مقتطفات
النظام الدولي والتباس مفهوم الشرعية الدولية

النظام الدولي والتباس مفهوم الشرعية الدولية

 

النظام الدولي والتباس مفهوم الشرعية الدولية

2005-08-16
د/إبراهيم أبراش

أستاذ العلوم السياسية

جامعة الأزهر بغزة

ملخص البحث

سواء أسميناه نظاما دوليا جديدا أم وضعا دوليا جديدا،فهناك واقع دولي مغاير للواقع الذي ساد ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية التسعينيات.جديد هذا الوقع ليس فقط انهيار احد القطبين المؤطرين للنظام السابق ،ولكن أيضا تحولات عميقة مست المنظومات الإيديولوجية والاقتصادية والثقافية التي كان يشتغل عليها النظام الدولي المنهار،ومست أيضا موازين القوى على المستوى العالمي.وحيث لا يمكن فصل القانون عن الاقتصاد والسياسة وموازين القوى السائدة في عالم تتداخل فيه المصالح وتتلاشى فيه الحدود،فان المنظومة القانونية والقيمية الدولية (الشرعية الدولية )تأثرت بشكل كبير بهذه التحولات وهو ما يصطلح عليه اليوم بأزمة الشرعية الدولية أو ازدواجية المعايير في التعامل مع الشرعية الدولية.

وحيث إن الشرعية الدولية في ابسط معانيها هو توافق الممارسة الدولية – علاقات الدول بعضها ببعض- مع القانون والاتفاقات والأعراف الدولية ،فأن ما يجري اليوم هو محاولة الولايات المتحدة الأمريكية فرض ممارسات دولية تضرب بعرض الحائط مرتكزات الشرعية الدولية السابقة وفرض شرعية جديدة تعكس وتعبر عن الموازين الجديدة للقوى المتسمة بالهيمنة الأمريكية المتجهة نحو تسخير المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة وسياسات ومصالح الدول بما يخدم المصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة.وكان الشرق الأوسط من خلال مشكلتي العراق وفلسطين هو حقل التجارب الأول لاختبار هذه الشرعية الجديدة من خلال احتلال العراق تجاوزا للأمم المتحدة، وفرض حل على الفلسطينيين تجاوزا لقرارات الشرعية الدولة بهذا الشأن كالقرارات 181، 194 ،242 و 338، وهذا ما تجلى في ورقة الضمانات الأمريكية التي قدمه الرئيس بوش لرئيس الوزراء الإسرائيلي شارون خلال زيارة هذا الأخير لواشنطن يوم 15 أبريل 2004.

هذا البحث هو مقاربة علمية للتحولات التي طرأت على النظام الدولي ما بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وانعكاسات هذه التحولات على الشرعية الدولية –مفهوما وممارسة- وخصوصا في تعاملها مع قضايا الصراع في الشرق الأوسط قضيتي فلسطين والعراق.

(النظام الدولي) الراهن

والتباس مفهوم الشرعية الدولية

مقدمة

منذ نهاية عقد الثمانينيات بدأت بالظهور مصطلحات جيوستراتيجية وقانونية دولية جديدة تؤطر ما أصبح يسمى بالنظام الدولي الجديد واهم سماته : نهاية التنافس الأيدلوجي،نهاية الثنائية الكونية فيما بين الشرق والغرب ،نهاية الزبونية التنافسية الاقتصادية التي كان يستفيد منها العالم الثالث، لصالح الهيمنة الأمريكية شبه المطلقة، رد الاعتبار لنظريات ومقاربات سسيوسياسية نشطت عند بداية القرن العشرين وأخمدتها الشيوعية ، أيضا نهاية احتكار الدولة لمجال العلاقات الدولية لصالح تعاظم العلاقات عبر الوطنية سواء كانت شركات عابرة للقوميات أو ثقافات عابرة للقوميات ( العولمة الثقافية ) أو تدخلات باسم حماية حقوق الإنسان ،ارتفاع رصيد النموذج التنموي للبلدان المصنعة والفشل شبه التام للنموذج الاشتراكي في التنمية، تغير المواجهة من مواجهة الشرق ـ غرب إلى مواجهة الشمال ـ جنوب، زيادة الاهتمام بحقوق الإنسان والنمو الديمقراطي ومكانة المرأة في المجتمع، وتنامي التجمعات الاقتصادية والسياسية الكبرى ،ازدياد أهمية التقدم العلمي والثقافة الصناعية المتطورة وأخيرا الهيمنة شبه المطلقة للولايات المتحدة على النظام الدولي الجديد (1).

فإذا كانت هذه الحقائق تبدو جديدة ومغايرة لما ساد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى نهاية عقد الثمانينات وإذا كانت قمة يالطا (2) قد حددت بدقة الوضع الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية بتدشينها نظاما ثنائي القطبية، فإن (يالطا ) جديدة قد أنهت الحرب الباردة أو النظام ثنائي القطبية دون حرب ( نصر دون حرب ) من غير أن تحدد بدقة آليات عمل النظام الدولي لما بعد هذه النهاية ، ومن هنا فان تسمية النظام الدولي الجديد لا تتضمن حكم قيمة بل هي دلاله على وضع جديد مفتوح على كل الاحتمالات، لذلك ذهب الدارسون والمشتغلون بالعلاقات الدولية مذاهب شتى، فمنهم من يقول بجدة هذا النظام من حيث تميزه عن سابقه ومنهم يعارض في ذلك، من أمثال سام مارولو Sam Marullo الذي ذهب إلى اعتبار الحرب الباردة حربا داخلية ـ (يتفق معه فرانسيس فوكوياما وصامويل هنتنغتون) ـ وقعت داخل العالم الغربي، فليس هناك ما يدعو إلى التفرقة بين القديم والجديد بعد نهاية تلك الحرب الأهلية(3).

إلا أن الواقع يؤكد أن هناك نظاما دوليا مغايرا لما ساد في فترة الحرب الباردة (نظام الثنائية القطبية) ومختلفا عن نظام ميزان القوى (تعدد الأقطاب) الذي ساد حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية. فما هو واقع هذا النظام ؟(

). وما هو مفهوم الشرعية الدولية التي يشتغل عليها هذا النظام ؟ هذا ما سنقف عليه من خلال بحث مسألة القطبية ومسألة الشرعية وعملية صنع القرار الدولي.

الفصل الأول

مسألة القطبية الدولية (أحادية أم تعددية) ؟

مع تفكك القطب الشيوعي دخل العالم أجمع وعلى رأسه العالم الرأسمالي مرحلة تاريخية جديدة في النظام الجغرافي ـ السياسي ـ تميزت بالصراع بين أعمدة العالم الأربعة : أمريكا الشمالية، الجماعة الأوروبية، اليابان (ومن في محوره) والعالم الثالث، بحيث أصبح مفهوم القوة العظمى اليوم يعني مفهوما مثلت الجوانب : اقتصادي، سياسي، عسكري(5). وطبق هذا المعيار تترتب دول العالم في وضع طبقي تراتبي هرمي، رأسه الولايات المتحدة الأمريكية وتليها الدول الأربع والعشرين التي تستحوذ على 80% من توظيفات الشركات العملاقة وتتكون قاعدة الهرم من (47) دولة هي الأفقر ومعظمها واقع في إفريقيا (6).

في بداية التسعينيات كان يبدو للوهلة الأولى وكأن العالم يسير باتجاه تعدد مراكز القوى، مما يسمح لقوى إقليمية أن تبرز وتلعب دورا في الساحة الدولية الإقليمية والتأثير بالتالي على النظام العالمي، إلا أن تطور الأحداث والدور الذي لعبته الولايات المتحدة في حرب الخليج الثانية – 1991- وفي حرب البلقان ثم في حرب الخليج الثالثة – أبريل 2003 – جعل الولايات المتحدة الأمريكية تبدو سيدة الموقف العالمي ،وبدد الآمال بدخول قوى جديدة من دول الجنوب كفاعلة في رسم معالم هذا النظام .

أولا): واقع الهيمنة الأمريكية :

بالرغم من أن الرئيس غورباتشوف الرئيس الأسبق للاتحاد السوفيتي هو أول من أطلق عبارة ” النظام الدولي الجديد ” عام 1988 في خطاب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وبالرغم من أن مصطلح النظام الدولي الجديد كمفهوم وهدف ،مستمد من الولايات المتحدة الأمريكية حيث يتعلق بإحدى الخواص التاريخية الأمريكية حيث كان الرئيس ولسون يشير عام (1917) إلى نظام عالمي جديد يقوم على أساس احترام حق الشعوب في تقرير مصيرها وتعميم مبدأ الديمقراطية وحرية التجارة، وهو ما يجري ترديده اليوم (7)، إلا أن جذور الفكرة تعود إلى فلاسفة المدرسة الرواقية في اليونان القديمة حيث طرحوا فكرة الدولة العالمية والقانون العالمي الذي لا يميز بين الشعوب ، كما ان الديانات السماوية خصوصا المسيحية والإسلام تضمنت فكرة العالمية . ومع ذلك فقد أثبتت الولايات المتحدة الأمريكية صدق إرادتها العالمية في إقامة هذا النظام ضمن رغبتها عندما انفردت بإدارة أزمة الخليج ومكنت نفسها من الاستيلاء على منابع النفط وأضفت شرعية جديدة على القوة الأمريكية عندما أخضعت الأمم المتحدة لإرادتها وعززت تواجدها في أفغانستان وبحر قزوين وفي أوربا الشرقية من خلال استقطاب عديد من دول حلف وارسو البائد ودمجهم في منظمة حلف شمال الأطلسي(8).

لقد استغلت الولايات المتحدة الأمريكية تداعيات البيريسترويكا وإشكالات التجديد وإعادة البناء وأحدثت بذلك تغييرا في نتائج الحرب العالمية الثانية عن طريق كسبها الحرب الباردة (9 )وتطويقها لمفهوم الأمن الجماعي وربح رهانه داخل مجلس الأمن(10).

فالنظام الدولي الجديد بالنسبة لأمريكا هو احتكار حكومتها لأسباب التفوق العسكري الثقافي والعلمي وتنصيب نفسها معنية ووصية على كل ما يجري في المعمورة وأن أي قرار في الشؤون الكبرى ينبغي أن يكون أمريكيا(11) وفرض القيم الأمريكية كقيم صالحة لكل العالم فيها خلاص البشرية ورفاهيتها وهي إذ تكرس ذلك بالتهديد والوعيد توحي بان كل خروج عن السيطرة الأمريكية يشكل تهديدا عالميا أو ينسب لمعسكر الشر . وهكذا لاحظنا أنه بالرغم من اختفاء (الخطر الأحمر) فقد استمرت مؤسسات الغرب العسكرية وتحول الناتو إلى أداة لتدخل الغرب الجماعي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ضد الحركات والثورات والشعوب والدول التي لا ترضخ لواقع الهيمنة الأمريكية، تحت ستار الشرعية الدولية الذي يعطي حق التدخل في الشؤون الداخلية للدول السيدة بذريعة اتهامها بالإرهاب ورفض السلام. وقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تصيغ مبادئ اكتسبت صفة الإلزامية مثل حق التدخل الإنساني وحماية حقوق الإنسان والدفاع عن الديمقراطية ومحاربة الإرهاب وكلها تقنيات تدخلية تمكن من فرض سياسات الأمر الواقع وتكريس واقع الهيمنة الأمريكية (12)وهو الواقع الذي مكنها من تملك (26,8%) من الناتج العالمي.

ثانيأ) – الأقطاب المؤهلة لمنافسة الهيمنة الأمريكية :

تتوزع هذه القوى ما بين الصين كقوة بشرية ذات أهمية جغرافية وعسكرية، ويعتبر اقتصادها الأسرع نموا في العالم ينمو بمعدل (11%) والأكثر اجتذابا للاستثمارات الخارجية (11 مليار دولار عام 1992) ،وبين الاتحاد الأوربي كقوة اقتصادية تحتكر القواعد التجارية للقرن الحادي والعشرين، واليابان الذي ازداد حضورها كقوة اقتصادية ومالية وتكنولوجية عملاقة وتعتبر القوة الكبرى المستندة على القدرات المدنية (13).

