مقتطفات
الرئيسية / أرشيف المقالات / سيناريوهات ما بعد الانقلاب في غزة

سيناريوهات ما بعد الانقلاب في غزة

28-6-2007

لن نعود مجددا للبحث المفصل في خلفيات وأسباب ما جرى في قطاع غزة وإن كنا نشك بان طرفي الصراع أي فتح وحماس لا يقولان كل الحقيقة وان الأطراف الخارجية أيضا متواطئة وتخفي الحقيقة، والحقيقة أن ما جرى هو مخطط مدروس تم الاشتغال عليه منذ سنوات يهدف للفصل ما بين قطاع غزة والضفة الغربية والعودة لحالة شبيهة لما كان عليه الوضع قبل حرب حزيران 1967 مع استدراج حركة حماس برضاها لحكم القطاع تمهيدا لعودة الدور المصري في قطاع غزة والأردني في الضفة وبالتالي إصابة بمقتل للمشروع الوطني الفلسطيني الذي كان يطمح لإقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس الشريف وحل عادل لقضية اللاجئين،الكل متواطئ بنسب متفاوتة وستكشف الأيام حقيقة هذا المخطط ،و قريبا سنسمع عن مشروع جديد للتسوية يُبنى على الأمر الواقع الناتج عن الفصل.

ما جرى في غزة هو انقلاب عسكري تم الإعداد له مسبقا كجزء من المخطط وتم تخريج هذا الجزء من المخطط على شكل انقلاب وانتصار مُبهر لحركة حماس لا يقل عن الانتصار على إسرائيل من وجهة نظرها ،وإلا كيف سيُمرر هذا المخطط ،وأن ترفض حركة حماس وصف ما جرى بالانقلاب أو تبرر ما جرى بأنه موجه ضد من تسميهم بالتيار الانقلابي في فتح لن يغير من الحقيقة في شيء ، فأن تقوم جماعة مسلحة وخصوصا عندما تكون من الحزب الحاكم أو المشارك بالحكومة بمهاجمة مقرات الأمن والجيش والقصر الجمهوري وبيت الرئيس ومحطات التلفزيون والإذاعة لأسباب سياسية ،فهذا هو تعريف الانقلاب في علم السياسة ،أما لماذا الانقلاب ؟فهذا أمر أخر وهو أيضا محل نظر،فحتى لو سلمنا بان هناك تيار انقلابي وفاسد في حركة فتح وفي السلطة – وقد كتبنا منذ سنوات حول الفساد والانفلات في حركة فتح وفي السلطة وقبل أن تكون حماس في السلطة وتتحدث عن الموضوع – فإن ما جرى هو أعظم وأخطر من أن يكون مجرد مطاردة وتصفية لهذا التيار وخصوصا انه لم يقتل أو يُسجن أو يُحاكم أي واحد من قيادات هذا التيار ! .

الآن وقد جرى ما جرى وسواء كان الأمر تخطيطا ومؤامرة أو مجرد تداعيات طبيعية لأحداث آنية كما تقول حركة حماس ،فنحن أمام فصل سياسي وجغرافي ونفسي بين قطاع غزة والضفة الغربية ،والقرارات والقرارات المضادة من الرئيس ورئيس الوزراء المُقال تعزز حالة الفصل هذه ..إذن ما العمل ؟وما هي آفاق مستقبل النظام السياسي ؟.

