مقتطفات
الرئيسية / دراسات وأبحاث / العلاقة الملتبسة ما بين منظمة التحرير والسلطة وحركة حماس

العلاقة الملتبسة ما بين منظمة التحرير والسلطة وحركة حماس

التباس مفهوم وواقع التعددية في النظام السياسي الفلسطيني
-العلاقة الملتبسة بين المنظمة والسلطة وحركة حماس-

مقدمة
يشهد الحقل السياسي الفلسطيني هذه الأيام جدلا وحوارا سياسيا غير معهود يمس قضايا إستراتيجية تتعلق ببنية النظام السياسي الفلسطيني وآليات اشتغاله ومستقبله،وشكل الحكومة ومرجعيتها الخ،وهي قضايا مقحمة على شعب يعيش تحت الاحتلال .والملاحظ أن هذه القضايا تتمحور حول طبيعة العلاقة ما بين مؤسسات رئيسية ثلاث : الأولى هي منظمة التحرير الفلسطينية والتي وطوال أكثر من أربعة قرون وهي تمثل الشعب الفلسطيني وتعتبر الإطار المُوحد للقوى السياسية الفلسطينية وبمثابة النظام السياسي الفلسطيني ،والثانية هي السلطة باعتبارها نظاما فرعيا للمنظمة أسست بقرار منها ليجيب ويتعامل مع استحقاقات سياسية مرتبطة بالتسوية السياسية التي ألزمت المنظمة نفسها به ،والطرف الثالث هي حركة حماس التي أصبحت الحكومة ومسيرة السلطة من باب الانتخابات دون أن تكون جزءا من منظمة التحرير الفلسطينية .
هذه المكونات الثلاثة تعيش اليوم حالة من الجدل المحتدم لتحديد العلاقات بينها بما لا يخل بوحدة وشمولية النظام السياسي ،وهو جدل وإن كان متواجدا قبل إجراء الانتخابات التشريعية الأخيرة إلا انه احتدم بعد إجراء هذه الانتخابات وفوز حركة حماس بالأغلبية . ولأنه جدل وصل لدرجة تأزم النظام السياسي ووضع المواطن الفلسطيني في حالة ترقب وقلق على مستقبلة ،فأن الأمر يحتاج لمعالجة متأنية لسيرورة العلاقة بين هذه المكونات الثلاث حتى نتلمس سبل الخروج من المأزق بما يخدم المصلحة الوطنية العليا ،وخصوصا أننا كنا نأمل أن تؤدي الانتخابات لإخراج النظام السياسي من أزمته بدلا من تعميق هذه الأزمة.
فمنذ أن أصبحت الانتخابات استحقاق منصوص عليه باتفاق أوسلو وبخطة خارطة الطريق ،انتابنا توجس من حقيقة هذا الإصرار الأمريكي والأوروبي مع عدم الممانعة الإسرائيلية ،فهل الأمريكيون حريصون بالفعل على أن نصبح مجتمعا ديمقراطيا ونمارس حقنا بحرية التعبير والرأي وتجسيد مبادئ إرادة الأمة والسيادة وحق الشعب بتقرير مصيره ؟وهل الإسرائيليون الذين يحتلون الوطن ويستولون على الأرض ويقتلون البشر حريصون على الشعب الفلسطيني وحريته ؟ .هذا الإصرار الخارجي على الانتخابات دفعنا للكتابة والحديث أكثر من مرة عن وجود مراهنتين على الانتخابات ،مراهنة وطنية فلسطينية تريد أن توظف الانتخابات كآلية لإخراج النظام السياسي من مأزقه وذلك بالتوصل لتشكيل حكومة ائتلافية عبر الانتخابات حيث فشلت عشرات جولات الحوارات من التوصل لقيادة أو حكومة وحدة وطنية ،وبالمقابل وجود مراهنة خارجية ،أمريكية وإسرائيلية خصوصا لجعل الانتخابات مصيدة للفلسطينيين تبعدهم عن مقارعة الاحتلال ليتصارعوا ويتنافسوا حول المناصب والمواقع في سلطة هي سلطة حكم ذاتي هزيلة وتعيش على المساعدات والهبات الخارجية ،وكنا نراهن على قدرة الفلسطينيين على كسب الرهان الوطني .
وحتى نكسب هذا التحدي الديمقراطي طالبنا بضرورة مباشرة حوار وطني يسبق الانتخابات التشريعية ،هدفه التقريب بين البرامج والمواقف والتوصل لمرجعيات وثوابت وطنية ويكون الاختلاف داخلها وليس عليها ،من منطلق ان الانتخابات كآلية لتداول السلطة لن يكتب لها النجاح إن كانت تنافسا بين استراتيجيات متناقضة ،لأن ذلك سيصعب من إمكانية تشكيل حكومة ائتلافية بل قد يؤدي لأن يثار الفائزون من المنهزمين وعدم اعتراف المنهزمون بالهزيمة وبالتالي الارتداد على العملية الديمقراطية برمتها ،وللأسف جرت الانتخابات دون الاتفاق على ثوابت ومرجعيات وطنية ، وجرى ما نشاهده اليوم ،المنهزم بالانتخابات مأزوم بهزيمته والمنتصر مأزوم بنصره .