في الحقيقة لا تشكل هذه القوى (14) أندادا قطبية للولايات المتحدة الأمريكية بقدر ما هي منظومة كاملة للرأسمالية التي تعبر عنها اليابان والاتحاد الأوروبي وتحكم شبكة من المنظمات والمؤسسات (منظمة التجارة الدولية) البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، قمة الدول الصناعية السبع الكبرى، أي ما يشكل إدارة العولمة. وتحمل هذه المنظومة تعددية بدخلها محكومة وفق قواعد مستقرة ينتفي فيها استخدام القوة العسكرية أو التهديد باستخدامها في علاقاتها المتبادلة وذلك وفق ما أسماه (كارل دويتش) “التجمع الأمني التعددي”(15).

ثالثا)- أشكال التقاطب الدولي الراهن :

يأخذ النظام الدولي الحالي شكل دائرة كبرى تحتل قطبها الولايات المتحدة الأمريكية وتتوزع حولها دوائر فرعية، أقربها المجموعة الأوروبية تتنازع على قطبها انجلترا وألمانيا، مجموعة الكومنويلث والمجموعة الصفراء ـ قطبها اليابان ـ ومجموعة الشرق الأوسط ـ منطقة النفط الكبرى و تحاول الولايات المتحدة أن تجعل قطبها إسرائيل. ويقوم حول هذه الأقطاب جزءا من الدول الحليفة (16). فالولايات المتحدة الأمريكية لا يمكن أن تخلق نظاما عالميا بمفردها دون مساهمة القوى الأخرى خاصة أوربا وروسيا وشمال شرق آسيا (17)ومن ثم ساد الاعتقاد بأن النظام الدولي الحالي أقرب إلى التعددية القطبية منه إلى القطبية الواحدة مع اختلاف هيكل التعددية الراهن عن ذلك الذي ساد في ظل نظام ميزان القوى في القرن التاسع عشر ومن منطلق أن استخدام القوة العسكرية لتوجيه التفاعلات الدولية أصبح احتمالا محدودا.

إلا أنه بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 تغير الوضع بشكل كبير ، حيث أعطت هذه التفجيرات للولايات المتحدة الأمريكية المبررات الأخلاقية والقانونية لتعيد صياغة النظام الدولي قيد التأسيس بما يجعلها بالفعل سيدته ، وقد ظهر ذلك جليا من خلال ما أسمته الحملة الدولية ضد الإرهاب ، فقد مكنتها هذه الحملة من دفع الأمم المتحدة إلى إصدار عديد من القرارات تدين الإرهاب وفوضت للولايات المتحدة صلاحية تفعيل هذه القرارات ، ومن هنا أرسلت الولايات المتحدة جيوشها إلى أفغانستان ودول أخرى ، أيضا استغلت الولايات المتحدة أحداث 11 سبتمبر لتحرك أزمة العراق مجددا وتدفع باتجاه إصدار قرارات دولية تمكنها من التدخل بالعراق ، بل وصل الأمر إلى أن تحارب العراق وتحتله دون تفويض رسمي من الأمم المتحدة ، هذا ناهيك عن رسمها خريطة جديدة للعالم الجديد تقوم على التمييز بين من سماهم الرئيس بوش محور الشر من جانب والعالم الحر الذي تقوده الولايات المتحدة من جانب آخر ، وترويج مقولة (إما معنا أو ضدنا ) .

توجد إلى جانب القدرات المادية والاقتصادية ،القوة التجاذبية أو الملهمية captive power ـ حسب جوزيف ناي ـ التي تعتمد على مصادر غير مادية للقوة مثل الثقافة ـ الأيدولوجيا ـ والمؤسسات ،وبمراجعة توزيع عناصر القوة بين الوحدات الكبرى في النظام الدولي ( بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، اليابان، الصين، روسيا الاتحادية) يتضح أنه لا توجد أية وحدة تتمتع بتفوق كبير في جميع العناصر(18)، ويمكن النظر إلى هذا النظام من خلال مستويان اثنان : المستوى العسكري الاقتصادي ـ يسوده تعدد الأقطاب، روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية، اليابان، المستوى السياسي ـ الديمقراطي يتجه نحو الأحادية القطبية بالمعنى الغربي للديمقراطية (التعددية، الانتخابات، حقوق الإنسان) (19) .

فالنظام العالمي الراهن لا يمكن وصفه بالأحادية القطبية بمعنى هيمنة دولة وحيدة على النظام أي تركيز القدرات في يد القطب وتماثل التوجهات السياسية لمختلف الوحدات المكونة للقطب وعدم وجود تحديات من القوى الأخرى لإرادة القطب السياسية، ولا يمكن اعتباره نظاما متعدد الأقطاب نظرا لغياب أي تحد للسياسة الأمريكية منذ أزمة الخليج الثانية (90- 91) من قبل اليابان أو الاتحاد الأوروبي أو الصين أو روسيا أو غيرهم ، حتى محاولات التحدي التي بانت مع أزمة العراق الأخيرة والتي قادتها فرنسا وألمانيا وبدرجة اقل روسيا الاتحادية تراخت بعد الانتصار الأمريكي في الحرب ، هذا ما يدل على انتفاء الصراع الأيدلوجي والاستراتيجي لصالح التنافس الاقتصادي والتكنولوجي الذي أفصح عن تنامي وصعود القوى المنهزمة في الحرب العالمية الثانية (ألمانيا واليابان) مقابل تدهور الاقتصاد الأمريكي (العجز في مراقبة التجارة العالمية بأكثر من النصف، وتراجع الادخار الوطني واستفحال أزمة المديونية)، فقد شكك كل من يولي كينيدي وديفيد كاليو في قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على قيادة وتوجيه النظام الدولي الحالي نظرا إلى تجميد تقدمها التكنولوجي واختناق اقتصادياتها (20) في زمن اشتد فيه التناقض بين المراكز الرأسمالية حول الأسواق والمواد الأولية ومراكز النفوذ والمصالح الاقتصادية (21).

وأمام هذا الغموض يقدم ناصيف يوسف حتي أربعة صور رئيسية لتحول النظام الدولي :

1) نظام دولي هرمي : تتعدد مراكز قواه وتقوم علاقاتها على الاعتماد المتبادل والتجانس، لكنه نظام هرمي تترأسه الولايات المتحدة الأمريكية تليها أوربا ثم المراكز العالمية الأخرى الإقليمية.

2) نظام كلي متوازن : تسوده عوامل التجزؤ في المراكز الرأسمالية المتنافسة ويساعد التوازن النسبي بين الكتل الكبرى على تحقيق استقرار نسبي وتسوده ثورة القوميات والحركات العرقية التي من شأنها أن تعدل هذا النظام في أي وقت.

3) نظام كتلي فوضوي : يتحول النموذج الثاني إلى فوضوي في حالة تقلب الموازين وتغليب التناقضات، وفي حالة عجز الكتل الدولة على حل المشاكل الناتجة عن المشاعر القومية.

4) نظام مشاركة عالمية : قوامه حل المشاكل الإنسانية العالمية والقضايا الدولية (كالبيئة والأمراض الفتاكة عابرة القوميات والايكولوجي واللجوء )عن طريق واحد وهو التكامل والمشاركة في الحل نظرا لتعذر الحل العسكري في هذه الأمور (22).

ونظرا لتعذر الحسم بصحة أحد النماذج، تبقى الحقيقة (النسبية) هي أن الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع بتفوق كبير في عناصر القوة العسكرية والتكنلوجية والقدرة على نشر الأفكار والايديلوجيا وجاذبية الأفكار السياسية والاقتصادية والدبلوماسية وعلاقات صداقة مع العديد من الوحدات الدولية والثقافية وانتشار الرموز الاستهلاكية للثقافة الأمريكية (23)وهي لا تتورع في فرض هذا التفوق كأمر واقع.

الفصل الثاني

مسألة الشرعية الدولية

تقوم فلسفة الشرعية الدولية كما حددها ميثاق الأمم المتحدة على سمو أحكامه على القوانين الداخلية والاتفاقات الدولية ويعكس الفصل الأول من الميثاق الملامح الأساسية لهذه الشرعية ويجسدها في حفظ السلم والأمن الدوليين… وإنماء العلاقات الودية بين الدول على أساس احترام المساواة في الحقوق بين الشعوب وعلى رأسها الحق في تقرير المصير والتعاون الدولي لحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وتعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وعدم التمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين… وأن تكون الأمم المتحدة هي المستودع لتحقيق هذه الأهداف على أساس المساواة بين الأعضاء والتزامهم بمبادئها، وتحريم الحرب وحل المنازعات بالوسائل السلمية والامتناع عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الدول وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول (باستثناء تدابير الفصل السابع (24).

غير أن الملاحظ اليوم هو الخرق السافر لهذه المبادئ وتهميش دور الأمم المتحدة من خلال مباشرة اختصاصات الجمعية العامة ومجلس الأمن، انتهاكا لنص المادة (108) والمادة (4) والمادة (23/1) من الميثاق فكيف غدت منظمة الأمم المتحدة في ظل النظام الدولي الجديد ؟ وما هو واقع الشرعية الدولية اليوم ؟.

أولا )- مآل الأمم المتحدة :

أمام التحولات الهائلة التي عرفتها العلاقات الدولية والمتمثلة في سقوط الهياكل التي تشكلت بعد الحرب الباردة، وقيام نظام دولي معاصر تميزه حقائق جديدة، حصلت تغيرات في دور و مسؤوليات الأمم المتحدة، بلغت حد “الابتعاد عن ميثاقها في بعض الأحيان” ـ حسب تصريح الأمين العام الأسبق بطرس بطرس غالي ـ لأن من شأن اختلاف طبيعة النزاعات والصراعات والمطالب المتزايدة أن يصبح مقبولا من وجهة نظر الكبار تعميم استخدام واستحداث مفاهيم جديدة تتمشى مع الحقائق المتغيرة في العالم الحديث. (25)

إلا أن عدم قدرة الأمم المتحدة على تطبيق نص الفصل السابع، حيث يتوقف ذلك على اتحاد إرادة أعضاء مجلس الأمن الخمسة ألدائمي العضوية حيث دشن مجلس الأمن عملية إعادة تفسير من اختصاصاته(26) يشكل إبعاد الجمعية العامة عن عملية صنع القرار فلم يعد المجلس يتقيد بالقوانين وتحول إلى أداة طيعة في يد الولايات المتحدة الأمريكية لإثارة النزاعات وإصدار القرارات المجحفة في حق من يتمرد على واقع الهيمنة الأمريكية والمتمثلة في ازدواجية المعايير لتنفيذ القرارات الأممية (فأربعين قرارا اتخذها مجلس الأمن بخصوص البوسنة لم يتم تنفيذها) (27).

قد يتبادر للذهن أن مفهوم الشرعية الدولية يحمل بالضرورة قيمة أخلاقية تستمد من مبادئ ميثاق الأمم المتحدة والقيم الإنسانية العامة كالحرية والمساواة والسيادة بين الدول ، وبالتالي تطابق الممارسة الدولية مع الميثاق والمبادئ المشار إليها ، إلا أن الواقع الدولي وتاريخ العلاقات الدولية يؤكدا أن الشرعية الدولية بهذا المعنى لم تكن يوما هي القاعدة للممارسة الدولية حتى في ظل أزهى أوقات التوافق والسلام الدوليين ، حيث كان الشرعية الدولية هي اقرب توافقا مع سلام توازن القوى مما هي إلى مبادئ المساواة واحترام سيادة الدول وقيم الخير والعدل.

فالأمم المتحدة كتجسيد للشرعية الدولية وللنظام الدولي تقوم على أساسين متناقضين، فهي تقوم من ناحية على مبدأ المساواة في السيادة بين أعضائها إلى أنها من ناحية أخرى تستند إلى الوزن الواقعي (القانوني) للدول الكبرى التي تمارس تأثيرا يناسب مع قدرتها السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية وغيرها.فالأقوى المنتصرون أو المتفوقون بقدراتهم هم الذين يؤسسون النظام الدولي ويحافظون على وجوده واستقراره .. فقد أتضح مع نهاية نظام القطبية أن القوة النسبية التي كانت للأمم المتحدة في ظل تلك الفترة كانت حالة استثنائية حيث أنه في ظل النظام الجديد تجمدت فعالية منظمة الأمم المتحدة بسبب عدم تطبيق قراراتها وانتهاك مبادئ ميثاقها علنا (28) وعجزها أمام ركام الأزمات الناجمة عن استعمال حق الفيتو.

