صنفت الحكومة المصرية جماعة الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية .

أيضا جاء الاعتراف ألأممي بفلسطين دولة غير عضو ليزيد من تعقيد المشهد السياسي من جهة  المصالحة . جاء هذا الاعتراف في خضم الجدل حول المصالحة وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، وحيث إن تفاهمات المصالحة لم تتطرق للدولة الفلسطينية بل ركزت على المصالحة في مستوياتها الثلاثة : الحكومة والسلطة ومنظمة التحرير، فقد ساد الارتباك لحين من الوقت حول أولويات العمل وكيفية المزاوجة بين العمل من أجل المصالحة بالتفاهمات السابقة والعمل من أجل تحويل قرار الدولة إلى ممارسة على الأرض . الأمر يحتاج إلى تفاهمات فلسطينية جديدة أو إبداع سياسي، بحيث لا يحدث تعارض بين ثلاثة حالات: الأولى متطلبات إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير كحركة تحرر وطني ، والثانية مصالحة تعيد الفلسطينيين لسلطة حكم ذاتي ولاتفاقية  أوسلو ،والثالثة استحقاقات الدولة كنتاج للشرعية الدولة .

ولكن ما كان يعتبر إنجازا قد يُحسب للرئيس أبو مازن ويدعم المصالحة تراجع سريعا عندما عادت منظمة التحرير للمفاوضات في أغسطس 2013 ليس على أساس القرار ألأممي بل على أساس اتفاقية أوسلو ولواحقها بدون شرط وقف الاستيطان، وتلا ذلك طرح وزير الخارجية الأمريكي لخطة إطار جديدة تنتقص من الحقوق الوطنية الفلسطينية ، الأمر الذي وتَّر من العلاقة مجددا ليس فقط بين حركتي فتح وحماس بل وداخل معسكر منظمة التحرير ، مما جعل المصالحة أكثر تباعدا .

دون تقليل من قيمة التفاهمات السابقة حول المصالحة فإن واقعا جديدا قد استجد مما يتطلب إعادة النظر في تفاهمات المصالحة السابقة .

التنازل من أجل المصالحة عطاءّ

بالرغم من استمرار سياسة الاستيطان والتهويد وتدنيس المقدسات والاعتقالات في الضفة ، وبالرغم من استمرار الاحتلال وسياسة العدوان والحصار في قطاع غزة ،وبالرغم من اتضاح خطورة خطة كيري التي تتضمن تنازلات تمس الحقوق الوطنية ، فإن المفاوضات والحوارات بين إسرائيل والفلسطينيين مستمرة سواء بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، كما أن حركة حماس ما زالت ملتزمة بالتهدئة وهو التزام يتطلب درجة من التنسيق الأمني ولو بطريقة غير مباشرة. صحيح أن النخب الحاكمة لم توقع على اتفاقات فيها تنازل عن الحد الأدنى المتوافَق عليه فلسطينيا ، ولكنها وتحت تبريرات متعددة  تبدي استعدادا لاستمرار التفاوض حول القدس وعودة اللاجئين وغور الأردن وتبادلية الأراضي ، وفي قطاع غزة تم قبول وقف المقاومة ليس فقط انطلاقا من قطاع غزة بل وعلى كامل فلسطين التاريخية .

مقابل هذه المرونة والاستعداد لتقديم تنازلات لواشنطن وإسرائيل، فإنه عندما يتم الحديث عن الحاجة لتقديم تنازلات من طرفي معادلة الانقسام الفلسطيني لبعضهم البعض من أجل إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة ، فإن حالة من التشدد والمكابرة تنتاب الجميع ، وتصبح كلمة تنازلات بمثابة الإهانة وكسر الكرامة ومحاولة لإذلال الطرف الآخر الخ !. وعندما يتم تقديم (تنازلات) ، في لحظات انفراج العلاقة أو نتيجة تدخل وسطاء، تكون شكلية وهزلية وسرعان ما يتم التراجع عنها أو عن بعضها إن لم ترجع الأمور أسوأ مما كانت .

إن كل تنازل لإسرائيل يعني فقدان لجزء من الحقوق الوطنية ويشكل خطوة تراجعية نحو الوطن ، فيما كل تنازل فلسطيني لصالح الفلسطيني يعني خطوة نحو الوطن. يبدو أن الأطراف المتصارعة على السلطة والحكم ترى من الأسهل عليها تقديم تنازلات للعدو من تقديمها لبعضها البعض ،لأن تقديم تنازلات لإسرائيل أو لأطراف خارجية يمنحها مزيدا من المنافع ويُعزز مصالحها وسلطتها ، فيما تقديم تنازلات لطرف فلسطيني من أجل المصالحة والمصلحة الوطنية قد يفقدها بعض امتيازات السلطة والحكم ، وهذه النخب ترى أن مصالحها الخاصة أهم من المصلحة الوطنية وأن الحزب أهم من الوطن .

ما كان أحد يطلب من حركة حماس أن تقدم تنازلات لحركة فتح أو العكس لو كان نموذج حكم حماس في القطاع ناجحا، ولو كان حكم فتح والسلطة في الضفة ناجحا، أو كانت القضية الفلسطينية في حالة تقدم . أما وأن القضية الوطنية تمر بأسوأ مراحلها والسلطتين والحكومتين مأزومتين بل وفشلتا في توفير متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين وفي التقدم في المشروع الذي رهنت كل منهما نفسها به ، حيث مشروع المقاومة الذي رهنت حماس وجودها به بل وقامت بالانقلاب على السلطة باسمه وصل لطريق مسدود ، ومشروع التسوية السياسية الذي رهنت السلطة الوطنية وحركة فتح نفسهما به وصل لطريق مسدود … في هذه الحالة فإن استمرار المكابرة وعدم الاعتراف بالخطأ والتهرب من تقديم تنازلات من أجل المصلحة الوطنية لا يمكن تفسيره إلا بالخيانة الوطنية . وقد قال الأولون (أصل الكفر عناد ) .

إن كانت طبيعة العقل العربي والثقافة السياسية السائدة لا تقبل الاعتراف بالخطأ ، وبالتالي لا أحد يتوقع من حركة حماس أن تعترف بأنها أخطأت في سياساتها الداخلية ومراهناتها الخارجية وأنها باتت اليوم مكشوفة ومحاصرة، وفي المقابل لا تستطيع حركة فتح والسلطة الزعم بأن خياراتهما في المراهنة على التسوية السياسية صحيحة وتحقق أهدافها، لذا المطلوب من الطرفين ، إن كانت المكابرة تمنعهما من الاعتراف الصريح بالخطأ، تقديم تنازلات متبادلة .

 في هذا السياق  نتمنى على النخب السياسية الحاكمة وخصوصا على حركتي فتح وحماس أن تدرك  أن  التنازل من أجل الوطن ليس تنازلا بل عطاء ، وكلما تنازلت أكثر فهذا مؤشر حرص أكبر على المصلحة الوطنية . وما تعتبره بعض الأحزاب تنازلا وإن كان يفقدها بعض الامتيازات إلا أنه يمنحها المصداقية والشرعية ويفتح أمامها مصالح أوسع إن فكرت خارج صندوق الحزب والجماعة .

كلما يتم الحديث عن المصالحة يصاحبه حديث عن تنازلات يبديها كل طرف للطرف الآخر وبعضهم وصف تنازلاته بأنها (مؤلمة ) ، وبغض النظر إن كان الحديث عن المصالحة تعبير عن إرادة حقيقية بالمصالحة تؤسس على توفر شروط موضوعية وذاتية لتحقيقها ، أو كان مجرد مناورة يسعى كل طرف لتوظيف خطاب المصالحة للتغطية على مأزقه وكورقة قوة في مواجهة خصمه الخارجي – حماس في مواجهة الحكومة المصرية بعد توتر العلاقة بين الطرفين ، وحركة فتح في مواجهة إسرائيل وخطة كيري – ، ومع إدراكنا بأن طريق المصالحة الوطنية الذي يؤدي لإعادة توحيد غزة والضفة في إطار حكومة وسلطة واحدة ما زال طويلا وشاقا ويحتاج لأكثر من الإرادة الفلسطينية، إلا أن أي تنازلات تقدمها حركتي فتح وحماس لبعضهما البعض ستكون تنازلات من أجل الوطن ، وهو عمل إيجابي وعقلاني وسيراكم مع مرور الوقت طاقة حرارية كفيلة بإذابة جليد العلاقة بين الطرفين وتمهيد الطريق للمصالحة الكاملة ، كما أن أي تقارب كفيل بأن يضعف من قدرة الأطراف الخارجية على توظيف الانقسام لخدمة مصالحها .

 بعيدا عن أحكام التفاؤل والتشاؤم حول جدية ما يجري من حوارات المصالحة ومآلها ، فإنه ليس من المعقول والمقبول أن تتوقف جهود المصالحة الوطنية فيما المفاوضات مع إسرائيل مستمرة و الالتزام بالهدنة معها مستمر .

ثانيا: نحو مصالحة إستراتيجية تُعيد بناء المشروع الوطني الفلسطيني

ليست هذه دعوة لتكريس الانقسام بل لتجنب مزيدا من الانزلاق نحو الهاوية.اليوم، لم تعد المراجعة التي تؤسِس لمشروع وطني جديد وإستراتيجية جديدة خيارا من عدة خيارات بل ضرورة وطنية.إن لم تأخذ قوى من داخل النظام السياسي الفلسطيني أو من داخل الحالة السياسية الفلسطينية بشكل عام المبادرة فهناك قوى وأطراف خارجية ستأخذها. منطقة الشرق الأوسط و القضية الفلسطينية خصوصا، لا تسمح بوجود فراغ سياسي. تاريخيا كانت أطراف عربية وإقليمية تملأ فراغ غياب أو ضعف الفاعل السياسي الفلسطيني،كما جرى قبل ظهور حركة المقاومة الفلسطينية منتصف الخمسينات، فمنظمة التحرير في بداية ظهورها تأسست بداية بقرار قمة عربي قبل أن يتم توطينها بعد حرب 1967 ،وإن غاب القرار الوطني الفلسطيني المستقل اليوم فقد تأخذ قوى إسلامية مبادرة ملء الفراغ.هذا ناهيك أن مشاريع التوطين والوصاية والتدويل تخيم على أجواء الحالة الفلسطينية المأزومة اليوم.

سياسة الترقيع والتلفيق والهروب إلى الأمام والتخفي وراء الأيديولوجيات والشعارات الكبيرة الفارغة لم تعد تجدي اليوم، الحقوق الوطنية المسلوبة لن تعيدها واشنطن ولا الرباعية، ولا جيوش المسلمين والعرب. نعم الشرعية الدولية ضرورية والتضامن العالمي مهم والأيديولوجيات مفيدة كأدوات للتعبئة والتحريض،إلا أن كل هذه الأمور لا تغني عن فعل الشعب صاحب القضية،لا تغني عن المشروع الوطني والهوية الوطنية،كل الأيديولوجيات والتحالفات وأشكال التضامن  الخارجية أمور مساعدة لن تكون لها قيمة إن تخلى الشعب صاحب الحق عن حقه أو تقاعس بالمطالبة به أو شعر العالم أن صاحب الحق غير جدير بالحق الذي يطالب به.

 استمرار أطراف فلسطينية وعربية وإسلامية بالزعم بأنها لم تتخل عن الثوابت الوطنية والقومية والإسلامية بات حديثا ممجوجا وفاقد المعنى ما دامت الأرض مناط وموئل هذه الثوابت تضيع وتتسرب من بين أيدينا يوما بعد يوم نتيجة الاستيطان، واستمرار هذه الأطراف بالحديث عن مصالحة تعيد الأمور إلى ما كانت عليه لم يعد يُقنع الشعب،ولا داع لأن تستمر حركتا فتح وحماس بتحميل كل منهما الآخر مسؤولية إفشال المصالحة الفلسطينية والتباكي على مصير الشعب.كل الأطراف تدرك أن المصالحة المطروحة للتداول ليست هي المصالحة المنشودة وأن ما حاق بالمشروع الوطني من دمار هو نتاج سلوكهم و عجزهم بالدرجة الأولى.

        المراجعة الشمولية المؤسِسة لمشروع وطني جديد أو المصحِحة لمسار المشروع الوطني كفكرة حاضرة ومبهمة عند الجمهور،يجب أن تتجاوز إفرازات المشكلة وتتعامل مع أصولها ومسبباتها الحقيقية.الانتخابات ليس حلا لأزمة النظام السياسي ،كما المحاصصة وتنظيم الأجهزة الأمنية ليس حلا ، حتى تشكيل حكومة ليس هو الحل. ما سبق هي حلول للسجين لتحسين شروط العيش في السجن وليس لكسر جدران السجن،وإن بقيت مكونات  النظام السياسي تتعامل مع الأزمة وكأنها أزمة خلاف بين فتح وحماس وبالتالي تتعامل مع المصالحة على قاعدة حل إشكالات الانتخابات والحكومة والأجهزة الأمنية و المحاصصة الوظيفية الحكومية …فستبقى المعالجات في إطار التسوية واتفاقات أوسلو حتى وإن صرحت غير ذلك.

المطلوب مشروع وطني جديد، ليس مشروع سلطة وحكومة بل مشروع حركة تحرر وطني يجمع ما بين مشروع سلام فلسطيني  و مشروع المقاومة من جانب آخر ، مشروع يضع حدا للفصل التعسفي الذي ساد في الساحة الفلسطينية ما بين السلام والمقاومة وهو ما أدى لأن تصبح المقاومة عبثية والتسوية عبثية، المشروع الوطني التحرري المطلوب مشروع يوفق ما بين الأبعاد الوطنية والقومية والإسلامية والدولية للقضية الفلسطينية ،إنه المشروع البديل لنهج التدمير الذاتي الذي تمارسه الفصائل بحق قضيتنا وشعبنا بوعي منها أو بدون وعي.هذا المشروع حتى يكون وطنيا بالفعل يجب أن يكون مشروع الكل الفلسطيني في الداخل والخارج، مشروع كل الأحزاب والحركات، مشروع يستوعب كل الأيديولوجيات.

 أية محاولة لوضع إستراتيجية وطنية تُخرج المشروع الوطني الفلسطيني من أزمته عليها أن تشتغل على عدة مسارات :

  1. تفعيل إستراتيجية المقاومة الشعبية
  2. 2-   تجسيد الدولة الفلسطينية حسب القرار ألأممي .
  3. إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير كما نصت مواثيق المصالحة
  4. إنهاء الانقسام المتجسد بوجود سلطتين وحكومتين في غزة والضفة .

نعتقد بأن إستراتيجية وطنية للمقاومة السلمية هي الأكثر فعالية في انجاز المصالحة أو الوحدة الوطنية وفي تغيير قواعد اللعبة مع الاحتلال . فتاريخيا ومن تجربتنا الوطنية فإن الصدام مع العدو في إطار إستراتيجية وطنية للمقاومة كانت توحد الشعب وتستقطب التأييد العالمي وتجبر الخصم على تقديم تنازلات[95]، والواقع الدولي والعربي اليوم مناسب في رأينا للعودة لخيار المقاومة الشعبية ، فما دامت شعوب عربية وقوى معارضة تقوم بثورات وتحمل السلاح ضد أنظمة مستبدة وتجد تأييدا دوليا في ذلك ، فإن الشعب الفلسطيني أحق بالقيام بثورة شعبية بل وبحمل السلاح في مواجهة الاحتلال ، لأن الاحتلال أكثر خطرا على الشعوب وتهديدا للسلام الدولي من أنظمة غير ديمقراطية . مع ذلك لن نتوسع في هذا السياق لأن المقاومة أو الانتفاضة عندما تندلع لن تأخذ إذنا من أحد، ولأن المقاومة الشعبية لن تكون مجدية إلا إن كانت في إطار إستراتيجية وطنية. في ظل الانقسام الراهن نخشى أن يتم توظيف المقاومة فصائليا بما يعزز أجندة خارجية أو حسابات القوى الداخلية الساعية للسلطة ، وعليه فإن إنجاز المصالحة الوطنية يشكل مدخلا لتوافق على إستراتيجية المقاومة المطلوبة .

 أما المسار الثاني فقد تطرقنا أعلاه إلى تحديات تجسيد الدولة وخصوصا أن القرار ألأممي قرار غير ملزم وهو يتحدث عن دولة مراقب أو غير عضو ، كما لا يبدو أن ظروف ومكونات السلطة الفلسطينية مؤهلة للدخول في مواجهة مع إسرائيل وواشنطن لتجسيد هذا القرار . يبقى الممكن والمتاح هو العمل المتزامن على إنهاء الانقسام وإعادة بناء منظمة التحرير في نفس الوقت ،وعندما نقول ممكن ومتاح لا يعني أنه عمل سهل بل يحتاج إلى جهود وإرادة قوية من كل الأطراف بل قد يحتاج للدخول لمواجهات مع إسرائيل وأطراف إقليمية ودولية ساهمت في حدوث الانقسام ومعنية ببقائه.

دون تجاهل الجهد الذي يجب أن يستمر في إنضاج شروط المقاومة الشعبية والانتفاضة وفي العمل في الإطار ألأممي لحصد مزيد من المكتسبات، فإن الأولوية يجب أن تركز على إنهاء الانقسام بشكل متزامن مع الاشتغال على إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير .

وعليه نرى أن الإستراتيجية الفلسطينية للمرحلة القادمة يجب أن تشتغل على مستويين :

  1. الهدف العاجل : مصالحة إدارة الانقسام

لأننا لا نستطيع أن نتجاهل وجود القوى السياسية القائمة وخصوصا حركتي فتح وحماس، ولا نستطيع تجاهل وجود سلطتين وحكومتين متخاصمتين، ولا وجود اتفاقات موقعة والارتهان للتمويل الخارجي وشروط الرباعية وإسرائيل، لذا يجب العمل على مصالحة أو تهدئة فلسطينية داخلية تعمل على حل إشكالات السلطة والحكومة وإدارة حياة الناس،إنها مصالحة بين السجناء تشكل ضرورة ومدخلا للانتقال لمرحلة تكسير جدران السجن. هذه المصالحة هدفها وضع حد لحالة العداء بين كياني غزة والضفة ووقف المفاعيل السياسية والاجتماعية والقانونية والنفسية للانقسام.إنجاز هذا الهدف المرحلي والعاجل سيتعامل مؤقتا مع واقع فصل غزة عن الضفة وواقع وجود حكومتين وسلطتين، ليست هذه دعوة لتكريس الفصل بل التعامل معه مؤقتا للانتقال لمرحلة جديدة.

هذه المصالحة تحتاج لدرجة عالية من البراغماتية والانحناء للعاصفة والتعامل بعقلانية مع التحديات الداخلية والخارجية، فحتى لو قررت حركتا فتح وحماس التصالح من خلال الورقة المصرية التي تم التوقيع عليها في مايو 2011 أو تفاهمات الدوحة فلن يعود التواصل بين الضفة وغزة في إطار حكومة وسلطة واحدة بدون موافقة إسرائيل أو بدون تسوية سياسية تشارك فيها إسرائيل،لأن علينا أن نتذكر أن إسرائيل انسحبت من القطاع وتقول بأنها لم تعد مسئولة عنه، وعليه فإن مصالحة توحيد غزة والضفة في إطار سلطة واحدة وحكومة واحدة لن يتم إلا من خلال الالتزام بشروط إسرائيل وواشنطن وهو ما ترفضه حركة حماس حتى الآن ، أو من خلال  المواجهة معهما وهذا يعني العودة لخيار المقاومة في إطار إستراتيجية وطنية.

إذن بدلا من استمرار الحالة العدائية بين غزة والضفة ولأنه يبدو أن الطرفين [96]متمسكان بالسلطة وغير مهيئين للمراجعات الإستراتيجية فيجب عمل مصالحة متدرجة لحين تغير الأحوال.هذه المرحلة من المصالحة تحتاج لاعتراف كل طرف بأن الطرف الآخر شريك في النظام السياسي وله حق تقرير مصير هذا النظام ورسم خارطة المشروع الوطني الجديد،وتحتاج لوقف حملات التحريض والتخوين والتكفير،وتحتاج لوضع حد للاعتقالات المتبادلة،أو بصيغة أخرى تمكين لجنتي المصالحة المجتمعية والحريات العامة من إنجاز عملها بسرعة. ونلفت الانتباه هنا أن ورقة المصالحة المصرية تقوم على أساس مصالحة مؤقتة في ظل استمرار الانقسام لحين من الزمن.