أولا:خصوصية التعددية الحزبية في النظام السياسي الفلسطيني

عن سبق فهم وإدراك أم نتيجة جهل نلاحظ بأن الخطاب السياسي الفلسطيني يعج بمفاهيم ومصطلحات كالدولة والسلطة والمعارضة والمجلس التشريعي والسلطة التنفيذية والتعددية الحزبية والانتخابات والمجتمع المدني الخ ،كوصف لمؤسسات قائمة وتشبيها بما هو عليه الحال في المجتمعات الأخرى المستقرة .لا شك أننا نأمل أن يكون واقع حال هذه المؤسسات عندنا شبيه بحالها بالدول الديمقراطية المستقرة ،إلا أن وجود الاحتلال يُخرج هذه المؤسسات عن طبيعتها ويضعها في سياق مختلف مما يحتم على كل باحث بالشأن السياسي الفلسطيني أخذ هذه الخصوصية بعين الاعتبار.
1- خصوصية النظام السياسي في الحالة الفلسطينية

أ- تعريف النظام السياسي
التعريف التقليدي للنظام السياسي هو نظام الحكم بمعنى المؤسسات الحكومية الثلاث: تنفيذية وتشريعية وقضائية ، والتي تقوم بمهمة الدفاع عن الوطن ضد التهديدات الخارجية وضمان الترابط الداخلي ،هذا التعريف للنظام يربط النظام السياسي بالدولة ، وهو تعريف مستمد أساسا من التعريف التقليدي لعلم السياسة بأنه علم الدولة ، إلا أن التطور الذي عرفه علم السياسة مع تطور وتعقد الحياة السياسية وتجاوزها لحدود الدولة ، دفع بعلماء السياسية إلى تعريف علم السياسة كعلم السلطة ، وعليه ،أصبح النظام السياسي يعرف كمفهوم تحليلي أكثر مما هو نظام مؤسساتي مضبوط كما توحي كلمة نظام ،وضمن هذه الرؤية عرفت موسوعة العلوم السياسية ،النظام السياسي هو ” مجموع التفاعلات والأدوار المتداخلة والمتشابكة التي تتعلق بالتخصيص السلطوي للقيم ، أي بتوزيع الأشياء ذات القيمة بموجب قرارات سياسية ملزمة للجميع (دايفد استون )،أو التي تتضمن الاستخدام الفعلي أو التهديد باستخدام الإرغام المادي المشروع في سبيل تحقيق تكامل وتكيف المجتمع على الصعيدين الداخلي والخارجي (جابرييل الموند ) ،أو التي تدور حول القوة والسلطة والحكم (روبرت دولُ )، أو التي تتعلق بتحديد المشكلات وصنع وتنفيذ القرارات السياسية ” .
وهذا يعني أن النظام السياسي قد يشمل الدولة ولكنه قد يتجاوزها ليستوعب علاقات وتفاعلات سلطوية إما مشمولة بالدولة كالأحزاب والجماعات العرقية والطائفية ذات الثقافات المغايرة والمضادة للدولة ، وإما تتعدى حدود الدولة كظاهرة الإرهاب الدولة أو العنف متعدي القوميات أو حركات التحرر الوطني أو التداعيات السياسية للعولمة.
وفي جميع الحالات ،فان مؤشرات وجود الظاهرة أو التركيبة السياسية التي يمكن تسميتها بالنظام السياسي هي التالي :
1) قيادة سياسية ذات سلطة أكراهية – بدرجة ما-
2) مؤسسات سياسية شرعية
3) هدف محل توافق وطني
4) إستراتيجية عمل وطنية – ثوابت قومية -.

