مقتطفات
الرئيسية / مقالات أ.د ابراهيم ابراش / حركة حماس وسياسة ألاحرب وألاسلم

حركة حماس وسياسة ألاحرب وألاسلم

لا غرو بأن الحكومة الفلسطينية الراهنة حكومة جديدة بما تعنيه الكلمة ، فمنذ اثني عشر سنة ، كانت كل الحكومات السابقة من نفس النخبة السياسية و ذات الوجوه تقريباً ، الانتخابات حضرت للتشريعي و للحكومة حركة حماس وهذا يُعد انقلاباً حقيقياً . انقلاب حقيقي ، في الوجوه وفي البرامج والمرجعيات ، ولكن بأدوات تنسب للممارسة الديمقراطية ، ولأنها حكومة جديدة في كل شيء حتى الآن ، فأمر استيعابها من النخبة السياسية ومن الأطراف الإقليمية والدولية يحتاج لوقت ، وأمر تكيّفها مع هذه الأطراف تحتاج لوقت أيضاً ، إن حدث التكيُّف .

القول بأنها حكومة جديدة لا يتضمن حكم قيمة سلبي أو إيجابي بل هو تشخيص ووصف لواقع أهم ملامحه محاولات الحصار والتضييق على الشعب الفلسطيني بكل السبل ، والشلل الذي أصاب مجمل النظام السياسي الفلسطيني بسبب ذلك ، فلم يحدث في تاريخ الانتخابات الديمقراطية الحقيقية أن تعرض شعب للحصار لأنه مارس حقاً ديمقراطياً وفي فترة قياسية جد قصيرة ، شهر تقريباً ،هذا الأمر يدفعنا لقراءة متأنية لما يجري ولا يمكن فهم ما يجري إلا بالرجوع إلى الملابسات الأولى لبداية ما أُطلق عليه المسلسل الديمقراطي والذي تُوج بما سُمي بالعرس الفلسطيني . المتمعن بما يجرى بعقلية عميقة تتجاوز لغة الشعارات والعواطف يجد نفسه أمام رزمة من التساؤلات مثلاً : هل بالفعل نعيش مرحلة انتقال ديمقراطي ؟ وهل خطاب الديمقراطية في الساحة الفلسطينية خطاب برئ ؟ وهل الحكومة الحمساوية هي المحاصرة أم الشعب وما أقام من مؤسسات في عهد الحكومات السابق ؟ وما هي إستراتيجية هذه الحكومة إن كان لها إستراتيجية ؟ والأهم من ذلك هل يريد المحاصرون للشعب إسقاط الحكومة الفلسطينية بالفعل ؟

أولاً : هل اللجوء للانتخابات كان أمراً محتوماً ؟

لا نريد تكرار ما سبق وان أكدنا عليه من أننا لسنا ضد الديمقراطية من حيث المبدأ ، وأن حركة حماس هي فصيل فلسطيني فاعل واكتسب ثقة ناخبيه ، كما أننا دوما نؤكد على أن النظام السياسي الفلسطيني منذ نشأته الأولى مع منظمة التحرير وهو يعيش مأزقاً متعدد الأسباب والتجليات ، ومع وجود السلطة تعمق هذا المأزق ، مما كان وما زال يتطلب عملية إصلاح شاملة لهذا النظام ، إصلاح لنهج وسياسات المجال السياسي لحركة تحرر وطني أكثر مما هو إصلاح سلطة دولة، وآليات إصلاح نظام حركة تحرر تختلف عن آليات إصلاح سلطة دولة مستقلة . أيضاً يجب التذكير بأن خطاب الإصلاح كان خطاباً فلسطينياً قبل أن تصادره الولايات المتحدة والأوروبيون ليجعلوه خطاباً خارجياً ، ذلك أن فشل القوى السياسية الفلسطينية بالتوصل لآليات إصلاح المجال السياسي لحركة التحرر الفلسطيني على أسس وطنية وبأدوات وطنية منح القوى الخارجية فرصة لركوب موجة الإصلاح الفلسطينية أساساً ليوجهوها لخدمة أغراضهم وهي غير بريئة بالتأكيد ، حيث انصبّت آليات الإصلاح على بعض مؤسسات السلطة بما يجعلها حالة نقيض وبديل لحركة التحرر وبما يجعلها في حالة غربة عن الشعب .