وكانت حرب الخليج الثالثة مثالا صارخا عن التحول الجذري في الموقع الذي تحتله الأمم المتحدة في النظام الدولي وقدرتها على التحكم في السلام العالمي ، فمن المعلوم أن القرار 1441 الذي دعا العراق للتعاون مع مفتشي الأمم المتحدة متهما إياه بامتلاك أسلحة دمار شامل ربط أي تدخل عسكري في العراق بموافقة مجلس الأمن وان لا تلجا أي دولة إلى عمل عسكري ضد العراق بمفردها ، إلا أن الذي حدث أن الولايات المتحدة ضربت بعرض الحائط الموقف الدولي وحتى الرأي العام العالمي وشنت حربها على العراق ، والمثير في الأمر أن الولايات المتحدة وبعد ان سيطرت على كامل الأراضي العراقية لم تجد أي أسلحة دمار شامل مما يشكك بشرعية حربها على العراق. وبالرغم من انكشاف عدم شرعية الحرب على العراق فقد أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1483 يوم 22/5/220 وبمقتضاه صادق على المقترح الأمريكي بعدم ضرورة إرسال مفتشين دوليين للعراق للتأكد من خلوه من أسلحة الدمار الشامل وقرر أيضا رفع الحظر عن العراق ، وحيث أنه لم تتشكل حكومة عراقية شرعية واعترف القرار بأن القوات الأمريكية قوات احتلال وان العراق خاضع للاحتلال وان قوات الاحتلال الأمريكي هي صاحبة الأمر والنهي بالبلاد ، وهذا يعني ان القرار يشرع الاحتلال ويتعامل مع قوات الاحتلال كقوات شرعية من حقها أن تتصرف بمقدرات العراق ، وهذا يعد تحولا خطيرا في وظيفة الأمم المتحدة ، فبعد أن كانت وظيفتها الأساسية هي حفظ السلم العالمي من خلال رفض العدوان ومحاربة الاستعمار والحيلولة من انتصار شريعة الأقوى ، أصبحت تعترف بسياسة الأمر الواقع التي يفرضها الأقوياء بغض النظر عن تعارض سياسة الأمر الواقع مع ميثاق الأمم المتحدة ، والخشية أن يدشن هذا القرار لنهج جديد في العلاقات الدولية يقوم على حق الأقوى .

ثانيا) قضية المشروعية الدولية والنظام المعياري

إذا كان القانون الوطني يُسن من قبل برلمان منتخب فإن المجتمع الدولي لا يتوفر على أي مشرع (برلمان) باستثناء ميثاق للأمم المتحدة وبعض المتفرقات الإقليمية، وكلها ترسانة قانونية لا تتوفر على أية فعالية نظرا لغياب سلطة حقيقية تعمل على تنفيذها، فيبقى الوضع تبعا لذلك ـ عبارة عن علاقات عمودية يفرض بموجبها الأقوى قوانينه ونظمه (29).

فالنظام الدولي (المتغير) يحتاج إلى قواعد قانونية تنسجم مع التفاعلات المستجدة المتسمة بتعدد الفاعلين وتنوعهم، وتداخلهم وترابط القضايا الدولية (30). ومن جراء انبثاق مجموعة من الأزمات الحضارية والثقافية والقانونية ـ تهم القانون والسلطة والسياسة والدين وتتجاوز الحدود الوطنية، وتبعا لذلك أصبح جوهر مادة القانون الدولي متغيرا نتيجة لتنوع التشكيلات السلطوية التي التزمت بوصف قواعد جديدة وتشجعت على تجاوز مع واقع التداخلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وهو الاتجاه الذي لخصه الفقيه C.wilfred Jenks بقوله ” يجب أن يكون القانون الشامل والعام للإنسانية” معبرا ومستجيبا لمتطلبات الإنسانية ومصمما من قبل أغلبية الإنسانية، والهادف إلى تطوير الجماعة الدولية، وتوفير الحدية والوفرة التي تكون الحصن المنيع للسلم والعدالة” (31).

فالقانون الدولي في إطار النظام الدولي الجديد ينبغي عليه أن يجيب عن مشاكل العطالة في العمل وعن مشاكل المتمردين والمنفيين والمبعدين خارج الحدود، وعن الحروب الاقتصادية وتفاقم الديون، واستفحال المجاعة، وزجر السلاح وترشيد الأبحاث العلمية وتنظيم الحروب الأهلية ـ الإثنية ـ العرقية الداخلية وتسوية وضعية الحقوق الدولية والمؤسسات (32) وتنظيم العلاقات بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي وإزالة التفرقة بين العمومي والخصوصي (العام والخاص) .(33) كما ينبغي أن توضع قضية الأخلاق والقيم والبيئة في صدارة الاهتمامات والشؤون الدولية، ولابد من تلازم التنمية البيئية والاقتصادية.

فما يجري اليوم إنما هو تغير التنظيم القانوني القووي المعتمد على التوازن في القوة بتنظيم قانوني يعتمد على توازن (الاهتمامات) المصالح لأن القانون الدولي تخلقه السياسات والوظائف، فينبغي أن يعكس القانون الدولي المصالح العامة للإنسانية على المصالح الوطنية. فالقواعد الحالية لا تغطي الكثير من المشاكل الدولية المهمة، وهذه العملية تتطلب القبول الاختياري للدول بقواعد القانون الدولي، خلق ميكانيزمات دولية لتأكيد هذه الوظائف، وجود وسائل تنفيذية لتطبيق قواعد المسؤولية عن خرق القانون، وهذا يعني التنازل عن مبدأ السيادة خاصة من قبل الدول الجنينية « embryonice » ويحتاج إلى تقوية دور المنظمات الدولية وتوسيع المعايير المتخذة من قبل الدول، لاسيما دور منظمة دولية قوية تسهر على التطور المضطرد للقانون الدولي، فمن شأن الوظيفة الإدارية للمنظمة الدولية أن تقر قرارات معيارية فوق وطنية تعمل على تأكيد أسبقية القانون الدولي في السياسات ويحتاج الأمر كذلك إلى الاعتراف بدور الأشخاص الدبلوماسيين والعلماء والحركات الاجتماعية والجماعات الثقافية، فمن شأن تضافر مجهودات هؤلاء وتنسيق وظائفهم في إطار موحد يضم العلوم المهتمة بالشؤون الدولية وعلوم السياسات العالمية وعلم القانون الدولي (34).

لكن إذا كانت هذه الآراء والتصورات نابعة من خيال ومثالية مثقفين ومفكرين ورجال قانون، فإن الواقع يصور لنا عكس ذلك مع السياسيين (مديري المصالح) الذين يكرسون مصالح الولايات المتحدة الأمريكية أو حلفائها ويحمونها بثلاثة نقط دقيقة هي : سياسة التجزئة، سياسة الاستقرار (الوضع القائم)، سياسة التوسع الحضاري والهيمني (35)ليكون النظام الدولي الجديد هو نظام الغرب المنتصر في مواجهة الشرق والجنوب إيديولوجيا وعسكريا واقتصاديا وإعلاميا ـ أي خدمة الشمال (36) في شكل قاعدة تأخذ بعدا تعدديا يقوم على خمسة أقطاب هي الولايات المتحدة الأمريكية، أوربا، روسيا الاتحادية، الصين واليابان (37) مقابل اختراق القوميات الناشئة وتفتيت الدول والكيانات الضعيفة (38) من خلال الازدواجية في معايير السلوك السياسي الدولي التي قوامها تطبيق الطبيعة الحقبة غير المتوازنة للشرعية الدولية، والتي اتخذت منذ مطلع التسعينات صبغة انتقائية وتحولت إلى شرعية سياسية تتضمن إضفاء طابع القانونية على تصرف دولي معين من خلال صيغ كـ”الرضا” و”القبول” الدولي العام وذلك وفق معايير سياسية متفق عليها (39)تتولى بموجبها الولايا المتحدة الأمريكية عمليا مهمة الإشراف على عملية صنع القرارات واتخاذها على المستوى الدولي، بما فيها تلك المتعلقة بالنزاعات الدولية، وتسويتها سواء عن طريق الحلول السلمية أو عن طريق أعمال القمع بمختلف أشكالها، موسعة بذلك من صلاحيات مجلس الأمن في عمليات حفظ السلام ـ التي تشمل الدبلوماسية الوقائية (تعتمد على استكشاف ورصد التوتر وحصر النزاع قبل مولده وتفاقمه) ـ وعليمة صنع السلام (يكون المطلوب صناعته بعد انهياره وتفاقمه) ـ وعملية المحافظة على السلام (إعادته إلى نصابه والمحافظة عليه من الانكماش وتحصينه) (40).

لقد أصبحت الفعالية الدولية في صياغة القرارات الدولية محتكرة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية لتنتفي مع هذا التأثير مبادئ القانون الدولي المتفق عليها من غير تحفظ (حق البقاء، حق الحرية والاستقلال (السيادة)، مبدأ التعايش السلمي، ومبدأ المساواة في اتخاذ القرار الداخلي/ في المشاركة في المؤتمرات والتصويت فيها / في استعمال اللغة الوطنية/ في ربط العلاقات الدبلوماسية/ في التقاضي أمام المحاكم الوطنية)، ومقابل هذا الانتفاء القانوني يلاحظ اليوم إجراء التركيز على عوامل موضوعية واقعية مؤثرة في صناعة القرار الدولي منها إلى جانب العامل التاريخي والعامل الجغرافي والعامل الديمقراطي ـ عوامل القدرات الاقتصادية والتقنية والعامل العسكري الدبلوماسي (41) وهو ما يتوفر في دول الشمال مجتمعة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية.

واضح إذن أن مسألة الشرعية الدولية غدت قضية النظام العالمي الجديد، لما شهدته هيأة الأمم المتحدة من تقزيم لجمعيتها العامة أمام تضخيم مجلس الأمن وتوسيع صلاحياته في المرحلة الأولى مع غياب مراقبة مؤسساتية على التصرفات المشوبة بتجاوز السلطات المخولة لمجلس يمس مضمون القرار أو الخطأ في تقديرات التصرف خاصة فما يرجع إلى اتخاذ قرارات بناء على تقديرات خاطئة وغير واقعية ، وفي مرحلة ثانية تجاهل مجلس الأمن بحد ذاته والتصرف دوليا حسب رؤية ومصلحة الأقوى وهو ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد العراق في أبريل 2003 ، انطلاقا من اتهامات أمريكية لا تسندها الوقائع . وقد ذهب فقهاء القانون إلى أن قرار اتهام دولة ما بالإرهاب الدولي يكون مشوبا بخطأ في الواقع أو عدم الدليل المادي للوقائع في حالة عدم كفاية الحجج والدلائل ،ومع المعلوم ان الولايات المتحدة شنت حربها على العراق بتهمة امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل ودعمه للإرهاب ، وقد ثبت عدم امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وعدم وجود علاقة مباشرة بينه والتنظيمات الإرهابية ، الأمر الذي أثار وما زال جدلا حادا داخل الأم المتحدة وداخل حلف الأطلسي بل داخل الولايات المتحدة نفسها حول شرعية الحرب وشرعية التواجد الأمريكي البريطاني في العراق .

إلا أن المستجد في الموضوع والذي يعتبر بجدارة علامة فارقة في النظام الدولي هو شرعنة الاحتلال ، فبعد أكثر من خمسين سنة على تدشين الأمم المتحدة لسياسية تصفية الاستعمار وتحقيق إنجازات مهمة حيث تمت تصفية الاستعمار إلا بالنسبة للشعب الفلسطيني ، يعود الاستعمار مجددا ولكن بحلة جديدة وبتبريرات جديدة ، بل استطاعت دولة الاحتلال – أمريكا- أن تضفي نوعا من الشرعية على احتلالها من خلال استصدار قرار عن مجلس الأمن يعترف بالاحتلال ويفرض على الأمم المتحدة ودول العالم التعامل مع دولة الاحتلال كأمر واقع .قد يقول قائل إن هذه ليست المرة الأولى التي تتدخل فيها عسكريا أمريكا ودول غربية ضد دول صغيرة فقد حدث الأمر في لبنان و الصومال و هاييتي و أفغانستان وفي البوسنة ، التدخل حدث ولا شك ولكنه كان محدودا ولم تستقر القوة الغازية إلا لحين ثم تركت الأمر لأهل البلاد ، أما في حالة العراق فالأمر يتعلق باحتلال عسكري شامل والقوة الغازية تعترف بأنها قوة احتلال ، وهذا تحول في النظام الدولي يؤسس لشرعية جديدة وهي شرعية الأقوى أو شريعة الغابة تحل محل الشرعية الدولية التي يفترض أن تؤَسس على تبادل المصالح واحترام سيادة الدول صغيرها وكبيرها .