ب- منظمة التحرير الفلسطيني كنظام شمولي لكل الشعب الفلسطيني
منذ قيام منظمة التحرير عام 1964 ، تم التعامل معها كتجسيد للكيانية السياسية الفلسطينية ، من حيث وجود قيادة ومؤسسات : رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ، واللجنة التنفيذية والمجلس المركزي والمجلس الوطني الفلسطيني والقضاء الثوري ومؤسسات أخرى أهمها القوات المسلحة ، كما حدد الميثاق الوطني ، الإستراتيجية والهدف ، فكانت بداية إستراتيجية الكفاح المسلح ثم بالتدريج ومن خلال صياغات تحويرية ومبطنة تم الانتقال من الكفاح المسلح إلى العمل السياسي، هذا التحول بالإستراتيجية رافقه أو بالأدق كان نتيجة استعداد لتحوير الأهداف ، من تحرير كل فلسطين إلى القبول بدولة على أساس الشرعية الدولية .كان النظام السياسي آنذاك هو نظام حركة تحرر وطني تناضل من خارج أراضيها ، وهو ما جعل المحددات الخارجية تلعب دورا خطيرا في قيام النظام السياسي- منظمة التحرير- بداية ثم التأثير والتدخل الفج في رسم سياساته وحركاته السياسية لاحقا ، ولم يغير قرار قمة الرباط 1974 بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا شرعيا ووحيدا ولا إعلاء القيادة الفلسطينية لشعار استقلالية العمل الفلسطيني ،من الأمر كثيرا ولكن مع تغير طبيعة القوى المتدخلة .
في تلك المرحلة كانت المنظمة بمثابة البيت لكل الفلسطينيين ،والنظام الذي يستوعب كل الفصائل والأحزاب والجمعيات بغض النظر عن إيديولوجيتها وسياستها ما دامت تلتزم بالإستراتيجية الوطنية وهي إستراتيجية المقاومة ،وهذا ما نصت عليه المادة 8 من الميثاق الوطني حيث جاء فيها (المرحلة التي يعيشها الشعب الفلسطيني هي مرحلة الكفاح الوطني لتحرير فلسطين ولذلك فإن التناقضات بين القوى الوطنية هي من نوع التناقضات الثانوية التي يجب أن تتوقف لصالح التناقض الأساسي فيما بين الصهيونية والاستعمار من جهة وبين الشعب العربي الفلسطيني من جهة ثانية، وعلى هذا الأساس فإن الجماهير الفلسطينية سواء من كان منها في ارض الوطن أو في المهاجر تشكل منظمات وأفرادا جبهة وطنية واحدة تعمل لاسترداد فلسطين وتحريرها بالكفاح المسلح.).
ومن هذه الصفة التمثيلية لم تغلق المنظمة أبوابها أمام أي فلسطيني أو فصيل فلسطيني يسعى للنضال من اجل التحرير بل ذهب ميثاق المنظمة أبعد من ذلك معتبرا بان أي فلسطيني هو تلقائيا عضو في المنظمة وهو أمر قد يبدو متناقضا مع مبدأ حرية الانتماء ولكن يمكن تفهم هذا الأمر إذا عرفنا بأن المنظمة لم تضع شروطا للانتماء لها .فنصت المادة 4 من الميثاق على ( الفلسطينيون جميعاً أعضاء طبيعيون في منظمة التحرير الفلسطينية يؤدون واجبهم في تحرير وطنهم قدر طاقاتهم وكفاءاتهم والشعب الفلسطيني هو القاعدة الكبرى لهذه المنظمة).
وبهذه الصفة التمثيلية الشمولية ليس للأحزاب بل للشعب كله أصبح المجلس الوطني الفلسطيني وكما جاء في النظام الأساسي للمنظمة (هو الهيئة التمثيلية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني بأسره داخل فلسطين وخارجها والذي يعتبر حسب نص المادة 7-أ من النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية هو السلطة العليا لمنظمة التحرير، وهو الذي يضع سياسة المنظمة ومخططاتها… ويختص بكافة المسائل الدستورية والقانونية والسياسية العامة المتعلقة بالقضايا المصيرية للشعب الفلسطيني وكل ما يتعلق بمصالحة الحيوية العليا).
وبهذه الصفة التمثيلية تمكنت المنظمة من الحصول علي اعتراف عربي ودولي بها عام 1974 فأصبحت عضوا في جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الاسلامي وغيرها من المنظمات الاقليمية وعضوا مراقبا في هيئة الأمم المتحدة وأصبح لها أكثر من مائة سفارة ومكتب تمثيل في العالم ،بل أنه على اثر الصدامات الدموية بين اهلنا في فلسطين المحتلة وقوات الاحتلال في يوم الارض 30مارس 1976 صدر بيان عن فلسطينيي الخط الاخضر يعلنون فيه ان المنظمة تمثلهم ايضا.
وجاء إعلان الاستقلال في دورة المجلس الوطني في الجزائر في نوفمير 1988 ليؤكد على الصفة التمثيلية للمنظمة حيث ورد(وصاغت الإرادة الوطنية إطارها السياسي، منظمة التحرير الفلسطينية، ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، باعتراف المجتمع الدولي، متمثلاً بهيئة الأمم المتحدة ومؤسساتها والمنظمات الإقليمية والدولية الأخرى، وعلى قاعدة الإيمان بالحقوق الثابتة، وعلى قاعدة الإجماع القومي العربي، وعلى قاعدة الشرعية الدولية قادت منظمة التحرير الفلسطينية معارك شعبها العظيم، المنصهر في وحدته الوطنية المثلي، وصموده الأسطوري أمام المجازر والحصار في الوطن وخارج الوطن. وتجلت ملحمة المقاومة الفلسطينية في الوعي العربي وفي الوعي العالمي، بصفتها واحدة من أبرز حركات التحرر الوطني في هذا العصر).
بقيت منظمة التحرير رائدة النضال الوطني وممثلة الشعب الفلسطيني حتى ظهور حماس كقوة شعبية جهادية اثبتت وجوده خلال الانتفاضة الأولى 1987 ، ومع أنه يمكن إرجاع الوجود السياسي الفاعل لحماس إلى سنة 1979 حيث قررت إسرائيل السماح بترخيص (المجمع الإسلامي )الذي كان الواجهة التي تشتغل من خلفها الحركة ،إلا أنه تأكد حضورها كمنافس قوى وربما بديل عندما نشرت ميثاقها في أغسطس 1988 والذي تشابه كثيرا مع ميثاق منظمة التحرير مع إضفاء مسحة دينية عليه .
ج- حماس والمنظمة:بين الاعتراف المشروط والبديل المنتظر
لم يتبلور موقف واضح لحماس من المنظمة حيث تفاوتت المواقف ما بين القبول المشروط بالمنظمة والرفظ وبينهما مواقف غامضة كانت تحدد حسب العلاقات بين الطرفين.فميثاق حماس أشار للمنظمة بصورة غامضة عندما قال( بان المنظمة من اقرب المقربين إلى حركة المقاومة الاسلامية ففيها الاب والاخ أو القريب أو الصديق وهل يجفو المسلم أباه أو أخاه أو قريبه أو صديقه ؟فوطننا واحد ومصابنا واحد ومصيرنا واحد وعدونا مشترك) ولكن هذا القول المطمئن يتلاشى عندما يرفض الميثاق الطابع العلماني للمنظمة بالقول أننا لا نستطيع أن نستبدل اسلامية فلسطين الحالية والمستقبلية لنتبنى الفكرة العلمانية … ويوم تتبنى المنظمة الاسلام كمنهج حياة فنحن جنودها ووقود نارها التي تحرق الأعداء .وهكذا نلاحظ غياب الموقف الصريح من تمثيلية المنظمة للشعب الفلسطيني .
وبعد عام تقريبا على صدور ميثاق حماس وفي مقابلة صحفية مع مجلة فلسطين المسلمة وردا على سؤال حول اعتراف حماس بالمنظمة كممثلة للشعب الفلسطيني ،كان الرد بالتمييز ما بين المنظمة كإطار وطني والمنظمة كتوجه سياسي وبنية قائمة ،فالمنظمة كإطار وطني كما ورد في الميثاق من حيث الاهداف والتشكل مقبولة من حماس ،أما المنظمة كتوجه سياسي حالي يعترف بإسرائيل وبقرارات الشرعية الدولية فهي مرفوضة .
في مقابلة مع الشيخ أحمد ياسين في السجن قال بان المنظمة تمثل فلسطينيي الخارج فقط ولا تمثل فلسطيني الداخل وفي نفس المقابلة قال ( أريد دولة ديمقراطية متعددة الأحزاب ،السلطة فيها لمن يفوز في الانتخابات ) . ولكن في 1990 تحدثت حماس بنغمة تصالحية وذلك على لسان محمود الزهار الذي قال بان المنظمة تمثلنا جميعا ،وقامت حماس بتعيين ممثل غير رسمي لها في المجلس المركزي للمنظمة ،ولكن عندما فكرت المنظمة بعقد اجتماع للمجلس الوطني في ربيع نفس السنة طالبت حماس ب 40 بالمائة من المقاعد واشترطت إلغاء البرنامج السياسي –بيان إعلان الاستقلال لعام 1988 وردت فتح بقوة ففي مقال في مجلة فلسطين الثورة لشهر يوليو جاء أن المنظمة ليست حزبا من أحزاب الدولة وإنما هي الدولة.
في مذكرة وجهتها حماس للمجلس الوطني في نيسان 1990 حددت حركة حماس الشروط التي على اساسها يمكن الدخول بالمجلس الوطني الفلسطيني وهي عشرة شروط أهما اعتبار فلسطين وحدة واحدة من البحر للنهر والتاكيد على الكفاح المسلح وشروط أخرى منصوص عليها في الميثاق الوطني ،وهذا موقف وسطي يستشف منه أنها ليست ضد المنظمة من حيث المبدا ولكنها ضد الخروج عن ميثاق المنظمة ،و اضافت شرطا هو ان تُمثل بالمجلس بنسبة تتراوح بين 40 و 50 بالمائة .