كنا نتمنى لو نجحت دعوات الإصلاح وجلسات الحوار المتعددة بالتوصل لقيادة وحدة وطنية تضع إستراتيجية عمل وطني وثوابت وطنية يتم الاتفاق والاختلاف فيها لا عليها قبل دخول متاهة الانتخابات الموجهة خارجياً ، ولكن وللأسف فشلت كل جولات الحوار ، ليس فقط لأن القوى الخارجية تريد إفشال الحوار بل لأن هذه القوى وجدت أدوات داخلية تُسهل عليها المهمة ، وكانت تعمل على إفشال الحوار عن دراية وسبق إصرار أو جهل وسوء تقدير . فشل المتحاورون بالتوصل لمرجعيات حيث كان الوطن والمصلحة الوطنية هو المبتغى والهدف يشكك بإمكانية نجاحهم في التوصل لإتفاق عندما تصبح السلطة والسلطة فقط هي المبتغى والهدف . هذا لا يعني التبشير بفشل الحوار بل التأكيد بأنه كلما مر الوقت دون التوصل لتفاهم على مرجعيات وثوابت كلما تعقدت وصعبت عملية الحوار .

ثانياً : لماذا الإصرار الأمريكي على إجراء انتخابات ؟

ولنكن صريحين ودون مكابرة ، فإن العملية الانتخابية وما يسمى بالمسلسل الديمقراطي لم يكونا تعبيراً عن نضج الوعي الديمقراطي أو عن قناعة راسخة بالديمقراطية لا عند حركة فتح التي كانت تمسك السلطة ولا عند حركة حماس التي كانت تتطلع للسلطة . الانتخابات فُرِضَت كجزء من استحقاقات التسوية ، ولأن الحكومات السابقة كانت مأزومة ليس فقط بالفساد الذي ينخرها ، بل بالإعاقات التي وضعتها في وجهها إسرائيل ، وحتى أمريكا ، فلم تكن تستطيع معارضة المطلب الأمريكي والأوروبي بإجراء الانتخابات ، ولأن حركة حماس كانت مأزومة بتآكل شرعيتها الجهادية وبمحاصرتها خارجياً ، فقد تمسك الطرفان بالانتخابات وتزينوا بزي الديمقراطية ، وهم في داخلهم يدركون الحقيقة بأن ما يجري هو مخطط خارجي لا علاقة له بالديمقراطية الحقيقية .

وهنا يجب التمييز ما بين السلطة والحكومة ؛ في الوضع الطبيعي يفترض عدم وجود تعارض ما بين السلطة والحكومة باعتبار أن الحكومة هي الأداة التنفيذية للسلطة ، في الحالة الفلسطينية الوضع ملف وقد بان التباين بين الحكومة والسلطة في ظل الحكومة الحالية . في الحالة الفلسطينية، أي في ظل السلطة التي أوجدتها اتفاقية أوسلو، السلطة ليست مشروعاً وطنياً خالصاً بالرغم من صدور قرار تأسيسها من المجلس المركزي لمنظمة التحرير ، بل هي مشروع فلسطيني و أمريكي و أوروبي وإسرائيلي ، أو بشكل أخر هي مشروع دولي ، ونجاح التسوية مرتهن بوجود السلطة ، ومن هنا يكون وجود السلطة ضرورة لمن يريد الحفاظ على نهج التسوية كحالة بديلة عن نهج المقاومة المسلحة ، وهذا لا يعني التشكيك بالسلطة والقول بأنها تخدم مصالح خارجية ، بل ما نريد قوله هو أن السلطة جواد رهان لمن يريد المراهنة على التسوية ، والشاطر من يحسن ركوب هذا الجواد ، فيما الحكومة نتاج وطني أو الفارس الذي يراهن عليه الشعب حتى يمكن توجيه مسار التسوية بالشكل الذي يخدم حقوقنا المشروعة ، و أمريكا والخارج يدعمونه بقدر ما يخدم تصورهم للتسوية والسلطة وليس بقدر ما يخدم المشروع الوطني ، وهذا يعني بأن وجود السلطة ليس بالضرورة دوماً يخدم المصلحة الوطنية.

الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها لم يكونوا حريصين بأن نكون ديمقراطيين ولا يريدون بالانتخابات تهييء الأمور للعودة لنهج السلام ، أمريكا ، كما هو الحال مع إسرائيل ، خرجوا عن سكة التسوية السلمية منذ مقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين ، وبالتالي فإن حديثهم عن الإصلاح والانتخابات وسعيهم لذلك إنما بهدف استمرار سلطة فلسطينية تنوب عن سلطة الاحتلال وتتعايش مع حالة من « ألا سلم وألا حرب » ، وحالة السلطة قبل الانتخابات وصلت لدرجة من التردي والخطورة بحيث باتت مهددة بالانهيار وانفلات الأمور من تحت الضبط ، فكان لا بد من تحديث أو تغيير في السلطة ولو على حساب حكومة فتح الشريك في تأسيس السلطة . أيضاً شعرت الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها من عرب وعجم بأن حركة حماس في الوقت الذي تتزايد شعبيتها فإنها أيضاً تعيش حالة من انسداد الأفق واليأس الذي قد يدفعها لقلب الطاولة وتخريب حالة ألا سلم وألا حرب وذلك بتدمير مشروع السلطة ، فكانت الانتخابات هي الحل الذي ينقذ السلطة ويستدرج حماس لتصبح جزءاً من السلطة . وجود حماس داخل النظام يجعلها أكثر خضوعاً للابتزاز ، وهنا حدث تقاطع بين أهداف متعارضة أصلاً ، والشعب العادي ساير الانتخابات لأنه يريد الانتخابات ليقضي على الركود وحالة العجز الذي وصلت إليه الحكومات السابقة وليقيم سلطة قادرة على استكمال المشروع الوطني على قاعدة التسوية العادلة ، لأنه لا يمكن لسلطة عاجزة داخلياً أن تكون قوية على طاولة المفاوضات ، والأمريكيون والإسرائيليون أرادوا الانتخابات ووصول حماس لمحاصرتها ولإدخال الساحة الفلسطينية في صراعات داخلية تبعدها عن الهدف الحقيقي لوجودها كفصائل حركة تحرر ضد الاستعمار .

ولكن هل دخول حركة حماس للسلطة أخرج النظام السياسي من مأزقه ؟ وهل تملك حركة حماس إستراتيجية سلام تمكّن من كسر حالة ألا سلم بسلام حقيقي ، أو إستراتيجية حرب تكسر حالة ألا حرب بحرب حقيقية تقضي فيها على إسرائيل كما يطرح ميثاقها ؟