هذه المصالحة الوطنية المؤقتة والتي ستأخذ طابع التقاسم الوطني الوظيفي أو الشراكة السياسية  تشكل المدخل للمرحلة الثانية للإستراتيجية الجديدة أو المصالحة الوطنية الإستراتيجية من خلال إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير.لا شك أن هناك مزالق وتخوفات من أن يشجع التعامل مع هذا المفهوم للمصالحة أو التقاسم الوظيفي المؤقت البعض لطرح فكرة الكونفدرالية بين غزة والضفة،حيث الخشية بأن يستغل بعض المستفيدين من حالة الفصل أي نجاح في المصالحة حسب المفهوم المشار إليه أعلاه لتبرير حالة الفصل، أو أن تستغل كلتا الحكومتين التوافق الداخلي لإضفاء شرعية دائمة على وجودها يدفعها للتقاعس عن إنجاز المصالحة الوطنية الإستراتيجية، لتحاشي وقوع ذلك يجب العمل في آن واحد على المرحلة الثانية للإستراتيجية الوطنية،وهناك علاقة تفاعلية أو تأثير متبادل بين المصالحتين ،بمعنى أن أي تقدم في أي مصالحة سيؤثر إيجابا على إنجاز المصالحة الأخرى والعكس صحيح.

خلال هذه المرحلة الانتقالية يكون لحركتي فتح وحماس دور رئيس في إصلاح ما أفسدوه ومع ذلك يجب إبداء رأي فيما يتم الحديث عنه خلال هذه المرحلة ونلخصها فيما يلي:

  • بالنسبة للانتخابات وحتى لا يتكرر ما جرى في انتخابات يناير 2006 نفضل الاتفاق بداية على ثوابت ومرجعيات المشروع الوطني قبل الانتخابات ،لأن غياب الاتفاق على الثوابت والمرجعيات لن يساعد على حدوث تداول سلمي على السلطة.ونرى أن التراضي والتوافق في هذه المرحلة أهم وأجدى من الانتخابات.
  • ب‌- إن كانت هناك جدية في إجراء انتخابات فلا داع لتشكيل حكومة تنتهي صلاحيتها بعد أشهر، ويمكن للجنة الانتخابات أن تتكلف بالإعداد للانتخابات.وخصوصا أننا نعتقد أن إسرائيل لن تسمح بانتخابات قبل اتضاح معالم التسوية والمفاوضات.
  • ت‌- في حالة الإصرار على تشكيل حكومة يستحسن أن تتشكل من الأحزاب وبعض المستقلين،لأن حكومة من التكنوقراط فقط لن تستطيع عمل شيء في ظل حالة التجييش عند الأحزاب وستبقى حكومة شكلية، تشكيل الحكومة من الأحزاب وخصوصا من حركتي فتح وحماس يضعها على المحك ويجعلها تتحمل المسؤولية بدلا من أن تقف موقف المتفرج على حكومة تكنوقراط  مؤكدة الفشل .
  • ث‌- الحديث عن حكومة بدون برنامج سياسي هو مجرد هراء، فلا توجد حكومة بدون برنامج سياسي ،لأن هذه الحكومة  لن تتعامل مع الفلسطينيين فقط بل مع العالم الخارجي وإسرائيل ولهؤلاء شروط.

2: المستوى الثاني: إستراتيجي من خلال إعادة بناء المشروع الوطني.

الاشتغال على المرحلة أو المهمة الأولى للإستراتيجية الوطنية يجب أن يكون مواكبا للاشتغال على المرحلة الثانية بل يجب أن يكون الالتزام بإنجاز الهدف الأول (التقاسم الوظيفي الوطني) مشروطا بالالتزام بالهدف الاستراتيجي الاتفاق على الثوابت والمرجعيات وإعادة بناء المشروع الوطني الجامع،حيث يستحيل التقدم نحو الهدف الاستراتيجي دون إنهاء الانقسام.وعندما نقول تساوق الاشتغال على المستويين فذلك لأننا نحشى من أن واقع فصل غزة عن الضفة قد يستغرق وقتا، لأن إسرائيل والقوى المستفيدة من حالة الفصل ما زالت قوية وفاعلة،وهي تريده انقساما نهائيا ينهي المشروع الوطني الفلسطيني.

هذا التساوق لمساري المصالحة هو ضمان عدم تحول التقاسم الوظيفي الوطني المشار إليه إلى كيانين سياسيين دائمي الوجود. لهذه المصالحة الإستراتيجية مدخل أيضا وهو تفعيل وتطوير منظمة التحرير كمرجعية ناظمة للجميع، وفي هذا السياق يمكن الاستعانة بما ورد بورقة المصالحة المصرية حول تشكيل لجنة مشتركة عليا لضمان أن يستمر كيانا غزة والضفة ضمن مشروع وطني واحد . إذا كانت المصالحة الأولى ،أي المصالحة العاجلة في ظل الانقسام القائم تتعامل مع الانقسام الأخير الناتج عن أحداث يونيو 2007 ، فإن المصالحة الإستراتيجية يجب أن تتعامل مع الانقسام الإستراتيجي السابق على تلك الأحداث والسابق لسيطرة حركة حماس على القطاع ، هذه السيطرة وما سبقها وما لحقها من توترات وإصطدامات مسلحة هي نتيجة لخلاف استراتيجي وطني وإقليمي حول تشخيص طبيعة الصراع مع إسرائيل وهدفه النهائي.

الإستراتيجية الجديدة ستكون مضطرة لإعادة طرح تساؤلات تم طرحها قبل أربعة عقود ولم يتم الحسم فيها،ولأنها لم تحسم فقد عادت مجددا وبشكل أكثر تعقيدا . منذ أن وجِدت قضية سياسية تُسمى القضية الفلسطينية، وهي محل تنازع بين الأبعاد الوطنية والقومية والإسلامية والدولية ،وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية لم ينه حضور هذه الأبعاد وإن كان غيَّر في الأولويات.فهل نحن نقاتل إسرائيل لأنها عدو ديني تاريخي وبالتالي يجب اجتثاثها من الوجود، وفي هذه الحالة فالصراع يتجاوزنا كفلسطينيين ليشمل كل الأمة الإسلامية؟ أم نقاتلها كفلسطينيين لأنها ترفض حقنا بدولة مستقلة سواء كانت هذه الدولة حسب قرار التقسيم 181 لعام 1947 أو دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة ؟.

غياب الرؤية الواضحة للهدف عند أصحاب الحق ينتج حالة من الإرباك حول تحديد وسائل تحقيق الهدف وحول معسكر الحلفاء ومعسكر الأعداء وحول مفهوم استقلالية القرار الوطني وجدواه،وهي أمور تجر أصحاب الحق إلى صراعات وحروب داخلية.غموض وعدم الاتفاق على الأنا في أي صراع يؤدي تلقائيا لغموض وتعميم مفهوم الآخر ،الأمر الذي يربك الحالة السياسية وهو ما تعاني منه القضية الفلسطينية.هذا الغموض حول الأنا والآخر هو الذي مكن إسرائيل من تحشيد الصهيونية العالمية واليمين المسيحي ودول أخرى في مواجهة النضال الفلسطيني ،وهو ما مكن تل أبيب وواشنطن من إدراج النضال المسلح الفلسطيني ضمن الإرهاب الدولي.

من المفهوم في السياسة ،التعامل مع أهداف مرحلية وأهداف إستراتيجية ،ومن المفهوم أيضا تعدد أساليب العمل لتحقيق الهدف، إلا أنه في جميع الحالات يجب على المرحلي أن يكون في خدمة الإستراتيجي،كما أن تعدد أساليب النضال يكون ضمن نفس الهدف وفي إطار إستراتيجية وطنية واحدة وموحدة وليس لكل حزب هدف استراتيجي ووسائل خاصة به لتحقيق هذا الهدف. في الحالة الفلسطينية الأنا مبهم – وطني أم قومي أم إسلامي – ولا يوجد اتفاق على الآخر –إسرائيل أو اليهودية العالمية أو الصهيونية أو المسيحية أو أهل الكفر- والوسائل متعددة ومتعارضة –كفاح مسلح وجهاد؟ أم انتفاضة شعبية؟ أم مفاوضات وحل سلمي؟_هذا الأمر يخلق حالة إرباك في تحديد معسكر الأصدقاء ومعسكر الأعداء، أيضا فإن عدم التحديد يجعل العالم لا يعرف ما الذي يريده الفلسطينيون بالضبط وما هي مرجعيتهم السياسية،أو على الأقل يستغلون هذا التشتت والغموض في الموقف الفلسطيني والعربي ليتهربوا من التزاماتهم الدولية تجاه الشعب الفلسطيني أو يتجنبوا التصادم مع إسرائيل وواشنطن .

خلال ستين عاما طرح الفلسطينيون حوالي سبعة تصورات للهدف الذي يسعون إليه أو للدولة المنشودة.فبعد أن رفض العرب والفلسطينيون قرار التقسيم لعام 1947 وهو القرار الذي كان يعطيهم الحق في دولة،دخلوا في تيه سياسي حتى بداية ظهور منظمة التحرير ،خلال سنوات التيه طالبت حركة فتح وقبل أن تعلن عن نفسها رسميا عام 1965،بمشروع كيان وطني على الأراضي الفلسطينية التي بيد العرب –غزة والضفة- وذلك من خلال مجلة فلسطيننا،كان ذلك عام 1959،ولكن العرب رفضوا أو تجاهلوا هذا المطلب بل توجسوا منه حتى أنه عندما قرر العرب تأسيس منظمة التحرير كان من ضمن الشروط  أن لا تسعى المنظمة لسيادة على الضفة وغزة، مع منظمة التحرير أصبح الهدف تحرير كل فلسطين وإنهاء الوجود الصهيوني اليهودي كما نص على ذلك الميثاق القومي ثم الوطني،وفي عام 1971 تم تبني هدف الدولة الديمقراطية العلمانية على كامل فلسطين الذي جوبه بمعارضة قوية ليس فقط من إسرائيل بل أيضا من قوى وفصائل فلسطينية وعربية،أما في عام 1974 وعلى إثر حرب أكتوبر تم تبني البرنامج المرحلي والسلطة المقاتلة،وفي عام 1988 تم تبني إعلان الاستقلال أو دولة الضفة وغزة،كان إعلان الاستقلال مدخلا للتسوية حيث جاء مؤتمر مدريد ثم اتفاق أوسلو الذي سجن القضية الوطنية في إطار سلطة الحكم الذاتي في الضفة وغزة بدلا من دولة الضفة وغزة،مع وصول التسوية لطريق مسدود عاد الحديث عند البعض عن الدولة الواحدة ثنائية القومية ،بالإضافة للتخوفات من أن تكون الدولة القادمة دولة أو إمارة غزة فقط .والمفارقة أن الكيان السياسي الأول –منظمة التحرير الفلسطينية- انبثق بقرار رسمي عربي ،ومصادر تهديده وتجاوزه اليوم يأتي من قرار إسلاموي حيث لا تخفي حركة حماس أنها امتداد لجماعة الإخوان المسلمين وأن لها مشروعها الإسلامي المختلف –لا نريد أن نقول متعارض_عن المشروع الوطني.

إذن، كيف يمكن تأسيس إستراتيجية عمل وطني في ظل هذا الغموض والإرباك حول الهدف والوسائل ؟ ثوابت الأمة وحقوقها الوطنية ليست حقل تجارب للإيديولوجيات عابرة الوطنيات،ولا تخضع لموازين القوى الإقليمية والدولية .عندما لا يعرف الشعب ثوابته ومرجعياته و لا تتوافق قواه السياسية على تعريف لها، فهذا يشكك في عدالة قضيته الوطنية. ما كان لأصحاب الإيديولوجيات القومية والإسلامية أن يتراموا على قضيتنا وينصِّبوا أنفسهم أوصياء لولا ضعف الحالة الوطنية وتفشي الخلافات الداخلية.

التدخلات، سواء باسم العروبة أو باسم الإسلام، فيه امتهان لكرامتنا الوطنية وتشكيك بحقنا بدولة، فلماذا يجوز للمصريين والسوريين والإيرانيين أن يكون لهم دول وطنية خاصة بهم فيما يُحرَم علينا إقامة دولة فلسطينية خاصة بنا ؟ الدولة الوطنية الفلسطينية لا تعني القطع مع الأبعاد القومية أو الإسلامية للقضية. عندما يكون للعرب والفكر القومي وللمسلمين والحركة الإسلامية عنوان واحد متفق عليه، فسنكون أول من يسير من ورائه ونسلمه مقاليد أمورنا،ولكن لن نتخلى عن هويتنا وثقافتنا الوطنية ولا عن حلمنا بدولة وكيان وطني يحفظ لنا كرامتنا وإنسانيتنا لصالح الآخرين،وطن يعيش فيه أبناؤنا مرفوعي الرأس بلا احتلال صهيوني ولا وصاية عربية ولن نستمر معلقين بحبال وهم دعاة القوموية والإسلاموية ليوظفونا كما يوظفوا شعارات القومية والإسلام لخدمة مشاريعهم الوطنية أو الإقليمية أو الحزبية إن لم يكن الشخصية.هذا الكيان الوطني الفلسطيني ضرورة لأي مشروع قومي وحدوي عربي صادق أو مشروع وحدوي إسلامي صادق،مشروعنا الوطني رأس حربة لوقف توسع الكيان الإسرائيلي ببعديه الصهيوني واليهودي ،فمن لا يقف إلى جانب المشروع الوطني التحرري الفلسطيني ،لا يمكنه أن يكون قوميا عربيا وحدويا ولا إسلاميا حقيقيا،كما أن المشروع الوطني الفلسطيني لن يكتب له النجاح بدون بعديه :العربي والإسلامي .هذا الهدف/المشروع الوطني يتطلب إخضاع كل الأيديولوجيات له بحيث تصبح إحدى مكوناته لا أن يُلحق المشروع الوطني بمشاريع قومية وإسلامية مأزومة.  

هذا الهدف الوطني يجب أن يكون محل توافق وطني ويتجنب التصادم مع الشرعية الدولية التي تعترف للشعب الفلسطيني بالحق في تقرير المصير السياسي على أرضه وبحقه في دولة خاصة به.الدولة هدف مشروع  ولكنها ليست المشروع الوطني، فهذا سابق في وجوده على هدف الدولة وهو سيستمر ما استمر الاحتلال ويجب ألا يخضع للتجاذبات والمناورات حول مفهوم حل الدولتين .ولكن وحيث أنه يوجد توجه دولي لحسم الصراع في المنطقة على أساس حل الدولتين، فيجب أن نتوحد على مفهوم الدولة التي نريد، سواء كانت حسب قرار التقسيم أو دولة في الضفة وغزة ،حتى إن كانت دولة على كامل فلسطين التاريخية فالمهم هو توافق وطني على هدف يناضل كل الفلسطينيين من أجله تحت قيادة وحدة وطنية،آخذين بعين الاعتبار عدم جدية إسرائيل في التعامل مع حل الدولتين وعدم قدرة المنتظم الدولي الآن على إجبار إسرائيل على الانسحاب من كل الأراضي المحتلة عام 1967 بما فيها القدس وعودة اللاجئين الفلسطينيين.هذا يعني أن الدولة هي احد المعارك التي على المشروع الوطني التحرري خوضها، وقد يضطر أيضا لخوض معارك ضد التوطين والتدويل والوصاية.

إعادة بناء وتأسيس المشروع الوطني كمشروع حركة تحرر وطني يعني التعامل مع شعب قوامه أكثر من عشرة ملايين فلسطيني في الداخل وفي الشتات، يتطلب تفعيل دور نصف الشعب الفلسطيني الذي رُكن على الرف منذ توقيع اتفاقات أوسلو دون تجاهل الأوضاع في غزة والضفة،الأمر الذي يتطلب أن يضع هذا المشروع على سلم اهتماماته رفع الحصار عن قطاع غزة ومواجهة الاستيطان والتهويد في الضفة والقدس. مدخل هذا المشروع ليس بالضرورة الانتخابات التشريعية والرئاسية وليس التوافق على حكومة وحدة وطنية، بل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتستوعب الكل الفلسطيني،لو تمكنا من بناء منظمة التحرير على أسس جديدة وبقيادة جديدة فسيكون حل بقية القضايا أيسر كثيرا،لن تنجح أية مصالحة أو شراكة سياسية أو مشروع وطني إن بقي أي فصيل فلسطيني خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية،لأن منظمة التحرير ليست حزبا أو فصيلا بل الكيانية السياسية التي يعترف بها العالم أجمع. هذا المشروع الوطني الجديد يجب أن يُعيد الاعتبار للأبعاد القومية والإسلامية والدولية للقضية الفلسطينية على أسس جديدة لا تجعل المشروع الوطني ومجمل القضية ملحقة بهذا البعد أو ذلك.

إن لم نتدارك الأمر بالمصالحة الإستراتيجية، فسيسير النظام السياسي نحو مزيد من التفكك.حركة فتح لن تبقى موحدة وكان المؤتمر السادس بداية التصدع فبعد المؤتمر فقدت حركة فتح كينونتها كحركة تحرر وطني ومشاكل تنظيم فتح وخصوصا في قطاع غزة تثير القلق حول مستقبل حركة فتح،وحركة حماس ستشهد مزيدا من الانحسار كلما توغلت في السلطة والحكم واستمرت ملتزمة بالتهدئة،وقد تشهد انقسامات داخلية وخصوصا بين تيار وطني ،وتيار أممي مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين، وتيار يتجه نحو التطرف . سقوط حكم الإخوان في مصر وتصنيفها كجماعة إرهابية وما يجري في سوريا سيزيد من مأزق حركة حماس .بطبيعة الحال لن يكون مصير بقية القوى السياسية بالأفضل،وقد نشهد ظهور العديد من التيارات أو الأحزاب بمسميات المستقلين أو أية مسميات أخرى يقودها رجال أعمال ورجال دين ،إلا أن هذه القوى لن تشكل استنهاضا للحالة الوطنية بل ستزيد من التيه ومن فرص تدخل أطراف خارجية.

 التخوفات الأكثر مأساوية هي، فقدان ما تبقى من الضفة، وقد نشهد قريبا حربا أهلية في قطاع غزة. إسرائيل لن تُمكِن الفلسطينيين من دولة ذات سيادة في الضفة الغربية،وحتى تبعد الأنظار عما يجري في الضفة وحتى تلهي الفلسطينيين وتُرضي أصدقاءها ممَن لهم تطلعات سلطوية غير قادرين –أو غير مسموح لهم-على تحقيقها في الضفة ،فستخلق المناخ المناسب  لفتنة وحرب أهلية في القطاع ،كما سبق وهيأت المناخ لـ (الانقلاب) الذي أقدمت عليه حركة حماس في يونيو 2007.حرب أهلية حول مَن يحكم قطاع غزة:حركة فتح أم حركة حماس؟ وقد تشارك جماعات أخرى في هذه الحرب، كما سيكون للعملاء دور مهم في هذه الفتنة. سكوت  إسرائيل عن حكم حماس في قطاع غزة ليس قبولا نهائيا أو موقفا استراتيجيا وليس عجزا،بل لهدف تكتيكي،وعندما تشعر إسرائيل بأنها حققت هدفها من الانقسام  فستنقل المعركة لقطاع غزة،وهناك قيادات فلسطينية ،من خارج حركة حماس، كانت وما تزال تراودها شهوة حكم غزة .  

ما طرحنا أعلاه، دعوة أو تحريض على التفكير الاستراتيجي ، فنحن ندرك أن الأمور أكبر وأكثر تعقيدا من قدرتنا أو قدرة أي كاتب على إنجاز مشروع بهذا الحجم .ما يجعلنا متفائلين بإمكانية تجاوز المرحلة الصعبة هو ثقتنا بشعبنا وعدالة قضيتنا ولأن العمل على هذه الإستراتيجية الجديدة لن يكون من نقطة الصفر فهناك حضور بتاريخ متجذر للشعب الفلسطيني على أرض فلسطين ،وتاريخ نضالي فرض على العالم أن يعترف للفلسطينيين بالحق في دولة مستقلة ،أيضا هناك حقيقة أنه بالرغم من كل أشكال الفشل والمؤامرات التي تعرضت لها الأحزاب والقيادات السياسية إلا أنها لم تتخل عن الحقوق المشروع للشعب ،نعم فشلت في تحقيقها ولكنها لم تفرط بها.

