مقتطفات
الرئيسية / دراسات وأبحاث / استشراف مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بعد العدوان على غزة

استشراف مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بعد العدوان على غزة

مقدمة

لا يمكن استشراف المستقبل بدون فهم الحاضر والتعرف على القوى المؤثرة في الموضوع محل الاستشراف لان من لا يتحكم بالحاضر ولا يملك قراره المستقل لا يمكنه أن يستشرف المستقبل بطريقة علمية لان الاستشراف ليس تنجيما بل علما له أدواته ومتطلباته العلمية.وإذ نضع سيناريوهات للمستقبل فلا يعني ذلك أن الأمور بالضرورة ستسير وفق إحداها فقد نفاجأ بحلول وصيرورة للأحداث خلاف ذلك والسبب هو ارتباط القضية الفلسطينية بمحيطها العربي والإقليمي وبالمتغيرات الدولية، فليس الفلسطينيون أصحاب القرار بقضيتهم الوطنية وليسوا اللاعبين الوحيدين بشأنها.

أولا: خلفيات ودوافع العدوان
حتى نتلمس استشراف آفاق مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يجب استحضار الواقع والوقائع بعيدا عن خطاب العواطف والانفعالات، هذه الوقائع التي جعلت إسرائيل تُقدم على جريمتها في قطاع غزة بهذه البشاعة وهي مطمئنة تجاه ردود الفعل العربية والدولية وحتى الفلسطينية الأمر الذي يتطلب استحضار الوقائع التالية التي فرضت وجودها على القضية الفلسطينية منذ بداية ما يسمى بمسلسل السلام مع مدريد ثم أوسلو.:-

1-: إن إسرائيل لا تريد سلاما حقيقيا مؤسَسَا على الشرعية الدولية أو الاتفاقات الموقعة،فمنذ أن اغتالت الصهيونية إسحاق رابين قررت إسرائيل الخروج من العملية السلمية وكل المفاوضات واللقاءات اللاحقة كانت لكسب الوقت لا غير لالتهام مزيد من أرض الضفة والاشتغال على تدمير المشروع الوطني بفصل غزة عن الضفة،واستطاعت إسرائيل فرض معادلة :مفاوضات وحديث عن السلام مقابل اعتراف وتعامل إسرائيل وواشنطن والأوروبيين مع السلطة كممثل للشعب الفلسطيني ومسئولة عن تدبير الشؤون الداخلية للفلسطينيين في إطار سلطة حكم ذاتي وحيث أن إسرائيل ليست دولة سلام بل دولة عدوان وإرهاب: نشأة وإيديولوجيا وسلوكا، فهي لا ترى تناقضا بين سلوكها الإرهابي والتزامها بعملية السلام الشكلية.هذه الايدولوجيا السياسية تحضا بموافقة ورضا الشارع الإسرائيلي ولذا تراجعت مكانة قوى اليسار في إسرائيل وأصبح اليمين هو المسيطر على المشهد السياسي الإسرائيلي وهذا يفسر صمت الشارع الإسرائيلي على ما يجري بالقطاع على عكس ما جرى أثناء الغزو الإسرائيلي للبنان 1982 وخلال الانتفاضة الأولى والثانية.
2-:منذ نهاية المرحلة الانتقالية للسلطة الفلسطينية في مايو 1999 ،بدأت السلطة الفلسطينية بالتحول من سلطة مؤقتة وانتقالية لحركة تحرر وطني تمهد الطريق نحو الدولة والاستقلال إلى سلطة لأجل السلطة وهدف بحد ذاته وبالتالي لم يعد من الممكن المراهنة عليها وحدها لقيادة المشروع الوطني التحرري.وان تتشكل سلطة وحكومة في ظل الاحتلال وبرعاية أوروبية وأمريكية فلا بد أن تكون سلطة متصالحة مع الاحتلال،وسلطة متصالحة مع الاحتلال ولو بحكم الضرورة لا يمكنها أن تقود حركة تحرر وطني أو تواجه أمنيا وعسكريا سياسات الاحتلال.

3-:سواء تعلق الأمر بالأنظمة أو الشعوب ،لم يعد مجالا للمراهنة على الحالة العربية الراهنة لتحرك جاد وقوى في مواجهة السياسة الصهيونية المدعومة أمريكيا ولا يبدو أن العرب ومعهم المسلمين سيتجاوزون بمواقفهم سقف المبادرة العربية للسلام –مبادرة قمة بيروت 2002- وخصوصا بعد استعداد سوريا للمفاوضات مع إسرائيل حول الجولان وخروج حزب الله من ساحة المواجهة المباشرة مع إسرائيل.العرب ما زالوا أمناء وملتزمين بمعادلة مقدسة مع الفلسطينيين ،هذه المعادلة تقول بان يقدم الفلسطينيون الشهداء والجرحى ويقدم العرب سيارات الإسعاف والأدوية وأكفان الموتى وأكياس الطحين ويفتحوا مستشفياتهم لاستقبال بعض الجرحى لعلاج مَن يمكن علاجه ولموت مرفه في مستشفيات راقية لمن لم يفلح معه العلاج،معادلة تقول بأن يُسحق الشعب الفلسطيني وتتناثر أشلاء الأطفال والنساء وتدَمَر البيوت وتُصادر الأرض وتُهود مقابل أن تَعرض الفضائيات هذه المشاهد وتفسح المجال لمن يريد أن يتحدث عن بطولات الشعب الفلسطيني وعن توازن الرعب مع إسرائيل وعن التهديد بتدمير إسرائيل وربما تزيد الفضائيات من عندها بما يُضخم من الإمكانيات العسكرية للفلسطينيين.