الفصل الثالث

مظاهر الانحراف بالشرعية الدولية :

تتمثل هذه المظاهر في الخرق السافر لميثاق الأمم المتحدة من خلال إباحة التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتطبيق سياسة الكيل بمكيالين والآخذ بمعيارين في مجال حفظ السلم والأمن الدولي ويبدو ذلك واضحا من خلال مقارنة ما تم بخصوص العراق بعد احتلاله للكويت من ناحية وما طبق خلال قضية لوكربي من ناحية أخرى، بالإضافة إلى قضيتي الإرهاب و مشكلة الشرق الأوسط.

1)ـ حـــرب الـــخــلـــيــج :

من وجهة نظر قانونية وليس انفعالية عاطفية فان قيام العراق بغزو الكويت عام 1990 يعد خرقا للشرعية الدولية ، فالكويت دولة مستقلة وعضو في هيئة الأمم المتحدة وفي الجامعة العربية وفي كل المنظمات الدولية والإقليمية ، هذا ناهيك ان شعب الكويت لم يطلب مساعدة من النظام العراقي لتخليصه من حكامه ،وبالتالي وحسب ميثاق الأمم المتحدة يعد احتلال الكويت اعتداءا على المنتظم الدولة . لكن رد العدوان عن المجتمع الدولي قام ضدا على الشرعية الدولية (42)، حيث تم التحايل على نصوص الميثاق ألأممي التي تحدد آليات رد العدوان ،وتم التوفيق بين المادة (99) التي تجيز للأمين العام للأمم المتحدة تنبيه مجلس الأمن إلى أية مسألة قد تهدد حفظ السلم والأمن ومدى تعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر وآليات العمل للرد على هذا الخطر من جهة أخرى. فقد وضعت الولايات المتحدة كل ثقلها داخل مجلس الأمن لإجباره على إصدار قرار يجيز استخدام القوة العسكرية لاستعادة الكويت ، وقد قام المجلس بهذا الأمر قبل مباشرة آليات حل التناقضات بالطرق السلمية المشار إليها في (المادة 33) ، فالشرعية الدولية لم تكن سوى مظلة لتمرير الإرادة الأمريكية الغربية المتطلعة لتوظيف أزمة الخليج لتحقيق مصالح إستراتيجية لهما في المنطقة ، فكان قرار مجلس الأمن رقم (687) القاضي بإجبار العراق على الخروج من الكويت بقوة الحرب .وتظهر ازدواجية المعايير مقارنة بمشكل الشرق الأوسط حيث احتلت إسرائيل أراض عربية – الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان – في عدوان 1967 وأصدر مجلس الأمن القرارين رقم 242 و338 اللذان يؤكدا على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأرض المحتلة إلا أن مجلس الأمن ونتيجة الضغط الأمريكي فضل البقاء ضمن حيز استعمال الطرق السلمية لحل النزاع العربي ـ الإسرائيلي ولم يقم بأي خطوات عملية لإجبار إسرائيل على الالتزام بهذين القرارين.

وهكذا أدارت الولايات المتحدة الأمريكية الأزمة وأوقعت الحرب وفرضت الحصار مستبعدة الأمم المتحدة عن مسرح الأحداث إلا كشاهد زور، فقامت بدور مجلس الأمن ولجنة هيئة الأركان التابعة للمنظمة الدولية خرقا لمقتضيات الفصل (46) من الميثاق ألأممي(43 ). فاستصدرت خلال الفترة الممتدة ما بين (2/8/ 90) و(17/ 1/91) ثلاثة عشر قرارا من مجلس الأمن الدولي واقترن أسلوبها بالتهديد والوعيد وأسلوب المكافئة(44).

هكذا كانت حرب الخليج الثانية حربا أمريكية شكلت محكا لتجربة النظام الدولي الجديد ويرجع ـ مصطفى الفيلالي بداية التخطيط لها إلى بداية الثمانينات غداة اتفاقية (كامب ديفيد) وكان العراق مستهدفا عندما دمرت المخابرات الأمريكية مفاعله النووي(45) يقول برزنكي : ” لقد كانت حرب الخليج الثانية أمريكية بنسبة 90%” وشهد الصحافي الفرنسي رجيس دوبريه أن الولايات المتحدة لم تخف منذ عشر سنوات تخطيطها لإنشاء قواعد عسكرية دائمة لقواتها في الخليج من أجل رقابة إنتاج النفط والتحكم في أسعاره (46) وهو ما قد تم فعلا من خلال تكريس الغلبة العسكرية والسياسية والاقتصادية للعالم الغربي وهيمنة القيم (الأمريكية) الثقافية اليهودية ـ المسيحية في الشرق الأوسط (47 )، فكانت الحرب حربا ضد الحضارة والعمران، وضد الديمقراطية وحقوق الإنسان وكان شعار الحرب هذا “رجوع العراق إلى حجمه الطبيعي” الذي وضعه فيه الاستعمار وهكذا تم اغتيال حق تقرير المصير وحقوق الإنسان ومبادئ السلام(48 ).

وضمن نفس السياق استمر الخلل في التعامل مع أزمة العراق في السنوات الفاصلة بين الحربين – 1991و2003- حيث وظفت الولايات المتحدة القرار 1441 وتعاملت معه بما يتعارض مع الشرعية الدولية ، والولايات المتحدة في نهجها هذا إنما هي تطبق تصورها للنظام الدولي الجديد الذي ترى نفسها هي الأكثر تأهيلا لقيادته وأن على الأمم المتحدة أن تتكيف مع السياسة الأمريكية وليس العكس.

إن الفهم الموضوعي لتفرد أمريكا- وقلة من الحلفاء –بمعاداة العراق بداية والعدوان عليه ثم احتلاله نهاية لا يكون من خلال التصريحات الصحفية أو المواقف المعلنة للسياسيين الأمريكيين كالقول بالشرعية الدولية والسلام العالمي وحقوق الإنسان أو القول بان العراق يهدد جيرانه ويمتلك أسلحة الدمار الشامل وغير ذلك من الشعارات التي يوظفها السياسيون لتبرير مواقفهم ولإخفاء أهدافهم الحقيقية . إن فهم ما يجري يحتاج إلى تحليل أعمق يميز بين ما هو استراتيجي ثابت وغير معلن في كثير من الحالات ، وهو الحقيقة الخفية في السياسة الدولية ،وما هو سياسي وإعلامي يتوجه للرأي العام المحلي والعالمي ،إن التحليل السياسي العلمي للموقف الأمريكي من العراق يجب أن لا ينفصل عن الإستراتيجية الأمريكية تجاه العالم-في ظل النظام الدولي الجديد -وتجاه الشرق الأوسط على وجه التحديد ،بالتالي يجب أن يتمحور حول أربعة عناصر أساسية :ثلاثة منها تتعلق بالاستراتيجية الأمريكية العامة في منطقة الشرق الأوسط وهي :- المصالح الاقتصادية –والنفط على وجه الخصوص – ،والعنصر الثاني حماية أمن الكيان الصهيوني وضمان تفوقه العسكري والتكنولوجي على الدول العربية مجتمعة ، والعنصر الثالث مرتبط باستحقاقات النظام الدولي الجديد،أما العنصر الرابع فله علاقة بحاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى عدو خارجي وتمدد خارجي نظرا لخصوصية البنية الداخلية للمجتمع الأمريكي سسيولوجيا واقتصاديا .

أ :-المصالح الاقتصادية :-

لم يكن المفكر الأمريكي ناعوم تشومسكي الوحيد الذي قال بصراحة إن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط تنبُع منها رائحة النفط ، فهذه السياسة ليست جديدة حيث أن الدافع الأول وراء توجه أمريكا نحو الشرق الأوسط منذ بداية القرن إنما كان جريا وراء رائحة النفط التي كان البريطانيون سباقون إلى شمها ، وكانت أمريكا على استعداد لان تتواجه حتى مع حلفائها الغربيين حتى تسيطر على نفط المنطقة وهو ما يجري اليوم .وفي إطار السعي الأمريكي المحموم للسيطرة على نفط المنطقة استعملت سياسة الترهيب وسياسة الترغيب ،سياسة الترهيب في مواجهة منافسيها من الدول الكبرى وخصوصا الاتحاد السوفييتي سابقا ثم دول أوروبية حاليا وفي مواجهة الحكومات والحركات التحررية العربية والإسلامية التي تناهض السياسة الأمريكية في المنطقة ، وسياسة الترغيب والترهيب في تعاملها مع بعض الأنظمة العربية ونخبها السياسية .لم يكن سعي أمريكا المحموم للهيمنة على نفط المنطقة يعود فقط إلى حاجتها له للاستهلاك المحلي – مع أن أمريكا اكبر مستهلك للنفط في العالم –بل يعود أيضا وقبل ذلك إلى رغبتها في استعمال سيطرتها عل النفط شريان الحياة للحضارة الغربية ، كورقة قوة وضغط في سياستها للهيمنة على العالم واقتصاده وخصوصا منافسيها المستقبليين في أوروبا واليابان والصين والهند ، ومن هنا اعتبرت أمريكا أن من يهيمن على النفط العربي يهيمن على العالم بأسره .

ومن هنا يمكن فهم الموقف الأمريكي المتشدد في مواجهة العراق عندما قام هذا الأخير باحتلال الكويت وجعل بقية دول الخليج النفطية في متناول يده ،فأمريكا اعتبرت أن ما قام به صدام يعتبر تهديدا مباشرا لثابت من ثوابت استراتيجيتها العالمية ، فما حركها ليس احتلال دولة لأخرى وليست دوافع إنسانية أو تعاطف مع شعب الكويت ، ولكنه اجتراء دولة على تهديد الهيمنة الأمريكية على نفط المنطقة وخصوصا أن هذا التهديد جاء من دولة- العراق –معروفة تاريخيا بنزعتها القومية والثورية.ولا تقتصر الأهمية الاقتصادية للمنطقة على امتلاكها للثروة النفطية بل تعتبر المنطقة العربية أهم الأسواق العالمية لاستيراد السلاح، والدول المصدرة للسلاح وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وحتى تؤمن بيع السلاح لدول المنطقة لا بد وان تخلق توترا وحالة من عدم الاستقرار في المنطقة وان تشعر دول المنطقة وخصوصا الصغيرة والغنية بأنها مهددة وحتى تعيش في أمان لا بد لها من شراء أحدث الأسلحة وتكديسها وان توقع اتفاقات أمنية مع الدول الكبرى وهذه الأخيرة تشترط على هذه الدول شراء كميات هائلة من السلاح حتى وان كانت بنية هذه الدول لا تسمح باستيعاب أو توظيف هذا الكم من الأسلحة ،وفي واقع الأمر فان علاقات التسلح بين الطرفين لا يعود لاعتبارات عسكرية أو أمنية محض بل لاعتبارات اقتصادية أيضا وهي مساعدة الصناعة العسكرية في الغرب والتي تضعضعت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ، ومن هنا يمكن أيضا فهم التنافس ما بين أمريكا وأوروبا على صفقات التسلح مع دول الخليج .

ب :-إسرائيل كولاية أمريكية لا يُغتفر لمن يهدد أمنها :-

إن القارئ لتاريخ العلاقة ما بين الحركة الصهيونية وإسرائيل من جهة والولايات المتحدة من جهة أخري يعلم قوة هذه العلاقة وخصوصيتها ، وقد أخذت هذه العلاقة بعدا أقوى وأعمق بالنسبة للولايات المتحدة لاعتبارات متعددة منها قوة اللوبي اليهودي في أمريكا وهيمنة اليمين المسيحي على مركز القرار الأمريكي وضعف أوراق الضغط العربية إن لم يكن تلاشيها.وقد اعتبرت كل التقارير التي ترسم الاستراتيجية الأمريكية أن دعم الكيان الصهيوني والحفاظ على تفوقه العسكري ثابت من ثوابت الإستراتيجية الأمريكية ، وجاء العراق فأسس دول متطورة وامتلك قوة عسكرية ضاربة تقليدية وغير تقليدية ، بل قصف بدقة مواقع استراتيجية في قلب الكيان الصهيوني فثار غضب أمريكا لان أحد ثوابتها الاستراتيجية مست بالصميم ،فكان لا بد من وجهة النظر الأمريكية ليس فقط تدمير القوة العسكرية العراقية بل تدمير البنية التحتية المادية والبشرية للشعب العراقي حتى لا يتمكن لأجيال قادمة من إعادة بناء ذاته أو التفكير بإعادة فعلته مرة أخرى ، وليكن ما يجري للعراق اليوم درسا لمن يفكر من شعوب المنطقة مستقبلا التمرد على الإرادة الأمريكية أو المس بمصالحها أو التعرض( لشعب الله المختار).