 نعلم أنها مهمة صعبة وشاقة ، ولكن مصير الشعوب لا يرتهن بمصير نخب سياسية أو بموازين قوى آنية أو بإرتكاسات عابرة ،بل بإرادة الصمود والبقاء عند الشعب ، فلنعتبر أن ما جرى انتكاسة وفشل لمشروع وطني لم تأت الرياح بما تمكنه من الإقلاع،وحيث أن (لكل جواد كبوة ) فيمكن للشعب وقواه الحية أن يتجاوزوا ويتغلبوا على المحنة ، فتاريخ صراعنا مع المخطط الصهيوني لم يبدأ اليوم ،ومن الواضح أنه صراع مفتوح على المستقبل . فشل السلطة وفشل الحكومتين في غزة والضفة وفشل كل القوى السياسية لا يعني نهاية القضية الوطنية الفلسطينية، بهم أو بدونهم سيستمر الشعب الفلسطيني في خوض معركته الوطنية، بهم أو بدونهم سيكون هناك مشروع تحرر وطني فلسطيني.إن صدقت النوايا يمكن أن تبدأ هذه الإستراتيجية بلقاء موسع للقوى السياسية الفلسطينية ولشخصيات وطنية من المستقلين والمفكرين ،ولأن القضية لها الأبعاد المشار إليها يمكن أن يشارك في بدايات هذا اللقاء مثقفون ومفكرون عرب ومسلمون مشهود لهم بدعم القضية الفلسطينية بدون تحيز لأي محور أو أيديولوجية خارجية،ويمكن أيضا مشاركة ممثلون عن جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

  • المصالحة الإستراتيجية في إطار منظمة التحرير[97]

 إذا كانت المصالحة الأولى- مصالحة إدارة الانقسام –  تتعامل مع الانقسام الأخير الذي نتج عن أحداث يونيو 2007 ويمكنها أن تقتصر على حركتي فتح وحماس لأنهما سلطتا الأمر الواقع وتتحملان المسؤولية الأكبر عن الانقسام ، فإن المصالحة الإستراتيجية يجب أن تتعامل مع الانقسام الإستراتيجي السابق على تلك الأحداث والسابق لسيطرة حركة حماس على القطاع،هذه السيطرة وما سبقها وما لحقها من توترات وصدامات مسلحة هي نتيجة وإفراز للأزمة وليست سببا لها.هذه المصالحة يجب أن لا تقتصر على حركتي فتح وحماس بل يجب مشاركة كل القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني الفاعلة وشخصيات وطنية وأكاديمية وثقافية ،داخل الوطن وخارجه.حركتا فتح وحماس لوحدهما ليستا مؤهلتان لاستنهاض أو صياغة مشروعا وطنيا تحرريا.

مدخل هذه الإستراتيجية كما سبق الذكر ليس بالضرورة الانتخابات التشريعية والرئاسية وليس التوافق على حكومة تكنوقراط، بل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتستوعب الكل الفلسطيني،لو تمكنا من بناء منظمة التحرير على أسس جديدة وبقيادة جديدة فسيكون حل بقية القضايا أيسر كثيرا. لن تنجح أية مصالحة أو شراكة سياسية أو مشروع وطني إن بقي أي فصيل فلسطيني خارج إطار منظمة التحرير الفلسطينية المتجددة،لأن منظمة التحرير ليست حزبا أو فصيلا بل الكيانية السياسية التي يعترف بها العالم أجمع. هذه الإستراتيجية الوطنية الجديدة يجب أن تُعيد الاعتبار للأبعاد القومية والإسلامية والدولية للقضية الفلسطينية على أسس جديدة بحيث تُوظَف هذه الأبعاد لخدمة المشروع الوطني وليس إلحاق المشروع الوطني بهذا البعد أو ذلك.

في هذا السياق نقدم  المقترحات التالية  حول إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير الفلسطيني:-

1 )  مجلس تأسيسي للإشراف على إعادة البناء

لا شك أن أول وأهم سؤال يجب التصدي له في سياق الحديث عن إعادة بناء واستنهاض منظمة التحرير هو الجهة التي ستتولى تلك المهمة، فإذا كانت الأحزاب والسلطتان والحكومتان مأزومين بل تُحملهم الجماهير مسؤولية الأزمة ، فكيف يمكن الاطمئنان إليهم ليقوموا بعملية إعادة البناء ؟ وإذا كان الشعب يعيش حالة شتات وانقسام حاد فكيف يمكنه تغيير الأوضاع أو الخروج في ثورة ليقول بإسقاط النظام ؟.

ونحن نفكر بوضع الميثاق الوطني الذي سيكون بمثابة دستور الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج والذي يحدد الثوابت والمرجعيات نستحضر ما جرى في مصر وتونس، أيضا تجارب ثورية سابقة حول وضع الدستور، فالميثاق سيكون بمثابة دستور الشعب الفلسطيني للمرحلة المقبلة .الآلية التي نراها للقيام بمهمة إعادة البناء هي توسيع الإطار المؤقت المكلف ببحث تطوير منظمة التحرير الذي تم الاتفاق عليه في القاهرة والدوحة من خلال إشراك ممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني والاتحادات الشعبية وشخصيات وطنية أكاديمية ومهنية من الداخل والخارج ليصل العدد حوالي المائة والخمسين عضوا و يقوم هذا الإطار بالتوافق على الأعضاء الجدد ،على أن لا تزيد نسبة ممثلي الأحزاب والفصائل عن ثلثي أعضاء الإطار القيادي الجديد .

يصبح الإطار الجديد بمثابة (مجلس تأسيسي) يتكلف بعملية إعادة بناء المنظمة كما نصت على ذلك وثائق الوفاق الوطني وورقة المصالحة المصرية ،ويشمل ذلك صياغة ميثاق المنظمة و يمكن الاستئناس بوثيقة الوفاق الوطني بهذا الشأن ،كما يمكن لهذا (المجلس التأسيسي) الاستعانة بخبراء من جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي ،ليُضفى على الميثاق بعدا قوميا وإسلاميا .ويمكن لهذا المجلس أيضا أن يقترح مسمى بديلا لمنظمة التحرير إن لزم الأمر ويتم مراسلة الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية والعربية لاعتماد المسمى الجديد،أيضا إعادة صياغة وتحديد علاقة منظمة التحرير بالسلطة الوطنية وبالدولة التي اعتُمدت كمراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

2) التراضي والتوافق بديل عن الانتخابات

بالرغم من أن الانتخابات عنوان الديمقراطية وهي المقياس الرئيس على شرعية من يتولى السلطة والحكم ،إلا أن آلية الانتخابات ليست مدخلا وحيدا لحل الإشكاليات السياسية لشعب يخضع للاحتلال ومنقسم انقساما حادا أيديولوجيا وسياسيا وجغرافيا.قد رأينا كيف أن  نتائج انتخابات يناير 2006 بدلا من أن تحل استعصاءات النظام السياسي زادت الأمور سوءا وأدت إلى حرب أهلية ثم الانقسام الذي نعيشه اليوم ،ولذا نرى أن التوافق والتراضي مدخل يجب التفكير به وأخذه بعين الاعتبار في عملية إعادة بناء المنظمة إلى حين توفر الظروف المناسبة للانتخابات . ولذا نرى أنه بعد وضع مسودة الميثاق من المجلس التأسيسي المُشار إليه ومصادقة كل الفصائل والأحزاب السياسية عليه ، يتم عرضه على استفتاء شعبي في الضفة وقطاع غزة وتكون نتيجة الاستفتاء ملزمة لجميع الفلسطينيين ،ونقترح أن تكون النسبة المطلوبة ثلثي أصوات المصوتين . وإن لم تسمح إسرائيل بإجراء الاستفتاء تتم إجازة الميثاق بالتوافق أو بالانتخاب داخل المجلس التأسيسي.

وفي حالة تعثر إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني كما نصت على ذلك وثيقة المصالحة وفي حالة إقرار الميثاق من خلال الاستفتاء – بأغلبية الثلثين-  يصبح المجلس التأسيسي أو الإطار القيادي المؤقت الموسع بمثابة المجلس الوطني الفلسطيني الجديد.

3) تفعيل وإعادة النظر في دوائر  منظمة التحرير ومقراتها

مطلوب تفعيل دوائر منظمة التحرير وإعادة النظر في وجود بعض دوائر منظمة التحرير القديمة، والعمل على التنسيق وتوزيع الصلاحيات بين دوائر المنظمة ومؤسسات الدولة الوليدة – في حالة وجود إرادة بخوض معركة الدولة- حتى يتم تجاوز التضارب في الصلاحيات الذي كان يحدث بين مؤسسات المنظمة ومؤسسات السلطة .لا شك أن حالة السيولة السياسية أو عدم الاستقرار في العالم العربي، وكذا الاحتلال الإسرائيلي لأراضي الدولة الفلسطينية سيجعل من الخطورة وضع دوائر منظمة التحرير في مكان واحد، ولذا نقترح أن تتوزع هذه الدوائر أو المؤسسات مؤقتا في أكثر من مكان. ونرى أنه من المفيد أن يكون مقر المنظمة داخل قطاع غزة بعد أن يصبح قطاع غزة جزءا خاضعا للشرعية الوطنية الناتجة عن المصالحة ،ولا مانع من تواجد غالبية مؤسسات المنظمة في الضفة وغزة حتى في ظل الاحتلال ، فحال مؤسسات المنظمة سيكون كحال مقرات الأحزاب ، ويمكن لبعض المؤسسات أن تتواجد في دولة عربية أو أكثر يمكن التوافق عليها من بين الدول الأكثر استقرارا. 

4 ) مصادر تمويل مؤسسات ونشاطات منظمة التحرير

 الأزمة المالية لمنظمة التحرير ترجع في جزء منها إلى أن المصادر الممولة والداعمة باتت تحول المال إلى السلطة بدلا من المنظمة ،ولكون السلطة الفلسطينية همشت المنظمة وألحقتها بها ماليا ،وعليه فإن أزمة السلطة المالية  تنعكس على المنظمة والشروط التي تخضع لها السلطة في عملية التمويل تنسحب على المنظمة . الأمور قد تتغير في حالة إعادة الاعتبار للمنظمة بالمصالحة ومن خلال ما سيطرأ على وضع السلطة من تغييرات بعد حصول  فلسطين على صفة دولة مراقب .

ومن جهة أخرى وفي حالة إنجاز المصالحة وإعادة بناء التمثيل الفلسطيني ومنظمة التحرير بنية حسنة، يفترض أن الملايين التي تتدفق على الأحزاب مباشرة ستذهب إلى الصندوق القومي لمنظمة التحرير أو لخزينة الدولة، وعلى منظمة التحرير أن تراقب مصادر التمويل الخارجية للأحزاب، كما أنه من خلال إعادة النظر في العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة التي يُفترض أن تتحرر من التزامات أوسلو فإن الدول العربية والصديقة ستقدم مساعداتها إلى منظمة التحرير أو المرجعية الجديدة مباشرة وليس إلى الأحزاب أو السلطة .

بعد إعادة بناء منظمة التحرير التي ستمثل الكل الفلسطيني يمكن للمنظمة المتجددة أن تدخل في اتفاقات وتفاهمات مع الدول العربية والإسلامية لتامين تغطية مالية ثابتة للمنظمة ،وللبحث في آلية لجمع مساهمات من الفلسطينيين المقيمين في الشتات كما كان الأمر سابقا حيث كان يتم اقتطاع نسبة 5% من مداخيل الفلسطينيين العاملين في الدول العربية .ويبقى كل هذه الأمور معلقة بما ستؤول إليه المصالحة من جانب وبمستقبل السلطة بعد قرار الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو ،كما أن إعادة النظر باتفاق باريس الاقتصادي قد يوفر مداخل جديدة للفلسطينيين.

5 ) إشكالية الصفة التمثيلية للمنظمة ووظائفها

كما سبق ذكره فإن المجلس التأسيسي المشار إليه سيشكل لأول مرة بالتوافق وهو الذي سيبحث في أمر تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في اتفاق المصالحة ،وإن كنا نعتقد أنه في ظل تصاعد العدوان والتهديد الإسرائيلي للفلسطينيين في الضفة وغزة ،وفي ظل حالة عدم الاستقرار في العالم العربي،وفي ظل الانقسام الجغرافي وتوابعه ، فإن (التراضي والتوافق) على أعضاء المجلس الوطني سيكون الحل الأنسب . أما بالنسبة للجنة التنفيذية فيجب أن تنتخب من داخل المجلس الوطني الجديد على أساس نسبي حتى يمكن ضمان تمثيل عدد كبير من الأحزاب والشخصيات الوطنية .ويتم انتخاب رئيس المنظمة مباشرة من المجلس الوطني (المجلس التأسيسي).

وبالنسبة لفلسطينيي الخط الأخضر ، فإن صيغة لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية داخل الخط الأخضر ،تم تجاوزها بعد توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة ،وستصبح متجاوزة أكثر بعد قرار الاعتراف بفلسطين دولة غير عضو ،وسيبقى الأمر منوطا بتداعيات ما بعد إعادة بناء المنظمة ومستقبل عملية التسوية . نقترح في هذا السياق وبالنسبة للتجمعات الفلسطينية الأخرى خارج الوطن أن تُشكل ( لجان الأخوة الفلسطينية) أو تطوير وتوسيع مؤسسة (الجالية الفلسطينية) الموجودة في أكثر من بلد . بحيث يفرز الفلسطينيون في كل تجمع ومن خلال الانتخابات حيث يكون ممكنا أو تختار القوى الفاعلة في كل تجمع من يمثلهم ويكون عدد المندوبين متناسبا مع عدد التجمع ،وهذا ينطبق على فلسطينيي الخط الأخضر والأردن ولبنان وسوريا وكل دول الشتات ،إلى أن تتاح فرصة إجراء الانتخابات بحرية .

مع أن قرار الجمعية العامة بقبول دولة فلسطين عضو مراقب أشار إلى أن ذلك لن يؤثر على الصفة التمثيلية لمنظمة التحرير إلا أننا نعتقد أن تساؤلات كبرى تطرح حول مستقبل المنظمة وقيمتها وصفتها التمثيلية بعد صدور القرار وخصوصا إن فشلت المفاوضات وقرر الرئيس العودة للشرعية الدولية لاكتساب العضوية الكاملة للدولة،بالإضافة إلى التخوفات التي يطرحها البعض فيما يتعلق باللاجئين و(الحقوق التاريخية ) وحق تقرير المصير ،وهم محقون،يمكن تبديدها من خلال التمسك بكل القرارات الدولية الخاصة بفلسطين،ومن المعروف أن قرارات الشرعية الدولية لا تسقط بالتقادم،ولا تسقط إلا إذا تم التصويت على  قرار دولي من نفس جهة الصدور يلغي القرار السابق كما جرى مع القرار الذي صدر عن الجمعية العامة 1975 حول اعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري ،تم إلغائه عام 1992 بتصويت في الجمعية العامة على إلغائه .

6)  إشكالية تمثيل الفلسطينيين في الأردن

شهدت الأشهر التي سبقت التصويت على قرار عضوية فلسطين حديثا علنيا أحيانا وفي الكواليس حينا آخر حول البديل الأردني وإيجاد صيغة من العلاقة بين سكان الضفة والأردن ،بل تحدث الأمير حسن بوضوح عن عودة الدور الأردني في الضفة . زيارة الملك عبد الله لرام الله يوم الخميس 7-12-2012 وإن كانت بددت بعض المخاوف إلا أننا نعتقد أنها تعبر عن انشغال إن لم يكن قلقا أردنيا من تداعيات الاعتراف بفلسطين دولة على وضع اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ومستقبل العلاقة بين البلدين .

سيكون من الصعب إجراء انتخابات في الأردن لعضوية المجلس الوطني أو للتصويت على الميثاق بدون تفاهمات مسبقة بين الرئيس أبو مازن وملك الأردن على أن مشاركة الفلسطينيين /الأردنيين في الانتخابات حالة استثنائية لا تتعدى دلالتها السياسية على المساهمة في إعادة بناء منظمة التحرير ،وأن المشاركة لن تغير شيئا في الوضعية القانونية والسياسية للمشاركين ،وأن مسألة المواطنة ستبقى شأنا أردنيا. وفي حالة عدم إجراء الانتخابات ،وهذا ما نعتقد ، يرسل الفلسطينيون في الأردن الذين يريدون ترشيح أنفسهم لعضوية المجلس الوطني بأسمائهم أو قوائمهم إلى المجلس التأسيسي المشار إليه للتصويت عليها .

7 )  حول مصير السلطة الفلسطينية

سيكون مصير السلطة مطروحا للنقاش بعد إعادة بناء منظمة التحرير، ذلك أن السلطة القائمة سلطة حكم ذاتي منبثقة عن اتفاقية أوسلو، كما أن أحزاب فلسطينية وخصوصا حركة حماس والجهاد الإسلامي غير مشاركة فيها ،حتى صح القول بأنها سلطة حركة فتح، وفي حالة إعادة بناء المنظمة لتستوعب الكل الفلسطيني ولتصبح مركز الثقل في الحياة السياسية فمن البديهي أن تكون كل الفصائل مشاركة في السلطة ولها رأي فيها.هذا الأمر يتطلب توافق على وجود السلطة ودورها،كما سيتم طرح موضوع الحكومة بعد إعادة بناء المنظمة .هذه التساؤلات ستصبح أكثر إلحاحا وتعقيدا في حالة فشل المفاوضات والعودة للأمم المتحدة، مثلا هل ستستمر الحكومة كحكومة سلطة حكم ذاتي ؟ أم ستتحول إلى حكومة دولة فلسطين ؟ وهل ستستمر الحكومة والسلطة في إطار مرجعية اتفاقية أوسلو أم ستصبح مرجعيتها القرار الدولي الجديد والأمم المتحدة؟ وهل ستكون علاقة الدولة بمنظمة التحرير نفس علاقة السلطة بمنظمة التحرير؟.

من الملح اليوم التفكير في وضع السلطة والحكومة ، فلا يُعقل بعد إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية والمصالحة والاعتراف بفلسطين دولة أن يستمر الفلسطينيون خاضعين لسلطة حكم ذاتي مرجعيتها اتفاقية أوسلو ،المطلوب أن تصبح منظمة التحرير المتجددة والقرار ألأممي حول الدولة المرجعية الأولى للفلسطينيين وللسلطة الفلسطينية، الأمر الذي يتطلب قرارا واضحا من الرئيس بالتخلي عن اتفاقية أوسلو وممارسة السيادة على أراضي الدولة ولو بشكل متدرج . وما بعد إعادة بناء المنظمة وإلى حين قيام الدولة تتولى منظمة التحرير قيادة السلطة والحكومة .

الفصل السادس

بداية متعثرة للمصالحة

بسبب تعثر كل مبادرات المصالحة أو توصلها لاتفاقات دون قدرة على تنفيذ سادت حالة من الريبة والشك وانعدام الثقة والإحباط حتى باتت تشكل مكونا من الثقافة المجتمعية الفلسطينية وخصوصا من الثقافة السياسية ،وأصبح الفلسطينيون يشكون في كل شيء حتى في قدرتهم على تجاوز واقعهم المرير . كل حزب يشك في نوايا بقية الأحزاب حتى وإن أقدَم حزب على فعل إيجابي – دبلوماسي أو جهادي – ينطلق الآخرون من منطلق الشك ويفسرون هذا الفعل سلبا ليس لأنه فعل خاطئ بل لأنهم لا يثقون بصاحبه ، وإذا أقدمت جماعة أو دولة على مساعدة طرف فلسطيني سواء كان حزبا أو حكومة أو مجتمعا مدنيا انبرت بقية الأطراف للتشكيك في الأهداف الخفية من وراء هذا الدعم . تتحمل النخبة الفلسطينية مسؤولية تفشي هذه الثقافة المدمرة التي لم تكن موجودة في سنوات الثورة والنضال حيث كان التفاؤل والثقة بالنفس وقوة الإرادة والتماسك الاجتماعي أساسيات في ثقافة المجتمع الفلسطيني .

اتفاق مخيم الشاطئ يجدد الأمل بنجاح المصالحة

حالة من التفاؤل الحذر لمسناها بعد اجتماع وفد منظمة التحرير الفلسطينية مع قيادة حماس في مخيم الشاطئ يوم الثالث والعشرين من أبريل 2014 للبدء في تنفيذ المصالحة الوطنية. فعندما توفرت إرادة وضع اتفاقية المصالحة الموقعة في القاهرة في لقاء مخيم الشاطئ في قطاع غزة موضع التنفيذ لم يتم مقابلة ذلك جماهيريا بالفرحة العارمة بل بقي الحذر والشك سيد الموقف حتى من طرف أحزاب كانت من أكثر المنددين بالانقسام والمُحمِلين لحركتي فتح وحماس مسؤوليته.  

طوال سبع سنوات من الانقسام والفلسطينيون يعانون بسبب الانقسام ويحملونه مسؤولية لا تقل عن مسؤولية الاحتلال عما أصاب المجتمع من تفكك وفقر وبطالة وانتشار ثقافة الكراهية والخوف ، وما أصاب النظام السياسي من تفكك وضعف في مواجهة ممارسات الاحتلال والاستيطان في الضفة وفي مواجهة الحصار على قطاع غزة ، وفوق كل ذلك تداعيات الانقسام على صورة  الفلسطينيين عند العالم الخارجي . وطوال هذه السنوات والكل يندد بالانقسام حتى من شاركوا في صناعته ويستفيدون من نتائجه ، والكل يدعو للمصالحة التي تنهي الانقسام .