4-:تحول الانقسام في الساحة الفلسطينية من تعددية سياسية إلى انقسام سياسي استراتيجي وجغرافي وخصوصا بعد أحداث 14 يونيو 2007،ونتيجة هذا الانقسام استطاعت إسرائيل فرض معادلة خطيرة وهي إسرائيل في مواجهة عسكرية دموية مع قطاع غزة، مع أهل غزة وحركة حماس وبقية فصائل المقاومة من جهة ،ومحاولة تحييد الضفة الغربية من جهة أخرى،وبمقتضى هذه المعادلة لم يعد الصراع كما كان سابقا ،إسرائيل في مواجهة كل الشعب الفلسطيني وهو ما كان عليه الحال طوال تاريخ القضية الفلسطينية وهو ما لمسناه خلال انتفاضة 1987 ثم انتفاضة الأقصى ،وبالتأكيد لم يعد احد يتحدث عن الصراع العربي الإسرائيلي. بمقتضى هذه المعادلة أصبحنا نسمع عن حرب إسرائيل ضد قطاع غزة والعدوان اليوم هو على قطاع غزة فيما ننم عملية إخراج الضفة من ساحة الحرب المباشرة ،حتى شعارات المتظاهرين في العالم أصبحت تقول لبيك غزة ونصرة غزة وليس لبيك فلسطين ونصرة فلسطين .عندما تصبح الحرب معركة بين إسرائيل بما تملك من قوة جبارة من جهة وقطاع غزة -360 كلم- وحركة حماس من جهة أخرى فنتائج الحرب كانت متوقعة.
5-:مع سيطرة حركة حماس على السلطة في القطاع تراجع المشروع الوطني الفلسطيني بمحدداته ومرجعياته التي صاغتها وثيقة الاستقلال عام 1988 ثم مشروع السلام الفلسطيني، على الأقل على مستوى قطاع غزة وبالنسبة لحركة حماس،وأصبحت غزة وكأنها تحت حكم جماعة الإخوان المسلمين والمعركة الدائرة في غزة وكأنها معركة الإخوان المسلمين حيث نحشد هذه الأخيرة كل جهودها على مستوى العالم لرفع الحصار عن غزة وحيث أن الإسلام السياسي في حالة صراع وخلاف مع أنظمة عربية وعلاقاته متوترة مع المنتظم الدولي فقد أصبحت الحالة الفلسطينية وخصوصا في قطاع غزة متداخلة ،تؤثر وتتأثر بسياسات الأنظمة العربية تجاه الإسلام السياسي ببلدانها . هذا التداخل بين الحالة في غزة والإسلام السياسي هو ما يجعل الأنظمة العربية تنظر بحذر وخوف تجاه المظاهرات التي تجري في بلدانها نصرة لأهل غزة ،حيث ترى بها استعراض قوة للإسلام السياسي وخصوصا الإخوان المسلمين فالمظاهرات في نظر الأنظمة و إن كانت استنكارا لمجازر غزة فهي رسالة موجهة للأنظمة العربية وخصوصا ذات العلاقات المتوترة مع الإخوان كمصر والأردن ودول المغرب العربي،كثير من الأنظمة العربية لا ترى في نجاح حركة حماس في إقامة سلطة في القطاع نجاحا للقضية الفلسطينية بل نجاحا لمشروع إسلامي يشكل تهديدا لها ولاستقرار الوضع في بلدانها .

6-:ولان الأمر أصبح كذلك فقد تراجعت فرص المصالحة الوطنية ،وتراجع أيضا الحديث عن اعتراف حركة حماس بإسرائيل وهو ما كان شرطا رئيسا في ظل حكومة الوحدة الوطنية وفي ظل الحكومة التي قادتها حماس مباشرة بعد الانتخابات ،فبعد الانقسام ومع قبول حركة حماس بالتهدئة لم تعد إسرائيل معنية بان تعترف بها حركة حماس ما دامت قواعد اللعبة محصورة بغزة وبتهدئة وبدفع غزة جنوبا نحو مصر أو غربا نحو البحر. وهنا نتمنى على الإخوة في حركتي حماس والجهاد وخصوصا حركة حماس أن يدركوا أنهم لو كسبوا تأييد مليار وثلث المليار من المسلمين فإن هذا لن يغني أو يفيدهم بشيء إن فقدوا تأييد الشعب الفلسطيني ،فقوتهم الحقيقية هي أهلهم من الشعب الفلسطيني وتحالفهم مع بقية قوى العمل الوطني،ملايين المسلمين والعرب قد يدعموهم ماليا ولكنهم لن يصدوا دبابة صهيونية تتقدم لهدم منزل أو صاروخا يستهدف طفلا أو شيخا،هذه الملايين لن تخفف عنهم الألم الناتج عن نظرة شماتة أو حقد من بعض أبناء جلدتهم الذين أصابهم ضيم وعنت على يد أجهزة حركة حماس، وهم يرونهم يبحثون عن حلفاء من أشتات الأرض ويناشدون العالم الخارجي بالتدخل متجاهلين أبناء وطنهم والأقربين بالوطن والدم .