ج :-استحقاقات النظام الدولي الجديد :-

كان من الممكن لرد الفعل الأمريكي والغربي على إقدام العراق على تهديد المصالح الاستراتيجية لهما في الشرق الأوسط ، ألا يكون بهذه القوة لو كنا في زمن النظام ثنائي القطبية،آنذاك ما كانت أمريكا تستطيع أن تحشد من حولها هذا العدد من الدول في حربها ضد العراق وما كان لها أن تستصدر قرارات من مجلس الأمن تتخذه ذريعة لتثبيت هيمنتها على منطقة الخليج والشرق الأوسط بشكل عام، و كانت الولايات المتحدة ستفكر آلف مرة قبل أن تُقدم على دخول ارض دولة وتُدمر قوتها العسكرية وبنيتها التحتية وتفرض حصارا عليها.

لقد جاءت محاولة العراق اخذ مكان القوة الإقليمية في المنطقة وتحدي الولايات المتحدة في وقت كانت فيه أمريكا تعرف أكثر اللحظات زهوا وعنفوانا وتتملكها نشوة القوة والتفوق بعد انهيار عدوها الاستراتيجي واستعدادها لقيادة العالم في إطار ما سُمي بالنظام الدولي الجديد ،وان تأتى دولة من دول العالم الثالث وتتحداها فهذا ما لم تقبله أمريكا لأنه ليس فقط تحديا لمصالحها الاستراتيجية في الخليج والشرق الأوسط بل اعتبر تحديا لقدرتها على قيادة النظام الدولي الجديد.ومن هنا اعتبرت أمريكا أن طريقة ردها على التصرف العراقي هي بمثابة الاختبار لقدرتها على قيادة النظام الدولي الجديد وعلى طريقة تعاملها مستقبلا مع كل تهديد لأسس هذا النظام .إن ما تريد أمريكا تبليغه-ضمن أشياء أخرى – للعالم من خلال نهج تعاملها مع العراق أنها لن تسمح لأي دولة أن تتحدى قيادتها للنظام الدولي الجديد .وهذه نفس الرسالة التي تعمل أمريكا على تبليغها للعالم بعد تفجيرات 11 سبتمبر فمن لا يريد أن يكون مع أمريكا فعليه أن يتحمل تبعات عداوتها .

د :حاجة الولايات المتحدة الأمريكية إلى عدو خارجي وهيمنة خارجية:-

إن كل ملم بعلم الاجتماع السياسي يعرف أن بعض المجتمعات ونظرا لخصوصية بنيتها الداخلية،تحتاج إلى عدو سواء كان حقيقيا أو مصطنعا ،فهذا العدو يلعب دورا استراتيجيا في عملية الدمج والانصهار في المجتمعات الفسيفسائية حيث يتكون المجتمع من أعراق وطوائف وثقافات متعددة ، ففي مثل هذه المجتمعات لا يشعر أفراد الدولة أنهم ينتمون إلى أمة واحدة أو إلى دين واحد أو يربطهم تاريخ مشترك ،بل ما يربطهم هو المصلحة المشتركة والخوف من فقدان هذه المصلحة .وحتى تؤمن الدولة ترابط أفراد هذا المجتمع وحتى لا ينفرط عقدهم فإنها تجعلهم في حالة مستمرة من الإحساس بوجود خطر خارجي يهدد مصالحهم والحياة المادية المريحة التي يعيشونها ،هذا هو حال الولايات المتحدة الأمريكية فكلاهما يحتاج إلى عدو خارجي .

ومن هنا لا نستغرب السرعة التي أخذت فيها وسائل الإعلام والمسئولون الأمريكيون يتحدثون فيها عن الخطر الأخضر أو الخطر الإسلامي مباشرة بعد زوال الخطر الشيوعي ،وحيث أن هذا الخطر لابد من أن يتجسد في أنظمة أو تنظيمات سياسية أو أفراد ، فقد مارست أمريكا عملية انتقاء واختيار للأنظمة والتنظيمات والأفراد الذين تشعر أن أستهد افهم باسم محاربة الإرهاب الإسلامي أو الأصولية أكثر خدمة لمصالحها ، ومن هنا وجدت أمريكا في العراق النموذج الأنسب ليكون العدو الخارجي الذي يهدد الحضارة الغربية المسيحية اليهودية ويهدد رفاهية وأمن المواطن الأمريكي فحاجة أمريكا إلى المسلمين كأعداء هي بنفس قدر حاجتها للمسلمين كمصدر للطاقة وكسوق استهلاكية للسلع والسلاح .ومن جهة أخرى فان وصول الاقتصاد الأمريكي إلى أعلى درجات الإمبريالية يفرض عليها نهج سياسة هيمنية خارجية سياسيا واقتصاديا .

بالإضافة إلى الأسباب المشار إليها أعلاه للحرب الأمريكية ضد العراق ، أضافت أمريكا هدفا جديدا وهو إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط والدعوة لـ(شرق أوسط كبير )والمقصود بذلك أن للحرب تداعيات ستمس كل أنظمة الشرق الأوسط وهي رسالة تهديد واضحة لدول المنطقة لابتزاز سياسات مؤيدة للعدوان على العراق ، وللحملة الأمريكية ضد الإرهاب والتي هي في الحقيقية حملة أمريكية ضد كل مناوئي السياسة الأمريكية ،الإيديولوجيين أي من تسميهم الولايات المتحدة الأمريكية ( محور الشر ) ،ومناوئيها الاقتصاديين الحاليين أو المحتملين. ولكن نعتقد انه بعد احتلال العراق فان كثيرا من التحولات السياسية والاقتصادية ستعرفها المنطقة وربما أيضا إعادة رسم الحدود في بعض المناطق .

يمكن القول إن فهم ما يجري في الخليج العربي وضد العراق يتطلب فهما عميقا للسياسة الدولية وللسياسة الأمريكية الداخلية والخارجية ، إن منطق السياسة الدولية في ظل النظام الدولي الجديد لا يخضع لمنطق الحق والعدل والمفاهيم القيّمية الإنسانية المجردة بل يخضع لقيم ومفاهيم واليات تعامل تنبع من موازين القوى عالميا ، وبصيغة أخرى إن منطقها لا يؤسس على قوة الحق بل على حق الأقوى ، وان كل تعاطفنا وتأييدنا للعراق لن يغير من الحقيقة شيئا ، والحقيقة إننا في زمن شريعة الغابة حيث البقاء للأقوى ،والقوى اليوم ليس صاحب المنطق الأقوى أو الحجة الأقوى أو الحق الأقوى بل هو الأقوى عسكريا وتكنولوجيا والأقوى بقدرته على توظيف كل أوراق القوة والضغط التي في حوزته ،وعلى العرب والمسلمين إن أرادوا أن يكون لهم موقع في عالم القرن العشرين أن استيعاب منطق العصر والتخلي بعض الشيء عن مثاليتهم.

2)- مسألة الإرهاب الدولي (تجريم حركات التحرر الوطني).

منذ القرن التاسع عشر اعتبر العالم النمساوي المختص بالإستراتيجية KARL VON CLAUSEWITZ كارل فون كلوزوفيتش” الحرب ظاهرة اجتماعية، و الفيلسوف الفرنسي ريمون ارون قال بأن الحرب والسلم وجها عملة واحدة. وإن كانت الحرب امتدادا للسياسة فإن الإرهاب السياسي امتداد لها بشكل آخر، وإن مقياس الحكم على الحرب من حيث شرعيتها أو عدمه يعتمد على هدف الحرب وبواعثها فإنه من المنطقي أن يكون الحكم على الإرهاب السياسي مرتبطا بالهدف من ممارسته. إلا أنه نظرا لأن العمليات (الإرهابية) تولد ضحايا قد يكونون أبرياء وتثير مشاعر الخوف والرهبة عند الناس ، فإن الاتجاه الغالب هو التهرب من المسؤولية عن هذه الأعمال، ومحاولة إلقاء التبعية على الآخرين ، فالآخرون هم الإرهابيون و القتلة، وحتى في الحالات التي تلجأ فيها دولة أو جماعات إلى ممارسة هذا النوع من الإرهاب، فإنها تضفي عليه مسميات مثل الدفاع عن النفس أو الإرهاب ضد الإرهاب أو الإرهاب الأبيض … الخ من المسميات.( 49)

إن الإرهاب هو عنف ولكن ليس كل عنف إرهاب ، فالعنف قد يكون حربا – العدوانية منها أو غير الشرعية يمكن أن تسمى عدوانا – وقد يكون جرائم جنائية – وهذه تخرج عن إطار المقصود بالإرهاب السياسي وبالعنف السياسي بشكل عام حتى ولو توفرت عناصر الجريمة على ترهيب الضحية – وقد يكون ثورة أو انقلاب عسكري ، أو عمليات أمنية تقوم بها أجهزة الدولة الخ .وكل شكل من أشكال العنف السياسي يمكن أن يتحول إلى إرهاب سياسي في حالة تجاوزه للقانون وللأعراف المعمول بها .كما أن الإرهاب السياسي قد يأخذ بعدا دوليا ويسمى إرهاب دولي إذا تجاوز حدود الدولة الواحدة كأن يمارسه أفراد أو جماعات ضد أشخاص أو مصالح دولة غير التي ينتمون إليها أو ضد مصالح دولتهم المتواجدة خارج الدولة ، هذا ويلاحظ أن التوجه الأمريكي الأخير في محاربة الإرهاب أصبح يزيل الفوارق بين الإرهاب الداخلي والإرهاب الدولي من منطلق أن كل أنواع الإرهاب تهدد السلام والأمن العالميين ، وبالمفهوم الأمريكي تهدد المصالح الأمريكية ، ومن هنا لاحظنا إرسال الولايات المتحدة قوات عسكرية إلى الفلبين واليمن واندونيسيا وجورجيا وقبل ذلك إلى لبنان والصومال .

تعريف الإرهاب مشكلة عويصة حتى يجوز القول إن تعريف الإرهاب أصعب من محاربته وقد تعددت التعريفات حول الإرهاب ، فقد عرفه الفقيه سوتيل بأنه العمل الإجرامي المقترف عن طريق الرعب أو العنف أو الفزع الشديد بقصد تحقيق هدف محدد . ويعرفه جيفانوفتش بأنه أعمال من طبيعتها أن تثير لدى شخص ما الإحساس بالتهديد مما ينتج عنه الإحساس بالخوف من خطر بأي صورة .إذا كان التعريفان السابقان يعرفان الإرهاب بشكل عام سواء كان سياسيا أو غير سياسي ، فأن هذا الإرهاب يصبح سياسيا عندما يصبح هدف الفاعل من ممارسته لفعل الإرهاب تحقيق هدف سياسي أو التأثير على الوضع العام ،ومن هنا يعرف الفقيه البولوني فاسيورسكي الإرهاب بأنه (منهج فعل إجرامي يرمي الفاعل من خلاله إلى فرض سيطرته بالرهبة على المجتمع أو الدولة بالمحافظة على علاقات اجتماعية عامة أو من أجل تغييرها أو تدميرها ) .

وبصورة عامة هناك موقفان من ” الإرهاب الدولي ” (50) :

الموقف الأول : الموقف الرافض للإرهاب بغض النظر عن الدوافع.

بما أن العمليات “الإرهابية” تستهدف غالبا مصالح أو أفراد ينتمون للولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وللدول الأوروبية ،فإن هذه الدول تبذل قصارى جهدها لإسقاط أي صفة شرعية عن هذه العمليات ، فتضع في سلة واحدة كل العمليات الإرهابية سواء منها العمليات الإرهابية الدموية التي تمارسها جماعات لا تمثل إلا نفسها أو قطاع صغير من الشعب والعمليات التي تمارسها دول متطرفة في مواقفها السياسية ومنبوذة دوليا، أو العمليات التي تُمارس من قبل حركات تحرر معترف بها دوليا وتمارس كفاحها المسلح كحق من الحقوق التي منحها المنتظم الدولي وتطبيقا لحق تقرير المصير.