نعم في ظل ثقافة الشك وانعدام الثقة التي أشرنا إليها ونتيجة مسار المصالحة الطويل من حق البعض أن يتخوف بل ويشك فيما جرى ،وإن أردنا أن نعدد مبررات التخوف والشك فهي كثيرة ولا شك ونشاركهم فيها ،كيف لا يشك الشعب وينتابه الحذر وقد احتفل المتحاورون أكثر من مرة بتوقيع اتفاق مصالحة وتبادلوا القبل والابتسامات العريضة ؟.  لكن يجب الأخذ بعين الاعتبار أن مستجدات مهمة جرت وطنيا وإقليميا تُضعف من مرتكزات الانقسام وتبرر التفاؤل بإمكانية نجاح المصالحة ولو ضمن حدود مصالحة إدارة انقسام مؤقتة لعدة أشهر  .

بالرغم من كل ما جرى خلال سبع سنوات من الانقسام فلا يجوز الاستسلام لحالة الإحباط واليأس وانعدام الثقة بالذات وبالتالي الاستسلام لمخطط الانقسام تحت ذريعة أنه اكبر من قدرتنا على مواجهته ، وخصوصا أن المعادلة التي أنتجت الانقسام أو ساعدت على صيرورته واقعا بدأت تتفكك في العالم العربي من حولنا وجماعات المصالح الفلسطينية المشاركة في الانقسام باتت مكشوفة للشعب وفشلت في تدبير أمرها فيما أُتِيح لها من كعكة الانقسام ،بالإضافة إلى ذلك فإن مجمل الحالة السياسية الوطنية وصلت لطريق مسدود ، سواء أصحاب المشروع الوطني أو المشروع الإسلامي أو المشروع الرفضوي لقوى المعارضة .

ما جرى في مخيم الشاطئ وبالرغم من كل التخوفات التي تنتاب الجمهور إلا أنها خطوة في الطريق الصحيح وهو طريق طويل وشاق، إنه ما يجب أن يكون أو استجابة متأخرة لإرادة شعبية. صحيح أنها خطوة متأخرة حيث تكرست أوضاع ومصالح وعلاقات ستجعل عملية مواجهتها أصعب،ولو جرت المصالحة قبل خمس أو أربع سنوات مثلا لكانت فرص نجاحها اكبر، ومصالحة دون مراجعات إستراتيجية . ولكن السؤال : هل نستمر في الحال الذي نحن عليه من انقسام يتفاقم كل يوم بل ومرشح لأن يصل لتقسيم المُقسم والصراع على ما هو مُقسم ؟ أم نحاول تفكيك الانقسام ونتقدم خطوة نحو المصالحة،خطوة لا تخلو من مغامرة ؟.

صعاب كثيرة ستواجه استكمال ملف المصالحة بسبب ما تراكم خلال السنوات السبع الماضية ولكن أيضا بسبب رؤية كل طرف للمصالحة . فالمصالحة مصطلح مراوغ وحمال أوجه بحيث يفهمه كل طرف بشكل مغاير للآخر،حتى لو سألت الجمهور عن معنى المصالحة فستجد إجابات متباينة فالبعض يقصد بالمصالحة إعادة توحيد غزة والضفة كما كان الأمر قبل سيطرة حماس على القطاع متجاهلا الشرط الإسرائيلي في هذا السياق،والبعض الآخر يقصد بالمصالحة إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير بحيث تنضوي فيها حركتي حماس وفتح وبقية الفصائل الخارجة عنها ،والبعض يقصد بالمصالحة وقف حالة العداء بين الحكومتين والسلطتين وإطلاق سراح المعتقلين عند الطرفين وتحقيق المصالحة الاجتماعية ،وآخرون يقصدون بالمصالحة كل ما تم ذكره  .

حتى تنجح المصالحة في إطار أي من مفاهيمها السابقة فالأمر يحتاج لثلاثة عناصر أساسية :

العنصر الأول : الإرادة وما جرى يعبر عن توفر عنصر الإرادة عند الطرفين الفلسطينيين  سواء كانت إرادة إيمان وقناعة بالمصالحة واستعداد للاعتراف بالخطأ وعمل مراجعة لما جرى ،أو كانت إرادة المضطر الذي ينحني للعاصفة مؤقتا ،وحكمة وصبر الرئيس أبو مازن لعبا دورا في التوفيق بين إرادة الطرفين. مع التأكيد بأن الإرادة الفلسطينية لوحدها إن كانت قادرة على إنهاء بعض مظاهر الانقسام إلا أنها غير كافية لإنهاء كل الانقسام ، إلا إذا توفرت إرادة الدخول في مواجهة نضالية مع الاحتلال والتخلي عن الحكومة والسلطة والمفاوضات والتهدئة سواء في الضفة الغربية أو غزة ، وبنود اتفاق المصالحة لم يتطرق لهذه الحالة .

 العنصر الثاني: القدرة ،ونقصد به القدرة المادية والمعنوية على الاستمرار في نهج المصالحة ومواجهة معيقاتها سواء الداخلية أو الخارجية حتى الوصول لتحقيق الأهداف الوطنية بالحرية والاستقلال وقيام الدولة الفلسطينية المستقلة في كامل الضفة وقطاع غزة وعاصمتها القدس الشرقية مع عودة اللاجئين الفلسطينيين ،وهذا ما يجب الاشتغال عليه ،لأن الإرادة بدون قدرة لا تكفي، ونعتقد أن لدى الشعب الفلسطيني قدرات هائلة يجب توظيفها بشكل عقلاني لدعم المصالحة .

العنصر الثالث : المراجعة الإستراتيجية عند كل الأطراف وخصوصا عند حركتي فتح وحماس. إن لم تقم القوى السياسية بمراجعة إستراتيجية وتعترف بأخطائها واستعدادها لتجاوز أخطاء الماضي فلن تنجح المصالحة . وللأسف لم تحدث هذه المراجعة لا من خلال النقد الذاتي الداخلي ولا بالاعتذار للشعب . دخل الطرفان مصالحة مخيم الشاطئ وكل منهما متمسك بمواقفه ويعتبر انه منتصر والطرف الآخر منهزم ، وفي واقع الأمر إن كانت حركة حماس فشلت في كل خياراتها ومراهناتها الداخلية والخارجية فإن حركة فتح لم تنجح في خيارها التفاوضي ولا في استنهاض وضع فتح الداخلي .

إن كان دور القدرة يأتي لاحقا لتوفر الإرادة إلا أن الأمر ليس مجرد تعاقب زمني بل عملية تفاعلية وجدلية حيث نوع الإرادة يرسم حدود القدرة،أو بمعنى آخر إن القدرة على مواجهة استحقاقات المصالحة مرتبط بحدود إرادة المصالحة عند كلا الطرفين وأهداف كل منهم من التوجه للمصالحة وأية مصالحة يقصد كل منهم ؟ ، وما إن كانت إرادة المصالحة تصل لحدود المواجهة الساخنة مع كل الأطراف المستفيدة من الانقسام وخصوصا إسرائيل والذهاب بالمصالحة إلى حدود المصالحة الإستراتيجية التي تعيد بناء المشروع الوطني الفلسطيني كمشروع تحرر وطني متحرر من استحقاقات اتفاقية أوسلو وتوابعها واستحقاقات الأجندة الخارجية ؟ أم ستقف عند تخوم تشكيل حكومة قد تتحول لحكومة ثالثة شكلية تضاف لسلطتي أمر واقع غير رسميتين تستمران في ممارسة عملهما في الضفة وغزة ؟.

لا نريد أن نبني أوهاما على ما تم ولكن نتمنى أن يكون ما يجري جزءا من إستراتيجية متعددة المسارات: مسار الشرعية الدولية بالذهاب للأمم المتحدة لتكريس دولة فلسطين ، ومسار مقاومة شعبية مفتوحة على كل الاحتمالات لترد على ممارسات الاحتلال وعربدة المستوطنين،ومسار مفاوضات ذات مرجعية وأهداف وطنية محددة،والمصالحة في هذا السياق ليست بديلا عن المسارات الأخرى ، ليست بديلا عن الشرعية الدولية والتزاماتها ولكنها تقوي الموقف الفلسطيني في التعامل مع الشرعية الدولية واستحقاق الدولة ، وليست بديلا عن المفاوضات ولكنها يجب أن تشكل حالة قطيعة مع المفاوضات كما كانت تجري سابقا،وإن كان هناك ضرورة للعودة للمفاوضات فستكون مفاوضات تُؤسس على وحدة الموقف الفلسطيني والثوابت الفلسطينية التي أكد عليها الرئيس أبو مازن في اجتماع المجلس المركزي الأخير،كما أنها ليست بديلا عن المقاومة ولكنها ضرورية للتوافق على إستراتيجية وطنية للمقاومة.

ولكن حتى لا نغرر بالجمهور يجب مصارحته بالحقيقة بأن ما جرى أمر مهم ويحتاج لاحتضان ودعم شعبي وأن التقدم في أي ملف للمصالحة سيجعل انجاز بقية الملفات أكثر سهولة ، ولكن طريق المصالحة الإستراتيجية طويل وشاق، وأن إرادة فلسطينية لوحدها لن تنهي حالة الانقسام كليا، المصالحة قد تنهي حالة العداء بين منظمة التحرير وحركة حماس وقد تسمح بتشكيل حكومة توافقية تُدير حالة الانقسام، ولكنها لن تنهي حالة الانقسام بحيث يتم إعادة توحيد غزة والضفة وتواصلهما كما كان الأمر قبل انسحاب شارون من القطاع وسيطرة حماس على قطاع غزة ، كما أن المصالحة لن تنهي الاحتلال تلقائيا. إعادة توحيد غزة والضفة في حكومة وسلطة واحدة وإعادة التواصل بينهما يحتاج لإرادة دولية بل وإرادة إسرائيلية ما دامت غزة والضفة تحت الاحتلال وما دام المتحاورون يتحدثون عن حكومة وسلطة حكم ذاتي وعن انتخابات لرئيس سلطة حكم ذاتي وانتخابات تشريعية لمجلس تشريعي لسلطة حكم ذاتي .إنهاء الاحتلال وتوحيد غزة والضفة في إطار حكومة وسلطة ذات سيادة يحتاج لإستراتيجية وطنية تكون المصالحة بالمعايير المتفق عليها بداياتها ورافعتها الأساسية .

البرنامج السياسي لحكومة (التكنوقراط) لا يُلزِم إلا الحكومة

رحبنا بلقاء مخيم الشاطئ الذي عكس رغبة في البدء بتنفيذ بنود المصالحة ، وكانت مباركتنا مبنية على رؤية واقعية سياسية مريرة للحال الذي وصلنا إليه كفلسطينيين بسبب الانقسام وما آل إليه وضع قطاع غزة من تدهور نتيجة تضافر عوامل داخلية وخارجية،أيضا تلمُسنا لمأزق المفاوضات والسلطة الوطنية . كنا وما زلنا نؤمن أن الخروج من مأزق الانقسام والمفاوضات وحالة التيه السياسي يتطلب إستراتيجية واقعية متعددة المسارات تؤسَس على التدرج في نهج تفكيك المشكلات وخصوصا الانقسام حيث من الصعب إنهاء الانقسام بضربة واحدة قاضية لأن الانقسام وتداعياته ليس محصلة خلاقات فتح وحماس فقط بل أكبر من ذلك وأعمق،وبالتالي رأينا أن البدء بالاتفاق على تشكيل حكومة قد يساعد على تهدئة الأوضاع بين فتح وحماس مما يسمح بتفكير عقلاني مشترك للخروج من المأزق الوطني العام .

ولكن ، وحتى لا تخدعنا المصطلحات والمسميات المراوِغة وحمالة الأوجه ، وحتى لا ننزلق لمزيد من التنازلات السياسية لصالح إسرائيل ولشروط تسوية لم نحصد منها حتى الآن إلا مزيدا من ضياع الحق والأرض … لذلك يجب أن نكون واضحين وصريحين مع الشعب حول ما يجري بشأن ترتيبات تنفيذ بنود المصالحة وتشكيل حكومة التكنوقراط ، من جهة تبديد الوهم بأن المصالحة تحققت بمجرد تشكيل الحكومة ، أو أن برنامج حكومة التكنوقراط يعبر عن الثوابت والتوافق الوطني ، لذلك يجب التنويه إلى :-

  1. المصالحة انطلقت من موقع ضعف وفشل طرفي الانقسام .

 إن المصالحة التي يتم الاشتغال عليها لم تنطلق من منطلق القوة عند الطرفين بل من منطلق الضعف وبعد فشل كل طرف في تمرير نهجه وإنجاح مراهناته السياسية ،وفي هذا السياق نلاحظ تزامن وقف المفاوضات ومأزق السلطة مع الفشل المعمم لحركة حماس بعد ثورة 30 يونيو المصرية وسقوط حكم الإخوان ، وبالتالي كان كل طرف يريد أن يخرج من مأزقه ويحافظ على وجوده في السلطة والسياسة مع تقديم تنازلات متبادلة . لو أن المصالحة جاءت بعد أو متزامنة مع نجاح المفاوضات والتسوية ومع نجاح حركة حماس في خيار المقاومة لكانت مصالحة تعزز الحقوق والثوابت الفلسطينية وتجعل الموقف الفلسطيني أكثر قوة في مواجه إسرائيل العدو المشترك،ولكن وحيث إن المصالحة جاءت في ظل مأزق الطرفين الفلسطينيين فإنها ستكون في البداية مصالحة خروج من مأزق بالنسبة لكل منهما ، مع الأمل أن يكون هذا مقدمة للمصالحة الإستراتيجية لمواجهة إسرائيل،حيث لا قيمة لمصالحة وطنية إن لم تؤسِس لإستراتيجية مواجهة مع إسرائيل لاستعادة الحق المسلوب .

  • دور الأطراف الخارجية في تفعيل بنود المصالحة .

لأن المصالحة الوطنية لم تنطلق من منطلق القوة فإن نجاحها في كثير من مراحلها مرتبطا بمواقف أطراف غير فلسطينية:العرب والأمريكيون والأوروبيون وإسرائيل أيضا ،في كافة خطوات المصالحة ، بدءا من تشكيل الحكومة وبرنامجها السياسي ومصادر تمويلها ،إلى إجراء الانتخابات والشروط الإسرائيلية لإجرائها، إلى مرحلة إعادة توحيد الضفة وغزة في إطار حكومة وسلطة واحدة سواء كانتا لسلطة حكم ذاتي أم للدولة الفلسطينية المستقلة . ومن يقرأ التصريحات الأوروبية والأمريكية المرحبة بالمصالحة بتحفظ سيلمس شروطا في ثنايا الترحيب.

  • دور مصر في تحريك المصالحة للخروج من إحراج إغلاق معبر رفح .

يجب عدم تجاهل الدور والشرط المصري فيما جرى في لقاء مخيم الشاطئ ،فسرعة التفاهم على البدء بتنفيذ المصالحة يعود لما حمله معه من مصر السيد نائب رئيس المكتب السياسي لحماس موسى أبو مرزوق وليس ما حمله معه السيد عزام الأحمد القادم من رام الله . ونعتقد أن من الأهداف الرئيسة لتشكيل حكومة فلسطينية هو التجاوب مع المطالب المصرية بإيجاد مخرج لمشكلة وجود حماس كحزب حاكم في غزة وتداعيات ذلك على حصار غزة والأمن القومي لمصر والإحراج المصري من استمرار حصار غزة . حتى لو اقتصر الهدف من تشكيل حكومة لرفع الحصار عن قطاع غزة فإنه أمر يستحق الثناء والتقدير .

  • ما كان الإعداد للانتخابات يحتاج لحكومة جديدة .

لا نعتقد أن الإعداد للانتخابات بعد ستة أشهر كان يحتاج إلى حكومة جديدة .ما دام حصل تفاهم وتفهم وثقة بين حركتي حماس وفتح وخصوصا بين رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السيد خالد مشعل والرئيس أبو مازن ، وتقدير كل منهما لظروف الطرف الآخر، فلماذا مغامرة تشكيل حكومة جديدة بما يترتب على ذلك من أعباء مالية ، واستحقاقات سياسية خطيرة وخصوصا على حركة حماس وكل من سيشارك في الحكومة؟ كان من الممكن بدلا من ذلك تجديد الثقة بالرئيس أبو مازن وبحكومة الحمد الله وتكليف اللجنة العليا للانتخابات بمباشرة الاستعدادات لإجراء الانتخابات في الموعد المحدد.

نتمنى أن لا يؤدي تشكيل الحكومة وبرنامجها إلى جر حركة حماس وقوى سياسية أخرى إلى مربع الاعتراف بشروط الرباعية وبمرجعية عملية السلام ، وتتعثر المهام الأخرى للحكومة والمصالحة .

  • في الحالة الفلسطينية كل حكومة هي حكومة سياسية .

لا ندري الحكمة من توافق طرفي المصالحة على أن تكون الحكومة حكومة تكنوقراط ،ولا ندري هل الحالة التي نعيشها تسمح بترف حكومات التكنوقراط ؟ – وقد سبق أن كتبنا عن الموضوع سابقا- . تم تبرير تشكيل حكومة تكنوقراط لأن هذه الحكومة لن تكون سياسية ولن تتدخل بالشأن السياسي وستتكفل فقط بمهمة الإعداد للانتخابات وتسيير الأمور الحياتية وتخفيف المعاناة عن قطاع غزة ! ولكن ألا يتعارض هذا مع الشروط المطلوب من الحكومة الالتزام بها – شروط الرباعية- وهي شروط سياسية والالتزام بها موقف سياسي بجدارة ؟ وهل يمكن لحكومة فلسطينية ألا تكون سياسية ؟. 

  • برنامج الحكومة لا يعبر عن الثوابت الوطنية ولا يُلزم إلا الحكومة .

يجب تجنب إسقاط الآمال والأماني المتوقعة من المصالحة كما يراها الشعب كمصالحة تنهي الانقسام وتُعيد توحيد غزة والضفة في إطار حكومة وسلطة واحدة وتستنهض المشروع الوطني كمشروع تحرر وطني، على حكومة التكنوقراط . فإذا كان البدء بتنفيذ اتفاق المصالح يبشر بفرص واعدة لإنهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية والتوافق الوطني على الثوابت والمرجعيات ،فإن حكومة التكنوقراط تأتي في سياق مختلف أو لها مهام مختلفة وإن كان نجاحها يساعد على تحقيق الأهداف الوطنية. فهذه الحكومة وكما صرح الرئيس أبو مازن ستعترف باتفاقية أوسلو وتوابعها وبعملية السلام وتنبذ العنف ، وكل وزير سيدخل هذه الحكومة سيكون ملتزما بهذه الشروط والتي هي بالأساس شروط (اللجنة الرباعية) حتى تستمر بتمويل السلطة الوطنية.

لا نعتقد أن هذه الموصفات والالتزامات المطلوبة من الحكومة محل توافق وطني، وسيكون من الخطورة أن تكون محل توافق وطني أو تشكل ثوابت وطنية ، ونحن نرى حصيلة اعتراف والتزام منظمة التحرير بهذه الشروط قبل عشرين عاما، وكيف تسعى منظمة التحرير والرئيس للتخلص من تبعات أوسلو والذهاب إلى الأمم المتحدة.

  • لا حكومة بدون برنامج سياسي

انطلاقا مما سبق نعتقد أن معضلة وطنية حقيقية ستواجه الحكومة في صياغة برنامجها السياسي ، حيث من السذاجة الاعتقاد أن هذه الحكومة ستكون بدون برنامج سياسي،فلا توجد حكومة بدون برنامج سياسي  . لأن هذه الحكومة،وكل حكوماتنا الفلسطينية، ليست وليدة إرادة وطنية خالصة أو تعبر عنها،بل وليدة ومحصلة عدة إرادات نظرا لأنها تعتمد كليا على التمويل الخارجي وعلى الموافقة الإسرائيلية ولأن إسرائيل تؤُمِن جزءا مهما من مداخيل السلطة،أيضا لأن الحكومة لن تتعامل مع الشعب الفلسطيني في غزة والضفة فقط بل عليها أن تتعامل مع العالم الخارجي ومع إسرائيل ما دامت حكومة سلطة حكم ذاتي محدود . ولذا فإن برنامج حكومة التكنوقراط سيكون غير منقطع الصلة بعملية التسوية والشروط الأوروبية والأمريكية والإسرائيلية ،و عليه لن يكون محصلة توافق وطني خالص .

  • التباس مفهوم (المستقلون ) أو (التكنوقراط) في الحقل السياسي الفلسطيني .

إن كان لا بد من تشكيل حكومة تكنوقراط أو حكومة مستقلين فيجب حُسنَ اختيار عناصرها ،فصفة (التكنوقراط) أو (المستقل) ليست ميزة بحد ذاتها ،بل قد تكون صفة سلبية تعني (غير الوطني) . صحيح أن أكثر من نصف الشعب غير منتمي للأحزاب والنسبة تزايدت في السنة الأخيرة ، وصحيح أن غالبية هؤلاء وطنيون مخلصون لوطنهم ، إلا أن هناك ممن يشتغلون تحت راية المستقلين أو يزعمون ذلك ابتعدوا عن العمل الوطني وارتبطوا بجهات أجنبية وتمرسوا على إثارة الفتنة وانتقاد طرفي الانقسام باسم أنهم (مستقلون) ،وإذا يتسابقون ويلهثون وراء منصب وزير ليس خدمة للمصلحة الوطنية بل لتحقيق أهداف ومصالح شخصية . ومن جهة أخرى وحتى لو كانت حكومة تكنوقراط مؤقتة وبصلاحيات محدودة فإن كل وزير سيمثل فلسطين في كل تحركاته وتصريحاته وفي مأكله ومشربه وملبسه . عليه يجب حسن اختيار هؤلاء التكنوقراط حتى لا يتم تحقير منصب الوزير الفلسطيني والحكومة الفلسطينية وخصوصا أن الحكومة ستكون حكومة الرئيس أبو مازن أو محسوبة عليه حتى ولو لم يرأسها فعليا.