7-:فحيث أن إسرائيل ليست بعيدة عن كل الأحداث الفلسطينية الداخلية وخصوصا حالة الانقسام بل هي الموجه لها فأن ما يجري اليوم مع حركة حماس هو نفس التكتيك الذي استعملته مع الرئيس الراحل أبو عمار ولكن على أرضية الانقسام مما يجعل قدرتها اليوم أكبر على تحقيق بعض أهدافها الإستراتيجية.فتحت شعار السلام واتفاقية أوسلو سمحوا لمنظمة التحرير بتأسيس سلطة وأجهزة أمنية ووزارات ومؤسسات وكانت المراهنة الإسرائيلية أن تحل السلطة محل حركة التحرر الوطني وانتهاء توصيف إسرائيل كدولة احتلال وكانت المراهنة أيضا أن ينشغل الفلسطينيون بالسلطة والصراع عليها فيما تتفرغ إسرائيل لاستكمال مشاريعها الاستيطانية بالضفة وتهويد القدس ،إلا أن وطنية وإرادة الراحل أبو عمار والمخلصين في الشعب الفلسطيني كانت بالمرصاد لهذا المخطط ،فحاول أبو عمار إفشال هذا المخطط وخصوصا بعد كامب ديفد الثانية والعودة لحالة التحرر الوطني والسماح أو السكوت على تسليح الشعب وممارسة المقاومة المسلحة وكان أبو عمار مستعدا للتضحية بالسلطة لصالح النهج الثوري والوطني، كانت نتيجة هذا الموقف العرفاتي دفع إسرائيل لاجتياح مناطق السلطة في الضفة عام 2002 ومحاصرة الرئيس أبو عمار بالمقاطعة ثم اغتياله لإعادة إدخال السلطة في بيت الطاعة الإسرائيلي.اليوم تتكرر التجربة مع حركة حماس ، فقد سمحوا بداية بإجراء انتخابات تشريعية تشارك بها حركة حماس في يناير 2006ثم سكتوا على انقلاب يونيو 2007 وتفاهموا على تهدئة مع سلطة وحكومة حماس بالقطاع وسهلوا فتح المعابر نسبيا ثم سكتوا على وجود أكثر من 1400 نفق عبر الحدود مع مصر،كانت إسرائيل من وراء ذلك تراهن على أن تخضع السلطة ومنظمة التحرير والرئيس أبو مازن لهذا الأمر الواقع ويقبلوا بمبادرة أولمرت التي تنهي الصراع مع العدو لمصلحته،وان تخضع حركة حماس وفصائل المقاومة بغزة وتقبل بمعادلة التهدئة مقابل الغذاء وأن تنجح الضغوط على مصر لفتح معبر فتح كبديل للمعابر مع إسرائيل،الحس الوطني لدى الطرفين الفلسطينيين أفشل حتى الآن المخطط الصهيوني وبالتالي قررت إسرائيل العدوان على غزة وارتكاب مجزرة غير مسبوقة تكون درسا حاليا لحماس ولقطاع غزة ودرسا لأهلنا بالضفة إن قرروا التمرد على الإرادة الصهيونية،وهذا معناه أن المستهدف ليس حركة حماس بل إرادة الصمود عند الشعب الفلسطيني.

8- إن من تابع العدوان على غزة ويقارنه بحرب تموز مع حزب الله سيلاحظ كثيرا من أوجه الشبه سواء من حيث انقسام مواقف الأنظمة العربية من الحدث أو المواقف الشعبية المؤيدة لحزب الله ،وكثرة عدد الذين نصبوا أنفسهم محللين عسكريين واستراتيجيين وقالوا بلغة اليقين بأن صواريخ حزب الله ستفرض معادلة جديدة في لبنان وفي الشرق الأوسط وبعضهم بشَّر بنهاية إسرائيل على يد حزب الله ، والشبه أيضا من حيث مجريات حرب الصواريخ وتوسيع مداها والتهديد بالآتي الأعظم حيث ستضرب الصواريخ نل أبيب ومفاعل ديمونا ،وما صاحب ذلك من حرب نفسية ودعائية.الجديد في حالة غزة أن حزب الله ومعه إيران تحولا لجوقة المنددين بالعدوان مثلهم كمثل الأنظمة العربية أو مثل المستضعفين من الجماهير الشعبية التي لا حول ولا قوة لها إلا التظاهر والتنديد. ونتمنى على قوى المقاومة والفلسطينيون بشكل عام الاستفادة من تجربة حرب تموز في لبنان وأن لا تكون نهاية الحرب والحصارعلى غزة كنهاية حرب تموز حيث استمر حزب الله بالحديث عن ( النصر المؤزر) بالرغم من الدمار الذي لحق بلبنان وإخراج حزب الله من الجنوب وتحويله لأداة لحرب أهلية ومرابطة قوات دولية في الجنوب وتحويل الحدود اللبنانية الإسرائيلية كمثيلتها الحدود الأردنية الإسرائيلية أي أخراج لبنان من ساحة المواجهة مع إسرائيل .