نحن أمام أربعة احتمالات أو سيناريوهات :-
السيناريو الأول :- إعادة قطاع غزة لشرعية السلطة والرئيس بالقوة العسكرية .
وهذا غير ممكن فلسطينيا فالرئيس لا يملك جيوشا ليرسلها (لتحرير غزة) ،وبقايا الأجهزة الأمنية وتنظيم فتح لا يستطيعا ذلك وإن حاولت فهذا معناه حرب أهلية لا نهاية لها ولن يكون الفوز في نهاية الأمر للمقاتلين باسم حركة فتح وبقايا الأجهزة الأمنية لان الناس لا يريدون عودة من جربوا حكمهم طوال اثني عشر عاما ولم يكن في حكمهم ما يدفع الشعب للتعاطف معهم وتسهيل مأمورية عودتهم لحكم غزة ،أما محاولة إعادة غزة لشرعية الرئيس بواسطة قوات الاحتلال فهو ممكن عمليا ،ولكن إسرائيل لا تفكر بالرجوع لغزة ولأنها مشاركة في مخطط الفصل ،ولن يُشرف أي فلسطيني أن تعود الشرعية على ظهر دبابات الاحتلال ،وحالة العراق وأفغانستان أمام أعيننا،وبطبيعة الحال لا تفكر مصر أو قوات دولية بفعل ذلك،وخصوصا أن حركة حماس ليست كجماعات القاعدة مجرد مقاتلين مستجلَبين ليقاتلوا في بلاد غير بلادهم ،بل هي حركة شعبية وفازت بجدارة بانتخابات تشريعية منحتها أغلبية الأصوات ،وجماعات دينية من هذا النوع من الصعب القضاء عليها نهائيا .
السيناريو الثاني :- تأبيد حالة الفصل بين شطري مشروع الوطن
بمعنى أن تستقر الأمور لحركة حماس لحكم غزة وتستقر الأمور لحركة فتح لحكم الضفة الغربية ،وهذه رغبة خفية لغالبية أطراف الصراع ،ونعتقد بان هذه الأطراف ستبدأ تدريجيا بالتعامل مع حركة حماس كسلطة في غزة ضمن شروط،وقد يبدأ هذا التعامل تحت شعارات الوضع الإنساني للسكان وعدم تحويل القطاع لسجن كبير ،والتعامل مع الواقع ،وعدم التحيز في التعامل مع طرقي الصراع الفلسطيني الخ ،وربما نسمع قريبا بهدنة بين إسرائيل وحركة حماس على حدود قطاع غزة ،وربما تكون هدنة ضمنية والاتفاق على صفقة مع حماس لإطلاق الجندي جلعاد شاليط،وفي نفس الوقت ستبدأ إسرائيل بقطع علاقاتها تدريجيا مع القطاع وانتقال الدور لمصر.
السيناريو الثالث :- العودة للحوار
إن كان الاحتمالان السابقان مرفوضين وطنيا بغض النظر عن إمكانية تحققهما عمليا فالبديل هو محاولة التجاوب مع الدعوات المطالبة بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 11 حزيران عن طريق الحوار .هذا الخيار وإن كان هو المفضل لدى غالبية الفلسطينيين إلا أن المراهنة على نجاح الحوار تكتنفها كثير من الشكوك ،فقد سبق وان تحاور الطرفان في عشرات بل مئات جولات الحوار في القاهرة ومكة وغزة وقبلهما في السودان وأماكن أخرى وفي ظل ظروف أفضل من هذه الظروف ولم تُنجز الحوارات إلا تفاهمات ورقية لم تحل أي من الإشكالات العميقة للخلاف بين الطرفين .الانتقال من الحوار عبر طاولة المفاوضات إلى الاقتتال ثم الانقلاب يجعل الحوار أكثر صعوبة،وخصوصا مع رفض الرئيس أبو مازن للحوار بداية ثم وضعه شروطا على حماس تنفيذها قبل بدء الحوار ،وهي شروط رفضتها حماس ،ولكن تداخلات خارجية وخصوصا من مصر وجامعة الدول العربية قد تهيئ الظروف للجلوس مجددا على طاولة المفاوضات ،ونعتقد أن حوارات ستبدأ بين الطرفين وقد تطول لأشهر ولكنها قد لا تؤدي إلى أي نتيجة ليس لغياب الإرادة بالتوافق بين الطرفين بل لأن القوى الخارجية ستمارس ضغوطا على طرفي الحوار لإفشاله ،والكل يعلم بأن القوى السياسية الفلسطينية هي لاعب صغير في بالرغم من كونها صاحبة القضية في مقابل اللاعبين الكبار سواء كانت إسرائيل والولايات المتحدة أو دول عربية وإقليمية .
ومع ذلك ولقطع الطرق على من يفكرون بالخيارين السابقين لا مناص من الحوار ولكن ليس فقط لإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 11 حزيران لأن إشكالات كثيرة ستحول دون ذلك ،بل للتفاهم والاتفاق على الثوابت الوطنية ويمكن اعتماد وثيقة الوفاق الوطني كأساس،فيتم الاتفاق دون لبس – أو ما كانوا يسمونه بالغموض البناء للتهرب من الاتفاق الحقيقي- على مفهوم السلام والمقاومة والهدنة والاتفاقات الموقعة والشرعية الدولية وعلاقة الدين بالسلطة والحكم السياسي ،ثم تشكيل حكومة وحدة وطنية تترأسها شخصية مستقلة تعمل على إعادة بناء مؤسسات السلطة وخصوصا الأجهزة الأمنية وتهيئة الوضع للانتخابات التشريعية .
السيناريو الرابع :من التقسيم إلى التقاسم
فحيث أن السيناريوهات السابقة تتراوح ما بين الممكن المرفوض والصعب المحبب والمقبول ،وحيث أن الأمر يبقي مفتوح لكل احتمال،هناك سيناريو رابع يمكن اللجوء له والتعامل معه وطنيا إن فشلت الحوارات في التوصل للنتائج التي أشرنا إليها – وهنا نؤكد بان هذا ليس خيارنا ولكنه خيار يمكن التفكير به إن أغلقت كل الأبواب – ونقصد بذلك إن كان الفصل أمرا مقروضا على الفلسطينيين ،يمكن آنذاك تحويل التقسيم إلى تقاسم والتقاسم يعنى التفاعل والمشاركة في الإعداد للمشروع الوطني ضمن المعطيات المفروضة ،وهذا يحتاج لوقف كل عمليات التحريض ـمن تكفير وتخوين ،ووقف عمليات التصفية الممنهجة من كل طرف للطرف الآخر- تصفية حركة حماس في الضفة وتصفية حركة فتح في قطاع غزة- ومساعدة كل طرف للآخر في أن يستكمل مهامه حسب ظروفه ومعطياته وعلاقاته لتصفية الاحتلال،وما بعد زوال الاحتلال يمكن البحث قي صيغة توحيدية .
ندرك تماما بان هذا الخيار قد يكون الأصعب والأكثر إثارة للجدل ،ولكن يمكن التعامل معه مرحليا لتجنب مخاطر التقسيم النهائي ،وهناك أمور كثيرة يمكن تقاسمها بالتشارك وتوزيع الأدوار واستمرار الحوار قد يكون مفيدا في هذا السياق .

للأسف هذه السيناريوهات تتراوح ما بين المستحيل والصعب والمرفوض، وأحلاها مر كما يقول المثل ، والأخطر من ذلك أن نجاح أي سيناريو لا يتوقف على الإرادة الفلسطينية فقط بل يحتاج إلى إجازته من إسرائيل وأطراف خارجية.
‏28‏/06‏/2007

 

عن admin