مقتطفات
الرئيسية / أرشيف المقالات / انقلاب السلطة على المشروع الوطني

انقلاب السلطة على المشروع الوطني

22-5-2008

عنوان يصلح لمقاربة واقع أنظمة الحكم أو السلطة السياسية في العالم العربي في علاقتها مع المشروع الوطني لكل بلد،مشروع الأمة الذي يعبر عن ثوابتها وتطلعاتها وأمالها ،فالملاحظ أن حالة صدامية أو غير تصالحية تحكم العلاقة ما بين الطرفين،وإن كانت السلطة تدعي أنها تمثل المصلحة الوطنية والمشروع الوطني وتتصرف على هذا الأساس، متسلحة بشرعية تاريخية أو دينية أو انتخابية شكلية تدعم مواقفها،فإن القوى السياسية المعارضة تتوفر أيضا على ما يدعم ويبرر مزاعمها حول أحقيتها بتمثيل المشروع الوطني وأهم أوراق المعارضة هو التحركات الشعبية أو ما يصطلح على تسميته بـ(الشارع) سواء كانت هذه التحركات سلمية أو مسلحة وعنيفة.
في هذا المقال سنتطرف فقط للحالة العيانية لهذه الإشكالية على مستوى الساحة الفلسطينية بالرغم من إدراكنا بأن مفهومي السلطة والمشروع الوطني في الحالة الفلسطينية يأخذا خصوصية غير مسبوقة وخصوصا وجود سلطة لا تمارس أية سيادة لا على الأرض ولا على الشعب وهي إفراز لمشروع تسوية أكثر مما هي نتيجة إرادة وطنية خالصة ،إلا أن هذه الخصوصية لا تتعارض مع القانون العام الذي يحكم العلاقة بين السلطة والمشروع الوطني في العالم العربي وهو قانون التعارض والتصادم.
هناك علاقة تلازمية ووجودية ما بين استمرار الحديث عن التسوية السلمية: كمشروع سلام حقيقي أم كمجرد وهم وأكذوبة من جانب، ووجود السلطة الفلسطينية :مؤسسات وقيادات ومصالح وارتباطات من جانب آخر، فقد بات واضحا حدوث حالة انفصال ما بين التسوية والسلام وما بين السلطة الوطنية والمشروع الوطني، أو بتعبير آخر أصبحنا أمام تسوية معيقة للسلام وسلطة بدون مشروع وطني إن لم تكن معيقة له.هذه الحالة الارتدادية أو الانقلابية على المستويين نلمسها بالنسبة للتسوية، من خلال أن كل لقاء أو اتفاقية أو مؤتمر أو جلسة مفاوضات تتم في السنوات الأخيرة تحت عنوان التسوية في الشرق الأوسط ،إلا وتشكل عائقا حقيقيا على الأرض أمام السلام الحقيقي وتُضعف من موقف وموقع دعاة السلام لصالح المتطرفين وأعداء السلام، ونلمسها على المستوى الثاني أي بالنسبة للسلطة، من خلال هذا التكالب والصراع على السلطة، صراع لا يفتقر فقط للأخلاق ولقواعد الممارسة الديمقراطية الحقيقية، بل يفتقر أيضا للحس الوطني وللشروط والمتطلبات الضرورية لخدمة المشروع الوطني الذي ما جاءت السلطة إلا من اجله، بحيث باتت كل خطوة نحو السلطة أو لتكريسها وحمايتها، مرتبطة بالإرادة الإسرائيلية والأمريكية وتخدم سياستهما، أو بدافع المصلحة الشخصية والحزبية الضيقة، وبالتالي تكون على حساب المشروع الوطني، ويكفي أن نُذكر بما جرى قُبَيل وبعد انتخابات يناير 2006 بحيث أدى الصراع الدامي على السلطة إلى وجود سلطتين وحكومتين فلسطينيتين لا تحمل أية منهم مشروعا وطنيا ولا تمثله.
لن نتحدث هنا عن حكومة السلطة والحركة في قطاع غزة حيث تسيطر حماس على الوضع ،ليس فقط لأن الحكومة هناك حكومة انقلابية بل لأن حركة حماس لم تكن يوما حاملة للمشروع الوطني ولا تمثله ،بل أن وجودها ثم انقلابها على السلطة هو جزء من محاولة إضعاف المشروع الوطني،فحركة حماس وحكومتها وسلكتها قد تمثل حالة مقاومة أو حالة نضالية ولكنها لا تمثل مشروعا وطنيا.وبالتالي فإن المقصود بحديثنا عن السلطة هو السلطة الوطنية التي أقامتها منظمة التحرير كأحد اشتراطات التسوية،أما الحكومة فنقصد بها حكومة الدكتور سلام فياض .
قبل وجود السلطة الوطنية كانت العلاقة واضحة ما بين الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة من جانب وإسرائيل من جانب ثان ،وهي علاقة شعب خاضع للاحتلال بدولة احتلال ،ومن هنا كانت دولة الاحتلال تتعامل مع الفلسطينيين على هذا الأساس ويُحملها العالم مسؤولية ما تقوم به،فكانت مسئولة ومن خلال الإدارة المدنية عن شؤون التعليم والصحة وكافة المتطلبات الحياتية،وكذا كانت مسئولة عن أمنها وامن الفلسطينيين ،وهي مسؤولية كانت تشكل عبئا أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا على إسرائيل ،ومع أن العلاقة كانت علاقة دولة احتلال بشعب خاضع للاحتلال بما تتضمن من تعسف وإرهاب للشعب ، إلا أن الوضع الاقتصادي والمعيشي للفلسطينيين وكذا الوضع الأمني كان أفضل حالا مما هو موجود اليوم في ظل وجود السلطة الفلسطينية ،وحتى على المستوى السياسي كان الوضع أفضل حيث كان كل سلوك إسرائيلي أو عملية استيطان أو اعتقال للفلسطينيين أو قتلهم تثير على إسرائيل الرأي العام العالمي وكان العالم يتعامل مع إسرائيل كدولة احتلال ،بينما في ظل وجود السلطة الفلسطينية فقد تراجعت المسؤولية الإسرائيلية دون أن يتراجع الاحتلال ،وتزايد الاستيطان وعمليات الاغتيال والاعتقالات بشكل غير مسبوق وتراجع التأييد الدولي للقضية الفلسطينية بالإضافة لتفجر الفتنة والحرب الأهلية والصراع على سلطة فقدت وظيفتها الوطنية وقيمتها الأخلاقية وأصبحت عبئا على المشروع الوطني بشقيه: السلمي والمقاوم.