  • الحذر من إفشال الحكومة الجديدة .

إن تشكيل الحكومة مجرد جزئية في عملية المصالحة الوطنية الطويلة والمعقدة ،ومن المعلوم أن كثيرا من القضايا ما زالت محل نقاش أو تم التوصل لتفاهمات أولية ملتبسة  حولها كالأجهزة الأمنية والحالات العسكرية وأسلحتها، والموظفون الخ ، وبالرغم من كل الملاحظات والتخوفات التي اشرنا إليها يجب مساعدة الحكومة الجديدة وعدم السماح بإفشالها لأن إفشالها لن يكون فشلا لحكومة بل فشل للمصالحة ككل مما قد يؤدي لانتكاسة خطيرة تكرس حالة الانقسام وتُشرع الأبواب أمام مشاريع وتدخلات خارجية . 

  1. المعركة الحقيقية ما بعد تشكيل الحكومة

إن الحكومة ستكون حكومة سلطة حكم ذاتي ملتزمة باتفاقية أوسلو وتوابعها، وهذا يتطلب استمرار العملية السياسية النضالية على كافة الجبهات ، لأن مشكلتنا الأساسية ليست الحكومة والانتخابات فهذه أمور فُرضت علينا فرضا ولا علاقة لها بدمقرطة الحياة السياسية بقدر ما هي جزء من مؤامرة حرف الشعب الفلسطيني عن مسار حركة التحرر ودفع مكوناته السياسية للصراع على سلطة وهمية . وعليه يجب التفكير بالمسارات الأخرى كالمقاومة الشعبية وفرض الدولة الفلسطينية على أرض الواقع ، والاستعداد لجولة جديدة من المفاوضات قادمة ستكون أكثر صعوبة وخطورة من كل الجولات السابقة .

تشكيل حكومة تكنوقراط توافقية لا يعني نهاية الانقسام

وكأننا أمام مشهد شبيه بما جرى نهاية عام 2006 وقُبَيِل وبعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في مارس 2007، ولكن هذه المرة المشهد أكثر خطورة لأننا اليوم ندفع ثمن فشل حكومة لقاء مكة – حكومة الوحدة الوطنية- . آنذاك وبعد حوالي عام على تفرد حركة حماس بالحكم بسبب تمَنُع حركة فتح وفصائل منظمة التحرير المشاركة في الحكومة ، وبعد الحصار الذي تم فرضه على السلطة سواء في غزة أو في الضفة ، تكثف الحديث عن تشكيل حكومة وحدة وطنية وجرت حوارات تُوجت بلقاء مكة في فبراير 2007 الذي أدى لتشكيل حكومة (وحدة وطنية) أو حكومة رفع الحصار كما تم تسميتها لم تستمر إلا لثلاثة أشهر ثم جرى ما جرى من حرب أهلية وانقسام ما زلنا نعيش واقعه وتداعياته المدمرة .

عندما نقول إننا أمام مشهد شبيه في ظل ظروف أكثر مأساوية فلأن أطراف المكونات الداخلية لمعادلة الانقسام لم تأخذ العبرة بما فيه الكفاية من التجربة السابقة حيث انصبت حوارات مكة على كيفية التجاوب مع طلبات المملكة السعودية وإغراءاتها المالية وعلى كيفية تمرير مصالحة شكلية ترفع الحصار المفروض على السلطة وتنقذ كل طرف من مأزقه السياسي والتنظيمي والمالي ، فالاهتمام كان بتسكين الحالة دون تفكير بمراجعة إستراتيجية عند كل طرف تؤسِس لإستراتيجية وطنية جديدة . اكتفت أطراف لقاء مكة على اعتماد وثيقة الوفاق الوطني شكليا كبرنامج سياسي للحكومة دون الغوص في التطبيق العملي للنصوص الملتبسة والعامة للوثيقة ، وفيما كانت وثيقة الوفاق الوطني تتضمن 18 بندا تم الاقتصار على بند تشكيل الحكومة فقط ،وبقيت قضايا المقاومة وسلاحها والقوة التنفيذية لحماس والاعتراف بالاتفاقات الموقعة وتفعيل منظمة التحرير الخ دون حل ، وكانت النتيجة فشل حكومة الوحدة الوطنية بعد ثلاثة أشهر لتعود الأمور أسوأ مما كانت.

وهكذا بعد ثمان سنوات تقريبا من فشل حكومة الوحدة الوطنية تفشت خلالها حالة من الإحباط وألا مبالاة من المصالحة ، وانتشرت حالة من الخوف والقلق من وعلى المستقبل سواء الخوف على مستقبل الأبناء أو مستقبل الوطن . في هذه الأجواء تم تحريك ملف المصالحة في لقاء الشاطئ يوم 23 أبريل ،وكما جرى في لقاء مكة تم التركيز على بند الحكومة وتأجيل بقية بنود المصالحة في اتفاق القاهرة، ومع هذا التوقيع يعيش الفلسطينيون حالة من الترقب والأمل بتجاوز الانقسام المقيت للتفرغ لمواجهة الاحتلال.

تمنينا أن لا يتم اختزال المصالحة بتشكيل حكومة كما جرى في لقاء مكة حتى لو كانت حكومة إنقاذ وطني كما نعتها السيد عزام الأحمد. وحتى بالنسبة للحكومة فقد تباينت المواقف وتعددت المراهنات . فحول برنامج الحكومة قال البعض بأن الحكومة لا تحتاج لبرنامج حتى يتم تجنب شروط الرباعية ، و حول الغرض من تشكيلها  يراهن البعض – أنصار حماس –  أن حكومة التكنوقراط ستؤمن رواتب موظفي حكومة حماس في القطاع وتخفف الحصار عن غزة مع بقاء السيطرة الأمنية لحماس على القطاع ، وآخرون- منهم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين –  ينظرون لما جرى وكأنها محاصصة بين حماس وفتح ليس فقط على مستوى تقاسم المناصب الوزارية بل وتقاسم ما كان يُفترض أن تكون أراضي الدولة الفلسطينية – غزة والضفة – ،وآخرون يرون فيما جرى في مخيم الشاطئ استجابة لضغوط مصرية بهدف رفع الحرج عن مصر المتهمة بأنها تحاصر الفلسطينيين في القطاع وراعية المصالحة لسنوات الخ . إذا أضفنا لذلك ما نلمسه على الأرض من ضعف الجهود التعبوية والتحسيسية من كل الأطراف لأهمية المصالحة ووجود حكومة وحدة وطنية حقيقية،كل ذلك يثير تخوفات أن يتكرر سيناريو (اتفاق مكة) من حيث تشكيل حكومة قد لا تعمر أكثر مما عمرت حكومة اتفاق مكة  .

انبرى قادة من حركة فتح وحركة حماس ليؤكدوا أن الانقسام قد انتهي والوحدة الوطنية تحققت حتى قبل أن يتم الإعلان عن الحكومة – خطاب خالد مشعل في الدوحة قبل أيام من الإعلان عن تشكيل حيث قال بثقة وبشكل قاطع إن الفلسطينيين طووا صفحة الانقسام إلى غير رجعة ، وخطاب الرئيس أبو مازن بعد تشكيل الحكومة- . نتفهم أن يكون هدف هذه التصريحات طمأنة الشعب والأصدقاء القلقين والمشككين بالقدرة على تجاوز الانقسام وتحقيق المصالحة ، ولكن مع ترحيبنا بأية حكومة توافقية حتى لو كان توافقا بين فتح وحماس فقط ، ومع تلمسنا وجود إرادة عند كل الأطراف للخروج من الحالة العبثية التي تسود الحقل السياسي الفلسطيني سواء في علاقاته البينية الداخلية أو علاقاته الخارجية ، إلا أن تشكيل الحكومة لا يعني إنجاز المصالحة ومغادرة مربع الانقسام . يجب عدم توقف قطار المصالحة عند تشكيل الحكومة ،فالحكومة جزئية صغيرة في ماراثون المصالحة الطويل والشاق، والتحدي الحقيقي سيبدأ من اليوم الأول لعمل الحكومة المنشودة .

حتى على مستوى الحكومة فإن تحديات كبيرة ستواجه الحكومة ومنها أن كثيرا من الفصائل خارج الحكومة وخارج اتفاق مخيم الشاطئ – كما جرى مع اتفاق مكة – ، وربما يستمر الوضع الأمني على حاله في الضفة وغزة ، أيضا مدى قدرة حكومة تكنوقراط أن تفرض هيبتها وسلطتها على مسلحي وأجهزة حركة حماس وأيضا الجهاد الإسلامي وبقية الأجنحة المسلحة للفصائل والجماعات الإسلامية ،وكيف يمكن التوفيق بين الحالة الأمنية والعسكرية في غزة والحالة الأمنية والعسكرية في الضفة حيث استمرار الاحتلال واستمرار الأجهزة الأمنية في الضفة ملتزمة بالتنسيق الأمني مع إسرائيل ؟ وما إذا كانت إسرائيل ستسمح لهذه الحكومة بالعمل ما بين الضفة وغزة مع استمرار التصريحات والحديث المتكرر لمسئولين في حماس وبقية الفصائل عن المقاومة والتحرير والعلاقات الإستراتيجية مع قطر وإيران واستمرار التدريبات العسكرية للفصائل ، هذا إن لم يحدث إطلاق صواريخ أو عمليات تسلل إلى إسرائيل انطلاقا من قطاع غزة ،.

التركيز على الحكومة دون بقية ملفات المصالحة سيشكل نقطة ضعف في عمل الحكومة ،كما أن اختزال المصالحة بالحكومة يعني أن أي فشل للحكومة يعني فشل المصالحة ككل، أيضا وفي حالة فشل الحكومة فإن الفشل سيُحسَب على الرئيس أبو مازن وستبرئ بقية الأطراف نفسها من المسؤولية بالقول بأنها فوضت الرئيس برئاسة الحكومة والرئيس فشل في مهمته !، والفشل قد لا يأتي من إسرائيل فقط ، بل أيضا من وزراء معنيين بمناكفة الرئيس وربما تم ترشيحهم لهذا الهدف،وقد يعمل موظفو حركة حماس في قطاع غزة على عدم التجاوب مع قرارات الحكومة الجديدة وإفشال أي وزير من الوزراء المحسوبين على حركة فتح ، وقد يقوم بمهمة الإفشال أطراف في الضفة متضررون من المصالحة أو مرتبطون بجهات خارجية ، وعملية الإفشال سهلة في ظل حكومة تفتقر لسلطة إكراه على كل مكونات المجتمع والسلطة .

أيضا من الأسئلة المقلقة التي نثيرها ليس لتكسير مجاديف المصالحة ولكن لنكون مستعدين لمرحلة صعبة تحتاج لوعي وإرادة ، كيف ستتعامل الحكومة المنشودة وحتى حكومة ما بعد الانتخابات مع سلاح المقاومة،وهل سنستنسخ تجربة حزب الله حيث يرفض الحزب حل جماعته المسلحة بذريعة إنه سلاح مقاومة مما أدى لتعثر الحكومة والنظام السياسي اللبناني حتى اليوم ،وبالتالي سترفض حماس والجهاد الإسلامي وبقية الأحزاب حل أجهزتها العسكرية أو دمجها بالأجهزة الأمنية للسلطة ، لأنها حركات مقاومة ما دام يوجد احتلال ، وفي هذه الحالة ما الذي يمنع حركة فتح في غزة من حمل السلاح وتشكيل ميليشيات مسلحة وفتح معسكرات تدريب والخروج في مسيرات مسلحة كما تفعل بقية الجماعات المسلحة ؟.

 والسؤال أيضا ماذا لو شُكلت الحكومة المنشودة ولم يُرفع الحصار عن غزة ولم تدفع الحكومة الجديدة رواتب موظفي حكومة حماس ولم يتم إجراء الانتخابات بعد ستة أشهر ؟ فهل سيفرط عقد الحكومة ؟ وما هي تداعيات ذلك على المصالحة وعلى مجمل النظام السياسي والمشروع الوطني ؟ أو بصيغة أخرى هل الحكومة المرتقبة ضرورية فقط لرفع الحصار وفتح معبر رفح وإبعاد الحرج عن مصر وتحسين موقع منظمة التحرير في حالة العودة للمفاوضات أو دخول معركة الشرعية الدولية، وهي ولا شك تستحق الاهتمام ولا يمكن تجاهلها ؟ أم ضرورية لأن الوضع الطبيعي هو وجود حكومة وحدة وطنية؟ وإذا كان الحصار ومأزق الطرفين مبررا لتشكيل حكومة توافقية أليس من الأجدر أن يكون الاحتلال والإرهاب الصهيوني المتواصل أكثر دافعية لتشكيل حكومة وحدة وطنية حقيقية غير مقيدة بزمن محدد أو مهمة محددة ؟.

عشرات الأسئلة تزاحمت في عقولنا ونحن نراقب تراجيديا تشكيل الحكومة حيث كنا نعتقد بأن الحصار ومأزق حركة حماس وفشل المفاوضات عوامل إضافية لتشكيل حكومة مصالحة حقيقية أو حكومة وحدة وطنية حقيقية وليس السبب الوحيد،ذلك أن شعبنا الذي يخضع للاحتلال منذ عقود لا يمكنه مواجهة الاحتلال إلا بتوحيد كل جهوده في حكومة وسلطة ومنظمة واحدة .

   نقدر ونثمن جهود طرفي لقاء مخيم الشاطئ ، ولكن يبدو أن ثغرة ما توجد ما بين اتفاق المصالحة – نصا وروحا- الذي شاركت فيه ووقعت عليه كل الأحزاب والجماعات السياسية  في القاهرة والدوحة من جهة وتفاهم مخيم الشاطئ من جهة أخرى ، وهي ثغرة تحتاج إلى سرعة ترميم قبل أن تتوسع وتؤدي لتعثر المصالحة . نخشى أن نصبح أمام (نظام سياسي ) تحت الاحتلال خاضع لثلاث حكومات : اثنتان حكومتا أمر واقع – واحدة في الضفة وأخرى في غزة –  تضللهما حكومة شكلية بدون سلطة إكراه ، وداخل هذا النظام المركب والمعقد ستصبح حركتا حماس وفتح حزبا سلطة ، وحركة الجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية وفصائل سياسية أخرى أحزاب معارضة للسلطة/السلطتين ، بل أيضا سنرى حركة حماس تتصرف في الضفة كمعارضة وفي غزة كحكومة أمر واقع ، وحركة فتح تتصرف في غزة كمعارضة وفي الضفة كحكومة أمر واقع وربما كشاهد زور !.

تشكيل حكومة ضمن ما هو متفق عليه مجرد خطوة أولى ومهمة ولا شك مقارنة باستمرار الأمور على حالها ، ولكن نتمنى أن لا يتم التعامل مع تشكيل حكومة توافقية بين فتح وحماس كعمل تكتيكي أو ظرفي لتجاوز أو التحايل على الحصار ومأزق حركة حماس نتيجة خياراتها الفاشلة ،أو توجه من حركة فتح لتقوية نفسها على طاولة المفاوضات وكسب الوقت انتظارا لقادم مجهول،أو نتيجة مطالب مصرية ملحة، بل يجب التعامل معها كخيار استراتيجي وضرورة حياتية للفلسطينيين ،وتصحيح لخطأ كان سببا في تعثر المشروع الوطني.

نجاح الفلسطينيين في التوصل لتفاهمات داخلية حول تشكيل الحكومة لن ينهي الانقسام بل يحتاج الأمر لجهود إقليمية ودولية لحل القضايا المشار إليها ، وهذا يعني بأننا قد نكون أمام صفقة شاملة أو إعادة صياغة للنظام السياسي الفلسطيني سواء فيما يتعلق بمكوناته الداخلية أو علاقاته الخارجية ،ومن هنا تتأتى أهمية وجود حكومة وحدة وطنية حقيقية ذات برنامج سياسي واضح لمواجهة هذه الاستحقاقات ،وكلما كانت الحكومة المقبلة حكومة وحدة وطنية حقيقية كلما كانت أكثر قوة في التعامل مع القضايا العالقة وفي مواجهة إسرائيل على كافة الجبهات.

نؤكد مرة أخرى أن لا خيار أمام الفلسطينيين إلا المصالحة الوطنية التي مدخلها حكومة لا يخضع قيامها لرغبات حزبية أو شخصية،حكومة كل الشعب وقواه السياسية الفاعلة. سواء تم رفع الحصار أم لم يُرفَع فحكومة وحدة وطنية متساوقة مع تفعيل كل بنود اتفاق المصالحة ضرورة وطنية .

الهويات الفرعية كتهديد للمصالحة الوطنية الجامعة

التعصب للهويات الفرعية : طائفة أو عرق أو قبيلة أو عائلة أو جهة جغرافية الخ آفة خطيرة تهدد وجود المجتمعات والدول وتُسبِب حروبا أهلية يدفع الجميع ثمنها . كل مَن يرفع راية هوية فرعية ويتعصب لها على حساب الانتماء للوطن إنما يخون الوطن ولو بطريقة غير مباشرة من خلال تهديد وحدة الشعب ، وغالبا ، فإن مَن يلجأ للتعصب للانتماءات الأصغر –الهويات الفرعية- إنما يكشف عجزه عن كسب ثقة واحترام الجميع على قاعدة الانتماء الوطني الأكبر للهوية الوطنية ،فالسياسي أو الطامح للسلطة عندما يعجز ويفشل عن استقطاب الكل على أسس وطنية يلجأ لاستقطاب الجزء على أسس طائفية أو عرقية أو قبلية وقد تأول الأمور إلى العائلية ، وفي هذه الحالة فإنه يسبِّق مصالحه ومصالح جماعته الشخصية على المصلحة الوطنية حتى وإن رفع شعارات المصلحة الوطنية والعامة.

إن كانت هذه الظاهرة خطيرة بالنسبة للدول والمجتمعات المستقلة فهي أكثر خطورة بالنسبة للشعوب الخاضعة للاحتلال كما هو الحال بالنسبة للشعب الفلسطيني حيث تكون الحاجة للوحدة الوطنية أكثر إلحاحا لمواجهة عدو متفوق طامع بالأرض ومُهدِد للهوية الوطنية بل للوجود الوطني. كانت الهوية الوطنية في أوجها عندما كان الشعب الفلسطيني يواجه الاحتلال بالثورة والانتفاضة حتى إن الفلسطينيين رفعوا شعار (هويتي بندقيتي) فالاحتلال ومعاناة الغربة وحدا وصهرا الجميع في الوطنية ، هذا التداخل والتماهي بين كل الفلسطينيين جاء نتيجة عملية صهر في بوتقة الهوية الوطنية التي أكدت عليها الثورة الفلسطينية المعاصرة . في ظل العملية الثورية والنضال الوطني المتجه صوب العدو لم يعرف الوطنيون الفلسطينيون هويات فرعية متناحرة أو انتماء إلا لفلسطين الأمر الذي جنبهم الوقوع في متاهات الصراعات العرقية والطائفية والجهوية التي تعاني منها اليوم كثير من الدول العربية والإسلامية، إلا أن توقُف المواجهة الساخنة مع العدو وحالة الانقسام أفرزت تداعيات سلبية على وحدة وتماسك المجتمع والهوية .

فكأنه لا يكفي هذا الشعب الاحتلال والشتات في كل مناطق المعمورة وتَدخُّل من يُعتبرون إخوة وأشقاء في شؤوننا الداخلية بما يؤدي لتعزيز الخلافات السياسية والأيديولوجية ، ولا يكفي الحزبية المقيتة والانقسام السياسي والجغرافي … ، يعمل البعض بالخفاء على تقسيم الوطن – والوطن انتماء وهوية وليس مجرد بقعة أرض أو دولة – من خلال تعزيز الهويات الفرعية والتي غالبيتها مصطنعة .