يلاحظ أن أنصار هذا التيار المعارض كليا للإرهاب السياسي يكرس كل وسائله الإعلامية لمحاربة هذه الظاهرة والتنديد بمن يقف وراءها دون البحث في أهدافها والدوافع الكامنة وراء ممارسة هذا الضرب من العنف السياسي. وقد تحفظت هذه الدول ودول أخرى تدور في فلكها بشأن شرعية نضال حركات التحرير الوطنية ، وهذا ما ظهر جليا من خلال الاجتماعات المتكررة للجمعية العامة للأمم المتحدة ولمجلس الأمن لبحث هذه الظاهرة، وكما يظهر من خلال التعريف الذي تعطيه هذه الدول للإرهاب الدولي. عرّفت الولايات المتحدة الإرهاب الدولي بأنه : ” التهديد باستخدام العنف لأغراض سياسية بواسطة أفراد أو جماعات سواء يعملون مع / أو معارضون لسلطة حكومية ثابتة، سواء قصد بأعمالهم صدم أو إكراه جماعة مستهدفة أوسع قدرا من الضحايا المباشرين”. (51 )

الموقف الثاني : البحث عن الدوافع قبل الإدانة ( شرعية الغاية تشرعن الوسيلة).

من دعاة هذا الموقف مجموعة من دول العالم الثالث بما فيها الدول العربية، ويتلخص موقفها في أن معالجة (الإرهاب الدولي) لا تتم بمجرد إدانته أو تجريم مرتكبيه، لأن هذا لا يشكل إلا نصف القضية ولن يحل المشكلة ، إن محاربة الإرهاب الدولي تكمن في البحث في جذور الظاهرة، بواعثها، وأهداف القائمين بها، فالغاية قد تبرر الوسيلة أحيانا.

برز التباين لأول مرة ما بين أنصار الموقف الأول الرافض للإرهاب دون البحث في بواعثه وأهدافه والموقف الثاني الذي يجد سندا شرعيا لممارسي بعض العمليات الإرهابية ، في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لبحث ظاهرة “الإرهاب الدولي” ، على إثر قيام مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين بعملية فدائية ضد الفريق الرياضي الإسرائيلي ومرافقيهم في ميونيخ عام 1972 وفي الاجتماعات اللاحقة ، وما زال التباين بين وجهتي النظر مطروحا حتى اليوم بالرغم من قرار مجلس الأمن يوم 12 سبتمبر 2001 بعد العمليات التفجيرية في نيويورك وواشنطن.

وفي عام 1973 أخذت الجمعية العامة للأمم المتحدة بوجهة نظر التيار الثاني في تحديد موقفها من “الإرهاب الدولي” فجاء في توصيات الجمعية العامة حول الموضوع: ” على الرغم من الحاجة إلى مكافحة الإرهاب الدولي وغيره من وسائل العنف التي تهدد أرواح الأبرياء أو تحرم الأفراد من حرياتهم الأساسية إلا أن الأمر يتطلب دراسة الأسباب التي تكمن وراء ممارسة الإرهاب، والتي تجد جذورها في الإحساس باليأس والإحباط والظلم، والذي يدفع بعض الناس إلى التضحية بالأرواح الإنسانية، بما في ذلك أرواحهم هم أنفسهم وذلك من أجل أحداث تغييرات راديكالية في معالم هذه الصورة القاتمة “.(52)

يمكننا استخراج العناصر المكونة للعمل الإرهابي بصورة عامة وهي :

1- أنه عمل عنيف يعرض أرواح وممتلكات الأفراد للخطر أو يهدد بتعريضها.

2- موجه إلى أفراد أو مؤسسات ومصالح أو كليهما معا تابعة لدولة ما.

3- يقوم به أفراد أو جماعات بصورة مستقلة، أو يكونوا مدعومين من طرف دولة ما.

4- يهدف إلى تحقيق أهداف سياسية.

ومن خلال العناصر أعلاه المكونة للعمل الإرهابي بصورة عامة، يمكن القول أن جوهر الإشكالية يتمحور حول العنصر الأخير، أي الهدف السياسي للعمل الإرهابي، ذلك أن تحديد شرعية العمل الإرهابي أو عدم شرعيته يرتبط بمدى شرعية الأهداف السياسية ، فشرعية الأهداف السياسية تسقط صفة الإرهاب بمعناها الإجرامي عن العمليات العنيفة التي تقوم بها الجماعات السياسية الممارسة لها، من منطق أن العنف ليس بالأمر الغريب عن الحياة السياسية.ولكن يبقى السؤال الذي يجعلنا ندور في حلقة مفرغة ، من هي الجهة أو المرجعية التي لها الحق في تقييم شرعية أو عدم شرعية العمل الإرهابي ؟ .

وفي الواقع فإن اعتماد (شرعية) الهدف من استعمال ذلك النوع من العنف السياسي المسمى (إرهاب) كمقياس للحكم على مدى شرعيته ليس بالأمر المستحدث، بل نجد له جذورا في التاريخ السياسي الأوروبي.

تحول مفهوم الإرهاب في ظل النظام الدولي الراهن

كما سبقت الإشارة ، وحيث أن غالبية الأعمال الإرهابية كانت تستهدف مصالح أمريكية وغربية وإسرائيلية ، فقد أخذت الولايات المتحدة على عاتقها مسؤولية تحريض المنتظم الدولي ضد الإرهاب والدول التي تتهم بدعمه ، وفي هذا السياق لم تخف أمريكا موقفها من اعتبار كل من هو ضد السياسة الأمريكية يعتبر إرهابيا أو داعما للإرهاب ، وهكذا صنفت الولايات المتحدة كل من ليبيا وسوريا والسودان والعراق وإيران وكوبا ، كدول داعمة للإرهاب ، ومما هو معروف أن هذه الدول تنهج سياسة معادية للهيمنة الأمريكية .

وحيث أن الولايات المتحدة ، إلى ما قبل انهيار المعسكر الاشتراكي ، كانت عاجزة عن حشد تأييد دولي لسياستها ضد الإرهاب ، نظرا لقوة تواجد دول المعسكر الاشتراكي ودول عدم الانحياز في مؤسسات الأمم المتحدة وخصوصا الجمعية العامة ، فقد لجأت إلى عقد عديد من الاتفاقات الثنائية والإقليمية لمحاربة ما تدعيه بالإرهاب، بالإضافة إلى الجهود المبذولة محليا في هذا الشأن .ولم تبدأ الجهود الأمريكية تأتي أكلها في هذا الشأن إلا بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتراجع قوة تأثير دول عدم الانحياز دوليا وخصوصا في الجمعية العامة للأمم المتحدة .وقد لعبت ديناميكية الانفراج السياسي في منطقة الشرق الأوسط المصاحبة لما سُمي بمسلسل السلام الذي دشنه مؤتمر مدريد ، ثم توقيع اتفاقات أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1994 ، الأثر الكبير في إحياء الجهود لمحاربة ظاهرة الإرهاب ، حيث ساد الاعتقاد – أو هذا ما كانت ترمي إليه الولايات المتحدة -أن حل مشكلة الشرق الأوسط سيسقط الشرعية عن كثير من الجماعات الممارسة للإرهاب في الشرق الأوسط .

وهكذا تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها التاسعة والأربعين سنة 1994 ، قرارا بموجبه ستتخذ مجموعة من الإجراءات التي تستهدف القضاء على الإرهاب الدولي ، وقد تميز هذا القرار عن سابقيه من قرارات الجمعية العامة بأنه أقترب بعض الشيء من الموقف الأمريكي والغربي الذي يدين الإرهاب بالمطلق دون تعريف دقيق له أو البحث عن دوافعه ، وهكذا نص القرار على إدانة كل الأعمال والممارسات الإرهابية أينما كانت وكيفما كان الفاعلون ، لا سيما الذين يساهمون في إثارة الشبهات حول علاقات الصداقة بين الدول والشعوب ، ويهددون الوحدة الترابية وأمن الدول ، وأضاف القرار بأن الأعمال الإجرامية التي لها أهداف سياسية وتساهم في إثارة الرعب لدى العامة أو لدى مجموعة من الأشخاص تعتبر غير مبررة في كل الأحوال ، ومهما كانت دوافعها : سياسية أو فلسفية أو أيديولوجية أو دينية .

وفي 15 من ديسمبر 1997 صدر عن الجمعية العامة القرار رقم 52 /164 بشأن الاتفاقية الدولية لقمع الهجمات الإرهابية بالقنابل . وفي الدورة الثالثة والخمسين للجمعية العامة في أغسطس 1998 ، تم الإعلان عن اتخاذ التدابير الرامية إلى القضاء على الإرهاب الدولي ، وكلفت الجمعية الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أن يتخذ ، في حدود الموارد الموجودة ، مجموعة من التدابير العملية لتعزيز التعاون الدولي في مكافحة الإرهاب ، ومن بينها :

جمع البيانات عن الاتفاقات المتعددة الأطراف والإقليمية والثنائية المتصلة بالإرهاب الدولي ، وعن تنفيذها بما في ذلك المعلومات عن الحوادث التي يسببها الإرهاب الدولي .

إجراء استعراض تحليلي للصكوك القانونية القائمة ذات الصلة بالإرهاب الدولي ، بغية مساعدة الدول في تحديد جوانب هذه المسألة التي لا تشملها هذه الصكوك .

استعراض الإمكانيات القائمة ضمن منظومة الأمم المتحدة من أجل مساعدة الدول في تنظيم حلقات ودورات تدريبية حول مكافحة الجرائم المتعلقة بالإرهاب الدولي .

وفي التقرير السنوي الصادر عن منظمة الأمم المتحدة عام 1998 ، أكد كوفي عنان الأمين العام للمنظمة ، أن الأمم المتحدة اعتمدت اثنا عشر معاهدة متعددة الإطراف خاصة بمكافحة الإرهاب ، وأنها أنشأت في عام 1997 لجنة خاصة لصياغة اتفاقية دولية جديدة لحظر التفجيرات الإرهابية وحظر أعمال الإرهاب النووي ، وأن اللجنة تعمل على وضع إطار قانوني شامل لمواجهة الإرهاب الدولي. (53)

أما في إطار مجلس الأمن ، فقد تزايد الاهتمام الذي يوليه مجلس الأمن لموضوع الإرهاب وخصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وهيمنة الولايات المتحدة على مجريات عملية اتخاذ القرار الدولي ، كما يلاحظ أن تحرك مجلس الأمن كان غالبا يحدث بطلب أمريكي وبعد حدوث اعتداءات مسلحة على مؤسسات أمريكية أو أوروبية أو إسرائيلية . وإن كانت قرارات وتوصيات الجمعية العامة للأمم المتحدة تتسم بالعمومية والتوازن فأن قرارات مجلس الأمن تتسم بالصرامة وتكون مقرونة بآليات لتنفيذها تُسند غالبا للولايات المتحدة .

إذن تجدد الاهتمام بموضوع الإرهاب مباشرة بعد انطلاق عملية السلام في الشرق الأوسط ونهاية حرب الخليج الثانية رسميا ، وهما الحدثان اللذان جوبها بمعارضات قوية من قوى عربية وإسلامية متشككة بنوايا الولايات المتحدة ، واستباقا لأية عمليات إرهابية تعارض السياسة الأمريكية في المنطقة أو تعارض الترتيبات التي تقيمها الولايات المتحدة لاستقرار العالم في إطار تصورها للنظام الدولي الجديد ، تمت دعوة مجلس الأمن في اجتماع قمة يوم 31 يناير 1992 لبحث موضوع الإرهاب ، حيث أعرب المجتمعون عن بالغ قلقهم إزاء أفعال الإرهاب الدولي وتأكيدهم على ضرورة قيام المجتمع الدولي على نحو فعال بمعالجة كافة هذه الأفعال .

وعلى أثر الهجوم المسلح الذي حدث في بوينس آيريس يوم 18يوليه 1994 ، والهجومين المسلحين اللذين ارتكبا في لندن يومي 26 و 27 من نفس الشهر ، انعقد مجلس الأمن يوم التاسع والعشرين من نفس الشهر وأصدر بيان رئاسي أدان فيه هذه الأعمال و ” يطالب أعضاء المجلس بوضع حد لجميع هذه الهجمات الإرهابية فورا . ويشددوا على الحاجة إلى تعزيز التعاون الدولي من أجل اتخاذ تدابير تامة وفعالة لمنع كافة أشكال الإرهاب ومكافحتها والقضاء عليها ، فهي تمس المجتمع الدولي ككل “.