عندما تم إبعاد 400 شخصية في ديسمبر 1992 توترت العلاقة بين الطرفين مجددا وتوسطت السودان بين الطرفين وجرت مفاوضات في الخرطوم وطالبت حماس بنسبة 45%من مقاعد المجلس مما أدى لانهيار الحوار وحمَّل أبو عمار المسؤولية لممثلي حماس بعمان مشيرا إلى وجود تباين في المواقف بين جناح الداخل وجناح الخارج في الحركة ، مما دفع بمحمد نزال أحد قادة حماس في الخارج للمطالبة باستقالة قيادة المنظمة ،إلا أنه في يونيو تراجعت حماس عن موقفها المتشدد وأعلنت على لسان إبراهيم غوشة بان المنظمة هي الإطار السياسي لجميع أبناء الشعب.

مع مدريد تعمقت الخلافات بين الطرفين ،وانتقدت الحركة قرارات المجلس الوطني في الجزائر في أيلول 1991 وهي الدورة التي اقرت المشاركة في مؤتمر مدريد معتبرة ان المجلس الوطني الفلسطيني بتشكيلته الحالية غير مؤهل لإتخاذ قرارات مصيرية ،بل وصل الأمر للتحفظ على شرعية تمثيل المنظمة وهو ما ظهر خلال لقاء حماس وفتح في الخرطوم في يناير 1993 كما ذكرنا.

ثانيا : السلطة بين المرجعية المؤسسة(م .ت.ف) والمرجعية الانتخابية (حركة حماس).

1- سلطة وطنية على أنقاض المنظمة أم لتطبيق برنامج المنظمة؟
أوجد اتفاق أوسلو الذي وقعته منظمة التحرير مع إسرائيل عام 1993 انشقاقا كبيرا بين الفلسطينيين وخلخل مرتكزات النظام السياسي الذي أسست له منظمة التحرير طوال ثلاثة عقود ، ويبدو أن الثوابت التي حافظ عليها النظام السياسي الفلسطيني هي اقل بكثير من المتغيرات التي طرأت عليه.فبعد قيام سلطة الحكم الذاتي دخلت المنظمة بكل فصائلها قفص التسوية- مناطق السلطة في الضفة وغزة- مع تباين نسبي في الموقف من التسوية وهو تباين حول الآليات وليس حول مبدأ التسوية أو الصفة التمثيلية للمنظمة، وتحول الثوار إلى موظفين أو رجال امن بمهام غامضة.