ثالثاً : ماذا تريد حماس والحكومة الراهنة ؟

إن كانت حركة حماس لا تريد الاعتراف بإسرائيل ، ولا بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير مع إسرائيل ، ولا بالمبادرة العربية ، ولا بقرارات الشرعية الدولية… فلماذا دخلت الانتخابات أصلاً وهي تعرف أنها انتخابات سلطة حكم ذاتي مرجعيتها اتفاقات أوسلو ؟ وماذا تريد من خلال وجودها بالسلطة ؟ الجواب الذي يتبادر للذهن مباشرة هو أنها تريد عكس ذلك أي عدم الاعتراف بإسرائيل ، ومواصلة نهج المقاومة المسلحة ، والتمسك بالشرعية الدينية والتاريخية . ولكن كيف نوفق بين ذلك وبين التزام حركة حماس بالتهدئة لأكثر من عام ؟ وكيف يستقيم ذلك من دعوة حماس لهدنة طويلة المدى ؟ وكيف يستقيم ذلك وإسرائيل تسمح لقادة حماس بالتنقل العلني داخل الوطن وخارجه ، وعقد لقاءات وندوات داخل الوطن وخارجه ؟ أيضاً ، السؤال الذي يفرض نفسه : هل ما يجري اليوم قد فاجأ حركة حماس وبالتالي وقَعت في مصيدة أُعدت لها ؟ أم كان أمراً متوقعاً ، وبالتالي فهي تعرف ما تريد وليست منزعجة مما يجري ؟

نعتقد بأن حركة حماس لم تدخل الانتخابات عن جهل ورعونة ، ربما فوجئت بالنسبة الكبيرة من الأصوات ، ولكنها كانت راغبة بالسلطة وتسعى إليها ، كما نعتقد بأن ما يجري من حصار لم يفاجأ كثيراً قادة حماس ، لأنهم ليسوا من الغباء السياسي ليعتقدوا أنه بمجرد نجاحهم بالانتخابات فإن العالم الخارجي سيغيّر استراتيجياته ومواقفه تجاه الصراع العربي الإسرائيلي وسيشتغل على أجندة حماس السياسية ! وقادة حماس يدركون جيداً بأن إسرائيل وحلفاءها لم يعارضوا مَنْحَنا حقوقنا المشروعة لأننا كنا غير ديمقراطيين وكنا نريد انتزاع حقوقنا بالكفاح المسلح وعندما نصبح ديمقراطيين ونعلن الهدنة سيقدمون لنا هذه الحقوق على طبق من الفضة ، وقادة حماس يعلنون دوما بأن الراحل أبو عمار والمنظمة قدموا كثيراً من التنازلات ولم يحصلوا على شيء .

مباشرة بعد فوز حماس صدرت عدة إشارات توحي بأن لدى حماس استعداد للتعامل مع اشتراطات التسوية ، منها الرسالة التي وجهها وزير الخارجية الدكتور محمود الزهار إلى الأمين العام للأمم المتحدة ، وحديث بعض قادتها عن الاعتراف بإسرائيل كأمر واقع أو الاعتراف بالمبادرة العربية ، وقد فسرت هذه الإشارات بأن لدى حماس استعداد مسبق بالدخول في نهج التسوية ولكنها تحتاج لوقت حتى تستطيع تمرير خطاب التسوية واستحقاقاته السياسية على قاعدتها الشعبية المعبأة بثقافة مناقضة لثقافة التسوية ، ومع أننا كتبنا بأن اعتراف حماس بإسرائيل سينسف الأسس العقائدية لوجودها وسيؤدي لحدوث انشقاق بداخلها ، إلا أن الغموض ما زال يكتنف خطاب الحكومة الفلسطينية حول التسوية .

وإذا ما صدقت توقعات القائلين بأن حماس ستنهج نهج منظمة التحرير وتتعامل مع استحقاقات التسوية السلمية في وقت قريب ، فإن حركة حماس ستسجل سابقة خطيرة وغير أخلاقية سياسياً وهي استغلال حصار الشعب وتجويعه بل وإظهاره بصورة مذلة أمام العالم ، وتصعيد خلافها مع حركة فتح ، لتوظف ذلك كله كمبرر لتنازلات كانت مستعدة لها أصلاً ،أي لتقول بأنها لم تتنازل عن ثوابتها إلا نتيجة الضغوط التي مورست عليها ولأن هناك مؤامرة داخلية وخارجية لإسقاط الحكومة ، وأنها اضطرت للاعتراف باستحقاقات التسوية لأن الوضع الاقتصادي لم يعد محتملاً والشعب يضغط على الحكومة لتقديم تنازلات …الخ .