لسنوات والشعب- بالرغم من تخوفات وشكوك بعض القوى والشخصيات الوطنية- يتعامل مع السلطة الوطنية على أنها أداة مؤقتة تساعد الفلسطينيين على إنجاز المشروع الوطني بالطرق السلمية بديلا عن خيار الحل العسكري، أو هي أداة المشروع الوطني في مرحلة تاريخية يتم فيها الانتقال من مرحلة الكفاح المسلح و المقاومة كخيار استراتيجي إلى مرحلة الحل السلمي من خلال اتفاقية سلام تقول بأنها ستحقق بالسلام الأهداف الوطنية التي كان الفلسطينيون يرومون تحقيقها بالمقاومة المسلحة.بالتالي لم يكن قبول الشعب بالسلطة والتعامل معها بدافع تحسين مستوى المعيشة، فالوضع الاقتصادي والمعيشي لفلسطينيي الداخل كان أفضل مما هو عليه الحال في غالبية الدول العربية، فلم يكن الفلسطينيون يعرفون شيئا يسمى حصارا اقتصاديا أو مشكلة راتب أو مشكلة بطالة، كانت وما زالت مشكلة الشعب هي غياب الحرية والرغبة بالاستقلال الوطني، ومن هنا فإن الحكم على جدوى أو عدم جدوى نهج التسوية ووجود سلطة فلسطينية يكون من خلال الخطوات التي قطعتها سلطة التسوية نحو تحقيق الحرية والاستقلال أو إنجاز المشروع الوطني، والواقع يقول بأن نهج التسوية السائد كما هو الشأن بممارسات السلطة القائمة جعلت المشروع الوطني أبعد منالا والوضع الاقتصادي أكثر بؤسا مما كان عليه قبل وجود السلطة.

لا شك أن الحديث عن جدوى وجود سلطة ليس بالشيء المستجد وسبق وان طالبنا بالتفكير الجاد بحل السلطة بعد أن نتم تهيئة المؤسسات والمرجعيات التي ستملأ فراغ انهيار أو حل السلطة حتى لا يكون بديل السلطة الفوضى أو حكم الميليشيات المسلحة أو كانتونات تديرها إسرائيل عن بُعد، إلا أن الحديث السابق عن حل السلطة كان حديثا مترددا أقرب ما يكون للضغط على السلطة لتعيد النظر بممارساتها، مما هو إرادة وقناعة حقيقية بضرورة حل السلطة.أما تكرار الحديث اليوم عن الدولة الواحدة ثنائية القومية أو عن جدوى وجود السلطة فهو حديث جاد بعد أن أصبح ثمن وجود السلطة والمراهنة على وعد بوش المبهم بدولتين لشعبين يُؤخذ على المكشوف من الرصيد الوطني، وأصبح وجود السلطة يخفي حقيقة وجود الاحتلال وممارساته الاستيطانية حيث مقابل كل دولار يَرِد للسلطة يكون مقابله شبر ارض تستولي عليه إسرائيل، والأخطر من ذلك أن السلطة طوال السنوات الأولى من وجودها كانت تُمثِل وتحمي المشروع الوطني أو تحاول ذلك لأنه كانت هناك حكومة تقودها حركة فتح ومرجعيتها منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسسات وأجهزة أمنية بالرغم من عيوبها الكثيرة فقد كانت بشكل أو بآخر مرتبطة بالمشروع الوطني وكان من الممكن إصلاحها في إطار المشروع الوطني، أما اليوم فأن هناك حكومة متحالفة مع بعض مراكز القوى منقطعة الصلة بالمشروع الوطني ومرتبطة بمشروع تسوية لم يعد الفلسطينيون أصحاب القرار فيه، تحالف يمارس هيمنة متدرجة على كل مؤسسات السلطة الأخرى، بل وعن طريق الإغراءات المالية والوظيفية يتم إبعاد أو تهميش أو شراء قوى وشخصيات يُفترض أن تكون منتمية للمشروع الوطني.

 

عن admin