اشتغل البعض على التباينات ما بين الداخل والخارج في محاولة لتهميش الخارج الفلسطيني وهم نصف الشعب وكلهم تقريبا لاجئين ، ثم تم الاشتغال على اصطناع هوية الضفة وهوية غزة وتعزيز حالة التباين بين الطرفين ، وإن كانت إسرائيل من أهم من اشتغل على هذه الحالة لإفشال المشروع الوطني القائل بدولة فلسطينية مستقلة في الضفة وغزة وكان الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة من طرف واحد عام 2005 أهم خطوة في هذا السياق ، إلا أن أطرافا عربية وفلسطينية عززت هذا التباين بين الضفة وغزة ، وقد سعت جميع الأطراف المتواطئة في خلق تباين بين هوية غزة وهوية الضفة لخلق القطيعة ما بين الضفة وغزة ومحاولة تحويل الانقسام من انقسام جغرافي وسياسي إلى انقسام اجتماعي وثقافي وهو الأكثر خطورة لأنه يؤدي لتفكيك الرابطة الوطنية التي توحد الجميع ، وللأسف بتنا نتلمس خلال السنوات الأخيرة حالة من عدم تقبل فلسطينيو الضفة الغربية لأبناء قطاع غزة المقيمين في الضفة أو الزائرين لها بالإضافة إلى ضعف حالة التفاعل الوطني مع معاناة فلسطينيي غزة ، أيضا قلة زيارات أهالي الضفة لقطاع غزة وليس صحيحا أن السبب يعود لامتناع إسرائيل عن منح تصاريح زيارة بل لعدم وجود رغبة بالزيارة .

محاولات تدمير ومحاربة الشعب الفلسطيني لم تتوقف عند الممارسات الإسرائيلية الاستيطانية وحالة الحصار وإعاقة الجهود الدبلوماسية للوصول إلى اعتراف دولي بدولة فلسطينية مستقلة ، كما لم تتوقف عند فصل غزة عن الضفة ومحاولة اصطناع هوية غزية وهوية ضفاوية ، بل تجاوزت كل ذلك عندما ربطت حركة حماس نفسها بمشروع الإسلام السياسي الذي يصطنع تعارضا بين الهوية الوطنية والإسلام ، أو بين المشروع الوطني والمشروع الإسلامي ،ومع سيطرة حماس على قطاع غزة تم تهميش وتهديد الهوية الوطنية عندما عملت حركة حماس على إلحاق القضية الفلسطينية بمشروع الإسلام السياسي للإخوان وتمت إدارة الظهر للمصالحة الوطنية وللعمل الوطني لصالح تثبيت قطاع غزة كقاعدة من قواعد المشروع الإسلامي المتعدي للوطنية .

وأخيرا بدأنا نسمع ونلمس نعرة كنا نعتقد أن الثورة والنضال المشترك قد قضت عليها ، نعرة التمييز بين (المواطنين) و (اللاجئين) ومحاولة البعض توظيف هذه النعرة للتحريض على خصومهم ومحاولة كسب مؤيدين لهم ،إلا أن الخطورة أن هذه النعرة يوظفها البعض في معركة الصراع على القيادة والرئاسة داخل فتح وداخل السلطة . حتى وإن لم يتحدث احد من القيادات علنا عن الموضوع فإن حالة الاستقطاب لجهة والتهميش لجهة أخرى وخصوصا داخل المؤسسات القيادية تعكس ذلك. إن لم يتم تدارك هذه الآفة ومعالجتها في بدايتها فقد تستفحل وتؤدي ليس فقط لتعزيز الانقسام داخل حركة فتح وتحويل حركة فتح (أم الجماهير) لحزب نخب عائلية وجهوية ، بل وتخلق فتنة وطنية وزيادة انقسام جديد للمجتمع الفلسطيني المنقسم أصلا .

ما أثار الموضوع هو وجود عناصر وأحيانا قيادات يتحدثون عن مظلومية تقع على اللاجئين وأن البعض يسعى لتهميش دورهم في المؤسسات والمراكز القيادية . في واقع الأمر كنت وما زلت أصر على عدم التحدث بهذه اللغة أو إثارة الموضوع حتى وإن كان يوجد ما يشير لوجوده ، لأنه خطير من جانب ولأن لا فرق بين مواطن ولاجئ فإسرائيل لا تستثني أحدا في عدوانها وقائمة الشهداء والأسرى تجمع الجميع ، كما أن إثارة هذه الموضوع يعتبر إثارة لفتنة نحن في غنى عنها ، حتى وإن حدث انحراف هنا أو هناك على المستوى الرسمي فقد يكون الأمر غير مقصود .

ولكن هناك ما يثير القلق والخوف من بعض الممارسات بعضها مقصود وبعضها غير مقصود ،إن لم يتم تداركها بسرعة فستعمل على خلق فتنة داخلية خطيرة ، خصوصا ونحن في وقت أحوج ما نكون فيه للوحدة الوطنية، وفي هذا السياق لا ندري كيف ترتبت وصارت الأمور وما الحكمة – إن كان هناك حكمة – في أنه لا يوجد لاجئ واحد من قطاع غزة بين أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح أو بين أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ؟ ! ، ومن يقف وراء تشكيل الهيئة القيادية العليا لفتح في قطاع غزة حيث تمثيل اللاجئين فيها متدني جدا ؟ !، ولماذا لا يود لاجئ من قطاع غزة بين وزراء حكومة التكنوقراط الأخيرة ؟ !. يجري هذا في الوقت الذي يمثل اللاجئون حوالي ثلاثة أرباع ساكنة قطاع غزة ، وما يثير هذه التساؤلات أن كل هؤلاء جاءوا بالتعيين وليس عن طريق الانتخابات ؟ ! .

كيف تقنع ثلاثة أرباع سكان القطاع من اللاجئين أن هذه المؤسسات تمثلهم وتعبر عن معاناتهم وهم غير ممثلين فيها ؟ ونعتقد أنه يوجد من بين اللاجئين في القطاع من يستحق عضوية اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير وعضوية اللجنة المركزية لحركة فتح ورئاسة جامعة أو أن يكون وزيرا، وخصوصا أنه سيكون لقطاع غزة دور وطني استراتيجي في حمل راية الوطنية والمشروع الوطني والدفاع عن حق العودة في حالة فشل جهود التسوية السياسية . ويبدو أن وجود القيادة المركزية لحركة فتح في الضفة الغربية ،حيث للضفة خصوصية نضالية مختلفة ، يجعل القيادة غير ملمة بخصوصية التركيبة السسيولوجية والنفسية في قطاع غزة وفي مخيمات الخارج ، كما يبدو أن حركة فتح تعتمد في رؤيتها وتقييمها للأوضاع في المخيمات على أشخاص معنيين بإخفاء الحقيقة عن الرئيس حتى لا تتضرر مصالحهم ومواقعهم ، ولا نستبعد أن بعض هؤلاء يشيرون على الرئيس انه حتى يكسب (معركته) مع محمد دحلان (اللاجئ) فعليه إبعاد اللاجئين عن المواقع القيادية ! .

كان مُفترض أن يأخذ الرئيس أو مستشاروه بعين الاعتبار عند تعاملهم مع قضايا كبيرة تحتاج للحشد والاستقطاب الجماهيري التركيبة السسيولوجية للمجتمع ونفسيات الأفراد والنزعات والعصبويات حتى وإن كانت كامنة ومن الحكمة عدم إثارتها،لأن هناك من ذوي التطلعات السياسية والفاشلين سياسيا وذوي المصالح الخاصة الذين أوصلتهم الصدفة لمواقع المسؤولية على استعداد للعب على مشاعر وأحاسيس الناس العصبوية والمناطقية واستغلال الحس الوطني الراقي عند الشعب الذي يرفض الحديث عن هذه التقسيمات والانتماءات، لمراكمة مصالح خاصة. الحالة التي عليها جمهور فتح في المخيمات داخل الوطن وخارجه وخصوصا في قطاع غزة من فقر ومشكلة رواتب وإحباط ويأس وغياب التواصل المباشر بين القيادة والقاعدة وغياب التثقيف السياسي الفتحاوي الوطني وانعدام الثقة بين القاعدة الفتحاوية والقيادة المركزية الخ ، كل ذلك يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار في العمل الجماهيري، وخصوصا في ظل غياب الفكر الناظم والبرنامج السياسي الواضح والعمل المؤسسي ، وفي ظل غياب المواجهة مع إسرائيل التي تصهر الجميع في بوتقة واحدة ، في هذه الحالة يكون للأشخاص وأصولهم وانتماءاتهم دور في عملية الاستقطاب والحشد ولكن على قاعدة الالتزام بالمصلحة الوطنية العليا وليس انطلاقا من تمثيلهم لهويات فرعية مصطنعة قد تقتصر على العائلة والعشيرة.

ظاهرة انتقال اللاجئين من مواقع الريادية والقيادة إلى حالة من التهميش السياسي تعني أن اللاجئين المتضررين الأساسيين من النكبة والمعنيين مباشرة بالمطالبة بحق العودة لوطنهم والذين فجروا الثورة ورفدها بخيرة أبنائهم في الداخل والخارج لم يعودوا أصحاب قرار . نكرر مرة أخرى إننا لا نقلل من حق كل أبناء الشعب الفلسطيني بدون استثناء في تولي المواقع القيادية ولا نشكك بتمسك كل الفلسطينيين مواطنين ولاجئين بحق العودة كثابت من الثوابت الوطنية، ولكن تراجع حضور ألاجئين في مواقع صنع القرار ظاهرة تحتاج لوقفة تأمل وتفكير سواء كان تراجع دور اللاجئين يعود للاجئين أنفسهم أو نتيجة سياسة مقصودة من أطراف أخرى .

إن كانت هناك إرادة حقيقية للمصالحة الوطنية الشاملة المؤسَسة على وحدة ووحدانية الهوية الوطنية، وإن كانت هناك إرادة حقيقية لاستنهاض حركة فتح ومنظمة التحرير على قاعدة الثورة والتحرير وعودة اللاجئين فيجب محاصرة كل الهويات الفرعية ومن يشتغل عليها ، كما يجب أن يأخذ اللاجئون دورهم وموقعهم في المؤسسات القيادية وخصوصا أننا أمام مرحلة جديدة يتم فيها إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية والمؤتمر السابع لحركة فتح ومعركة دبلوماسية حول الدولة وحق عودة اللاجئين، يأخذوا دورهم ليس كهوية فرعية بل لأنهم أساس القضية الفلسطينية وهم عنوان حق العودة، وكل محاولة لتهميشهم في مواقع القيادة أو إفقارهم وتجويعهم والتضييق عليه ستُضعِف من حصانتهم وقدرتهم على مواجهة مخططات وإغراءات التوطين والتعويضات .

الخاتمة

صيرورة الانقسام حكومتين وسلطتين فلسطينيتين متناحرتين وتحت الاحتلال يعتبر تدميرا للمشروع الوطني التحرري بكل صياغاته من خلال:-

  1. تذرع إسرائيل ومعها الولايات المتحدة بغياب شريك فلسطيني للسلام وبالتالي تهرب إسرائيل مما عليها من التزامات.
  2. أضعف مشروع السلام الفلسطيني لأن الرئيس أبو مازن أصبح ضعيفا على طاولة المفاوضات لأنه لم يعد قادرا على التكلم باسم كل الشعب الفلسطيني وخصوصا عندما تتحدث عنه حركة حماس كرئيس منتهية صلاحيته.
  3. الانقسام أبطل من قيمة وإمكانية تطبيق قرارات الشرعية الدولية حول فلسطين لان الشرعية الدولية تتحدث عن الضفة وغزة كوحدة واحدة .أيضا أضعف من حق عودة اللاجئين فهذا الحق يعتمد على قرار دولي وحركة حماس لا تقر بالشرعية الدولية ولا بقراراتها.
  4. مكن الانقسام إسرائيل من التفرغ للاستيطان بالضفة وتهويد القدس بشكل غير مسبوق، كما دفعها لفرض شروط جديدة في سياق المفاوضات كمطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية الدولة وضم منطقة الأغوار الخ.
  5. اضعف الانقسام من خيار المقاومة وحتى الانتفاضة بشكلها السلمي بسبب انقطاع التواصل ما بين الضفة وغزة،وبما سببه من غياب قيادة وطنية واحدة يمكن أن توجه الحالة النضالية ، وقد رأينا كيف آلت الأمور لفرض تهدئة مذلة على فصائل المقاومة في غزة بعد عدوان نوفمبر 2012.
  6. التشكيك بقدرة الشعب الفلسطيني في حكم نفسه بنفسه وهذا ما شجع على طرح مشاريع كتوسيع قطاع غزة باتجاه سيناء والخيار الأردني .
  7. فقد المقاتل الفلسطيني والسلاح الفلسطيني احترامه وهيبته أمام العالم وأمام الشعب عندما أصبح السلاح الفلسطيني يوجه للفلسطيني وأصبح المقاتل الفلسطيني رجل أمن أو ميليشيا مهمته قمع الفلسطيني ومطاردته وأهانته.
  8. تحويل القضية من قضية شعب يناضل من أجل الحرية والاستقلال لصراع على السلطة بين من يُفترض أنها فصائل حركة تحرر وطني.
  9. تراجع الاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية كقضية سياسية إلى مجرد اهتمامات إنسانية من إغاثة ومساعدات غذائية ورفع للحصار الخ.
  10. الانقسام لم يعد سياسيا وجغرافيا فقط بل امتد ثقافيا واجتماعيا وقانونيا،ذلك أن حركة حماس تمثل مشروعا سياسيا ودينيا وبالتالي تنتج ثقافة مغايرة لثقافة القوى الوطنية وخصوصا في قطاع غزة فقد وصل الأمر لحد التخوين والتكفير وإعادة النظر برموز تعد من التراث والثقافة الوطنية،وهناك نظم وتشريعات قانونية تصاغ في غزة مختلفة عما هو موجود في الضفة،علاقة المواطنين مع بعضهم بعضا تغيرت حيث ثقافة الكراهية والحقد والإقصاء ووصل الأمر حتى للزواج حيث باتت بعض الأسر تسأل عن الفتاة أو الفتى إن كان من فتح أو حماس قبل الزواج.
  11. في ظل الانقسام لا يمكن بناء إستراتيجية عمل وطني أو تشكيل قيادة عمل وطني وهذا ما ستكون له نتائج خطيرة ليس فقط على فلسطينيي الضفة وغزة بل على فلسطينيي الشتات ومستقبل القضية، وقد رأينا كيف أثر الانقسام على الموقف مما يجري في مخيم اليرموك في سوريا من مجازر ضد الفلسطينيين.
  12. زيادة تأثير التدخلات الخارجية في القضية الوطنية سواء تعلق الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية والأوروبيين وإسرائيل أو بأطراف إقليمية أو بجماعات الإسلام السياسي المتطرفة.لا شك أن التدخلات الخارجية حالة مزمنة في القضية الفلسطينية ولكنها في ظل الانقسام أصبحت أكثر حضورا لضعف الجبهة الداخلية.

إن كانت هذه التداعيات العامة للانقسام إلا أن لقطاع غزة خصوصية تختلف عن بقية تجمعات الشعب الفلسطيني.لا نريد أن نفصل الأوضاع في قطاع غزة عن الأوضاع في الضفة ، وكما سبق الذكر فإن معركتنا الرئيسة في الضفة والقدس حيث الاحتلال والاستيطان والتهويد ، ولكن وحيث إن الضفة الغربية محتلة احتلالا كاملا وهي محل مفاوضات فلسطينية إسرائيلية برعاية أمريكية لا يبدو أنها ستنتهي قريبا، فمن المطلوب الاهتمام بقطاع غزة ومصيره حتى لا يتم تركه لتتلاعب به قوى داخلية وخارجية غير معنية بالمشروع الوطني . 

قطاع غزة الصغير بمساحته كبير بتاريخه ورمزيته ودوره السياسي المستقبلي و لا نتصور قضية فلسطينية أو مشروعا وطنيا أو حركة تحرر وطني أو حركة فتح، بدون قطاع غزة ، ليس لأن سكان القطاع أكثر وطنية وحرصا على المشروع الوطني بل لأن ثلاثة أرباع ساكنة القطاع من ألاجئين ولأنه ليس مطمع أحد من دول الجوار، ولأنه اليوم البقعة الوحيدة من فلسطين المتصلة مباشرة مع العالم الخارجي والمتحررة من المستوطنات والحواجز الصهيونية ، بالإضافة إلى أنه تحت حكم حركة حماس التي تُسبق ارتباطها الأيديولوجي والتنظيمي مع الإخوان المسلمين على الانتماء لوطني .

لقد حمى قطاع غزة الهوية والوطنية الفلسطينية في أحلك الأزمنة عندما كانت الضفة تحت السيادة الأردنية، وكان سندا لأهلنا في الضفة في مواجهة الاستيطان والتهويد . واليوم ومع انكشاف المخططات الإسرائيلية والأمريكية لتصفية الحالة الوطنية في الضفة من خلال رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة أو القبول مرحليا بكيان هزيل على جزء من الضفة بدون سيادة تمهيدا لتصفية هذا الكيان لاحقا ، فإن قطاع غزة سيبقى الحاضنة للوطنيين وللمشروع الوطني ومحل رهان الشعب لاستعادة حقوقه الوطنية .

من المؤكد أن أية تسوية للصراع الفلسطيني مع إسرائيل في ظل الظروف الفلسطينية والعربية الراهنة لن تكون عادلة ولا مرضية للفلسطينيين ،وبالتالي عدم التوقيع على أي اتفاق هو الموقف الأسلم الذي نتمنى على الرئيس اتخاذه ، ولكن في هذه الحالة ستعمل إسرائيل على تصفية السلطة الفلسطينية كمشروع كان يراهن عليه البعض كمنطلق لكيانية سياسية، وستضيق الخناق على القوى السياسية والهوية والثقافة الوطنية في الضفة الغربية ، وستعمل على نقل الأزمة لقطاع غزة من خلال تغذية مواجهات وحرب أهلية فلسطينية حول حكم القطاع . كل ذلك يستدعي إستراتيجية فلسطينية لمواجهة  تداعيات رفض خطة كيري أو تداعيات قبولها .

إن أية إستراتيجية وطنية تؤسس لاستنهاض المشروع الوطني لن تكون ذات جدوى  بدون قطاع غزة المخزون الاستراتيجي للوطنية والبقعة الوحيدة التي يمكنها تحمل مسؤولية حماية المشروع الوطني الفلسطيني، وخصوصا أن أوضاع الفلسطينيين في الدول العربية لا تسمح لهم باحتضان وقيادة المشروع الوطني .