كان تأسيس السلطة بقرار صادر عن المجلس المركزي الفلسطيني في دورته المنعقدة من 10-12/10/1993 في تونس جاء فيه (أولاً: تكلف اللجنة التنفيذية بمنظمة التحرير الفلسطينية بتشكيل مجلس السلطة الوطنية الفلسطينية في المرحلة الانتقالية من عدد من أعضاء اللجنة التنفيذية وعدد من الداخل والخارج. ثانياً: يكون السيد ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية رئيساً لمجلس السلطة الوطنية الفلسطينية.) .أيضا فأن القانون الأساسي للسلطة أكد على منظمة التحرير هي مرجعية السلطة الوطنية حيث جاء فيه (إن ميلاد السلطة الوطنية الفلسطينية على ارض الوطن فلسطين، ارض الآباء والأجداد، يأتي في سياق الكفاح المرير والمستمر، الذي قدم خلاله الشعب الفلسطيني آلاف الشهداء والجرحى والأسرى من خيرة أبنائه ، لأجل نيل حقوقه الوطنية الثابتة المتمثلة في حق العودة وتقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف بقيادة منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني أينما وجد).
فحيث أن تأسيس السلطة جاء في إطار تسوية مرفوضة من طرف حركة حماس و- والجهاد الإسلامي أيضا- فقد رفضت حركة حماس الاعتراف بالسلطة بداية ثم قبلت بها كأمر واقع دون أي تعاون يذكر ، وهي أساسا لم تكن راغبة بالانضواء في النظام السياسي الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية بل وقفت موقفا معاديا من السلطة وبذلت كل ما من شأنه أن يعيق عملها أو يسيء لسمعتها ،وسنلاحظ لاحقا كيف غيرت حماس موقفها من المشاركة بالنظام السياسي وبالسلطة عندما دخلت الانتخابات التشريعية وأصبحت هي السلطة.
من جهة أخرى فقد بات واضحا بأن كل مسعى للسلطة الوطنية لتعزيز نفوذها محليا ودوليا كان أحيانا يصب في اتجاه معارض للمنظمة ومهمش لها .لا شك بأن تراجع المنظمة قد بدأ مع بدء الحوار مع امريكا عام 1988 ثم مع حرب الخليج والازمة المالية والسياسية المصاحبة لها، إلا أن أزمة المنظمة تكرس بعد تشكل السلطة حيث أن البعض من نخبة المنظمة وعلى رأسهم البعض من قادة حركة فتح بدأوا يفكرون بالسلطة وامتيازاتها على حساب التفكير بإحياء المنظمة ،كانت السلطة بالنسبة لهم فرصة للإغتناء المالي وتعويضا لسنوات الحرمان أكثر مما هي محطة نضالية لإستكمال مشروع التحرير ،ومن هنا عم الفساد والفوضى الأمنية وترهلت مؤسسات السلطة ومعها تم تشويه المنظمة وعمودها الفقري حركة فتح.
يبدو بأن توجها مقصودا تولد لدى بعض النافذين بالسلطة بان يتم تهميش المنظمة ،ذلك أنه بالرغم من أن المنظمة هي المسؤولة عن ملف المفاوضات والعلاقات الخارجية ،إلا أن دورها بدا يتراجع ونلمس ذلك من خلا عدة مؤشرات ،منها أن خطة خارطة الطريق تمت على يد السلطة ممثلة برئيس الحكومة والوزراء ،حيث سلمت اللجنة الرباعية ملف خطة خارطة الطريق لرئيس وزراء السلطة ،أيضا أستُحدث في السلطة منصب وزاري جديد وهو منصب وزير شؤون المفاوضات،كما أن وجود منصب وزير الدولة للشؤون الخارجية بدلا من منصب وزير التخطيط والتعاون الدولي ادى لتهميش الدائرة السياسية للمنظمة،وقد تجلى ذلك في الخلاف الذي احتدم بين نبيل شعت وابو اللطف .

وهكذا أصبح النظام السياسي الفلسطيني في ظل سلطة الحكم الذاتي يعيش علاقة ملتبسة وشائكة ما بين المنظمة والسلطة وتفاقمت هذه الإشكالية مع تعزيز نفوذ حركة حماس خلال سني الانتفاضة .ليس من المؤكد أن الانتفاضة أتت في إطار فعل موجه ومخطط له من قبل السلطة الفلسطينية أو المعارضة ، وبالتالي أصبح من الصعب القول بأن الانتفاضة كفعل استند في استمرار يته إلى وجود إستراتيجية محددة من قبل النظام السياسي الفلسطيني سواء حول الهدف منها أو ما يمكن أن تجنيه وتحققه لصالح القضية الفلسطينية ، أو حول كيفية توجيه وتنظيم العمل الانتفاضي، لذلك اتسمت (الإستراتيجية الفلسطينية) بالعديد من التباين اتضحت معالمه في الافتقار إلى رؤية موحدة في الهدف وغياب التوافق حول الوسيلة ، وصار النظام السياسي الفلسطيني يعمل في ظل إستراتيجيات بعدد الفصائل والأحزاب – فتعدد الاستراتيجيات لا يعني وجود إستراتيجية عمل وطنية – فكيف يمكن القول بوجود هذه الإستراتيجية للنظام السياسي الفلسطيني مع وجود من ينادي بحرب تحرير شعبية هدفها تحرير كامل فلسطين وأن تكون كل فلسطين بما فيها أراضي عام 1948م مسرحاً للنضال والعمل العسكري واعتبار المدنيين الإسرائيليين أهدافا مشروعة، وهناك من يُقصر الهدف الوطني على تطبيق الشرعية الدولية،وهناك مَن يتبني خيار المقاومة و لكن لتحسين شروط المفاوضات الخ ،وكل ذلك في غياب تنسيق بين هذه الاستراتيجيات بل كانت كل منهما تهدم ما تبنيه الأخرى .