9- الموقف الغريب والمثير للتساؤل لفصائل (المقاومة) .كنا نقهم أن تختلف الفصائل في المواقف وحتى في الاستراتجيات وهو الاختلاف الذي شكل مقتلا للقضية الوطنية،ولكن ما لا نفهمه هو استمرار هذا التنافر والتعارض بعد كل ما جرى للقضية الوطنية والأخطر من ذلك هو اختلاف موقف وممارسة الفصيل الواحد حسب التواجد الجغرافي ،فالفضائل المتواجدة بالضفة أصبحت وكأنها جزء من السلطة حيث تهادن الاحتلال ولا تمارس مقاومة مسلحة في مواجهة قوات الاحتلال والمستوطنين المنتشرين في كل مكان وعلى الطرقات بالرغم من أن الضفة الغربية ما زالت محتلة بل هي أولى بالمقاومة والجهاد لأنها مهددة بالاستيطان والضم ، فكيف يمكن تفسير أن فصائل المقاومة توقف المقاومة حيث يوجد الاحتلال بالضفة والقدس وخصوصا بعد اتضاح فشل مسلسل التسوية ووصول المفاوضات لطريق مسدود، وتمارس مقاومة إطلاق الصواريخ من قطاع غزة حيث خرج الاحتلال ولو نسبيا؟إن كانت هذه الفصائل سواء كانت حماس والجهاد أو كتائب الأقصى والشعبية والديمقراطية،تريد أن تبلغ رسالة بأنها ما زالت قوى مقاومة حتى تضمن حضورها السياسي واستمرار الدعم من الجهات التي تقدم الدعم لها لأنها فصائل مقاومة،فعليها أن لا تنظر لأهل غزة كـ (حيطة واطية) وكجموع بشرية محبطة ومندفعة ومتحمسة ومستفزة دوما،بل عليها أن تبحث عن الساحات الحقيقية التي تحتاج لفعل المقاومة ليخففوا العبء عن أهل غزة ولاستمرار مسيرة التحرير التي يقولون بها. الصواريخ المنطلقة من غزة أعادت إسرائيل لغزة بشكل أكثر دموية قيما كان يفترض بهذه الصواريخ وأشكال المقاومة الأخرى العاملة في إطار إستراتيجية وطنية أن تُخرج إسرائيل من الضفة.

10- يمكن النظر للعدوان على قطاع غزة باعتباره المرحلة النهائية لخطة شارون للانسحاب أحادي الجانب التي بدأت نهاية عام 2005،إسرائيل أخرجت مستوطنيها وجيشها من قطاع غزة ولكنها لم تنقل السيادة للفلسطينيين ولم تعلن وضعا قانونيا محددا للقطاع ونعتقد أن إسرائيل كانت تهيئ لما جرى لاحقا وخصوصا سيطرة حماس على القطاع،العدوان على قطاع غزة هو معركة لحسم مصير غزة ووضعها القانوني النهائي .وبالتالي لا نعتقد بأن إسرائيل تريد إنهاء سلطة حركة حماس بالقطاع لأن ذلك يعني إعادة توحيد السلطة والنظام السياسي الفلسطيني وهو ما لا تريده إسرائيل،بل تهدف لفرض وقف إطلاق للنار وهدنة طويلة المدى وإنهاء العلاقة مع إسرائيل وبالتالي مع الضفة الغربية.
11 – وصول تهج المقاومة الراهن لطريق مسدود ليس لأن الخطأ في المقاومة ،فالمقاومة مكون رئيس في أي مشروع تحرر وطني،ولكن لأنها مورست خارج إطار إستراتيجية عمل وطني ولأغراض حزبية ضيقة وأحيانا لخدمة أجندة خارجية أو بهدف الوصول للسلطة.وكان أسوء ما وصلت إليه المقاومة الفلسطينية عندما اختُزِلت بإطلاق مقذوفات تسمى صواريخ واقتصرت على قطاع غزة دون بقية فلسطين.
12 – زيادة تأثير التدخلات الخارجية في القضية الوطنية سواء تعلق الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية والأوروبيين أو بأطراف إقليمية كالدول والتنظيمات التي ترفع شعارات الممانعة أو المسماة بدول الاعتدال.لا شك ان التدخلات الخارجية حالة مزمنة في القضية الفلسطينية ولكنها في الوقت الراهن أصبحت أكثر خطورة لأنها مرتبطة بمشاريع سياسية تتجاوز المشروع الوطني بل على حسابه..
13 – توجه المجتمع الإسرائيلي نحو اليمين واحتمال تشكيل نتنياهو لحكومة يمينية،ومع أن الفوارق ما بين اليمين واليسار في إسرائيل تقلصت لصالح اليمين إلا أن التوجهات السياسية لليكود تحت زعامة نتنياهو تشكل خطرا ليس فقط على نهج المقاومة بل وعلى مشروع السلام الفلسطيني حيث الخوف بعد تشكيل هذه الحكومة على الضفة والقدس وليس على غزة.
14 – وجود تحركات دولية وإقليمية لتجاوز المشروع الوطني وهو تحركات مبنية على قناعة بوصول التسوية السياسية التي أسست لها اتفاقات أوسلو والتي راهن فلسطينيون من خلالها على قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة والقطاع، لطريق مسدود ،وهذه التحركات تؤسس لمعادلة جديدة في المنطقة.