المراجع والهوامش

هوامش الفصل الأول

  1.  -كان كنج الحاكم العسكري الإسرائيلي للواء الشمال وسميت الوثيقة  التي صدرت في مارس عام 1976 باسمه
  2. تم تشويه واختزال المقاومة فكرا وممارسة ،فبعد ان كانت مقاومة شاملة داخل فلسطين وخارجها بكل الوسائل  من عمل فدائي داخل الوطن وعمليات عسكرية في الخارج  وعمل دبلوماسي وسياسي ،تم اختزالها بالعمليات الاستشهادية ثم بإطلاق الصواريخ بشكل فصائلي وأحيانا باجتهادات شخصية تنفيذا لأجندة خارجية. وفي ظني أن مقاومة شعبية سلمية في إطار إستراتيجية وطنية أفضل وانجح بكثير من إطلاق الصواريخ أو العمليات الاستشهادية الحزبية والموسمية .
  3. بذلت واشنطن وتل أبيب جهودا وضغوطا قبيل مؤتمر مدريد لتكون مرجعية التسوية قراري مجلس الأمن 242 و 338  تحديدا دون الإشارة لبقية قرارات الشرعية الدولية كقراري 194 الخاص بعودة اللاجئين وقرار التقسيم  181 وخصوصا الأخير الذي يمنح الفلسطينيين دولة في حوالي نصف فلسطين ومتواصلة جغرافيا وبالتالي قابلة للتطبيق.
  4. 4-     – كان القوميون العرب  يرون بأن قضية تحرير فلسطين قضية مؤجلة إلى حين تحقيق الوحدة العربية ولذا رفعوا شعار (الوحدة طريق التحرير) ، إلا أن الفلسطينيين وخصوصا حركة فتح عارضت هذا الشعار ورأت أن تأجيل المواجهة مع إسرائيل إلى حين تحقيق الوحدة معناه تأجيل القضية إلى زمن غير معروف ولا يمكن للفلسطينيين أن يستمروا ساكتين حتى يتم تحقيق الوحدة العربية ، لذا قلبوا الشعار إلى : (التحرير طريق الوحدة) بمعنى أن مباشرة الصراع مع إسرائيل هو الذي سيوحد العرب حول قضية مركزية  ويؤدي للوحدة السياسية.
  5. 5-     ” ياسر عرفات يتحدث إلى شؤون فلسطينية في ذكرى الانطلاقة : ثورتنا , كلمة سر الأمة , ” أجرى الحوار محمود درويش وآخرون شؤون فلسطينية , العدد86( كانون الثاني / يناير 1979) ص17
  6. ذكر الرئيس أبو مازن وهو مهندس التسوية ومنذ بدايتها بأن اتفاقات أوسلو قد تؤدي لدولة فلسطينية وقد تؤدي لدمار حلم الدولة ولمصيبة للشعب الفلسطيني،وهذا يؤكد أن تسوية أوسلو كانت خاضعة لحسن نية إسرائيل من جانب ولكيفية التعامل الفلسطيني معها من جانب آخر بدون أية ضمانات دولية لنجاحها.
  7. في وثيقة الاستقلال الصادرة عن دورة المجلس الوطني في الجزائر 1988، كانت مرجعية مشروع الدولة أو المشروع الوطني كل قرارات الشرعية الدولية ،إلا أنه ونتيجة الضغط الأمريكي والعربي  قبيل مؤتمر السلام في مدريد 1991 ثم مع اتفاقية أوسلو تم فرض أن تكون مرجعية التسوية قراري مجلس الأمن 242 و 338 فقط،ومن المعلوم أن هاذين القرارين لا يخاطبان الشعب الفلسطيني مباشرة ولا يشيران لأي حقوق سياسية له.
  8. بسبب حالة الفوضى وغياب القانون فحتى اليوم لم يتم الحسم بالمسؤولية عن جرائم قتل عديدة لشخصيات قيادية إعلامية  وأمنية مثل مقتل هشام مكي 18-1-2001 وتبنت العملية كتائب شهداء الأقصى ،وخليل الزبن 3-3-2004  وموسى عرفات 7-9-2005 ،وكذا خطف وإهانة رئيس جهاز الشرطة غازي ألجبالي  يوم 16-7 2004 من طرف جماعة نشبت وهو تابع لكتائب شهداء جنين من المنطقة الوسطى ، حيث تم وضع رأسه في المرحاض  واحتجازه لفترة من الوقت قبل إطلاق سراحه.وفي اليوم الموالي تم خطف أربعة فرنسيين في خانيونس على يد جماعة أبو الريش .
  9. عاد الرئيس أبو مازن مجددا لفتح ملف محمد دحلان في خطاب حاد أمام المجلس الثوري لحركة فتح يوم العاشر من مارس 2014 متهما إياه مباشرة  بالمسؤولية عن تسليم قطاع غزة لحركة حماس كما لوح بمسؤولية دحلان عن اغتيال الرئيس أبو عمار .
  10. نحن نتحدث عن التفكير الاستراتيجي من وراء تأسيس الجهاز ومشاركة  قيادات عليا في الجهاز في تنفيذ هذا المخطط ،بينما كثيرون من العناصر العادية والضباط الصغار في الجهاز  كانوا يمارسون عملهم معتقدين انه يخدم المشروع الوطني وبناء مؤسسات الدولة المستقبلية .
  11. لا تخفي حركة حماس أنها جزء من جماعة الإخوان المسلمين أو فرعها الفلسطيني،ولجماعة الإخوان المسلمين مشروعها السياسي الإسلامي المتعارض مع المشروع الوطني .وفي كل دولة يتواجد فيها الإخوان لم يكونوا جزءا من أي مشروع وطني .
  12. في- 7-10-2002   مقتل العقيد راجح أبو لحية على يد مسلحين من  حماس من عائلة عقل ردا على اتهام القتيل بأنه كان وراء مقتل ابنهم يوسف عقل وفي  2 -3-2004  مقتل خليل الزبن ،وفي  7-9-2005  مقتل موسى عرفات.
  13. ما يستحضر هذا التساؤل هو تزامن وقف العمليات الاستشهادية داخل الخط الأخضر مع قرار حماس بالمشاركة بالانتخابات المحلية مع تحرك نشط لوزير خارجية قطر آنذاك تمثل بلقاءات متكررة مع قادة إسرائيليين ومع قادة حركة حماس ،ثم التزام حركة حماس بتهدئة بعد خروج الجيش الإسرائيلي من القطاع واقتصار إطلاق الصواريخ على إسرائيل من قطاع غزة دون الضفة الغربية وعملية العسكرة وبناء جيش وميليشيات ومعسكرات تدريب لحماس في قطاع غزة دون الضفة الغربية قبل سيطرتها على غزة الخ.
  14. ترفض حركة حماس وصف ما جرى بأنه انقلاب وتسميه حسما عسكريا من منطلق أنها كانت تشكل الحكومة فكيف تنقلب الحكومة على نفسها؟ ما نقصده بالانقلاب ليس الانقلاب على الحكومة بل الانقلاب على مرجعية الحكومة أي السلطة و النظام السياسي والاتفاقات المؤسسة لهما. 
  15. كان مستشارا للسيد إسماعيل هنية رئيس وزراء الحكومة القائمة في قطاع غزة ثم وكيل وزارة الخارجية .
  16. أحمد يوسف،حركة المقاومة الإسلامية حماس: حدث عابر أم بديل دائم؟ شيكاغو،المركز العالمي للبحوث والدراسات ،1990،ص:120.

هوامش الفصل الثاني

  1. صحيفة الشرق الأوسط ،27 يونيو 2005
  2. http://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/18164.html

6-1-2005

  1. الدولة الفلسطينية :وجهات نظر إسرائيلية وغربية ،مؤسسة الدراسات الفلسطينية ،بيروت ،1990 ،ص :132 .
  2. TOLEDOPLGJ HG,EDRM HSL  : INTERNAIONAL CENTER FOR PIACE ( وثيقة  ورشات عمل مدريد حول الحكم في قطاع غزة ،1 نوفمبر 2004 . وقد ترجم الوثيقة اللواء  الركن المتقاعد /عبد الكريم عاشور  من فلسطين .
  3. جرت ورشات العمل تحت رعاية واستضافة مركز توليدو الدولي للسلام في مدريد (FRIDE) وأيضاً من قبل Portland Trast  في لندن.  حدثت ورشة العمل الأولى من 17 ـــ 18 أبريل 2004 في مدريد ، مباشرة بعد تبادل الرسائل بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء شارون.  كان الاجتماع الأول قادراً على صياغة توصيات،  التي كان متفق، عليها بين كل من الإسرائيليين والفلسطينيين المشاركين، حول القضايا الأساسية التي يعتقد بأنها جوهرية لنجاح تطبيق الانسحاب الإسرائيلي . هذه التوصيات وضعت أمام الرباعية في خطاب أرسل إلى سولانا في 3 مايو 2004 . وقد جرت لاحقاً ورشتا عمل فيما بعد من 15 ـــ 16 مايو 2004 في لندن ، وكذلك من 25 ـــ 27 يونيو 2004 في توليدو في إسبانيا.
  4. المصدر نفسه
  5. صحيفة الشروق ، 18 -6- 2005
  6. عُقدت القمة في  منتجع شرم الشيخ المصري يوم 8 فبراير 2005 بحضور الرئيس المصري حسني مبارك والرئيس الفلسطيني محمود عباس والملك الأردني عبد الله ورئيس وزراء إسرائيل أرئيل شارون
  7. 25-  http://www.maghress.com/attajdid/18793

8-8 – 2005

  • لو لم توافق السلطة على تشكيل لجنة للإشراف على الانسحاب الإسرائيلي وتامين الانسحاب  برئاسة محمد دحلان ، ولو لم تلتزم حركة حماس بتهدئة طوال مرحلة الانسحاب ، ما كانت خطة شارون سارت بالكيفية التي جرت .
  • أصدرت حركة حماس بيانا يوم 16-1-1996 رفضت في المشاركة في الانتخابات ومما جاء في البيان وفي بنده الخامس : (لأن انتخابات الحكم الذاتي  المحدود تعني تكريساً للاتفاقيات التي وقعت بمعزل عن إرادة الشعب الفلسطيني، ولأنها تهدف إلى التغطية على التنازلات التي قدمتها القيادة الفلسطينية للكيان الصهيوني، ولأن الاحتلال ما زال بجثم على أرضنا ويستبيح ثرواتنا ومقدساتنا ولأننا نرى أن شعبنا جدير بانتخابات حقيقية تمثيلية لا تستثني أي فئة منه، فقد قررنا مقاطعة هذه الانتخابات ودعوة شعبنا الفلسطيني إلى مقاطعتها ).
  • كانت إيران على دراية بالمخطط الذي يُحاك في المنطقة وبالتالي نصحت حماس بعدم المشاركة في الانتخابات إلا أن حماس أصرت وهذا أدى لتوتر العلاقة بين الطرفين لأول مرة كما ذكر ذلك  موسى أبو مرزوق نائب رئيس المكتب السياسي لحماس. في مقابلة له مع فضائية  bbc  يوم 15-3-2014 .
  • وهكذا نلاحظ أن الولايات المتحدة دعت وباركت مشاركة الإخوان المسلمين في الانتخابات التشريعية بل وضغطت من اجل ذلك ، ومن هنا نلاحظ تزامن مشاركة الإخوان في مصر في أول  انتخابات تعددية تشارك فيها جماعة الإخوان وهذا ما تم في سبتمبر 2005 ، وفي الأردن  والمغرب شارك الإسلاميون في الانتخابات التي جرت في البلدين عام 2007 ، وفي فلسطين شاركوا في انتخابات 2006 !..
  • http://www.fustat.com/C_hist/abrash_2_06_3.shtml

30‏/1‏/2006

  • قبيل الانتخابات اتصل بي مسئول من المخابرات الفلسطينية – أبو وسيم المصري- ،وطلب المساعدة من خلال ورقة ومحاضرة فيهما مقترحات حول كيفية إنجاح حركة فتح في الانتخابات ،وبالفعل أعددت الورقة وقدمتها في اجتماع لنخبة فلسطينية في مقر المخابرات – السفينة- وكان من الحضور أمين الهندي رئيس جهاز المخابرات وقيادات فتحاوية ،وفي الورقة والمحاضرة التي ألقيتها قلت بأنه  حتى تنجح حركة فتح يجب عدم ترشح احد من قادة الأجهزة الأمنية وتقليل عدد المرشحين من رجال السلطة لأن للأجهزة الأمنية وللسلطة سمعة سيئة حتى وإن كانت السمعة اكبر من الحقيقة ، واقترحت ترشيح وجوه جديدة مشهود لها بحسن السمعة والمصداقية حتى من خارج تنظيم حركة فتح لقطع الطريق على حركة حماس . وللأسف عند الانتخابات تسابق قادة الأجهزة الأمنية على ترشيح أنفسهم وخسروا في غالبية الدوائر التي ترشحوا فيها ،كما أن قائمة فتح ضمت رجال السلطة وشخصيات غير معروفة ولا شعبية لها ، وكانت النتيجة الهزيمة النكراء لحركة فتح .
  • عندما ظهرت الوثيقة أول مرة كنتاج لتفاهمات بين أسرى من كل التنظيمات في السجون الإسرائيلية شككت حركة حماس بالوثيقة وبالموقعين عليها ثم قالت إن أسرى السجون من حماس لا يمثلوا حركة حماس ،ولكن بعد تهديد الرئيس أبو مازن باللجوء للاستفتاء على وثيقة الأسرى وافقت حركة حماس عليها بعد حوارات أدت لإدخال تغييرات شكلية على الوثيقة .
  • http://www.grenc.com/show_article_main.cfm?id=2677

27-7-2006

  • كان محمد دحلان من أشد المعارضين لمشاركة حماس في الحكومة بل هدد علنا أنه لن يتساهل مع أي شخص من حركة فتح يمد يده لحكومة حماس أو يشارك فيها .
  • http://www.alhayat-j.com/printnews.php?id=36741
  • 9- 2006
  • من المعلوم أن اتفاقية أوسلو نصت على إجراء انتخابات فلسطينية ،وقد جرت انتخابات 1996 ولم تجري انتخابات طوال عشرة سنوات ،والانتخابات التشريعية لعام 2006 جاءت في سياق توجه أمريكي في الشرق الأوسط يرمي لإشراك جماعات الإسلام السياسي المعتدل في السلطة ،وهكذا نلاحظ أن واشنطن ضغطت على الرئيس حسني مبارك ليسمح للإخوان بالمشاركة في الانتخابات التشريعية وهذا ما جرى عام 2005 ، وفي العام التالي ضغطت على ملك الأردن ليسمح للإخوان بالمشاركة وهذا ما تم وشارك الإخوان من خلال جبهة العمل لأول مرة في الانتخابات الأردنية وكان لهم حضور واضح في البرلمان ، ونفس الأمر جرى في المغرب حيث سمح الملك لحزب العدالة والتنمية الإسلامي بالمشاركة ضمن شروط وقد جرت الحوارات حول المشاركة في بيت السفيرة الأمريكية في الرباط ، وهذا ما جرى في فلسطين حيث ضغطت الإدارة الأمريكية على الرئيس أبو مازن ليجري الانتخابات التشريعية وسهلت إسرائيل إجراء الانتخابات مع علم الجميع بالوضع السيئ للسلطة وحركة فتح ولتعاظم شعبية حركة حماس .
  • http://www.alquds.co.uk/data/2006/11/11-06/03z80.htm

29- 10 -2006

  • ربما غالبية قيادات وعناصر حماس في الداخل لا يعلمون بالمخطط التي ترعاه قيادة الإخوان المسلمين وبعض قيادات حماس في الخارج ، وهو كما ذكرنا يهدف لإدماج حركة الإخوان المسلمين وضمنهم حركة حماس في مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به كونداليزا رايس عام 2004 .
  • للأسف قام بعض المسئولين في الأجهزة الأمنية الفلسطينية وخصوصا الأمن الوقائي بالتصنت والتجسس على غالبية الشخصيات السياسية ورجال الأعمال بل حتى رجال القضاء وعلى بعضهم البعض ،بل سجلوا لهم أشرطة وهم في أوضاع مخلة واستعملوا هذه التسجيلات لابتزازهم ماليا وسياسيا وسقطت بعض هذه التسجيلات بيد حماس بعد سيطرتها على مقرات هذه الأجهزة  .
  • http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=81773

25- 11- 2006

  • يوم 25 يونيو قامت ثلاثة فصائل فلسطينية بعملية جريئة – عملية الوهم المتبدد- تمكنت خلالها من اسر الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط والذي استمر أسره لسنوات إلى حين توقيع اتفاقية تبادل أسرى يوم 11 أكتوبر 2011 بمقتضاها تم إطلاق سراح شاليط مقابل إطلاق سراح 1027 أسير فلسطيني على دفعتين .
  • http://www.alquds.co.uk/data/2007/01/01-14/11z79.htm

18- 01 – 2007

  • http://www.alquds.co.uk/data/2007/02/02-28/25z80.htm

22-2-2007

18-3- 2007

  • رفضت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية متهمة إياها بأنها حكومة محاصصة ،كما تم انتقاد تشكيل الحكومة من أطراف فلسطينية أخرى من نفس المنطلق .
  • http://www.fustat.com/C_hist/abrash2.shtml
  • http://www.fustat.com/C_hist/abrash5.shtml
  • http://www.alquds.co.uk/data/2007/05/05-26/23qpt1.htm

24-5-2007

  • على إثر المواجهات الدامية وسقوط قتلى صدر بيان أو (فتوى) غريبة عن لجنة المتابعة العليا الفلسطينية تلاه السيد إبراهيم أبو النجا ،جاء فيه: إن الهيئة تحتسب جميع القتلى من الطرفين شهداء ! وهذا أمر غريب ، كيف لمن يقتل آخاه أن يكون شهيدا ؟ ألا يشجع هذا البيان أو الفتوى على مزيد من القتل ما دام القاتل إن عاش سيبدو بطلا عند حزبه وإن مات سيكزن شهيدا.
  • 50-  http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=99536

5-6-2007

  • (تقرير اللجنة المكلفة من السيد الرئيس محمود عباس في التحقيق بالتقصير في التصدي لانقلاب الميليشيات الخارجة عن القانون في غزة) . قامت اللجنة بتتحقيقات واستجوابات مع العشرات من القيادات السياسية والعسكرية والعناصر ذات العلاقة بالأحداث .
  • 52-  نعتقد أن التقرير يشير إلى  القائد الفتحاوي أبو ماهر حلس وجماعته حيث كان أبو ماهر على خلاف شديد مع محمد دحلان وقد صرح  قبل أيام من الانقلاب بان المواجهات التي تجري في غزة هي بين محمد دحلان وحركة حماس وانه لن ينجر لهذه المواجهات ، وبعض القيادات الفتحاوية كانت تشاطر حلس نظرته للأحداث .

هوامش الفصل الثالث

30-6-2007

  • كانت  اكبر المواجهات تلك التي جرت للاستيلاء على مقر الوقائي ،ولأنني عايشت الحدث وكنت قريبا من المعارك فقد اطلعت على حقائق محزنة منها أن غالبية الذين كانوا داخل مقر الأمن الوقائي ليدافعوا عنه لم يكونوا من عناصره بل شباب تم تجميعهم في آخر لحظة وطلبوا منهم القتال لحماية مقرات السلطة مقابل وعد بان يتم توظيفهم لاحقا .
  • والتقرير يشير في أكثر من موقع لظاهرة العشائرية والعائلية ،وخصوصا عند يتحدث عن الخلاف بين محمد دحلان وأبو ماهر حلس، ونعتقد أن من كتب التقرير يتجنب تسمية الأشياء  باسمها بالقول إن في خلفية الصراع بين قيادات فتح في القطاع يكمن التمييز بين المواطن واللاجئ وهي ظاهرة خطيرة ما زالت معيقة لاستنهاض حركة فتح في قطاع غزة حتى دون أن يتحدث عنها احد علنا.   
  • هذا ما جاء في رسالة محمد دحلان للسيد أبو ماهر اليماني ولأعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح في نوفمبر 2011 
  • ومن هؤلاء ماجد أبو شمالة و توفيق ابو خوصة وهما من رجال الأمن الوقائي المقربين من  محمد دحلان .
  • http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=101189

29-6-2007

59- تعريف الانقلاب  في علم السياسة هو قيام الجيش أو الأجهزة الأمنية أو كليهما أو جزء منهما  بالإطاحة بالحكومة والنظام السياسي القائم بمعزل عن إرادة الشعب أو بدون علمه ، وقد يصف (الانقلابيين)  ما قاموا به بأنه ثورة أو ثورة تصحيحية أو انقلاب ابيض أو حسم عسكري كما زعمت حركة حماس الخ .

  •  
  • http://www.alhayat-j.com/details.php?opt=1&id=57367&cid=1018
    Tuesday 01-01 -2008
  • سيدوروت أقرب تجمع سكني إسرائيلي لقطاع غزة ،وعندما تكون فصائل المقاومة جادة في التصعيد ضد إسرائيل تُطلق صواريخها تجاه سيدوروت مباشرة ولكن عندما تريد إطلاق الصواريخ لمجرد القول بأنها ما زالت موجودة أو للفت الانتباه أو إرضاء لجهات خارجية  فإنها تطلق الصواريخ تجاه الأراضي الخلاء بحيث لا تصيب بشرا أو عمرانا .
  • سألت رئيس الوزراء بعد أسبوعين من وجودي في الوزارة إن كان للسلطة رؤية إستراتيجية للتعامل مع قطاع غزة ومستقبل القضية الوطنية فكان رده انه لا يستطيع الإجابة ولكن الرئيس يمكنه الإجابة عن سؤالي ،وبالفعل حضر الرئيس أبو مازن جلسة الحكومة بعد أسبوع ليجيب عن سؤالي ،وتحدث الرئيس عن كل شيء إلا الرؤية الإستراتيجية لكيفية التعامل مع قطاع غزة ومستقبل المشروع الوطني ! .
  • http://www.masress.com/moheet/181553

23-2-2008

  • كان هذا عنوانا لمقال كتبه المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز مباشرة بعد توقيع اتفاقية أوسلو .
  • www.grenc.com/a/ibrach/show_Myarticle.cfm?id=12538

30-5-2008

66- http://www.al-ayyam.ps/article.aspx?did=87057&Date

18/6/2008

  • – تدفع حركة حماس و يدَفع معها قطاع غزة ثمن رفض الحركة  وجود من يمثل الرئيس أبو مازن والسلطة في اتفاقية الهدنة في القاهرة  بعد عدوان 2012 تحت رعاية الرئيس مرسي والأمريكان،. فبعد سقوط حكم الإخوان في مصر في 3 يوليو 2013 قامت إسرائيل  بخروقات متعددة لاتفاق الهدنة بما فيها اغتيالات ، ورفض النظام الجديد في مصر القيام بدور الوسيط ،مما جعل حركة حماس والقطاع واقعين بين التهديد الإسرائيلي والابتزاز المصري أو على الأقل ألا مبالاة ،بل جرى حديث عن اتصال مباشر بين السيد إسماعيل هنية والإسرائيليين للحفاظ على التهدئة، ولو كانت السلطة جزء من الهدنة لتدخلت في الأمر ورفعت الحرج عن فصائل المقاومة .
  • http://www.shab.ps/print_view_artical.php?artID=324

2-7-2008

‏13‏/01‏/2009

  • الأمر المخجل أنه عندما تشن إسرائيل هجوما على قطاع غزة أو يشعر قادة فصائل  المقاومة بذلك فإنهم يختفون في أماكن محصنة ويتركون الشعب ليواجه مصيره من خراب وقتل على يد الإسرائيليين ، وهذا عكس الأمر الطبيعي وما يجب أن يكون عليه القادة الحقيقيون حيث يكونون على رأس قواتهم يدافعون عن الشعب ، وعليه نلاحظ أن غالبية القتلى والمصابين تكون من المدنيين .
  • http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=240677

5-1- 2011

‏27‏/11‏/2008

72  –  في يوم 5 أغسطس 2012  وأثناء تناول مجندين مصريين لطعام الإفطار حيث كان الوقت شهر رمضان  في موقع عسكري في مدينة رفح المصرية  قامت مجموعة مسلحة بهجوم على الموقع ونتج عن الهجوم مقتل 15 مجند .