2-الانتخابات التشريعية وإعادة خلط الأوراق

لم يكن فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية مجرد فوز لحزب على بقية الأحزاب في انتخابات تشريعية تعرف مثيلا لها غالبية دول العالم ،بل يصح قول من وصف الأمر بالانقلاب أو الزلزال ،ولكنه ليس زلزالا من حيث اكتساح حركة حماس لغالبية مقاعد المجلس التشريعي بل من حيث التداعيات القانونية والإستراتيجية لهذا الفوز على مجمل الصراع في المنطقة وعلى المرجعية القانونية والشرعية للشعب الفلسطيني وهو الموضوع الذي لم يتطرق له المحللون بعد.
لو كان الفوز من نصيب حزب من أحزاب منظمة التحرير ما كان الأمر يثير إشكالات كثيرة ،ولو فازت حماس وأخذت موقعها كحزب معارض بالمجلس التشريعي واستمرت السلطة بيد حركة فتح أو تحالف من فصائل منظمة التحرير أيضا لكان الأمر قابل للتعامل معه ضمن نفس الثوابت والمرجعيات المؤسسة والمسيرة للنظام السياسي ،ولكن مَن فاز هي حركة حماس التي هي خارج منظمة التحرير وخارج النظام السياسي ولها ميثاقها الخاص بها والذي يعتبر بديلا لميثاق منظمة التحرير،ومن المعلوم أن كل المحاولات التي جرت لإدماج حركة حماس في منظمة التحرير قد باءت بالفشل.
مفترض أن تكون الانتخابات مجرد انتخابات لمجلس تشريعي لسلطة حكم ذاتي منبثقة عن اتفاقية أوسلو ،وهذا يعني أن صلاحيات المجلس التشريعي والحكومة التي ستنبثق عنه لن تتعدى إدارة أمور الفلسطينيين داخل المناطق التي تسيطر عليها السلطة وإصلاح أوجه الخلل في أداء السلطة وهو الخلل الذي بسببه انتخب الشعب حركة حماس،أما القضايا الإستراتيجية كالاعتراف بإسرائيل والمفاوضات والعلاقات الخارجية فليست من اختصاص السلطة الوطنية بل من اختصاص منظمة التحرير الفلسطينية التي هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ،وهي بصفتها هذه وقعت الاتفاقات. فهل يمكن لمجلس منتخب من جزء من الشعب لممارسة حكم ذاتي على جزء من الوطن أن يتحدث باسم كل الشعب الفلسطيني ويطرح نفسه ممثلا عنه مُغيبا الممثل الشرعي والوحيد -منظمة التحرير الفلسطينية -؟
هذه التساؤلات تطرح نفسها بحدة ونحن نرى حماس تتصرف وكأنها ممثلة لكل الشعب الفلسطيني ونسمع ونرى تسابق دول عربية وأجنبية للاتصال مع حركة حماس ودعوتها لزيارتها ،وتعامل عديد من الدول مع حركة حماس وكأنها العنوان الرئيس للشعب الفلسطيني ومطالبتها بأمور هي من اختصاص منظمة التحرير كالاعتراف بإسرائيل وبالاتفاقات الموقعة معها وبقرارات الشرعية الدولية،بل واستعداد بعض الدول كتركيا ان تلعب دور الوسيط بين حركة حماس وإسرائيل للتفاهم على القضايا الإستراتيجية محل الخلاف ،حتى بالنسبة للأطراف المعارضة والمتحفظة على فوز حماس فأنها تتعامل مع حركة حماس وكأنها هي التي تمثل الشعب الفلسطيني ،متناسين وعن قصد بان الانتخابات التي جرت هي لأقل من مليون نسمة من سكان الضفة وغزة أي لعشر عدد الشعب الفلسطيني . فهل ولى زمن منظمة التحرير كممثلة لكل الشعب الفلسطيني ؟وهل انفض حلفاء حركة فتح والمنظمة عنهما وحولوا الاتجاه نحو حركة حماس ؟.
ما يشرعن كل هذه التساؤلات ويحفز العقل على تجاوز التفكير والتحليل السطحي لما يجري هو ما طرأ على قانون الانتخابات من تغيير ،فمن المعلوم أن مبرر المطالبة بتغيير قانون الانتخابات رقم 13/1995 هو تغيير النظام الانتخابي ليصبح نظاما مختلطا وكانت هذه هي نقطة جوهرية في حوار القاهرة بين الفصائل الفلسطينية الذي جرى في مارس 2005 والذي بمقتضاه تم الاتفاق على التهدئة وعلى النظام الانتخابي المختلط ،ولكن المثير إن التغير مس بنودا في القانون الانتخابي على درجة من الأهمية والخطورة ولم تكن مثار نقاش علني مما يدفع للتساؤل هل هو مجرد خلل تقني؟ أم مؤامرة من اللجنة لقانونية في المجلس التشريعي ؟أم الأمر يتعدى ذلك لتفاهمات ضمنية تتعدى الأطراف الفلسطينية وتشارك فيها حركة حماس لأن حماس ترى أنه ليس من الإنصاف أن يكون تمثيلها في المجلس الوطني بعدد مقاعدها بالمجلس التشريعي ؟ والتغيير المقصود هو إسقاط الفقرتان الأولى من المادة 3 و السابعة من المادة 12 من القانون رقم 13 لسنة 1995 .
الفقرة الأولى من المادة 3 تنص على:
“يكون أعضاء المجلس الفلسطيني (التشريعي) فور انتخابهم أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني وفقا للمادتين (5) و(6) من النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية”.
أما الفقرة الأولى من المادة 12 فتنص على:
“لا يجوز لعضو المجلس الوطني الفلسطيني أن يرشح نفسه لعضوية المجلس (التشريعي) إلا إذا قام بنقل قيده من دوائر الخارج, بموجب كتاب مصدق من رئاسة المجلس الوطني الفلسطيني, إلى إحدى الدوائر الستة عشر, وتسري بحقه الأحكام الواردة في هذه المادة”.
