مقتطفات
الرئيسية / أرشيف المقالات / حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتغيير مرتكزات التسوية

حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية وتغيير مرتكزات التسوية

18-3-2007

منذ سنوات والفلسطينيون يرهنون تحقيق آمالهم بالاستقلال والحرية بوجود إستراتيجية عمل وطني وقيادة وطنية يلتف حولها كل الشعب، لأن منطق الأمور وتجارب الشعوب التي كانت خاضعة للاحتلال بالإضافة إلى تجاربهم المريرة بالتفرد بالسلطة سواء مع حركة فتح أو مع حركة حماس ،كل ذلك جعل من مطلب وحدة الهدف والإستراتيجية والقيادة شرط لزوم وضرورة لإنجاز المشروع الوطني.
قبل الانتخابات التشريعية الأخيرة وطوال أكثر من اثني عشر عاما كان الحديث يدور حول قيادة عمل وطني وإستراتيجية عمل وطني تضع حدا للتعددية السلبية وغير الديمقراطية التي كانت تسود المجال السياسي كتعدد الاستراتيجيات والميليشيات ومراكز القرار وتعدد التحالفات الخارجية ومصادر التمويل والتوجيه،وكانت المراهنة الوطنية تتجه نحو قيادة ة عمل وطني بإستراتيجية وطنية تؤسس على التوافق والتراضي ويكون دافعها ومنطلقها وطنيا خالصا دون الحاجة للجوء لانتخابات مفروضة خارجيا بعد استعصاء النظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته وبكل الاستراتيجيات المعمول بها سواء كانت إستراتيجية المفاوضات والمراهنة على الحل السلمي أو إستراتيجية العمل الجهادي وعسكرة الانتفاضة، لو أنجزت القوى السياسية آنذاك مطلب قيادة وطنية بإستراتيجية وطنية لتم قطع الطريق على القوى الخارجية للتدخل في حياتنا السياسية من بوابة الحصار و من بوابة الاقتتال الداخلي ،ولكن يبدو أن المكابرة الفارغة والمراهنة الخاطئة على حلفاء خارجيين بالإضافة للجهل السياسي عطلا تحقيق الهدف الوحدوي مما أدى لانكشاف فشل إستراتيجية عمل طرفي المعادلة :حركة فتح وحركة حماس ومع فشلهما أجهضت الانتفاضة بصمت وتراجع الوضع الفلسطيني لسنوات على كافة المستويات .
لم يكن من المتوقع للانتخابات التشريعية أن تُخرج النظام السياسي من مأزقه لان حركتي فتح وحماس دخلت كل منهما الانتخابات متمسكة بنفس إستراتيجيتها المأزومة بل والفاشلة دون ان تعترفا بذلك ،مما أدى لحكومة أغلبية ذات إستراتيجية عمل فاشلة- بل دخلت حركة حماس الانتخابات للتغطية على فشل نهجها الجهادي – ولمعارضة فتحاوية لا تريد أن تعترف أيضا بأخطائها وفشل مراهناتها ،هذا الفشل المزدوج والمكابرة التي فيها امتهان لعقول الناس، كان لا بد أن تؤدي للحالة التي كنا عليها طوال عام 2006 ، وبعد فشل عشرات جولات الحوار داخل الوطن وخارجه دون طائل ،جاءت وثيقة الأسرى لتضع أمام المتحاورين المأزومين بنودا تمثل القواسم المشتركة ومخرجا مشرفا للطرفين ،إلا أن هذه الوثيقة لم تحض برضا الحكومة الفلسطينية،واستمررت الأزمة و تفاقمت لدرجة الاقتتال الداخلي. وكان لا بد مِن تدخل لوقف التدهور والانزلاق للهاوية،فكانت الدعوة/ التهديد من الرئيس أبو مازن باللجوء للاستفتاء لوضع حد لسلطة براسين ومرجعيتين وإستراتيجيتين،مطالبا المتحاورين بضرورة التوصل لاتفاق حول وثيقة الأسرى ،وحقق التهديد الإيجابي مبتغاه ،وأصبحت وثيقة الأسرى بعد نقاشات مستفيضة وثيقة وفاق وطني ،ولكن وثيقة الوفاق الوطني دون تطبيق على الأرض لا قيمة لها ،وخصوصا أن الدول المانحة لم ترفع حصارها واستمرت الحكومة بالتفرد بالسلطة،وكان التهديد للمرة الثانية من الرئيس أبو مازن باللجوء لانتخابات مبكرة إن لم يتم تفعيل وثيقة الأسرى وخصوصا في البند الذي ينص على تشكيل حكومة وحدة وطنية،ومع رفض حركة حماس القبول بانتخابات مبكرة ،ومع استمرار الحصار على الشعب ككل ثم اندلاع الاقتتال الداخلي الذي أحرج الجميع واخجل الأمة ،كان لقاء مكة الذي آل لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية .
حكمة الرئيس أبو مازن والواقعية المتأخرة لحركة حماس أديا لتشكيل حكومة وحدة وطنية،بالرغم من أن طول الحوارات وطابع المحاصصة الذي سيطر عليها أفقد حكومة الوحدة الوطنية كثيرا من بريقها وأظهرها وكأنها حكومة توزيع مغانم ،ومع ذلك فان تشكيل هذه الحكومة يعد منعطفا وبداية تحول استراتيجي في مسيرة النضال الوطني ، إلا أن حكومة الوحدة الوطنية ليست مجرد تجاوز لحكومات الحزب الواحد ،بل يفترض أن تكون أيضا تجاوزا لمواقف واستراتيجيات وأنماط وممارسة سياسية كانت تحكم الحكومات السابقة والمعارضات السابقة ،حكومة الوحدة الوطنية تعني أن صياغة القرار الوطني ومفهوم الوطن والوطنية ومفاهيم الحرب والسلم لم يعودوا حكرا على حزب واحد ،وإنه يجب إعادة النظر في الشرعيات السياسية التي تؤسس على (الشرعية التاريخية) أو (الشرعية الدينية ) ،وأن حكومة الوحدة الوطنية يجب أن لا تؤسس على مساومات وصفقات ،(هناك خشية من ان تكون ملفات الفساد التي كانت تُلوِح بها حركة حماس قد طُمست ضمن صفقة تشكيل الحكومة) والاهم من ذلك ان حكومة الوحدة الوطنية هي بداية صحيحة لطريق طويل مليء بالتحديات الداخلية والخارجية.
مع كامل التقدير لأعضاء الحكومة فإن قدرتها على مواجهة التحديات لا ترتبط بكفاءة الوزراء فقط ولا بالدعم الخارجي مع ان الشرطين مطلوبان، بل بتوفر إرادة النجاح عند حركتي فتح وحماس وذلك بالانتقال من شراكة في حكومة وحدة إلى الشراكة السياسية الحقيقية مع كل القوى السياسية في صياغة وتنفيذ إستراتيجية عمل وطني ، ذلك أن الحكومة هي أداة تنفيذية مؤقتة، فماذا سيكون عليه الحال إذا ما فشلت الحكومة في مواجهة التحديات ؟الفشل في الانتقال السريع لشراكة سياسية حقيقية يعني أن فشل الحكومة سيؤدي للعودة لنقطة الصفر . إن كنا نأمل ونتمنى ان تستمر الحكومة للسنوات الثلاث القادمة إلا أن ذلك لا يمنع من الأخذ بالحسبان كل الاحتمالات نظرا لان الأسس التي قامت عليها الحكومة ما زالت هشة والتحديات كثيرة وكبيرة.
بالتأكيد لا أحد يطلب من الحكومة الدخول في مواجهة مع الاحتلال ليس فقط لان القضايا المتعلقة بالوضع النهائي والمفاوضات هي من اختصاص الرئيس أبو مازن ومنظمة التحرير كما تنص تفاهمات مكة ،بل لان منطق الأمور يقول بأن تتفرغ الحكومة لإصلاح الوضع الداخلي وخصوصا الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية ،فإصلاح الوضع الداخلي شرط ضرورة للقدرة على مواجهة الاستحقاقات الخارجية مع إدراكنا بتداخل الأمور مع بعضها البعض أحيانا وخصوصا بالنسبة للوضعية الاقتصادية التي هي مرتبطة بالتحديات والاستحقاقات الخارجية.
بالنسبة للتحديات الداخلية :
1- توحيد الأجهزة الأمنية من حيث الخضوع لقرار مركزي واحد والخضوع لإستراتيجية أمنية مرتبطة بإستراتيجية العمل الوطني .
2- إيجاد حل للقوة التنفيذية التي أسستها الحكومة السابقة.
3- معالجة الحالات العسكرية والميليشيات التابعة للفصائل الفلسطينية .
4- إعادة الاعتبار للقانون والقضاء .
5- وضع حد لظاهرة انتشار السلاح بيد الأفراد والعائلات.
6- وضع حد للتعديات على الملك العام .
7- معالجة التوظيفات غير القانونية وفتح ملفات التوظيفات العشوائية التي جرت في الفترة الأخيرة ،سواء في زمن حكومة حماس او في أواخر الحكومة السابقة لها ،ووضع آلية ومعايير لكل وظيفة أو توظيف جديد .
8- وضع حد لتفشي المخدرات وكل مظاهر الفساد في المجتمع .
9- رد الاعتبار للمؤسسات التعليمية سواء تعلق الأمر بمناهج التعليم أو تسييس المؤسسات التعليمية وخصوصا الجامعات .
10- توحيد الخطاب الإعلامي ووضع حد للتحريض والتعبئة المثيرة للفتنة.وتحييد المساجد من الصراع السياسي.
أما بالنسبة لتحديات الخارجية:
بات واضحا أن الرباعية لديها استعداد للتعامل مع الحكومة بحذر وسترفع الحصار بشكل متدرج (حتى قبل لقاء مكة لم يكن الحصار بالصرامة التي يتصورها البعض ) وحتى بالنسبة للولايات المتحدة فإن موقفها سيتغير وقد بدأت تستعمل لهجة مختلفة، ونعتقد بان شروط الرباعية للاعتراف بحكومة الوحدة الوطنية سيتم تجاوزها لصالح شرط جديد مرتبط برؤية جديدة للتسوية ،حيث سيتم تجاوز الاعتراف المسبق للحكومة الفلسطينية بإسرائيل بشرط الالتزام بالهدنة التي تشمل أيضا للضفة الغربية ،وحتى بالنسبة لإسرائيل لا مانع لديها من التعامل على هذا الأساس ما دامت الهدنة ستريحها من تنفيذ الاتفاقات الموقعة التي تلزمها بالانسحاب من الضفة الغربية، فالهدنة بالنسبة لإسرائيل أكثر فائدة وإغراء من الاعتراف اللفظي بها،أو بصيغة أخرى يبدو أن هناك توجها دوليا لإدماج حركة حماس بتسوية مؤجلة من بوابة الهدنة بدلا من بوابة الاعتراف كما جرى مع منظمة التحرير الفلسطينية ،وفي هذه الحالة ستلتقي حركة حماس وإسرائيل على مبدأ الهدنة طويلة المدى،وتأجيل قضايا الوضع النهائي لمستقبل كل طرف له مراهنته الخاصة عليه.ونخشى أن يكون هذا الموضوع احد أسباب تفجر الخلاف ما بين حركة حماس وحركة فتح.

 

عن admin