مقابل هذا السيناريو هناك سيناريو أكثر احتمالا نتلمس ملامحه أيضاً من تصريحات متعددة لقادة حماس بالداخل والخارج ، وهو الرفض المطلق للاعتراف بإسرائيل أو بالاتفاقات الموقعة . فإذا كانت حماس لا تريد السلام والتسوية ضمن الاتفاقات الموقعة وفي نفس الوقت لا تريد الدخول في مواجهة مسلحة مع إسرائيل وقد ثبت أنها أكثر التنظيمات التزاما بالتهدئة… إذن ماذا تريد حركة حماس ؟

ما نرجحه هو أن دخول حركة حماس للانتخابات كان بهدف إسقاط صفة الإرهاب التي ألصقت بها و تثبيت قيادتها للشعب الفلسطيني كبديل عن منظمة التحرير وقيادة الشعب في ظل حالة من « ألاَّ سلم وألاَّ حرب » ، هذه الحالة هي أيضاً الوضع المناسب لإسرائيل والولايات المتحدة كما ذكرنا ، وعلى هذا الأساس فإن إسرائيل والولايات المتحدة غير منزعجين لوجود حركة حماس على رأس الحكومة بل يمكن القول بأنهم غير متعجلين ولا راغبين بأن تعترف الحكومة الفلسطينية التي تترأسها حماس بإسرائيل وبالاتفاقات الموقعة ، وهذا يعني أنهم لن يعملوا على إسقاط الحكومة الفلسطينية بل من مصلحتهم إطالة عمرها ، ولكن في ظل استمرار حالة الحصار والتجويع لتبقى حكومة تمنح المبرر لإسرائيل للزعم بعدم وجود شريك فلسطيني مما يمكنها – إسرائيل – من الاستمرار بتنفيذ سياستها للفصل الأحادي الجانب ، أيضاً لتبقى الشعب الفلسطيني مشغولاً بهمِّه الغذائي وبمشاكله اليومية في الصراع حول السلطة والتراشق بالتهم ، أيضاً لأنه كما ذكرنا إسرائيل والولايات المتحدة ودول الجوار يريدون الحفاظ على مشروع السلطة ، والسلطة تحتاج لحكومة ، وحكومة تترأسها حركة حماس يضفي مزيداً من الشرعية على السلطة ما دامت هذه السلطة تحت الضبط .

إذن هناك مصلحة مشتركة بين طرفين هم في الجوهر أعداء ، ولكن تجمعهم مصلحة مشتركة في استمرار حالة من ألا حرب وألا سلم ، وكلاهما يراهن على المستقبل ، إسرائيل تعتقد بأن المستقبل لصالحها ، حيث ستستمر بسياستها التوسعية بذريعة غياب الأمن ووجود طرف فلسطيني يرفض السلام والتسوية ، أيضاً تراهن بأن استمرار الحصار وعدم الحل السياسي سيجعل مناطق السلطة مناطق طاردة للفلسطينيين وللكفاءات بدلاً من أن تكون مناطق جذب وعودة ، أيضاً حالة ألا سلم وألا حرب هي الحالة التي تتوافق مع الإستراتيجية الأمريكية ، إستراتيجية إدارة الأزمات وليس حلها لأنه لو حُلت كل مشاكل المنطقة العربية لتفرغت الشعوب العربية للبناء والتعمير وهذا ما لا ترغب به أمريكا والغرب ، وحالة ألا حرب وألا سلم حالة مواتية لحركة حماس التي تدرك بأن اعترافها بإسرائيل سيجعلها مساوية لغيرها من القوى السياسية التي كانت تنتقدها بل تشكك بوطنيتها ، والاعتراف بإسرائيل سيسقط عنها الهالة الدينية التي تميزها عن غيرها ، أيضاً تعتقد حركة حماس بأن المستقبل لصالحها مراهنة على نهضة إسلامية آتية لا محالة في نظرها وأن هناك وعداً إلهياً بنصرة المرابطين في أرض الرباط ، وأن المشروع الصهيوني مشروع غير قابل للحياة… الخ .