عاد مجلس الأمن مرة ثانية لمعالجة الموضوع على إثر تفجير مقري السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام يوم السابع من أغسطس عام 1998 ، حيث انعقد في جلسة يوم 12 من نفس الشهر وناقش الموضوع تحت بند ( التهديدات للسلم والأمن التي تسببها أعمال الإرهاب الدولي ) ، وكان القرار شديدا في تأكيده على إدانة أعمال الإرهاب الدولي بكل مظاهرها وأشكالها ،مؤكدا ” على انه من واجب كل دولة عضو أن تمتنع عن تنظيم أي أعمال إرهابية في دولة أخرى أو التحريض عليها أو المساعدة أو المشاركة فيها أو قبول أنشطة منظمة في أراضيها بهدف ارتكاب تلك الأعمال ” .

وكانت ذروة الاهتمام بالإرهاب وصيرورته محل اهتمام جميع دول العالم بدون استثناء ، على إثر تفجيرات نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر 2001 ، ففي اليوم الموالي للتفجيرات أنعقد مجلس الأمن لمناقشة الموضوع ، وبإجماع جميع دول المجلس وتأييد جميع دول العالم تقريبا ، تبنى المجلس قرارين صارمين أدان فيهما الإرهاب بكل أنواعه وصوره ، ليس هذا فحسب ، بل طالب جميع دول العالم بالتحالف مع الولايات المتحدة لمحاربة الإرهاب ،ويوم الثامن والعشرين من نفس الشهر صدر قرار جديد عن مجلس الأمن يسير في نفس الاتجاه .(54)

المستجد في الموضوع والخطير أيضا ،أن المجلس ترك للولايات المتحدة حرية تحديد الجهات الإرهابية وطريقة الرد عليها بالشكل الذي تراه مناسبا . وقد انتهزت الولايات المتحدة هذه الفرصة التي أتاحها لها مجلس الأمن لتصفي حساباتها ليس فقط مع المسئولين عن تفجيرات واشنطن ونيويورك – مع أن هؤلاء ما زالوا غير معروفين تماما والرواية الوحيدة المحددة لهويتهم هي الرواية الأمريكية – بل مع كل من يعارض السياسة الأمريكية في العالم ، أو بشكل أخر أن الولايات المتحدة الأمريكية وظفت قرارات مجلس الأمن لتعيد بناء النظام الدولي بما يعزز هيمنتها الكونية.

وهكذا لاحظنا كيف أن الولايات المتحدة تحدثت في البداية عن كون حملة مكافحة الإرهاب تستهدف تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن وحركة طالبان الحاكمة في أفغانستان ، ثم توالت قوائم المستهدفين في الحملة إن عاجلا أو آجلا ، فهناك العراق والسودان وربما اليمن وليبيا ، وصدرت قوائم تضم أسماء العشرات من الجمعيات والمنظمات والأشخاص المتهمين بالإرهاب أو مساندة العمليات الإرهابية ، شملت أخيرا حزب الله اللبناني وفي فلسطين ،حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية ، ولا نستبعد بعد أيام أن نجد أسماء جديدة كمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وكل من يناضل من أجل تحرير فلسطين.ولم يقتصر الأمر على الولايات المتحدة الأمريكية ، بل تبعتها دول الاتحاد الأوروبي ، فرغم أن الرئيس الفرنسي جاك شيراك أعلن أثناء زيارته للبنان في نهاية نوفمبر 2001 أن قوائم المتهمين بالإرهاب التي تصدرها الخارجية الأمريكية أو الرئاسة الأمريكية ليست ملزمة دوليا ولا تعتبر جزء من القرارات الدولية ، بالرغم من ذلك كان الاجتماع الوزاري للاتحاد الأوروبي واضحا في اعتبار حركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين حركات إرهابية ومطالبا السلطة الفلسطينية بالقضاء عليهم .

خاتمة

لقد أثارت قضايا العراق وفلسطين وأفغانستان مسالة ازدواجية المعايير التي تحكم ما يسمى بالنظام الدولي الجديد ، وإن كان مما لا غرو فيه أن هناك تحيزا واضحا إن لم يكن معاداة من الولايات المتحدة ودول غربية للعرب ولحقوقهم المشروعة بعد غياب ما كان يسمى الحليف الاستراتيجي- المعسكر الاشتراكي وعلى رأسه الاتحاد السوفيتي – لقضايا العرب ، إلا ان الرؤية العلمية يجب ان تنبني بالإضافة على ما سبق على التحول الذي طرأ على مفهوم الشرعية الدولية بفعل التحول في النظام الدولي، ذلك أن الولايات المتحدة – ومعها أو في داخلها إسرائيل – ترى أن شرعية النظام الدولي المنهار وما صدر عن هذه الشرعية من قرارات وتوصيات ومفاهيم، لم تعد صالحه كشرعية للنظام الدولي الجديد -وليس من المقبول في نظر أمريكا أن يُسير النظام الدولي الجديد وأن تحُكم قائدة هذا النظام، بقرارات الشرعية الدولية للنظام السابق حيث صدرت القرارات بفعل ثقل وتأثير القطب المنهار -الاتحاد السوفيتي وحلفائه-.

وبمعنى آخر أن المنتصرين الذين يؤسسون النظام الدولي الجديد غير راغبين بان يلزموا أنفسهم بقرارات وضعها المنهزمون أو كان لهم التأثير الكبير في صدورها، ويدخل ضمن هذه القرارات كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، سواء تلك الصادرة عن مجلس الأمن مثل قرار 242 أو الصادرة عن الجمعية العامة مثل قرار التقسيم والقرارات التي تتحدث عن الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في الكفاح المسلح لاستعادة حقوقه المشروعة او قرار مماهاة الصهيونية بالعنصرية.

وهكذا فعندما يتحدث الفلسطينيون والعرب ومن والاهم ،عن الشرعية الدولية، فإنهم يتحدثون عن شرعية سقطت في نظر الولايات المتحدة و إسرائيل، أو عن شرعية من حق المنتصر والمؤسسون للنظام الدولي الجديد أن يأخذوا منها ما يريدون ويتجاهلون او يلغون ما يرونه غير متناسب مع مصالحهم ، ومن هنا يمكن أن نفهم الحملة الشرسة التي قادتها إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية داخل أروقة المنتظم الدولي لإلغاء قرارات الشرعية الدولية السابقة حول فلسطين، ونجحت في إسقاط بعضها وهو القرار رقم 3379 الصادر عام 1975 والذي يعتبر الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية والتمييز العنصري.

لا غرو إذن أن للولايات المتحدة وفي داخلها إسرائيل فهم خاص للشرعية الدولية، وهي شرعية دولية تنبع من الواقع ومستجدياته، شرعية الأقوى وليست الشرعية الدولية المنهارة التي كانت تناصر الضعفاء أو على الأقل تعبر عن توازن في التعامل مع الدول، وهذا الأمر هو الذي يفسر ما سبق ذكره، وهو تهرب الولايات المتحدة وداخلها إسرائيل من اعتبار قرارات الشرعية الدولية ملزمة والمرجع الوحيد والرئيسي للتسوية . ومن هنا يصبح على العرب أن يقرءوا جيدا التحولات العالمية ويحسنوا التعامل مع عالم متغير لا يسير وفق ما تشتهيه سفننا ، لا يعني هذا دعوة للاستسلام والتسليم بالأمر الواقع بل دعوة لتوحيد الجهود والبحث عن مكامن قوتنا وتوحيدها بما يخدم مصالحنا الاستراتيجية ، فالنظام الدولي الجديد يقوم على أساس صراع القوى والتنافس الشديد والأمة العربية لا تخلو من عناصر القوة ، المهم أن تتوفر الإرادة عند أولي أمرنا ونخبتنا السياسية .

الهوامش

– لمزيد من المعلومات حول تغير العلاقة ما بين الأمم المتحدة والنظام الدولي يمكن الرجوع إلى : بشار الجعفري : منظمة الأمم المتحدة والنظام الدولي الجديد، الطبعة الأولى 1994، ص 78.

2-عقد مؤتمر يالطا في الفترة ما بين الرابع والحادي عشر من فبراير 1945 ما بين الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل ، لبحث قضايا الخلاف بينهم كتأسيس منظمة الأمم المتحدة وطبيعة العلاقات التي ستحكم النظام الدولي بعد تأكد هزيمة دول المحور.

3 – Sam Marullo:Ending the cold war at hame, juin 1994, (C) Maxwelle Mac Millan NY, p:25.

4- إبراهيم ابراش : حدود النظام وأزمة الشرعية في النظام الدولي الجديد ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 185 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ،1994.

5 – موسى الزعبي : أنظام دولي جديد أم هيمنة أمريكية جديدة؟ الطبعة الأولى 1993، دار النشر، ص 123و126.

6 – عفيف فراج : مراجعة كتاب، مشار إليه في مجلة أبعاد العدد 4، ص 283.

7 – زكي العابدي وآخرون: المعنى والقوة في النظام العالمي الجديد،، ترجمة سوزان خليل ، سينا للنشر 1994، ص 7.

8 – وظهر هذا جليا عندما وقفت دول من أوروبا الشرقية بجانب الولايات المتحدة في حرب الخليج الأخيرة .

9 – سمير عبد الفتاح الحوساني : النظام الدولي الجديد، هيمنة أمريكية وحروب أقلية، جريدة القدس، عدد 2132.

10 – زكريا محمد إسماعيل ، النظام الدولي الجديد، الوهم والخديعة، مجلة المستقبل العربي ، عدد 143. ص 9.

11 – مصطفى الفيلالي : حرب الخليج ومستقبل العرب، ار سراس للنشر 1991، تونس ،ص 94.

12- كامل عمران، ، مجلة الوحدة عدد 100، ص 99.

13- عبد الخالق عبد الله : النظام العالمي الجديد، الحقائق والأوهام، السياسة الدولية، عدد 124 أبريل 1996، ص 46. 49.

14- بالرغم من أن الصين الشعبية ما زالت تصنف كدولة اشتراكية ويسود فيها نظام الحزب الواحد ، إلا انها أخذت بالسنوات الأخيرة تنحو نحو الانفتاح على اقتصاد السوق وتندمج بالنظام الاقتصادي العالمي وتنفتح في مجالات حقوق الإنسان والديمقراطية .

15 – عماد جاد : أثر تعثر النظام الدولي على حلف شمالي الأطلسي، السياسة الدولية عدد 134، ص 12.

16 – مصطفى الفيلالي، مشار إليه في حرب الخليج ومستقبل العرب، ص 96. انظر كذلك مصطفى الحسيني :أي عالم سوف نرى، الشرق الأوسط عدد 5763، الخميس 8/9/199.

17 – وليام أدوم، إعداد هدى راغب عوض، السياسة الدولية عدد 123 يناير 1996، ص 349.

18 – عماد جاد، أثر التغيير في النظام الدولي على حلف شمال الأطلسي ،مجلة السياسة الدولية ،عدد 134،ص 11.

19 – جمال علي زهران : النظام الدولي والإقليمي عن الاستمرارية والتغير. الطبعة 1، 1996، ص 44.

20 – الحسان بوقنطار : حول بعض إشكاليات النظام الدولي الراهن، الشرق الأوسط، الخميس 6-5-1994.

21 – عبد الإله بلقزيز : بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ما العمل؟ المستقبل عدد 154. 12. 1991، ص 7.

22 – ناصيف يوسف حتي : تحرير السيد يسين :نحو تأسيس نظام عربي ،عمان، منتدى الفكر العربي ، 1992، ص 113-116.

23- عماد جاد، المرجع السابق، ص 11.

24 – عبد العزيز محمد سرحان : العرب والمسلمون في ظل النظام الدولي الجديد والشرعية الدولية، وأثره على العالم العربي 1993،دار النهضة العربية، القاهرة، ص :4-6 و ص: 9.

(25) – انعكس هذا التحول سلبا على القضية الفلسطينية ، بحيث عملت إسرائيل ومعها الولايات المتحدة على الالتفاف على القرارات الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية من منطلق أنها قرارات صادرة عن شرعية لم تعد موجودة- شرعية النظام الدولي ثنائي القطبية وكانت أول خطوة في هذا الاتجاه هو دفع الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1992 على إلغاء القرار الذي يساوي ما بين الصهيونية والعنصرية والذي صدر عام 1973.