كان لا بد من استحضار هذه الوقائع حتى نعرف ما هي الأرضية أو المعطيات التي سننطلق منها لاستشراف المستقبل ،وفي هذا السياق نطرح التساؤلات التالية قبل التطرق لأهم السيناريوهات :-
هل المشكلة بين حركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين من جهة وإسرائيل من جهة أخرى أم بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل؟هل المشكلة هي معبر رفح وبالتالي إذا تم فتحه ستُحل القضية الفلسطينية أو حتى ستتوقف المواجهة بين حركة حماس وإسرائيل؟وهل هناك إمكانية لتعايش إمارة في غزة يحكمها الإخوان المسلمون مع النظام المصري والكيان الصهيوني؟هل العودة للتهدئة بين غزة وإسرائيل بدون مصالحة وطنية هو الحل؟هل صدور قرار من مجلس الأمن بإرسال قوات دولية لترابط على حدود غزة كما جرى في جنوب لبنان هو الحل وهل يمكن لحركة حماس لوحدها الوقوف بوجه هذه الإرادة الدولية؟أم أن كل ما سبق هي تداعيات للانقسام ولغياب قيادة وإستراتيجية عمل وطني ،وبالتالي يحتاج الأمر لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني كبيت شعب تحت الاحتلال تقوده حركة تحرر واحدة وبإستراتيجية واحدة؟.

ثانيا:سيناريوهات مستقبل المشروع الوطني

1-المصالحة الفلسطينية ضرورة وليست خيارا
ما كان من الضروري أن يحدث الانقسام والحصار ومجزرة غزة لنكتشف أهمية وضرورة المصالحة والوحدة الوطنية وما كان من الضروري المراهنة مجددا على العالم الخارجي بكل أبعاده الإقليمية والدولية الرسمية والشعبية لنكتشف أن ما حك جلدك مثل ضفرك ولن يكون احد أكثر فلسطينية من الفلسطينيين وما كان الأمر يحتاج للانتظار حتى يصل اليمين الصهيوني للحكم في إسرائيل الذي لا يؤمن بالسلام ولا يعترف بأي مواثيق واتفاقات مع الفلسطينيين لنكتشف أن المفاوضات عبثية وأن ما جنته إسرائيل منها أكثر بكثير مما جناه الفلسطينيون ولنكتشف أن المشروع الوطني مهدد بالضياع والقضية الوطنية برمتها أصبحت في مهب الريح.