ولأن حركة حماس لا تريد حلاً سلمياً مع إسرائيل ولا تريد الدخول بالمواجهة معها ، لأنها تدرك بأن إسرائيل أيضاً لا تريد سلاماً حقيقياً ، وحركة حماس أدركت وبعد التجربة بأن نهجها الجهادي لا يمكنه أن يدمر دولة إسرائيل ، لكل ذلك فإن حركة حماس دخلت الانتخابات لتكتسب شرعية شعبية انتخابية تمسك من خلالها الحكم إلى أن يتوفر أمر من اثنين:إما شروط السلام الحقيقي ، وهو في نظرها انسحاب إسرائيل من الصفة والقطاع والقدس كعاصمة لدولة فلسطينية مع عودة اللاجئين إلى ديارهم ، وإما شرط النصر عندما تضعف القوة الإسرائيلية وتتوحد الأمة الإسلامية ، وحيث أن كلا الاحتمالين بعيدا التحقق فإن حركة حماس ستبقى على رأس الحكومة إلى حين تحقق أحد الاحتمالين ، وهنا نفهم قول قادة حماس بأن الحكومة ستبقى إلى حين تحقيق النصر على الأعداء .

من الآن وإلى تحقيق النصر فإن الشغل الشاغل لحركة حماس سيكون كيفية الحفاظ على وجودها كحكومة للشعب الفلسطيني وستعمل على إلحاق كل مؤسسات السلطة لها ، وحتى تحافظ على وجودها فستمارس نوعاً من البراغماتية والغموض في الخطاب والممارسة دون أن يصل الأمر لكسر حالة ألا حرب وألا سلم ، وهي في ذلك لن تجد كثير ممانعة من دول الجوار ومن الولايات المتحدة الأمريكية ومن الأوروبيين وحتى من إسرائيل ، هذه الأطراف ستسمح بوصول الدعم الاقتصادي والمالي للفلسطينيين ليسا حباً بحماس وبالشعب الفلسطيني ولكن حفاظاً على وجود السلطة أملاً بفتنة فلسطينية داخلية ، ولأن وجود السلطة يبعد عن إسرائيل صفة دولة احتلال ويعفيها من تبعات ومسؤوليات دولة الاحتلال .

رابعاً : هل سياسة ألا حرب وألا سلم تخدم المصلحة الوطنية ؟

إذا كانت الحكومة الفلسطينية غير قادرة على خوض حرب مضمونة النتائج ، وإذا كانت إسرائيل غير معنية بسلام عادل في إطار الشرعية الدولية ، فهل حالة ألا حرب وألا سلم بما تتضمنه من مراهنة على المستقبل تخدم قضيتنا الوطنية ؟

حالة ألا حرب وألا سلم تحقق مصلحة لطرفيها في حالة توازن القوى راهناً وضمان المتغيرات مستقبلاً ،هذا مثلاً ما كان عليه الحال بين المعسكر الاشتراكي والمعسكر الغربي خلال الحرب الباردة (مع وجود حروب بالوكالة) ، ولكن في حالة الصراع في فلسطين فموازين القوى راجحة بدرجة كبيرة لصالح إسرائيل ، وحيث أن الحاضر هو ماضي المستقبل ، فإن حاضر الحالة العربية والإسلامية والدولية لا يبشر بأن المستقبل القريب سيتشكل حسب ما نريد ونشتهي . نؤمن ولا شك بعدالة قضيتنا وبالقضاء والقدر وبأن الله على كل شيء قدير وبإرادة الأمة… الخ ، ولكننا نؤمن بأن السياسة هي صراع بين موازين قوى مادية و ملموسة ، فحتى الأنبياء والرسل هُموا في معارك عندما لم يعدوا للحرب عدتها ، وبالتالي المراهنة على المستقبل في ظل حالة ألا حرب وألا سلم هي مغامرة غير مضمونة النتائج . إذن ما العمل ؟