بالإضافة إلى التغيير الذي مس هاتين المادتين فقد تجاهل القانون الانتخابي الجديد المذكرة الإيضاحية المرفقة بالقانون الانتخابي القديم والمكونة من صفحتين والتي وضعت في القانون القديم لقطع الطريق على أية محاولة لتجاوز منظمة التحرير وللتأكيد على وحدة الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الخارج ،حيث جاء في هذه الفقرة ما يلي:
“إن إجراء الانتخابات لرئيس السلطة الوطنية وأعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني باعتبارهم أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني, جاء مؤكدا على وحدة الشعب الفلسطيني في كافة أماكن وجوده, الأمر الذي يشكل خطوة هامة على طريق تحقيق حقوقه الوطنية ومطالبه العادلة, وبناء مستقبله ومؤسساته المسئولة أمام الشعب صاحب السيادة”.
إذا ربطنا ما بين التعديل الذي مس قانون الانتخابات والاهتمام العالمي بفوز حماس والتعامل معها كممثلة للشعب الفلسطيني وربطنا كل ذلك بتهميش منظمة التحرير بميثاقها ومجلسها الوطني لمدة عشر سنوات ،ثم الأزمات المتكررة للعمود الفقري لمنظمة التحرير حركة فتح وسقوطها المدوي في الانتخابات التشريعية والفشل الذريع لبقية فصائل منظمة التحرير، من كل ذلك يمكن القول انه كانت هناك محاولات لتهميش منظمة التحرير الفلسطينية لصالح السلطة الوطنية ،وهذه المحاولة كان يقف وراءها أشخاص من المنظمة ومن حركة فتح وإطراف خارجية ،ولكن عندما حدث ما لم يكن في الحسبان و فازت حماس بالأغلبية وأصبحت حزب السلطة ووجدتها فرصة لإطلاق رصاصة الرحمة على منظمة التحرير منافستها على تمثيل الشعب ،استفاق الفتحاويون من غفوتهم واكتشفوا خطورة تغييب المنظمة لأنها في ظل فقدانهم السلطة تبقى بالنسبة للمخلصين منهم الأمل الأخير للحفاظ على المشروع الوطني والإطار الذي يمكنه أن تستقوي به حركة فتح ،وبالنسبة للمتطلعين للسلطة والمناصب تبقى المنظمة مصدر شرعية لامتيازاتهم وسيفا يمكن أن يحاربوا حماس به .كل ذلك يفسر الوضع الصعب والمعقد لتشكيل حكومة حمساوية أشخاصا وبرنامجا والمأزق الذي يواجهه النظام السياسي في عملية التوفيق ما بين المكونات الثلاث :المنظمة والسلطة وحكومة حمساوية .
3- حكومة لا تحضي بقبول الممثل الشرعي للشعب فكيف ستمثل الشعب؟
حدث ما كنا نخشاه وازداد النظام السياسي تأزما بعد رفض اللجنة التنفيذية بصفتها الأداة التنفيذية لمنظمة التحرير-يوم 23/3/2006 ،برنامج الحكومة التي شكلها رئيس الوزراء المكلف السيد إسماعيل هنية،وهو رفض متوقع لأنه لا يُعقل أن تعترف مرجعية اعلي بمرجعية ادني لا تعترف بها ولا بالقانون الأساسي الذي شرّع الانتخابات ! وبات للنظام السياسي ثلاثة رؤوس أساسية:منظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد بمقتضى الميثاق الوطني وبمقتضى القانون الأساسي للسلطة وبمقتضى الاعتراف العربي والإسلامي والدولي ،ورئيس للمنظمة والسلطة ،ثم حكومة تترأسها أغلبية انتُخبت من جزء من الشعب على جزء من الأرض وببرنامج متعارض مع برنامج الممثل الشرعي لكل الشعب.!
فلأول مرة في تاريخ الأنظمة السياسية الديمقراطية أو البرلمانية تحدث انتخابات وتتقدم الأغلبية الفائزة ببرنامج حكومي يتعارض مع دستور الدولة !نعم يمكن أن تكون الأغلبية وحكومتها من لون سياسي والرئيس من لون آخر ،ولكن أن تكون الحكومة وبرنامجها ضد دستور الدولة وقانونها الأساسي فهذه سابقة ومعضلة تحتاج إلى عقول دستورية وسياسية جبارة لحلها.
تشكيل حكومة حمساوية بعيدا عن مشاركة القوى السياسية الأخرى والمستقلين يضع النظام السياسي والمشروع الوطني الفلسطيني برمته موضع تساؤل ،فكيف يمكن أن يقاد هذا المشروع بأكثر من رأس ومرجعية ؟وما فائدة الانتخابات إن لم تؤد لتشكيل حكومة ائتلافية ؟ وما هو المشروع الوطني الذي تقوده حركة سياسية-حركة حماس- تقول بأنها امتداد لحركة- جماعة الأخوان المسلمين- ليست فلسطينية لا المنشأ ولا القيادة ولا الاهتمامات ؟
ومع كامل الاحترام والتقدير لحركة حماس كحزب انتخبه الشعب في الضفة وغزة وله تاريخه النضالي ومع الإقرار بأن تهميش منظمة التحرير بدأ على يد أصحابها وبأن سلطة فتح فشلت -أو أفشلت- في الارتقاء لطموحات الشعب ،إلا أن حماس بمشروعها الديني الذي هو امتداد لقيادة خارجية ومشروع يتجاهل الهوية الوطنية والاستقلالية الوطنية ،لا يمكنها أن تكون إطارا مستوعبا وموحدا لكل فئات الشعب وأحزابه السياسية ،فيما منظمة التحرير يمكنها أن تكون كذلك ولكن بطبيعة الحال بعد إنهاضها من كبوتها وبث الروح فيها واستيعابها لكل القوى السياسية الجديدة وخصوصا حماس والجهاد الإسلامي ،ونعتقد بان ميثاق المنظمة وقانونها الأساسي من المرونة والأريحية السياسية والعقائدية بما يسمح بأن تمثل كل أطياف المشهد السياسي الفلسطيني.