حتى ندرك أهمية المصالحة الوطنية علينا أن نتصور ما سيكون عليه الحال فيما لو فشلت جهود المصالحة الوطنية؟ما هو مستقبل قطاع غزة؟ ما هو حال ومصير الضفة والقدس؟ ما هو مصير الشعب الفلسطيني بالشتات؟ما هو مصير القضية الفلسطينية برمتها؟.فلنفترض أن الحصار قد رُُفع عن القطاع وأن التهدئة قد ثبتت وان المعابر(خصوصا معبر رفح) قد فُتحت بدون مصالحة،فماذا بعد؟هل ستكون غزة دولة قائمة بذاتها؟.وما العلاقة التي ستربطها بالضفة؟وهل ستتحول غزة قاعدة للانطلاق لتحرير الضفة فيما فصائل المقاومة ملتزمة بالتهدئة ؟وهل سيعترف العالم بدولة غزة كبديل عن الدولة الفلسطينية؟وهل سيكون لدولة غزة جواز سفر وبطاقة هوية ومناهج تعليم وسفارات خاصة بها؟.أيضا التساؤلات تفرض نفسها بالنسبة للضفة الفلسطينية،ذلك أن فصل غزة عن الضفة معناه أن تتفرد إسرائيل بالضفة استيطانا وتهويدا وان ينتهي وجود المشروع الوطني هناك حيث العدوان القادم سيكون على الضفة بعد أن تؤمن إسرائيل حدودها مع غزة بالتهدئة،وحيث الحكومة الفلسطينية هناك مجرد مسيرة لأعمال الحياة اليومية للمواطنين دون حول ولا قوة لها لوقف الاستيطان وحملات الاغتيال والاعتقال التي يقوم بها العدو.فشل المصالحة الوطنية معناه تكريس الانقسام واختزال فلسطين بغزة وقد لا تمانع دول كثيرة بالاعتراف بحكومة غزة إن كان ثمن هذا الاعتراف تخلي الفلسطينيين عن المقاومة و الضفة والقدس وحق العودة أو تركها للمجهول، وأسئلة كثيرة مقلقة ستفرض نفسها فيما لو فشلت المصالحة الوطنية.
إذن السيناريو الذي يتوافق مع الإرادة الشعبية والذي يحمي المشروع الوطني هو المصالحة الوطنية المؤسسة لحكومة توافق وطني ولقيادة وإستراتيجية عمل وطني.
2- عودة الوصاية العربية على الفلسطينيين
أطراف عدة عبرت مؤخرا عن تخوفاتها من إنهاء المشروع الوطني وإعادة ربط قطاع غزة بمصر وما تبقى من الضفة الغربية بالأردن ،او بشكل آخر عودة الوصاية على الشعب الفلسطيني .العدوان الأخير على قطاع غزة كشف إحدى حلقات المخطط وهي مرحلة تصفية المشروع الوطني بالقطاع بوضع شروط وصاية مصرية ودولية على القطاع بعد إنهاء المقاومة تمهيدا للانتقال للضفة في مرحلة تالية .
من المعروف أن الضفة الغربية تم ضمها للأردن بعد حرب 48 و أهلها حملوا الجنسية الأردنية ولم يحدث فك الارتباط بين الضفة الغربية والأردن إلا عام 1988 وكان إداريا ،وما زالت غالبية سكان الضفة بالإضافة إلى فلسطينيي الأردن يحملون الجنسية الأردنية ،أما قطاع غزة فقد خضع للحكم العسكري المصري منذ 1948 حتى عام 1967،وبالرغم من ذلك استنهض الفلسطينيون الحالة الوطنية وتمردوا على الوصاية وعلى تغييب الشخصية والهوية الوطنية وانطلقوا بثورتهم الوطنية مع حركة فتح ومنظمة التحرير التي شكلت تحالفا لقوى العمل الوطني من كل المشارب والانتماءات وهم تحت الوصاية العربية،ومنذ ذلك التاريخ فرض الشعب الفلسطيني بنضاله المسلح والسياسي والدبلوماسي معادلة جديدة في المنطقة مفادها أن الشعب الفلسطيني لم يعد جموع لاجئين ولا مواطنين من درجة ثانية في البلدان التي يتواجدون بها بل شعب له حقوق سياسية ومن حقه تقرير مصيره السياسي وقد تجاوب المنتظم الدولي مع هذه الحقيقة من خلال صدور عشرات القرارات الدولية تعترف بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني وحقه بتقرير المصير وبالدولة وتم فتح أكثر من مئة سفارة لفلسطين في العالم بالإضافة إلى صيرورة فلسطين عضوا رسميا وأساسيا في جامعة الدول العربية ومنظمات إقليمية ودولية وعضوا مراقبا في الأمم المتحدة.
إذا كان الشعب الفلسطيني وقبل خمس وأربعين سنة وعندما كان تحت الوصاية تمرد على هذه الوصاية وعلى تغييب هويته الوطنية فكيف هو الحال اليوم بعد أن قدم الشعب عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين وتعرض للعديد من المجازر وخاض انتفاضتين شعبيتين ؟.أي نظام عربي يعتقد انه قادر اليوم أن يعيد الشعب الفلسطيني لوصايته هو نظام لا يعرف الشعب الفلسطيني ،وإن فكر أي نظام عربي بالمشاركة بهذه المؤامرة نتيجة ضغوط أو إغراءات أمريكية وأوروبية فإنه سيحكم على نفسه بالانهيار،فان تمد هذه الأنظمة نفوذها أو سيادتها على الشعب الفلسطيني أرضا وشعبا وهي التي تعاني أصلا من أزمة شرعية داخلية وعلاقاتها متوترة مع شعوبها فهذا هو الانتحار السياسي،أيضا فلا الشعب المصري أو الأردني سيقبل بان يشارك بهذه المؤامرة ولا أهل غزة والضفة سيقبلون بذلك هذا ناهيك عن الرفض الشعبي العربي لهذا المخطط.
ومن جهة أخرى، وبعيدا عن الجانب الإرادوي لهذا النظام أو ذاك وبعيدا عن المخططات الإسرائيلية و الأمريكية فأن مصير الشعوب لا تحدده مؤامرات ومخططات الدول المعادية والأجنبية بل الشعوب نفسها، كما أن هناك قرارات دولية تعترف بالحقوق السياسية للشعب الفلسطيني وهي قرارات لا تسقط بالتقادم كقرار التقسيم لعام 1947 وهو القرار الدولي الوحيد الذي منح الشرعية لوجود دولة إسرائيل بجانب دولة للفلسطينيين ،وقرار 194 الذي يتص على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين لمدنهم وقراهم التي هُجِروا منها وقرارات أخرى حول حق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره السياسي،أيضا فإن منطلق مؤتمر مدريد للسلام ومن بعده اتفاقية أوسلو وخطة خارطة الطريق ومؤتمر انابولس ووعد بوش للفلسطينيين بدولة مستقلة… وبالرغم من تحفظاتنا على هذه القرارات والاتفاقات ،فكلها تؤكد على الجانب السياسي للصراع مع العدو الصهيوني وتؤكد على مسالة الدولة الفلسطينية المستقلة ،وعليه كيف يمكن تجاهل هذه الشرعية الدولية؟وضمن أية شرعية أو مرجعية قانونية يمكن إدراج مخطط الوصاية العربية على الضفة والقطاع؟.إذا كان الشعب الفلسطيني في الشتات والمنافي البعيدة وبعد أكثر من ستين عاما من النكبة لم ينس وطنه ولم يتخل عن هويته ،فكيف بالفلسطينيين الذين يعيشون على أرض فلسطين أو مجاورين لها وخصوصا أن هؤلاء يُحمِلون الأنظمة العربية مسؤولية عن المعاناة والمجازر التي تعرضوا لها على يد الصهاينة؟
الإرادة الإسرائيلية بتصدير فشلها وعجزها عن تركيع الشعب الفلسطيني وإجباره على التنازل عن حقوقه الوطنية،إلى الأنظمة العربية في مراهنة أن يدخل الفلسطينيون في مواجهات مع مصر والأردن بدلا من مواجهة الاحتلال،قد تجد قبولا من بعض الشرائح السياسية والنخب المالية الفلسطينية والعربية إلا أن الهوية الوطنية الفلسطينية التي تعمدت بالدم ومقابر شهداء فلسطين المنبثة في مدن ومخيمات الضفة والقطاع وفي عمان ودمشق وبيروت والتي سيضاف لها مقابر شهداء مجازر العدو في غزة ،واسم فلسطين الذي تحول لرمز للبطولة والعطاء والثبات والتمسك بالحقوق الوطنية،وكوفية أبو عمار والكرسي المتحرك للياسين والدماء المتناثرة لجسدي أبو على مصطفي والشقاقي … كل ذلك يشكل ضمانة فشل كل مخططات تجاوز الرقم الفلسطيني الصعب ،قد نختلف كفلسطينيين على الوسائل ويمكن على الأهداف وقد تتقاتل الفصائل ،ولكن عندما يصبح الوجود الوطني مهددا وعندما نصبح مهددين بالعودة لإذلال أجهزة الأمن والمخابرات العربية على المعابر وفي المطارات وفي مقرات الأجهزة الأمنية فالأصالة والوطنية الفلسطينية التي تعمدت بالدم ستعلن عن نفسها ونتمنى انه بعد المجازر التي يتعرض لها أهلنا في غزة ستشهد الحالة الفلسطينية صحوة وطنية جديدة تتجاوز الخلافات والمصالح الحزبية الضيقة.