‏3‏/03‏/2009 

  • http://66.241.209.237/Arabic/Display.cfm?DocId=10392&CategoryId

12-4-2009

‏25‏/03‏/2010

‏27‏/05‏/2010-

76 – http://paltoday.ps/ar/9

‏01‏/06‏/2010

77- كانت السفينة التركية التي تحمل أسم الحرية ضمن قوافل كسر الحصار عن قطاع غزة ، وقد صمم منظمو حملة كسر الحصار الأتراك على وصول السفينة لقطاع غزة بالرغم من التحذير الإسرائيلي بأنها لن تسمح للسفينة بالوصول لغزة ،وانتهى الأمر بعملية إنزال إسرائيلي  فجر 31 مايو 2010 على السفينة أدى لاشتباك عنيف على ظهر السفينة أدى لمقتل تسعة من المتضامنين الأتراك وجرح آخرين وتم سحب السفينة لميناء إسرائيلي ،وأدى الحادث لتوتر العلاقة بين تركيا وإسرائيل.

78- http://www.al-ayyam.com/article.aspx?did=143373&date=6/25/2010

‏24‏/06‏/2010

79-  انطلقت قافلة الحرية  نحو شواطئ قطاع غزة يوم 29 مايو  ووصلت فجر 31 من نفس الشهر وكانت تضم ست سفن منها سفينة مرمرة التركية وكان على متنها 750 من جنسيات مختلفة غالبيتهم من الأتراك ، وهاجم سلاح البحرية الإسرائيلي السفينة وقتلت عددا من ركابها واعتقلت من عليها وصادرت محتوياتها من مساعدات وأموال موجهه للمحاصرين في قطاع غزة ن مما أدى لتوتر العلاقة بين تركيا وإسرائيل .

79- http://www.prealmedia.com/ar/print_version.php?id=24346

  1. 6- 2010

80  – http://www.annabaa.org/nbanews/61/34.htm

80-  http://arabrenewal.info/2010-06-11-14-11-19/1539-

‏10‏/06‏/2010

هوامش الفصل الرابع

81-  http://www.al-arabeya.net/index.asp?serial=&f=3535623645

‏13‏/01‏/2012

82-   أصدرت محكمة مصرية حكما يوم 4-2 -2014 يقضي بوضع اليد على أموال و ممتلكات  حركة  حماس في مصر ،وقد صدر القرار عن نفس المحكمة التي أصدرت حكما بأن الإخوان المسلمين جماعة إرهابية .

هوامش الفصل الخامس

83- http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=163207

10-2-2009

84- http://www.alhayat-j.com/details.php?opt=1&id=84029&cid=1448

85-   http://www.turess.com/alfajrnews/21101

86-  http://alsabahpress.wordpress.com/2011/02/19/ /

87- http://www.palnation.org/vb/showthread.php?t=546

88-  http://rachelcenter.ps/news.php?action=view&id=3164

15-1-2013 

89- في بداية السبعينيات وفي أوج ممارسة  فصائل منظمة التحرير العمل العسكري ضد إسرائيل  داخل فلسطين المحتلة وحتى خارجها ،وبالرغم من تصنيف واشنطن ودول أوروبية عديدة للمنظمة كمنظمة إرهابية ،استطاعت المنظمة أن تنال صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة وأن تنال اعتراف أكثر من مائة دولة بها كممثلة للشعب الفلسطيني ،وهذا يعود في جزء كبير منه لوجود إستراتيجية وقيادة فلسطينية واحدة ،فالعالم يحترم حركات التحرر التي يحترمها شعبها وتعرف ماذا تريد .

90-  من الالتباسات في الخطاب السياسي الفلسطيني حول المصالحة اعتبار الانقسام هو بين فتح وحماس ،بينما في الحقيقة هو بين برنامجين : برنامج منظمة التحرير وبرنامج حركة حماس ،ولذا ليس دقيقا موقعة فصائل منظمة التحرير لنفسها وكأنها خارج معادلة الانقسام.كل القرارات التي يصدرها الرئيس فيما يتعلق بالانقسام أو المصالحة أو قضايا الخلاف الفلسطينية إنما يصدرها بصفته رئيسا لمنظمة التحرير وباسم اللجنة التنفيذية للمنظمة ،وليس بصفته رئيسا لحركة فتح .

91-  نستغرب سلوك فصائل منظمة التحرير وخصوصا حركة فتح في تعاطيها مع منظمة التحرير والمصالحة ،فهذه الفصائل تعترف أن وضع منظمة التحرير وضع مهترئ وأن مؤسساتها شبه مشلولة أو غائبة ،وهذه الفصائل تراهن على دخول حركتي حماس والجهاد الإسلامي للمنظمة لتتم إعادة تفعيل المنظمة .ولكن السؤال : ماذا إذا رفضت حركتا حماس والجهاد الإسلامي الدخول في المنظمة ؟ هل ستبقى المنظمة على حالها من الدمار والموات ؟ ولماذا لا تقوم فصائل المنظمة بتفعيل وإعادة بناء المنظمة سواء شاركت فيها حماس او لم تشارك؟.

سيرة ذاتية

أ-د/إبراهيم خليل العبد أبراش


– من مواليد قطاع غزة بفلسطين 1952

  • بكالوريوس حقوق 1976
  • ماجستير حقوق – قانون عام – من جامعة محمد الخامس في الرباط 1981
  • دكتوراه في الحقوق – القانون العام- من نفس الجامعة  1985.
  • ممارسة التدريس الجامعي منذ 1978 حتى 2000 في الجامعات المغربية
  • شهادة تدريب  في المحاماة من المغرب
  • أستاذ في جامعة الأزهر بغزة منذ أكتوبر2000 .
  • رئيس قسم الاجتماع و العلوم السياسية بكلية الآداب بجامعة الأزهر.- سابقا
  • عميد كلية الآداب بجامعة الأزهر بغزة.- سابقا
  • الإشراف على عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه  .
  • مؤسس ومشارك في العديد من مراكز البحوث والمؤتمرات والندوات العلمية.
    – وزير الثقافة المستقيل في الحكومة الفلسطينية الثالثة عشر :من يوليو 2007 إلى مارس 2008 .


الكتب  المنشورة في دور نشر عربية وفلسطينية وموزعة في المكتبات العربية.

1- البعد القومي للقضية الفلسطينية ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 1987.
2- المؤسسات والوقائع الاجتماعية :نظرة تاريخية عالمية ، مؤسسة الطباعة والتوزيع للشمال ، الرباط ، 1994.

3- البحث الاجتماعي : قضاياه ، مناهجه ، إجراءاته ، منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش ، جامعة القاضي عياض ، 1994.
4- تاريخ المؤسسات والوقائع الاجتماعية ، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع ،الرباط، 1998.
5- علم الاجتماع السياسي ، منشورات  دار الشروق ، عمان ، 1998.
6- الحركة القومية في مئة عام ( عمل جماعي ) ، منشورات دار الشروق ، عمان ، 1998
7- المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية ، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع، الرباط ، 1999.
8- تاريخ الفكر السياسي ، شركة بابل للطباعة والنشر والتوزيع ، الرباط ، 1999.
9-العرب والنظام الدولي الجديد ( عمل جماعي ) ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، 2000.
10-الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق ، منشورات الزمن ، الرباط ، 2001.
11-الجهاد : شرعية المبدأ والتباس الممارسة ، منشورات ألوان مغربية ، مكناس ، المملكة المغربية ،2003.
12-فلسطين في عالم متغير : فلسطين تاريخ مغاير ، المؤسسة الفلسطينية للإرشاد القومي  رام الله ،2003.
13-القضية الفلسطينية والشرعية الدولية (دراسة نقدية) ،المركز القومي للدراسات والتوثيق ،غزة،2004.
14-المجتمع الفلسطيني (من منظور علم الاجتماع السياسي )مكتبة ومطبعة دار المنار،غزة ،2004.
15-المجتمع الفلسطيني :التطور التاريخي والبناء الاجتماعي ،دار المنارة،2006.

16- علم الاجتماع السياسي،مكتبة المنارة ،غزة 2005 ،طبعة جديدة.

17- النظرية السياسية بين التجريد والممارسة،مكتبة دار المنارة ،غزة ن2005.

16- المنهج العلمي وتطبيقاته في العلوم الاجتماعية،دار الشروق ،عمان ،2009 .

17- علم الاجتماع السياسي، طبعة جديدة  صادرة عن : يو للكتب ،لندن،2011.

18- الثورة العربية والقضية الفلسطينية،مركز التخطيط الفلسطيني،غزة،2011 .

19- الثورات العربية في عالم متغير،منشورات الزمن،الرباط ،2011 .

20- المشروع الوطني الفلسطيني ، دار الجندي للطباعة والنشر ، القدس ،2012 .

21- النظرية السياسية ، دار الجندي للطباعة والنشر ،القدس ، 2012 .


قائمة بالبحوث المنشورة في مجلات علمية وجامعية متخصصة

1-الفلسطينيون والوحدة العربية : منذ قيام الحركة القومية العربية حتى نكبة 1948 – ، مجلة المستقبل العربي ،  العدد 64 ، السنة ،1984 مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.
2- الفلسطينيون والوحدة العربية :منذ نكبة 1948 حتى اليوم ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 65 ، السنة ،1984 مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.
3- بين اليهودية والصهيونية ، مجلة الوحدة ، عدد 15، ديسمبر 1985 ، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
4- الثورة الفلسطينية بين استقلالية القرار ومسألة التداخل القومي ، مجلة شؤون فلسطينية، العدد 158/159 ،سنة 1986، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية ، قبرص .
5-  الحركة القومية العربية واستقلالية العمل الفلسطينية  ، مجلة شؤون فلسطينية ، العدد 164/165 ،سنة 1986، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية ، قبرص .
6- بين اليهودية والصهيونية ،مجلة العلوم الاجتماعية ،جامعة الكويت ،صيف 1988.
7- القطرية الفلسطينية : لماذا وإلى أين ؟ مجلة الوحدة ، عدد 49، أكتوبر 1988 ، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
8- مفهوم الدولة الفلسطينية في الفكر السياسي لمنظمة التحرير الفلسطينية ، مجلة الوحدة، عدد 53، فبراير 1989 ، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
9- الدولة الفلسطينية بين قومية القضية وخصوصية المرحلة ، مجلة الوحدة ، عدد 58/59، يوليو/ أغسطس  1989 ، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
10- نظرات في القضية العربية (قراءة نقدية تحليلية)مجلة العلوم الاجتماعية ، جامعة الكويت  ، خريف 1989.
11-حقوق الإنسان ومفهوم حقوق الشعب الفلسطيني ، مجلة الوحدة ، عدد 63/64، ديسمبر/ يناير  90/ 89 19، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
12- العنف السياسي بين الإرهاب والعنف المشروع ، مجلة الوحدة ، عدد 67، أبريل  90 19، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
13-حرب الخليج وتأثيراتها المستقبلية في القومية والمصير العربي ،  مجلة شؤون فلسطينية ، العدد 219/220 ،سنة 1991، مركز الأبحاث في منظمة التحرير الفلسطينية ، قبرص .
14-البعد القومي المغدور للقضية الفلسطينية ، مجلة الوحدة ، عدد 106، يونيو  1994، المجلس القومي للثقافة العربية ، الرباط .
15-حدود استحضار المقدس في الأمور الدنيوية : ملاحظات منهاجية ، مجلة المستقبل العربي عدد 180، السنة 1994، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.
16-حدود النظام وأزمة الشرعية في النظام الدولي الجديد ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 185 ، السنة 1994 مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.
17-حقوق الشعب الفلسطيني من الشرعية التاريخية إلى الشرعية التفاوضية ،مجلة الدراسات الفلسطينية ، العدد 42،ربيع 2000، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت.
18-المشروع القومي العربي ،مجلة رؤية،الهيئة العامة للاستعلامات ،غزة، العدد 4 كانون أول 2000.
19-الديمقراطية بين عالمية الفكرة وخصوصية التطبيق ، مجلة كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية ، العدد 15 ، السنة 2000 ، جامعة القاضي عياض ، مراكش.
20-لماذا لم يتم تفعيل قرارات الشرعية الدولية حول القضية الفلسطينية؟ : الشرعية الدولية ورهانات القوة  ، المجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد ، العدد 33/34 السنة 2000 ، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالرباط .
21- مفهوم الدولة في المواثيق الفلسطينية ،مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات ،غزة،عدد 5 ،كانون ثاني 2001.
22- المجتمع المدني الفلسطيني :من الثورة على الدولة ،مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 6 ،شباط 2001.
23- فتح الانطلاقة بين الأمس واليوم ،مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات  ،نيسان 2001.
24 – قرارات الشرعية الدولية حول القضية الفلسطينية:بين التآمر الخارجي والتقصير الداخلي ، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد12 ،أيلول 2001.
25-البعد الديني للقضية الفلسطينية ، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 13،تشرين أول 2001.
26- الإرهاب  :إشكاليته في تعريفه لا في محاربته، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد17،آذار 2002.
27- الوضع الراهن للصراع في الشرق الأوسط،تغير في طبيعة الصراع أم في أدواته؟، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد19،حزيران 2002.
28- المجتمع المدني : محاولة في التأصيل ونموذج للتطبيق ، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية ، الرباط ،العدد 44/54 ، السنة 2002 .
29- بعد عامين الانتفاضة إلى أين؟ مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد 21،أيلول 2002.
30- مقاربة قانونية لجرائم إسرائيل ضد الإنسانية، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد22،آب 2003.
31- مسالة الهوية في مشروع الدستور الفلسطيني ، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد25،تشرين ثاني 2003.
32- بين السياسة والدين:الأصولية والعلمانية ، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد23،أيلول 2003.
33-جامعاتنا في مفترق طرق، مجلة رؤية ،الهيئة العامة للاستعلامات، العدد26،كانون أول 2003.
34- النظام السياسي الفلسطيني ولد مأزوما وما يزال، مجلة السياسة الدولية ،عدد54 ،مؤسسة الأهرام ،القاهرة ،2003.
35- الاستشراف كأحد أركان النظرية الاجتماعية /السياسية،بحث قدم ضمن أعمال المؤتمر العلمي التاسع لكلية الآداب بجامعة فيلادلفيا ،عمان، الأردن 2004.
36- مفهوم الدولة الفلسطينية :النشأة والتطور ، مجلة السياسة الدولية ،عدد57 ،مؤسسة الأهرام ،القاهرة ، يوليو 2004.
37- النظام الدولي الراهن والتباس مفهوم الشرعية الدولية ،مجلة البصائر ،جامعة البتراء ،عمان ،يونيو 2005.
38- المقاومة والإرهاب:جدل حول التوصيف والهدف ،بحث قدم  في المؤتمر العلمي الدولي العاشر لكلية الآداب بجامعة فيلادلفيا المنعقد في إبريل 2005.
39-جدل العسكري والسياسي في التجربة السياسية الفلسطينية ،بحث قدم للمؤتمر العلمي الدولي(ذاكرة وطن ومسيرة شعب ) في جامعة الأقصى،نوفمبر 2005 .
40- العولمة تجدد تساؤلات عصر النهضة،بحث منشور في مجلة المستقبل العربي ،مركز دراسات الوحدة العربية ،بيروت ،2006 .
41- ثقافة الخوف في مناطق السلطة الفلسطينية ، بحث قدم  في المؤتمر العلمي الدولي الحادي عشر لكلية الآداب بجامعة فيلادلفيا المنعقد في إبريل 2006.

42 – التباس مفهوم وواقع التعددية في النظام السياسي الفلسطيني :العلاقة بين المنظمة والسلطة وحركة حماس .المجلة العربية للعلوم السياسية،العدد الثاني عشر،خريف 2006 ،

43- الفكر العربي ومسألة الهوية في ظل العولمة ،بحث قدم لمؤتمر الفكر العربي في ظل العولمة والذي نظمه الجامعة العربية الأمريكية ،في نوفمبر 2006.
44- الانتخابات الفلسطينية والانزلاق نحو الديمقراطية (ديمقراطية خارج السياق). مجلة سياسات ،مجلة فصلية تصدر عن معهد السياسات العامة ـرام الله ،شتاء 2007.
45- المقاومة الفلسطينية بين الواقع وما تنقله الفضائيات العربية،بحث قدم في مؤتمر ثقافة الصورة الذي نظمته جامعة فيلادلفيا بعمان في ابريل . 2007 .

46- النظام السياسي الفلسطيني ،مجلة سياسات، مجلة فصلية تصدر عن معهد السياسات العامة ـرام الله،2009 .

47- جذور الانقسام الفلسطيني ومخاطره على المشروع الوطني،مجلة الدراسات الفلسطينية،مجلد 20،عدد 78، ربيع 2009

48 – العالم العربي بين ديمقراطية متعثرة وحكامة منشودة ،مجلة سياسات ،مجلة فصلية تصدر عن معهد السياسات العامة ،العدد 13-14 ،2010 .

49- الثورات العربية والقضية الفلسطينية:تعزيز البعد القومي أم الإسلامي،مجلة دراسات فلسطينية،بيروت،2011 ،العدد 87 .

50 – الثورات العربية وصعود الإسلام السياسي، ورصد تأثيراتهما على القضية الفلسطينية،  مجلة شؤون فلسطينية ،عدد 247، سنة 2012 .

51-  الخيارات الفلسطينية في مواجهة خارج “إسلامي” قيد التشكل ، مجلة السياسة الدولية  العدد 192 ، سنة 2013

52 –  المشاركة السياسية على قاعدة الالتزام بالوطنية الفلسطينية (استلهام تجربة الولادة الثانية للمنظمة 1968) ، مجلة شؤون فلسطينية ، نوفمبر 2013

53 – استشكالات الدين والسياسة في فلسطين ، مجلة سياسات ،أكتوبر 2013 ،رام الله ،فلسطين .

54 – المشاركة السياسية على قاعدة الالتزام بالوطنية الفلسطينية (استلهام تجربة الولادة الثانية للمنظمة1968) مجلة شؤون فلسطينية ،عدد مزدوج 253- 254 ،  نوفمبر 2013

55 – مستقبل السلطة الفلسطينية بعد الاعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة ،مؤتمر مؤسسة مسارات، بعنوان (بعد عشرين عاما على مؤتمر مدريد) ، رام الله – غزة ،نوفمبر 2013 .

56-  بعد عشرين عاما على أوسلو ، مؤتمر مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، رام الله – غزة ، 2013 .

57- متطلبات ما بعد الاعتراف بفلسطين دولة مراقب في الأمم المتحدة ،مؤتمر مركز التخطيط الفلسطيني ،غزة ،24 يونيو 2013 .

58 – تبيئة علم الاجتماع السياسي في الواقع الفلسطيني ، المؤتمر العلمي الثامن عشر لكلية الآداب ،جامعة  فيلادلفيا ، عمان ،الأردن ، 2013 .

59- النظام السياسي الفلسطيني (الأزمة والخيارات المطروحة والخيار الوطني الغائب) ، المؤتمر العلمي  لمركز التخطيط الفلسطيني .2013

وهناك مئات المقالات المنشورة في أكثر من مجلة وصحيفة وموقع الكتروني ويمكن الرجوع إليها على موقعنا الالكتروني المسجل أدناه.

تيلفاكس : 00970-8-2623107

00970-5960378   :  جوال

ibrahemibrach1@gmail.com :البريد الالكتروني

ibrahem-ibrach@hotmail.com

www. palnation.org:        الشخصي الموقع

الفهرس

الفصل الأول : مقاربة مفاهيمية للمشروع الوطني الفلسطيني ومفهوم الانقسام

الفصل الثاني : كرونولوجيا صناعة الانقسام وتكريسه

الفصل الثالث : المرحلة الثانية من صناعة الانقسام : سياسة التدمير الذاتي والارتهان لأجندة خارجية

الفصل الرابع : الربيع العربي يكشف مستور ( انقلاب حماس )

الفصل الخامس : من حوارات المصالحة العبثية إلى المراجعات الإستراتيجية للمشروع الوطني

الفصل السادس : بداية متعثرة للمصالحة  


عن admin

اكاديمي وكاتب سياسي فلسطيني بروفيسور في العلوم السياسية وزير ثقافة سابق رئيس مجلس امناء جامعة الأزهر سابقا