– أنظر حول الموضوع : ابراهيم ابراش ، حقوق الشعب الفلسطيني :من الشرعية التاريخية إلى الشرعية الدولية ، مجلة دراسات فلسطينية ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، عدد42 ، ربيع 2000.

26) – لقد اختلفت صيغ القرارات الصادرة عن مجلس الأمن تبعا للتكييف القانوني والتغيير المصلحي للكبار.

– القرار 688 – ضد العراق نص على التنديد بقمع المدنيين من الأكراد ونزوح اللاجئين والصدامات الحدودية.

– القرار 748 – بخصوص ليبيا ورد فيه قمع أي عمل إرهابي دولي.

– القرار 794 – بخصوص الصومال قرر حجم المأساة الإنسانية.

– القرار 841 – ضد هايتي وتدهور الأزمة الإنسانية، النزوح الجماعي للسكان.

انظر السياسة الدولية عدد 114، ص 152.

27 – نبيل العربي : الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد، السياسة الدولية عدد 114 أكتوبر 1993، ص149 إلى 145.

28 – أحمد أبو الوفا : الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد، السياسة الدولية عدد 122 أكتوبر 1996، ص78-81.

29 – The Economist Dec 94, pp:17-18.

30- الحسان بوقنطار حول بعض إشكاليات في النظام الدولي الراهن، ، الشرق الأوسط 6/ 5/ 1994.

31 – Reflexions and inte
atiol law. Making and its progressive developpement in the contemparary era of transition. Inte
ational law in transition pp:203-230.

32 – جاك ديريدا في شاكر نوري… ديريدا يدين النظام العالمي الجديد، بروحية ماركس، القدس العربي عدد 2138/25 مارس 1996

33- إيناس ساش : تعريب عبد الكريم شوطا، ضرورة التنمية الكونية لا الإقصاء،الاتحاد الاشتراكي عدد 9854. 24 نونبر 1996.

34 – Grigory Tunkin : Anew political thinkink and inte
ational law, in inte
ational law in transition, p:177.

35 – المهدي المنجرة : الحرب الحضارية الأولى، ، ص 73.

36 – محمد تاج الدين الحسيني : النظام الدولي الجديد بين الوهم والواقع، الوحدة، عدد 90، ص 72.

37 – سمير أمين : الاضطراب الكبير، ص 133.

38 – يسار الجميل، المستقبل العربي ،عدد ، 217، ص 67.

39 – محمد عبد الشفيع عيسى : كشف الغطاء عن الشرعية الدولية الراهنة، من البعد القانوني إلى البعد السياسي، المستقبل العربي، عدد 223، ، ص 28-29.

40 – عبد الله صالح، مراجعة كتاب :

Ricard Hime : The united Nations and the N. world order, face press. N.York 1994, p:225.

41 – عمر بوزيان : نحو نظام بديل لسياسة اتخاذ القرار الدولي، جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 4924/2 فبراير 1997.

42 – محمد عبد العزيز سرحان : المرجع السابق، ص 6.

43 – المختار مطيع، المشاكل السياسية الكبرى، ص 27.

44 – مصطفى عبد الله أبو القاسم خشيم : تأثير النظام الدولي على التعاون العربي الأفريقي ، مجلة المستقبل العربي ، بيروت، عدد168 ص 36-38.

(45) – لقد جاء اجتياح الجيش العراقي للكويت بعد سلسلة من الأزمات (المفتعلة) من قبل الغرب أهمها قضية إعدام الصحافي البريطاني الذي اتهمته بغداد بالتجسس لحساب إسرائيل و أعلنت إثرها بريطانيا في أبريل 1990 عن اكتشاف عملية تهريب صواعق نووية للعراق، وأدى تهديد العراق بضرب إسرائيل إلى حظر البرلمان الأوروبي في أبريل 1990، تصدير أية معدات لازمة لصنع الأسلحة للعراق، وساد توجس لدى الغرب من خروج العراق قويا عسكريا من حربه ضد إيران. انظر رشيد شقير : أزمة الخليج جذور وآفاق، الفكر ا لاستراتيجي العربي عدد 35 يناير 1991 مجلة فصلية تصدر عن معهد الإنماء العربي، ص 14-15.

46 – جماعة من المؤلفين : حرب الخليج ومستقبل العرب، مرجع سابق، ص 74.

47 – المهدي المنجرة، ، الحرب الحضارية الأولى،منشورات العيون ،الدار البيضاء ، 1991 ، ص 21.

48 – محمد عابد الجابري : نتائج حرب الخليج ـ الوحدة عدد 79/80 ـ ماي 1991، ص 32.

49 – برر الرئيس الأمريكي ريغان الهجوم الأمريكي على الجماهيرية الليبية يوم الخامس عشر من أبريل 1986، بأنه يأتي كدفاع عن النفس طبقا للمادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة وهو المبرر الذي قالت به أمريكا عند عدوانها على السودان بقصفها لمصنع للأدوية بزعم أنه مصنع ينتج مواد كيماوية محرمة ثم عدوانها على أفغانستان والعراق.

50 – لا بد من التوضيح أننا نعالج موضوع الإرهاب الدولي وليس الإرهاب الداخلي ، ونقصد بالأول ، الإرهاب الذي يتعدى حدود الدولة الواحدة أي يكون فيه عنصر أجنبي ، كأن يمارس أفراد من دولة ما أعمال إرهابية ضد أهداف ومصالح دولة غير التي ينتمون إليها سواء كانت هذه الأهداف في بلدانهم أو في البلد الأجنبي ، أما الإرهاب السياسي الداخلي فهي العمليات التي يمارسها أفراد أو جماعات داخل حدود دولتهم ودولة هؤلاء هي التي تسميهم إرهابيين : بعض الجماعات الإسلامية في الجزائر وفي مصر وفي سوريا أو حزب العمال الكردي في تركيا الخ.

51 – كما عرفة المركز القومي للتقييم التابع لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية وأوردته مجلة “أوريس” 1984.

52 – توصيات الدورة السابعة عشرة للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1973.

53- التقرير السنوي عن أعمال منظمة الأمم المتحدة لعام 1998 الذي أعده الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان . منشورات هيئة الأمم المتحدة.

54–إبراهيم أبراش ،الجهاد :شرعية المبدأ والتباس الممارسة ،منشورات ألوان مغربية ،مكناس (المغرب) 2003 ،ص:31 .

المراجع

الكتب

1-إبراهيم أبراش ،الجهاد:شرعية المبدأ والتباس الممارسة، منشورات ألوان مغربية ،مكناس (المغرب) 2003.

2- الجعفري، بشار ،( 1994): منظمة الأمم المتحدة والنظام الدولي الجديد، الطبعة الأولى.

3-الجميل، سيار ، ( 1997 ) ، العولمة الجديدة والمسار الحيوي للشرق الأوسط ، مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق ، بيروت ،لبنان .ط 1.

4- العابدي، زكي، وآخرون، 1994، المعنى والقوة في النظام العالمي الجديد،، ترجمة سوزان خليل ، مطبوعات سينا للنشر ،القاهرة.

5- المنجرة، المهدي، ( 1991 )،الحرب الحضارية الأولى،منشورات العيون ،الدار البيضاء.

6- الفيلالي،مصطفى ،وآخرون،( 1991)،حرب الخليج ومستقبل العرب، ار سراس للنشر ، تونس

7- الزعبي، موسى ،( 1993)أنظام دولي جديد أم هيمنة أمريكية جديدة؟ الطبعة الأولى .

8- أمين، سمير ، وآخرون، (1991) ، الاضطراب الكبير، بيروت ، دار الفارابي، ط 1.

9- حتي ،ناصيف يوسف، تحرير السيد يسين ،( 1992 ) ،نحو تأسيس نظام عربي ،عمان، منتدى الفكر العربي.

10- زهران ،جمال علي ،( 1996)، النظام الدولي والإقليمي: عن الاستمرارية والتغير. الطبعة 1.

11 سرحان، عبد العزيز محمد،( 1993)، العرب والمسلمون في ظل النظام الدولي الجديد والشرعية الدولية، وأثره على العالم العربي ،دار النهضة العربية، القاهرة.

12- التقرير السنوي عن أعمال منظمة الأمم المتحدة لعام 1998 الذي أعده الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان . منشورات هيئة الأمم المتحدة.

البحوث والمقالات

1- 14-ابراش ، إبراهيم:(1994) ، حدود النظام وأزمة الشرعية في النظام الدولي الجديد ، مجلة المستقبل العربي ، العدد 185 ، مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت.

15-ابراش، إبراهيم ،( 2000) ،حقوق الشعب الفلسطيني :من الشرعية التاريخية إلى الشرعية الدولية ، مجلة دراسات فلسطينية ، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ، بيروت ، عدد42.

16- أبو الوفا، أحمد،( 1996) ،الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد، السياسة الدولية، عدد 122.

17- العربي، نبيل،( 1993) ، الأمم المتحدة والنظام العالمي الجديد، السياسة الدولية، عدد 114.

18- – الجابري، محمد عابد ، نتائج حرب الخليج ، الوحدة عدد 79/80 ـ ماي 1991.

19 – الحوساني ، سمير عبد الفتاح، النظام الدولي الجديد: هيمنة أمريكية وحروب أقلية، جريدة القدس، عدد 2132.

20- الحسيني ، مصطفى،أي عالم سوف نرى؟ الشرق الأوسط عدد 5763، الخميس 8/9/199.

21 – الحسيني، محمد تاج الدين، النظام الدولي الجديد بين الوهم والواقع، الوحدة، عدد90

22- إسماعيل، زكريا محمد ، النظام الدولي الجديد، الوهم والخديعة، مجلة المستقبل العربي ، عدد 143.

23- – أدوم، وليام، إعداد هدى راغب عوض، السياسة الدولية عدد 123 يناير 1996.

24- بلقزيز، عبد الإله ، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ما العمل؟ ، مجلة المستقبل العربي، عدد 154. 1991.

25- بوقنطار ،الحسان ، حول بعض إشكاليات النظام الدولي الراهن، الشرق الأوسط، 6-5-1994.

26- بوزيان، عمر، نحو نظام بديل لسياسة اتخاذ القرار الدولي، جريدة الاتحاد الاشتراكي عدد 4924/2 فبراير 1997.

27- جاد ،عماد، أثر تعثر النظام الدولي على حلف شمالي الأطلسي، السياسة الدولية ،عدد 134.

28- خشيم ،مصطفى عبد الله أبو القاسم ، تأثير النظام الدولي على التعاون العربي الأفريقي ، مجلة المستقبل العربي ، بيروت، عدد168 .

29- فراج ،عفيف ، مراجعة كتاب، مشار إليه في مجلة أبعاد العدد 4، ص 283.

30 – فراج ،كامل فراج،مجلة الوحدة عدد 100، ص 99.

31- عبد الله ،عبد الخالق، النظام العالمي الجديد، الحقائق والأوهام، السياسة الدولية، عدد 124 أبريل 1996.

32- ساش، إيناس: تعريب عبد الكريم شوطا، ضرورة التنمية الكونية لا الإقصاء،الاتحاد الاشتراكي عدد 9854. 24 نونبر 1996.

33- شقير ،رشيد ، أزمة الخليج: جذور وآفاق، الفكر ا لاستراتيجي العربي ، مجلة فصلية تصدر عن معهد الإنماء العربي. عدد 35 ،1991.

34- عيسى ،محمد عبد الشفيع،كشف الغطاء عن الشرعية الدولية الراهنة : من البعد القانوني إلى البعد السياسي، المستقبل العربي، عدد 223.

35- نوري ،شاكر،ديريدا يدين النظام العالمي الجديد بروحية ماركس، القدس العربي، عدد 2138،25 مارس 1996.

مراجع أجنبية

36 – The Economist Dec 94.

37- Pathak (R.s),Dhokolia(R.P) [Redacteurs]. Inte
ational law in transition, ( London ,Martinus Nijhoff publishers 1992).

38 – Sam Marullo:Ending the cold war at home: From militarian to a mor peaceful world (Lexington Books,Maxwell,Mac Milan.N.York,Jul 1994).

39- Grigory Tunkin : Anew political thinkink and inte
ational law in inte
ational law in transition,.

40-Ricard Hime : The united Nations and the world order, face press. N.York 1994.

 

عن admin