3- سياسة ألا حرب وألا سلم

إن كانت حركة حماس لا تريد الاعتراف بإسرائيل ، ولا بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير مع إسرائيل ، ولا بالمبادرة العربية ، ولا بقرارات الشرعية الدولية… فلماذا دخلت الانتخابات أصلاً وهي تعرف أنها انتخابات سلطة حكم ذاتي مرجعيتها اتفاقات أوسلو ؟ وماذا تريد من خلال سيطرتها على قطاع غزة ؟ الجواب الذي يتبادر للذهن مباشرة هو أنها تريد عكس ذلك أي عدم الاعتراف بإسرائيل ومواصلة نهج المقاومة المسلحة والتمسك بالشرعية الدينية والتاريخية . ولكن كيف نوفق بين ذلك وبين استعداد الحركة الالتزام بتهدئة طويلة؟ وكيف يستقيم ذلك وإسرائيل تسمح لقادة حماس بالتنقل العلني داخل الوطن وخارجه ؟وهل ما يجري اليوم قد فاجأ حركة حماس وبالتالي وقَعت في مصيدة أُعدت لها ؟ أم كان أمراً متوقعاً ، وبالتالي فهي تعرف ما تريد وليست منزعجة مما يجري ؟

نعتقد بأن حركة حماس لم تدخل الانتخابات التشريعية بداية ولم تُقدِم على السيطرة على قطاع غزة وبالتالي الانفصال عن الضفة بدون خطة وهدف ، ما نرجحه هو أن دخول حركة حماس للانتخابات كان بهدف إسقاط صفة الإرهاب التي ألصقت بها و تثبيت قيادتها للشعب الفلسطيني كبديل عن منظمة التحرير وقيادة الشعب في ظل حالة من « ألاَّ سلم وألاَّ حرب » ، هذه الحالة هي أيضاً الوضع المناسب لإسرائيل والولايات المتحدة كما ذكرنا ، وعلى هذا الأساس فإن إسرائيل والولايات المتحدة غير منزعجين لوجود حركة حماس على رأس حكومة بغزة بل يمكن القول بأنهم غير متعجلين ولا راغبين بأن تعترف الحكومة الفلسطينية التي تترأسها حماس بإسرائيل وبالاتفاقات الموقعة ، وهذا يعني أنهم لن يعملوا على إسقاط حكومة حماس بل من مصلحتهم إطالة عمرها ، ولكن في ظل استمرار حالة الحصار. وجود حكومة لحماس لا تعترف بإسرائيل وبالشرعية الدولية يمنح المبرر لإسرائيل للزعم بعدم وجود شريك فلسطيني مما يمكنها – إسرائيل – من الاستمرار بتنفيذ سياستها للاستيلاء على ما تبقى من الضفة الغربية وتهويد القدس.

إذن هناك مصلحة مشتركة بين طرفين هم في الجوهر أعداء ، ولكن تجمعهم مصلحة مشتركة في استمرار حالة من ألا حرب وألا سلم ، وكلاهما يراهن على المستقبل ، إسرائيل تعتقد بأن المستقبل لصالحها ، حيث ستستمر بسياستها التوسعية بذريعة غياب الأمن ووجود طرف فلسطيني يرفض السلام والتسوية ، أيضاً تراهن بأن استمرار الحصار وعدم الحل السياسي سيجعل مناطق السلطة مناطق طاردة للفلسطينيين وللكفاءات بدلاً من أن تكون مناطق جذب وعودة ، أيضاً حالة ألا سلم وألا حرب هي الحالة التي تتوافق مع الإستراتيجية الأمريكية ، إستراتيجية إدارة الأزمات وليس حلها لأنه لو حُلت كل مشاكل المنطقة العربية لتفرغت الشعوب العربية للبناء والتعمير وهذا ما لا ترغب به أمريكا والغرب ، وحالة ألا حرب وألا سلم حالة مواتية لحركة حماس التي تدرك بأن اعترافها بإسرائيل سيجعلها مساوية لغيرها من القوى السياسية التي كانت تنتقدها بل تشكك بوطنيتها ، والاعتراف بإسرائيل سيسقط عنها الهالة الدينية التي تميزها عن غيرها ، أيضاً تعتقد حركة حماس بأن المستقبل لصالحها مراهنة على نهضة إسلامية آتية لا محالة في نظرها وأن هناك وعداً إلهياً بنصرة المرابطين في أرض الرباط ، وأن المشروع الصهيوني مشروع غير قابل للحياة… الخ .