كسر حالة ألا حرب وألا سلم يكون إما بهجوم السلام أو بهجوم الحرب وفي كلا الحالتين فإن الأمر يحتاج لوحدة الموقف والإستراتيجية على الساحة الفلسطينية إما إستراتيجية حرب أو إستراتيجية سلام ؟ فمثلا حالة ألا حرب وألا سلم التي سادت بين العرب والإسرائيليين ما بين 48 و 67 كانت نتائجها وبالاً على العرب لأنهم لم يوظفوا هذه الحالة لامتلاك لا إستراتيجية حرب ولا إستراتيجية سلام ، فيما وظفت إسرائيل هذه المرحلة لتقوم بحرب حزيران ، ووظفها السادات لاحقاً ليقوم بهجوم مزدوج كسر فيه حالة ألا حرب بالحرب (حرب أكتوبر) وكسر حالة ألا سلام بهجوم سلام (زيارة إسرائيل واتفاقية كامب ديفيد) . بالتأكيد فإن ما قام به الرئيس المصري أنور السادات كسر حالة ألا حرب وألا سلم على مستوى العلاقة بين مصر وإسرائيل مع أنه دفع حياته ثمنا لذلك ، فيما استمرت الحالة إلى اليوم على مستوى الصراع الفلسطيني الإسرائيلي ، أما على مستوى (الصراع) العربي – الإسرائيلي فلم تعد إسرائيل تشعر بوجود صراع على هذا المستوى ، ودولياً تم تغييب الصراع في إطار صراع مصطنع يسمى بالصراع الحضاري أو بالحرب الصليبية .

وحتى لا تأول حالة ألا حرب وألا سلم على ساحة الصراع في فلسطين إلى كارثة وطنية ، فإن المطلوب اليوم وبإلحاح إنجاح الحوار الوطني من أجل التوصل لإستراتيجية عمل وطني تخرج الحكومة الفلسطينية من حالة الانتظار والمراهنة على قادم غير محدد المعالم ، فالبشر يصنعون تاريخهم ومستقبلهم ، والانتظار دون إستراتيجية عمل معناه انتظار من يصنع لنا تاريخنا ومن يحدد لنا مستقبلنا. إستراتيجية العمل الوطني لا يبنيها حزب واحد حتى وإن كان الحزب الحاكم ، بل يبنيها تحالف وطني يؤسس على مبدأ الالتقاء وسط الطريق لمواصلة مشوار إنجاز المشروع الوطني ، وسواء توافقنا على كسر حالة ألا حرب بالحرب أو كسر حالة ألا سلام بالسلام ، فإن الأمر يحتاج لوحدة الموقف ، الوحدة الوطنية أمر يمكن تحقيقه بأيدينا وبإرادتنا ، وحتى لو فرضت علينا حالة ألا حرب وألا سلم فالوحدة الوطنية هي ضمان الحد من النتائج السلبية لهذه الحالة ، إنْ لم ينجح الحوار الوطني في الأسبوع القادم في التوصل لقيادة وإستراتيجية عمل وطني أو على الأقل آلية متفق عليها للتوصل لهذه الإستراتيجية فإن القوى السياسية المدججة بالسلاح والمعبأة بثقافة العنف ستنشغل ببعضها البعض مما قد يؤدى لحالة شبيهة بالحرب الأهلية ، وللأسف بعض مؤشرات هذه الحرب لمسناها خلال الأيام الأخيرة .

16-4-2008

عن admin