مقتطفات
الرئيسية / أرشيف المقالات / قمة الدوحة : مصالحات دون حل الخلافات

قمة الدوحة : مصالحات دون حل الخلافات

2-4-2009

حيث أن السياسة الدولية عالم متشعب من العلاقات ذات الأبعاد السياسية والاقتصادية والإيديولوجية وهي علاقات تحكمها المصالح غالبا،فإن الحرب والسلم وجها عملة واحدة في هذه السياسة كما أن النزاعات أمر طبيعي في العلاقات الدولية سواء كانت حول الحدود أو حول تفسير معاهدات أو اتفاقات أو حول مصالح اقتصادية أو اعتداءات على مواطني دولة أو أقليات تتبع لها عرقيا أو تكون خلافات إيديولوجية كما كان الحال بين دول المعسكر الاشتراكي ودول المعسكر الغربي،وللحد من الخلافات والصراعات أوجد المنتظم الدولي آليات لحل أو إدارة هذه الخلافات أو الحد منها كالمنظمات الدولية والإقليمية والاتفاقات الثنائية وآليات مفصلة وردت في ميثاق الأمم المتحدة.فبالرجوع إلى ميثاق الأمم المتحدة نجد تحديدا واضحا لطرق حل المنازعات بين الدول فبعد أن أكدت المادة الثانية على وجوب حل النزاعات بالطرق السلمية جاءت المادة 23 لتحدد هذه الطرق حيث جاء في هذه المادة أن على أطراف النزاع (أن يلتمسوا حله بادئ ذي بدء بطريق المفاوضات والتحقيق والتحكيم والتسوية القضائية ،أو أن يلجأوا إلى الوكالات والمنظمات الإقليمية أو غيرها من الوسائل السلمية التي يقع عليها اختيارهم …) وهناك اتفاقات دولية تحدثت عن طرق أخرى كالوساطة والخدمات الودية .
إذن بالرجوع إلى العلاقات والسلوكيات الدولية لا يوجد مصطلح يسمى المصالحة ولكن ورد مصطلح اتفاقات صلح مثل الاتفاقات التي يتم توقيعها بعد الحرب كما جرى بعد الحرب العالمية الأولى،أو ترد كلمة مصالحة عند الحديث عن الخلافات الأهلية أو الداخلية كالمصالحة بين الفرقاء السياسيين في جنوب إفريقيا بعد سقوط نظام التمييز العنصري أو المصالحة لطي صفحة الماضي بين النظام والمعارضة كما جرى في المغرب وفي لبنان أو كما يجري في الحالة الفلسطينية.فمصطلح المصالحة يُحيل ويُوحي بان الخلافات أخوية أو داخل البيت أو هي مجرد سوء تفاهم وبالتالي يمكن أن تُحل داخليا دون اللجوء لتدخلات خارجية أو إعمال الوسائط الدولية.فهل الخلافات العربية –العربية خلافات حقيقية بين دول وبالتالي تحتاج لإعمال الوسائل المتعارف عليها دوليا لحلها؟ أم هي خلافات بين أبناء العشيرة الواحدة وبالتالي تحتاج لمصالحات عشائرية؟.
يبدو أن الثقافة والعقلية العربية العشائرية ما زالت تحكم السلوك السياسي للقادة وإن كان بهذه العقلية ما هو إيجابي من حيث القول بالتمسك بأواصر أخوة أو وحدة حال أو القول بأننا عرب ولنا مصلحة مشتركة ويحتوينا بيت واحد هو جامعة الدول العربية الخ،إلا أن هناك جانب سلبي في التعامل مع الخلافات ضمن منظور وعقلية المصالحات العربية والعشائرية حيث يتم إخفاء جوهر الخلافات والتعلق بالمظاهر الخارجية والمصالحات العشائرية كالمصالحة بين العاهل السعودي والرئيس الليبي، وبالتالي لا توضع آليات للتعامل مع هذه الخلافات مما يجعلها مصالحة مهددة بالانتكاس سريعا إن لم تولد ميتة .