من الآن وإلى حين تحقيق النصر الموعود وفي حال فشل المصالحة فإن الشغل الشاغل لحركة حماس سيكون كيفية الحفاظ على وجودها كحكومة للشعب الفلسطيني في غزة مع محاولة انتزاع اعتراف بها كممثلة للشعب الفلسطيني وإن لم تستطع فستشكل قيادة موازية لقيادة منظمة التحرير. وحتى تحافظ على وجودها فستمارس نوعاً من البراغماتية والغموض في الخطاب والممارسة دون أن يصل الأمر لكسر حالة ألا حرب وألا سلم ، وهي في ذلك لن تجد كثير ممانعة من دول الجوار ومن الولايات المتحدة الأمريكية ومن الأوروبيين وحتى من إسرائيل ، هذه الأطراف ستسمح بوصول الدعم الاقتصادي والمالي للفلسطينيين ليس حباً بحماس وبالشعب الفلسطيني ولكن حفاظاً على وجود الانقسام في الساحة الفلسطينية و أملاً بفتنة فلسطينية داخلية ، ولأن وجود حكومة وسلطة في الضفة وحكومة وسلطة في غزة يبعد عن إسرائيل صفة دولة احتلال ويعفيها من تبعات ومسؤوليات دولة الاحتلال .

4- إمارة إسلامية في قطاع غزة
لم يعد مجالا للشك بان حركة حماس امتداد لجماعة الإخوان المسلمين في فلسطين ،وبالتالي فإن مشروع حركة حماس وحكومتها في غزة هو مشروع الإخوان المسلمين الذي يُغلب متطلبات هذا المشروع على أي مشاريع أخرى بما فيها المشروع الوطني والدولة الوطنية. فصل غزة عن القطاع وتأسيس سلطة إسلامية بالقطاع وهو ما يعتبره القائلون بالمشروع الوطني تهديدا للمشروع الوطني هو بالنسبة لحركة حماس وللإخوان المسلمين نصر و قاعدة ومنطلق لتأسيس المشروع الإسلامي الذي تحلم به جماعة الإخوان المسلمين منذ أكثر من ثمانين عاما وفشلت في إنجازه في أية دولة عربية |أو إسلامية ووجدوا بقطاع غزة الفقير والمحاصر والمحتل (حيطة واطية ) وحقل تجارب لتنفيذ مخططهم حتى وإن كان الثمن مجزرة صهيونية توقع 1500 شهيدا وأكثر من 500 جريح وربما مجازر أخرى.الجهود التي تبذلها جماعة الإخوان المسلمين لرفع الحصار عن القطاع إن كانت ستؤدي لتكريس فصل غزة عن الضفة وإنهاء المشروع الوطني لمنظمة التحرير فإن هذا الرفع من وجهة نظر حركة حماس يعني تحرير القطاع من الاحتلال وإقامة إمارة أو دولة في القطاع تكون بمثابة الإقليم /القاعدة لمشروع جماعة الإخوان المسلمين.كل ذلك يفرض السؤال المحوري عن علاقة المشروع الإسلامي ألإخواني الذي يتخذ من قطاع قاعدة مرتكز وحقل تجربة له ،علاقته بالمشروع الوطني الفلسطيني كأحزاب وقوى سياسية وكسياسات واستراتيجيات وكتحالفات وعلاقات إقليمية ودولية؟وهل الجغرافيا السياسية تسمح بإقامة إمارة إخوانية بقطاع غزة ترفض الاعتراف بالشرعيات الوطنية الفلسطينية والعربية والدولية؟.
الوظيفي الوطني 5 :من التقسيم إلى التقاسم
مع أملنا بنجاح خيار المصالحة الوطنية فإن سيناريو أخير يمكن التفكير به كحل مؤقت إلى حين توفر شروط المصالحة الوطنية وتوفر شروط السلام العادل المؤدي لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة ،ونقصد به أن تدعم السلطة الوطنية والرئاسة ومنظمة التحرير وكل الشعب الفلسطيني مساعي حركة حماس لرفع الحصار عن القطاع وتمكينها من بناء قطاع غزة بعيدا عن الاحتلال وعن الوصاية،وفي مقابل ذلك تتوقف حركة حماس والمشايعون لها عن معاكسة السلطة في الضفة ومساعيها لتحقيق انسحاب إسرائيل من الضفة عن طريق المفاوضات ،مع وجود قيادة أو مرجعية مشتركة لكل الشعب في جميع أماكن تواجده.
خاتمة
لا شك أن اخطر ما يهدد وجود امة هو تنكر نخبها وأحزابها لتاريخها وهيمنة استحقاقات الحاضر المتعلقة بالسلطة والحكم على الاستحقاقات الوطنية،ولكن التاريخ الفلسطيني أثبت ان النخب السياسية وكل أشكال الهيمنة هي التي زالت واندثرت ولم تندثر فلسطين الشعب والأرض لأن فلسطين تاريخ يمتد لحوالي أربعة آلاف سنة أي قبل مرور العبرانيين على فلسطين بوقت طويل،وإذ نذكر بهذا التاريخ إنما لنؤكد أن مصير الشعوب لا تحدده النخب والأحزاب بل الشعوب نفسها،وإن انتكاسة المشروع الوطني بصيغته الراهنة قد يؤجل الحلم بالاستقلال والحرية ولكنه لن ينه القضية الوطنية،وأمة حافظت على وجودها وعلى اسمها طوال أربعة آلاف سنة، أمة تستحق الحياة ومن تاريخها تستمد صمودها .
‏28‏/02‏/2009

عن admin