خلاصة
لقد بات واضحا أن للمأزق الذي يعيشه النظام السياسي الفلسطيني جذور ا وهذه الجذور ترجع للحظة التي دخلنا فيها انتخابات تشريعية قبل الاتفاق على ثوابت ومرجعيات مشتركة ،ذلك انه لا يمكن أن يحدث تداول ديمقراطي سلمي على السلطة بين أحزاب سياسية ذات برامج متناقضة ،وقد نبهنا إلى هذه الحيثية في أكثر من مقال وندوة سياسية ومقابلة تلفزيونية ،ولكن يبدو ان غالبية الأطراف السياسية دخلت اللعبة الانتخابية والديمقراطية ليس بثقافة وعقلية ديمقراطية بل بعقلية انقلابية وتحت ضغوط خارجية ومن كان منها حسن النية حاصرته من جانب ثقافة شعبية مشبعة بالعواطف ومُقادة وراء الأقوى أو الأكثر ضجيجا ومن جانب أخر قوى التآمر والتخريب التي تسيرها أطراف خارجية .أيضا ترجع الجذور إلى بنية مؤسساتية تفتقر للفكر والتفكير الاستراتيجي ،ذلك أن وصول المشهد السياسي الفلسطيني إلى ما وصلنا إليه يُفسر بواحد من اثنين :
الأول:- أن العملية الانتخابية برمتها هي صفقة دولية بمشاركة أطراف محلية تفتقر للوطنية هدفها وقف الانتفاضة وتدمير المشروع الوطني الفلسطيني من خلال تدمير قواه الحية ،حركة فتح وحركة حماس وفصائل منظمة التحرير بعد أن عملوا لسنوات على تدمير المنظمة وتحييد حركة الجهاد تمهيدا لتصفيتها .
الثاني :-غياب المفكرين الاستراتيجيين في مراكز اتخاذ القرار عند السلطة والمعارضة معا ،بحيث لم تتم قراءة خطة شارون للانفصال الأحادي الجانب قراءة إستراتيجية بحيث يتم الربط بينها وبين مأزق المفاوضات ومأزق النهج العسكري للفلسطينيين ثم التهدئة والإصرار الأمريكي على إجراء الانتخابات في موعدها بالرغم من وضوح التدهور المتزايد لحركة فتح وقوى اليسار ،أيضا عدم أخذ الحوار الوطني للتوصل لثوابت ومرجعيات مشتركة مأخذ الجد.
ما الحل ؟ الحل بسيط إذا غلبت القوى السياسية المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والشخصية وإذا ما وضعنا نصب أعيننا أننا ما زلنا تحت الاحتلال ،وإذا ما اعترفت حركة فتح بأن نهجها التفاوضي كان عقيما وادي بنا للتحول لشعب من الشحادين كما قال أحد رموز السلطة الدكتور نبيل شعت ،وان تعترف حركة حماس ومن ينهج نهجها بان الحسم العسكري لصالحنا غير ممكن في المدى المنظور ،وان العمليات الاستشادية والتباهي بعدد الشهداء هو أيضا نهجا عقيما وكان سببا في أن حصاد الانتفاضة كان مرا وسلبيا،وإن لم يتمكن الطرفان من التوصل لإستراتيجية عمل وطني موحد آنذاك سيتأكد الشعب بان نخبته السياسية فاشلة وليست أهلا لأن تكون قيادة لهذا الشعب العظيم . المشكلة ليست مشكلة دستورية ولا مشكلة نصوص والتزامات ولكنها مشكلة انعدام ثقة بين القوى السياسية ومشكلة مصالح ضيقة.

عن admin