إن المتابع لتاريخ العلاقات البينية العربية بكل جوانبها السياسية والاقتصادية ومنذ ظهور جامعة الدول العربية عام 1945 كإطار يُفترض أن يكون وحدويا أو مهيئا للوحدة سيلمس أنها مرت بتاريخ حافل من الخلافات الشبيهة بالحالة السائدة اليوم ،فقد انقسم العرب واختلفوا في الخمسينيات حول سياسة الأحلاف وخصوصا حلف بغداد وانقسموا في الستينيات حول حرب اليمن واختلفوا في السبعينيات حول كامب ديفد وانقسموا في الثمانينيات حول الحرب العراقية الإيرانية وانقسموا في التسعينيات حول التسوية مع إسرائيل وحول العدوان الأمريكي على العراق،وهم اليوم منقسمون حول قضايا متعددة لأنهم لم يتعودوا على المصارحة وحل الخلافات ضمن آليات متفق عليها ولم يحاولوا أن يحددوا بدقة قضايا الخلاف ويضعوا إستراتيجية للتعامل معها ولمواجهة أية خلافات مستقبلية.
إذن بعيدا عن خطاب التضامن العربي والأمة العربية الواحدة والمصير العربي المشترك والأخوة العربية والتي تحفل بها كل بيانات القمم العربية الخ فإن العلاقات البينية العربية تعيش حالة مأساوية وتعبر عن فشل النظام الإقليمي العربي سواء المتجسد بجامعة الدول العربية وقممها أو بالاتحادات كاتحاد المغرب العربي ومجلس التعاون الخليجي،ولو حاولنا أن نبحث عن أصل الخلافات بين الأنظمة العربية فلا نجد لها مبررات قوية فلا توجد مشاكل حدود ولا خلافات أيديولوجية ولا تباين في الأنظمة الاقتصادية أو تنافس على الأسواق ،جذور الخلافات نجدها نابعة من حالة عجز وفشل الأنظمة في سياساتها الوطنية الداخلية وفي مواجهة التحديات الخارجية ،فتخفي حالة الفشل والعجز عن مواجهة هذه التحديات باصطناع حلافات فوقية تأخذ مسميات غير مفهومة أو مبررة كالقول بمعسكر دول الممانعة ومعسكر دول الاعتدال.والمدقق بأسباب الخلافات سيجدها اليوم تتمحور حول الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي والموقف من إيران أو قضايا مرتبطة وتابعة لها كالحديث عن الأحلاف والتحالفات الخارجية و التشيع والهلال الشيعي والموقف من المقاومة ،حتى حرب الخليج غير بعيدة عن هاتين القضيتين.

فمثلا لا نفهم كيف يمكن أن تكون قطر العضو بمجلس التعاون الخليجي في معسكر –الممانعة-المناوئ لمعسكر الاعتدال الذي يضم المملكة العربية السعودية العضو في نفس المجلس وكلا الدولتين تربطهما علاقات متميزة مع واشنطن وتحتضن قواعد أمريكية؟ وكيف يمكن أن نتحدث عن معسكر ممانعة ومعسكر اعتدال وفي كلا المعسكرين دول تعترف بإسرائيل وتقيم علاقات معها؟أيضا لو نظرنا لمواقف الدول العربية من مبادرة السلام و القول بالاختلاف حولها فإن الخلاف لا أساس له ما دامت كل الأطراف لا تطرح بديلا للسلام ولا تقول بالحرب حتى سوريا التي لها أراض محتلة تسعى لاستردادها عن طريق المفاوضات .لأن الأنظمة العربية فشلت في خلق قوة عربية توازي قوة العراق بل تحالفت قبل ذلك على دولة عربية كان من الممكن ان تواجهه قوة إيران أو ما يسمونه الخطر الإيراني ،فإنها تعيش حالة إرباك في كيفية مواجهة الخطر الإيراني ،ولان هذه الأنظمة العربية لا تريد أن تعترف بحقيقة عجزها وفشلها في الرد على العدوان الصهيوني وغياب الخيارات تلجأ للتلاعب بالمصطلحات كالقول بأن مبادرة السلام لن تستمر إلى ما لا نهاية ! ونتعجب بالفعل ماذا يعني ذلك ؟فهل خيار السلام مجرد تكتيك وخيار مرحلي ؟وما هو الأجل الذي سيُمنح لإسرائيل للتجاوب مع المبادرة العربية؟وإن لم تتجاوب فهل سيتخلى العرب عن المبادرة؟.وبعض الأنظمة العربية تخفي عجزها وفشلها بالهروب نحو توظيف الحالة الفلسطينية الداخلية ،فتقزم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني لتصبح قضية غزة وأهل غزة؟ ويصبح دورها القومي والتاريخي فقط كيف ترفع الحصار عن غزة وتدعم حركة حماس أو تتحدث عن المقاومة وتضخيم دور المقاومة!،وحتى على هذا المستوى تفشل هذه الأنظمة في رفع الحصار عن عزة وتقف لحوالي السنتين والحصار مفروض على الشعب الفلسطيني ولحوالي الشهر متفرجة على أهل غزة يُقتَلون وبيوتهم تُدمر خلال العدوان الصهيوني دون أن تفعل شيئا،أما فلسطين التاريخية أو الضفة والقدس وعودة اللاجئين فيتم تناسيها وتجاهلها؟.

وأخيرا ،لقد بذل أمير قطر ووزير خارجيته جهودا لضمان عقد القمة بأكبر عدد من الزعماء ونجحت القمة باتخاذ موقف مؤيد للرئيس البشير،ولكن نخشى أنه تم التعامل مع القمة والمصالحة بعقلية قناة الجزيرة حيث السعي للشهرة و الإثارة ومنافسة الآخرين على الزعامة دون إرادة حقيقية لحل الخلافات انطلاقا من المصلحة العربية الحقيقية.انتهت قمة القمم كما نعتوها لتتوج بمصالحات دون حل الخلافات ،وبالنسبة للقضية الفلسطينية انتهت القمة بقول الأمين العام للجامعة العربية السيد عمر موسى في المؤتمر الصحفي الختامي مع وزير خارجية قطر ،بأن حل القضية الفلسطينية بيد الفلسطينيين وعلى الفلسطينيين أن يحلوا مشاكلهم الداخلية ،وهكذا برء عمر موسى وبرأت القمة الأنظمة العربية من المسؤولية عن الحالة الفلسطينية،ونتمنى أن تفهم الأطراف الفلسطينية هذه الرسالة جيدا.

 

عن admin